Полный текст (6 158 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فإذا علمت ذلك زد على ما تقدم: أن لأصحاب كل دين مخالطة لا تجدها أو لا تكاد تجدها إلا قليلاً في أصحاب الدين الآخر. فان المسلم يعاشر مثلاً: التركي والكردي والهندي والفارسي اكثر من معاشرة النصراني واليهودي لهم. والنصراني يؤالف الإفرنجي والآرامي الأصل اكثر من سواه لهما. واليهودي يمازج أهل المال مهما كان وأينما وجده وعلى أي دين كان والي أي قوم ينتسب. ولهذا ترى هذه المخالطة تأثيرا عظيما في ألفاظ اللغة ومفرداتها ومركباتها.
ومن ثم إذا آنت أنعمت النظر في لغتنا البغدادية وجدت فيها بقايا أو آثار من جميع اللغات أي انك تسمع بين ألفاظها مفرداتٍ تركية وفارسية وكردية وهندية وإنكليزية وفرنسية ورومية وإيطالية وألمانية وأرامية وعبرية. ولعلك تجد أيضاً فيها من غير هذه اللغات إلا انك إذا استقريت هذه الألفاظ ألفيتها تكثر بالنسبة إلى المتكلم بها ممن يخالط قوماً دون قومٍ. فان الحروف التركية مثلا تتوفر في لغة العسكري والمتوظف في الحكومة ولو كان عربي المنشأ والنجار. وذلك لكثرة ما يسمع هناك من اللغة الرسمية وهي التركية والهندية والفارسية تتدفق على السنة التجار ومن اخذ أخذهم. والإنكليزية تكثر على السنة المتوظفين في البواخر لان أول من ادخل السفن التجارية في العراق كان الإنكليز. والفرنسية تسمعها من طلبه المدارس وأصحاب المحلات التجارية ولو لم يكونوا فرنسويين أي انك تسمع هذه اللغة من الألمان والنمسيين والإيطاليين وغيرهم لان لغتهم التي
стр. 72
يتعاطون بها في تجارتهم هي الفرنساوية. والآرامية تكون في لغة النصارى لاسيما في لغة أولئك الذين يأتوننا من شمالي الموصل أي من تلكيف والقوش وما جاورهما. وقس على هذا القياس ألفاظ سائر اللغات.
وكل من طرق باب هذا البحث من الأدباء المتأخرين أشار إلى هذا التداخل تداخل اللغات الغريبة في لغتنا العربية البغدادية. إلا أن بعضهم قصروا كلامهم على لغة وغضوا الطرف عن اللغة الأخرى التي لها أيضاً تأثير على لغتنا. أي انهم قالوا مثلاً: أن لغة عوام بغداد اقرب إلى التركية منها إلى العربية. وسكتوا عن دخول سائر اللغات فيها. ومنهم من قالوا مثل هذا القول إلا انهم جعلوا الفارسية أو الإفرنجية أو الكردية إلى غيرها بدلا من التركية. على أن الحق هو أن ألفاظ بعض هذه اللغات تكثر على السنة قوم دون قوم على
ما ألمعنا إليه بعيد هذا بموجب طبقات الناس وتفاوتهم في مخالطتهم للأعاجم.
فإلى فشو الألفاظ الفارسية في لغتنا أشار واحدهم بقوله: (شعر) أن العناكير ساهت بعدما سبزت. بعدما كانت طراشيش ومعناه حرفاً بحرف هو: (أن) أداة التوكيد. - (العناكير) بكاف فارسية جمع عنكور تصحيف لتكور وهو العنب بالفارسية. وقد جمعت جمعا عربياً حملاً لوزنها على الأوزان العربية. - (ساهت): اسودت وهي مشتقة من سياه الفارسية. والتاء للتأنيث. - (بعدما) عربية بمعناها المألوف. - (سبزت): أخضرت من سبز بالفارسية. -
стр. 73
(واستشرنت) حلت (من الحلاوة) وهي مشتقة من شرين الفارسية وهو الحلو. (بعدما كانت) عربية مفهومة المعنى. (طراشيش) جمع طرش أي ترش معناها الحامض بالفارسية وقد جمعت جمعاً عربياً على هذه الصورة لمزواجة الوزن أو لأقامته. ومحصل معنى البيت: (إن العنب اسود بعد اخضراره واحلولي بعد أن كان حامضاً) وتكاد تجد جميع هذه الألفاظ في كلام أهل بغداد من العوام. فمن ذلك بيت (انكورلي) لصاحب بيت شهير وكان في السابق من باعة العنب أي عناباً ويقولون: (سياه بخت) أي اسود الحظ لمن كان سيئ الطالع. ويسمون الخضروات: سبزوات أو زوزوات. والشيرة عندهم: السكر العقود أو المطبوخ وهو الرب بضم الراء بالعربية. والطرشي عندهم الأثمار المخللة.
رزوق عيسى
ينبوع الشفاء
(تتمة)
فلبي العبد سيده وودع مبارك أهله وولده وسافر مع مالك إلى ديار مصر وما سارا زمانا إلا وأضلهما الطريق ملاك الله فأخذا يضربان في البوادي ولا بادي يبدو لهما. كما انهما لم يقعا أبداً على طريق لاحب يؤدي بهما إلى منزلة ترام. فاخذ العطش يفعل في جوفيهما فعل النار في الهشيم. وكانا في الليل ينشران رداءيهما في الهواء وعند الصباح ينهضان باكراً ليرطبا شفتيهما بوضعهما إياهما عليهما. وما كانا يفوزان بشيء يل كانا كالقابض إلى الماء لأنه ما كان يقع سدى ولا ندى في تلك الفلوات المحرقة أو اقل في تلك الحرار الجهنمية.
стр. 74
فلما تأجج صدرهما عطشاً وأخذا يتلعلعان على نحر واحد من الإبل في وسط تلك الرمال المتوهجة المتقدة وشرب الماء الذي يجدانه في معدته. ولما فعلا ما نويا خاب مسعاهما إذ لم يجدا فيها قطرة ماء.
فقال حينئذٍ مبارك لعبده: وأسواتاه! هل أني أخذتك إلى هنا لأميتك. فلقد أحببت نفسي فوق ما يتصوره كل عاقل. ولقد غررت بنفسك على غير جدوى. وزد على ذلك أني اقر باني قترت على عيالي تقتيراً ذميما استنزل على كل البلايا وصبها على صباً. فهل من بعد هذا كله أتلف روحك وأكون أنا دائماً ذلك الظلوم الغشوم بعينه وأنت لا تتشكى ولا تتظلم ولا تتضجر بل تتبعني بكل وداعة اتباع الفرار لامه. بل ولا تلومني على شيء حينما لا أقابل إحسانك بحسنة من الحسنات.
فقال له مالك: مالك يا سيدي ولم هذه الوساوس. وكيف لا اتبعك يا مولاي إلى القبر. ألم أكل من خبزك وملحك واشرب من ماءك ولبنك. ألم أتتنعم بالطيبات أيام السعد فلم لا أذوق الخبيثات يوم النحس؟ وكل أملي أن أرى سيدي يفوز بالنجاة من هذه المفازة الغائلة وان يستعيدني ربي إليه ويضم ما بقي من أيام حياتي إلى أيامك لتعود إلى عيالك قرير العين على الطائر الميمون. وأني اطلب هذا إلى ربي لأني بدون أهل وولد. وأما أنت وسندي فان ذويك ينتظرونك على أحر من جمر الغضا.
وما نطق مالك بهذا الكلام إلا وخر مغشياً عليه. فلما رآه شيده اخذ يتلوى من الألم ويتحوى ثم ركع ساجداً واخذ يبتهل إلى الله ويقول: اللهم أطلق روحي من سجنها وأمتني في هذه البادية لأني لم اكن أهلاً
стр. 75
لا تلقى منذ تلك النعم والآلاء وها أنا ثقل أوزاري يرهقني فلا حق
لي أن أعيش بعد هذا فدونك نفسي، دونك نفسي!
وملا أتم كلامه خارت قواه واخذ ينتحب انتحابا.
ومضى على هذه الحالة هنيهة من الزمان ثم تألقت غرته وبرقت أساريره وزالت غضون جبينه فابتسم عن ثغر كالأقحوان واخذ يتسع ويتنصت. وبينما كان قد الصق أذنه. . . وما زال يصغي له حتى تخيل له انه يسمع دوياً، وهل الدوي من اثر الجوع أم من اضطراب في دماغه لآفة أصيب بها؟. . . وبعد التدقيق والتثبت تحقق أن لا وهم هناك وان تحت الأرض خرير ماء يتدفق من عين تزارة فهرول متتبعاً ذلك الهدير وإذا به أمام عين تنفجر زلالاً نميراً بل كوثراً وسلسبيلا فقام ورفع يديه وأهل بذكر الله. وقبل أن يبل صداه فكر بوصيفه مالك الذي بقي صريعاً على الأرض فملاء قدحاً من هذا الماء الزلال واخذ يسقيه منه جرعة بعد جرعة بعد أن بلل صدغيه وشفتيه حتى أفاق. ثم قال له: (لست يا مالك من الآن وصاعدا عبدا لي بل رفيقا. فان عودتك إلى الحياة هي بمنزلة تحرير لك فتعال واشكر الله معي على انه أنقذنا من هذا الموت الزؤام.
