Полный текст (6 158 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
غير بيت من الشعر ينزله هو وولده وقد قدمه بعض أهل الأغراض والأهواء لغايات في صدرهم وادعوا بأنه رئيس عشيرة فيها ثلاثة آلاف فارس. . . ثم طلبوا إلى الوالي أن يقيمه شيخاً لعشيرة بني مالك ومن ينتمي إليها وتعترف يه الحكومة اعترافا رسميا. فلبى طلبهم والى ولاية البصرة حسين جلال بك.
(ملخص عن الرياض ٧٣)
(حريق في الديوانية) وقع في نحو منتصف هذا الشهر حريق في سوق من أسواق الديوانية فالتهمت النار ما يقدر بخمسين دكانا مع محتوياتها. ولا تزال الخسائر مجهولة.
(بين عشيرتين كرديتين) وفي مثل ذلك العهد وقعت معركة بين داود خان رئيس عشيرة كلهر وبين شيرخان رئيس عشيرة السنجاوية. وكانت الدائرة على داود خان فقد قتل كثير من جنوده وأما شيرخان فانه خرج ظافراً من هذه الموقعة وكل ذلك يدلك على أن الأمن ليس على ما يرام. ولهذا رجعت قوافل التجار العثمانية وتضاعفت ضرائب المعتدين ويخشى سوء المغبة إذا لم تبادر حكومة إيران إلى ما يؤيد الراحة والسلام ويعيد المياه إلى مجاريها. (عنها)
(هجوم في البرجسية) هجم بعض الأشقياء من عشيرة بني مالك على (البرجسية) إحدى ضواحي الزبير وهي تبعد عنها نحو خمسة أميال. واخذوا أربعة من الحمير وعبثوا بشيءٍ من الزرع وعادوا على آثارهم. فأخذ أصحابها المنكوبون بالاستغاثة بأصحاب الحمية لكن لم ير
стр. 37
من يغيث.
أما مدير الناحية (محمد زكي أفندي) فقد استاء جداً من هذه الواقعة فأخذ يبحث وينقب عن المصدر الحقيقي فعلم أن (مصبح العوفج) الذي كان زعيماً لعشيرة بني مالك أمسى ثاوياً هو وأهل بيته في (الشعبية) إحدى ضواحي الزبير وهي تبعد عنها نحو ثلاثة أميال ونصف. وقد لجأ إليها منذ عامين. ولما كان اعتداء هذه العشيرة في هذه الأيام متوالياً على ناحية الزبير كانوا إذا أخلوا بالأمن آووا إلى حماه. . . فلما وقف المدير على جلية الأمر أرسل حالاً يطلب حضوره. فحضر ولده الأكبر (مهلهل) والزمه بالجلاء عن (الشعبية) مع تأدية ما أخذته يد الأشقياء. فأبدى أعذارا ربما كانت صحيحة في حد نفسها. إلا أن المدير الحازم لم يقبلها منه. وفي الأخر كتب مهلهل عريضة إلى الولاية يطلب فيها أن يتم حصاد زرعه ثم يبارح الشعبية.
بيد أن الوالي حسين جلال بك اصدر أمراً باتاً في ٢٦ جمادي الأولى (٢٤ أيار) إلى المدير: أن لم يأخذ الشيخ مصبح بالسير حالاً اضربوه بالسلاح. فلما رأى أن لا مفر من هذا القضاء المبرم غادرها صاغراً مرغماً. فانقطعت بذهابه جرثومة الفساد والإفساد (الزهور العدد ٨٤)
(الصحة في بغداد في هذه الأيام) نشر مجلس ولاية بغداد تقريراً هذا معناه:
بناءً على ما دهم حاضرة الولاية بغداد من الغرق في هذه السنة
стр. 38
حتى أحاط الماء كل جانبٍ وملأ الخندق نتجت منه أنواع الأمراض التي أضرت بالأهالي ولاسيما الحمى المعروفة بحمى البطائح وعليه فيجب على الحكومة أن تتخذ وسيلة تزيل بها الماء المنتن المحيط بالبلد والمضر بالصحة العمومية وذلك بان يجعل منفذ لماء الدفرة (وهو الماء المتدفق في سهل بغداد) يفضي إلى الخندق ليغسل ما فيه من الأقذار والأوضار ثم يمضي بوجهه إلى منفذ آخر يفضي إلى الشط وحينئذ لا يبقى ماء في الخندق ولا في الدفرة. وإذا تم ذلك يباشر بدفن خندق المدينة الذي لم يعد ينفع شيئاً البتة.
وإذ قد ظهر في هذه الأيام اثر للوباء في البصرة وظهرت بعض إصابات بالهيضة في العزير فيجب أن نتخذ الذرائع اللازمة لحفظ الصحة في دار الولاية واعتناء البلدية بالتطهير والتنظيف فوق ما كان يجري في السابق. وان ترمى أقذار البواليع والكنف في غير ضاحية المدينة لما ينشأ منها من الأمراض. وان تتخذ الوسائل اللازمة لكي لا يضر
جواره بأحدٍ. (عن الرصافة ببعض تصرف العدد٦٧)
ينبوع الشفاء
أحدوثة إسلامية
وضعها بالفرنسوية الكاتب كزافيه مرميه من أعضاء المجمع اللغوي وعربها الأب انستاس الكرملي.
стр. 39
كان في دمشق الشام في سالف الأيام رجل قد اشتهر بالمال والغنى ولا شهرة قارون أو ثروة هارون وكان الناس يقولون عن مبارك (وهو اسم الرجل): (لقد وافق الاسم المسمى فان مباركاً قد بارك الله في ثروته) وكان بيده كنوز الهند وديار العرب ويسكن داراً مفروشة بأبهى الفرش وأفخره وكان الله قد من عليه بامرأة حسناء ذات فضل وفضيلة. وأولاد نجباء عددهم عدد نجوم الثريا (أي سبعة)
ومع هذا كله لم يكن الفرح من نصيبه لأنه كان قد بذل معظم همه وراء زيادة زهو بيته مقتنياً النفائس مزيناً بها داخل مسكنه وكان كلما حصل على شيء طلب شيئاً آخر وهو لا يعلم إلى أين المنتهى. ولا متى يبلغ موئل السعادة القصوى. إذ لا يزال في تعب ونصب وكلما فاز بالمبتغى. تولدت في قلبه رغائب أخرى كلها غرائب. ومن ثم كان يطوى بساط أيامه وهو يعلل النفس عند النوم بأنه ينال الراحة عند الصباح وإذا لاح جبين الفجر الصبيح يقول في نفسه: لعلي أنال المنى عند غياب الشمس وهو لا يعرف ما هذه المنى كما لا يزال على هذا التعليل. والنفس تفيض بالكآبة لا يسليه مسل. ولا يضحكه مضحك ولا يستطيب لذة من اللذات.
ولما كانت امرأته ترى هذا الحال تحزن لحزنه كما كان أولاده يغتمون لغم الوالدين والجميع من كبار وصغار يفرغون ما في وسعهم وطاقتهم لإرضائه أو لتطييب مر أيامه. وهو لا يزال إلا تبرماً من الحياة وتأففاً من العيشة. وقد ضجر من هذه الدنيا وما فيها لشعبه منها بل
стр. 40
لتخمة. وكان يود أن يموت والموت لا يزال منه إلا هرباً وبعداً.
فسمع ذات يوم انه في بلدة منف من ديار مصر رجل عالم بل حكيم لا بل بنى يستطيع أن يحل اعقد المسائل وأعضلها ويصف الدواء الناجع لأي مرض كان.
فعقد مبارك النية على الذهاب إليه واستفتائه أو استشفائه.
فدعا وصيفه (مالكاً) وكان يثق به كل الثقة وأمره أن ينتخب له من ابله أحاسنها وان يحمل
على واحد من نجبها أسفاطاً يملاها ذهباً وفضة وجواهر وجماناً ويجعل على مهري آخر أنواع الطيوب طيوب بلاد العرب ويركب كل منهما مهرباً ويظعنان إلى منف مقر الولي العظيم.
لها بقية
-
стр. 41
العدد ٢ - بتاريخ: ٠١ - ٠٨ - ١٩١١
المنتفق
عقدنا ضميرنا على أن نكتب كثيرا عن أعراب العراق. إلا أن عملنا هذا يجرنا إلى إعادة العنوان الواحد مرارا عديدة. وهذا مما يدفع إلى السام فحذراً من هذه الرطمة قصدنا أن نصدر البحث الواحد بعناوين أقسامه دفعاً للملل وتشويقاً لمطالعة الموضوع. وهانحن نبتدئ بأصل معنى المنتفق.
