Полный текст (6 158 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
أترى عليل الوجد يطفئ ناره ... إلا رضاب الكاعب الغيداء
قال في الحاشية (الغيداء بخلاف الاغيد فإنه الوسنان المائل العنق) فلينظر ما معنى قوله (بخلاف الاغيد. . .)؟
وفي ص ٤٩٠ حديث عن النبي (ص): (ما زالت اكلة خيبر تعاودني فلا تهدأ أو تقطع ابهري).
وفي الحاشية (الابهر جمع بهر بالضم تتابع النفس) فيا لله من هذا الإفن الذي لا يصدر
مثله عن صاح! انظروا رحمكم الله ما معنى هذه الحاشية؟ وأي مناسبة بينها وبين الحديث؟
قال في القاموس: (البهر. . . وانقطاع النفس من الإعياء. . .) إلى أن قال: (والأبهر الظهر وعرق فيه) ولا يخفى أن هذا هو المناسب للحديث.
وفي ص ٤٩٩ أبيات في وصف السيف:
كأن على متنيه أمواج لجة ... تفقأ في ضحضاحه وتطول
كأن صغار الذر كسرن فوقه ... عيون جراد بينهن دحول
حسام غداة الروع ماض كأنه ... من الله في قبض النفوس رسول
علق عليها قوله (ضحضاحه أي بقربه) فأي فائدة في هذا التفسير؟ مع شيوع كون معنى الضحضاح الماء الخفيف شبه به السيف.
ثم قال: (وقوله الدحول والداحول ما ينصبه صائد الظباء من الخشب) ولم استطع أن افهم المناسبة بين هذا التشبيه وبين آلة لصيد الظباء.
والذي ينبغي أن يقال أن في الكلمة تصحيفا وصوابها ذحول بالذال المعجمة جمع ذحل وهو الثأر يقال: بين القبيلتين ذحل قال الشاعر:
كل فج من البلاد كأني ... طالب بعض أهله بذحول
وإن شئت حدثتك أيها القارئ بشيء أعجب ولا عجب بعد الاطلاع على ما سبق ذلك: أني انتهيت إلى الصفحة ٥١٢ فإذا فيها فصل هذا عنوانه: (ليلة منيح منبع بالشام). . . إلى أن قال (ولما دخل الرشيد منيحا. . .) فقلت ليت شعري ما هو (منيح) الذي دخله الرشيد ولم اسمع به مع شغفي بالتاريخ؟ وما هي الليلة التي نسبت اليه؟ ولولا عطفه على ذلك قوله (وهي بلدة البحتري) لما اهتديت إلى أن يعني بلدة (منبج)!!!
стр. 3642
ومما يضحك الثكلى ما ورد في ص ٥٤٣ (كان سليمان بن عبد الملك يقول: إن الفرس يصهل فتنق له الحجرة وإن الفحل يهدر فتضع له الناقة وإن التيس لينث فتستحرم له العنز وإن الرجل يغني فتشتاق له المرأة) فعلق عليها جناب المصحح قوله: (ينث يرشح)! والصحيح إنه بالباء التحتية المشددة مكان المثلثة أي (ينب) من نبيب التيس وعلى الباحث أن يفتش عن كلمة (تضع) لعلها (تضبع) أو غير ذلك. وتنق لا معنى لها هنا ولعلها تدق من ودق.
وفي الصفحة نفسها في فصل سقاية الحاج (. . . ونبيذ الزيت) والزيت لا نبيذ له! بل هو الزبيب قد حرف.
وفي ص ٥٤٧ قال أعرابي لابنه: يا بني كن يدا لأصحابك على من قاتلهم ولكن إياك والسيف فإنه ظل الموت واتق الرمح فإنه رشا المنية وأحذر السهام فإنها رسل الهلاك).
علق على كلمة (رشا) قوله (رشا بكسر الراء وضمها جمع رشوة)! هذا والله شيء يكاد الناظر إليه يمزق ثيابه! ويحك! إنها (رشاء) بالمد بمعنى الحبل شبه به الرمح كما شبه عنترة الرماح باشطان البئر في قوله:
يدعون عنتر والرماح كأنها ... اشطان بئر في لبان الأدهم
وفي ص ٥٥٠ بيت:
لا رقة الخصر الرقيق غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب
بالخاء المعجمة والصاد المهملة والصواب إهمال الأولى وإعجام الثانية.
وفي ص ٥٥٩ بيتان:
وند ما له ند ... تعاطيه من السنة
إذا ما دخل النار ... حكى رائحة الجنة
علق عليه قوله (الند بكسر النون الطيب والند بفتحها النظير)!!!
هذا ما هيئ لي أن انبه عليه من تلك المخازي ومنه يعلم مبلغ ما منيت به لغتنا العزيزة التي هي دعامة هذه الأمة الضعيفة. فكم بين أظهرنا من حاملي شارة العلم والأدب لا يمتازون شيئا عن هذا المصحح يجوسون خلال معاهد الإفادة ويتسمون بسمات الأساتذة وهو لعمري أثر من آثار الفوضى التي دست اشاجعها في كل شأن من شؤوننا والله هو المجير.
محمود الملاح
стр. 3643
فوائد لغوية
الأوهام الشائعة
١ - قال أحدهم (علينا أن نتبين حالة معلوماتنا فنلاحظ بذلك ما (ينقصنا)) وهو يريد (ما يعوزنا) وشتان ما بين المعنيين. فمعنى ينقصنا يجعلنا ناقصين أو يبخسنا أو يترنا.
٢ - وقال المذكور (فان لم يجل المطالع. . . يكفيه أن يهتم بأحدها) ولم يعلم أن الفعل المضارع مثل (يكفيه) إذا كان جواب شرط وجب جزمه. فالصواب (يكفه) بحذف الياء نيابة عن السكون لأنه معتل الآخر بالياء.
٣ - وقال وهو من الجهلة المغرورين (ويجب استعمال اللفظة العربية الفصحى - بأن يهجر المنشئ الألفاظ المدرسية الغالبة على ألسنة التلاميذ نحو: أجاب على السؤال بدلا من: أجاب عن السؤال - وإذا مقدرته أصغر من مقدرات التلامذة لأنه قال مخالفا لما نصح به غيره (أن هذه التحريات بأجمعها طويلة وصعبة (والجواب عليه) إن كل شخص يعمل بحسب قواه) وقال أصلحه الله (فعليه وخطته إلى جانب مسودته. أن يعيد قراءتها بتأمل وانتباه مرارا وينتقدها من عدة أوجه (ويجيب على الأسئلة التالية) وفي القولين استعمل (على) بدلا من (عن) مع الاسم والفعل. وما أنكى أن ينقض الإنسان قوله بقوله جهلا وغباوة وتبجحا ولو كان ما منعه مألوفا عند المولدين.
٤ - وقال (الأشخاص التي ينبغي التنويه عنها) وهو غالط كالذين من قبله فالصواب (ينبغي التنويه بها) كما قال الفصحاء.
٥ - وقال هذا المتبجح (والفرق بين هذا الترجيح والترجيح الفقهي أن هناك يرجح) فجعل أسم أن المتقدم خبرها (فعلا) هو (يرجح) ولا يدخل (أن) على الفعل إلا الشعراء ذوو الضرائر المستقبحة (فالصواب أن هنا ترجيحا).
٦ - وقال المغرور نفسه (وقيل ليست المشنقة هي التي تكسب العار وإنما
стр. 3644
هي الجريمة) والصواب (وإنما الجريمة تكسبه) تخلصا من الإضمار قبل الذكر الممنوع وإيضاحا للمعنى مع محافظة الإيجاز.
٧ - وقال مخطئا (كذلك تجد في نفسك ذاتها) والفصيح (كذلك تجد في نفسك عينها أو
بعينها) وليس التأكيد بالذات فصيحا.
٨ - وقال أحدهم (وينبغي لنا أن ندرك أن هذين الرجلين من الشواذ) والصواب (من الشاذين أو الشذاذ) حسب القياس. لأن وزن (فاعل) صفة لمذكر عاقل لا يجمع على (فواعل) لئلا يلتبس بجمع (فاعلة) مثل قارئة وبجمع (فاعل) صفة لمؤنث مثل (طوالق وحوائض).
٩ - وقال هو بنفسه (لا نظن أنا ملزمون بذمها) والفصيح (ملزومون ذمها) لأن أسم المفعول هنا يعمل كفعله المبني للمجهول أي ينصب مفعولا واحدا.
١٠ - وقال وهو يدعي إرشاد الناس إلى استعمال العربية الفصحى (وذلك أن بعض الحوادث المضحكة حدثت في (مأتم)) مريدا (مناحة أو معزى) والفصيح أن يقول (حدثت في مأتم حزني) لأن في المآتم ما هو ذو فرح وانبساط.
١١ - وقال وهو من المدعين (إن ثلاثة معان أو أربعة يوثق من صحتها) والصواب (يوثق بصحتها) لأن الباء تستعمل هنا.
١٢ - وقال المذكور (وأني أحيانا حينما أجد رفاقي يتحادثون مسرورين عن آمالهم لا أقوى على. . .) فجعل ظرفي الزمان متواليين وهذا مستكره وآخر الجار والمجرور فكان التباس. فالصواب (وأني حينما أجد رفاقي يتحادثون أحيانا عن آمالهم مسرورين لا أقوى على. . .) بفصل أحد الظرفين وتأخير (مسرورين) خشية اللبس.
١٣ - وقال مدعيا (فعلى الكاتب أن يبرز كل ما هو جوهري) والصواب الموجز (أن يبرز كل جوهري. . .).
١٤ - وقال هو بنفسه: (فإذا أردنا كتابة فرض موضوعه (الحجاج) مثلا و (تعرضنا إلى) قوى عقله وإرادته) قلنا: هو مخطئ في وضعه (إلى) موضع اللام. فالصواب (وتعرضنا لقوى عقله. . .) ولا يقال (تعرض إليه).
الكاظمية: مصطفى جواد
стр. 3645
باب المكاتبة والمذاكرة
فضل علماء مصر على صاحب المجلة في يوبيله إلى فضيلة
العلامة الأب انستاس ماري الكرملي حفظه الله.
يرفع هذه التحية القلبية إلى فضيلتكم نفر من أدباء مصر الذين يقدرون منزلتكم العلمية والأدبية العالية وما نحن إلا بعض الجم الغفير من أهل الأدب ومحبيه في العالم العربي الذي يشعر شعورنا بديننا الباقي لمواهبكم السامية في انتصاركم للأدب الشريف وخدمتكم النبيلة للغة القرآن التي أصبحتم تعدون عن جدارة أمام أئمتها.
وقد دعتنا إلى مخاطبتكم تلك الفرصة المباركة وهي إتمامكم في ١٦ أيلول من هذا العام ٣٥ سنة منذ اشتغالكم بتدريس العربية وآدابها باللسان والقلم لنفع طلبتكم وقارئيكم ومريديكم العديدين في عالم الضاد. وسرنا أن غيرنا من محبيكم في العراق لم يفته الانتباه إلى هذا الحادث التاريخي الأدبي، وانه يعنى بأعداد حفلة يوبيل عامة لائقة بقدركم يشترك فيها أدباء جميع الأمم العربية ومعاهدها الدراسية، فضلا عن الأعلام المستشرقين.
ويزيدنا سرورا أن تتنازلوا لقبول هديتنا الصغيرة التي نرفعها لهذه المناسبة إلى (لغة العرب) الغراء وهي صك قيمته ثلاثون جنيها مصريا اعترافا بتضحيتكم المتواصلة في سبيل العلم والأدب، وتقديرا لعنايتكم الممتازة بتهذيب اللغة والنقد الأدبي، وبث روح النزاهة والشجاعة الأدبية والإخاء الفكري، ونصرة الحق والفضيلة، ولعلكم لا ترفضون نشر اعترافنا هذا بمجلتكم الغراء.
ونسأل الله أن يمد عمركم الثمين، ويوفق العالم العربي لزيادة الانتفاع من جهودكم المنوعة الفذة، وأن يبقيكم ذخرا للعلم والأدب، وفخرا للعالم العربي. وتفضلوا بقبول أجل الاحترام عنهم.
عن مصر القاهرة: محمد شرف
(لغة العرب)
إن هذه السطور تدل على كرامة أصحابها أكثر مما تدل
стр. 3646
على ما نستحقه، إذ ليس فينا إلا
العجز والقصور. على أن تقدير صاحب السعادة العلامة الكبير الدكتور محمد شرف بك ومن انضم إليه لما فعلناه من القيام بفرائض لغتنا، مما يدفعنا إلى مواصلة الخدمة لنكون أهلا لهذا المديح الذي نرانا بعيدين عنه إلى اليوم كل البعد.
