Полный текст (6 158 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
يا للمصيبة !
أطلق عبد المحسن بك السعدون رصاصة على قلبه في نحو الساعة العاشرة إلا ربعاً من مساء ال ١٣ من تشرين الأول المنصرم فتردد صداها في الديار الضادية اللسان ولا يزال يتردد إلى هذه الساعة، بل سيتردد إلى آخر الدهر للأسباب التي حملته على هذا الانتحار الذي لم يسبق له مثيل.
ونحن ندرج هنا ما كتبه صديقنا الفاضل سليم حسون في (العالم العربي) ثم نشفعه بما كتبه الشيخ علي الشرقي في جريدة (البلاد) وقد جاد علينا صاحبها بإعارته إيانا صورة الراحل العظيم مع مثال ابنه المتغرب في انكلترة لتلقي العلوم وابنه الآخر واصف بك الدارس في بغداد ورسم فهد باشا السعدون والد فقيدنا العظيم، فنشكر صاحب (البلاد) على هداياه ومكارم أخلاقه.
قبل الانتحار وبعده
١ - قبل الفاجعة بيوم واحد
أخبرنا بعض زملاء المغفور له عبد المحسن بك السعدون انه كان بعد عصر نهار الثلاثاء (١٢ - ١١ - ٢٩) في بناية حزب التقدم يتكلم على عادته، في حديث خاص مع جماعة من الرفقاء وهم خالد بك سليمان، وعز الدين النقيب، وعبد الرحمن المطير، وزامل المناع.
ثم دار الحديث حول الجلسة النيابية التي كانت قد عقدت قبل يوم، واشتدت فيها المعارضة العنيفة على المنهاج الوزاري، فبدأ التأثر يلوح على وجه المرحوم، ويمحو من ثغره الابتسامة اللطيفة المعتادة وإذا به ﵀ يقول في ضيق وهدوء: (انتم يا حزب الأكثرية، لم تعاونوني في الجلسة النيابية الأخيرة!).
فقالوا له: (لقد تذاكرنا في الحزب، وقررنا موافقين على جواب خطاب العرش. . . وكانت هيئة الحزب العامة معكم. . . فقررت التصويت على قبول
стр. 4552
جواب الخطاب. . . وهكذا تم، ولم ير أفراد الحزب من الموافق أن يدافعوا عنكم فأنكم كنتم أقوياء وقد ظهرت النتيجة في التصويت. . .)
فقيد الوطن
(صورة) المغفور له فخامة الوزير الأعظم عبد المحسن بك السعدون
قال ﵀ (نعم ولكني كنت أحب أن يتكلم بعضكم ويرد على المعارضة لأن الناس - كما تعلمون - عقولهم في عيونهم!. . .)
ثم تبدل الحديث وشرع ﵀ يبحث في شأن جنينة بناية الحزب ووجوب تزيينها بالزهور، وأرسل في طلب زهور مزروعة في الأواني من بيت سركيس فجيء بما طلب. ثم ذهب إلى النادي العراقي كعادته.
٢ - في نهار الأربعاء، قبل ساعة الانتحار
في عصر الأربعاء - يوم الانتحار - كان ﵀ في بناية الحزب وجرى له مع رفاقه حديث خاص، أشبه بالحديث الذي ذكرناه أعلاه وكان التأثر أيضاً باديا على ملامحه، ثم ذهب وإياهم إلى النادي العراقي مشياً.
ولعب (لعبة الرامي) مدة قليلة من الزمن، وفي أثناء اللعب تقدم إليه خالد سليمان، وقال له: (أنا رائح إلى البيت، أتحب أن نروح سوية؟) أجابه المرحوم: (كلا أنا أريد أن أبقى هنا، بضع دقائق أيضاً).
وقاربت الساعة أن تدق الثامنة (زوالية) مساء. . . فضحك المرحوم ملاحظا خالدا وقال: (كان خالد معي في المدرسة ولكنه كان له شوارب كبيرة).
فقال خالد ضاحكا: (أي نعم كانت شواربي كشوارب (قوجاغلي) الذي كان يلف شواربه حول أذنيه)!
وضحك الجميع في أنس وطرب، وذهب خالد بك إلى البيت في محلة البتاوين، على طريق بيت السعدون في الكرادة الشرقية.
٣ - آخر طعام وكلام مع العائلة
بعد أن قام خالد بك سليمان ببضع دقائق، ترك عبد المحسن بك أيضاً النادي وعاد إلى داره، وتعشى مع حضرة قرينته وابنته الكبرى الآنسة عائدة (وعمرها ١٥ سنة) وابنه واصف (وعمره ١١ سنة) وابنته الصغيرة نجلاء (وعمرها ٩ سنوات).
стр. 4553
(صورة) واصف بك السعدون النجل الأصغر للفقيد
وكان حديثه مع قرينته وأولاده في ذلك العشاء الأخير، على جانب عظيم من اللطف لم يسبق مثيل!. . . من ذلك أنه قال لزوجته: (ما بالك لا تقيمين مأدبة شاي لقرينة المعتمد السامي؟)
قالت: (أنا منحرفة المزاج منذ ١٢ يوما، وطباخنا قد ترك وظيفته، ولا أحب اشتراء الحلويات من السوق، إنما أوثر أن تصنع في البيت عادة. . . ولهذا السبب أرجوك أن تعذرني الآن. . .)
فابتسم وقال على سبيل المداعبة والملاطفة (أنك لا تقبلين فكري!).
قالت (وكيف لا أقبل فكرك؟ أنا دائما أقبل فكرك!).
قال: (أي نعم أنا أقر بهذا، وبأنك تعملين دائما بحسب فكري!. .)
وكذلك داعب أولاده ولاطفهم بمزيد الشفقة كأنه يودعهم وهم لا يدركون!.
стр. 4554
٤ - آخر كتاب كتبه لابنه وللأمة جمعاء
ثم دخل إلى مكتبه الكائن إزاء غرفة الطعام ودخلت العائلة والأولاد إلى إحدى غرف الحرم.
وظل ﵀ في مكتبه مدة من الزمن كتب في أثنائها كتاب وصيته إلى نجله علي بك الدارس في معهد (برمنكهام) في إنكلترا، والله وحده يعلم العواطف العجيبة الفائقة الوصف التي بها تخيل ابنه أمام عينيه في ساعة الانتحار، فكلمه بقلبه. فضلا عما قاله له بقلمه المرتجف في تلك الدقيقة الرهيبة التي كانت آخر مسافة بين حياته الفانية وحياته الأبدية الخالدة.
٥ - الكتاب الخالد الذي أصبح ميثاق الأمة العراقية
هذه هي ترجمة كتاب الوصية الذي كتبه فقيد الوطن لنجله علي بك:
(صورة) علي بك السعدون ممثل الأمة العراقية في كتاب الوصية
стр. 4555
عيني ومدار استنادي بني علي:
اعف عني من أجل الجناية التي ارتكبتها، لأني سئمت هذه الحياة وضجرت منها، لم أر
من حياتي لذة ولا ذوقاً ولا شرفاً، الأمة تنتظر الخدمة، الإنكليز لا يوافقون، ليس لي ظهير، العراقيون الذين يطالبون الاستقلال ضعفاء وعاجزون وبعيدون كثيراً عن الاستقلال، هم عاجزون عن تقدير نصائح أمثالي من أصحاب الشرف، يظنونني خائناً للوطن وعبداً للإنكليز، ما أعظم هذه المصيبة! أنا الفدائي لوطني الأكثر إخلاصاً قد صبرت على أنواع الإهانات وتحملت أنواع المذلات، وما ذلك إلا من أجل هذه البقعة المباركة التي عاش فيها آبائي وأجدادي مرفهين.
يا بني أن نصيحتي الأخيرة لك هي:
(١) أن ترحم أخوتك الصغار الذين سيبقون يتامى، (وتحترم والدتك) وتخلص لوطنك.
(٢) أن تخلص للملك فيصل وذريته إخلاصاً مطلقاً.
أعف عني يا بني علي!
عبد المحسن السعدون
وكان ﵀ قد أرسل إلى نجله علي بك في النهار عينه بكتابين آخرين مسجلين ولكن أحدهما كان من الآنسة عائدة ابنته الكبرى.
٦ - الانتحار
بعد كتابة الكتاب خرج ﵀ من مكتبه وأخذ يصعد إلى الطابق الأعلى، فرأته حضرة قرينته يمشي ويصعد منزعجاً انزعاجاً غريباً، وقالت بعد الفاجعة ما ملخصه:
(ما رأيته قط يمشي مثل تلك المشية، فساورني الرعب فتبعته إلى غرفة النوم فرأيته (يحشو) المسدس! فركضت مسرعة إليه وقلت له: أواه! ماذا تعمل؟ ولأي سبب تعمل هذا؟ فقال لي: دعيني! قلت: لا والله لا يمكن أن أدعك! فان كنت تريد أن تعمل شيئاً فاقتلني، اقتلني أولاً يا سيدي!. . . قال: دعيني وإلا قتلتك!. . . فصحت به مذعورة باكية: اقتلني! وقبضت على يده فحاول التملص مني، وتوجه إلى باب الشرفة (البالكون) فأوشك أن يصل الشرفة وأنا ماسكة يده اليسرى، وفي اعتقادي أني مانعته بهذه المسكة. ولكن - ويا للأسف - كان المسدس في جيبه الأيمن وهو قابض عليه بيمناه وأنا غائبة عن رشدي، وما أفقت إلا وصوت الطلقة النارية يدوي في الشرفة وكانت رجله الواحدة في الغرفة والأخرى في
الشرفة، فوقع على الحضيض!)
стр. 4556
وعلى صوت الطلق الناري أسرع الشرطي أمين الذي في دار الفقيد العظيم، فرفعه ووضعه في فراشه في الغرفة، وتراكض الأولاد فتواقعوا هم ووالدتهم عليه يقبلون يديه ورجليه ويبكون.
٧ - بعد الانتحار
أسرعت الابنة الكبيرة الآنسة عائدة إلى التلفون فطلبت الدكتور خياط، وكذلك أسرع الآخرون فأرسلوا يطلبون عبد العزيز بك القصاب وخالد بك سليمان وغيرهما، وحيث أن دار عبد العزيز بك القصاب قريبة جداً من دار الفقيد وصل عبد العزيز بك عاجلاً إلى المحل فجثا عند سرير الفقيد الجليل، وعبد العزيز بك يتخيل أن المغفور له يتنفس بعد وأن عينيه تتحركان. . . فكان يعانق الجثة ببكاء مر، وذعر فائق يريد أن يصد الموت!. . . والظاهر أن عبد العزيز بك كانت عينه تخدعه - على ما ذكر الأطباء - لأن الطلقة أماتت الفقيد العظيم حالاً إذ أصابت مركز القلب.
وحضر الدكتور خياط مدير الصحة العام على جناح السرعة فعاين القتيل وتأكد أنه مائت.
٨ - حضور الأصدقاء والوزراء والأطباء
قدم خالد بك سليمان فرأى عبد العزيز بك والدكتور خياط في دار الفقيد فصاح عبد العزيز قائلاً: (لقد أضعنا عبد المحسن!. . .).
وتقدم خالد إلى السرير، فرأى العائلة تبكي بلا شعور فبكى وبكى الجميع ولطموا وناحوا! وهتفت الآنسة عائدة تقول لخالد: (هات قلبك يا سيدي حتى نضعه في صدر بابا لعله يفيق!. . .).
وكان الولد الصغير واصف وأخته الطفلة نجلاء (يمسدان) رجل والدهما ويحاولان بهذا أن يعيدا إليه الحركة!.
وأما السيدة قرينته فكانت واقعة على رجليه تقبلهما وتبكي حتى فقدت الشعور.
ووصل حينئذ ناجي باشا السويدي وشقيقه توفيق بك وياسين باشا الهاشمي فاشتركوا في النحيب والتوديع. . .
وقر الرأي على إخراج العائلة والأولاد من الغرفة وإبقائهم في غرفة أخرى
стр. 4557
وإسعافهم خوفاً من أن يذوبوا تماماً من شدة الألم.