أعراب المنتفق يلفظون الكلمة (المنتفج) بميم مضمومة بعدها نون ساكنة يليها تاء مثناة مفتوحة ووراءها فاء مكسورة وفي الآخر
стр. 42
جيم مثلثة النقط فارسية اللفظ كما في جيم جهره وجهار وجه الفارسيات التركيات. وأنت تعلم أن كل ما يلفظه الأعراب بالجيم المثلثة هو بالكاف العربية إذ لا يسمع منهم لفظ الكاف الحقيقي إلا نادراً فهم يقولون مثلاً جال وحجي وشبجه وشباج في كال (يكيل) وحكى (يحكى) وشبكة (للصيد) (وشباك للطاقة أو النافذة) وعليه: فيكون في لفظة المنتفق لغة ثانية وهي (المنتفك) على أنك إذا تسمعت بعضهم ممن يعنون بحسن اللفظ والكلام تحققت أنهم يقولون (المنتفج) بالجيم العراقية الفصيحة وهي الجيم المنصوص عليها في كتب النحاة والصرفيين والقراء والمجودين لا الجيم الشامية أو المصرية. وأعراب المنتفق كسائر أعراب البادية لا يعرفون لفظ القاف الفصيح وهم يكرهونه أشد الكراهية ويقلبونه جيماً عراقية أينما وقعت وفي أي لفظة جاءت ومنهم من ينطق بها كافاً فارسية كما في كلستان وكوز وكرم الفارسيات.
وعليه ففي لفظة (المنتفق) خمس لغات وهي المنتفق بقاف والمنتفك بكاف والمنتفج بجيم فارسية وفصحاهن الأولى لأنها هكذا وردت في كتب الأقدمين من البلغاء وهي لا تزال ترد بهذه الصورة في من يتحرى الفصيح في كتابته وكلامه كما يتضح لك صحة هذا اللفظ من الشواهد الآتي إيرادها.
ما معنى المنتفق ولمَ سموا كذلك
لكل اسم من أسماء العرب يرجع إلى حكاية أو واقعة أو بيت شعر أو صناعة أو ما ضاهى هذه الأبواب وهي كثيرة عندهم. فما
стр. 43
عسى أن يكون معنى المنتفق ولمَ سموا بهذا الاسم.
قلنا: علينا أولاً أن نعلم ما معنى انتفق في اللغة. فقد جاء في تاج العروس ما معناه انتفق
اليربوع: خرج من نافقائه. . . وانتفق الرجل: دخل النفق. . . والنفق: السرب ووكر اليربوع أيضاً. اه
فيكون سبب هذه التسمية إما لأن الجد الأكبر لبني كان يحرش قبل الإسلام فبقي عليه هذا الاسم وهو غير بعيد لأنهم سموا أيضاً حريشاً وحرشاء ومحرشاً فمن سمي بحريش كأمير: قبيلة من بني عامر. وبحرشاء كصفراء: امرأة وبمحرش كمحدث: محرش الكعبي ومحرش بن عبد عمر والحنفي وغيرهما.
وإما لأنه كان يقيم في نفق لشدة الحر. فيكون شبيهاً بسكنة المغاور. وقد وجد في بلاد العرب أناس (منتفقة) أي سكنة الأنفاق أو الأسراب والمغاور وقد ذكر ذلك بعض المؤرخين ومنهم من وجد في غير بلاد العرب ويسميهم الإفرنج تروكلوديت، كما مر الكلام عنهم في الجزء الأول.
وأول من ذكر هؤلاء الأقوام كتاب اليونان فقد قالوا عنهم انهم أناس نازلون في الشمال الشرقي من أفريقية ويأوون إلى الأنفاق والمغاور وأكثر ما يكونون بين نهر النيل والبحر الأحمر وكان يحتل تلك الجهات أيضاً قوم من العرب يأتون إليها من بلادهم. وإلى هذا العهد يوجد جم غفير من الأفريقيين هم (منتفقون) حقيقة وهم مبثوثون في أصقاع مختلفة من قارة أفريقية.
стр. 44
وفي بلاد العرب قطر كله جبال تحيط به الأودية العظيمة العديدة وفيها من الكهوف والأنفاق شيء كثار تأوي إليه قبائل من الأعراب الأوابد والشراذم والشوارد. ولا يبعد أن يكون هؤلاء من أولئك أو أن منتفقة بلاد العرب من منتفقة بلاد الحبشة ونواحيها والله أعلم.
أما رأينا الخاص فهو أن بني المنتفق لم يسموا بهذا الاسم لكون جدهم كان من منتفقة اليرابيع أي محرشها ولا من المنتفقة بمعنى سكنة الكهوف. إنما سموا كذلك لكونهم اتفقوا على التناصر والتكلف اشتقاقاً من الاتفاق لا من الانتفاق. ويؤيد قولنا هذا أن بني المنتفق هم عبارة عن ثلاث قبائل كبار قد اجتمعت متحدة بينها كل الاتحاد وهي: قبيلة بني مالك وبمي سعيد والأجود (الأجود كأفضل لا الأجواد بألف بين الواو والدال) وكثيراً ما كان يفعل العرب والأعراب على التعاقد والتعاهد والتناصر ليكونوا اشد صولة على أقرانهم.
وقد كان ذلك قبل الإسلام وبعده ومن هذا القبيل الأحلاف والأحابيش وقريش وخثعمة والرباب ولعقة الدم والقارة وجمرات العرب ورضفات العرب وجمهرة العرب وتنوخ والضفير (هذه الكلمة تكتب بالضاد لا بالظاء المنقوطة المشالة) والمطيبون وغيرهم ولعلك تقول: إذا كان المنتفق من الاتفاق فكان يجب عليك أن تقول: (المتفق أو بنو المتفق) فمن أين هذه النون في المنتفق إذا كان من الاتفاق؟
قلنا أن العرب كثيراً ما تفك الحرفين المدعمين وتبدل الأول منهما نوناً وتبقي الثاني على حاله. وهذا الأمر معروف عندهم وإن لم يصرحوا
стр. 45
بهذه القاعدة في كتبهم. فقد قالوا: الأجار بتشديد الجيم والأنجار. والأجاص والإنجاص. والرز والرنز. والإجانة والإنجانة. والقبرة والقنبرة. والخروب والخرنوب. وربما أبدلوا نوناً من الحرف الثاني لا من الحرف الأول كقوله الخرنابتان وهما الخرابتان. وهناك غير هذه الأمثال مما يطول سرده.
ومما يؤيد هذا الاشتقاق أن (المنتفق وردت بدلاً من المنتفق في نسخ ياقوت القديمة وقد صرح بذلك الفاضل وستنفلد في طبعه لمعجم البلدان. وهكذا وردت في نسخ الأغاني القديمة.
وقد يتفق أمران والجوهر واحد كما يجتمع زندان في وعاء. فقد يمكن أن يكون المنتفق رجلاً سمي لبعض الأوجه اللغوية التي ذكرناها فكان رأس قبيلة. ثم ضعف في ما بعد أمر عشيرته حتى اضطرت إلى أن تنضم إلى أحياء أو أقوام أخرى فكان منها هذه العميرة أو هذه العشائر المشهورة باسم المنتفق.
نسب المنتفق
قال في تاج العروس: المنتفق أبو قبيلة وهو المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وقال السيد إبراهيم فصيح الحيدري في كتابه عنوان المج في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد: وجميع قبائل المنتفق بطن من عامر بن صعصعة من العدنانية وهم بنو المنتفق بن عامر بن ربيعة بن كعب بن عامر بن صعصعة ويقال المنتفق متفق. اهـ. وبنو صعصعة: بطن من هوازن
стр. 46
من العدنانية. وهم بنو صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن كان له من الولد: عامر ومرة ومازن وغامر ووائل. وأمهم عمرة بنت عامر بن الضرب. وغالب وأمه
غامزة بها يعرفون. وقيس وعوف ومساور ويسار ومثجور وأمهم عدية بها يعرفون. وكبيرة وزبينة وأمهم وائلة بها يعرفون وربيعة وأمه غويصرة بها يعرفون وعامر أكثرهم بطوناً. (عن أنساب العرب للقلقشندي).
وذكر صاحب لسان العرب المنتفق ولم ينسبه ولم يذكر قبيلته.
ومن العجب العجاب أن القلقشندي كتب سفراً مطولاً عن قبائل العرب ولم يذكر المنتفق أبداً. مع أنها قبيلة ضخمة بل عميرة جليلة.
وممن ذكر نسب بني المنتفق ابن خلدون المغربي في تأريخه في المجلد ٣١٢: ٢ قال: ومن بني كعب بن ربيعة. . . بنو عقيل (بن كعب وهم بطون كثيرة. منهم: بنو المنتفق بن عامر بن عقيل) ومن أعقاب بني المنتفق هؤلاء الأعراب المعروفون في الغرب (بالخلط). قال علي بن عبد العزيز الجرجاني: (الخلط): بنو عوف وبنو معاوية ابنا المنتفق بن عامر بن عقيل). انتهى. . . . قلت: والخلط في هذا العهد في أعداد جشم بالمغرب.