ونشكر اخوتنا المذكورين المصريين الكرام شكرا ثانيا لمساعدتهم إيانا بمالهم لنرأب بها صدع الخسائر التي تتكبدها ولا نزال نتكبدها لخدمة هذه اللغة الشريفة بواسطة مجلتنا الضعيفة فعسى أن يصلح حسن النية وإخلاصها ما يعوزنا من العمل والله الميسر.
المضخة والمنضحة
في مطالعتي الجزء التاسع من السنة الخامسة من (لغة العرب) الوضاءة استوقفني منها الكلام المثبت في آخر سطر من صفحة ٥٤٥ وهو (باتخاذ المضخات التي تديرها المحركات). إلا أن من يرجع إلى استشفاف وجه هذا الكلام في ذلك الموطن لا يكون له بد من الوقوف عند لفظة (المضخات) المخرجة إلى غير حيزها استعمالا وتفسيرا؛ وذلك لأن الكاتب قد تخيل هذه اللفظة من الوضع الميسر للدلالة على الآلة العصرية المستنبطة للسقي أي على الآلة التي يقال لها ولكن الصحيح - وهو الذي لا مشاحة فيه - أن اللفظ الذي قد أطلق على هذا المعنى هو (المنضحة) ولا تسمية سواها مما تبارت في اشتقاقه قرائح الواضعين لتجاري تمثيل حقيقة المعنى وإما (المضخة) فهي اللفظة التي أفردت على وجه التخصيص (للدوش) الشائع استعماله في حمامات الأمصار التي توفر حظها من الحضارة ومن أخذ أخذها وذلك لمن يتوخى الاستحمام ضخا لمقاصد صحية، وفاقا لطرقه المختلفة. وحيث قد وهم الكاتب في حقيقة حكم هذا الوضع ووجه استعماله تحتم التنبيه عليه، ابتغاء رده إلى نصابه.
(ل. ع) لا فرق في الأصل بين مادتي (ض خ) و (ن ض ح) والمادة
стр. 3647
الأولى أقدم من الثانية لوجودها في حالة خلقها الأول. وإما الثانية فادخل عليها النون لزيادة في المعنى وإما وضع الحاء في موضع الخاء المعجمة فهو من لغات بعض القبائل وألا فانهما في جوهر واحد بقي هناك أمر لابد منه هو التخصيص فإذا خصصت المضخة بالدوش والمنضحة بالطلمبة انتفى اللبس وهو الغاية من وضع الألفاظ. أما اللغة فأنها لا تأبى وضع الواحدة موضع الأخرى.
أغلاط الجزء الأول من الأغاني
اقتنيت حديثا كتاب الأغاني الجديد الطبع فرأيت فيه بعض الأوهام اعرضها على القراء وهي:
في التصدير
ص ٥ س ٨ ما معناها: ما بين معناها - ص ١٠ س ١٩ وصفت: رصفت - ص ٣٢ س ٧ شيابه: شبابه
في الكتاب
ص ١٨ س ٦ عقبة أبي: عقبة بن أبي - ص ٢٨ س ١٩ قال ويقال: قال ويقال فيه في آسيه أي في اصله والاسي الأساس واحد وذرى كل شيء أعاليه وهو جمع واحدته ذروة ويروى. . . - ص ٩٤ س ٢ من الحاشية: ململام: مملام - ص ١٩٧ س ١٢ من الحاشية: آوقة: آونة - ص ٢٠٥ س ٩ من المتن: آية: آيه (لان المعنى ورد مكررا في القرآن الكريم) - ص ٢١٥ س ٧ من الحاشية: سنينا: سخينا (لان السنين لا معنى لها هنا ويوصف الدمع بالسخين) ص ٢٤١ س ١٠ من المتن: ومنها. مع أن الشعر ليس من تلك القصيدة - وص ٢٥٢ س ٤ وص ٣٠٩ س ٩ وص ٣٨٠ س ٧ ومن النساء قال ابن سريج: (ولم ينوه به عنه وإن قال أن أحسن الرجال غناء من تشبه بالنساء؛ فكان التنويه لازما حسبما أرى) - ص ٣٤٣ س ٤ عدا: غدا - ص ٣٦٥ س ١١ من الحاشية، أحيل على الحاشية رقم ٥ ص ٣٤٦ والصواب رقم ٦ - ص ٣٩٢ س ٢ وذكر - وذكرا - ص ٣٩٣ س ١٠ من الحاشية: وجاء يعدو فقال: وجاء يعدو فعثر وتبدد الجمر فقال (كما في القاموس والأمثال) - ص ٣٩٧ س ٦ من المتن: وقضى: وكان قضى أو وقد قضى (فهلا صحح) - ص ٤٠٢ س ١٠
стр. 3648
من الحاشية: الحشاش الذي يحش الحشيش (ولا معنى له هنا بل هو الذي يكتسح الحش وهو الخلاء) - ص ٤١٤ س ١٠ من المتن: قوله بابي حنيفة أيها القاضي، ولا اذكر إنه ولي قضاء فهلا علق عليه كلمة.
بغداد: عبد اللطيف ثنيان
الكتابات الأثرية العباسية
كان طير إلى صديقي العزيز العلامة الأب الكرملي منشئ هذه المجلة الجامعة بطاقة بالبريد الجوي مؤرخة في ٢٨ حزيران سنة ١٩٢٨ يقول فيها إنه جاءه في يوم واحد - ٩حزيران - أربع رسائل من أربع مدن بخصوص الآثار العباسية ستنشر في الجزء السابع الذي يصدر بعد أسبوع.
فاغتبطت بهذا الخبر ظانا أن مقالتي عن الكتابات الأثرية العباسية المدرجة في صفحة ١١٦ من المجلد السادس قد حملت بعض العلماء الذين يعرفون مثل هذه الآثار فكتبوا عنها ما يخدم العلم وينفع الناس وكتبت إلى الصديق الكرملي من عرض الكرمل أعلنه هذا الاغتباط وسروري بمقالتي التي جرت وراءها أربع مقالات وبت أرقب وصول الجزء السابع بنافد الصبر.
فلما جاءني بالأمس وجدت أن الرسائل الأربع التي تكاد تتفق في المعنى هي في نقد ما كتبته وإن اختلفت في المبنى. وبالرغم من تضمن إحداها عاطفة رقيقة فإنها كانت بمجموعها عاصفة تحامل شديد يراد به نسبة كل فضل وفضيلة إلى المستعربة من الغربيين الذين لا ننكر أياديهم البيضاء في خدمة لغتنا وتاريخنا ولكننا لا نرتضي لأنفسنا أن نكون عالة عليهم في القول والتفكير بل في الأمور التي قد نصل إليها ونطلع عليها أكثر منهم لأنها من تراث أجدادنا.
لذلك كنت شديد الأسف على التسرع الذي بدر من بعض أصحابنا على غير هدى. في حين أني لا ادعي العصمة ولا أبرئ نفسي من الخطأ والزلل.
والذي يتلخص من تلك الرسائل الأربع هو:
١ - إن هذه الكتابات جمعها فإن برشم وعلق عليها فوائد جليلة ولعل الكتاب نشر قبل أيام في مطبعة المعهد الفرنسي في القاهرة.
стр. 3649
٢ - إن هذه القضية قد طرقها السيد جرجي أفندي يني الطرابلسي منذ سنة ١٨٩٢ في مجلة المقتطف الغراء في العددين الثامن والتاسع من المجلد السادس عشر وذلك بترجمة ما كتبه كليرمون غانو عنها.
٣ - إن مجلة الهلال الغراء نشرت مقالة بتوقيع أحمد زكي باشا تتضمن نحو ثلاثة أرباع ما في مقالتي وإن زكي باشا نقلها ببعض تصرف عن مقالتي فإن برشم وكليرمون غانو
وانه استفاد من مقالة السيد يني وأنني انتفعت بهذه المقالات الثلاث دون أن أشير إليها بكلمة واحدة.
٤ - إنه كان يحسن بزكي باشا وبكاتب هذه السطور أن يذكرا المصادر التي أخذا عنها مقالتيهما ولا ينتحلاها لنفسيهما إذ في ذلك الأمانة والإقرار بالمعروف ونسبة كل ذي حق إلى حقه.
انتهى ملخص الرسائل الأربع المدرجة في الصفحتين ٣٥٣ و٥٣٦ من المجلد السادس من لغة العرب المحبوبة.
وقبل أن أتولى الرد على السادة النقدة أرى من واجبي أن اشكر للأب الكرملي ذلك الثناء والإطراء الذي قدمهما بين يدي مقالتي وتوج بهما رأسها فأثار هذه العاصفة الأدبية ولولا ذلك ما تنبهت الأذهان إلى هذا الجرح والتعديل والمقابلة التي حفت بها مقالتي عن الإيمان وعن الشمائل. ولا يسعني وأنا أصوغ قلائد الشكر للصديق إلا أن أقول للناقدين إنني لم ادع في مقالتي الابتكار ولما زعم إنني أتيت بما لم يطلع عليه قبلي انس ولا جان وإنما عين الرضى جعلت الأب انستاس ينظر إلى المقالة بذلك النظر الكليل عن كل عيب. في حين إنه لم ينسب إليّ الابتكار والابداع، ولم يغمط حق المتقدمين في هذه المباحث. بيد إنني أستطيع القول لمن يريد: أنني وفقت لاكتشاف أشياء من هذا النوع لم يعلم بها غيري قبل أن أعلنها بين الملأ وآتي على قولي هذا ببرهانين نشرتهما في مجلة الزهراء الغراء، فمن كان في ريب مما اقول، فليرجع إليها في الصفحة ٥٢٦ من المجلد الثاني والصفحة ٥٧٨ من المجلد الثالث. وفي مجموعتي عشرات من الكتابات التي لم يسبق نشرها أو بالحري لم يمكن الاطلاع عليها لغيري.
ولم تكن عنايتي بجمع أمثال هذه الكتابات الأثرية من باب التقليد الأعمى
стр. 3650
بل أن الذي حداني إلى ذلك إنني كنت بدمشق زائرا قبل خمسة عشر عاما فبينما كنت أتجول في شوارعها وجوادها وقع نظري على بعض الكتابات الأثرية المنقورة في الحجارة وقد أدخلت في بعض البنايات الحقيرة فورد على خاطري أن جمع مثل هذه الكتابات قد يجدي نفعا للتاريخ وقد أدليت برأيي هذا حين ذاك إلى صديقي صاحب المقتبسين العلامة الأستاذ السيد محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي وزير المعارف في الحكومة السورية
الآن فاستحسنه ولكنه قال أن مثل هذا المشروع يتطلب عناء ونفقة وهو أحرى بعلماء المشرقيات في الغرب منا نحن المشارقة العرب ومع ذلك فإني أخذت بنقل ما عثرت عليه من الرقم في فلسطين ولا أقول إنني تمكنت منها جميعا لأن في الزوايا كثيرا من الخبايا إلا أن الذي أستطيع أن أجاهر به وأفاخر إنني طوفت بأكثر مدن فلسطين وقراها باحثا منقبا وأنني صححت بعض أغلاط النقلة من العلماء المستشرقين الذين جمعوا كتابات معينة محدودة ولعل صديقي الأب يذكر حديثي له في هذا الشأن في دير مار الياس على رأس الكرمل سنة ١٩٢٥ بل أقول أكثر من هذا إنني وجدت لكلرمون غانو ولفان برشم أغلاطا من هذا النوع سأنشرها متى جاء وقتها. ولا لوم ولا تثريب عليهما في ذلك فانهما ليسا من الناطقين بالضاد ولا هما من أبناء البلاد الذين يستطيعون التغلغل في أحشائها وقد قيل: أهل مكة أدرى بشعابها.
والذي أريد أن أقوله بجلاء ووضوح هو أنني نقلت تلك الكتابات عن أرقامها الأصلية ولم استعن بأحد كما توهم أصحابنا. على أن المتأخر إذا نقل عن المتقدم لا يكون قد ارتكب شططا أو جاء أمرا فريا. أما ردودي على كرام الكاتبين فهي:
١ - إن المأسوف عليه فإن برشم كان عني بجمع الكتابات الفلسطينية وقضى نحبه قبل أن يقضي لبانته من نشرها وتمثيلها بالطبع. وقد نشر الجزء الأول من مجموعته التي ستقع في ثمانية أجزاء منذ بضع سنين واقتنيت ذلك السفر على الرغم من جهلي اللغة الفرنسية التي علق بها على الكتاب واللغات الأجنبية الأخرى كما
стр. 3651
أشار إلى ذلك الأب انستاس في معرض الدفاع عني. وليس في هذا الجزء ما نحن بصدده من الكتابات ولم اطلع على الجزء الذي تلاه بالنشر - ولا أدري إذا كان هذا الجزء هو الذي قال عنه أحد الناقدين إنه صدر قبل أيام في القاهرة - لأتبين أكانت الكتابات التي تناولتها في مبحثي قد نشرت أو لم تنشر بعد! فهل يريد صاحبنا أن يقول إنني اطلعت على مسودات فإن برشم ونقلتها عنه والرجل كان يقيم في وطنه سويسرة ولم يتسن لي الاجتماع به. على إنه لو فرضنا أن فإن برشم قد نقلها إلى مجموعته فلا يمنع هذا من اطلاعي عليها قبله أو بعده وتعليقي عليها بما قدرت عليه.