ثم حضر الطبيبان البريطانيان الدكتور دنلوب (مدير المستشفى الملكي) والدكتور وود من (مدير العمليات في المستشفى المذكور)، فعاينا الجثة، وتفقدا المسدس (وهو من طراز براونيك) وتفرسا في فوهة الجرح، وأخذا يسألان أسئلة شتى فقال لهما عبد العزيز بك أن لا يتوهما فإن الفقيد قد انتحر، وقد كتب كتاباً قبل الانتحار.
على أن عبد العزيز بك كان قد نزل - قبل وصول الأطباء - إلى مكتب الفقيد فرأى محفظته المتضمنة الأوراق الرسمية مفتوحة، وفوق الأوراق كتاب الوصية وقد تركه المرحوم على هذه الصورة ليجلب نظر الدقة إليه.
فقرأه عبد العزيز بك وقدمه إلى الحاضرين فرأوه وقرءوه باكين خاشعين!.
وقدم كذلك رستم بك حيدر (رئيس الديوان الملكي والسكرتير الخاص لجلالة الملك) والعين أصف بك قاسم آغا والنائب محمود صبحي بك الدفتري والنائب خير الدين أفندي العمري، والحاج سليم بك مدير الشرطة العام وجميل بك المدفعي متصرف لواء بغداد: وأحمد بك الراوي مدير شرطة لواء بغداد، وحسين بك أفنان مدير التشريفات. . .
ووصلنا نحن أيضاً، إلى محل الفاجعة ورأينا الجميع يبكون بتوجع شديد فاشتركنا معهم ولا نذكر أننا رأينا في حياتنا مثل هذا الهول أو مثل تلك المناحة (القلبية).
٩ - شهادة الوزراء وغيرهم
أما الوزراء فحالما رأوا الكتاب وقرءوه قرروا أن يسجلوا شهاداتهم فيه.
فكتب توفيق بك السويدي في آخر الكتاب ما يلي: (هذا الكتاب قد وجد موضوعاً في أوراق البيك الخاصة، وقد تلي أمامنا، وأخذت صورة منه من قبل الشرطة، وهذا هو أصل الكتاب ١٣ - ١٤ تشرين الثاني ١٩٢٩).
وذيل هذه الشهادة بإمضائه، أما الهاشمي باشا فكتب تحت الشهادة ما يلي: (وهذا الذي تضمن أكبر برهان عن عظمة التضحية التي قام بها رجل العراق وفقيده).
وذيل الهاشمي باشا هذه الشهادة بإمضائه، وكذلك أمضى كل من ناجي باشا
стр. 4558
السويدي، وعبد العزيز بك القصاب، وخالد بك سليمان وجميل بك المدفعي، والحاج سليم بك، وأحمد بك
الراوي. . . ليحي ذكر عبد المحسن السعدون وتضحيته الوطنية العجيبة في قلب كل عراقي! انتهى كلام سليم حسون.
عبد المحسن بك السعدون
قربان الاستقلال وضحية الحرية
ولد في ناصرية المنتفق في حوالي سنة ١٢٩٧ هجرية (١٨٨٠م) وعاش ٥١ عاماً، والده فهد باشا الذي توفي في سنة ١٣١٣ هجرية وعبد المحسن بك يوم ذاك في فروق (الآستانة) يدرس مع أخيه عبد الكريم بك. وله من الأخوة
стр. 4559
ما عدا عبد الكريم بك، عبد الرزاق بك وهو الولد البكر لفهد باشا وعمره اليوم ٦٥ سنة، ومحمد بك وعمره ٥٦ سنة، وعبد العزيز بك وعمره ٥٠، وحامد بك وعمره ٤٥، وعبد اللطيف بك وعمره ٤٢، وعبد الهادي بك وعمره ٤٠، وعبد الرحمن بك وعمره ٣٦، وحمدي بك وعمره ٣٤، وعبد المجيد بك وعمره ٣٣ سنة والأم التي أنجبت عبد المحسن بك من علية بيوت آل السعدون ومن الأميرات السعدونيات، وهي كريمة فيصل التركي آل رشيد. . . ترعرع في حضن الشرف والإمارة وبقي في بلاد المنتفق حتى بلغ من العمر ١٣ سنة.
وكانت قد تأسست في فروق مدرسة أبناء الزعماء والأشراف فرغب السلطان عبد الحميد إلى فهد باشا في أن يرسل نخبة أبنائه إلى فروق لينتسبوا إلى تلك المدرسة وبالطبع كان المقصد من هذه الرغبة سياسياً فاختار فهد باشا من بين أولاده عبد المحسن بك ولكن عبد المحسن أستوحش أن يفارق حي الأمراء ونوادي الشيوخ نازحاً مغترباً إلى فروق فتطوع أخوه عبد الكريم بك إلى مرافقته وحينئذ اطمأنت نفسه ورضي بأخيه سلوى عن الأهل والوطن وتوجها معاً إلى الآستانة ولما خرجا من تلك المدرسة دخلا المدرسة الحربية العالية فخرجا منها ضابطين في الجيش واختارهما السلطان عبد الحميد مرافقين له في بلاطه (المابين) وبقيا كذلك إلى إعلان الدستور وترقيا في أثناء ذلك في الجندية إلى رتبة (بيك باشي) ولكنهما استقالا من (كذا) الجندية بعد سقوط عبد الحميد وانخرطا في سلك الاتحاديين.
ورجع عبد الكريم إلى الوطن وبقي عبد المحسن بك في فروق وكان قد أقترن بعقيلة نبيلة
تركية من عائلة ضاربة في الشرف وطيب المحتد أنجبت له شبلين علي بك وعمره ١٩ سنة وهو الآن في جامعة برمنكهام في إنكلترا. وواصف بك وهو صبي له ٩ سنوات (كذا) من العمر.
وانتخب نائباً عن لواء المنتفق في مجلس المبعوثين التركي وهكذا بقي ممثلاً للعراق ومحافظاً على النيابة في الدورات الانتخابية ووقعت كارثة الحرب العظمى وهو في فروق وبعد الهدنة أقفل آتياً إلى بلاده وما عتم أن كر راجعاً إلى فروق لتسوية شؤونه لأنه أعتزم على أن يقطن في العراق ويلازم تربة وطنه المقدس حياً وميتاً وفي ١٩٢٢ عاد إلى العراق وتجول بين البصرة وبلاد المنتفق وكوت
стр. 4560
الإمارة قليلاً فعين وزيراً للعدلية في الوزارة النقيبية الثانية ثم وزيراً للداخلية في الوزارة النقيبية الثالثة ثم تولى رياسة الوزارة فنظم وزارته الأولى ثم صار رئيساً للمجلس التأسيسي ثم وزيراً للداخلية في وزارة الهاشمي ثم نظم وزارته الثانية وأسس حزب التقدم الذي لم يزل - إلى آخر ساعة - رئيسه وحامل مبادئه ثم استقال عن (كذا) رياسة الوزارة وانتخب رئيساً لمجلس النواب في دورتين ثم نظم وزارته الثالثة فحل المجلس النيابي وباشر بإجراء انتخاب نواب أنشط وأكثر دربة من نواب المجلس المنحل وذلك تمهيداً لما يريد أن ينهض به من المطالبة بحقوق البلاد.
ولما يئس من الحصول على مطاليب البلاد (رفس الكرسي) واستقال من الوزارة كاحتجاج على التصلب الذي كان يلاقيه في حصول تلك الآمال وكم بذلت جهود وقطعت وعود في سبيل حمله على عدم الاستقالة فلم تطب نفسه لأنه لم يجد فيها بصيصاً لسراج الأمل وهكذا مضت الاستقالة فانتخب رئيساً لمجلس النواب ومن هذا التاريخ بدأت مظاهر التأثر والقنوط تبدو عليه ولكنه كان يغطيها برزانته وابتسامته العذبة وكم حاول أن يغادر العراق وينجو بذلك القلب المثخن بالجراح إلى الآستانة ولكن المقامات العالية حركت نخوته وإخلاصه واستنبضت عرقه الكريم وناشدته بالعروبة والوفاء لها فتحول عن سفر الآستانة إلى نزهة صيفية قصيرة يقضيها في ربوع لبنان وتوجه إلى لبنان وكانت حالة البلاد السياسية متضعضعة تتطلب سياسياً حازماً حنكته التجارب والأبصار شاخصة إلى عبد المحسن والثقة تحوم حوله مرفرفة وهو تحت شجرة الأرز اللبنانية في هذه الظروف
وتفتحت بعض الشقوق من السياسة المصمتة فأرسلت بصيصاً من شعاع الأمل وذلك أثر تقلد وزارة العمال الشؤون البريطانية فاجتذب عبد المحسن بك من لبنان اجتذاباً وعلى أثر حضوره العاصمة كلف تنظيم وزارته الرابعة.
فاشترط في قبولها إعطاء الوعد الصريح من المراجع العالية للحليفة بإلغاء المعاهدات والاتفاقيات وإعطاء العراق كرسياً في مجلس عصبة الأمم بدون قيد أو شرط والدخول في مفاوضات لعقد معاهدة جديدة على أساس الاستقلال التام وأن يسعف في بنود المعاهدة إسعافا يمكن للعراق من الوقوف على قدميه في
стр. 4561
عام ١٩٣٢ فلاقى تنشيطاً ومساعدة جدية من السر كلايتن صديق العرب العاطف على قضيتهم مساعدة أنبضت البرق بين بغداد ولندن ورنت أسلاكه بتقارير كلايتن الطافحة بأحقية المطالب العراقية حتى تساهلت تلك المراجع التي كانت متصلبة وطيرت النبأ الطيب الذي نغصه القدر المفاجئ بوفاة السر كلايتن في أهم وقت وأدق ظروف الحاجة إليه فتسلم السعدوني ذلك الربح السياسي ومسك عليه بكلتا يديه ونظم وزارته الرابعة وبين يديه مصباح الأمل والرجاء يشع بزيت التجربة والحذق السياسي وقد راعى في تأليف وزارته هذه قضية البلاد أكثر من الاعتبارات الحزبية فنهض في حفلة مراسم تنظيم الوزارة ويده مملوءة بالربح السياسي. . .
١ - الحداد في العاصمة (عن العالم العربي بتصرف قليل)
أمر صاحب حضرة الجلالة بتعطيل جميع الدواوين فعطلت من الساعة ١١ من صباح الدفنة إلى المساء. وما عتمت الأسواق أن أقفلت حوانيتها ورفع كثيرون من أصحاب المحلات أعلاماً سوداً وكذلك فعل أصحاب المحلات التجارية الكبرى.
٢ - التشييع والدفن
اشتركت العاصمة كلها بتشييع جثمان الفقيد على اختلاف أجناس أهاليها وطبقاتهم وقد انتشروا من دار الفقيد الكبير إلى مرقد الكيلاني.
وفي الساعة الثانية ونصف بعد ظهر ال ١٤ من شهر ت٢ (١٩٢٩) انتظمت المواكب مراعية المنهاج الذي نهجته الحكومة، فمثل جلالة الملك المعظم سمو الأمير غازي ولي عهد العراق، ومثل حكومة الدولة البريطانية فخامة نائب المعتمد السامي فساروا وراء
الجنازة بثيابهما الرسمية وتلاهما كبار الدولة طبقات طبقات.
وكانت الجنازة الكريمة ملفوفة بالعلم العراقي وموضوعة على مركبة مدفع وكان السير بها هادئاً جداً على نغم الموسيقى الحربية الشجي وعلى جانبي طريق الموكب صفوف الجنود من مشاة وخيالة تتبعهما الشرطة.
وفي الساعة الرابعة ونصف وصل الموكب إلى المرقد الكيلاني فاخذ الجنازة المحامون وحملوها على أكتافهم وأدخلوها الحضرة الكيلانية فصلى عليها أصحاب السماحة النقيب والمفتي والعلماء، ثم تقدم الخطباء وأبنوا الفقيد أحسن تأبين وفي الآخر دفن الجثمان في مقبرة الحضرة الكيلانية بين دوي المدافع وبكاء الكبار وعويل الصغار ومستنزلين الرحمات الواسعة على تربته الطيبة.