فذهب كلاهما إلى حافة العين وكرعا منها أنفاساً ثم أوردا ابلهما فشربت حتى رويت. وحينئذٍ فتحا مزاودهما واكلا هنيئاً مرئياً وحمدا الله على هذه المنة التي لم يتوقعاها. ثم قال الملك لمبارك. بقي علينا الآن أن نبحث عن طريق التي تؤدي بنا إلى منف.
стр. 76
قال مبارك: لا حاجة لي الآن أن اذهب إلى تلك المدينة بل فلنرجع إلى دمشق الفيحاء قال هذا: وحملا أثقالهما ورجعا إلى الوطن العزيز ولما دخلا داره طيب خاطر أمرائه وأولاده ببشاشة وجهه وتلألوء جبينه.
فأهلت امرأته وقالت: بارك الله في ذلك الرجل الذي شفاك من حزنك وغمك وهمك!
فقال لها مبارك: (يا زهراء) أن الذي يشفاني هو الله نفسه لا ابن آدم. فإني لما تبطنت الصحراء وليس هناك ما يتعلق به قلبي جردني الله من حب الدنيا فاثبت في التواضع ثم باحتمال تلك الداهية الدهماء علمني الرأفة بالقريب ومحبته. وعليه فلا أريد أبداً أن أعيش كما عشت سابقاً أي أن لا اهتم إلا بنفسي بل عقدت النية على محبة الغير والاهتمام بأمرهم مصلحا ما كنت قد أفسدته وراتقاً ما كنت قد فتقته.)
والحق يقال: أن مباركاً منذ دخوله قصره المشيد اخذ بمساعدة الفقراء وإعالتهم وتسلية
الحزانى وتطييب خاطرهم. ومنذ ذاك الحين تولد في قلبه سرور لا يشبه سرور وأيقن أن الفضيلة وحدها هي رسول السعادة والفرح وهناء العيش ورغده. ولم تنحصر السعادة ببيته فقط بل امتدت إلى حواليه ومنها إلى ما وراء مسقط رأسه حتى بدا الناس يقولون: أن مباركاً ليس مباركاً في ثروته فقط كما في السابق بل هو مبارك في فضله وفضيلته وفواضله.)
وفي السنة الثانية ظعن مع عياله إلى تلك الفلاة الشهيرة التي
стр. 77
وجد فيها الهدى والرعوي. وبنى بجانب العين منزلا للمسافرين ودعا تلك العين (ينبوع الشفاء.)
تمت
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
(الإسرائيليون في بغداد) للإسرائيليين في بغداد عدة مدارس ومن جملتها مدرسة ثانوية أخرجت عدة طلبة نجباء وهي (مدرسة التعاهد الإسرائيلي) (اليانس) وتدرس العلوم فيها باللغة الفرنسوية وهي أيضاً لغتها الرسمية. وقد وقع اليوم خلاف بين الإسرائيليين في إبقاء هذه اللغة بمنزلة لغة أصلية أو جعلها فرعية. فان الجمعية الصهيونية تريد نزعها وإبدالها باللغة العبرية. وجمعية التعاهد الإسرائيلي تقاوم هذا التغبير اشد المقاومة. وأخذت تجمع الإعانات لإبقاء الأمور على حالتها. وأخذت الجمعية الصهيونية تقاومها بان شرعت هي أيضاً تجمع المال لتغيير هذا الأمر. وقد قامت شركة أو جمعية ثالثة في ألمانية لتكون بمنزلة الحكم بين الضرتين وتجعل اللغة الألمانية واجبة التدريس في المدرسة المذكورة وتكون لغتها الرسمية ثم تعلم سائر اللغات بمنزلة السنة فرعية.
وقد نمى إلى الزهور أن في نية جناب مناحيم أفندي إنشاء مكتب ساحته ١٥٠٠ ذراع مربع وتكون نفقة تعميره من ماله الخاص ويجري على المكتب مائة ليرة مسانهة ويودع إدارته إلى جمعية التعاهد الإسرائيلي فعسى تزداد المدارس ويترقى العلم ويتنافس كل قوم بإعلاء شانه ومجده.
(الأمير ابن سعود وأعراب العجمان) ما زال الأمير يطارد
стр. 78
العجمان حتى اضطروا إلى دخول متصرفية الاحساء فتأثرهم الأمير وخيم قريباً منهم. فاحتج عليه المتصرف والزمه بالرحيل وبان لا يتعرض لعشيرة العجمان فأجابه: أن طلبي للعشيرة هو لأمر تعود فائدته على العموم لان هؤلاء الأعراب هجموا على الرجل الذي اسمه (ذو النون) واخذوا أباعره، ولما كان الرجل من رعيتي فأنا اطلب إرجاع ما سلب. والأمر بقي على هذا الوجه ويؤمل أن المتصرف يعيد أباعر الرجل المنهوب.
(عشيرة الضفير) عادت هذه العشيرة تمتار (تكتال) من قصبة الزبير بعد طعن عشيرة بني مالك إلى مربع العيث والفساد أي الغراف (عن الزهور)
(المنتفق) لما سارت الباخرتان بالميرة والمؤونة إلى المائعة لإنجاد سعدون باشا وإذلال العشائر المعادية له تحقق هؤلاء الأعراب أن الحكومة تذب عن حياضه انتصاراً له. فتجمهرت حينئذٍ جميع العشائر وهي: البدور، وال غزي، والجوارين، والعساكرة، والحسينات، وال ازيرق، وسائر أعراب الشامية وغيرهم وأحاطوا بالناصرية إحاطة
السوار بالمعصم وأمطروا على السعدون ومن معه رصاصا حاميا داويا وما زالوا على هذا الفتك حتى وصلوا إلى ديار الصابئة (الصبة) فاحرقوا البيوت ونهبوا الأموال. ولما بلغوا إلى خان (أبو ليرة) داخل مركز الناصرية اتخذوه حصناً لهم. فلما رأى الأهالي هذا المشهد أيقنوا بالهلاك ولهذا أوفدوا إلى المحاصرين جمعاً من أكابرهم يسألون عما
стр. 79
يريدون من عملهم هذا. فأجابوهم انهم يريدون إكراه سعدون على الخروج من الناصرية وإلا فهم مصرون على نهب الناصرية وإتلافها وقتل من فيها على أخرهم.
والظاهر انهم لا يرجعون عن عزمهم لأنهم أقاموا جماعة منهم على محل من نهر الفرات يقال له (أبو جداحة) هو مشرف (مسلط) عل الناصرية حتى انه إذا كسر مقدار شبر من سدته غرقت الناصرية بأسرها. وكان قصدهم إغراقها بعد نهبها وقتل أهلها وإحراقها.
وحينئذ أعطوهم هدنة (عطوة) ثلاثة أيام ليخرجوا في مدتها سعدون باشا من الناصرية. واتفق انه في اليوم الثاني قام أحد رؤساء المركز وهو السيد زيدان ليبني منافذ الطرق والأزقة فظنت العشائر الهاجمة إنها حيلة ومكيدة فثاروا ثانية ثورة عظيمة ودخلوا مركز اللواء ونهبوا الديار وقتلوا من الأهالي نحو ثلاثين نفساً وقتل من العسكر عشرة رجال، وأما الأعراب فقتل منهم نحو عشرين نفساً.
وفي اليوم الثالث أكرهت الحكومة سعدون على الخروج من مقره فخرج ذليلا بحماية آل إبراهيم وأوصل إلى محل مزيد باشا ابن عمه فهو الآن عنده كالمستجير به.
ولا زالت الحرب على ساق لان المتصرف أمر بحبس (نجيدي) من آل جاسم زاعماً انه سبب هذه الفتنة. والعشائر تريد إطلاقه كما تريد إخراج السيد زيدان من الناصرية لأنه من خواص سعدون.
وطريق الناصرية يكاد يكون الآن مقطوعا ولا يجسر أحد على
стр. 80
أن يمر به لكثرة إطلاق الرصاص فيه.
ومن اشد ما يروى بخصوص التنكيل أن قوماً ما آل ازيرق قبضوا على جنديين من عساكر الحكومة ودفنوهما إلى صدريهما وجاء الأعراب يعذبونهما أنواع العذاب وهما يستغيثان بكل مارٍ بهما.