وعلى ذكر هذه الكتابات أرى أن اذكر اهتمام أحد أساتذة اللغة بها فقد قال لي أن نشرها
على طرازها الأصلي قد أفاد العلماء معرفة طريقة الكتابة في القرن الثالث الهجري وانه لو لم يكن من وراء نشرها سوى هذه الفائدة لكفى.
٢ - يؤسفني أن أقول إنني لم اطلع على ما كتبه الأستاذ يني في المقتطف الأغر قبل سبع وثلاثين سنة تعريبا لما كتبه كليرمون غانو وتعليقا عليه ولكن الذي ألاحظه أن الذي كتب عنه الأستاذ هو المبحث الخاص بالكتابة الأموية المشوهة. وهذه الكتابة ليست من موضوع مقالتي (الكتابات الأثرية العباسية في فلسطين) وإنما ألحقتها بها بسبب التحريف الذي نالها في زمن المأمون العباسي وإذا فليست هي موضع الجدل وإنما كان يجب أن يقصر النقد على الرقيمين العباسيين اللذين بنيت مقالتي عليهما. وأنني اشكر لكل من يكشف لي الغطاء عنهما ويثبت لي بالبرهان انهما قد نشرا قبل أن أنشرهما سواء بالمقتطف أو غيره من المجلات والكتب فإن الكاتب لا يستطيع الإحاطة بكل ما يكتب ولا يفي العمر لقراءة جميع الكتب.
ولو كنت عند ظن أصحابنا النقدة أنني أتناول ما كتبه غيري وانسبه لنفسي لكنت كتمت أسم كلرمون غانو الذي نقلت عنه الرقيم العباسي الثالث المدرج في الجزء الثامن (م ٦ ص٥٨٣) ولم أشر إلى فإن برشم أيضاً فإن في كتم ذلك تضليلا للقراء وتوهيما لهم بأنه من اكتشافاتي الخاصة وهو شيء لا أقبل به ولا أقره.
стр. 3652
٣ - ويؤسفني أيضاً أن أقول إنني لم أقرأ مقالة صديقي العلامة الجليلي الأستاذ أحمد زكي باشا في الهلال في حينها لأنقل عنها ثلاثة أرباع ما في مقالتي ولا أعني بذلك إنني استكبر النقل عن الأستاذ الثقة ولكني أقول الحق. وكم كنت أتمنى لو أن الناقد البصير أتى ببعض عبارات الهلال وقابل بينها وبين أقوالي لاقتنع من عند نفسي بتوارد الخاطر ووقع الحافر على الحافر على إنني اربأ بصديقي الزكي أن يكون قد استفاد من فإن برشم ولم يكن قد نشر الجزء الذي يتضمن هذه الكتابة بعد، ولعله لم ينشر إلى الآن، أو أن يكون قد انتفع بكلرمون غانو ولم ينسب أليهما ما نقله عنهما.
لذلك فقد قرأت الآن المقالة الزكية الواردة في المجلد الثاني والثلاثين في الصفحة ٤١ وعنوانها (الآثار المصرية بين يدي الملك والدين) فإذا بصاحبنا ينسب كل شيء إلى أهله شأن العلماء الأمناء واليك ما قاله في هذا الصدد بعد ذكر ما صنعه المهدي في الروضة
النبوية في المدينة المنورة يثرب من استبدال أسم الوليد بن عبد الملك على الطراز باسمه:
(ونظير ذلك ما فعله المأمون بالهرم الكبير وأمره معروف. لكن الذي لا يعرفه الأكثرون هو ما فعله بقبة الصخرة المعظمة في بيت المقدس. وفد عليها في رحلته إلى مصر فرأى ما بهره مما لا يزال إلى الآن فتنة الناظرين وأعجوبة العالمين فتشبه بجده المهدي في فعلته بالروضة النبوية. وذلك إنه أمر برفع قطعة من القاشاني عليها أسم عبد الملك بن مروان وأمر بتقليد قاشاني يشابهها وطبخ اسمه عليها ثم وضعها بدل التي انتزعها واستراح خاطره وظن أن السرقة قد تمت له على ما يشتهي وإن الأجيال الآتية ستتخيل وتتخيل إنه هو الذي بنى هذه العمارة الفائقة بل هذا الأثر الوحيد في المشرقين والمغربين.
وقد أعماه الله عن إتمام الخديعة فلم يتفطن إلى أواخر الحجارة المرقوم عليها سنة العمارة فبقيت الكتابة الأثرية إلى يومنا هذا كما شاهدتها بعيني شاهدا على جنايته الأدبية وبرهانا قائما على تزويره.
والفضل في اكتشاف هذا التزوير يرجع إلى المستشرق الفرنسي
стр. 3653
كليرمون جانو فهو أول من تفطن إليه ونبه عليه وكتب بذلك فصلا بجرنال آسية سنة ١٨٨٧ ص ٤٨٤ وضمنه صورة الكتابة منقولة بالفوتوغرافية.) أهـ. كلام زكي باشا الذي نشر في الهلال صورة تلك الكتابة.
وقد نقلت عبارة زكي باشا القصيرة بحروفها ليتبين القارئ من خلال السطور إنه لم يستعن بمقالة جرجي يني ومجموعة فإن برشم وإن كان استفاد من مقالة كلرمون غانو فقد نوه بها وأشار اليها، وانني لم أنقل ثلاثة أرباع ما كتبته عنه فإن ما كتبه زكي باشا أيضاً يتعلق بالكتابة الأموية.
وأنت ترى أنني لم اتفق في الرأي مع الصديق الزكي فقد زعم أن تلك الكتابة قد طبخت على ألواح القاشاني وزعمت إنها رصفت بحجارة ملونة من نوع الفسيفساء ولعل لصديقي بعض العذر فيما يقوله فإن الفسيفساء على ما حددها صاحب القاموس (ألوان من الخرز مركب في حيطان البيوت من داخل وكتابة عبد الملك ليست بالخرز وإنما هي من حجارة ملونة صغيرة الحجم سميناها بالفسيفساء قياسا على أمثالها من الخرز واستنادا إلى ما جاء في معلمة لاروس في التعريف بالفسيفساء بقولها:
(الفسيفساء: مادة مركبة من قطع مجموعة (حجارة وتراب مطبوخ مطلي بالجلاء وزجاج وخشب مختلفة الألوان: يتألف من مجموعها نوع من الأصباغ).
وقولها أيضا:
(أن المادة الأولية للفسيفساء مؤلفة من قطع رخامية صغيرة مختلفة الألوان مربعة الأشكال ومن قطع صغيرة طبخت من تراب ملون طلي بالجلاء.)
والظاهر من قول المعلمة إنه يراد بالقطع الترابية المطلية بالجلاء القاشاني.
على أن في بلاد الأندلس ضربا من القاشاني كثير اللمعان تزين به القباب والمناور ويصنع هذا النوع الذي يسمى عندهم جليز في بلاد المغرب وهي تصحيف زليج.
وفوق ذلك فإن صديقي نقل الكتابة على الوجه الآتي:
(بنى هذه القبة المباركة عبد الله عبد الله الإمام المأمون أمير المؤمنين في سنة اثنتين وسبعين تقبل الله منه ورضى الله عنه آمين.)
وأنا نقلتها ومقدمتها التي هي:
стр. 3654
(بسم الله الرحمن الرحيم. لا اله إلا الله وحده لا شريك له محمد رسول الله صلى الله عليه. بنى. . . الخ)
ولهذه الكتابة بقية سأذكرها عند نشري الكتابات الأموية في فلسطين.
٤ - إن أحمد الزكي قد ذكر المصادر التي نقل عنها في مجلة الهلال. أما أنا فقد بسطت لك الكلام على أنني لم أنقل عن أحد من العرب أو المستعربين ولو نقلت عنهم لما استكبرت عن الاعتراف بذلك لهم واحمد الله على أن من دأبي نسبة كل شيء إلى أهله حتى في روايتي وأحاديثي الشفهية احتفاظا بأمانة النقل.
وأرى أن اقتصر على هذا القدر من الكلام فإن فيه الغناء لمن يعقلون.
حيفا (فلسطين): عبد الله مخلص
ملاحظات
١ - جرى لي سبق قلم في كتابة تاريخ ولادة ابن الفوطي فقد كتبت سنة ٧٤٢ (راجع لغة العرب ٦: ٦٤٨) والصحيح هو ٦٤٢ فقد جاء في الترجمة التي رقمها ٢٤٠٨ من الدرر الكامنة ما نصه: (ابن الفوطي - مولده في المحرم سنة ٦٤٢ وكذا ورد في تذكرة الحفاظ
للذهبي طبع حيدر آباد ٤: ٢٨٤
(ل. ع) الذي ورد في الأوراق التي جاد بها علينا الصديق هو ٧٤٢ ولا جرم أن هناك سبق قلم لاشك فيه.
٢ - لما قلت: (باشر كتب) (٦: ٦٤٨ من لغة العرب) قدرت أن أصل الكلام هو: باشر نظارة كتب. أو وكالة كتب أو خزن كتب خزانة الرصد، مما يتحمله باب حذف المضاف إليه. إذ يستحيل عقليا أن يكتب الرجل أربعمائة ألف مصنف. وكثيرا ما يستعمل ابن حجر كلمة (باشر) ويردفها بالمصدر فيقول مثلا: باشر توقيع الدست، وباشر نيابة القضاء إلى غير ذلك. ولهذا أبقيت كلام ابن حجر على حاله. وأنت تعلم أن كلام ابن حجر ليس مما يؤتم به.
(ل. ع) قلنا: وعدم التقدير أحسن من التقدير، ولاسيما لأننا لو أولنا (كتب) بالمصدر لجارينا ابن حجر في مصطلحاته كما لا يخفى.
٣ - قولكم في الحاشية ٣ من ص ٦٤٨ من هذه السنة ٦: (في هذا العنوان خطأ ظاهر من الناسخ الماسخ والصواب معجم الآداب في معجم الأسماء والألقاب
стр. 3655
كما ورد في كشف الظنون يخالف ما جاء في المخطوط بصريح العبارة: (اختصره في آخر سماه مجمع الآداب ومعجم الأسماء على الألقاب) ونظن أن صاحب كشف الظنون وهم في قوله، أو لعل الوهم من الناسخ لا منه والصحيح ما ذكرناه.
(ل. ع) ونحن نرجح تصويب الأستاذ الصديق.
٤ - يجب أن يكتب مبارك بن المستعصم لا مبارك ابن المستعصم كما ورد سهوا في المجلة ٦: ٦٤٨ وكان أحد أبناء الخليفة المستعصم ومن المحدثين كأبيه.
٥ - صححتم قول ابن حجر خمسمائة إنسانا بقولكم: (والصواب: إنسان بالجر) (ح ٧ ص ٦٤٨: ٦) والذي في النسخة الخطية إنسانا بالنصب ولابن حجر فلتات غير هذه.
٦ - صححتم (في قطع الكبير) (ص٦٤٨: ٦) بقولكم: والصواب في القطع الكبير، فاسمحوا لي أن لا أوافقكم في هذا ولا اعتبر أن في الأصل خطأ ففي قوله: في قطع الكبير تقدير هو: في قطع الورق الكبير. ومثل هذا ورد في صبح الأعشى (٧: ٢٥٣ س ٧) أما الملطفات ففي قطع الثلث. وفيه (ص ٢٥٠ س ١٠) يكتب في قطع البغدادي الكامل. وفيه
(ص ٢١٥ س ٢) في قطع الشامي الكامل. وفي (٦: ٤٢٦ في عدة مواطن) إنه كتبه في قطع البغدادي الكامل. وجاء فيه مرارا قوله: في قطع الكبير وفي قطع الكامل.
إن أغلاط ابن حجر في مميز العدد لا تنكر أما من جهة اتباع النعت للمنعوت فمما لا أوافقكم عليه. والنسخة الخطية التي بيدي مرت تحت أنظار المؤلف نفسه وأنظار السخاوي وفي الكتاب أوهام وعبارات واستطرادات (لا محل لها من الأعراب). أني موقن بأن النسخة التي بين أيدينا هي المسودة، لما في النسخ الأخرى الحسنة من تبديل مواضع بعض التراجم وكثرة البياض في بعض الصفحات، بياض كان يمكن أن يملأ بكلمة أو كلمات بسهولة عظيمة. ويظهر لي إنه كان للمؤلف كتب خطية عسرة القراءة أو إنه كان يقرأها بصعوبة عظيمة. وقد كتب ابن حجر بنفسه على حاشية مخطوطي: (تجب معارضة الكتاب مرة ثانية) والكتاب الذي يشير إليه ليس عندي وهو (الإحاطة) لابن الخطيب. والترجمة
стр. 3656
التي يشير إليها غير موجودة في المجلدين اللذين نشرا في القاهرة والنسخ الخطية التامة ترى في ديار الأندلس أو في ديار المغرب.