стр. 4562
الآمال الهاوية
قد كوى الدهر فؤادي أي كي ... فأنا الميت المنى والعقل حي
وبنى البؤس بقلبي موطنا ... فهو حل فيه من غير نأي
كلما أبرمت أمرا حله ... ولواني عن بلوغ النجح لي
ضاع سعيي بين غر وعم ... وحسود وخؤون وغبي
فكأني تائه في نفنف ... لم يجد رفدا ولا فاز بري
ملعج أضحى عماسا أمره ... كل ما فاه به (أف) و (أي)
يطلب الرشد حريصا مسرعا ... ثم لا يلفي سوى حبط وغي
أنني في لوعتي من خيبتي ... مثل حي قد شوته النار شي
صرح آمالي تعالى شامخا ... ثم لم يلبث أن انقض علي
بعد صبري وسكوني خائبا ... ساءني الدهر ولم يحسن ألي
أنا في قطر فقير كلهم ... صاح فيه: وطني لا عدي
لفظة قد أصبحت أحبولة ... جمعت بين رشيد وغوي
ليتني اعرف مقياسا لهم ... كي أرى المصلح بين الناس كي
فوق همي رمت أن احملها ... ومع الحملين ما أسطعت المضي
لفظة بطرب منها غافل ... ولقد يخدعنا كل شجي
إنما المصلح باد بيننا ... مثلما يبدو لدى الحرب الكمي
إن ذرفت الدمع أزمانا فلا ... تنجلي الأحزان عن قلبي الشقي
لم أزل أتلو بقلبي حكمتي: ... طوت الأطماع نهج الظلم طي
فتعجب من مسم نفسه ... (وطنيا) وتدبر يا أخي
كيف نستغرب أمرا محزنا ... ولسان الحق شكوه فعي!
بغداد: مصطفى جواد
стр. 4563
الدواخل والكواسع في العربية
١ - باب البحت
الدواخل جمع داخل وداخلة، فإن قدرت كلمة (حرف) ذكرت اللفظة وان قدرت (أداة) أنثت وقلت في جمعيها: (دواخل) والمراد بالدواخل كل حرف يدخل على الكلمة فيتصل بها ويصير كلاهما واحدا أو كالواحد وكلمة الداخل مأخوذة من كلام النحاة والصرفيين واللغويين. قال ابن قتيبة في (أدب الكاتب) في باب الألف واللام للتعريف (ص ٢٢٦ من طبعة الإفرنج): (كل اسم كان أوله لاما ثم أدخلت عليه لام التعريف كتبته بلامين نحو قولك اللهم. . .) وقال في باب التاريخ بالعدد (ص٢٩٧): (فأما ما ميزت به فلا تدخل فيه الألف واللام. . . وكذلك. . . تدخل في الأول الألف واللام) ومن هذا يتضح لك انك تقول: أدخلت (على) الكلمة الحرف الفلاني أو أدخلته (فيها) كما رأيت. فالدواخل تقابل الإفرنجية
وأما الكواسع فهي ما يزيد من الحروف على آخر الكلمة. وقد بينا صحة هذا اللفظ في مجلتنا هذه (٤: ٣٣ إلى ٤٣) وبالإفرنجية وما يزاد في قلب الكلمة يسمى محشيا أو محشية وأما الزوائد فكلمة تقع على ما يراد في أول الكلمة ووسطها وآخرها وبالإفرنجية
٢ - شيوع الزوائد في اللغات الآرية
إن الزوائد بأقسامها الثلاثة معروفة في اللغات الآرية كالهندية واليونانية واللاتينية وجميع بناتها كالألمانية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية إلى غيرها. أما في اللغات السامية فان المستشرقين قد أنكروها في مواطن وأثبتوها في مواطن. أما المواطن التي أثبتوها فهي مواطن أحرف الزيادة العشرة وأحرف المضارع الأربعة. وقد أنكروا علينا نحن العرب وجود الدواخل والكواسع والمحشيات في لغتنا اللهم إلا في ما ندر. والنادر كالعدم، وغايتنا من مقالنا هذا أن نثبت للقراء وجود الدواخل والكواسع وان الآريين جاروا العرب في اتخاذها في
стр. 4564
لغاتهم بل نذهب إلى أبعد من هذا ونقول: أن دواخلهم وكواسعهم من أصل عربي لا من أصل آري.
٣ - دواخل اللغات اليافثية عربية النجار
في اللغة الرومانية وفروعها دواخل عديدة لم يهتد لغويوهم إلى إرجاعها إلى معنى مقبول حتى اليوم هذا. هذه داخلتهم التي تزاد في أول الكلم المبتدئة بحرف ساكن في مبتدأ الكلم الصائتة وتفيد معنى حرمان الحال أو العمل في الكلمة التي تتوج بها ويراد بها أيضاً أصل العمل وبدؤه وقد حاول لغويوهم رجعها إلى لفظة قطعت منها هذه الداخلة فلم يفلحوا في عملهم إلا أنهم يقولون أنها مقطوعة من كلمة وعددوا حروفا عديدة وكلها لم تقنع علماءهم الإثبات.
أما نحن فنقول إنها مقطوعة من (ضد) فاخذ السلف من هذه الكلمة - التي هي في أصلها هجاء واحد بحرفين - مرة الضاد فادخلوها على المضاعف الثلاثي في نظرهم (وهو في نظرنا لفظ ثنائي) حينما يكون أول الحرفين رقيقا ومرة (الدال) حينما يكون أول الحرفين فخما فمثال الدال على الأول قولك دحض حجته بمعنى أزالها وأبطلها وهو عكس قولك حضه: إذ معناه حثه على الشيء وأحماه عليه، ولا يكون ذلك إلا بإثبات الأمر فيه بان تقنعه بالأدلة أو الترغيب أو الوعد أو بنحو ذلك، فأنت ترى أن معنى دحض بعكس معنى حض فتكون الدال هنا للإزالة والحرمان - وتقول دحقت فلانا بمعنى طردته وأبعدته وهو ضد معنى حققته أي أثبته - وتقول: دحس الشيء ملأه والسنبل امتلأت أكمته من الحب وهو عكس قولك حسه أي قتله واستأصله. ففي الأول ترى ملء الحياة وفي الثاني انطفاء جذوتها وهناك غير هذه الأمثلة هذا في إدخال الدال في الأول.
وأما في إدخال الضاد فكقولك: رس البئر حفرها وضرسها طواها بالحجارة وهو عكس الأول. وتقول رب فلان بالمكان: إذا لزمه وأقام به وضرب في الأرض خرج تاجراً أو غازياً أو أسرع أو ذهب. وضرب بنفسه أقام وسافر ضد، فمن قال بان معنى ضرب بنفسه: أقام فانه يعتبر الراء زائدة فيكون اصله (ضب) بمعنى لصق بالأرض. ومن قال أن معنى ضرب بنفسه سافر فيكون
стр. 4565
اصله رب ثم ادخل الضاد ليعكس المعنى فقال: ضرب - وقالوا: رب الأمر أصلحه وأتمه - وضرب بين القوم: افسد فأنت ترى في معنى الأول الإصلاح وفي الثاني عكسه أي معنى الإفساد. ولو تتبعت هذا البحث وأمعنت في قلبه لتجلت لك هذه الحقيقة بكل محاسنها وفتنتك بجمالها.
هذا في الداخلة المنقولة عن (ضد) وهناك دواخل عديدة في اللغتين الآرية والسامية تجري
كلها على هذا المنحى من تحويل المعاني الأصلية إلى معان فرعية جاءتها من الدواخل عليها - دونك الآن الأداة في اللغة الرومانية وفروعها أو بناتها فإنها تعني التكرير والإعادة والمقابلة والمقاومة والعودة إلى حالة قديمة ولغويو الغرب قالوا لنا أنها مقطوعة من الرومانية راجع ص٦٤٤ من تأليف - معجم أصل الألفاظ اللاتينية وبالألمانية
قلنا: أما الكلمة اللاتينية فتدعي بعربيتها (رد) والأصل واضح وقد قلنا أن كاسعتهم من زيادتهم والعربية خالية منها محتفظة بالأصل على وضعه الذي خلق فيه، فإذا كان كذلك فنحن العرب نفتخر بذلك. إلا أن القول بأنها من أصل (رد) لا يوجه جميع المعاني التي ذكرناها فويق هذا. والذي نذهب إليه هو أن الأصل مقطوع من راع يريع بمعنى نما وزاد وبمعنى رجع. وبذلك يصح توجيه جميع المعاني الناشئة في الألفاظ الداخلة عليها الراء المقطوعة من (راع) وأنت تعلم أن الأجوف المقلوب عن الياء كان يلفظه بالإمالة إلى الياء. زد على ذلك أن ليس في اللغات الغربية حرف العين فكان من المحتم أن تلفظ راع بالأحرف الإفرنجية لا غير.
أما في لغتنا الشريفة المحبوبة ألفاظا متوجة بالراء فهذا واضح من كلم كثيرة ترى في لساننا. من ذلك قولهم جس الشيء مسه بيده، والأخبار تفحصها وتقول: رجس الماء: قدره بالمرجاس ولا جرم أن معنى رجس الماء مأخوذ من مسه بالآلة المرة بعد المرة كما أن تفحص الأخبار لا يكون إلا بعد إعادة السؤال مرارا عديدة ولهذا نقول أن الرجس بهذا المعنى مأخوذين من الجس بزيادة الراء الداخلة عليه - وقال السلف: مث يده: مسحها بيده ورمث الشيء مسحه بيده، وقالوا:
стр. 4566
الرحامس: الجريء الشجاع وهو عندنا مشتق من الحمس وزيدت الراء في أوله لتفيد عمل الجريء الذي يتكرر في كل مرة تظهر فيها شجاعته. ومن لا يتكرر فيه العمل لا يقال له رحامس. والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى وكلها تؤيد مذهبنا هذا الذي لم يذكره أحد قبلنا.
ومما يدل على أن الداخلة الآرية أو اليافثية بحسب اصطلاح اللغويين الجدد مقطوعة من (راع) أن العرب سلفنا اتخذوا العين داخلة في بعض الأحيان بدلاً من الراء فقد قالوا مثلاً (عصفور) ويريدون به كل طائر صغير يكثر من الصفير ولا جرم أن الأصل هو (صفر) وأصل صفر هو (صف) وهو حكاية صوت الصفير في أبسط تركيبه ومنه في الإفرنجية
وكذلك في الرومانية وولما أرادوا الدلالة على أن هذا الطائر يكرر الصفير أدخلوا عليه العين المقطوعة من (راع) الذي تفيد الترجيع فصار معناه الطائر الذي يردد الصفير كثيراً، لكنهم زادوا اللفظة معنى آخر هو التصفير ومن صيغ التصغير عند الأقدمين (فعلول) فقالوا إذن (عصفور) الذي غدا معناه: طائر صغير يصفر صفيراً بل يعيد الصفير مراراً. وهذا معنى دقيق يكشفه لنا الإمعان في استكشاف أسرار اللغة.
نعم أن بعض الأقدمين من لغويينا إنما سمي العصفور عصفوراً لأنه عصا وفر. قاله حمزة ونقله صاحب التاج والدميري وغيرهما. أي أن هذا الطويئر سمي كذلك لأنه لما كان في الجنة عصى الله ففر منها. ونحمل ذلك على سبيل المزاح لا على سبيل الجد إذ العصفور كان يستطيع أن يفر قبل أن يدخل الجنة وليس العصفور وحده بل جميع الطيور على اختلاف أنواعها.
ومن الغريب أن لفظ العصفور يشبه الرومانية (أي قصر بقلب في الحروف) أما اليونانيون فانهم ابتعدوا عنا وعن مجاوريهم بقولهم (ستوثوس) والإنكليز يقربون منا في اللفظ إذ يقولون ويقاربنا أيضاً في الكلام الصكصون الأقدمون والغوط والدانيون والأسلنديون والجرمنيون وكل من تفرع من هذه الرسوس - ولا نريد أن نسترسل في هذه الداخلة لأن البحث طويل عريض ونكتفي بما ذكرنا.
стр. 4567
وهناك (أي عند الغربيون) داخلة أخرى هي وتفيد الدخول أو الإدخال فقولهم مثلاً مركب من (في) المشتقة من التي معناها الأرض والتراب. فيكون معنى فعلهم (أنهمر) أدخل الشيء في الأرض أي دفنه فمن أين أتتهم داخلتهم هذه أي (أن)؟ - أن لغويي الغربيين ذكروا عدة ألفاظ وكلها لا تفيد المطلوب إذ يرى فيها التكلف ظاهراً أو كما يقول الفرنسيون ترى أنها مجذوبة بالشعر أو مستخرجة بالقوة والعنف لا باللطف والعقل.
