Полный текст (6 158 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
لأنه جمع يتيم وقد حذف منه المضاف كأنهم قالوا دار ميتمة) ودير للكرمليات وليس للكرملين هناك دير ولا نعلم كيف وهم صديقنا العزيز هذا الوهم اللهم إلا أن يقال أنه نقل جميع المفردات والعبارات عن تصنيف فرنسي العبارة وكان يسرع في النقل عنه ولم يتسع له الوقت ليتحقق ما يقابلها في العربية فكتب ما كتب مع اللفظة الفرنسية الدالة على الكرمليات هي والدالة على الكرمليين هي وليس لنا هناك مدرسة اكليركية إنما هي مدرسة لأباء بيثأرام وفي قوله (سانت آنج) دليل على أنه ينقل من كتاب فرنسي العبارة وإلا كان حقه أن يقول. (سان انجلو) لأن اسم القصر إيطالي ويحسن بالناقل أن يوافينا بالأعلام ما ينطق بها أهلها. وليس هناك مجمع من المجامع فكيف يكون مجمع الأب بيلوني. والصواب جمعية الأب بلوني (بلا ياء بعد الباء) وأحسن منها (جمعية السالسيين) التي تضم في أخطاءها أبناء جمعية الأب بلوني التي اضمحلت.
(لها تلو)
الأغاني
(الجزء الأول)
(لغة العرب) كنا قد انتقدنا انتقاداً عجلاً الجزء الأول من هذا السفر الجليل الذي هو فخر العرب والعربية (راجع ٦: ٧٧) ولما كان قد فاتنا شيء كثير يحتاج إلى التصريح به كتب لنا حضرة الأستاذ النقادة مصطفى أفندي جواد ما عن له في هذا الباب وها نحن أولاء ندرجه بحرفه مع الشكر الصادق له:
كتبنا عن جزئي الأغاني الثاني والثالث ما القراء به عالمون. والآن نعرض الجزء الأول مبدين فيه آرائنا شاكرين لدار الكتب ما خلدته مع الخوالد وما خلفته من المكارم ودونكم يا أيها القراء ما رأينا:
١ - ورد في ص٤ من التصدير (وهذا كتابه الذي بعث به إلى مدير الدار في هذا الشأن ناطق بذلك) ولا وجه لرفع (ناطق) بعد استيفاء المبتدأ خبر فالصواب (ناطقاً) بالنصب على الحالية وهو على غرار قوله تعالى (وهذا بعلي شيخاً)
стр. 4622
٢ - وورد فيها (ولهذا توافرت رغبة حضرة. . .) وفي ص٥٢ من التصدير أيضاً (لا يخطئ في قراءته من توافر له حظ قليل) قلت أن التوافر يدل على الكثرة. قال الجوهري في مختار الصحاح (وهم متوافرون: أي هم كثير) فلا محل إذن لاستعمال (توافر) هاهنا فالصواب (رغب حضرة. . . في) و (من كان له حظ قليل) أفلم يروا إلى ص٧ من هذا الجزء عينه وفيها (أمر المغنين وهم يومئذ متوافرون)؟
٣ - وفيها (وأدخل فيه من التحسينات زيادة من عن الطبعتين) والأفصح زاد عليه لا عنه فليراجعوا كليات أبي البقاء من فصل الزاي في ص٢ ولينظروا إلى ص٢١ من التصدير ففيه (فقلت: الطلاق لازم للأصفهاني أن زاد على هذا)
٤ - وورد في ص٥ من التصدير (إنما يفهمون من قولك: فلان عرضة للأمراض، أن تغلب عليه بسهولة والحقيقة عكس ذلك) قلت: أن هذه الحقيقة خلاف الصواب ففي مختار الصحاح (وفلان عرضة للناس أي لا يزالون يقعون فيه وجعلت فلاناً عرضة لكذا أي نصبته له. وقوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أي نصباً) فالمراد بالنصب هاهنا: الغرض. ولينظر إلى ص٤٢٤ من الجزء الثاني من الأغاني ففيه قول (ابن عبدل):
. . . بحمد الله ماض مجرب ... وأم رياح عرضة لنكاحي
ويظهر لنا معناها من قول محمد بن سهل بعد هذا البيت (فتحاماها الناس فما تزوجت حتى أسنت) قلت ذلك فضلاً عن أن القياس يدل على أن (عرضة) بمعنى (معروض) مثل ضحكة (بضم فسكون) بمعنى مضحوك منه ولو كان (عرضة) بضم ففتح لجاز أن يكون بمعنى (عارض) نحو (ضحكة) وهمزة ولمزة ووكلة وتكلة)
٥ - وورد في ص٦ من التصدير (فأن أحاديثه شيقة) والمشهور أن الشيق هو المشتاق كالقيم بمعنى المستقيم والصيب بمعنى المصيب على وجه فلا محل له هنا والصواب (مؤنسة أو مستحسنة أو شائقة) ففي ص٢ من هذا الجزء قصة تستفاد وحديثاً يستحسن).