وكان في نية الحكومة أن تجهز أربعة طوابير لحل هذه المشكلة التي وقعت بين السعدون
وأعدائه. وفي الآخر اكتفت بإيفاد وفد من أمراء العساكر والضباط ومن موظفي الملكية تسمى (الهيئة التحقيقية والإجرائية) لإصلاح ذات البين فعسى أن تكون النتيجة حسنة حقناً للدماء وحباً بالأمن والسلام.
عن الرصافة والزهور بتصرف قليل
(هجوم أعراب على جابي البأج) قريباً من بغداد على منحدر دجلة قرية اسمها البغيلة مصغر بغلة. وقد ذهب جاب البأج (وهو مأمور الكودة بلسان العوام) واسمه مصطفى بك ومعه خمسة من الفرسان المسلحين (من سواريه الجادنرمه) لجباية غنم عشيرة أعراب السراية فوجدها قد هربت إلى ناحية عشيرة الخوالد في أرض (أبو جاموس) قرب أراضي الأمير (نفي) وبينما هو سائر نحوها إذ اقبل عليهم قوم من عشائر البادية وأمطروا على الجباة رصاصاً حامياً فأصيب واحد من الجندرمة وتوفي قبل أن يصل ناحية البغيلة بمسافة ساعتين ولا شك أن مثل هؤلاء الأعراب يستحقون العقاب الرادع لهم عن الإمعان في غيهم (عن الرياض بتصرف)
стр. 81
العدد ٣
آثار سامراء الخالية وسامراء الحالية
سامراء من المدن القديمة الحضارة والعمران، وقد سبق وجودها ظهور الإسلام بقرون عديدة، ومن بعد أن بلغت ابعد شأوٍ في المدينة، أخذت بالهبوط والهوى شان كل موجود، حتى كان عصر المعتصم فقام وبناها ثم نزلها سنة ٢٢١هـ (٨٣٦م)، ثم جاء بعده الخلفاء العباسيون وكل منهم يبتني له قصراً أو صرحاً، حتى غدت غادة مدن العراق، بل واجمل غاداتها، وأخذ يقصدها القاضي والداني من
стр. 82
أهل النزهة والأنس.
وكان في جوارها من سابق العهد أي قبل الإسلام عدة أديرة لنصارى كلها شهيرة، منها: (قلاية العمر أو عمر نصر)، وكان من متنزهات آل المنذر بالحيرة، (ودير مار سرجيس)، (ودير العذارى)، ودير السوسي، وغيرها.
أما اسمها فقد اختلفت الروايات فيه وفي معانيها. وكلها لا نصيب لها من الحقيقة، واصدق لغة رويت في اسمها هو سامراء (بفتح السين بعدها ألف يليها ميم مفتوحة وبجانبها راء مثقلة مفتوحة ثم ألف ممدودة وفي الآخر همزة). وأما قولهم أن الرواية الصحيحة هي سر من رأى أو سام راء فهذه وغيرها من مخترعات المخيلة، ومن التأويل التي أنتجها قرائح بعضهم إجابة للعقل الذي يحب الوقوف على أسرار الكون والاكتفاء بما يرضيه. ولو فكروا قليلاً لأقروا أن تأويلهم بعيد لقدم ورود الاسم، ولعله من وضع البابليين أو الآشوريين أو الكلدانيين أو غيرهم من الأقوام الخالية. فكيف يطلب له معنىً في ال لغة العرب ية.
وقد ذهب مدير هذه المجلة إلى مشاهدة ما يجري في هذه المدينة من التنقيب والحفر عن آثارها القديمة فكتب النبذة الآتية.
وقد اعتمد في اغلب ما أثبته هنا على كتاب (سامراء) للدكتور هرتسفلد المطبوع في برلين سنة ١٩٠٧ وعلى ما سمعه من المعمرين وشاهده هو بنفسه:
(لغة العرب)
стр. 83
نظرة عامة في سامراء وفي التنقيب الجاري فيها.
منذ غرة هذه السنة أي ١٩١١ م أخذت بعثة ألمانية بالشروع تنقيبا عن آثار سامراء. وقد نال الامتيازبالحفر حضرة العلامة المشهور الأستاذ فريدريك صارة البرليني الرحالة، الذي يعرفه أهل المشرق والغرب برحله المتعددة إلى بلاد فارس وتركستان والأناضول
(بلاد الروم) وبيت النهريين (الجزيرة) وعهد إلى اللوذعي الجهبذ الدكتور هرتسفلد من أساتذة جامعة برلين للأخذ بهذه الأشغال المهمة. وأهل بغداد يعرفون الأستاذ المذكور حق المعرفة. لاسيما الذين واجهوه وشافهوه. إذ عهدوا فيه سعة العلم والمعرفة بكل ما يتعلق بالشرق وآثاره. وبالأخص بكل ما يتعلق بالمسلمين وسابق حضارتهم. وهاهو الآن يواصل التنقيب والتنقير منذ أول قدومه حتى هذا اليوم بدون ملل أو ضجر أو قطع في الأشغال.
وسامراء جليلة القدر والشان لأنك تجد بين أسوارها مشهد الإمامين العاشر والحادي عشر (علي الهادي وحسن العسكري) وسرداب غيبة صاحب الزمان وهي من المشاهد العزيزة على أبناء الشيعة. وإلا لما كان لهذه المدينة منزلة وقدر عند أهل العصر.
أما موقع هذه البليدة فهو في سهل تموج فيه الاخربة الشواخص موج المياه في البحور الزواخر. وهي كلها من بقايا ذلك العمران الشهير الزاهر النضر المثبت ذكره في تاريخ صدر الإسلام. وتمتد هذه الأطلال على طول ضفتي دجلة الناشزتين وعلى مسافة ٣٠ كيلو متراً وفي قراب
стр. 84
كيلو مترين عرضاً. ومما يشاهد هناك أيضاً إطلال قصور ذات بال ممتدة على الضفة اليمنى من دجلة.
ومنذ بضع سنوات أخذت سامراء بان تستوقف أطيار الأفكار على جنباتها. ولا سيما أفكار أهل العلم والبحث من مسافرين ومؤرخين ومنقبين. وكان في مقدمتهم الأستاذ الدكتور هرتسفلد. فانه هو ومن جاء بعده زاروا هذه الآثار الطامسة، والأطلال الدارسة، والمبثوثة بث الجراد على أديم الأرض، ووصفوها قليلاً أو كثيراً. كل بموجب علمه ونظره.
على أن الأنقاض ليست بشيء يذكر بجانب ما تحت تلك التلول المتراكمة من بقايا الأبنية وهي تغشى وجه المدينة القديمة كلها. حتى انك تخال إنها أمواج بحر هائج صادقته عوامل الجمود فجأة فوقفت ماثلة لا حراك لها ولا هبوط على نفسها.
كيف لا ويرى في سامراء آثار جليلة وقد كانت في سابق الزمن مقاماً للعباسيين خلفاء هارون الرشيد. وبقيت نصف قرن عرشا لهم وذلك من سنة ٢٢١ - ٢٦٢هـ (٨٣٦ - ٨٧٦ م) بل ومرجع دولة الخلافة العظمى، وان شئت فقل بدون غلو ومبالغته (سرة العالم المتمدن) في ذلك الأوان، ولذا تراكمت فيها كنوز لا يفي تعدادها اللسان، وثروة تخالها من نتاج عالم الخيال. لا من نتاج عالم المثال. وبعبارة أخرى: كانت سامراء تحقيق حكايات
ألف ليلة وليلة.
التي تخال أنها من أوضاع الوهم والتصور الفارغ.
стр. 85
على أن تاريخ سامراء ليس من الأمور المجهولة. فان ما أثبته مؤرخو العرب ووصافوا بلدانهم المعاصرون لزهوها وغضارتها كالطبري والبلاذري واليعقوبي وغيرهم لا يبقى ريباً في صدر المستريب. لا بل قد كتب اليعقوبي فصلاً نفيساً مفيداً للمسافر فائدة تشبه فائدة كتاب (بيدكر) اليوم ليطلع على ما يعثر عليه في تطوافه في سر من رأى وقد عقد هذا الفصل في مؤلفه الجليل (كتاب البلدان).
أما الأسباب التي حملت المعتصم بالله بن هارون الرشيد على بناء هذه المدينة الطائرة الشهرة فكانت سياسية ودينية معاً. فان الخليفة المذكور كان ينتصر للمعتزلة وأي انتصار حتى أن مسلمي بغداد لم يعودوا ينظرون إليه بالعين التي كانوا يرمقونه بها سابقاً. هذا فضلاً عن انه كان أول من انشأ جيشاً من الترك يتقوم من موالٍ (مماليك) اشتراهم النخاسون من أسواق تركستان وتخوم بلاد الصين حتى أوصل عددهم إلى ٧٠٠٠٠ رجل. وذلك بعد أن خلف أخاه المأمون على عرش العباسين في حاضرتهم.