والذي عندنا أن (إن) مأخوذة من العربية (عند) ومعناها عند الفصحاء الأقدمين من القلب (بمعنى الفؤاد) وداخل الشيء، فقول الفرنسيين معناه: وضعه في عند الأرض أو قلبها أو داخلها أي وضعه في باطنها، فيكون معناه دفن أو أودع بطن الأرض ولما لم يكن عندهم حرف العين قلبوه همزة كما هو مألوف عادتهم وحذفوا منها الدال تخفيفاً، وقد تجيء الدال بصورة التاء ومنها عندهم أي داخل الشيء و (عنده) أي قلبه. فأنظر محاسن لغتنا وكيف
أنها تكشف لك ما في سائر الألسنة من الخبايا والمغلقات والطلاسم.
أما أن سلفنا أما أن سلفنا أستعمل (عند) داخلة في بعض كلامهم، فهذا واضح من النظر إلى بعض الألفاظ فأنك ترى في أوائلها مرة العين ومرة النون ومرة الدال إذ لا يمكن أن يستعملوها كلها بحذافيرها لكي لا تجتمع كلمتان تامتان في كلمة.
فاستعمال الدال في كلامهم ظاهر في (دخل) فأن أصلها (خل) يقال: خل الشيء: ثقبه ونفذه. (ودخل) إذا مضى في باطن الشيء المثقوب أو المنفوذ فيه أو ما يضاهي المثقوب بأن يكون له باطن يتمكن من الذهاب فيه. ومثال اتخاذ النون من (عند) داخلة قولهم: نفذ فأن أصله فذ أي طرد طرداً شديداً فإذا قلت نفذت هذا الشيء الآخر فكأنك قلت: طردته في عنده أو في قلبه أو داخله أي خرقته وجزئه. - ومثال دخول (عين) عند على بعض الألفاظ لأفادت المضي في بطن الشيء أو باطنه قولك: عقرت بفلان: حبسته وهو في الأصل مأخوذ من (قر) في المكان أي ثبت فيه وسكن، فأدخلت العين عليه لكي تفيد إيلاجه وقصره فيه. هذا الذي نراه نحن، أما غيرنا من اللغويين فأنهم يزعمون أن
стр. 4568
عقر بفلان بمعنى: حبسه مشتق من قولهم عقر بعيره فلم يقدر على السير. قلنا: ولم يقولوا هذا إلا للمشاكلة التي ترى بين عقر البعير وعقر بفلان. على حد ما قالوا أن العصفور مشتق من عصى وفر وأن الخندريس مشتق من خدر العروس وإبليس من بلس والإسطرلاب من أسطر ولأب! ولأب أسم علم عندهم، مع أنه لم يكن له وجود في العالم.
ولا نقف عند هذا الحد من ذكر الدواخل ففي لغات الأجانب لغات أخرى متوجة لمفرداتهم وهي في نظرنا مأخوذة من لغتنا. ومن هذا القبيل الداخلة أو فأم معناها عكس أي أنها تدل على الخروج والإخراج وقد حاولوا أن يجدوا لها لفظاً من لسانهم دالاً على المكان الخارج أو ما هو في خارج المحل فلم يعودوا إلا بما عاد به حنين. أما نحن فنقول أنها مقطوعة من (عقوة) التي تعني في لغتنا (ما حول الدار وساحتها ومحلتها وما كان خارجا عنها) وهذا لا تجده في لغتهم. فقد قلنا فويق هذا أن معنى (أنهمر) مثلاً مركب من (أن تخفيف عند) وهمس (كعنق) أي تراب أو أرض فيكون معنى الفعل وضع في الأرض. والآن إذا أرادوا أن يقولوا أخرج الشيء من مكانه الذي تحت الأرض يقولون (أكسهمر) بفتح الآخر أي نبشه أو أخرجه من القبر وعندنا أن أصل معناه: أخرجه إلى عقوة القبر أي
إلى خارجه أو إلى حوله أو ساحته.
أما أن السلف استعملوا قاف العقوة أو عينها أو كليهما معاً فظاهر من استقراء بعض المفردات الواردة في لغتهم، هذه كلمة العقنفس (كسفرجل) التي تعني العسر الأخرق واللئيم، فمن أين أتتنا؟ أتتنا من كلمتين من عق (وة) (ال) نفس أي خارج على النفس ولا يخرج عليها إلا كل عسر الأخلاق واللئيم ثم أبدلت الفاء من الباء على لغة فقالوا العقنبس. فأنت ترى أنهم استعملوا العين والقاف معاً. وفي قولهم عنشط الرجل استعملوا العين فقط ومعنى عنشط الرجل غضب ومعنى نشط طابت نفسه للعمل والغضب يخرج النفس من صاحبها لو أمكن لنا هذا التعبير من باب المجاز. أما إدخالهم القاف في الأول فكقولهم: القداحس الذي هو الشجاع والسيء الخلق وأصله عندنا الداحس أسم فاعل من دحس أي دس الشر من حيث لا يعلم وهو صفة ملازمة للسيء الخلق. فأنت
стр. 4569
ترى من هذا أن العربية غنية بنفسها تجود على غيرها بخيراتها وآلائها ومحاسنها فتكسبها رشاقة وجمالاً وثروة.
ومن الدواخل الرائجة في أسواق لغاتهم وتفيد معنى إذا وإلى وحتى ونحو ما يقارب هذه المعاني وتدخل في ألفاظ كثيرة من كلامهم وقد تتغول بصور أخرى مثل: ولم يذكروا لنا الكلمة الأصلية التي قطعت منها. والذي عندنا أنها مقطوعة من (حتى) وهي الكلمة العربية التي تفيد جميع معاني الداخلة اللاتينية التي انتقلت إلى جميع اللغات الغربية. فإذا أرادوا أن يقولوا: قاد إلى. . . عبروا عنها بقولهم وهي منحوتة من أي حتى أي قاد ومحصل المعنى: قاده إلى حيث أراد، أو قيد أي صار مقوداً. ولما كانت الحاء ثقيلة في دخولها على الألفاظ ولا وجود لها عندهم أبدلوها من الهمزة ولذا ترى كثيراً من الأفعال الواردة على أفعل هي في الأصل من هذا العنصر فقد قال السلف أهزل الرجل إذا أصاب ماله الهزال، وأجرب إذا أصابه الجرب وأرغد إذا صار في رغد من العيش. على أننا لا ننكر أن بعض همزات أفعل ليست مقطوعة أو مبدلة من (حتى) بل من مفردات أخرى. ومن هذا القبيل ورود الداخلة الإفرنجية بمعنى جعل للرجل شيئاً وهو يقارب المعنى السابق. فقد قالت العرب أجدادنا قبلهم أقبرت الرجل أي جعلت له قبراً يدفن فيه وأحلبت الرجل أي جعلت له ما يحلبه، وأركبته جعلت له ما يركبه، وأرعى الله الماشية
أي أنبت لها ما ترعاه، إلى غير هذه الأفعال. ومن دواخلهم وهي غير التي ذكرناها في الأول، وهذه تعني إزالة الشيء ونزعه أو نفيه أو خلطه بشيء آخر وموقفاً أعلى أو أسفل وقد تنتقل إلى أمام أصل يبتدأ باللام أو أمام الباء أو الميم أو الباء المثلثة وتنتقل إلى أمام أما أصل هذه لداخلة قلم يتوقفوا أيضاً للعثور عليه، وذهب كل فريق إلى رأي دون رأي الآخر.
والذي عندنا أن أصلها (لا) أو (ما) إذ الواحدة في الأصل لغة في الأخرى فإذا قالوا فأنها مركبة من (أن) أي لا أو ما و (فين) أي نهاية فيكون معناه اللانهاية له. وعندنا أن (ما) العربية التي نشأت منها اللاتينية أو ما يجانسها مقطوعة من (محو) فقالوا: (مو) ثم جعلوا الواو كما هو كثير
стр. 4570
الورود في لغات بعض القبائل فصارت (ما) فقول الأجانب (انفني) الممحو منه النهاية أو الغاية أو الآخر. هذا هو رأينا، وهذا الرأي يوجه الأداة الداخلة المذكورة أحسن توجيه.
أما اليوم فإذا أردنا أن نترجم ما يبتدئ بالأداة الداخلة الإفرنجية المذكورة فلا يجوز لنا إلا أن ننقله بقولنا اللانهاية أو اللاغاية له. أو أن نقول: غير منته. أما الوجه الأول فقد عرفه أجدادنا منذ أقدم العهد فقد قال عامر بن الظرب العدواني - وهو من خطباء الجاهلية -: أني أرى أموراً شتى وحتى، فقيل له: وما حتى؟ قال: حتى يرجع الميت حياً، ويعود (اللاشيء) شيئاً أه. ومن ذلك اصطلاحات فلاسفة العرب كقولهم: اللاأدرية واللانهاية واللادوام واللابقاء. وقد قال أبن عابدين بخصوص هذه (اللا) في كتابه (الفوائد العجيبة في أعراب الكلمات الغريبة) ما هذا نصه: (قولهم: هو كلا شيء ووجوده كلا وجود)، صارت (لا) مع ما بعدها كلمة واحدة واجري الأعراب على الآخر وعرفت باللام في مثل (اللآخر) وقيل: هو بمعنى (غير) إلا أن إعرابها ظهر ما بعدها لكونها على صورة الحرف، كما في (إلا) بمعنى (غير). انتهى كلامه.
فأنت ترى من هذا النقل أن تركيب (لا) مع غيرها من الكلم يصيرها في المعنى كالكلمة الواحدة المنحوتة ولأن هذا الضرب من النحت قديم في لغتنا من عهد الجاهلية - إذا كانت هذه الرواية التي نقلها صاحب العقد الفريد - صحيحة لا دس فيها ولا وضع ولا تزوير.
وهناك غير هذه الدواخل في لغات الأجانب ولجميعها وجه وتخريج في لغتنا اليعربية، مما
يطول تفصيله، وإنما أردنا الآن بهذا الإجمال إشارة إلى أن في لغتنا من النشاط والتجدد مالا مثيل له في سائر اللغات السامية والحامية واليافثية، فهي من أجمل اللغات وأطوعها لمبتدعات الفكر على أتساع أفقه في الخيال والمثال.
٤ - الكواسع
أما الكواسع فكنا قد عقدنا لها باباً واسعاً في السنة الرابعة من مجلتنا (٣٣: ٧ إلى ٤٤) فلتراجع.
стр. 4571
٥ - الزوائد
إن المستشرقين ولغويي الغرب يسلمون للعرب أن في لسانهم زوائد تدخل على الأفعال وما يتصرف منها من المشتقات، وقد تكسع بها بعض الأفعال والأسماء المشتقة. على أن لغويينا ولغويي المستشرقين لا يعترفون أن هناك حروفاً تزاد في الكلم غير أحرف (سألتمونيها) التي تدخل على المزيد فيها والتي أربعة أحرف منها وهي - أحرف (نأيت) تدخل على المضارع أيضاً أما نحن فقد رأينا أن جميع حروف الهجاء قد تزداد فتكون دواخل وكواسع ومحشيات (أي تدخل في باطن الكلمة) وقد جمعنا شيئاً كثيراً من هذا القبيل ولا بد من ذكر بعض منها وقد دخلت عليها حروف غير أحرف الزيادة المعهودة ومنها ما قد كسعت بها ومنها ما قد حشيت بها.
٦ - أمثلة الباء الداخلة
بجل من باب عظم أي صار بجيلا أي عظيماً وأصله جل بمعناه، وتبغنجت المرأة بالغت في التغنج وأصله تغنجت وبزمخ الرجل تكبر وأصله زمخ بمعناه وبخذعه وأصله خذعه أي قطعه إلى غيرها.