٧ - جاء (تكهل) بمعنى (اكتهل) مرارا عديدة في كتاب (الدرر الكامنة) وقد أنكرتموها.
(ل. ع) لم ننكرها إلا لأننا لم نجدها في سفر من الأسفار اللغوية فإذا وجدت لغيره أيضاً سلمنا بمولديتها.
٨ - في مطالعتي مجلتكم وجدتكم بعض الأحيان تستعملون مفرد أفعل المؤنث (أي فعلاء) في مكان الجمع كما يفعل كتاب مصر. فقد جاء في لغة العرب (٦: ٢٥٢ س ٢٠) الأشجار الخضراء في مكان الأشجار الخضر.
(ل. ع) من مزايا لغتنا وصف المنعوت المجموع من غير العاقل بصفة مفردة مؤنثة ومنه في سورة الحاقة: (قطوفها دانية أي دانيات. وقوله: في الأيام الخالية أي الخاليات. وفي سورة البقرة: إن تبدوا الصدقات فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم.) وهذا لا يحصى.
٩ - رأيت في النص الفارسي الوارد في مقالة بي بروا بعض الأوهام منها في الصفحة ٢٤٣ (من السنة ٦) في السطر ٢١: نرادد والصواب ندارد. وفي ص ٢٤٨ س ٨: ميدادر والصواب ميدارد. وفي ص ٢٤٩ س ١٤ ريدة من: ديدة من. وفي ص ٢٥٠ س ٤
مهناب: مهتاب. وفي ص ٢٥٢ س ١١ بررم: يدرم بباء مثلثة تحتية فارسية.
بكنهام (إنكلترة): ف. كرنكو
(ل. ع) كان حضرة الكاتب الجليل أحمد حامد أفندي الصراف نبهنا على هذه الأغلاط لكن فاتنا أن نصححها. فنشكر حضرة صديقنا كرينكو على ملاحظاته هذه.
الجيل ومعناه
جاء في تذكرة الكتاب للأديب اللغوي اسعد أفندي خليل داغر (في ص ٦٢) ما حرفه: ويستعملون الجيل بمعنى القرن، فيقولون: (كان ذلك في أوائل الجيل الماضي) وفي كتب اللغة: الجيل صنف من الناس. أهـ. قلنا: جاء في التاج: والجيل أيضا: القرن. أهـ. ونزيد على ذلك أن الشاعر قال في هذا المعنى:
أن الغراب وكان يمشي مشية ... فيما مضى من سالف الأجيال
стр. 3657
أسئلة وأجوبة
جاء في الأهرام الصادرة في أول سبتمبر (أيلول) ١٩٢٨ ما حرفه:
التعضيد والمعاضدة إلى الأستاذ الكبير السيد وحيد بك (الأيوبي)
سئلت مجلة (لغة العرب) التي ينشئها ببغداد العلامة اللغوي الأب أنستاس الكرملي عما نشرتموه في أهرام ٣ يوليو الماضي بخصوص التعضيد والمعاضدة فكان جوابها ما نصه:
أولاً - إن كتب اللغة لا تحوي جميع المفردات فإن الجوهري ذكر أربعين ألف كلمة. وصاحب القاموس زاد عليها عشرين ألفا، فجاء في ديوانه بستين ألف كلمة. أما ابن منظور الأفريقي صاحب لسان العرب فإنه أوصلها إلى ثمانين ألف كلمة وقد ضممنا نحن إلى هذا القدر خمسة عشر ألف كلمة فأنت ترى من هذا كله أن دواوين اللغة لا تستوعب الألفاظ كلها لكثرتها.
ثانيا - إذا كان القياس لا يمنع وضع اللفظة فاتباعه لمعنى جديد مستحب.
ثالثا - ذكر أحد الثقات للفظة مما يحملنا على اتخاذها. والحال أن عضد (من باب التفعيل) واردة في المصباح. قال في فصل النسبة في آخر الكتاب (ص ٨٨٩ من الطبعة الثانية الأميرية التي ظهرت في بولاق سنة ١٩٠٦) ما هذا نصه: (وقول العامة: شفعوي خطأ إذ لا سماع يؤيده ولا قياس يعضده) وقد ضبطت الضاد بالشد. وجاءت أيضاً في المخصص لابن سيده (٨٥: ٩) كسر نسعا وهو الوجه عندي لأنه عضده بالوصف الجلي. انتهى المراد من نقله. وقد ضبطت الضاد بالشد. وأنت تعلم أن ناشر الطبعة الثانية من المصباح هو الأستاذ الشيخ حمزة فتح الله المفتش الأول للغة العربية بنظارة المعارف العمومية ومتولي نشر المخصص هو من أعلم علماء اللغة محمد محمود الشنقيطي وكفى بهما حجة. أهـ.
стр. 3658
كلام لغة العرب. فما قول سيادتكم في ذلك كله؟
محمد محمد مرجان مدرس
فكان جواب الأستاذ اللغوي وحيد بك الأيوبي في الأهرام الصادرة في ٦ أيلول (سبتمبر) ما هذا حرفه:
جواب التعضيد بمعنى الإعانة خطأ
سألني الفاضل الغيور الأستاذ محمد محمد مرجان عن قولي فيما جاء بالمجلة العراقية (لغة العرب) مختصا باللفظ (التعضيد) الذي قلت إنه بمعنى الإعانة خطأ فمع احترامي للعلامة اللغوي الأب أنستاس الكرملي صاحب المجلة أجيب عن السؤال:
جاء في المجلة قولها (أن كتب اللغة لا تحوي جميع المفردات) وأني لم اقتصر على كتب اللغة في مثل ذلك فلم يرد التعضيد بذلك المعنى في كتاب من الكتب التي نعتمد عليها معجما كان أو غيره لم يرد في معلقات العرب بل دواوين شعرائهم كلها وخطبهم والمنقول عن وفودهم جميعا لم يرد ذلك في القرآن، لم يرد في حديث، لم يرد في مجمل ابن فارس، أو مفردات الأصفهاني، أو مغرب المطرزي أو فصيح ثعلب، أو الصحاح، أو المحيط، أو الأساس، أو اللسان، أو المصباح أو المختار، أو التاج، أو تهذيب ابن السكيت، أو كتاب الألفاظ للهمذاني أو فقه اللغة أو أي كتاب من الكتب الموثوق بها. وقد اتفقت كتب الأئمة الثقات واللغويين الإثبات على أن ما في كلام العرب هو العضد بفتح فإسكان أي الإعانة والمعاضدة أي المعاونة (عضده يعضده عضدا مثل نصره ينصره نصرا وعاضده يعاضده معاضدة) وتعضيد السهم إذا ذهب يمينا وشمالا عند الرمي وتعضيد المطر إذا بلغ ثراه العضد وتعضيد البسرة إذا أرطبت من وسطها. ذكره ابن فارس في المجمل.
قيل في المجلة أن في خاتمة المصباح قوله في سياق الكلام (لا قياس يعضده) بتشديد الضاد فأنبه المجلة على أن هذا التشديد خطأ واقع في المطبوع الأميري فليس ذلك مشكولا في الأصل الذي بخط المؤلف وقد وقع مثل هذا الخطأ أي الغلط في الشكل في غيره من المطبوعات.
стр. 3659
أما استناد المجلة إلى القاموس فهو مردود لأن التفعيل في مثل أبرت النخل أبرا أي لقحته وأبرته تابيرا للمبالغة والتكثير موقوف على السماع فقد جاء في كلام العرب عضده يعضده عضدا مثل نصره نصرا وزنا ومعنى ولم يجيء في كلامهم نصرة ينصره تنصيرا للمبالغة والتكثير في النصر أي الإعانة وغير هذا كثير.
وحيد
صحة لفظ التعضيد
علينا قبل الجواب، أن نعلم:
١ - إن الإمام الشافعي قال: (لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا. ولا نعلم أن يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه) (المزهر طبع بولاق ١: ٣٤).
٢ - قال الزبيدي صاحب أعظم معجم عربي وجد إلى اليوم في آخر كتابه: (وأما الاستيعاب (استيعاب ألفاظ اللغة) فأمر لا يفي به طول الأعمار، ويحول دونه مانعا العجز والبوار، فقطعته والعين طامحة، والهمة إلى طلب الازدياد جامحة، ولو وثقت بمساعدة العمر وامتداده، وركنت إلى أن يعضدني التوفيق لبغيتي منه واستعداده، (لضاعفت حجمه أضعافا، وزدت في فوائده مئين بل آلافا. . .) أهـ.
وهذا كلام واضح في أن دواويننا اللغوية لا تحوي مفردات لغتنا من قياسية وغير قياسية فكيف يحاول امرؤ أن يجدها في كتاب صغير من المؤلفات التي في أيدينا؟
وبعد هذا نقول: إن عدم وجود عضد (المضعفة) في الإسفار التي أشار إليها حضرة الأستاذ وحيد بك لا ينفي وجودها. اللهم إلا أن ينص إنه لا يصاغ من عضد الثلاثي عضد المضاعف العين وهذا التصريح لم نعثر عليه في سفر.
وليسمح لنا سعادته أن نورد له بهذا الشأن ما وقع لنا قبل سنة ١٩١٠: كنا قد أدرجنا مقالة في إحدى مجلات بيروت استعملنا فيها كلمتين هما: (كلام ساذج) فقال لنا أديب أخطأتم في قولكم هذا، لأن الساذج - للكلام الذي لا نكت فيه ولا فقر ولا جناس ولا محسنات البديع - لم يرد في كلام
стр. 3660
العرب ولا في ديوان من دواوين اللغة. فقلنا له إنها وردت في الأساس. فقال: لا وجود للمادة نفسها فكيف تنسبون إليه فرعا لها؛ اللهم إلا أن يكون الأمر في أساس مخيلتكم. ثم نقرنا عن الكلمة في الأساس وفي جميع الكتب التي سرد أسماءها لنا حضرة البك فلم نعثر عليها. مع أننا كنا قد دوناها في معجمنا لكننا لم نذكر مظنتها وكنا نتذكر إننا رأيناها في الأساس. ولما لم نجدها في مادتها والأديب ينسب إلينا التهم واختلاق الشواهد، اضطررنا إلى مطالعة الأساس من أوله إلى آخره لنعثر على اللفظة فوجدناها في مادة غ
س ل، إذ يقول: (كلام فلان مغسول، ليس بمعسول؛ كما تقول: عريان وساذج: للذي لا ينكت فيه قائله كأنما غسل من النكت والفقر غسلا أو من حقه أن يغسل ويطمس). أهـ. ولما أطلعناه على النص اطمأن باله وهدأ. فيا حضرة البك إن دواويننا اللغوية لا تحوي جميع ألفاظ لغتنا.
٣ - إن اتفاق غلط الطبع في المصباح المنير والمخصص يعد من اغرب الغرائب - إذا كان الأمر كما يقال - على إننا نستعبده لأننا لم نشاهد في هذين السفرين أغلاط طبع كثيرة حتى نضيف هذا إلى اخوته. ونحن نعلم العلم اليقين أن الأستاذ الشنقيطي كان ينعم نظره كل الإنعام في ما كان يطبع باسمه، بل ما كان يحتمل وهم طبع مثل هذا ينسل إلى ما يتولى نشره أو تأليفه أو طبعه ونحن نعارض الشنقيطي بأكبر اللغويين الأقدمين والمحدثين.
٤ - إن اغلب مرادفات عضده (من باب التفعيل) جاء على هذا الباب من ذلك أيده وأجده وعقده وأطده ووكده وقواه ووثقه ومكنه وثبته وأكده ووطده وقرره إلى غيرها. على أن عضده المضاعف العين ورد في النهاية لابن الأثير قال في مادة (ع ض د): (وفي صفته ﷺ إنه كان أبيض معضدا. هكذا رواه يحيى بن معين وهو الموثق الخلق. أهـ. وهذه العبارة وردت أيضاً بحرفها في مستدرك التاج في مادة (ع ض د) وفي مجمع البحرين للشيخ الطريحي في المادة المذكورة وهذا نصها: والأخبار قد يعضدها كذا (بتشديد الضاد) أي يقويها من عضدته إذا قويته. أهـ.