على أن وجود مثل هذا الجيش في موطن لا يخلو من خطر ومن مناوشات بين أفراده وبين أهل البلدة. ولذا كانت تكثر الأحداث في الزوراء حتى تجري الدماء بين القبيلين. وكانت بغداد تمتد يومئذ من الكاظمية إلى مقبرة الشيخ معروف الكرخي. فلما رأى الخليفة أن لا سلام في دار السلام عقد نيته على بناء مدينة في الموضع الذي ترى اليوم سامراء. وفي هذه الحاضرة اخذ ظل الدولة العباسية يتقلص
стр. 86
أي منذ عهد هذا الخليفة ومن جاء بعده وسببه تكاثر الموالي وتداخلهم في شؤون الدولة وشؤون قادة أعنتها الأمراء العباسيين.
وبعد أن مضى أربعون سنة على أعمال هؤلاء الموالي هي أعمال كلها منكرات خلدتها دواوين التاريخ وبطون الأوراق. أفضى بهم الأمر إلى إنشاء رتبة (منصب) أمير الأمراء وكان عبارة عن سيد مطلق اليد في ما يأتيه من الأوامر والزواجر. وقد وقع ذلك عند أفول شمس هذه الدولة في مدة الأربعين سنة. وهذا أمير الأمراء هو الذي انفق مع الموالي على إكراه المعتمد على الرجوع إلى بغداد وقضاء ثمالة أيامه في قصره الذي أصبح له بمنزلة سجن ذهبي الظواهر.
وعلى اثر هذه الحوادث اخذ سكان سر من رأى بمزايلتها، الجماعة بعد الجماعة، منتجعين مرابع بغداد وجنباتها الخضرة النضرة، ولم تمض أيام كثيرة إلا وهدمت سامرا بالسرعة التي فنشئت بها. وكل من جاء بعد هذا العهد من كتبه العرب كابن حوقل وابن جبير وياقوت الحموي وابن بطوطة. لم يجدوا لوصفها إلا ما يفتت الأكباد ويلين الجماد إذ لم يعثروا فيها إلا على أنقاض وأطلال لمدينة كانت أزهى مدن الدنيا وأبدعها وأعجبها وأتقنها بناء وهندسة.
وأذ لم تخرب هذه المدينة لا بالحرب ولا بالحرق ولا بالاكتساح ولا بزلزلة الأرض ولا بمرض من الأمراض الوافدة الجارفة بل بمهاجرة أصحابها لها، مهاجرة متصلة الأوائل بالأواخر، فلا يأمل الناقب العثور على الكنوز المذكورة في كتاب ألف ليلة وليلة لان سكانها اخذوا معهم
стр. 87
عند انحدارهم إلى بغداد على دجلة كل ما يحمل وينقل ويفيدهم ولو فائدة زهيدة. حتى انهم اخذوا معهم مرادي السقوف وحراديها وأبواب الدور. وكل ما ضاهى هذه الأمور. على أن العلماء من المنقبين، أهل البحث والتحقيق، لا يطلبون اليوم الركائز والدفائن. ولا الإغلاق ونفائس المعادن. إنما همهم تنوير الأفكار في ما يتعلق بأمر تاريخ عمران ابن آدم في سابق العهد. فالعراق العربي هو من البلاد التي يحق للعلماء أن يتباهوا ويتفاخروا بأرضه، لما فيه من الآثار العادية، لكل عصر من العصور الخالية، ومع ذلك لا ترى إلا أناسا يعدون على الأصابع عرفوا مكانه هذه الديار الرفيعة القدر، وأنزلوها حق منزلتها.
وعلى كل حال فان التنقيب الحديث الطريقة العلمية يرى لأول مرة في سامراء، وهي الطريقة التي اتبعت في البحث عن آثار الجزيرة (بين النهرين) وبلاد الروم (بر الأناضول) وبلاد اليونان منذ ٧٠ سنة. وذلك نشداً لضالة العمران الإسلامي في الديار المذكورة، ومن ثم فالتنقيب الجاري اليوم في سامراء هو جليل القدر والخطر ووحيد المثال، لان الدكتور العلامة هرتسفلد يتوخى الطريقة القربى للبلوغ إلى تحقيق ما في الأمنية.
هذا فضلا عن أن البحث عن حضارة الإسلام اخذ مأخذاً عجيباً في ديار الإفرنج منذ عشرين عاماً، لاسيما بعدما أثبته وقرره علماء أذكياء نجباء لا يشق لهم غبار، يعدون من
الطبقة الأولى في التدقيق والتحقيق،
стр. 88
مثل تيودور نولدكه في استراسبورغ. وانياز غولدزهير في بودابست وككبار المستشرقين الهولنديين مثل ده غوية واسنوك هوغرنية وغيرهما الذين غاصوا على دور الحقائق في بحار المشكلات والمعضلات المتعلقة بالإسلام، على وجه لم يسبقهم إليه سابق.
ومما ساعد أيضاً في توسيع نطاق العلوم العربية (ديوان الرقم العربية) للدكتور مكس ون برحم وكتاب تاريخ الإسلام للبرنس ليونه كائتاني وكتاب الموسوعات الإسلامية الذي يولف بمراقبة الأستاذ هوتسما في ليدن وبنظارة مجامع العلم الدولية الأوربية ففي هذا الكتاب بل البحر المحيط تجد جميع المباحث المتعلقة بديار الإسلام كلها قاطبة وذلك من بلاد الأندلس إلى الصين، مع ذكر جميع الألفاظ التي وردت على السنة المسلمين، أوعنت على بالهم، أو خطرت في خيالهم، أو أبرزته مخيلتهم وقريحتهم، أو اتصلت إليه حضارتهم الخاصة بهم. أما الكتبة الذين يشتركون في إنشاء هذا الديوان الواسع المباحث والأكناف فهم عبارة عن جيش لهام، أسلحته الأقلام، وميدانه مطالب العلماء الأعلام، وقد جمعت أبطاله الصناديد المغاوير، من جميع الديار والأصقاع، وهم يدأبون
стр. 89
في التحقيق والتدقيق بدون أن يأخذهم ملل أو سأم.
ومما يحق لنا أن ندونه بأحرف من ذهب هو أننا وجدنا بعض الأخوان المسلمين من أبناء هذه اللغة الشريفة يملئون الإفرنج في سعيهم هذا كعلماء تونس ومصر والهند. وأما في ديار دولة آل عثمان فلا نرى فيهم ممن اهتم لهذا المشروع العميم الفائدة، وعضده بما في طاقته ووسعه إلا الدكتور خليل ادهم بك الرئيس العام لدور التحف الشاهانية.
ومما يجب أن يعرفه مطالع هذه السطور، أن الدكتور الأستاذ صارة يهتم منذ مدة مديدة بتاريخ الصناعة الإسلامية الفنية، ولقد ضرب في الأرض متجولا ليبحث في أسفاره عما يحقق أمنيته في هذه الغاية فجمع مجموعة كلها غرر بل دور من نتائج الصناعة الإسلامية، وهي اليوم في بابها يتيمة الدهر، وخريدة العصر، لا يضاهيها أو يدانيها عاق مهما كان نفسياً، والخلاصة أن الكلام يطول لذكر كل ما ينشر ويبرز من المطبوعات لترقية هذا الفرع من علوم المسلمين وعمرانهم وتمدنهم فرع، هو كما تراه، في المنزلة القصوى من القدر والخطر.
ولتحقيق هذه الغاية على احسن وجه، وأدق أسلوب، بعث الدكتور صارة المذكور، دكتورنا العلامة هرتسفلد للبحث عن آثار سامراء والكشف عن دفائنها ووصفها.
فقد ثبت لديك بعد هذا كله أن لا غاية لهؤلاء العلماء الإعلام إلا الهيام بالصناعة الإسلامية الفنية ولا سيما الهيام بفن الأبنية، والأسلوب المتخذة لتزيينه وتزويقه وتحسينه، أساليب متحدة به اتحاداً لا محيد عنه.
стр. 90
ولقد كانت الصنائع الفنية الإسلامية في القرن الثالث للهجرة، تكون مجهولة إلى عهدنا. ولهذا أصبحت نتائج التنقيبات في الغابة القصوى من الخطر والشان العلمي، وأول ما شرع به في سامراء كان رفع كل ما يغشى أخربة الجامع الأعظم الذي بناه المتوكل على الله، والمنارة الغريبة البناء الموجودة فيه، وهي المنارة المعروفة باسم (الملوية) وقد بنيت على غرار برج بابل أو الزقورة أو الذكورة البابلية.