٧ - أمثلة الباء المحشية أو المتوسطة
الحبر قصة الناقة الكريمة وأصلها الحرقصة بمعناها خبرق الشيء: ثقبه وأصله خرقه. وقد يقع القلب في خبرق فيقال خبرقه والمعنى يبقى واحداً. وتقول: ما عليها خربصيصة كما تقول: ما عليها خرص أي شيء من الحلي. وقد زيد فيها وياء وصاد ثانية طلباً للمبالغة في المعنى.
٨ - أمثلة الكسع بالباء
العقرب وأصله العقر أي العض ثم كسعت بالباء زيادة لمعنى الألم، وقالوا خذعب الشيء أي قطعه وأصله خذعه، والسعابيب ما يمتد شبه الخيوط من العسل ونحوه وأصله السعب وقد زادوا في الكسع: الباء وتضعيف المثل الأخير كما زادوهما في الخربصيصة، وقالوا في جرع جرعب. وفي الدعب (أي الدعابة) الدعبب كقنفذ، إلى غيرها.
٩ - أمثلة الحاء الداخلة
الحرقصة هي الرقص، والحضوضاة هي الضوضاء والحثفل كقنفذ وهو الثفل وهو شيء يكون في أسفل المرق من حثاث الطعام، وكذلك هو من اللحم
стр. 4572
ومن سائر المآكل وما يشبهها. والحنتوف وهو الذي ينتف لحيته من هيجان المرار به وهو من النتف. وحبك عنقه دقها مثل بكها وقد ذكرنا في هذا المقال أن دحض من حض ودحق من حق وثم ألفاظ لا تحصى.
١٠ - أمثلة الحاء المحشية
بحثر اللبن تقطع وحبب وهو مشتق من البثر كأنه صار فيه شيء كالبثر - جحدله صرعه ومثله جدله أي صرعه على الجدالة وهي الأرض - والجحرش كجعغر الفرس الغليظ المجتمع الخلق والأصل فيه الجش يقال موضع جش أي خشن الحجارة فكأنك تقول عن الفرس هو الخشن الأخطاء الغليظها وقد قال اللغويون بعد أبن فارس: أن أصل مادة الجش الخشونة والجحرش من الجش بزيادة الحاء والراء، وقد وقع القلب في الجحرش فقالوا الجحشر وأصل المعنى باق فيه وأن أختلف في مؤداه شيء للدلالة على هذا الاختلاف والجحرش كجعفر وقنفذ والجحاشر كعلابط: الضخم الحادر الجسيم العبل المفاصل العظيم الخلق، إلى غير هذه المفردات وهي كثيرة.
١١ - أمثلة الحاء الكاسعة
قالوا ما في الدار دبي أي أحد ومثله دبيح وجزح من ماله جزحة أي قطع له منه قطعة وأصله جز، وفلح الشيء شقه وقطعه وهو من فله.
١٢ - أمثلة العين الداخلة
علبوب القوم: خيارهم مثل لبهم، وقد زادوا فيه أيضاً الواو وضعفوا الباء كما مر مثل هذا في السعبيب والخربصيص - وعكر على الشيء مثل كر عليه - والعمرس: القوي. قال أبن فارس في كتاب المقاييس: هذا ما زيدت فيه العين وإنما هو من الشيء المرس وهو الشديد الفتل، وعلد الشيء (كعلم) صلب وأشتد وهو من لدن فلان: اشتدت خصومته. والعلس ما يؤكل ويشرب، وهو من اللس الذي هو الأكل.
١٣ - أمثلة العين المحشية
معس الشيء مأخوذ من المس - ماج البحر مثل معج أي هاج - القعموط: القمط أو القماط وهناك غيرها كثيرة.
стр. 4573
١٤ - أمثلة العين الكاسعة
جزع من المال جزعة أي قطع له منه قطعة، هو من جز الشعر والحشيش قطعه - الجمع مأخوذ من الجم وهو الكثير من كل شيء - جرع الماء بلعه وهو مأخوذ من الجر كأن معدته جرتها إليها، جدع أنفه أو أذنه أو يده أو شفته مأخوذة من الجد وهو القطع وزيدت العين في الآخر للدلالة على قطع (عضو) من - قطع الشيء مأخوذ من قط وهو حكاية صوت قطعة.
١٥ - أمثلة الفاء في الأول
فصح اللبن: أخذت عنه الرغوة، وهو مأخوذ من صحت السماء: إذا ذهب الغيم عنها، الفدوكس مثل الدوكس وهو الأسد، فرتك الرجل: مشى مشية متقاربة ورتك البعير قارب خطوة في رملانه، ومؤدى فرتخ كمعنى رتخ.
١٦ - أمثلة فاء التحشية
كن الشيء: ستره وغطاه وأخفاه وكفن الخبزة في الملة واراها بها. - كفت الطائر وغيره: أسرع في الطيران والعدو. وهو من كت فلان قارب الخطوة في سرعة.
١٧ - أمثلة فاء الكسع
نشف الغدير مأخوذة من نش. خطرف البعير مثل خطر. - الخذروف كالخذرة وهو طين
يلعب به الصبيان - الخنطرف كالخنطير.
١٨ - كلمات فيها القاف الداخلة
القلب (بالضم) كاللب (بالضم) القرقفة الرعدة وهي مأخوذة من أرقف (راجع اللسان والتاج ففيهما فوائد لا يحتمل سردها هنا لضيق المقام).
١٩ - كلمات فيها القاف زائدة في الحشو
الزحنقف: الزاحف على أسته والقياس من جهة الاشتقاق أن يكون بفاءين من زحف (القاموس) العقنقل: النون والقاف فيه زائدتان.
٢٠ - كلمات فيها القاف زائدة في الآخر
زل وزلق. حذ وحذق إلى غيرهما
وفي كل هذه الحروف وأمثالها ألفاظ لا تحصى ونحن لا نريد أن يمتد نفسنا إلى ما وراء ما ذكرنا لأن الموضوع متسع الأرجاء ولا تكفيه المقالة والمقالتان بل لا يوفيه حقه إلا كتاب قائم برأسه وإنما أردنا أن نشير إلى المبحث إشارة عجلان لكي لا يتوهم الغافل أن لغتنا قاصرة عن مجاراة لغات الدنيا قاطبة وبهذا القدر كفاية لمن يريد أن يستهدي.
стр. 4574
٢١ - تذييل في الكواسع
كتب الأستاذ بندلي جوزي من جامعة باكو في روسية مقالاً في (الكلية ١: ١٦ إلى ٨) يفند على زعمه ما حبرناه في الهلال بعنوان: اللغة العربية مفتاح اللغات (٢٠٦: ٣٧) وكنا نتوقع أن يكون في هذا الرد ما يدل على ذكاء صاحبه وإذا هو أظهر الخلاف ونحن نرجئ التفصيل ريثما يتسع لنا المقام في هذه المجلة لتزييف مزاعمه الواهنة الواهية إلا أننا نذكر هنا ما قاله عن الكواسع (ص٦ في الحاشية) وهذا نصه بحروفه (اصطلحنا أن نؤدي كلمة بالملحقة وبالمقحمة وبالمضافة أو المصدرة. فاحفظ ذلك ولا تستهوك كلمة (كاسعة) التي أختارها حضرة الأب لتأدية معنى وهي من قولهم كسمت (كذا بالميم ولا جرم أنها من غلط الطبع والصواب كسعت) الخيل بأذنابها أي أدخلتها بين أذنابها (كذا، ومن يشك فليرجع إلى الأصل) فقد حان لنا أن نقيم ولو قليلاً على بعد من البعر والجمال وأذناب الخيل. . .).
قلنا: فكم من غلط في هذه الكليمات! ثم كم يكون عدد تلك الهفوات لو أردنا أن نبين ما في رده كله من الشنائع؟
وأول أوهامه هنا أنه أتخذ أسم المفعول للدلالة على هذه الأدوات، وكان عليه أن يصوغها على أسم الفاعل وهذا الأمر لا يظهر في قوله الملحقة والمقحمة لأنه لم يضبطهما، إلا أنه يتضح في (المصدرة) إذ ضبطها بفتح الدال المشددة وذلك لأن السلف ينسبون إلى الأداة ما ينسب إلى الرجل العاقل لأنها تتوب عنه ولهذا لا ترى بين أسماء الأدوات ألفاظا مفرغة بصيغة المفعول بل بصيغة الفاعل (راجع لغة العرب ١٦: ٥ إلى ٢٢) وسوف ترى دليلاً آخر فيما يأتي:
والثاني أنه سمى الحرف الداخل في الحشو (مقحمة) وهو ليس كذلك إنما الحرف يوضع في قلب الكلمة بمنزلة حشو لها لأحداث معنى خاص بها ولا يقحم فيها إقحاما ولهذا كان عليه أن يسميه (محشية أو حاشية) إلا أن (محشية) أحسن لأن لفظ (الحاشية) أنصرف إلى طرة الكتاب، ولهذا يحسن بنا أن نتخذ للمعنى الجديد وضعاً خاصاً به.
والثالث أن قوله إننا سمينا كلسعة من محض بهتانه لنا إنما أردنا
стр. 4575
بالكلسعة وما عليه إلا مراجعة ما كتبناه ليتحقق صدق ما نقول. فبالكالسعة أذن حرف يوضع في مؤخر الكلمة لإنشاء معنى جديد في تركيبها وقد سميناها أيضاً (اللاحقة والمذيلة) (راجع لغة العرب ٣٣: ٤ إلى ٣٨ المقالة المعنونة (حروف الكسع في الألفاظ العربية والمعربات).
والرابع ظنه إيانا الواضعين لهذه اللفظة والتحقيق أننا نقلناها عن كلام بلغاء الأقدمين كما سترى (راجع لغة العرب ٣٣: ٤).
والخامس أنه أدعى كون الكاسعة مشتقة من كسعت الخيل (بأذنابها) أي أدخلتها بين (أذنابها) فلم نفهم هذا الكلام، اللهم إلا أن يكون بالروسية إذ كيف تدخل الخيل (أذنابها) بين (أذنابها) فهل يستطيع أن يوضح لنا ذلك وبأي صورة يكون؟ والصواب: أدخلت (أذنابها) بين (أرجلها) كما يتضح بأقل تأمل لمن لا يشرب الفودكة.
والسادس قوله أن الكاسعة مشتقة من كسع الخيل وهو وهم ظاهر والصحيح أن كسع لغة في كسأ بهمزة في الآخر وكسأ (بهمزة بعد السين) كل شئ مؤخره فيكون معنى كسأه تبعه أو أتبعه. فالكاسعة أداة تتبع آخر حرف الكلمة أو تكون في مؤخرها.
والسابع قوله: (فقد حان لنا أن نقيم ولو (قليلاً) على بعد من البعر) لا معنى له، ولعل مراده (نقيم بعض الأحيان) ليصح أن يكون على بعد من البعر في أحيان الحاجة إلى الابتعاد إذ يجوز لبعض الناس أن يترددوا إليه من غير أن يقيموا بجانبه دائماً، وإلا فلو أقاموا (قليلاً) على بعد منه رجعوا إليه من جديد مجاورين له بعد مضي هذا (القليل). أفهمت يا مولاي الأستاذ في جامعة باكو والدكتور في الآداب؟.
والثامن جهله أن الإقامة بين الجمال والخيل عند الحاجة هي من الضروريات فهؤلاء متمدنو هذا العصر يبحثون في (البعر) ودحاريج الجعلان عن الحقائق العلمية التي تتعلق بالدويبات التي تعيش فيها فلماذا يأنف صاحبنا من مثل هذا الأمر لو فرضنا جدلاً أنه محق في اشتقاق الكاسعة؟.
стр. 4576
والتاسع: أننا لم نضع هذه الكلمة أي الكاسعة بل سبقنا إليها اللغويون الكبار الأقدمون فاتبعناهم وشهرنا اللفظة في هذا الأوان. قال الأزهري في كتابه التهذيب في مادة عندل: (العندليب رباعي أصله العندل، ثم مد بياء وكسعت (بصيغة ما لم يسم فاعله) بلام مكررة ثم قلبت باء) اهـ (وراجع التاج في مادة عندل). وقال في التاج في مادة ددد في شرحه كلام الطرماح (. . . آل الضحى ناشطا من داعب ددد، قال الليث: وإنما قال ددد لأنه لما جعله نعتاً لداعب كسعه أي أتبعه (هذا معنى كسعه لا ما قال الخصم. وأصل ددد: (دد أو ددا)) بدال ثالثة وإنما عبر بالكسع إغراباً وإيماء إلى وقوع مثله في كلام بعض الأقدمين من الصرفيين. قاله شيخنا.) اهـ كلامه، وقال في رخد:. . . قال أبو الهيثم: الرخود: الرخو زيدت فيه دال وشددت مكسوعا بها كما يقال فعم وفعمل. اهـ عن التاج واللسان وهناك غير هذه الشواهد فاجتزأتا بما ذكرنا.