٥ - إن (عضده) (بالتشديد) لغة مفخمة في أيده. وذلك إن من قبائل
стр. 3661
السلف من كان يجعل الهمزة عينا وهو ما يعرف بالعنعنة. ومنهم من كان يقلب الياء ضادا فكان بعضهم يقول (الضرع) وهو الصغير من كل شيء ويريد به (اليرع) وقد يحمل أيضاً على لغة من يجعل الياء جيما ويصير الجيم ضادا ونحن نرى أنهم قالوا في أيده: (أجده) ثم قالوا (عضده) على سبيل إدخال لغتين في كلمة واحدة. قال في اللسان: بناء مؤجد مقوى وثيق محكم. أهـ. ومؤجد مثل موطد لأنهم استثقلوا قولهم موضد بالضاد فنقلوها إلى الطاء طلبا للخفة. أما أنهم جعلوا الجيم ضادا فكثير في كلامهم. فقد قالوا وجح الطريق بمعنى وضح. وأوضفه بمعنى اوجفه أي حمله على الإسراع في المشي. وضرح الشهادة بمعنى جرحها. وهضمها
عليهم بمعنى هجم والرضام الرجام لصخور عظام إلى غيرها. ولهذا نذهب إلى أن عضد اصلها أيد، ودخول لغتين على الكلمة الواحدة معروف في لساننا فقد قال الفصحاء آض (أي رجع) عاد بجعل الهمزة عينا والضاد دالا أو بالعكس. وقالوا: الكثر والقدر. سما وشمخ أو سمق. ختره في غدره إلى غيرها. وكذلك في لغة العوام. فقد سمعت يوما الدكتور المرحوم يعقوب صروف يقول لي (أزان) فلم افهمها في بادئ الأمر. فقلت له اكتبها فخط (أظان) فقلت: وهذه أيضاً لا افهمها فما تريد؟ فقال: المرجل أو القدر الكبير. قلت: الآن فهمت أن الكلمة تركية الأصل من (قزان) بمعناها. وقزان نفسها مخفف (قزغان). ولما كان السوريون وبعض المصريين يلفظون القاف همزة والزاي ظاء قالوا (اظان) وهكذا كان يكتبها المرحوم الدكتور صروف في مقتطفه. فلا عجب بعد ذلك إذا قيل في (أيد): (عضد).
٦ - قال حضرة البك: (لم يجيء في كلامهم نصره ينصره تنصيرا للمبالغة والتكثير). قلنا: لو قال حضرته لم نجد نصره (بالتشديد) في دواوين اللغة لسلمنا له بالأمر أما إنه لم يجيء أبدا فهذا ما نخالفه فيه لأن ابن قتيبة يقول في كتابه (أدب الكاتب) في ص ٤٨٨ من طبعة أوربة: (وتدخل فعلت (المشددة العين) على فعلت (المجردة) إذا أردت كثرة العمل) ولهذا انتقد الفرزدق إذ انشده
ما زلت افتح أبوابا وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار
فقال: (فجاء به مخففا وهي جماعة أبواب وهو جائز إلا أن التشديد كان
стр. 3662
أحسن وأشبه بالمعنى). أهـ.
أما أن التنصير ورد في كلام الأدباء فهو أمر لا يحتمل الريب فقد جاء في كتاب البيان لمؤلفه ابن العذاري المغربي وهو من أبناء المائة السابعة للهجرة؛ في مقدمة الجزء الأول ص ٨٨ في الرقم ٣ فراجعه.
٧ - يؤخذ من كلام حضرة اللغوي المحترم إنه لا يحسن بنا أن نستعمل إلا ما استعمله السلف وأن لا نتخذ إلا ما اتخذه السلف لا غير. أو بعبارة أخرى يقول لنا: يا أهل القرن العشرين: كونوا من موتى السلف ولا تتحركوا حركة ولا تظهروا إمارة حياة لأن السلف لم يتحركوا كما تتحركون فاهمدوا في مواطنكم. وكل هذا أمر بالموت صبرا وهذا لا يسلم به حي من الأحياء.
٨ - من غريب صنع حضرة الإمام اللغوي إنه يأمرنا بالجري على آثار السلف أو بالجمود أو قل بالهمود وهو يخالف ما يأمرنا به. فإنه استعمل في جوابه علينا: (المجلة والمعجم والمطبوع والمشكول) بالمعاني الحديثة وهي كلها ألفاظ لا وجود لها في القرآن ولا في الأسفار التي أشار أليها. فكيف جوز لنفسه ما لا يجوزه لغيره؟ أليس لأنه يجاري أبناء العصر في أعمال حياتهم؟ فإذا كان كذلك. فما لنا إلا أن نقول التعضيد إذا أردنا كثرة العضد التي يصعب النطق بها لتجاور حرفين ثقيلين على اللسان. ولهذا نرى استعمال التعضيد في كل موطن خير من حصرها في معنى التكثير وحده.
١٠ - كان السلف منا يتخذ الألفاظ للمعاني وحضرته يريد منا أن نتخذ المعاني للألفاظ وهو عندي أمر جائر لا يقبل به أحد من المعاصرين. إذ المعاني هي كالأرواح للألفاظ أو كالصورة للمادة أو كالقلب للجوهر أو كسكان البيت للبناء الذي يأوون إليه. فكيف يريد بعد هذا أن يجعل الألفاظ فوق المعاني والأجسام فوق الأرواح والقالب فوق الجوهر والأبنية فوق سكانها. أننا لا نظن أن ابن بشر يرضى بهذا الحكم الجائر مهما كانت لغته. وأي حق للموتى على الأحياء أن يكرهوهم على أن لا يجروا إلا في الطرق التي جروا فيها. وأن لا يلتفتوا في سعيهم يمينا ولا يسارا ولو تجددت أنسالهم وأنجالهم ابد الدهر؟
стр. 3663
النتيجة: عضد (من باب التفصيل) بمعنى أيد (من الباب المذكور) إذا أردت به التكثير من افصح كلام العرب وقد ورد استطرادا في المصباح والمخصص أي في مظنة مادته كما ورد الساذج في اللغة في غير مظنته وكما ورد ألوف من الألفاظ على هذا الوجه. وورد في مادته في النهاية ومجمع البحرين. ودونك الآن سر نشوئها: أد، أيد، أجد، أكد، وكد، اطد، وطد، عقد، عضد.
تعليق
من غريب الاتفاق أن (الأيد) العربية توافق الفرنسية زنة ومعنى وليست اللفظة الواحدة مشتقة من الأخرى البتة. و (الأيد) في اللغة البروفنسية وفي الأندلسية وفي الإيطالية وكلها من الرومانية المشتقة من أسم المصدر اللاتيني بهذا المعنى.
استعمال كلمة فنان
جاءنا هذا السؤال من أحد قرائنا المصريين:
شغل بعض الأدباء المصريين بالمساجلة طويلا حول استعمال كلمة (فنان)، فقال فريق منهم إنه لا يجوز استعمال هذه الكلمة بمعنى رجل الفن المتخصص له الضليع، لأنها لم ترد في اللغة إلا بمعنى حمار الوحش، وقال غيرهم: بل لا مانع من استعمالها، فهذه صيغة قياسية للمبالغة، ومن مصلحة اللغة الإكثار من القياس كلما دعت الحاجة إليه، فتزداد بذلك المفردات المعبرة تعبيرا دقيقا من مختلف المعاني وتنمو ثروة اللغة اللفظية، وهذا شأن جميع اللغات الحية. ولا يمكن أن تحل كلمة (فني) محل كلمة (فنان) في مدلول المعنى وتحديده الصحيح، ولذلك لم يتردد كبار الشعراء والكتاب العصريين في استعمال اللفظ الأخير في موضعه المناسب.
فما رأي فضيلتكم في هذا الخلاف، وفي مبدأ تشجيع القياس الوضعي للمفردات التي تدعو حاجة التعبير العصري إليها، ما دامت قواعد الاشتقاق مرعية؟ أرجو أن تعنوا بالرد على هذا السؤال لأن جمهور الأدباء في مصر يهتم دائما بمعرفة أحكامكم اللغوية، ولفضيلتكم الشكر سلفا على هذا الفضل. (ش. ي)
ج - ليست (فنان) هنا للمبالغة، وإن كان فعال بتشديد العين من صيغها،
стр. 3664
بل للنسبة أو الإضافة: إذن معنى الفنان صاحب الفنان وممارسه قال سيبويه (٢: ٩٠٠ من طبعة مصر): هذا باب من الإضافة تحذف فيه ياءي الإضافة وذلك إذا جعلته صاحب شيء يزاوله، أو ذا شيء. أما ما يكون صاحب شيء يعالجه، فإنه يكون فعالا. وذلك قولك لصاحب الثياب ثواب، ولصاحب العاج عواج. . . وللذي يعالج الصرف: صراف، وذا أكثر من أن يحصى. . . أهـ. فالفنان: الذي يعالج الفناء ويزاوله. ويكاد يكون هذا الوزن للثلاثي قياسيا لكثرة ما ورد منه، فاستعماله لا غبار عليه واتخاذ القياس يزيد اللغة ثروة ويؤدي معاني لم يعرفها السلف ومن الضروري الرجوع إليه كلما احتجنا إلى وضعه.
على أننا نخير هنا على الفنان: الفتان (بتاء مثناة مشددة في الوسط) وقد استعملها الأقدمون منا. قال في الأغاني (١: ٢٥٦) وهو يذكر قول عطاء بن أبي رباح لابن سريج. (يا فتان) ألا تكف عما أنت عليه. . . تفتنهم أغانيك الخبيثة. . .) أه. وأنت تعلم أن ابن سريج كان فتانا في فنه الغنائي ولهذا قال له يا فتان. - ولذلك سمينا دائما الفنون التي تأخذ القلب
(بالفتانة) وهي أحسن من سائر الألفاظ التي استعملت كالفنون الجميلة والمستظرفة والرفيعة والأثيلة والناضرة والبديعة إلى غيرها. فهذه كلها لم يتخذها السلف وهي من سيئ التعريب من كلام الإفرنج وإن ادعى بعضهم أنهم استعملوها. فالغناء والشعر والنقش والنحت والموسيقى كلها من الفنون الفتانة.
وحكة الزجاجي في أماليه يسنده عن الأصمعي قال: حدثنا عمر بن أبي زائدة قال: حدثتني أم عمرو بنت الأهتم قالت: مررنا ونحن جوار بمجلس فيه سعيد بن جبير. ومعنا جارية تغني بدف معها، وتقول:
لئن فتنتني لهي بالأمس افتنت ... سعيدا فأمسى قد قلا كل مسلم
وألقى مصابيح القراءة واشترى ... وصال الغواني بالكتاب المتمم
فقال سعيد: كذبتن، كذبتن، أهـ. وراجع التاج في فتن.
فانظر كيف أن المغنية ناقرة الدف استعملت لفظة صورت بها حقيقة فتن إتقان الفناء لمن يقدره حق قدره.
وللفتان معان عديدة كلها تصح لمقابلة الإفرنجية لأن السحر نفسه من فنون الإفتان. وهذه المعاني لا تراها في الفنان (بثلاثة نونات). فاختر من
стр. 3665
اللفظين ما تشاء.
المخاضرة، بيع الغرز، البيع على علاته
س - بغداد - ط. ق: كيف تترجمون إلى العربية المستعملة في علم الحقوق؟
ج - للكلمة الإفرنجية عدة معان منها: وهو بيع نتاج مستقبل كالحصاد قبل أوانه وعلى الشاري أن يدفع قيمته التي عينت في أول البيع. سواء أكان النتاج أو الحصاد حسنا أم سيئا. وهذا ما سماه السلف (بالمخاضرة) قالوا: المخاضرة: بيع الثمار قبل بدو صلاحها. سمي لأن المتبايعين تبايعا شيئا أخضر بينهما، مأخوذ من الخضرة ويدخل فيه بيع الرطاب والبقول وأشباهها على قول بعض. أهـ عن التاج. ولما كان معنى الأخضر واسعا في العربية جاز أن نطلق المخاضرة على كل ما يرى فيه خسارة أو ربح وجاز لنا أن تسميها (بيع الغرز) (بفتح الأول والثاني) قال في التاج: الغرز، محركة. . . الخطر ومنه الحديث: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرز وهو بيع السمك في الماء، والطير في الهواء. وقيل: هو ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. وقيل: هو أن يكون على غير
عهدة ولا ثقة. قال الأزهري: ويدخل في بيع الغرز البيوع المجهولة التي لا يحيط بكنهها المتبايعان حتى تكون معلومة. أهـ. وتكاد تكون عبارة اللسان نفسها وإن لم يعزها إليه. وإما إذا أريد باللفظ الإفرنجي معنى عاما يوافق جميع ما تفرع منه من المعاني فقول السلف (على علاته) هو أحسن ما يؤدي هذا المطلوب. قال اللغويون قولهم على علاته أي على كل حال، لأن الكلمة الإفرنجية منحوتة من كلمتين من أي ثمن أو قيمة أي معمول أو مقطوع. وملخص معناهما بيع محسوم الثمن أو مقطوعة أو بيع الحسم. وهذا أيضاً مما يمكن اتخاذه من باب التعريب المعنوي.