ومن بني عقيل بن كعب: بنو عبادة بن عقيل: منهم الأخيل واسمه: كعب بن الرحال بن معاوية بن عبادة. ومن عقبه: ليلى الاخيلية بنت حذيفة بن سداد بن الأخيل.
стр. 47
وذكر ابن قتيبة: أن قيس بن الملوح المجنون منهم. وبنو عبادة لهذا العهد فيما قال ابن سعيد بالجزيرة الفراتية فيما يلي العراق. ولهم عدد وذكر وغلب منهم على الموصل وحلب في أواسط المائة الخامسة قريش بن بدران بن مقلد فملكها هو وابنه مسلم بن قريش من بعده. ويسمى شرف الدولة. وتوالى الملك في عقب مسلم بن قريش منهم إلى أن انقرضوا. قال ابن سعيد: ومنهم لهذا العهد بقية بين الحازر والزاب يقال لهم: عرب شرف الدولة. ولهم إحسان من صاحب الموصل. وهم في تجمل وعزٍ. إلا أن عددهم قليل نحو مائة فارس.
وذكر المنتفق صاحب الأغاني في كلامه عن يزيد بن الطثرية قال: أن طثراً من عبد بن وائل أخوة بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وكان أبو جراد أحد بني المنتفق بن عامر بن عقيل أسر طثراً فمكث عنده زماناً ثم خلاه وأخذ عليه أصراً ليبعثن إليه بفدائه أو ليأتينه بنفسه وأهله فلم يجد فداء فاحتمل بأهله حتى دخل على أبي جراد فوسمه سمة إبله. فهم حلفاء لبني المنتفق إلى
стр. 48
اليوم نحو من خمسمائة رجل متفرقين فببني عقيل يولون إلى بني المنتفق وهم يعيرون بذلك
الوسم. وقال بعض من يهجوهم:
عليه الوسم وسم أبي جراد) اه
وذكرهم في موطن آخر فقال: زعم علماؤنا أنه لما انهزم الناس خرجت بنو عامر وحلفاؤهم في آثارهم (في آثار بني تميم) يقتلون ويأسرون ويسلبون فلحق قيس بن المنتفق بن عامر بن عقيل عمرو بن عمرو فأسره (اهـ المراد من ذكره للتنويه بنسب المنتفق)
وممن ذكر نسب المنتفق الطبري قال: وبارز زياد بن النضر أخاً له لأمه يقال: عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عقيل. وكانت أمهما امرأة من بني يزيد. فلما التقيا تعارفا فتوافقا. ثم انصرف كل واحد منهما عن صاحبه وترتجع الناس. اهـ.
وقد ذكر بني المنتفق غير هؤلاء الكتاب فاجتزأنا بالقليل السلسبيل الراوي للغليل عن الكثير الأجاج المهيج لعلة العليل.
ديارهم القديمة
قد جاء في كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر لابن خلدون المغربي في الجزء ٣٠٢: ٢ ما هذا نصه: (وأٌما بنو عجل بن لجيم بن صعب وهم الذين هزموا الفرس بمؤتة يوم ذي قار فمنازلهم من اليمامة إلى البصرة. وقد دثروا وخلفهم اليوم في تلك البلاد بنو عامر المنتفق بن عقيل بن عامر:) فهذا كلام نفيس يدلك على قدم احتلال بني المنتفق لهذه البلاد.
стр. 49
وقال ابن خلدون في موطن آخر من كتابه في المجلد ٢: ٣١٢ نقلا عن ابن سعيد: (ومنازل المنتفق الآجام التي بين البصرة والكوفة. . . ومن بني عامر بن عقيل: بنو عامر بن عوف بن مالك بن عوف وهم اخوة بني المنتفق وهم ساكنون بجهات البصرة وقد ملكوا البحرين بعد بني أبي الحسن ملكوها من تغلب. قال ابن سعيد: وملكوا أرض اليمامة من بني كلاب وكان ملكهم لعهد الخمسين من المائة السابعة عصفور وبنوه.) اهـ
ومما يدلنا على الربوع التي احتلوها في سابق العهد المياه التي كانت لهم فإنها تطلعنا احسن الاطلاع على منازلهم وديارهم القديمة. فمن مياه بني المنتفق:
(الميثب) كمبرد قال ياقوت: الميثب ماء بنجد لعقيل ثم للمنتفق واسمه معاوية بن عقيل. وقال الأصمعي: المثيب ماء لعبادة بالحجاز وقال غيره: مثيب واد من أودية الأعراض
التي تسيل من الحجاز في نجد اختلط فيه عقيل بن كعب وزبيد من اليمن.) اهـ
ومن مياههم (البيضاء) قال ياقوت: البيضاء ماء لبني عقيل ثم لبني معاوية بن عقيل وهو المنتفق. ومعهم فيها عامر بن عقيل. قال حاجب بن ذبيان المازني يرثى أخاه معاوية بالبيضاء قال.
تطاول بالبيضاء ليلى فلم انم ... وقد نام قساها وصاح دجاجها
معاوى كم من حاجةٍ قد تركتها ... سلوباً وقد كانت قريباً نتاجها
السلوب في النوق. التي ألقت ولدها لغير تمام.) اه
стр. 50
ومن ربوعهم (العقيق) قال الهمداني في جزيرة العرب: العقيق عقيقان: العقيق الأعلى للمنتفق ومعه معدن صعاد على يوم أو يومين وهو اغزر معدن في الجزيرة العرب. وهو الذي ذكره النبي ﵇ في قوله: مطرت أرض عقيل ذهباً. والأسفل هو في طي.) اهـ
ويقال لهذا العقيق الأعلى: (عقيق بني عقيل). قال ياقوت: (ومن الاعقة) العقيق الذي في بلاد بني عقيل. قال أبو زياد الكلابي عقيق بني عقيل فيه منبر من منابر اليمامة. ذكره القحيف بن حمير العقيلي حيث قال.
أأم ابن إدريس ألم يأتك الذي ... صبحنا ابن إدريس به فتقطرا
فليتك تحت الخافقين ترسه ... وقد جعلت درعاً عليها ومغفرا
يزيد العقيق ابن المهير ورهطه ... ودون العقيق الموت ورداً وأحمرا
وكيف تريدون العقيق ودونه ... بنو المحصنات اللابسات السنورا
انتهى النقل عن ياقوت.
ومن هنا ترى أن المنتفق كانوا منتشرين بين العرق وجزيرة العرب ويترددون بين بلاد وبلاد للانتجاع أو للغزو أو لغاية أخرى على ما هو معهود في حياة أهل البادية.
ربوعهم الحالية
تمتد من الناصرية إلى الحي وبينهما شطرة المنتفق والحمار وسوق الشيوخ والبطحاء والبدعة وبني أسد وبني سيد والمشارقة وقلعة صقر
стр. 51
إلى غيرها من الأقضية والنواحي. وقصبة اللواء: الناصرية. وبكلمة واحدة هي البلاد التي احتلوها من سابق العهد.
ومن ديارهم المشهورة في الأزمنة الخالية والحالية (الغراف) وهو نهر كبير تحت واسط بينها وبين البصرة وعلى هذا النهر كان في سابق العهد كورة عظيمة فيها قرى كثيرة وأما اليوم فلم يبق منها شيء يذكر. وكذلك القول عن البطائح التي كانت في جواره. فإنها كانت متسعة الأطراف مترامية الضفاف وأما في هذا العهد فقد نضبت مياهها وضاق عقيقها.
وسمى الإفرنج نهر الغراف باسم (شط الحي) نقلاً عن العوام والحي قرية ضخمة راكبة الغراف سابقاً. واسم الغراف في العهد الماضي (المسرهد) على وزن مدحرج بفتح ما قبل الآخر وقريته الحي تبعد عن هذا النهر نحواً من نصف ساعةٍ لتحول مجراه مع الزمان. ونهر الغراف أو المسرهد أو شط الحي ينقسم هناك إلى شعبتين فالشعبة التي عن يمينك تسمى (أبو حجيرات) مجموع حجيرة مصغرة حجرة. والشعبة التي عن يسارك يقال لها (شط العمى) لأنه لا يدفع مياهه إلى نهر آخر ولان الرمال تدفن عقيقه رويداً رويداً. ولا يوجد الماء في شعبة إلا أربعة أشهر في السنة هي أشهر الشتاء.