أفرأيت الآن من واضع الكاسعة وأنها يجب أن تكون بصيغة الفاعل لا بصيغة المجهول إذ الأداة كاسعة والكلمة مكسوعة؟ فإذا علمت يا أيها الأستاذ في جامعة باكو والدكتور في العلوم الأدبية (؟) عرفت أنك واهم تسعة أوهام في ثلاثة أسطر من مجلة الكلية - وتبين لك أن مقالك كله من هذا النسيج، نسيج العنكبوت، نسيج الخطأ والخطل وأن سكوتك كان أشرف لك من أن تعلن على رؤوس الملا جهلك هذا الشائن الفظيع فكيف تكون حالك حين نزيف مقالك كله وما فيه من الآراء السخيفة وقد وقع في ثماني صفحات؟
(الخلاصة)
أن لغتنا من أرقى اللغات ومن أتمها وضعا وأحسن تركيبا، وفيها الدواخل والكواسع والمحشيات كما في اللغات اليافثية، بخلاف ما ينكره علينا علماء الغرب من المستشرقين وبعض الشعوبية من العرب، وأن الألفاظ الدواخل والكواسع زعمه بعض المغفلين المتقعرين وما سواها من الأسماء يعد من سقط المتاع.
стр. 4577
اليأمور
ذكر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي سنة ٢٥٥هـ ٨٦٩م اليأمور في باب الظلف فقال:
(وهي الظباء وهي معز والمعز أجناس والبقر الوحشي ذات أظلاف وهي بالمعز أشبه منها بالبقر الأهلي وفي ذلك تسمى نعاجا وليس بينها وبين الظباء وأن كانت ذوات جرة وكرزش وقرون وأظلاف تسافد ولا تلافح وهي تشبهها في الشعر عدم السنام ومن الظلف الوعل والتيتل واليأمور والأيل جبليات كلها).
وقال ابن سيده المتوفي سنة ٤٥٨هـ ١٠٦٦م.
(قال أبن دريد، اليأمور جنس من الأوعال أو شبيه بها).
وقال الصاغاني المتوفي سنة ٦٥٠هـ ١٢٥٣م في كتاب يفعول
(اليأمور لغة في من يهمزه قال الليث هو من دواب البر يجري على من قتله في الحرم والإحرام إذا صيد الحكم.
وذكر الجاحظ اليأمور في باب الأوعال الجبلية والأيايل والأروى وقال هو أسم لجنس منها. وقال أبن دريد: هو جنس من الأوعال أو شبيه بها).
وقال ابن مكرم الأفريقي المتوفي سنة ٧١١هـ ١٣١١م
اليأمور: بغير همز الذكر من الأيل، الليث اليأمور من البحر يجري على من قتله في الحرام أو الإحرام. وذكر عمرو بن بحر اليأمور في باب الأوعال الجبلية والأياييل والأروى وهو أسم لجنس منها بوزن يعمور. واليعمور الجدي وجمعه اليعامير). وقال الدميري المتوفي سنة ٨٠٨هـ ١٤٠٥م:
اليأمور: قال أبن سيده هو جنس من الأوعال أو شبيه به له قرن واحد
стр. 4578
متشعب في وسط رأسه وقال غيره أنه الذكر من الأيل له قرنان كالمنشارين أكثر أحواله تشبه أحوال البقر الوحشي يأوي إلى المواضع التي ألتفت أشجارها وإذا شرب الماء ظهر بنشاط فيعدو ويلعب بين الأشجار وربما ينشب قرناه في شعب الأشجار فلا يقدر على خلاصهما فيصيح والناس إذا سمعوا صياحه ذهبوا إليه وصادوه. وقال الفيروزابادي المتوفي سنة ٨١٧هـ
١٤١٤:
اليأمور: (الذكر من الإبل) بالباء الموحدة.
وزاد طابع نسخة المطبعة الميمنية على الهامش
(قوله اليأمور الذكر من الإبل كذا في سائر النسخ بالباء الموحدة وصوابه الأيل بتشديد المثناة التحتية المكسورة وذكر عمر بن بحر اليأمور في باب الأوعال الجبلية والأيايل والأروي وهو أسم الجنس منها. انتهى كلام الشارح.
وجاءت في هذا الهامش اليأمور بالباء الموحدة التحتية وعمرو بلا واو والجباية بدلاً من الجبلية مما يدل على عدم العناية بطبع هذه النسخة أو هوامشها على الأقل وقال السيد مرتضى الزبيدي المتوفي سنة ١٢٠٥هـ ١٧٩٠م:
اليأمور: بغير همز أهمله الجوهري والصاغاني وقال الليث هو الذكر من الإبل كذا في سائر النسخ بالباء الموحدة وصوابه الأيل بتشديد التحتية المكسورة وذكر عمرو بن بحر اليأمور في باب الأوعال الجبلية والأياييل والأروى وهو أسم لجنس منها.
فترى مما تقدم أن الفيروزابادي أو الذين نسخوا كتابه قد خلطوا بين الإبل والأيل. وقد تقدم في كلام الصاغاني أن الليث يعتبره من دواب البر في حين أن أبن مكرم الأفريقي يروي عن الليث نفسه أنه من دواب البحر ونظن أن ذلك من خطأ النسخ أو الطبع أيضاً.
وقد وضع صديقنا الأجل عالم مصر الأستاذ أحمد تيمور باشا رسالة ممتعة في تصحيح القاموس أتى فيها على أغلاط النسخ والطبع ولكنه لم يذكر فيها
стр. 4579
هذه الغلطة التي اطلعت عليها عرضاً ولعل الأستاذ اكتفى بما أشار إليه شارح القاموس في تاجه المرصع بأنواع الجواهر أو أنه أقتصر في رسالته على الأغلاط فقط ولم يتناول أوهام المؤلف كما تناولها في رسالته (تصحيح لسان العرب).
حيفا (فلسطين): عبد الله مخلص
(لغة العرب) أختلف العلماء في حقيقة هذا الحيوان اختلاف أبناء الغرب فيه، والمشهور أن اليأمور (وهو بياء مثناة في الأول) حيوان سماه اليونانيون وذكره أرسطوطاليس وفلوطرخس واليانس والترجمة السبعينية وصاحب الزيور وأسمه بالفرنسية أو وقد رأى علماء الغرب في عهدنا هذا أن المقصود باليأمور ضرب من البقر الوحشي أسمه الأرخ
وبلسان العلم وقال آخرون أنه اليحمور نفسه وما الهمزة في اليأمور إلا تخفيف الحاء وبلسان العلم وذهب آخرون إلى أن اليأمور هو الوحيد القرن أو الكركدن وجاء بهذا المعنى الزبعري والكركند والحريش والمرميس والهرميس والنوشان والنزك والحمار الهندي والسناد والريم والسرناس إلى غيرها من الأسماء وأنت ترى من هذا أن الإفرنج اعتبروا اليأمور مرة كالأيل وأخرى كالثور. وقد سموا بوحيد القرن أيضاً حيواناً بحرياً هو لأن له قرناً طويلاً في مقدم رأسه والذي حققه الدكتور أمين بك المعلوف في المقتطف (٣٥٨: ٣٤) أن اليأمور هوالمسمى عند الإفرنج وبالإنكليزية وكذا قال محمد شرف بك في معجمه فأنه ذكر بازاء الإنكليزية المذكورة هذه الكلمات، جزمة ظبية، أنثى الأيل، ظبية برية، اليحمور واليأمور (بالعبرانية والسريانية) اه. وقد يصح هذا المسمى في بعض ما عناه السلف لكنه لا يصح في جميع أحواله. ونحن لم نجد الجزمة (كغرفة) في كتبنا بهذا المعنى. أما الظبية فغير أنثى الأيل واليأمور غير اليحمور عند المحققين والعبريون لا يعرفون إلا اليحمور ويسمونه كذلك. وكذلك قل عن السريان فانهم يحموراً. أما اليأمور فهو بالعربية فقط. هذا ما وصل إليه تتبعنا بوجه الاختصار ولعل بين القراء من يفيدنا أكثر من هذا.
стр. 4580
رسالة في النابتة
هذه رسالة لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود في النابتة:
حضرة صديقي الأب أنستاس الكرملي المحترم:
كنت بعثت لكم بأرجوزة في الظاء والضاد منسوبة لأبن قتيبة وجدتها في مجموعة خطية في مدرسة الحجيات في الموصل فأدرجتموها في مجلتكم في جزئها السادس من سنتها السابعة. ووجدت قد وقع فيها أغلاط مطبعية لابد أنكم أشرتم إلى تصحيحها. وأطلعت بعد ذلك على مقال للفاضل ف كرنكو ينكر نسبة الأرجوزة المذكورة لأبن قتيبة، أما أنا فلا أؤيد هذه النسبة ولا أنكرها إنما أقول أني نقلتها بأمانة كما وجدتها.
والآن أقدم لكم رسالة للجاحظ منقولة من المجموعة نفسها اجتهدت بتصحيح بعض أغلاطها وذكرت الخطأ كما هو لأمانة النقل وذكرت تصحيحي عقبه بين عضادتين. أرجو نشرها في مجلتكم الغراء أن وجدتم في نشرها فائدة وأقبلوا مني فائق الاحترام.
الموصل: الدكتور داود الجلبي
بسم الله الرحمن الرحيم وبه العون
أطال الله بقاءك وأتم نعمته عليك وكرامته لك. أعلم أرشد اله أمرك أن هذه الأمة قد صارت بعد إسلامها والخروج من جاهليتها إلى طبقات متفاوتة ومنازل مختلفة. فالطبقة الأولى عصر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وست سنين من خلافة عثمان (رض) كانوا على التوحيد الصحيح والإخلاص المخلص مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسنة وليس هناك عمل قبيح ولا بدعة فاحشة ولا نزع يد من طاعة ولا حسد ولا غل ولا تأول حتى كان الذي كان من قتل عثمان وما أنتهك منه ومن خبطهم إياه بالسلاح وبعج بطنه بالحراب
стр. 4581
وفري أوداجه بالمشاقص وشدخ هامته بالعمد مع كفه عن البسط ونهيه عن الامتناع (كذا ولا يستقيم له معنى) مع تعريفه لهم قبل ذلك من كم وجه لا يجوز قتل من شهد الشهادة وصل القبلة (لعلها إلى القبلة) وأكل الذبيحة ومع ضرب نسائه بحضرته وإقحام الرجال على حرمته مع ايقاء (لعله اتقاء) نائلة بنت الفرافصة بيدها حتى أطنوا (أي
قطعوا) إصبعين من أصابعها وقد كشفت عن قناعها ورفعت عن ديلها (ذيلها) ليكون ذلك ردعاً لهم وكاسراً من (لعله عنتهم) مع وطئهم في أضلاعه بعد موته وإلقائهم على المزبلة بعد سحبه وهي الجزرة التي جعلها رسول الله ﷺ كفوا وأياماه وعقائله بعد السب والتعطيش والحصر الشديد والمنع من القوت مع احتجاجه عليهم وإفحامه لهم ومع اجتماعهم على أن دم الفاسق حرام كدم المؤمن إلا من أرتد بعد الإسلام أو زنى بعد إحصان أو قتل مؤمنا على عمد أو رجل عدا على الناس بسيفه فكان في امتناعهم منه عطبه ومع اجتماعهم على أن لا يقبل (يقتل) من هذه الأمة مولى ولا يجهز منها على جريح ثم مع ذلك كله دفروا (وفضوا) عليه وعلى أزواجه وحرمه وهو جالس في محرابه ومصحفه يلوح في حجره أن يرى أن موحداً يقدم على قتل من كان في مثل صفته وحاله لا جرم لقد اجتلبوا به ذما (دما) لا تطير رغوته ولا تسكن فورته ولا يموت ثائره ولا يكل طالبه. وكيف يضيع دم الله وليه والمنتقم؟ وما سمعنا بدم بعد دم يحيى بن زكريا (عم) غلا (غلى) غليانه وقتل سافحه وأدرك بطائله وبلغ كل محبته (؟؟) كدمه ﵁ ورحمه.