وبعد أن ظهر للعيان صحن الجامع بانت كل البيان البناية الداخلية وعمد الرخام وما يزينه في الداخل من نقوش مطبوعة وتصاوير ملونة وفسيفساء. ولقد دقق الدكتور هرتسفلد نظره في بعض دور الخاصة المجاورة للمدينة الحديثة فإذا هو أمام مدينة مدفونة في الشرق دفن بمبائي في الغرب. ووجد غرفاً وحجراً وردهاتٍ قد زينت جدرانها وغشيت حيطانها بتصاوير شرقية منقوشة نقشاً بارزاً وغائراً في الجص وهي في غاية البهاء والجمال، وكلها محفوظة احسن الحفظ، كان البناة قد غادروها قبل أن يدخلها أهل البحث. هذا ولا ترى النقش على الجص فقط بل انك تشاهد تصاوير ملونة في مواضع الجص الفارغة من النقوش، وهناك أيضاً تصاوير مختلفة الألوان بل وصور أناس كلها ملونة على أبدع مثال وهو أمر في غاية الندرة في تاريخ الصناعة الإسلامية أن فنية وان بنائية.
وخلاصة القول انك تجد في سامراء كنوز فن ودفائن صناعة لم تسمع يمثلها من أفواه الناس والمسافرين، كما لم تشاهد العينان
стр. 91
نظيرها.
ولقد سبر الدكتور بعض السير قصراً واقعاً على عدوة دجلة اليمنى يعرف (بقصر العاشق) ورأى انه يتابع السير بعد ذلك.
أما الآن فانه يجري التنقيب في قصر مبنى قد افترش من الأرض فسحة عظيمة تناهز كيلو مترين مربعين ونصفا. وهو واقع في جنوبي سامراء واسمه (المنقور) وهو ولاشك
القصر المعروف سابقاً باسم (بلكوارا) الذي بناه وسكنه المعتز بالله بن المتوكل على الله وذلك قبل ارتقائه عرش الخلافة.
إلى هنا نوقف جواد القلم عن الجري في ميدان التنقيب ونلفت عنانه إلى ما يجب أن تحوم عليه أطيار الأفكار والأنظار وهو: انه ليس من ينكر اليوم المنافع الجزيلة التي انتفع منها الناس اثر التنقيبات التي أجراها أهل البحث، وممن انتفع منها بوجه أخص محبو تاريخ بلادنا ومجد السلف أجدادنا، مجد من شانه أن يفاخر به أبناء هذا العصر ليندفعوا إلى التشبه واللحاق بهم، ويعيدوا سابق عز هذه البلاد، ويستعيدوا ما سلب منهم أو يسلب ليحافظوا على ما لديهم من وسائط الغنى والثراء والنماء في مستقبل الأيام.
وفي هذا الصدد لا يمكننا السكوت عن إبراز ما يكنه صدرنا من الأسف واللهف. فان هذه التحف التي أزيح عنها الستار، ذاك الستار الذي سدله عليها الزمان مع بواثقه، والجو مع تقلباته، إذا بقيت مكشوفة الوجه والظاهر، فإنها تكون عرضة للتلف
стр. 92
العاجل. ومما يساعد على ذلك قانون الآثار والعاديات نفسه ذاك القانون الذي يمنع كل المنع نقل الآثار القديمة بأي وجهٍ كان. ومع ذلك فان المتاجرين بها يتخذون أدق الوسائل وأوفاها بالمطلوب لتحقيق أمانيهم، أي انهم يتوصلون إلى مشترى ما يريدون بدون أن يقعوا في شرك التبعة المشؤومة، لأنهم يتخذون من الظواهر ما ينيلهم مرغوبهم وينجيهم من البلايا التي يقع في مهاويها من لا يحسن مزاولة هذه التجارة وإذا أنعمت النظر في ما يباع ويشتري في أسواق باريس من الآثار العادية تجد ثلاثة أرباعها قادمة من البلاد العثمانية، وقد بعث بها إلى فرنسة خفيةً وتهريباً، فتباع هناك بأثمان باهضة ينتفع بها من يشتريها فتخسرها الدولة خسارة لا مقابل لها، بل ويخسرها أصحاب تلك الديار التي كانت فيها، لا بل ويفقد منافعها أصحاب دور التحف الإفرنجية والعثمانية كما يفقد منافعها من قد الهج بجمعها ليستفيد منها فائدة علمية، ومن يفقدها العلم وأصحابه كل الفقد لأنها تقع بيد جهلة لا يعرفون قدرها. أذلاهم لهم إلا هم جمع المال بأي واسطة كانت وعلى أي وجه يكون، أريد بهم تجار الآثار العادية في باريس.
فمما تقدم ذكره وتقريره ترى النتائج المشؤومة التي تتولد من قانون حصر الآثار المثبت في قوانيين الدولة، وكيف انه مضر بالعلم. فإذا لابد من اتخاذ ما يبعد هذا الخطر ويفيد
الدولة والأمة ولهذا اعرض هذا الفكر:
стр. 93
إن قانون حصر الآثار القديمة لا يتكفل لنا أبداً بحفظها في محلها ولا في محل آخر خاص بها. وهي طامة كبرى لا يعرف عقباها الوخيمة إلا من يقدر التحف حق قدرها. وإننا لا نظن مثلاً أن المتحفة الشاهانية تعنى باتخاذ الوسائط اللازمة والناس المهرة لنزع ما على جدران وحيطان سامراء من المزينات والمزوقات والمحسنات البنائية وجعلها في صناديق ونقلها إلى الآستانة، لأنه قبل أن يخطر لها هذا الخاطر تسبقهم الأمطار والأرياح وسائر عوامل الجو إلى إيقاع الأضرار بهذه الكنوز الصناعية فضلاً عن وصول أيدي تجار العاديات إليها فتبعث بها ولا تبقى ولا تذر، وتنزع ما هنالك من عجب التصاوير والنقوش حتى لا تبقى لها أدنى اثر.
نعم قد عني محبو الآثار في ديار مصر بحفظ ما يجدونه فيها وقد اخذوا جميع الوسائط اللازمة للانتفاع بما يكتشفونه. وربما كانت تلك الوسائط تضاهي الوسائط المتخذة في بلاد الافرنج، بل ولعلها تفوقها بكثير لحداثتها ووفائها بالغرض على احسن وجه، لكن أين بلادنا من ديار مصر. ومع هذا فان القانون هناك يبيح مقاسمة الآثار بين الحكومة وبين الناقب، كما تحبير له نقل الآثار العاديات إلى بلاده. فهذا أيضاً مثال يحتذي عليه ويتبع لحفظ هذه الآثار من التلف والفساد والاضمحلال أو أن أحسنت ظناً: من الضياع والانتشار فرادى مبثوثة على غير جدوى. ونحن نستحسن هذه الطريقة، ولا سيما إذا كانت تلك العاديات مزدوجة المثال، فان الناقب يحرص عليها اكثر من حرصه
стр. 94
على حياته. فأملنا إذاً من الحكومة أن تسعى إلى اتباع هذا القانون الحسن النتيجة لها ولمتن يبحث وينقب عنها.
وان لم يصح هذا الرأي فلنا فكر آخر في حفظ هذه الآثار وهو وان تسعى الولاية في إقامة دار للتحف في الحاضرة كما يرى مثل هذه الدور في سائر البلاد المتمدنة، فهذا أيضاً من الصعب الممتنع أو من المستحيل البعيد؟ إلا يوجد مثل هذه المتاحف في بلاد الهند ومصر وتونس لا بل ونجد اليوم في قونية نفسها من بلاد الدولة العلية متحفة صغيرة حسنة، أفلا يمكن لبعض أعيان مدينتنا الزوراء الزاهرة أن يتضافروا ويتكاتفوا للاشتراك في جمع مال، لمثل هذا المشروع المفيد الذي يزري بجمع اللآل. فهذا العمل، وأيم الحق، أحد تلك الأعمال التي تخلد أسماء الرجال. ونجاري بها أهل الديار الغربية. ونفاخرهم بآثار أجدادنا
مفاخرة تعود فائدتها علينا وعلى بلادنا العربية أن الله على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
وسنكتب في وصف سامراء ووصف ما شاهدناه فيها من الآثار الطوامس، والطلول الدوارس، وصفا يفيد متبعي الآثار، ومقتبسي الأخبار مما يدهش القارئ ويبهر السامع في العدد الآتي وما بعده أن شاء الله تعالى.
للبحث صلة
م. كاظم الدجيلي
يقظة العلم في ديار العراق
أسلفنا القول في العدد الأول من هذه المجلة ما كان لأهل العراق من اليد العاملة في جمع شتات لغة العرب قبيل الإسلام وبعيده.
стр. 95
على أن فضلهم يبدو كل البدو بل كالشمس في رائعة النهار، إذا ما نظرنا إلى ما أتاه العباسيون من جلائل المآثر لتدون اللغة وجميع علومها العربية، ترجمة الأسفار الأعجمية، واتخاذ كل ما يسير بها وبأهلها سيراً حثيثاً إلى بلوغ ابعد شأوٍ في العمران والحضارة والتبسط فيهما.