ومن غريب تأويل بعض كتاب الإفرنج أن هذا الشط يسمى (شط الحية) لا شط الحي. وسمى بذلك لأنه يتمعج الحية قلنا. وليس الأمر كذلك لأنه لا يوجد نهر إلا ويكون متعرجاً في سيره تبعا لحركة
стр. 52
الماء. نعم لو كان متعرجة شديداً يفوق منعطفات سائر الأودية والأنهر لصح التأويل. إلا أن الأمر ليس كما توهموه. وقد رأيت سبب تسمية العامة له بنهر الحي وسمى الحي حيا لحيوية أرضه وقوة إنباتها وخصب طينته مما لا يشبهه نظير قط في القرى المجاورة أو المندرسة.
الكلدانيون
واصل اسمهم ومعناه واختلاف الروايات فيه
كان الكلدانيون في سابق العهد أمة عظيمة بلغت من شاو الحضارة مبلغا بعيدا، وكانت تسكن العراق من شماليه إلى جنوبيه، وكان لهم شهرة طبقت الخافقين.
وقد ورد ذكرهم في كتب الأقدمين على اختلاف أجيالهم ولغاتهم، وقد جاء بنوع أخص في أسفار الكتبة المحدثين، لكثرة تتبعهم للحقائق، وتطال أعناقهم إلى تواريخ الأمم الخالية، وإمعانهم فيها بنوع لا يجاريهم مجار بل ولا يشق لهم غبار.
ولما كان شغفهم بالروايات الصادقة لا يضاهيه شغفهم بغيرها نقبوا عن مصادرها كل التنقيب حتى ظفروا بضالتهم، أعنى بذلك: الآثار والعاديات التي اكتشفوها في بلادنا بينما نحن في غفلة عنها وعن المنقبين وكل ما عثروا عليه منقوش على الحجارة أو الصخر أو الآجر أو الفخار أو ما ضاهي هذه المواد من مشوية في النار أو غير مشوية في النار أو غير مشوية أو مقطوعة من مقالعها ومدافنها أو غير ذلك.
واليوم يعرف الإفرنج تواريخ بلادنا وأممها وأجيالها ومواقع مدنها
стр. 53
وأنهارها وسابق مجدها ما لا تعرف منه عناوين أبحاثهم فيها أو عناوين المضامين التي بحثوا عنها. هذا فضلاً عن إننا لا نجد في المصنفات العربية من حديثة وقديمة ما يتصدى لهذا الفرع من العلوم الضرورية للعمران والتبسط في الحضارة والمدنية.
ولهذا رأينا من الواجب علينا أن نتعرض لهذا البحث الغزير الفائدة ليقف عليه أهل الوطن، ويعرف ما كان عليه أصحاب هذه الديار في سابق الإعصار من الهمة والنشاط والتيقظ فيعظم في قلبهم حبها ويغارون عليها، ويسعون كل السعي إلى الاحتفاظ بها، وترقيتها إلى أوج الفلاح، كما فعل من سبقنا على هذه الأرض وعلى الله الاتكال.
وأول شيء نستهل به بحثنا هذا هو كلمة الكلدانيين واصلها أو معناها مع أيراد جميع أقوال العلماء المختلفة فيها من قديمة وحديثة، فتقول:. .
جاءت هذه الكلمة بصور شتى وكل يعتقد أنها اللغة الفصحى واللفظة الحقيقة القديمة التابعة لأتصل الوضع، وان ما سواها من اللفظ المرغوب عنه بيد انك إذا سالت: من المحق في كلامه؟ أجابك كل منهم من فوره: أنا المحق. فتعال يا أيها الأديب ننظر في الأمر لننشد
ضالتنا.
إن لفظة الكلدانيين وردت في التوراة البرية منذ العصر الذي طوى فيه الكلدانيون أيامهم أي منذ القرن العشرين قبل المسيح. وقد جاءت بصورتين متقاربتين وهما: كسديم وكشديم أي بالسين وبالشين وكذا
стр. 54
أيضاً وردت في بعض الرقم البابلية اللغة أو الأصل أو النقل أو الرواية وقد ذهب العلماء مذاهب في معناها. فمنهم من قال إنها تعنى الفاتحين. وفريق أولها ببلاد الكس (بفتح الكاف) لان (كس). اسم الجبل نفسه، و (ده) البلد وصرح آخرون أن الرواية الفصحى هي كشيديم بالشين المثلثة (لاكسيديم) بالسين المهملة وكذا وردت في النسخ القديمة من نسخ التوراة ومعناها عندهم. (الفاتكون). لأنهم كانوا في أول أمرهم أهل غزو وغارات وفتك. فتكون الكلمة من أصل شائع في العربية والبابلية واللغات السامية معاً. فقد جاء في كتب اللغة عن معنى كشد: قطع بأسنانه كقطع الجزر، وكشد الناقة حلبها بثلاث أصابع، وهذا يدل على انهم كانوا أصحاب ابل وأنعام. وكشد فلان: اخلص الزبدة وهو يدل على انهم كانوا في سابق عهدهم أهل بادية يمخضون الألبان ويخلصون الزبدة.
ومن اللغويين من اثبت أنها مشاقة من الكشد (بضمتين) والياء والميم من علامات الجمع عند العبريين) ومعناها: الكثيروا الكسب والكادون على عيالهم، الواصلون أرحامهم، والواحد: كاشد وكشود وكشد (وهذه الأخيرة مفتوحة الأول والثاني) والكلدانيون كانوا مشهورين بكثرة كسبهم وحبهم لعيالهم.
стр. 55
وذهبت جماعة من البحثين إلى أن أصل (كسيديم أو كسديم: حسيديم اوحسديم) أي بالحاء في الأول بدلاً من الكاف ومعناها في العبرية: المحبون عيالهم الواصلون أرحامهم. وكان الكلدانيون معروفين يوصل الأرحام. والأخبار التي تنقل عنهم في هذا الباب كثيرة مستفاضة في أسفار تاريخ هذا الجيل.
وقال بعض المحققين بان الأصل هو (كرديم) لاكسديم أو كشديم ومعناها الأكراد. لان الكلدانيين لما اخذوا بالانقراض لجاءوا إلى جبال أو بلاد كردستان فبقى اسمهم القديم عليهم وما الاسم المصحف فبقى في بطون المهارق والأوراق.
وقد وردت الكلمة في الكلمة في بعض نسخ التوراة العربية بصورة (خلدانيين وسبب ذلك هو أن للخاء والكاف صورة واحدة في اللغة الارمية فالذين قرؤوها خاء في العربية والذين
جروا على رسم اللغة الارمية أثبتوها كافا عند نقلهم إياها إلى لغتنا. على أن المشهور المستفاض هو كلدانيون بالكاف بعدها لام.
وأما العرب فقد تلاعبوا باللفظة كل التلاعب. وهم يفعلون ذلك في جميع الكلم الدخيلة في لسانهم ولا عجب في ذلك فان الأعاجم يتصرفون أيضاً كل التصرف بالألفاظ العربية ويسومونها الذل والخسف والتصحيف والتشويه فلا يحق لهم أن يعيروا العرب بم يركبون متنه. وقد أشار بن عربشاه إلى تصرف العرب هذا بقوله: أن كرة الألفاظ الأعجمية، إذا تداولها صولجان اللغة العربية، خرطها في الدوران على بناء أوزانها
стр. 56
ودحرجها كيف شاء في ميدان لسانها،. . اهـ.
وعليه فقد ذكر كتاب العرب الكلدانيين بصور مختلفة وهانحن نورد بعض ما جاء من القبيل. قال في تاج العروس في مستدرك مادة ك ل د: الكلدانيون بالضم: طائفة من عبدة الكواكب. اهـ وقد وردت (ك ش د) الكشدانيون بالضم: طائفة من عبدة الكواكب. اهـ وقد وردت في كتاب الفهرست لابن النديم بصور مختلفة كرداني وكزداني وكسداني (ص١٩٤ و١٩٥ من التذبيل الذي ذيله فلوغل) وكأنها بضم الكاف وهو غريب لان الأصل هو بفتح الكاف إلا أن العرب لم تجار الأجانب في نقلهم هذا.
وجاء في مروج الذهب طبعة باريس ٢: ١١٢ و٤: ٦٨١ أن الصابئين كانوا يعرفون أيضاً باسم كماريون وهو لفظ غريب أيضاً فقيل الأصح كتباريون وقيل كسكريون وفي مروج الذهب المطبوع على حاشية نفح الطيب (٢٧٩: ١) الكيماريين وفي (٢: ١٥٢) الكنياريون وهذه التصحيفات أيضاً تختلف باختلاف طبعات مروج الذهب الكثيرة وفي كل طبعة رواية جديدة غريبة وعندي ثلاث طبعات منه وفي كل طبعه ما يؤيد قولي هذا. ولو سردت الكل لطال المقال على غير جدوى.