والمعاجم الإفرنجية نقلت أسم هذا البيع بقولها: باع قطبا أو قطرا أو بالمشايلة أو بالمقاولة أو جزافا أو بالكلية لأن القطر أو القطب هو أخذ الشيء ثم أخذ ما بقي على حسب ذلك الشيء جزافا بغير وزن، يعتبر فيه بالأول.
стр. 3666
وهذا لا يفي معنى المصطلح الإفرنجي. وكذلك القول عن البيع بالمشايلة أو المقاولة أو الكلية أو الجزاف فكلها من هذا القبيل المخطوء في اتخاذه.
الماسة أو الطابق
ومنه: ما الكلمة العربية الموافقة للماسة (وبعضهم يقول الماصة)؟
ج - الماسة أو الماصة كلمة تركية الاستعمال إيطالية أو لاتينية الأصل وهي ومعناها في الأصل المائدة أو المنضدة. ويراد بهذا الاصطلاح موجودات المفلس من المال أي وأهل سورية ومصر سموها (الطابق).
قال في محيط المحيط: الطابق (بكسر الباء) عند أرباب التجارة موجودات التاجر إذا انكسر. أهـ. والكلمة شاعت بهذا المعنى فلا بأس من اتخاذها لاشتهار معناها. واصل معنى الطابق ظرف من حديد أو نحاس يطبخ فيه وهو الذي نسميه في العراق (طاوة) كأن التاجر وضع فيها عند انكساره فيقلى عليه قليا لما يحتمل حينئذ من العار.
البارية
س - بيروت - القس ا. ا: أأصاب أرباب. المعاجم العربية بقولهم: (البارية أو البورية) الحصير المنسوج من القصب وهي كلمة معربة اصلها فارسي؟ فإن كان ذلك صحيحا فما
هو اللفظ الفارسي الأصلي وما هو مدلوله الحقيقي؟ وإن لم يكن فما رأيكم في الأمر؟
ج - البارية أو البورية فارسية لا تحتمل شكا. وهي في هذه اللغة (بوريا) بضم الباء ضما غير صريح أي تلفظ وسكون الواو وكسر الراء وفتح الياء وفي الآخر ألف. ومعناها الأصلي نوع من القصب يكثر في الآجام ويشبه البلاج بعض الشبه وتتخذ منه الحصر أو البواري ثم سميت عندهم البارية (بلاج) (وزان سحاب) وهكذا أصبح له معنيان كما ترى عندهم للبارية معنيين.
وأصحاب معاجمنا العربية لم يذكروا الكلمة الفارسية للبارية ومن غريب أمرهم أنهم ذكروا البارية في مادة (ب ور) و (ب ر ي) معان الصحيح أن تذكر في (ب ور) لا غير، إشارة إلى اصلها الفارسي (بوريا). ولفظ الواو بين
стр. 3667
الألف والواو دفع السلف إلى تعريبها بصور مختلفة: البوري، والبورية، والبورياء (بالمد)، والبارياء، والباري (بالتشديد) والبارية (بالتشديد والهاء).
وأصحاب المعاجم العربية إلى اللغات الأجنبية فسروا البارية بقولهم: أي حصير متخذ من الأصل وهو غير صحيح، لأن الذي يتخذ من الأسل أو من ضرب من الأسل يعرف بالساماني (والبغداديون يقولون سماني وصماني أو صاماني) والسامان هو نوع من الأسل يكثر في المستنقعات والبطائح يعرف بالفرنسية باسم والصواب أن يقال والعراقيون إلى اليوم يسمون الحصر المتخذة من القصب (بواري) وما يتخذ من السامان: (صماني) وكانت تعرف بالطميل في عهد العباسيين. وكانت الطمل ترمل وتربط أجزاؤها بعضها إلى بعض بالخيوط وهو المعروف بالرمل والطمل والسف والنسج إلى غيرها. أما الباري فلا ترمل بل تضفر ضفرا أو تجدل جدلا.
باب المشارفة والانتقاد
تراكمت المقالات والأسئلة والأجوبة والمراسلات والأخبار حتى لم يبق متسع لباب المشارفة والانتقاد مع ما عندنا من موادها المهيأة ما يقع في نحو ٢٥٠ صفحة. فالرجاء من القراء العذر الذي هو من شيمهم الكريمة.
الهدايا
كثرت الهدايا في هذه المدة ولا يمكننا ذكر أسمائها كلها، فنجتزئ بذكر ما يأتي: ديوان الاعشين، ديوان طفيل والطرماح، نسب الخيل، نظم العقيان في أعيان الأعيان، السريريات والمداواة الطبية، رجب أفندي، جدول الأمراض، أناشيد المحبة، الراشد، تاريخ حوادث الزمان وأنبائه، نماذج خطوط اللغات الشرقية، السائس واللصوص، أصول اللغة العربية باللغة الروسية، مجموعة مقالات كتبت بشأن مرور ٥٠٠ سنة على ولادة مير علي دروس عملية في الأمراض الولادية، العلم والعمران وهي هدية المقتطف السنوية ورسائل في التعقيم ومقالات في هذا الموضوع لعلامة أميركي إلى غيرها.
стр. 3668
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - مؤتمر المستشرقين أو علماء المستشرقيات في اكسفورد جرت لعلماء المشرقيات عادة حسنة هي أنهم يعقدون مؤتمرا عاما في كل سنة أو سنتين وينتخبون له بعض البلاد المشهورة موطنا للاجتماع، وقد كان عقد مؤتمرهم لهذه السنة في جامعة اكسفورد بعد أن امتنع عقده خمس عشرة سنة بسبب الحرب العامة.
في مساء اليوم السابع والعشرين من شهر آب (أغسطس) الماضي اجتمع رجال المشرقيات وقادة العلم في العالم من جميع أقطار الأرض في الرواق الأكبر من مدرسة الامتحانات وكان عددهم فوق السبعمائة وافتتح المؤتمر بخطبة قصيرة فاه بها رئيس المؤتمر اللورد جلمرس كان موضوعها الترحيب بمندوبي الأمم وقد ذكرها أمة أمة إلا العراق والحجاز فانهما لم يمثلهما أحد رسميا وإذ كنت قد انتخبت مندوب العراق انتخابا غير رسمي لصلتي بجامعة لندن، قدمت إلى رئيس المؤتمر في زمرة الذين شملهم أسم الانبراطورية البريطانية ومن جملتهم كندة وأسترالية والهند ومصر وفلسطين.
وكان عدد المندوبين الرسميين فقط ٢٥٢ مندوبا ينقسمون إلى ١٠٠ عن انكلترة ومستعمراتها و٢٨ عن الولايات المتحدة و٢٥ عن ألمانية ورئيسهم العلامة بكز وزير معارف ألمانية وعن فرنسة ١٩ وفي ضمنهم مندوبو سورية والجزائر والهند الصينية ورئيسهم الأستاذ مورة وعن بلجكة ١١ وعن بولونية ١٠ وعن روسية ١٠ وعن إيطالية ٥ وعن الدنمرك ٥ وعن إيران ٥ وعن نروج ٥ وعن الفاتيكان ٤ وعن هولندة ٤ وعن يوغسلافية ٣ وعن السويد ٣ وعن مصر ٢ وعن لطيفية (؟) ٢ وعن نثرلند ٢ وعن المجر (هنغارية) ٢ وعن كل من اليابان والنمسة والترك والبرتغال وملايا واحد.
وتوفيرا للوقت على الخطباء والمستمعين معا قسمت المواضيع إلى شعب وخصصت غرفة لكل شعبة. أما المواضيع التي
стр. 3669
طرقت فكانت ٢٧ خطبة عن بلاد آثور وما يتصل بها من الأخبار وكان رئيس هذا الفرع الأستاذ لنكدن و٢٧ خطبة في مسائل عامة ورئيس هذا الفرع الأستاذ مايرس و١٩ خطبة عن مصر وأفريقية والرئيس لها الأستاذ غريفيث و٦ خطب عن آسية الوسطى والشمالية و٣٣ خطبة عن الهند القديمة و١٤ خطبة عن الهند
الحاضرة، والهند الجنوبية وسيلان و١٤ خطبة عن إيران وأرمينية والقفقاس وكان الرئيس لهذه الفروع الأربعة الأستاذ توماس و٢٤ خطبة عن الشرق الأقصى والرئيس الأستاذ سوثل و٣٤ خطبة عن الارمية والعبرية والرئيس الأستاذ كوك و٣٦ خطبة عن الإسلام وتركية والرئيس الأستاذ مرجليوث و١٧ خطبة عن الفنون الفتانة في الشرق والرئيس السر مايكل سدار
وفي نحو الساعة التاسعة وربع من صباح يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من آب (أغسطس) ١٩٢٨ شرع الخطباء في الخطابة ودام الأمر على هذه الصورة كل يوم صباحا وعصرا وليلا حتى مساء يوم الجمعة الحادي والثلاثين من الشهر المذكور.
وفي صباح اليوم الذي عقبه اجتمع الجميع في رواق الامتحانات كما اجتمعوا في الليلة الأولى وودع بعضهم بعضا بعد أن قرروا أن يعقد المؤتمر القادم بعد سنتين في مدينة ليدن من هولندة.
وكان مندوب سورية حضرة العلامة السيد محمد كرد علي قد دعا المؤتمرين في خطبته التي خطبها بالعربية إلى أن يعقد في الشام فقام الدكتور طه حسين مندوب الجامعة المصرية وقال أني باسم حكومة مصر أدعو المؤتمرين إلى مصر ثم أن رئيس اللجنة قال أن ذلك يتعذر لكثرة النفقات ومشقة السفر وطوله فقام كاتب هذه السطور وفند حجته مبينا أن الفوائد التي يجنيها المستشرقون من الشرق أعظم بكثير من النفقات التي تنفق في هذا السبيل والكلام عن القوم في داخل بلادهم يأتي بثمرة أكثر مما يأتيه الكلام عن القوم في خارج بلادهم وليس هناك دولة من دول الأرض إلا ولها منافع اقتصادية أو سياسية في الشرق فهي لا تخسر إن أنفقت بضع مئات من الليرات في هذا السبيل وأنا لا أدعوكم إلى بغداد لأني أخاف
стр. 3670
هجوم الأخوان عليها ساعة حضوركم فيها فتنالكم الأذية فنوسم بسمة التعصب والهمجية (فضحك القوم لذلك). أما من جهة طول السفر ومشقته فلا أرى لهما مانعا لوجود الطيارات (فزاد الضحك والتصفيق استحسانا). ولكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح إذ قررت اللجنة ما تقدم ذكره.
أما الخطب التي قيلت فبعضها بالافرنسية فالألمانية فالإنكليزية فالهندية فالعربية وكانت خطب الألمانية أمتع من سواها في جلال الموضوع وإشباع البحث والتدقيق في التحقيق.
وقد كان المندوبون عن مصر الدكتور طه حسين والأستاذ جاد المولى وعن سورية العلامة الشهير السيد محمد كرد علي وعن لبنان السيد الحوراني نزيل منجستر وعن تركية الأستاذ كبرلي زاده محمد فؤاد بك وعن إيران الأستاذ ميرزا محمد خان القزويني.
وخطب المستر وولي مدير الحفريات في اور خطبة نفيسة عن أعماله في أور عما اكتشفه فيها وذكر أن قد ثبت له أن مدنية أور أقدم من مدنية مصر ثم قال الأستاذ الأكبر ارنست هرتسفلد المعروف لدى العراقيين وخطب خطبة بديعة عن حفرياته في إيران اظهر فيها أن مدنية فارس أقدم من مدنية أور لأنها ترتقي إلى العصر الحجري. ذكرت هتين الخطبتين خاصة لأنهما صادرتان من منبعيهما وتتعلقان بالعراق خاصة.
لندن: ٦ - ٩ - ١٩٢٨
كاظم الدجيلي
وكتب إلينا صديقنا العلامة ف. كرنكو أن أمتع ما سمعناه كان كلام مبعوثي المغرب المسيو ليفي بروفنسال وابن شنب. وتاج هذه المباحث كان الخطبة العربية البليغة التي خطبها السيد محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي (المحنى) ووزير المعارف في سورية فإنه بين بأجلى البراهين ما للمستشرقين من الفضل في إحياء العلوم الغربية في المشرق. ولما كانت عباراته دررا رطبة تنثرها شفتاه لم يصعب فهمها علينا نحن المستعربين المساكين ولاسيما لأن صوته جلي.