ولقد كان لهم في أخذه وفي إمامته (؟) للناس والاقتصاص منه وفي بيع ما ظهر من رياعه وحدائقه وسائر أقواله (أمواله) وفي حبسه بما بقي عليه وفي ظهره (طرده) حتى لا يحس بذكره ما يغنيهم عن قتله أن كان قد ركب كلما قدموه (كل ما قذفوه) به أو أودعوه وهذا كله بحضرة جله المهاجرين والسلف المتقدمين والأنصار والتابعين ولكن الناس كانوا على طبقات مختلفة ومراتب متباينة من قاتل ومن شاد على عضده ومن خاذل عن نصرته والعاجز ناصر بإرادته ومطيع بحسن نيته. وإنما الشك منا فيه وفي خاذله ومن أراد
стр. 4582
عزله والاستبدال به فأما القاتل والمعين على دمه والمريد لذلك منه فضلال لا شك فيهم ومراق لا إمتراء في حكمهم على هذا لم يعد منهم الفجور أما على سواء تأويل وأما على تعمد للشقاء.
ثم ما زالت الفتن متصلة والحروب مترادفة كحرب الجمل وكوقائع صفين وكيوم النهروان وقبل ذلك يوم الزابوقة وفيه أسر أبو حيف وقتل حكيم بن جبلة إلى أن قتل أشقاها علي بن أبي طالب رض فأسعده الله تعالى بالشهادة وأوجب لقاتله النار واللعنة. إلى أن كان من اعتزال الحسن رض الحروب وتخليه الأمور عند انتشار وكثرة تلونهم عليه فعندها استوى
معاوية على الملك واستند على بقية الشورى وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سموه عام الجماعة. وما كان عام جماعة بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكا كسرويا والخلافة عضبا (غصبا) قيصريا ولم يعد ذلك اجمع الضلال والفسق ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا وعلى منازل ما رتبنا حتى رد قضية رسول الله ص ردا مكشوفا وجحد حكمه جحدا ظاهرا في ولد الفراش وما يجب للعاهر مع إجماع الأمة أن سمية لم تكن لأبي سفين (سفيان) فراشا وانه إنما كان بها عاهرا. فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار وليس قتل حجر بن عدي وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر وبيعة يزيد الخليع والاستئثار بالعي (بالفيء) واختبار (واختيار) الولاة على الهوى وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة من جنس حد الأحكام المنصوصة والشرائع المشهورة والسنن المنصوبة وسواء في باب ما يستحق من الأكفار حجر الكتاب ورد السنة إذا كانت السنة في شهرة الكتاب وظهوره. إلا أن أحدهما اعظم وعقاب الآخرة عليه أشد فهذه أول كفرة كانت في الأمة.
ثم لم يكن إلا فمن (لم تكن إلا ممن) يدعي إمامتها والخلافة عليها على أن كثيرا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك اكفاره وقد أربت عليهم ثابتة (نابتة) عصرنا ومبتدعة دهرنا فقالت لا قوة (لا تسبوه) فان له صحبة وسب معوية (معاوية) بدعة. ومن يبغضه فقد خالف السنة فزعمت أن من السنة ترك البراءة ممن ترك السنة. ثم الذي كان من يزيد ابنه ومن عماله وأهل
стр. 4583
نصرته ثم غزو مكة واستباحة المدينة وقتل الحسين رض في اكثر أهل بيته مصابيح الظلام وأوتاد الإسلام بعد الذي أعطا (أعطى) من نفسه من تفريق اتباعه والرجوع إلى داره وحرمه أو الذهاب في الأرض حتى لا يحس به أو المقام حيث أحر (أمر) به فأبوا إلا قتله والنزول على حكمهم وسواء قتل نفسه بيده أو أسلمها إلى عدوه وخير فيها من لا يبرد غليله إلا بشرب دمه فاحسبوا قتله ليس بكفر وإباحة المدينة وهتك الحرمة ليس بحجة. كيف يقول (تقولون أو يقال) في رمي الكعبة وهدم البيت الحرام وقتله المسلمين فان قلتم ليس ذلك أرادوا بل إنما أرادوا المتخرب به والمتحصن بحيطانه. أفما كان في حق البيت وحريمه أن يحصروه فيه إلى أن يعطي بيده وأي شيء بقي من رجل قد أخذت عليه الأرض إلا موضع قدمه واحسب مما رووا عليه من الأشعار التي قولها
شرك والتمثيل (التمثل) بها كفرا وشيا (شيئا) مصنوعا كيف يصنع بنقر القضيب بين ثنيتي الحسين عم وحمل بنات رسول الله ﷺ حواسر على الاقتاب العارية والإبل الصعاب والكشف عن عورة علي بن الحسين عند الشك في بلوغه على انهم أن وجدوه وقد انبت قتلوه وان لم يكن انبت حملوه كما يصنع أمير جيش المسلمين بذراري المشركين. وكيف يقول في قول عبيد الله بن زياد لاخوته وخاصته دعوني اقتله فانه بقية هذا النسل فاحسم به هذا القرن وأميت به هذا الداء واقطع به هذه المادة.
خبرونا على ما يدل هذه القسوة وهذه الغلظة بعد أن شفوا نفوسهم بقتلهم ونالوا ما احبوا فيهم (منهم) أيدل على نصب وسوء رأي وحقد وبغض ونفاق وعلى يقين مدخول وإيمان ممزوج أم يدل على الإخلاص وعلى حب النبي (عم) والحفظ له وعلى براة (براءة) الساحة وصحة السريرة. فان كان على ما وصفنا لا يعدوا (لا يعدو) الفسق والضلال وذلك أدنى منازلة فالفاسق ملعون ومن نهى عن لعن الملعون فملعون.
وزعمت نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا أن سبب ولاة السوء فتنة ولعن الجورة بدعة وان كانوا يأخذون السمي بالسمي والولي بالولي والقريب بالقريب وأخافوا الأولياء وآمنوا الأعداء وحكموا بالشفاعة والهوى وإظهار القدرة والتهاون بالأمة
стр. 4584
والقمع للرعية وانهم في غير مدارة ولا تقية وان عدا ذلك إلى الكفر وجاوز الضلال إلى الجحد فذاك أضل لمن كف عن شيمتهم (شتمهم) والبراة (والبراءة) منهم على انه ليس من استحق اسم الكفر بالقتل كمن استحقه برد السنة وهدم الكعبة. وليس من استحق اسم الكفر بذلك كمن شبه الله بخلقه وليس من استحق الكفر بالتشبيه كمن استحقه بالتجويز. والنابتة في هذا الوجه اكفر من يزيد وأبيه وابن زياد وأبيه ولو ثبت على يزيد انه تمثل بقول ابن الهعري (الزبعري):
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الاسل
لاستطاروا واستهلوا فرحا ... ثم قالوا يد زيد لا تشل
قد قتلنا الغر من سادتهم ... وعدلناه ببدر فعدل
كان تجويز النابتي (؟) لربه وتشبيهه بخلقه اعظم من ذلك وافظع على انهم مجمعون على انه ملعون من قتل مؤمنا متعمدا أو متأولا. فإذا كان القاتل سلطانا جائرا أو أميرا عاصيا لم يستحلوا سبه ولا خلعه ولا نفيه ولا عيبه وان أخاف الصلحاء وقتل الفقهاء وأجاع الفقير
وظلم الضعيف وعطل الحدود والثغور وشرب الخمور واظهر الفجور. ثم ما زال الناس يتشكعون (يتشكون) مرة ويداهنونهم مرة ويقاربونهم مرة ويشاركونهم مرة إلا بقية ممن عصمه الله تعالى حتى قام عبد الملك بن مروان وابنه الوليد وعاملهما الحجاج بن يوسف ومولاه يزيد بن أبي سلمة فأعادوا (الكرة) على البيت بالهدم وعلى حرم المدينة بالغزو فهدموا الكعبة واستباحوا الحرمة وحولوا قبلة واسط وأخروا صلاة الجمعة إلى مغيربان الشمس. فان قال رجل لأحدهم اتق الله فقد أخرت الصلوة عن وقتها قتله على هذا القول جهارا غير ختل وعلانية غير سر. ولا يعلم القتل على ذلك إلا اقبح من إنكاره (؟) فكيف يكفر العبد بشيء ولا يكفر بأعظم منه. وقد كان بعض الصالحين ربما وعظ الجبابرة (الجبار) وخوفه العواقب واراه أن في الناس بقية ينهون عن الفساد في الأرض حتى قام عبد (الملك) بن مروان والحجاج بن يوسف فزجرا عن ذلك وعاقبا عليه وقتلا فيه فصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه فاحسب تحويل القبلة كان غلطا وهدم البيت كان تأويلا واحسب
стр. 4585
ما رووا من كل وجه انهم كانوا يزعمون أن خليفة المرء في أهله ارفع عنده من رسوله باطلا ومصنوعا موكدا. واحسب وسم أيدي المسلمين ونقش أيدي المسلمات وردهم بعد الهجرة إلى القرى وقتل الفقهاء وسب أئمة الهدى والنصب لعترة رسول الله ص يكون كفرا كيف نقول في جمع ثلاث صلوات ولا يصلون أولاهن حتى تصير الشمس على أهالي الجدران كالملا فان نطق مسلم خبط بالسيف وأخذته العمد وشك بالرماح، وان قال الله أخذته العزة بالآثم ثم لم يرض إلا (بنثر) دماغه على صدره وبصلبه حتى يراه عياله.
ومما يدل على أن القوم لم يكونوا إلا في طريق التمرد على الله والاستخفاف بالدين والتهاون بالمسلمين والابتذال لأهل الحق أكل أمرائهم الطعام وشربهم الشراب على منابرهم أيام جمعهم وجموعهم فعل ذلك حسن بن دلجة وطارق مولى عثمان والحجاج بن يوسف وغيرهم وذلك أن كان كفرا كله فلم يبلغ كفر نابتة عصرنا وروافض دهرنا لان جنس كفرها ولا غبر كفر أولئك. كان اختلاف الناس في القدر على أن طائفة تقول كل شيء بقضاء وقدر وتقول الطائفة الأخرى كل شيء بقضاء وقدر إلا المعاصي ولم يكن أحد يقول أن الله يعذب الأبناء ليغيط (ليغيظ) الأباء وان الكفر والإيمان مخلوقان في الإنسان مثل العمى والبصر. وكانت طائفة منهم تقول أن الله لا يرى لا تزيد على ذلك فان خافت
أن نظى (يظن) بها التشبيه قالت يرى بلا كيف تعريا من التجسيم والتصوير حتى نبت (نبتت) هذه النابتة وتكلمت هذه الرافضة فقالت جسما وجعلت له صورة وحدا وأكفرت من قال بالرؤية على غير الكيفية. ثم زعم أكثرهم أن كلام الله حسن وبين وحجة وبرهان وان التوراة غير الزبور والزبور غير الإنجيل والإنجيل غير القرآن والبقرة غير آل عمران. وان الله تولى تأليفه وجعله برهانه على صدق رسوله وانه لو شاء أن يزيد فيه زاد ولو شاء أن ينقص منه. ولو شاء تبدله (تبديله) بدله ولو شاء أن ينسخه كله بغيره نسخه. وانه نزله تنزيلا وانه فصله تفصيلا وانه بالله كاف دون غيره ولا يقدر عليه إلا هو. عير أن الله مع ذلك كله لم يخلقه فأعطوا جميع صفات
стр. 4586
الخلق. والعجب أن الخلق عند العرب إنما هو التقدير نفسه فإذا (فلذا) قالوا خلق كذا وكذا. ولذلك قال احسن القائلين وقال يخلقون افكا. وقال وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فقالوا صنعه وجعله وقدره وأنزله وفصله وأحدثه ومنعوا خلقه وليس تأويل خلقه اكثر من قدره ولو قالوا بدل قولهم قدره ولم يخلقه خلقه ولم يقدره ما كانت المسألة عليهم إلا من وجه واحد والعجب أن الذي منعه بزعمه أن يزعم انه بمخلوق انه لم يسمع ذلك من سلفه وهو يعلم انه لم يسمع أيضاً عن سلفه انه ليس مخلوق وليس ذلك بهم. ولكن لما كان الكلام من الله تعالى عندهم على مثل خروج الصوت من الجوف وعلى جهة تقطيع الحروف وأعمال اللسان وللشفتين وان ما كان على هذه الصورة والصفة فليس بكلام ولما كنا عندهم على غير هذه الصفة وكنا لكلامنا غير خالقين وجب أن الله لكلامه غير خالق إذ كنا غير خالقين لكلامنا. فإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا بين كلامنا وكلامه فرقا وان لم يقروا بذلك بألسنتهم فذلك معناهم وقصدهم.