وقد ذكرهم ابن خلدون باسم قنطارية قال. والقنطارية أصحاب قنطارين ارفكشاد. وقد جاءت مصحفة على اوجه شتى منها كنتاريون وكتباريون وقطباريون والأصح في ذلك كشدانيون فصحفت كشرانيون وكنترانيون وقترانيون. وأساس كل هذه التصحيفات والتحريفات
стр. 57
والتشويهات الكتابة غير المنقوطة.
وأما الرواية الصحيحة فهي الكلدانيون نسبه إلى كلدة بفتح الكاف فسكون اللام أو كلدة
بفتحتين وهو اسم شيخ أو أمير من شيوخ العرب غزا ديار العراق في بطائح الفرات فتسمت البلاد باسمه ومن صلبه ولد الملك مرودخ بلدان ملك بابل وكان الشيخ كلدة في عهد إبراهيم الخليل وحارب الآشوريين ومنعهم من التسلط على العراق.
واسم كلدة كان في صدر الإسلام معروفاً عند العرب ومنه اسم الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج الثقفي طبيب العراب المشهور والكلدة بكسر الكاف وسكون اللام نبت مشهور بالعراق يسميه أهل البادية بهذا الاسم كما يسميه أهل بلاد العرب أيضاً وهو يشبه بعض الشبه الحلفاء أو غيرها من الانبتة وهو إذا تأصل في الأرض فشا فيه فشواً مريعاً ولا يقلع أو يزال إلا بجهد جهيد وأمل البلاد سميت بهذا الاسم من باب التشبيه لان العرب الكلديين أو الكلدانيين لما نزلوا هذه الديار لم يستأصلوا منها إلا بشق النفس.
ومن غريب الأمر أن العراق فخذا من الإعراب يرجعون إلى العبيد اسمهم الكلادنة أو الكلدانية وصيحتهم للحرب (أي استنفارهم) هي واحدة مع أعراب الغوالبة والكبيشات وقد رأيت هؤلاء البدو في ١٤ آذار سنة ١٩٠٤ سألتهم عن سبب تسميتهم بهذا الاسم فلم يستطيعوا أن يفيدوني فائدة تذكر. فلعلهم سموا بهذا الاسم لأنهم احتلوا أراضي بابل فعرفوا باسم الأرض التي نزلوها لأول مرة وهي الأرض المعروفة باسم كلدية في هذه الأيام عند بعض سكان البادية. والله اعلم
стр. 58
هذا جملة ما يقال في أصل هذا الاسم وتشويه المختلف ومعناه المشتبه والخلاصة هي: أن الكلدانيين قوم من العرب فتحوا العراق وبقوا فيه وتغلبوا على من عاداهم فنشأت منهم هذه الدولة الضخمة المشهورة. ومن غريب الأمر أن العرب لم يعرفوا أن هؤلاء كانوا منهم في سابق الزمن بل كما اتفق لهم الكلام عنهم ذكروهم باسم نبط العراق أو أنباط العراق ونسوا اسم الكلدانيين بتاتا. قال المسعودي في كتابه مروج الذهب في الباب العشرين: (ذكر ملوك بابل وهم النبط وغيرهم المعروفين بالكلدانيين): ذهب جماعة من أهل التنقير والبحث والعناية بأخبار ملوك العالم: أن أول ملوك بابل هم أول ملوك العالم الذين مهدوا الأرض بالعمارة. وان الفرس الأولى إنما أخذت الملك عن هؤلاء كما اخذ الروم المملكة من اليونانيين فكان أولهم نمرود الجبار. . . إلى آخر البحث.
ولم يذكر اسم الكلدانيين إلا شيئا نزراً، على أن الذي أثبته العلماء اليوم أن الكلدانيين غير
الأنباط. لا يجوز خلط اسم قوم باسم قوم آخر وقد جرى سائر مؤرخي العرب على هذه التسمية المغلوطة أن كانوا ممن تقدم المسعودي أو ممن جاء بعده.
هذا فضلاً عن أن لفظة النبط أو الأنباط جاءت عند كتاب العرب بمعان عديدة. منها: بمعنى الأنباط الحقيقيين. ومنها معنى الآراميين ومنها بمعنى السريانيين. ومنها بمعنى الكلدانيين. واغلب هذا الوهم ناشئ من اللغة الشائعة بين هؤلاء الأقوام فإنها كانت الارمية. ولهذا
стр. 59
وقع الكتاب في مهواة هذه المغواة. والله الهادي إلى سبيل الهداية والسداد.
كتاب الفرق بين الصالح وغير الصالح
تأليف أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن احمد الغزالي.
تاريخ كتابته ٦٤٨ هـ (- ١٢٥٠ - ١٢٥١ م) بيد ناسخه علي ابن أبي العشائر بن الغزالي. طوله ٢٣ سنتيمترا عرضا.
عدد أوراقه ٧١ وفي كل صفحة ١٥ سطراً بخطٍ نسخي حسن.
هذا الكتاب من كتب اسكندر أفندي داود مسيح في بغداد. تنقصه ورقة واحدة من الرأس والظهر مصحف بالمقوى بكعب سختيان أخضر فاتح اللون. وخطه وان كان حسنا إلا انه لكونه غير منقوط في بعض الألفاظ تصعب قراءته لقدم النسخة. وفي بعض الأوجه بقع تدل على انه قد بل بالماء في بعض المواطن.
وكثيرا ما حيل الغزالي في كتابه (نصيحة الملوك) وربما قيل (التبر المسبوك. في نصائح الملوك) على هذا الكتاب. وكتابه (نصيحة الملوك) فارسي وهذا الكتاب قد أقامه على سبعة أبواب وهي:
الباب الأول: في سياسة السلطنة وسيرة السلطان.
الباب الثاني: في سياسة الوزارة وسيرة الوزراء.
الباب الثالث: في ذكر الكتاب وآدابهم وسيرة الوزراء.
الباب الرابع: في سمو همم الملوك.
الباب الخامس: في ذكر حكمة الحكماء وهو باب جليل.
стр. 60
الباب السادس: في شرف العقل.
الباب السابع: في نعت النساء وذكر ما فيهن من خير وشر.
وليس في ديار الشرق نسخة ثانية لهذا السفر الفذ وقد تصفحت ما قد وصلت إليه يدي من فهارس كتب خزائن الشرق والغريب فلم اظفر بضالتي وهو غير مذكور بين مصنفات الإمام والذين ذكروه نفر قليل. قال السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى في مقدمة شرح أحياء العلوم في الفصل التاسع عشر في ذكر مصنفات أبي حامد الغزالي (ورتب ذكرها على حروف المعجم). قال في حرف الفاء: والفرق بين الصالح وغير الصالح ذكره في كتابه نصيحة الملوك. اهـ.
فيعلم من هذه العبارة أن السيد محمد مرتضى لم يعثر على نسخة كتاب الفرق هذا. وإنما تعرض لذكره وعلم به من استقراء كلام الغزالي نفسه في كتابه نصيحة الملوك.
وأما الحاج خليفة فلم يذكر إلا اسمه ولم يصفه لأنه لم يقف عليه في عهده. وقد بذلت جهدي في الفحص عنه في خزائن الكتب الشرقية حتى استكتب الورق المنخرم من أول هذه النسخة فلم أفز بطائل.
ثم علم انه يظهر من مطاوي كلامٍ له في الباب الثاني في الوزارة أن أيام تصنيفه كانت في عهد السلجوقية. وأما ناسخ هذه النسخة فهو على ابن أبي العشائر بن الغزالي. وأظنه علي بن احمد الغزالي الذي
стр. 61
ذكره السيد محمد مرتضى في شرحه على الأحيياء. قال: العلامة علي بن احمد الغزالي مؤلف كتاب ميزان الاستقامة لأهل القرب والكرامة: توفي سنة ٧٣١ هـ (- ١٣٣٠م) وقال الملا كاتب جلبي في كشف الظنون: (ميزان الاستقامة لأهل القرب والكرامة لعلي بن الغزالي المتوفي سنة ٧٣١هـ وهو غير الغزالي المشهور اهـ.
وفي هذا السفر الجليل شئ كثير من الأمور التاريخية غير معروفة وغير مذكورة في الكتب كبعض أمور رواها عن البرامكة ونحوهم ممن كان في عهد المؤلف أو قبله بقليل وفيه أيضاً أخبار تدل على حكمة وأصالة رأي تفيد القارئ وسوف نأتي على نتف منها أن سنحت الفرصة ونحن نروي هنا حكاية تتعلق بانوشروان لتكون أنموذجا مما يحوي الكتاب.