٦ - وجاء في ص٥١ من التصدير أيضاً (بين الجملتين التي يكاد ينقطع المعنى
стр. 4623
بينهما) والصواب (الجملتين اللتين) لأن اللتين صفة للجملتين حقيقية فيجب موافقتها للموصوف في التثنية.
٧ - وذكر في ص٥٢ منه (ليس في مكنة كثير من الناس فهمه أو أدرا كنهه) والفصيح
(ولا إدراك. . .) لأن الواو تجمع نفي الجملتين بخلا (أو) وفي ص٩ من هذا الجزء (وأن الأخرى ليست منها ولا قريبة منها) فما دليل يؤيد ما قلناه. وحلول (أو) مكان الواو ضرورة عند الجمع المطلق.
٨ - وجاء في ص١ من هذا الجزء (ولم يستوعب كل ما غني به في الكتاب ولا أتى بجميعه) فعلقوا به
(الكثير في - لا - النافية التي تدخل الماضي أن تتكرر أو يقصد به الدعاء ومن غير الكثير قوله تعالى (فلا أقتحم العقبة. . . وعبارة المؤلف هنا من هذا القبيل) قلنا لا داعي إلى هذا التعليق وليست عبارة المؤلف من ذلك الاستعمال لأن - لا - التي يكثر تكريرها الماضي الواقعة في أول الجملة لا في منتهاها كقوله تعالى في سورة القيامة (فلا صدق ولا صلى) وقد استعملها المؤلف في آخر الجملة فلا تناسب ذلك التعليق ولها هنا ثلاثة أوجه هي (لم يستوعب. . . ولا أتى) و (استوعب. . . ولا أتى) و (لم يستوعب. . . ولا أتى) وهذا أسلوب العرب.
٩ - وورد في ص١١ (البلاط) اسم موضع ولم يفسروه إلا في ص٧ وهذا من مصعبات استفادة الفوائد على القراء ومخالف لفن الشرح.
١٠ - وذكر في ص١٥ (أرقعها بسبت وأخصفها بهلب) وفي ص٤٢ ومن جمهرة أشعار العرب من طبعة الاتحاد المصري (أرقعها بسبت واخصفها بعلب قال أبو زيد القرشي (والعلب: السير الذي لم يجد دبغه) وفي هذه الصفحة من الأغاني (أني أتيتك مستحملاً ولم آتيك مستوصفاً) وفي تلك الصفحة، الجمهرة (جئتك مستعطياً لا مستوصفاً)
له بقية
مصطفى جواد
стр. 4624
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - الوزارة السويدية
صرح جلالة ملكنا المعظم بإرادته المطاعة لإنشاء وزارة بعد الوزارة السعدونية المنحلة بوفاة وزيرها الأكبر فتليت في مجلس الأعيان في ٢١ت٢ (نوفمبر) من سنة ١٩٢٩ معلنة فخامة ناجي باشا السويدي رئيساً للوزراء ثم لما عرض على سعادة الباشا زملاءه على جلالتة صدرت إرادة ثانية مثبتة إياهم وهم:
ناجي السويدي لوزارة الخارجية
ناجي شوكت - الداخلية
ياسين الهاشمي - المالية
عبد العزيز القصاب - العدلية
نوري السعيد - الدفاع
محمد أمين زكي - المواصلات والأشغال
خالد سليمان - الري والزراعة
عبد الحسين الجلبي - المعارف
٢ - السر فرنسيس المعتمد السامي في العراق
جاء المعتمد السامي الجديد راكباً الطيارة مع قرينته وابنته في الساعة الثالثة بعد الظهر ١٠ك١ (ديسمبر) سنة ١٩٢٩ فرحب به الناس على اختلاف طبقاتهم.
٣ - خطرات الرصافي
نشر الأستاذ الرصافي في العدد التاسع من جريدة (البلاد) البغدادية مقالة سماها خطرات وجعلها في أربع نبذ:
عنوان الأول: لو كنت مصوراً والثانية عيسى المسيح والنبي العربي. والثالثة ماء الشعير. والرابعة كتاب القبض فساءت جميع المسلمين وأقامتهم وأقعدتهم ونشر بعضهم ردوداً في صحف الحاضرة استنكاراً لما أدرجه الأستاذ معروف وعطلت إدارة المطبوعات جريدة
البلاد أسبوعين بسببها.
وحاكمت الحكومة مديرها المسؤول فحكمت عليه بأداء خمسمائة ربية جزاء له على إدراج تلك المقالة.