وقد كانت هذه الأمة لا تجاوز معاصيها الإثم والضلال إلا ما جلبت (حكيت) لك عن بني أمية وبني مروان وعمالها ومن لم يدن باكفارهم حتى بحمت (نجمت) النوابت وتابعتها هذه العوام. فصار الغالب على هذا القرن الكفر وهو التشبيه والجبر. فصار كفرهم اعظم من كفر من مضى في الأعمال التي هي الفسق وشركاء من كفر منهم بتوليهم وترك اكفارهم. قال الله تعالى ومن يتولهم منكم فانه منهم. وأرجو أن يكون الله قد أغاث المحقين ورحمهم وقوى ضعفهم وأكثر قلتهم حتى صاروا ولاة امرنا في هذا الدهر الصعب والزمن الفاسد اشد استبصارا في التشبيه من عليتنا واعلم بما يلزم فيه منا واكشف للقناع من رؤسائنا
وصارفوا الناس وقد انتظموا معاني الفساد اجمع وبلغوا غايات البدع ثم قرنوا بذلك العصبية التي هلك بها عالم بعد عالم والحمية التي لا تبقى دينا إلا أفسدته ولا دنيا إلا أهلكتها. وهو ما صارت إليه العجم من مذهب الشعوبية وما قد صار إليه الموالي من الفخر على العجم والعرب. وقد نجمت من الموالي ناجمة ونبتت منهم نابتة تزعم أن المولى بولائه قد صار عربيا لقول النبي عليه
стр. 4587
السلام مولى القوم منهم ولقوله الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب قال (قالوا) فقد علمنا أن العجم حين كان فيهم الملك والنبوة كانوا اشرف من العرب وان الله لما حول ذلك إلى العرب صارت العرب اشرف منهم قالوا فنحن معاشر الموالي تقديمنا (بقديمنا) في العجم اشرف من العرب وبالحديث الذي صار لنا في العرب اشرف من العجم. وللعرب (الحديث دون القديم وللعجم) القديم دون الحديث. ولنا خصلتان جميعا وافرتان فينا. وصاحب الخصلتين افضل من صاحب الخصلة. وقد جعل الله الموالي (المولى) بعد أن كان عجميا عربيا بولائه كما جعل حليف قريش من العرب قرشيا بحلفه وبعد أن جعل اسمعيل بعد أن كان أعجميا عربيا. ولولا قول النبي ﷺ أن إسماعيل كان عربيا ما كان عندنا إلا أعجميا لان الأعجم لا يصير عربيا. كما أن العربي لا يصير أعجميا. فإنما علمنا أن إسماعيل صيره الله تعالى عربيا بعد أن أعجميا بقول النبي ﷺ فكذلك حكم قوله مولى القوم منهم. وقوله الولاء لحمة. قالوا وقد جعل الله إبراهيم ع م أبا لمن لم يلد كما جعله أبا لمن ولد. وجعل أزواج النبي أمهات المؤمنين ولم يلدن منهم أحدا. وجعل الجار والدمن لم يلد في قول غير هذا كثير وقد آتينا عليه في موضعه. وليس ادعى إلى الفساد ولا اجلب للشر من المفاخرة. وليس على ظهرها إلا فجور إلا قليل. وأي شيء اعبظ (أغيظ) من أن يكون عبدك يزعم انه اشرف منك وهو مقر انه صار شريفا بعتقك إياه.
وقد كتبت مد الله في عمرك كتبا في مفاخرة قحطان وفي تفضيل عدنان وفي رد الموالي إلى مكانهم من الفضل والنقص وإلى قدر ما جعل الله تعالى لهم بالعرب من الشرف. وارجوا أن يكون علا بينهم وداعية إلى صلاحهم ومنبهة إلى ما عليهم ولهم. وقد أردت أن أرسل بالجزء الأول إليك ثم رأيت إلا يكون إلا بعد استئذانك واتئمارك والانتهاء في ذلك إلى رغبتك فرأيك فيه موفقا أن شاء وبه الثقة.
تم كتاب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في النابتة والحمد لله أولا وأخرا والصلوة على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين آمين.
стр. 4588
مندلي
١ - تمهيد
كتب أحد الباحثين مقالا عن مدينة مندل يفي لغة العرب (٦٢٠: ٧ إلى ٦٢٦) يفيد الكثيرون ممن يودون الاطلاع على أنباء الديار العراقية، وقد استحسنت أن اذكر هنا ما لم يتعرض له حضرة الكاتب واصلح الأوهام الواردة في مقاله.
٢ - شيء من أخبارها المهمة
البندنيجين مشهورة بكثرة الفواكه وجودة النخيل واهم ما يصنع فيها البسط (الكليم) والاحرامات (الجاجيم) والاعبئة والمناديل. ويعتني فيها بتربية دود القز. وفيها نوع من العقارب القتالة تسمى (الجرار) وكثيرا ما يودي هذا الحيوان بحياة كثير من الأطفال الذين لم يتمكنوا من مقاومة سمها.
٣ - مندلي في التاريخ
تقع هذه المدينة على مقربة من النهروان (المحل الذي حدثت فيه فتنة الخوارج) اسمها القديم البندنيجين، وقد ورد هذا الاسم في كتب الأقدمين. وبمرور الأيام تعددت أسماؤها فصار لها خمسة أسماء: (البندنيجين، البندنيج، مندليجين، مندليج، مندلي). والأسماء الأربعة الأخرى مصحفة أو منقولة عن الاسم القديم (البندنيجين). واسمها المشهور اليوم هو مندلي.
٤ - احتلال أمير قشعم لمندلي
مما يستوجب الذكر أن مانعا أمير قشعم احتل في عام ١١٠٨هـ - ١٦٩٦م البندنيجين. وقد دام احتلاله إلى سنة ١١١٢هـ حيث سار إليه (دالدبان مصطفى باشا) بجيش كثيف فاخمد نار الفتنة. ولعل هذه الواقعة أهم ما جرى على هذه المدينة بعد ثورة الخوارج.
٥ - أوقاف مرجان في البندنيجين
كان مرجان بن عبد الله المتوفى سنة ٧٧٥هـ - ١٣٧٤م باني جامع مرجان
стр. 4589
(في بغداد) قد
وقف بساتين في البندنيجين على مدرسته التي شيدها في بغداد ولا نعلم ما آل إليه أمر تلك البساتين.
٦ - بعض مبانيها التي لم يذكرها الأديب
من مبانيها: تكية الشيخ موسى أو مدفنه. وتكية الشيخ شعبان الرفاعي.
٧ - علماؤها
أنجبت هذه المدينة جماعة من الفضلاء منهم الشيخ موسى البندنيجي السيد شهاب الدين محمود الحسيني الالوسي المتوفى سنة ١٢٧٠هـ - ١٨٥٤م وله آثار لم تزل مخطوطة منها كتاب (ترجمة الأولياء). ولهذا لشيخ منزلة جليلة في قلوب سكنة مندلي وما والاها لعلمه وزهده ولذلك أصبح قبره الواقع في التكية التي شادها في مندلي مزارا يزوره الخاص والعام. ومنهم (حفيد الشيخ موسى) الحقوقي الفاضل معاصرنا السيد محمد توفيق البندنيجي وهو ابن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى المذكور. وممن انتسب إلى هذه المدينة الشيخ عيسى صفاء الدين ابن الشيخ عبد الله وهو العالم المتصوف الذي نشأ ببغداد واخذ العلوم عن بعض فضلائها. ومن تلامذته السيد عبد الباقي الالوسي المتوفى سنة ١٢٩٨هـ - ١٨٨١م. توفي الشيخ عيسى عام ١٢٨٣هـ - ١٨٦٧م.
ومن المنتسبي إلى (البندنيجين) الحسين بن عبيد الله البندنيجي الفقيه المتوفى عام ٤٢٥هـ - ١٠٣٤م صاحب كتاب (الجامع) وكتاب (الذخيرة) في الفقه.
٨ - إصلاح الأوهام الواردة في المقال
في صفحة ٦٢٥ س ٢٠ رستم زاد والصواب رستم زال وفي س ٢١ الونكوهي والصواب الوندكوهي انتسابا إلى جبل آلوند في إيران وفي س ٢٣ فلامرزو والصواب فرامرز وفي س ٢٥: والذين لهم اطلاع تام على الفارسية يقولون أن لهؤلاء الأبطال كتبا مطبوعة بالفارسية. قلنا: أن الكتب المذكورة ليست من وضع أنفسهم وإنما هي لغيرهم ذكر أصحابها سيرة الأبطال المشار إليهم. ثم أن هذه الكتب لا تذكر سيرتهم عن حقيقة وإنما تذكرها بصورة رواية موضوعة كما يفعله أبناء العصر. وفي ص ٦٢٦ س ١: ويسمون الكتب التي فيها تواريخ الأبطال شاهنامه (والفصحاء يكتبون شاه نامه) قلنا: لم يسم كتاب (عدا
كتاب الفردوسي الشاعر) بالشاه نامه.
محمد مهدي العلوي
стр. 4590
لواء الكوت
١ - بناؤها
أنشئت الكوت عام ١٢٢٧هـ (١٨١٢م) بطلب من الحكومة العثمانية أنشأها رجل اسمه سبع بن خميس رئيس تلك الأطراف من مياح بطن من ربيعة وكانت قبل ذلك غابات ولا تزال تسمى الكوت تسمى بكوت يبع نسبة إلى مؤسسها. فلما جاء مدحت باشا عام ١٢٨٦هـ ١٨٦٩م ونظم النظم الإدارية جعل الكوت قضاء ملحقا بلواء العمارة ولما كان في العراق اكوات كثيرة خصصت هذه بالعمارة تمييزا لها عن غيرها.
(لغة العرب) نحن لا نصدق هذه الرواية لأنه ورد في كتاب إفرنجي اسمه (رحلة من ساحل ملبار إلى القسطنطينية) لصاحبها وليم هود الإنكليزي ٩٣. في ص٩٣ ما هذا معناه: حين صعودنا دجلة في ٢٢ كانون الثاني (يناير) (سنة ١٨١٧م) بدأنا نرى ديارا أنزه من سائر البلاد التي هبطنا إليها إلى الآن واكثر زراعة منها فكان ذلك إشارة إلى إننا ندنو من مدينة فلما وصلنا إلى الكوت ذهب دليلي إلى البر ليبحث عن حصن يكريها لأنها ضرورية لنا لإتمام طريقنا فذهبنا إلى دار المكس فاستقبلنا فيها ضباط الترك بكل أدب وكانوا في أمر المتسلم وهم في هذه الدار لجباية الضرائب على البضائع وأطلنا إقامتنا في هذه المدينة إلى ٢٤ ك٢. . . إلى آخر ما قال وهذا كلام يدل على أن هناك كانت مدينة في سنة ١٨١٧ وفيها دار مكس وضباط ومتسلم وهذا لا يتم في خمس سنوات إذا كانت المدينة أنشئت في سنة ١٨١٢. انتهى.
٢ - شهرتها
لما اندلعت السنة نيران الحرب الكبرى عام ١٩١٤م رأى الحلفاء أن يقطعوا على تركية طريق إحراجها موقفهم بتعكيرها صفو الأمن في خليج فارس وخلق الاضطرابات في الهند فزحفت ثلة من الجنود الهندية إلى العراق وكانت هذه
следующие страницы →