حكاية انوشروان والصبية الحكيمة
يقال: أن انوشروان الملك العادل مضى يوما إلى الصيد، فرأى ضيعة في القرب منه، وكان قد عطش. فقصد الضيعة وآتي باب دار قوم، وطلب ماء ليشرب، فخرجت صبية فأبصرته. ثم عادت إلى البيت، فدقت قصبة واحدة من قصب السكر، ومزجت ما عصرته بشيءٍ من الماء، ووضعته بالقدح وسلمته إلى انوشروان. فنظر في القدح فرأى فيه تراباً وقذى. فشرب منه قليلاً حتى انتهى إلى آخره. وقال للصبية:
نعم الماء لولا قذىً كدره.
стр. 62
فقالت: أنا عمدا ألقيت به القذي.
فقال: ولم فعلت ذلك؟
قالت: رايتك شديد العطش، فلو لم يكن في الماء قذي كنت شربته عجلاً في نوبةٍ واحدة، وكان يضرك شربه
فعجب انوشروان من كلامها. وعلم إنها قالته عن ذكاءٍ وفطنةٍ.
ثم قال لها:
من كم قصبةٍ دققت ذلك الماء؟
فقالت: من قصبة واحدة.
فتعجب انوشروان واضمر في نفسه انه إذا عاد أمر يزاد عليهم في الخراج. ثم عاد إلى تلك الناحية بعد وقتٍ، واجتاز على ذلك الباب منفرداً، وطلب ماء. فخرجت تلك الصبية بعينها فرأته، فعرفته، ثم عادت لتخرج الماء، فأبطأت عليه، فاستعجلها انو شروان. وقال:
لأي سبب أبطأت:
قالت لأنه لم يخرج من قصبة واحدة حاجتك، وقد دققت ثلاث قصباتٍ. ولم يخرج منها بقدر ما كان يخرج من واحدة.
فقال انوشروان: ما سبب هذا العجز؟
فقالت الصبية: سببه تغير نية السلطان. فقد سمعنا: انه إذا تغيرت نية السلطان على قوم زالت بركاتهم. وقلت خيراتهم.
فضحك انوشروان وعجب من قولها وأزال من نفسه ما كان قد اضمر لهم. وتزوج الصبية لتعجبه من ذكائها وحسن كلامها.
стр. 63
الرجل الفاسق والمرأة العفيفة
فقال: انه كان رجل فاسق يكايد امرأةً عفيفةً بالحرام. فلما حصل عندها. قال لها: امضي واغلقي جميع أبواب الدار واحكمي إغلاقها.
فمضت المرأة. ثم عادت وقالت: قد أغلقت سائر الأبواب التي بيننا وبين الخلق وقد أحكمتها. وقد بقى الباب الذي بيننا وبين الخالق تعالى، ما قدرت عليه ولا استطعت أن احكم إغلاقه وهو بحاله مفتوح.
فوقع في نفس الرجل الهيبة. فاخلص لله التوبة واقلع عن ذنبه وعاد إلى طاعته تعالى. اهـ
وبهذا القدر كفاية لمن يريدان يعرف ما في هذا الكتاب من الكنوز الأدبية والحكمية وكفى بالكتاب أن يكون منسوباً إلى مثل الغزالي لتعرف مكانته من البلاغة والفصاحة وحسن سبك العبارة مع اختيار احسن الحكايات واصح الأخبار.
السيد صدر الدين
الكاظمية: أبو محمد الحسن العاملي
أخلاق أهل نجد
(تتمة)
(٥:) أخلاقهم هي أخلاق العرب الأقدمين العزيزي النفس المتوقدي الذهن الأذكياء الشهام الأباة أخلاق لم تغيرها الحوادث والأزمان فهم اليوم أهل كرم وشجاعة ووفاء وسماحة وحمى ودخالة وسيرتهم توافق قوانينهم وتنطبق عليها أتم الانطباق ولا تحيد عن الكتاب والسنة فهم يجلونهما اعظم الإجلال ولا يعتبرون إلا إياهما.
стр. 64
نعم يوجد بين القبائل من يجري على قوانين وسنن وشرائع راجعة إليهم وخاصة بهم يقومون لها ويقعدون لكن إذا جاءوا المدن رجعوا إلى الشرع الشريف في أمورهم وشؤونهم الاجتماعية. هذا فضلاً عن أن لهذه السنن من المزايا والمحاسن ما تفيد كل الإفادة تلك الأقوام في هاتيك الربوع ولولا ضيق المقام لأتينا على ذكر بعض منها إظهاراً لمنافعها ولما أودعتها من الحكمة البعيدة المرمى والمبنى والمعنى
(٦ جارتهم) (التجارة التي يتعاطاها أهل تلك الأرجاء هي الخيل والإبل وكلاهما من احسن ما وجد من جنسيهما في الدنيا كلها جمعاء. ولعلنا نعقد يوما فصلاً نذكر فيه ما يجب الوقوف عليه في البحث والتمر وأنواعه كثيرة وأسماؤه هي تلك الأسماء القديمة لا تتغير وهذا يفيدنا في تصحيح بعض الألفاظ الواردة في هذا المعنى والسمن (واسمه عندهم الدهن كما يسميه العراقيون) والصوف والوبر. ويذهبون بكل صنف من هذه الأصناف إلى حيث يكون رواجه. فيذهب بالخيل مثلا إلى بلاد الهند. واغلب أصائل هذه الأنحاء من نجد. وينقلون الإبل إلى مصر والشام. ويحملون التمر إلى الحجاز. ويبيعون الدهن أو السن في البصرة والكويت والحجاز حسب الوقت الذي يوافق نقله أو يصادف تصريفه وإنفاقه في موطن دون الموطن الآخر الذي رخص فيه. وهذا هو سر أسفارهم المترامية وتغريهم عن أقطارهم العزيزة ولهم في ذلك من الصبر والجلادة مالا تراه في أقوام آخرين سواهم. فانك ترى الواحد منهم يقيم نائباً عن مسقط رأسه ثلاثين حولاً مثلاً ولا
стр. 65
يتأفف من حالته البتة وهم أهل سعى وكد وجد ولا تعيقهم الأخطار الشديدة ولا الأهوال الهائلة عن الوصول إلى ما به منفعتهم. أفبعد هذا تتعجب من كون كثيرين منهم وصلوا إلى لندن وأميركة والديار النائية فلقد يقضي واحدهم الأيام الطوال والاعوام الكثار بدون أن يلتفت إلى وطنه).
(٧: زراعتهم) (اغلب زراعتهم متوقفة على الحنطة والشعير والذرة (الاذرة أو الادرة)
والسمسم والدخن ويزرعون كل هذه الحبوب بقدر حاجتهم. وإذا حبست السماء ماءها اضطروا إلى جلب ما يحتاجون إليه من البلاد الأخرى كالكويت والبصرة والسماوة وغيرها ولقد كانت الزراعة تتقدم عندهم تقدما عظيما لولا أمرين أحدهما: جور الحكام. والثاني قلة المياه. ولقد حاولوا مرارا استنباط المياه بالآلات المختلفة أو حفر الآبار الارتوازية فلم يتيسر لهم ذلك. لصعوبة الطرق ووعورتها بحيث لا تستطيع العجلات السير فيها. وأما إذا قلت: فهناك جمال تضطلع بحملها. قلنا: تضطلع بحمل بعضها لا بكلها لأنه يوجد آلات ثقيلة غاية الثقل لا يحملها البعير الواحد بل ولا البعيران أو الثلاثة. ومن ثم أصبح نقلها من البعيد التحقيق. ولولا ذلك لأصبحوا في غنى عن الديار الأخرى في كل أين وان. بل لزادت حاصلاتهم على نفقتهم ولربحوا من التجارة بما فضل عندهم أموالاً طائلة تأتيهم من البلاد التي ينفقون اليوم فيها أموالهم للحصول على ما يحتاجون إليه.
стр. 66
(٨: الصناعة عندهم) (ليس لهم من الصنائع إلا ما لغيرهم من مجاوريهم من أهل الكويت والبصرة كالنجارة والحدادة والسكافة والخياطة وما ضاهي هذه المهن. ومهارتهم في الأسلحة غريبة فانهم وان كانوا إخلاء من جميع الوسائل الميسرة لهذه الغاية فانك تراهم يصلحون ما يقع من أنواع الخلل ببنادق ما وزر ومارتيني. واغرب من هذا انهم يفرغون المدافع إفراغاً محكماً ويحسنون التصرف بالمدافع الجديدة الطرز حتى انك تخالهم انهم تلقوا علم المدافع عن أصحابه المهرة وإذا وقع في هذه الآلات خلل أصلحوه على أقوم وجه. ومع كل هذه البراعة والتفنن لا تشاهد في أيديهم أدوات تامة العدة كما ترى في البلاد الراقية في المدنية. وعندي انه لو وجد بأيديهم آلات تساعدهم على تحقيق أمنيتهم لبرزوا في الصناعيات على من سواهم ولاتوا بكل عجاب. وأوقفك الآن على اغرب من هذا كله: انهم يتحرون المباحث العلمية الدقيقة ويتتبعون الاكتشافات الحديثة كالكهرباء والسلك الجوي وبعض الآلات البرقية وما ضاهي هذه الموضوعات الجديدة واعهداً واحد في القصيم يضيء محله بالنور الكهربائي الذي هو صنع يديه وقد ركب الأجزاء التي يتولد منه بأعمال فكرته. وإذا كانوا لا يحققون دائما ما يعقدون النية علبه فهو لأنهم في شغل شاغل عنه بما يقومون به من أمر العيشة وتطلبها في الأقطار النائية.)