وكتب إلينا صديق ثالث (ا. ج) كان لألمانية سبعون عالما ممثلا للجان المؤتمر التسع وقد اظهروا من البراعة في المباحث التي عالجوها ما ادهش جميع حضنة العلم والتحقيق، على إنها كانت
стр. 3671
سابحة في جو كله ضباب فكري وتطويلات مملة واستطرادات آخذة بعضها برقاب بعض
٢ - ترفيع درجة ممثلينا السياسيين
صدرت الإرادة الملوكية بترفيع درجة ممثلينا السياسيين في لندن وأنقرة إلى درجة مندوبين فوق العادة ووزيرين مفوضين. فنهنئهما بذلك.
٣ - عودة الوفد العراقي
عاد من الحجاز الوفد العراقي في مساء الخميس ٣٠ آب (أغسطس) غير ناجح في مسعاه.
٤ - الحاج عبد اللطيف جلبي ثنيان
عين حضرة صديقنا مديرا لإدارة الوقف في وزارة الأوقاف وقد كان في هذه الوظيفة سابقا فنهنئه بعودته إليها أو قل بعودتها إليه ونتوقع أعمالا خطيرة على يديه.
٥ - أحمد حامد أفندي الصراف
تعين صديقنا الأديب الشهير أحمد حامد أفندي الصراف مديرا للمطبوعات فنهنئه بها ونتمنى له خدمة طيبة للوطن ورقيا عليا للمطبوعات.
٦ - البعثة العلمية العراقية
قررت وزارة المعارف إرسال ٢٨ طالبا وطالبة في هذه السنة إلى الجامعات العلمية في أوربة وأميركة ومصر وبيروت للتخصص في مختلف العلوم والفنون على الوجه الآتي:
٤ - إلى أميركة للتخصص في الزراعة.
٦ - بنات إلى بيروت للتخصص للتعليم في كلية البنات الأميركية.
٤ - معلمين إلى انكلترة لإكمال الدراسة.
٤ - من التلاميذ إلى الجامعة الأميركية في بيروت للتخصص في العلوم.
٦ - إلى انكلترة للتفرغ في الهندسة.
٦ - إلى انكلترة للتفرغ في سكك الحديد.
٢ - إلى مصر للتضلع من آداب اللغة العربية.
١ - إلى انكلترة للتفرد بفرع من فروع الحقوق.
٢٨
وسيقرر أيضاً إرسال تلميذة أخرى وتلميذ آخر إلى بيروت للاستفراد بالعلوم كما إنها قررت أن لا ترسل إلى انكلترة أو أميركة طالبا ما لم يكن بيده شهادة الدخول في الجامعات. لذلك أبرمت أن يستعد الطالب في بيروت قبل أن يرسل إلى الجامعات.
٧ - نكبات آل البكر والهاشمي
نكب آل البكر والهاشمي نكبات عديدة في مدة وجيزة: فقد فجع الأولاد بوفاة والدهم قبل برهة غير بعيدة؛ ثم غرق في دجلة أحد الأولاد وهو المرحوم
стр. 3672
إبراهيم البكر فأقيمت له مناحة رددت صداها أرجاء العراق. وفي أوائل آب سافر أخوه محمود البكر إلى سورية فهجمت عصابة من قطاع الطرق على السيارات في طريق الصحراء وأطلقت الرصاص على المسافرين فأصيب قدرا محمود البكر ضحية لهذا الهجوم فوقع صريعا يتخبط في دمائه ونقلت جثته إلى دمشق فدفنت فيها وشيعها أبناء العراق في تلك المدينة الفيحاء ﵀.
ونحن نقدم إلى خالي الصريعين يس باشا الهاشمي وطه بك الهاشمي المدير العام لمعارف العراق طالبين إلى الله أن لا يريهما بعد هذا مكروها.
٨ - وفاة عبد اللطيف الفلاحي
في صباح ٣١ آب توفي عبد اللطيف الفلاحي نائب الحلة سابقا. والأستاذ في جامعة آل البيت وغيرها من المدارس وهو من مزاولي التعليم من مدة تقرب من أربعين عاما. وعالج الصحافة أيضاً فأصدر وضيعة (مكتب) باللغات التركية والعربية، والفرنسية في العهد العثماني، ومجلة (العلوم) في الشام وقد أبرز منها أجزاء لم تتم بها السنة. ونشر في بغداد جريدة باسم (الفلاح) بعد تأسيس الحكم الوطني في العراق. ووضع بضعة كتب للمدارس لا بأس بها. ودفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي. ﵀.
٩ - القس عمانؤيل يالينكتيان
توفي هذا القس الفاضل البار في مساء ٦ أيلول وكان قد ولد في مرعش سنة ١٨٧٩ وتلقى دروس الكهنوت في مدرسة القديس لويس للآباء الكبوشيين في بك أوغلي (بيرا. الأستانة) وكهن في سنة ١٩٠٧ ولما جاء في بغداد في سنة ١٩٢٣ ليعلم في مدرستنا أكب على درس اللغة العربية لما رأى فيها من المحاسن والاتساع واخذ يزاول مهنته في هذه اللغة ناجحا فيها كل النجاح، ودفن في دار الأيتام الراجعة إلى المبعث، ﵀ رحمة واسعة.
١٠ - ماتت من لسعة زنبور
لسع زنبور السيدة ظريفة حنا جموعة امرأة دانيال باكوس في صباح ٢٩ آب ولم يمهلها
إلا ساعة من الحياة فنقدم إلى نجليها القس حنا باكوس وأخيه سركيس أفندي تعازينا. كما نقدمها إلى نسيبها شكر الله باكوس ونطلب للفقيدة الرحمة والراحة الأبدية.
١١ - جان خياط
جان بن جرجيس خياط شاب عمره ١٧ سنة كان يتلقى علومه في المدرسة
стр. 3673
الثانوية فتحكمت فيه حمى محرقة واختطفت روحه فأبقى والديه وأخاه وأخواته وأولاد عمومه بلا سلوى. فنشاطر الأسرة بأجمعها البلية التي انتابتهم ورحم الله تلك النفس الغضة.
١٢ - وفاة محمود سلامة
عظمت خسارة الأدب في العام الفائت وفي هذه السنة بوفاة الكثيرين من علمائه كالأب شيخو والدكتور يعقوب صروف وغيرهما. والآن ننعي لقرائنا مع الأسف الشديد الصحفي المصري القديم الأستاذ محمود سلامة صاحب جريدة (الواعظ) وقد مات قتيلا بفأس شرير في ريف مصر. وكان الفقيد كاتبا بليغا. وشاعرا مقلا مجيدا، ومربيا فاضلا. ومن مأثور نظمه قوله:
ما توانى عن الحبيب كتابي ... لسلو أو رغبة عن هواه
إنما كلما كتبت رقيما ... سقط الدمع فوقه فمحاه
﵀ رحمة واسعة.
١٤ - الدجل في الأدب
لما بدأنا ننقد (ديوان العقاد) كنا نحسب أن صاحبه أول من يرحب بهذا النقد كيفما كانت قيمته، لأننا وجهنا به أنظار الكثيرين من المتأدبين في العراق إلى ديوانه، ووسعنا لهذا النقد موطنا وافيا على قدر الامكان، واتبعنا كعادتنا لهجة معتدلة يشهد بها كل منصف خالي الغرض فذكرنا له حسناته، وآخذناه على سقطاته، تحذيرا لسواه وتنبيها له ايضا، وما تشددنا في مواضع إلا أملا في إصلاحه، وإلا فما كان أهون علينا إغفاله كما أغفلته صحف ومجلات أخرى هي أعرف منا بدجله وشعوذته، وباتخاذه العظمة مركبا له وتحايله على الشهرة بالشذوذ والسباب والغطرسة ونحو ذلك. . . فلما تهجم علينا بهزءه الشائن ومهاترته التي يحسبها نوعا من المهارة لم نجد مطلقا عن جادة الحق، وآثرنا أن نرد أباطيله بالحجة
القوية على السكوت، دفعا لدجله ومغالطته التي هي أسوأ ما عرفناه في هذا العصر لكاتب عربي معروف يدعي إنه شاعر كبير أيضاً!
والمطلع على الصحافة المصرية لن يجد أي مشقة في معرفة قيمة العقاد الحقيقية بين أبناء وطنه الذين يعرفون إنه مصاب بنوع من جنون العظمة، فيهزءون منه إلى حد إشفاقهم عليه، حتى يتجاوز هو حدود السكوت عنه وحينئذ لا يرون مفرا من ردعه. وقد اشتهر العقاد بالدجل السياسي في كتابته، وهو عين ما يتبعه الآن في أدبه الذي لا يمثل الجديد منه إلا ما ينهبه من الأدب الأوربي بعد شيء من التحوير والسفسطة.
وقد نشرنا بعنوان (الفردية في الأدب) مقالا سديدا للأستاذ جورج فرح صاحب مجلة (المهذب) الغراء يغنينا عن أي تعليق عليه لهداية من تعوزه الهداية، ونختم هذه النبذة بكلمة عن العقاد في جريدة (السياسة) المؤرخة في ٣٠ أغسطس سنة ١٩٢٨، وهي أوسع الصحف المصرية الصميمة انتشارا. قالت بعد كلام: (. . . رجل وقح سليط اللسان، كل تاريخه منحصر في الإساءة لكل من أحسن إليه يوما
стр. 3674
من الأيام. هذا السليط اللسان لا يستحي أن يتبجح بالكرامة والإباء وعزة النفس وانه لم يطأطأ رأسه لمخلوق! ويعلم الله والناس ويشهد تاريخه الماضي كم طأطأ الرأس حتى لمس الأرض إرضاء لسيد كان يشتغل عنده، حتى إذا أخرجه هذا السيد بعد، إذ لم يستطع صبرا على أخلاقه، إذا به ينقلب أفعى تنهش عرض ذلك السيد في غير أدب ولا حياء. هذا السليط اللسان لا يستحي أن يعير الناس بالأمراض والعاهات التي لا يعير بها مخلوق وينسى هو - ويؤلمنا حقا أن نذكر ذلك - أن الله قد ابتلاه حقا بمرض ينفر الناس منه وينئيهم عنه. . . ولكن ماذا نقول في خسة الأخلاق؟).
ونظن أننا بعد هذا قد أدينا واجبنا الخلقي التهذيبي بتحذيرنا أدباءنا الناشئين وسواهم من الانخداع بتغرير هذا الرجل ودهائه، كما إننا سنتم في هدوء واجبنا الأدبي بإتمام نقد ديوانه الذي يعلن عنه في كل مجال بمثل إعلانه عن نفسه يوميا في صحيفة (البلاغ)، حتى نفضح خرافة (زعيم المجددين) الذي أصبحت شتائمه شرفا لكل أديب نابه ولكل رجل جهير، وكانت دليلا على أن حظه من رجاجة الفكر ومن التربية الاجتماعية في حكم العدم.
١٤ - خريجو مدرسة صنائع الموصل
خرج هذه السنة من مدرسة صنائع الموصل ثمانية طلبة.
وصدر الأمر بقبول الطلاب الثلاثة الأولين المتخرجين من مدرسة صنائع الموصل الأميرية في مدرسة صنائع بغداد. الجزء الأخير من السنة الخامسة
يظهر الجزءان الأخيران من السنة الخامسة في غلاف واحد ويوزعان في آخر شهر تشرين الأول (أكتوبر) من هذه السنة.
الجزءان ال ١١ وال ١٢ من هذه السنة
يتأخر الجزءان المذكوران من هذه إلى أجل غير مسمى لأنهما يحويان فهارس مواد السنة.
الجزء الأول من السنة السابعة وجزء اليوبيل
يظهر الجزء المذكور في أول كانون الثاني (يناير) ١٩٢٨ ويرصد جزء لنشر القصائد والهانئ والرسائل والبرقيات التي وصلت إلى لجنة الاحتفال باليوبيل أو جاءتنا رأسا. كما ينشر فيه أيضاً ما جاء في الصحف والمجلات وكان متعلقا بهذا الموضوع مدحا كان أو قدحا.
الشفق الباكي
للدكتور أبي شادي
شعر ونقد وأدب عام
يجمع هذا الديوان العصري الكبير الواقع في أكثر من ألف صفحة مئات من القصائد والمقطوعات المتنوعة ما بين وصفية ووجدانية واجتماعية وفلسفية وقصصية وتاريخية. وهو مطبوع أفخر طبع بالشكل، ومزدان بنخبة من الصور ومجلد تجليدا نفيسا. وبه من الشروح والتعليقات والنقد الأدبي ما فيه الغنية الكافية للأديب الباحث. ثمن النسخة الواحدة عشرون قرشا مصريا تضاف إليها أجرة البريد. ويطلب من المطبعة السلفية بشارع الاستئناف بمصر القاهرة.