وما زال الأمر على تقدم ونجاح حتى عصر المأمون، فان العربية وعلومها بلغت في عهده مناط العيوق، ثم وقفت حيناً من الزمن كأنها تكبدت سماءها، ومن بعده أخذت بالانحدار المتئد متبعة سنة الشروق والغروب. - ولما سقطت بغداد على يد هولاكو، غربت شمس العربية وعلومها، وخبت انوارها، وادلهمت دياجير الجهل، وتلبدت سماء العراق بالسحب المكفهرة، أو أن شئت فقل: أصيب العلم وذووه ورافعو ألويته بداهية لم تضارعها داهية في سابق تاريخها أهوت بهم إلى قعر الذل والهوان، بل إلى أقصى دركات الخمول والجمود.
وهل تخال أن النوائب وقفت عند ذاك الحد؟ - كلا، فأنها سارت في وجهها صارعة أم العراق وبناتها وبنياتها، كإنها تحاول التشفي من ترقيها السابق، والانتقام من تقدمها الحثيث حتى إنها لم تبق لكان هذه الديار المنكوبة الأهم التخلص من دوائرها، والإفلات من سطواتها وفتكاتها.
نعم اشتهر بعد ذلك جماعة من أهل العلم والأدب والفضل والكتابة
стр. 96
لكنهم لقلتهم عدوا من نوادر الزمان وفلتات بوائق الأيام. بيد أن بعضهم شدا اللغة ألا فارسية فنظم بها وانشأ وحرر وحبر وكتب التواريخ، ومع ذلك لم يرفع له منار كما رفع لمن تقدمه من أبناء هذه اللغة الضادية.
وبقيت الأمور تجري على غير هدى: بين سير إلى الإمام، ورجوع إلى الوراء، وخبط أو جمع بينهما، حتى كان عصر حكومة سليمان باشا الكتخدا أو القتيل في فجر القرن الثاني عشر من التاريخ الهجري فاخذ العلماء والأدباء يتنفسون الصعداء، من تلك البرجاء، مستنشقين نسيم الراحة والطمأنينة، متمنيين بأيامه، متفائلين بيده عودة عهد غضارة لذاك كالمأمون للرشيد مع حفظ قاعدته النسبة لكل واحد بموجب عهده ومقدرته ومنشأه.
ولابد من أن نذكر طرفاً من ترجمة كل من هذين الياشوبن الوزيرين حتى يجوز إنا بعد
ذلك أن نتكلم عمن نبغوا في عصرهما أو اشتهروا بعدهما.
ترجمة سليمان باشا القتيل
كان سليمان باشا القتيل والكتخدا، الثالث ممن تسمى بهذا الاسم من ولاة بغداد، وهو ابن أخت علي باشا القتيل، وزر على بغداد سنة ١٢٢١هـ (١٨٠٦ م) ولما تولى الوزارة سار في الرعية سيرة حسنة حميدة، ورغب في العلوم، ونكب عن الأبحاث الفلسفية التي
стр. 97
كان قد الهج بها في غلوائه، ومنع العمال من اخذ الرشا والهدايا، وكان يعاقب من يخالفه اشد المعاقبة وكان يتجسس الأخبار ليقف على من يتطلب السحت أو يأتي هذه الدناءة، واكرم العلماء واحتفى بهم والتفرغ للصلاح وأعمال البر. وكان ممن نال الحظوة عنده الشيخ علي بن محمد السويدي وكان هذا الرجل من مشاهير ذلك الأوان بعلمه وفضله وفضليته.
وكانت ديار العراق في ذلك العهد عرضة لمساوئ أهل البادية وسكان جبل سنجار، ففكر الوزير بان يمثل بهؤلاء المفسدين العائثين بالبلاد ليستريح الناس منهم ويطمئنوا بالا.
فلما كانت سنة ١٢٢٤هـ (١٨٠٩ م) غزا فيها ديار بكر بجيش لهام لتأديب أعراب الضفير وقبيلة من عنزة كان كبيرها الدريعي. وكان خروجه من الزوراء في الخامس والعشرين من محرم (١٢ آذار) فلما جاوز الموصل شن الغارة على اليزيدية فصبح القرية المعروفة باسم (البلد) وغنم وقتل وسبى. ثم تحصن أهلها بثنية من ثنايا سنجار ثنية لا تراهم فعدل عنهم.
ثم توجه الوالي إلى الضفير والعنزيين فلما هبط البلدة المعروفة باسم (العين) الواقعة بين حران ونصيبين جاءه رسول من قبل رئيس الجند الذين في ماردين يطلب منه المدد، ولما لم يكن له بد أن يمده هو بنفسه أنقذ إليه أخاه في الرضاعة (احمد بيك) بباقي العسكر ليزحفوا
стр. 98
على الضفير وتوجه هو إلى ديار، بكر فلما وصل إلى قرية يقال لها (ديرك) حاصرها. فخضع أهلها وأدوا ما عليهم من الخراج. ثم توجه منها إلى ماردين ولما أوشك الوصول إليها جاءه اخوة في الرضاعة احمد بيك وقد كسره الضفير وقتلوا من عسكره خلقاً كثيراً فأراد الوزير الكرة على الضفير لكن لم تساعده الأحوال، لان عسكر الأكراد تخلف عنه، ولذا عدل عن مناجزتهم وحاول الرجوع إلى بغداد.
فلما وصل الموصل أقام فيها ثلاثة أيام ثم رأى في خلالها أن الأصلح له أن يسرع في
الرجوع إلى دار السلام ويبرز منها أوامره وزواجره سياسية للولاية ففعل ونجح لأنه قهر بني عبد الجليل في الموصل عند خروجهم عن الطاعة وان كان خسر في الموقعة واليها احمد باشا.
وبعد أن انتشر الأمن في ديار العراق اخذ الوزير بمد أروقة العلم وضرب خيامه، فانشأ في بغداد عدة مدارس، وأعاد بناء ما كان منها دوارس، وشيد المساجد والجوامع، وأجرى على العلماء دافق سيول الوظائف والرواتب، وكافأ أهل الفضل والأدب بما لا يفي وصفه اليراع فكان هذا الوزر أول من أيقظ العلم والمنتمين إليه بعد ذاك السبات العميق ثم جاء بعده بقليل داود باشا فأنهضه النهضة التي خلدت له الأثر المحمود والذكر الطيب.
وكان سليمان باشا شاباً متوقد الفؤاد، حسن الشمائل، جليل المناقب، كثير الحسنات والميزات محباً للعدل والقسط، كريماً، عارفاً بأمور الدنيا والدين، وديعاً، مطلعاً أتم الاطلاع على أمور
стр. 99
السياسة لين العريكة، رقيق العواطف دقيق الشعور، محبوباً لدى الكبار والصغار، ألغى بعض الضرائب القديمة وجميع الرسوم التي أقامها الولاة الذين سبقوه ولا وجه حسن لها وكانت قد أضرت بالبلاد وأهلها كالاحتساب وتحصيل الرسم ومباشرة الخدمة وضبط المخلفات وغيرها وابطل القتل إلا ما كان منه بمنزلة القصاص. والخلاصة: اتخذ له أئمة جماعة الحنفيين.
ومما أتاه من الحسنات انه أمر أن ينفق على قضاة بغداد من مال خزانته الخاصة وأجرى مثل ذلك على سائر قضاة ديار العراق ونوابها الراجعين إليه. وكانت أرزاقهم في السابق غير معينة تأتيهم من حسنات المسلمين.
ومن غرائب ما وقع لهذا الوزير الخطير انه من بعد أن نسخ تلك الرسوم الباهظة والضرائب الرازحة زادت واردات الخزانة أضعاف إضعاف ما كان يدخلها سابقاً وساد الأمن والسلام في جميع البلاد مع انه أزال كل تعذيب من أي نوع كان أن صلباً وان قتلاً.
ومع ما كان الرجل العظيم من الأوصاف العجيبة طوحه غروره في مالا تحمده عقباه لأنه اعتزل الناس واخذ يعمل بما يوحيه إليه عنفوان شبابه وإشارة المعجبين به ممن يخاف أن ينبهه على زلله لئلا يفقد حسن التفاته إليه. ولهذا تتابعت عليه المصائب والنوائب حتى لم تبق له مجالاً، وفي النهاية أفضت به إلى عزله. ثم لما تظاهر بالعصيان قتل قبل أن يبلغ
السنة الثلاثين من عمره على يد أحد أعراب الدفافعة سنة ١٢٢٥هـ
стр. 100
(١٨١٠ م) فأسف عليه كل من عرفه.