(٩: ديانتهم) (بقى علينا أيراد أمر الديانة والاعتقاد عندهم. فقد أسلفت وقلت. انهم يعتمدون
على الكتاب (القرآن) والسنة
стр. 67
(وهي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ ) ولدى بحث جليل في هذه الموضوع وهو لا يخلو من فائدة لمن يريد تتبع الحقائق على وجهها الصادق الصحيح واستقراء ثوابت الأمور. ولعلى أعود إلى هذا المجال في فرصة أخرى.)
(١٠: هواء البلاد) لا تكاد تلفظ كله نجد إلا وتتصور هذه البلاد تحت عينيك ويهب عليك نسيمها ويتلاعب أمامك هواؤه الطيب الجاف. لان معنى (نجد) ما اشرف من الأرض وارتفع واستوى وصلب وغلظ. . . ولا يكون النجد إلا قفاً أو صلابة من الأرض من ارتفاع مثل الجبل معترضا بين يديك يرد طرفك عما وراءه. . .) - (عن التاج) -، والهواء في منتهى الحرارة وقد تبلغ في الظل في بعض المواطن ٥٢ درجة بالميزان المئوي. وعند الصباح يهب نسيم طيب لذيذ في الصيف وإذا تكبدت الشمس السماء انقطع الهواء في شهر تموز وأب وأيلول حتى يكاد الإنسان يموت اختناقا إلا انه لجفافه لا يؤثر كثيرا على الصحة. ويضطر من يسكن تلك الديار اتخاذ المآكل الخفيفة الهضم والانقطاع عن المسكرات والامتناع عن الأطعمة المطبوخة باللحوم الثقيلة.
(١١: تأثير الهواء على السكان) اعلم أن اغلب الأمراض تتولد هناك من الكبد لشدة الحر. ومن مؤثرات الحر على أهل البلاد أن اغلبهم ضعاف نحاف سمر الألوان طوال القامة إلا انهم أقوياء يحتملون الجوع والعطش والحر إلى درجة لا تكاد تراها في سواهما. وهم عصبيو
стр. 68
البنية ذو عزم شديد ومضاء بعيد إذا قصدوا شيئاً لا يرجعون عنه ولو كلفهم كرب الموت وإراقة الدماء وهم من بين جميع العرب سريعو تلقن العلوم والمعارف بل هم يتلقفونها تلقفا لسرعة تناولهم إياها وكذا قل عن الصنائع والفنون على أعلى اختلاف أنواعها وضروبها.
(١٢: عدد السكان) ليس في بلد من بلدٍ العرب من يحصى عدد الأنفس. هذا فضلاً عن أن هذا العمل عندهم مشؤوم. إلا أن العارفين يقدرون أهل نجد بما ينيف على مليون نسمة.
(١٣: نظرة وادع لبلاد نجد) يتضح لك مما أسلفنا ذكره أن بلاد نجد من احسن بلاد جزيرة العرب ترابا وهواءً. ولهذا قال ياقوت في معجمه: (لم يذكر الشعراء موضعا اكثر مما ذكروا نجدا وتشوقوا إليها من الأعراب المتحضرة) من ذلك قول أعرابي:
حنينا إلى أرض كان ترابها ... إذا أمطرت عود ومسك وعنبر
بلاد كان الأقحوان بروضه ... ونور الأقاحي وشي برد محبر
احن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها اطرف يقصر
وما نظري من نحو نجد بنافع ... اجل لا ولكني إلى ذاك انظر
أفي كل يوم نظرة ثم عبرة ... لعينيك مجرى ماؤها يتخدر
متى يستريح القلب أما مجاوز ... بحربٍ وأما نازح يتذكر
وقال أعرابي آخر:
فيا حبذا نجد وطيب ترابه ... إذا هضبته بالعشي هواضبه
وريح صبا نجدٍ إذا ما تنسمت ... ضحىً أو سرت جنح الظلام جنائبه
стр. 69
بأجرعٍ ممراعٍ كان رياحه ... سحاب من الكافور والمسك شائبه
واشهد لا أنساه ما عشت ساعة ... وما إنجاب ليل عن نهار يعاقبه
ولا زال هذا القلب مسكن لوعة ... بذكراه حتى يترك الماء شاربه
بغداد: سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض ومنشئها
نظرة عامة في لغة بغداد العامية
على من ليس من الزوراء أن يعلم: أن أهل دار السلام ينقسمون إلى ثلاثة أقسام كبيرة تابعة لأديانهم وهي: المسلمون واليهود والنصارى ولكل منهم لغة أو لهجة خاصة بهم دون غيرهم. حتى انك إذا سمعت كلام واحد منهم حكمت للحال على الدين الذي ينتحله المتكلم أو ينتسب إليه. وذلك لان لهجة المسلم غير لهجة النصراني، وكلام هذا يمتاز عن نطق اليهودي كل الامتياز، عربية اليهودي لا تشبه لسان المسلم والنصراني بشيء أبداً من جهة النبرة والنغمة: وهذا الأمر لا تشاهده على مثل هذه الصورة العجيبة إلا في بغداد وبعض مدن العراق.
نعم كان يمكنك قبل عشرين سنة أن تميز المسلم من النصراني في اليهودي بمجرد النظر إلى ثيابه وبزته. وأما اليوم فقد اختلط عليك الحابل بالنابل، إذ أن اغلب شبان بغداد يلبسون زياً واحداً لا يكاد يميز صاحبه عن وطنيه المنتسب إلى الدين الآخر إلا بأمرٍ واحد وهو أمر اللغة التي يتكلم بها.
стр. 70
أما احسن اللهجات البغدادية فهي لهجة المسلم لأنها فصيحة الكلمات مربوطة المعاني محكمة لفظ الأحرف كل الأحكام. ودونها لغة النصراني ومن بعدها لغة اليهودي. المسلم لا يتنازل أبداً إلى أن يتشبه بالنصراني أو اليهودي من قبيل اللفظ إلا ليهزا منهما. وإذا حاول التشبه بهما لغير السخرية خانه لسانه وظهر خداعه بعد ألفاظٍ قلائل. وقد يقلد النصراني المسلم بسهولة عظيمة غير انه يصعب عليه كل الصعوبة مجاراة اليهودي في نطقه لما في لهجته من النبرة اليهودية التي يرتضخها والتي لا يستطيع أن يأتيها إلا من ولد بين اليهود أو نشا فيهم منذ نعومة أظفاره وأما اليهودي فيصعب عليه كل الصعوبة محاكاة المسلم أو النصراني من جهة التلفظ.
هذا وأنت تعلم أن أصحاب الأديان الثلاثة كانوا في بغداد قبل زهاء عشر سنوات في محلات خاصة بهم لا يخرجون عنها. بل وكان اليهود في عزلة تامة عن غيرهم لا تعلق لهم بمن ليس منهم. اللهم إلا في الأسواق ومعاطاة الأمور التجارية. وما عدا ذلك فكانوا ملازمين بيوتهم لا يترددون إلى دور غيرهم بل ولا يطأون عتباتها لأي غاية كانت. أما اليوم فان اختلاط قوم يقوم أصبح من الأمور التي لا غنى عنها مراعاة لمقتضيات الأحوال وتغير المنشأ أو اقل: لتغيير الأديم الأدبي والاجتماعي.
стр. 71
فإذا علمت ذلك زد على ما تقدم: أن لأصحاب كل دين مخالطة لا تجدها أو لا تكاد تجدها إلا قليلاً في أصحاب الدين الآخر. فان المسلم يعاشر مثلاً: التركي والكردي والهندي والفارسي اكثر من معاشرة النصراني واليهودي لهم. والنصراني يؤالف الإفرنجي والآرامي الأصل اكثر من سواه لهما. واليهودي يمازج أهل المال مهما كان وأينما وجده وعلى أي دين كان والي أي قوم ينتسب. ولهذا ترى هذه المخالطة تأثيرا عظيما في ألفاظ اللغة ومفرداتها ومركباتها.