стр. 3675
العدد ٦٥ - بتاريخ: ٠١ - ٠١ - ١٩٢٩
سنتنا السابعة
بلغنا والحمد لله - السنة السابعة من مجلتنا بفضل مشتركينا الكرام، ومساعدتهم، وممالأتهم إيانا في جميع أمورنا، وهنا نوجه الشكر إلى الأيادي البيضاء التي مدت إلينا من الديار المصرية فيسرت علينا إتمام ما بدأنا به من مشروعنا خدمة للغة المضرية وللمتكلمين بها، أما الربح فلا يمكننا أن ننتظره، إذ هيهات تعود النفقات وهي باهظة في ديارنا هذه.
وعلى كل حال نحن جادون في مهمتنا سائرين إلى الأمام مهما كلفنا هذا السعي من الأتعاب والخسائر، والله المستعان.
وقد خصصنا هذا الجزء بيوبيل صاحب هذه المجلة ذكرنا فيه كل م صلت إلي يدنا في هذا الموضوع، ولا ندعي بأننا أتينا على كل ما قيل في، فنلتمس العذر ممن لم يبلغ إلينا كلامه.
стр. 3676
في يوبيل أنستانس الذهبي
قصيدة لشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء جميل صدقي الزهاوي:
سلام على عهد الرقي المحبب ... سلام على حزب الشباب المهذب
سلام على المستشرقين وعطفهم ... على النخبة الأنجاب من نسل يعرب
وإني محيي للعروبة إنها ... قد استيقظت من نومها بعد أحقب
وقد أخذت تعدو لتبلغ سؤلها ... برغم الرزايا والشقاء المخيب
وإن لأبناء العراق تأهباً ... ولا تكذب الآمال في المتأهب
إذا جن ليل الخطب أو طال ساجيا ... تألق منهم كوكب بعد كوكب
لهم أمل أن يدركوا شأو غيرهم ... وإن شط عنهم وهو أفضل مأرب
فساروا على فجر من الحق صادق ... وليس على وعد من البرق خلب
ولا أدعي أنا بلغنا مرادنا ... ولكننا فوق الطريق المقرب
فيا عين قري بالذي تشدينه ... ويا نفس سري بالحفاوة واطربي
وإني لأرجو للعراق تقدماً ... يضاهي هبوب العاصف المتوثب
وإني إذا هبت من الغرب نفحة ... لأول مفراح بها ومرحب
وما إن نما غرس الرجاء من الحيا ... ولكنما من دمعي المتصبب
ومرت ليال كنت فيها لشقوتي ... وحيدا أقاسي غيهبا تلو غيهب
لقد كان مني الروح فيها معذبا ... ولكن ضميري لم يكن بمعذب
ويحسب قوم في التعصب رشدهم ... وما آخر الأيام غير التعصب
وهل يتساوى القصد بين مشرق ... ليدرك غايات الهدى ومغرب
وكنت ركبت الصعب أبلو جاهداً ... فما قل مجهودي ولا ذل مركبي
عشية ما في الرافدين سلامة ... ولا العيش في كل العراق بطيب
عشية لا عبد الحميد بسامع ... دعائي ولا مني فروق بمقرب
وما كان ما تأتي الشعوب بثورة ... ولكن حمى الدم المتلهب
فمنم بريء مذنب من خيانة ... أتاها ومنهم مذنب غير مذنب
ولم ننتفع بالعلم إلا صبابة ... تجرعها مثر بمشهد مترب
стр. 3677
وما ذل قوم أبرموا وحدة لهم ... وإن لم يكونوا ينتمون إلى أب
وما الأرض إلاَّ للتناحر حومة ... ولا فوز إلاَّ للفريق المدرب
ولا عار في زيغ الفتى وشذوذه ... ولكنه في كذبه والتذبذب
ولست أبالي ما به يشتمونني ... وإن كان في قلبي كلسعة عقرب
أقول لمن أرغى ليرغبني صه ... فما أنا خوار ولا أنت مرعبي
ولا شيء يسمو بالبنين إلى العلا ... كتكريمهم للعلم في حفلة الأب
حفلنا بأستاذ تبحر في اللغى ... ولا سيما الفصحى سليلة يعرب
وأن أنستاسا هو السند الذي ... همى علمه للظامئين كصيب
ترهب يرعى العلم خمسين حجة ... فأكبر به من عالم مترهب
تلقى بما أبقى ثناء معطرا ... وهل يتلقى طيب غير طيب
وأنا بهذا الحفل نوفيه حقه ... وأنا نحييه تحية معجب
وقد سر قلب الشرق والغرب حفلنا ... بيوبيله الجم الفخار المذهب
نكرم في تكريمه العلم والحجى ... ونكبر فيه الحذق في كل مطلب
وكم كلم كانت من الشك في دجى ... فأوضحها للطالب المترقب
توصل بعد البحث منه لأصلها ... وبعد جهاد منه في الفحص متعب
نقدت نزيها ما نقدت فلا تخف ... وعيداً وأكمل ما بدأت وعقب
وأنك أنت اليوم خير مثقف ... وأنك أنت اليوم خير مهذب
وقل باسلاً ما ينبغي أن تقوله ... ولا تلتفت للجاهل المتعصب
أتخشى وأنت اليوم في عهد فيصل ... مليك العراق الهاشمي المحبب
شفى قادرا أو كاد داء جمودهم ... برأي الطبيب العبقري المجرب
وكنا جميعا قبله رهن محنة ... نحاول تحقيق الرجاء المخيب
رأيت بني الحاجات قد نبتوا ضحى ... على بابه نبت الحمام بمعشب
له من ذكاء العقل في العين ومضة ... متى صدمت عين المخاطب تخلب
стр. 3678
ورب قصيد فيه تروى كأنها ... إذا خطرت أبياتها سرب ربرب
وأني إلى رأس الوزارة محسن ... لمهد ثناء عرفه جد طيب
همام إذا ما الدهر قطب وجهه ... كفاه بوجه منه غير مقطب
يقوم بأعباء الأمور ثقيلة ... بحزم القوي اللين المتصلب
ويكرم أهل العلم من كل نحلة ... ومن كل دين ثم من كل مذهب
شد الشعر بعد الصمت يطرب أمة ... فيا شعر قد أحسنت فأشد وأطرب
وليس بفعل المرء يكبر شعره ... ولكن بما في روحه من تكهرب
وللشعر عين ماؤها متدفق ... متى يأت من صيابة القلب يعذب
وكنت له جدبت بين مخطئ ... يعنفني في قرضه ومصوب
يؤنب في تجديدي الشعر صاحبي ... فيا صاحبي أفكر جيداً ثم أنب
وقال أتلقى في الفسيل نظير ما ... تراه على النخل الرفيع المشذب
أليس الجديد ابن القديم الذي شدا ... به القوم بعد القوم من عهد يعرب
فقلت له ما أنت للحق خاضع ... وأني لما تدلي به في تعجب
فأنا وإياهم كالخمر لا ترى ... سناها بماء الكرمة المتحلب
شعرنا بما لم يشعر القوم قبلنا ... شعور السليل الناهض المتهذب
وأن الجديد الغض في عنفوانه ... كبكر كعاب والقديم كثيب
ولست على العالات أجحد فضلهم ... ولكنما تقليدهم غير معجبي
فكذبني للجهل فيما صدقته ... وأي صريح ما له من مكذب
وماذا علي اليوم والحق غايتي ... إذا كان لا يرضى الجماهير مذهبي
وقد كان يهدي الشعر للحق حزبه ... فلم يك حزب الشعر بالمتنكب
وقد كان في أدواره الشعر كلها ... يسايرني في موكب ثم موكب
ولولا ضياء الشعر ما فزت بالهدى ... ولولا كفاء الشعر ما حزت منصبي
ولا خير في شعر أريد انتقاصه ... ولم يتحفز للدفاع ويغضب
أنا اليوم من كر الحوادث أشيب ... ولمن شعري كله غير أشيب
стр. 3679
ويا شعر أنت اليوم أكبر مرشد ... لمن ضل عن قصد الطريق الملحب
ويا شعر حرر ما تشاء من النهي ... ويا شعر بعد من تشاء وقرب
ويا شعر أن القلب أنت سفيره ... إلى كل قلب وافر الحزن مكئب
أبث شعوري فيك غير مقلد ... وأعرض آمالي ورأيي ومذهبي
وأنك طورا عندليب مغرد ... وطورا عقاب قد أدل بمخلب
نذكر الآن ما جاء في اليوبيل منذ أوائله شيئا بعد شيء:
لجنة اليوبيل الكرملي
اعتاد أبناء الغرب أن يكرموا عظماءهم من علماء وشعراء وأدباء، اعترافا بفضلهم وتقديرا لخدماتهم وأتعابهم الكثيرة. والصحف الغربية مشحونة بوصف الحفلات العظيمة التي يقيمها وطنيوهم لتبجيل رجالهم. وقد أنتجت هذه الفكرة ثمرة يانعة. فانتقلت إلى الديار الشرقية وطفق أبناؤها يشعرون بما لعظمائهم من حق عليهم.
وقد توالت على الأمة العربية مصائب ونكبات كادت توردها الحتف وتلحدها أبد الدهر لولا اللغة العربية التي كانت السبب الوحيد للم شعث العرب وجمع شتاتهم.
ولما كان الأب أنستاس ماري الكرملي العربي أرومة ومحتدا ونشأة قد خدم لغة الناطقين بالضاد خدمة تقارب نصف قرن رأى فريق من المفكرين اعترافا بخدماته وتقديرا لها أن يكرموا ذاك الذي ابيضت لمته وعارضاه في البحث والتنقيب عن كنوز اللغة. وقد أنشئت لجنة لتكريمه قوامها كل من حضرات السادة الآتي ذكرهم:
صاحب المعالي يوسف أفندي غنيمة وزير المالية
الحاج عبد اللطيف جلبي آل ثنيان
يعقوب أفندي نعوم سركيس
السيد طه أفندي الراوي
سليم أفندي حسون
معروف أفندي جياووك نائب أربل
المحامي شاؤل أفندي أسود
أحمد حامد أفندي الصراف
محمود أفندي الملاح
المحامي طاهر أفندي القيسي
وانتخبوا بالإجماع شاعر العرب الأستاذ جميل صدقي الزهاوي رئيسا
стр. 3680
لها وقد عينوا يوم الاحتفال ١٦ أيلول من سنة ١٩٢٨
بغداد في ١٤ حزيران ١٩٢٨
سكرتير اللجنة أحمد حامد الصراف
دعوة الزهاوي
(رئيس لجنة اليوبيل الكرملي)
الغرب قد سبق الشرق، والشرق قد انتبه وسار يحاول أن يلحق بالغرب. وقد مضى اليابان في سبيل التقدم كقنبلة خرجت من فم مدفع ضخم وهبت العروبة من رقدتها. ونفضت عنها غبار الكسل، فأخذت تسرع الخطى إلى الأمام برغم الأثقال التي تثبطها. عالمة أن حياة الأمم ي تقدمها وأن الأمة التي لا حراك لها في هذا السياق العام تسحقها الأرجل. والأمل أن تكون في مقدمة الأمم الشرقية، فترجع تراث أجدادها من مجد ضائع وتزيد على ذلك المجد التليد مجدا طريفا فتثبت للملأ أنها تستحق الحياة وأنها سوف تحيا ثم تحيا.
ولما كان العلامة الأب انستاس ماري الكرملي من الذين أنجبهم العراق نابغة في العلوم العربية وقد خدم اللغة بصدق خمسين عاما خدمة لا يجحدها كل من طبعت نفسه على الإنصاف، وكان من تباشير كل نهضة صادقة أن تقدر الأمة جهود علمائها الفطاحل، رأى فضلاء العراق أن الواجب يدعوهم إلى تكريمه، اعترافا بفضله الجم، فتألفت في بغداد لجنة لهذا الغرض الشريف وشرفتني برئاستها فجئت أدعو باسم اللغة العربية المحبوبة رجال العلم والأدب في العراق وبقية الأقطار العربية من شعراء وعلماء وكتاب إلى الاشتراك في تكريم الأب الذي نكرم فيه العلم واللغة. وذلك في ١٦ أيلول القادم راجيا الحضور في بغداد عند حلول الموعد أن أمكنهم ذلك، أو إرسال ما تجود به قرائحهم من نظم أو نثر طالبا من الله تعالى أن يوفق الأمم الشرقية عامة، والأمة العربية خاصة، لكل خير وأن يسدد خطاها حتى تصل إلى مصاف الشعوب الراقية الجديرة بالحياة.
بغداد في ٢ تموز سنة ١٩٢٨
جميل صدقي الزهاوي
(ملاحظة) وقد نقل يوم الحفلة إلى ٧ تشرين الأول (أكتوبر) لأسباب يطول ذكرها. والآن نورد صورة الدعوة التي وزعت قبل يوم اليوبيل بأسبوع ثم صورة المنهاج يعقبها الخطب كما تليت في اليوم المذكور.
следующие страницы →