مؤسس الصهيونية
كثر في هذه الأيام ذكر الصهيونية، واغلب الناس لا يعرفون من أمرهم شيئاً، كم لا يدرون عن مؤسسهم ما يبل صدى تشوقهم إلى الوقوف على دخلة نيته الأولى، وقد كتب بهذا الصدد أحد أدباء الأستانة رسالة إلى جريدة (الاونيفر) الفرنسوية، في عددها الصادر في ١٦ حزيران ١٩١١، بها يطلع الناس على صاحب هذه العصابة بما هذا معناه:
قبل أن تشتهر هذه الجماعة باسم (الصهيونية) كان الترك يسمونها (الدونمة) وهي لفظة تركية معناها: (المهتدون). ثم لما انتشر أمرها في البلاد عرفت باسمها الحقيقي.
كان مؤسس هذه الفرقة رجل طوى بساط أيامه في القرن السابع عشر من الميلاد وكان يقول عن نفسه انه (المسيح المنتظر). وكان اسمه (شبطاي) ولد في ازمير سنة ١٦٢٦م من آب كان قد قدم من إسبانية. ولما ترعرع بانت عليه مخايل الذكاء والنجابة، وكان حسن الصورة وضاء الوجه، ذا عارضة وفصاحة، وكان إذا تكلم جذب إليه الأنظار وحام عليه أطيار الأفكار، وكان همه معاطاة العلوم الخفية المعروفة
стр. 101
بعلوم الجفر، وكان قد أفضى به الأمر إلى انه اقنع عدداً مذكوراً من اليهود بسمو بعثته حتى أيقنوا به كل اليقين. ثم قضى عليه القضاء أن ينتقل من أزمير إلى الأستانة إلى سلانيك إلى حلب إلى القدس الشريف، فزاد بذلك جمع المنضمين إليه.
ولما بلغ الأمر إلى هذا الحد من الشهرة ادعى انه متحد اتحاداً سرياً (بالشريعة) فتيسر له أن يتنبأ عن قرب عودة الأسباط الإثني عشر في ديار فلسطين.
وبينما كان يوماً في مصر القاهرة، صادف فيها امرأة يهودية بارعة الجمال، غريبة الأطوار، قد اخذ منها الهوس كل مأخذ، وكانت تدعي أنها العروس الموعودة للمسيح المنتظر، ولا حاجة إلى القول (وافق شن طبقه) وما أبطأ أن تزوجها وأتم أسفاره في ديار الشرق، وهو بين إجلال وإذلال، بين رقي وهوى، تارة يعظمه القوم، وطوراً يطردونه من المدن بدون أن يدعوه أن يمضي فيها نهار اليومِ.
ومن جملة ما حل به من النوائب انه دخل سنة ١٦٦٥م الأستانة فعلم بأمره السلطان فاعتقله في قصر ابيدوس، وأذن له بعض الحرية لاسيما أن يقابل تلامذته ويجاذبهم أطراف
الكلام.
واتفق له أن في ذلك الحين حدث له ما بقي له شهرة حالته أي انتحاله الإسلام لاسيما أن السلطان وعده بالهيل والهيلمان أن اسلم. فظن هذا المسيح الممسوخ انه ألم يلب طلب الباديشاه، يخرج من هذه الدنيا بصفقة المغبون أو بسمة الملعون، فلبى طلب الخاقان واسلم.
стр. 102
أما متبعوه فلما كانوا قد اعجبوا به وبآرائه قالوا: أن لم يكن شيخنا ممن يعلم بحسن مآل أعماله هذه ويجذب المسلمين إليه لما كان يدين بالإسلام، ولهذا يحسن بنا أن نماثله في كل أمر ونتبعه في عمله هذا فتأثروه واسلموا جميعاً عن بكرة أبيهم. فوقع الرجل احسن موقع في عيني السلطان واحله محلاً رفيعاً في قصره، وبقى هناك قائماً يسنن ديانته الجديدة المركبة من اليهودية والإسلامية. ومتمماً شعائرها ومناسكها.
غير انه بينما كان ذات يوم يزمر المزامير مع جماعة من قومه بوغت فنفي إلى دلشينيو من أعمال البانية (بلاد الارناؤوط) فمات فيها سنة ١٦٧٦ في السنة الخمسين من عمره.
مات الرجل المحتال وعاشت بعده فرقته متظاهرة بالإسلام مبطنة الموسوية وهي بعيدة عما تتظاهر به بعد الثريا عن الثرى. واليوم تجد أصحاب هذه الفرقة في أدرنه وسلانيك. وترى المسلمين ينظرون إليهم نظر المتحرزين المتحذرين منهم لأنهم بقوا على اعتقاد آبائهم. والحقيقة انهم أصبحوا بدون دين معلوم مترددين بين الشك واليقين. على حد ما يروى عن الغراب في سالف الأحقاب:
إن الغراب وكان يمشي مشية ... في ما مضى من سالف الأجيال
حسد القطاة ورام يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العقال
فاضل مشيته واخطأ مشيها ... فلذاك سموه أبا المرقال
لقد رأيت من هم الصهيونيون. وإلى من ينتمون. ولهذا تجد
стр. 103
الحكومة والمنتسبين إليها يخافونهم خوف الرجال من الأسد الرئبال، لأن الصهيونيين أناس ذوو جد وجهد. وسعي وكد وذكاء ودهاء، أوتوا من دقة النظر في الأمور ما يدفعك إلى أن تجعلهم في مصف الطائر المعروف بالقرلي. الذي قيل عنه: إذا رأى خيراً تدلى. وان رأى شراً تولى. ولهم سطوة عظيمة عجيبة على من حواليهم. لما بيدهم من الأصفر الفتان. والأبيض الرنان. ولهذا ترى مجلس المبعوثين من يلفت الأنظار إليهم. خوفاً من دسائسهم ودبيب عقاربهم
ومن ذلك اصطلح عليهم المصلحون من أبناء الدولة الصادقي التبعة باسم (الخطر الصهيوني).
وممن نبه الأفكار إليهم مبعوثو سورية وفلسطين فأنهم أشاروا إلى نمو اليهود في العراق وديار الشام وازدياد معاهدهم الزراعية والصناعية وحسن نظام مستعمراتهم. ومما قاله مبعوث القدس الشريف: أن في المدينة المقدسة ثمانين ألف يهودي بينما أن المسلمين لا يزيدون على تسعة آلاف نسمة. وقد أيد مبعوث الشام ما قاله رصيفه القدسي وزاد عليه قوله: أن السير هؤلاء الأقوام سير أمة ليس إلا. فأنك تراهم في أيام أعيادهم يركزون رايةً زرقاء مكتوب عليها (صهيون).
ومهما يكن من أمر الصهيونية فلا خوف انهم يحشرون يوماً أمةً. وهم مهما فعلوا لا يكونون كذلك في الأرض التي تسكنها أنت. بيد أن الذي يبقى راسخاً في الأذهان هو أن هؤلاء ألا جناب يزاحمون بالمناكب أبناء الوطن ويقاسمونهم خبزتهم فيزداد التنازع عليها ويكثر
стр. 104
الهراش والمراش بخصوصها ولما كان اليهود من اشد الأمم ارتباطاً في ما بينهم وان نأت الديار كان روح التكافل والتعاضد والتضامن قد بلغ منهم ابعد المبلغ.
فليكن إذاً مثالهم آية لغيرهم ليكونوا يداً واحدة على من يناوئهم فيفوزوا بالنجاح. لان ربك قريب ممن يعقد نيته على الصلاح. ويبغي لقومه الخير والفلاح.
سؤال إلى مجلة العلم
في الديمقراطية والأرستقراطية
جاء في ص٧٨ من مجلة هذه السنة من (العلم) أن الديمقراطية نظام سياسي اخترعه ديمقراطس الفيلسوف. والأرستقراطية اختراع ارسطو الفيلسوف. والأرسطقراطية من اختراع ارسطو الفيلسوف. وقد فتشنا في ما لدينا من الكتب عن هذا الرأي فلم نقف عليه. فهل عثرت يا رصيفنا على هذا الرأي في أحد الكتب أم وجدت ضالتك هذه نبهاً بعد إمعانك في حقيقة البحث عنها ولا سيما لأنك أعدت مثل هذا الكلام في ص٨٣ من مجلتك المذكورة الزاهرة.
أما الذي حفظناه فهو أن الديمقراطية كلمة يونانية منحوتة من ديموس أي شعب وقراطس أي حكومة ومحصلها (حكومة الشعب أو الجمهور) والأرسطقراطية منحوتة من ارسطوس أي وجيه وقراطوس أي حكومة ومحصلها حكومة الوجهاء أو الأعيان. فنرجوك أن تفيدنا أي الوجهين اصح ولك الفضل.