ومن ثم إذا آنت أنعمت النظر في لغتنا البغدادية وجدت فيها بقايا أو آثار من جميع اللغات أي انك تسمع بين ألفاظها مفرداتٍ تركية وفارسية وكردية وهندية وإنكليزية وفرنسية ورومية وإيطالية وألمانية وأرامية وعبرية. ولعلك تجد أيضاً فيها من غير هذه اللغات إلا انك إذا استقريت هذه الألفاظ ألفيتها تكثر بالنسبة إلى المتكلم بها ممن يخالط قوماً دون قومٍ. فان الحروف التركية مثلا تتوفر في لغة العسكري والمتوظف في الحكومة ولو كان عربي المنشأ والنجار. وذلك لكثرة ما يسمع هناك من اللغة الرسمية وهي التركية والهندية والفارسية تتدفق على السنة التجار ومن اخذ أخذهم. والإنكليزية تكثر على السنة المتوظفين في البواخر لان أول من ادخل السفن التجارية في العراق كان الإنكليز. والفرنسية تسمعها من طلبه المدارس وأصحاب المحلات التجارية ولو لم يكونوا فرنسويين أي انك تسمع هذه اللغة من الألمان والنمسيين والإيطاليين وغيرهم لان لغتهم التي
стр. 72
يتعاطون بها في تجارتهم هي الفرنساوية. والآرامية تكون في لغة النصارى لاسيما في لغة أولئك الذين يأتوننا من شمالي الموصل أي من تلكيف والقوش وما جاورهما. وقس على هذا القياس ألفاظ سائر اللغات.
وكل من طرق باب هذا البحث من الأدباء المتأخرين أشار إلى هذا التداخل تداخل اللغات الغريبة في لغتنا العربية البغدادية. إلا أن بعضهم قصروا كلامهم على لغة وغضوا الطرف عن اللغة الأخرى التي لها أيضاً تأثير على لغتنا. أي انهم قالوا مثلاً: أن لغة عوام بغداد اقرب إلى التركية منها إلى العربية. وسكتوا عن دخول سائر اللغات فيها. ومنهم من قالوا مثل هذا القول إلا انهم جعلوا الفارسية أو الإفرنجية أو الكردية إلى غيرها بدلا من التركية. على أن الحق هو أن ألفاظ بعض هذه اللغات تكثر على السنة قوم دون قوم على
ما ألمعنا إليه بعيد هذا بموجب طبقات الناس وتفاوتهم في مخالطتهم للأعاجم.
فإلى فشو الألفاظ الفارسية في لغتنا أشار واحدهم بقوله: (شعر) أن العناكير ساهت بعدما سبزت. بعدما كانت طراشيش ومعناه حرفاً بحرف هو: (أن) أداة التوكيد. - (العناكير) بكاف فارسية جمع عنكور تصحيف لتكور وهو العنب بالفارسية. وقد جمعت جمعا عربياً حملاً لوزنها على الأوزان العربية. - (ساهت): اسودت وهي مشتقة من سياه الفارسية. والتاء للتأنيث. - (بعدما) عربية بمعناها المألوف. - (سبزت): أخضرت من سبز بالفارسية. -
стр. 73
(واستشرنت) حلت (من الحلاوة) وهي مشتقة من شرين الفارسية وهو الحلو. (بعدما كانت) عربية مفهومة المعنى. (طراشيش) جمع طرش أي ترش معناها الحامض بالفارسية وقد جمعت جمعاً عربياً على هذه الصورة لمزواجة الوزن أو لأقامته. ومحصل معنى البيت: (إن العنب اسود بعد اخضراره واحلولي بعد أن كان حامضاً) وتكاد تجد جميع هذه الألفاظ في كلام أهل بغداد من العوام. فمن ذلك بيت (انكورلي) لصاحب بيت شهير وكان في السابق من باعة العنب أي عناباً ويقولون: (سياه بخت) أي اسود الحظ لمن كان سيئ الطالع. ويسمون الخضروات: سبزوات أو زوزوات. والشيرة عندهم: السكر العقود أو المطبوخ وهو الرب بضم الراء بالعربية. والطرشي عندهم الأثمار المخللة.
رزوق عيسى
ينبوع الشفاء
(تتمة)
فلبي العبد سيده وودع مبارك أهله وولده وسافر مع مالك إلى ديار مصر وما سارا زمانا إلا وأضلهما الطريق ملاك الله فأخذا يضربان في البوادي ولا بادي يبدو لهما. كما انهما لم يقعا أبداً على طريق لاحب يؤدي بهما إلى منزلة ترام. فاخذ العطش يفعل في جوفيهما فعل النار في الهشيم. وكانا في الليل ينشران رداءيهما في الهواء وعند الصباح ينهضان باكراً ليرطبا شفتيهما بوضعهما إياهما عليهما. وما كانا يفوزان بشيء يل كانا كالقابض إلى الماء لأنه ما كان يقع سدى ولا ندى في تلك الفلوات المحرقة أو اقل في تلك الحرار الجهنمية.
стр. 74
فلما تأجج صدرهما عطشاً وأخذا يتلعلعان على نحر واحد من الإبل في وسط تلك الرمال المتوهجة المتقدة وشرب الماء الذي يجدانه في معدته. ولما فعلا ما نويا خاب مسعاهما إذ لم يجدا فيها قطرة ماء.
فقال حينئذٍ مبارك لعبده: وأسواتاه! هل أني أخذتك إلى هنا لأميتك. فلقد أحببت نفسي فوق ما يتصوره كل عاقل. ولقد غررت بنفسك على غير جدوى. وزد على ذلك أني اقر باني قترت على عيالي تقتيراً ذميما استنزل على كل البلايا وصبها على صباً. فهل من بعد هذا كله أتلف روحك وأكون أنا دائماً ذلك الظلوم الغشوم بعينه وأنت لا تتشكى ولا تتظلم ولا تتضجر بل تتبعني بكل وداعة اتباع الفرار لامه. بل ولا تلومني على شيء حينما لا أقابل إحسانك بحسنة من الحسنات.
فقال له مالك: مالك يا سيدي ولم هذه الوساوس. وكيف لا اتبعك يا مولاي إلى القبر. ألم أكل من خبزك وملحك واشرب من ماءك ولبنك. ألم أتتنعم بالطيبات أيام السعد فلم لا أذوق الخبيثات يوم النحس؟ وكل أملي أن أرى سيدي يفوز بالنجاة من هذه المفازة الغائلة وان يستعيدني ربي إليه ويضم ما بقي من أيام حياتي إلى أيامك لتعود إلى عيالك قرير العين على الطائر الميمون. وأني اطلب هذا إلى ربي لأني بدون أهل وولد. وأما أنت وسندي فان ذويك ينتظرونك على أحر من جمر الغضا.
وما نطق مالك بهذا الكلام إلا وخر مغشياً عليه. فلما رآه شيده اخذ يتلوى من الألم ويتحوى ثم ركع ساجداً واخذ يبتهل إلى الله ويقول: اللهم أطلق روحي من سجنها وأمتني في هذه البادية لأني لم اكن أهلاً
стр. 75
لا تلقى منذ تلك النعم والآلاء وها أنا ثقل أوزاري يرهقني فلا حق
لي أن أعيش بعد هذا فدونك نفسي، دونك نفسي!
وملا أتم كلامه خارت قواه واخذ ينتحب انتحابا.
ومضى على هذه الحالة هنيهة من الزمان ثم تألقت غرته وبرقت أساريره وزالت غضون جبينه فابتسم عن ثغر كالأقحوان واخذ يتسع ويتنصت. وبينما كان قد الصق أذنه. . . وما زال يصغي له حتى تخيل له انه يسمع دوياً، وهل الدوي من اثر الجوع أم من اضطراب في دماغه لآفة أصيب بها؟. . . وبعد التدقيق والتثبت تحقق أن لا وهم هناك وان تحت الأرض خرير ماء يتدفق من عين تزارة فهرول متتبعاً ذلك الهدير وإذا به أمام عين تنفجر زلالاً نميراً بل كوثراً وسلسبيلا فقام ورفع يديه وأهل بذكر الله. وقبل أن يبل صداه فكر بوصيفه مالك الذي بقي صريعاً على الأرض فملاء قدحاً من هذا الماء الزلال واخذ يسقيه منه جرعة بعد جرعة بعد أن بلل صدغيه وشفتيه حتى أفاق. ثم قال له: (لست يا مالك من الآن وصاعدا عبدا لي بل رفيقا. فان عودتك إلى الحياة هي بمنزلة تحرير لك فتعال واشكر الله معي على انه أنقذنا من هذا الموت الزؤام.
فذهب كلاهما إلى حافة العين وكرعا منها أنفاساً ثم أوردا ابلهما فشربت حتى رويت. وحينئذٍ فتحا مزاودهما واكلا هنيئاً مرئياً وحمدا الله على هذه المنة التي لم يتوقعاها. ثم قال الملك لمبارك. بقي علينا الآن أن نبحث عن طريق التي تؤدي بنا إلى منف.
следующие страницы →