стр. 105
سفرة إلى كربلاء والحلة ونواحيها
سافرت في شهر نيسان من هذه السنة إلى نواحي كربلا والحلة فوقفت في طريقي على بعض الأمور لا تخلو من فوائد أحببت أن أدونها في لغة العرب لكي يطلع عليها من لم يعرف هذه النواحي من عراقنا فأقول:
قبل نحو عشرين سنة كان السفر إلى الحلة من الأمور الشاقة لما يتكلف المسافر من تحميل الأثقال وركوب البغال وإعداد الزاد واتخاذ المبذرقة لتخفره في الطريق من الأعراب المبثوثة في بوادي هذه الأرجاء أما اليوم فتوثير الطريق الواصل بغداد بالحلة وتمهيده آثار في أهل الوطن الغيرة على خير العموم فانشئوا شركات عجلات متعددة سهلت اعظم التسهيل قطع هذه السهول والحزون بدون أن يحصل ما يكدر صفو رحلتهم. اللهم إلا في النادر. والنادر لا يقاس عليه.
ركبت إحدى هذه العجلات مع بعض الأصدقاء وذلك صباحاً في الساعة الحادية عشرة وربع ووصلنا (جسر الخر) نحو الساعة
стр. 106
الثانية عشرة إلا ربع الساعة فعبرناه على ظهر العجلات بسهولة عظيمة ولم نفعل كما يفعله ركاب العجلات التي تجري على جسر دجلة في بغداد فان من يريد العبور على جسر بغداد المؤلف من القوارب على الصورة القديمة المعروفة في عهد العباسيين والمبني كان من الخشب، عليه قبل كل شيء أن ينزل عن مركبته ويفرغها من كل ما فيها. ثم يدعو الحوذي أو السائق جماعة من أصحابه ليجروا العجلة جراً بكل رفقٍ بدلاً من الدواب فإذا أنزلوها إلى الجسر دفعوها بكل تحرز عليه خوفاً من أن تنكسر مما تصطدم به من العواثير المتوفرة على ظهر الجسر، وإذا قرب إخراجها من الجسر اجتمع الناس جماعات ليدفعوها إلى حيث يكون الخروج بسلامةٍ. وقد لا يكون الأمر كما توهموه.
وأما جسر الخر فهو جسر من حديد مده الفرنسيون قبل ١٤ سنة فنجحوا ولم يصبه مصيبة إلى يومنا هذا، مع وقع من طغيان دجلة واشتداد جريان ما الخر وازدحام العجلات عليه وكثرة الأثقال التي تجر فوقه. هذا فضلا عن الواردات التي تأتيه. وقد سد مشتراه مرارا عديدة، فقلنا في نفسنا: ليت الحكومة تسعى إلى مد جسر من
стр. 107
حديد على دجلة وتحقق هذه الأمنية إلى حيز الوجود تلك الأمنية التي في صدور الكبار والصغار منذ سنوات كثار.
ونحو الساعة الثانية صباحاً وصلنا إلى (المحمودية) فنزلناه لنستريح فيها. وهي قرية فيها
منتديات لشرب القهوة وسوق وخان وعدة دور. ويجد فيها المسافر كل ما يحتاج إليه من طعام ومأوى. والظاهر أن هذه القرية حديثة البناء في هذه البقعة من الأرض لأني لم أر لها ذكرا في كتب التاريخ والبلدان التي بحث عن هذه الأرجاء.
قمنا من المحمودية نحو الساعة الثالثة ألا ثلثاً فمررنا بعد قليل على (خان زاد) كذا يلفظ العوام هذا الاسم. والأصح (خان زاد) وهو خان قديم يرتقي بناؤه إلى عدة قرون فلما تهدم في أوائل القرن الحادي عشر للهجرة (أوائل القرن السابع للميلاد) أصبح مخبأ للصوص وقطاع الطرق فأعاد بناءه عمر باشا سنة ١٠٨٩هـ (١٦٧٨م) وأقام فيه حامية تحمى الحجاج والزوار والمسافرين من أهل العيث والفساد. بيد انه لم يمض نصف قرن على تجديده إلا وعاد اللصوص العماريط إلى هدمه وسكنه.
ونحو الساعة الرابعة ونصف وصلنا إلى (الإسكندرية) وهي اليوم قرية خاملة الذكر فيها عدة قهوات وخان وبساتين ومقبرة وعدة
стр. 108
دور. لكننا لم نقف فيها بل سرنا قليلاً ووقفت العجلات في مقبرة الشيخ هرواي (الشيخ الهروي) في الساعة الخامسة إلا ربعاً. وأما الإسكندرية فكانت في سابق العهد مدينة كبيرة بناها الاسكندر ذو القرنين. وهي التي يسميها المؤرخون إسكندرية بابل. وقد بنى الملك المذكور إسكندرية ثانية في العراق على شط دجلة بازاء الجامدة قرب واسط بينهما خمسة عشر فرسخاً. وهي التي تسمى إسكندرية العراق.
ثم أتممنا المسير إلى نحو الساعة السابعة فهبطنا (المسيب) (بضم الميم وتشديد الياء المفتوحة) فنزلنا من العجلات وعبرنا الجسر وهذه القرية مبنية على ضفتي الفرات فيها مساكن كثيرة وجامع فيه منارة ثم محجر صحي ودار برق (تلغرافخانة) إلى غير ذلك. وسميت هذه البليدة باسم المسيب بن نجبة الفزاري وكان من أصحاب علي بن أبى طالب وخيارهم (راجع تاريخ الطبري ٤٩٧: ٢ و ٥٥١) وكان قد قتل يوم الجمعة لخمس بقينا من جمادي الأولى سنة ٦٥هـ (٦ كانون الثاني ٦٨٥م) في وقعة عين الورد. ولكن لا نظن انه دفن في هذا الموطن وإنما نبني له فيه مزار فسمى باسك المزار.
وفي المسيب حركة عظيمة لما يختلف إليها من الناس إذ يرى فيها
стр. 109
كل سنة اكثر من مائتي ألف زائر يأتونها من جميع البلاد عن طريق بغداد ليذهبوا إلى كربلاء. إما عدد سكانها
المقيمين فيها فيقدر بستة الآلاف نسمة. وكان في نية مدحت باشا أن يجعل ممر السكة الحديدية في المسيب على جسر يركب الفرات.
برحنا المسيب في الساعة السابعة وعشر دقائق ونحو الساعة الحادية عشرة وصلنا إلى (الإمام عون بن عبد الله بن جعفر الطيار) وهو الذي قال عنه في أسد الغابة هو عون بن جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي والده جعفر ذو الجناحين ولم يقل: عون بن عبد الله وإنما عبد الله هو أخوه على أن الذي نقلناه هو ما سمعناه. وهناك ضريح يقال انه ضريحه تظلله قبة معقودة من الحجر القاشاني فوقفنا هنيهة لنريح دوابنا ثم أسرعنا في السير إلى نحو الساعة الواحدة وكنا نمر ببساتين كربلاء فاجتازت عجلاتنا تلك الخمائل إلى أن انتهينا إلى المدينة.
الباقي للآتي
عمانوئيل فتح الله عمانوئيل
مضبوط
باب التقريط
كتاب الإرشاد لمن أنكر المبدأ والنبوة والمعاد
طبع بمطبعة الآداب في بغداد، تأليف واعظ زاده أبى إسماعيل السيد مصطفى نوري الحسيني الحنفي مبعوث بغداد. عدد صفحاته ٩٣
стр. 110
ويليه زهر الربى في حرمة الربى. له أيضاً، من ص٩٤ إلى ١٠٢ ويعقبه: المطالب المنفية في الذب عن الإمام أبى حنيفة في ٢٤ صفحة له أيضاً ويتلوه: خلاصة المقال فيشد الرحال في ١٨ص. له أيضاً. ويختم الكتاب ٦ صفحات (فقط) لتصحيح الأغلاط الواردة فيه. وهو كتاب جدل ودفاع وذب يفيد جماعة من أنكر من المسلمين، بعض الحقائق المدونة في أسفار الأيمة والدين، عسى تكون براهينه مقنعة لمن أنكرها. وهادية إياهم إلى سواء الصراط المستقيم.
باب المشارفة
مجلة الآثار
مجلة عامة الأبحاث تصدر في رحلة في نصف كل شهر وهي اليوم شهرية موقتاً. وتطبع في دمشق. لمنشئها ومديرها المسؤول الكاتب الشهير صديقنا ورصيفنا عيسى أفندي أسكندر المعلوف اللبناني. بدل اشتراكها في البلاد العثمانية ٦ فرنكات ونصف. وفي الديار الخارجية ١٠ فرنكات.
برز عددها الأول في تموز من هذه السنة. فألفيناه حسن السبك والإنشاء مختلف المواضيع غزيرها. لكنه لا يخلو من مغامر:
منها: خلو مباحثه من انتبويب أو من نظام متسق متبع كما هو الأمر في مجلات هذا العصر.
ومنها: أن نقل أبيات السلطان احمد بن محمد (ص١١) لا يستحب في مجلة تتناولها أيدي الكبار والصغار، لا سيما منشدها رجل والمقولة فيه من الشبان، الأمر الذي تأباه آداب هذا العصر.
следующие страницы →