٤ - كتاب السعدون إلى جلالة الملك
ذكرت جريدة (نداء الشعب) البغدادية عن جريدة (القبس) الدمشقية
стр. 4625
أن المرحوم عبد المحسن بك السعدون ترك كتاباً مفصلاً في ست صفحات بين فيه أسباب انتحاره ولم يقف على هذا الكتاب أحد ما عدا جلالته ويقال أن الأندية المطلعة تؤيد أقوال جريدة القبس.
٥ - عرض الكشافة السنوي
جرى في ١٢ك١ (ديسمبر) سنة ١٩٢٩ في ميدان الصولجان (ساحة البولو) في الحاضرة عرض الكشافة السنوي للمدارس الأميرية بحضور صاحب الجلالة الملك فيصل المحبوب والملك علي أخيه العزيز. وكان هناك جم غفير من المدعوين من وطنيين وأجانب فدل ذلك العرض على أبناء العراق من أنشط الأمم في حومة القراع العصري إذا ما دربوا تدريباً حسناً على الأصول المرعية في هذا العهد الجديد.
٦ - عطف الحكومة على أسرة المرحوم عبد المحسن
السعدون
قررت الحكومة أن تقدم إلى أسرة المرحوم راتباً دارا قدره ألف ومائتا ألف ربية في الشهر وتقديم (٥٠ ألف ربية) لاقتناء دار للسكنى. والقيام بنفقات علي بك السعدون الذي يدرس في مدرسة برمنكهام في إنكلترا.
٧ - شارع السعدون
قرر المجلس البلدي في بغداد تسمية شارع البتاوين الواقع فيه دار المرحوم عبد المحسن بك السعدون باسمه تخليداً لذكراه ويمتد هذا الشارع من الباب الشرقي حتى الكرادة الشرقية
٨ - مائتا ساعة مطر في الموصل
احتجبت أشعة الشمس عن الموصل مدة أسبوع كامل وبدأ تهطال الأمطار الغزيرة منذ ٢٥
نوفمبر سنة ١٩٢٩ إلى ما بعده مدة (٢٠٠) ساعة
٩ - معلم - مدرس - أستاذ
وزعت مديرية المعارف العامة العراقية على جميع المدارس الأميرية بلاغاً رسمياً قالت فيه أنها ستنطلق على الشخص المتخرج في المدارس الابتدائية كلمة معلم والمتخرج في المدارس الثانوية كلمة مدرس، والمتخرج في المدارس العالية كلمة أستاذ. ونحن نستحسن هذه الألقاب.
١٠ - قدم حضارة أرجاء الفرات
نشر المستر وولي الأثري الإنكليزي، الذي أدرجناه له عدة مقالات في هذه المجلة وهو المشتغل بحفريات أور مقالة في الجورنال الباريسية وصف فيها بعض ما كشفه فيها من القبور الملكية وبحث عن خطورة المكشوفات بالنظر إلى ما يعرفه
стр. 4626
العلماء عن أقدم المدنيات قال:
نجحنا في السنة الأخيرة نجاحاً باهراً في حفريات أور إذ قد كشفنا خمسة قبور ملكية هي نوعاً ما أقدم من التاريخ المعروف ولا شك أن أربعة منها قبور ملوك أو ملكات أما الخامس فقد يكون قبر أمير لم يصل إلى العرش على أنها كلها تختلف عن قبور الموتى من عامة الناس.
في داخل كل قبر غرفة أو غرفتان أو ثلاث والجدران مبنية بحجارة كلسية أو أجر ووجود الحجارة في القبور في حد ذاتها دليل على الثروة لأن أورا واقعة في واد تربه جرتها المياه إليه لا يستطيع المرء أن يجد فيه حصاة صغيرة وأقرب مقلع للحجارة يبعد مائة ميل على أقل تقدير.
والأغرب في ذلك طرز بناء تلك القبور فأن أثنين منها معقود سقفاهما بالحجارة وفي القبور الأخرى أقواس متخذة من الأجر هي أقدم ما يعرف من نوعها. نعم أنه لأمر عجيب أن يكون أولئك البناة الأقدمين قد عرفوا بناء الأعمدة والأقواس ومارسوها في ذلك العصر المتطاول في القدم على أننا رأينا العالم الغربي لم يتجل له سرها إلا بعد قرون عديدة.
وظهر في هذه القبور أثار تقديم الضحايا البشرية ولم يكن قد كشف حتى الآن ما يدل على
اتخاذ هذه الذبائح في العراق وليس في رقم الشمريين - أو البابليين ما يشير إليها ولكن ظهر من المكشوفات أن مناحة الملك كان يسبقها ذبح ستين أو أكثر من الخدم والحاشية في البلاط. وفي آخر القبر بقايا سيدات عصبت رؤوسهن بضفائر من ذهب ووضعت عليهن تيجان من النضار وفي آذانهن أقراط ذهبية وبالقرب من الباب أضجع جنود الحرس وعلى رؤوسهم الخوذ النحاسية وفي أيديهم الرماح.
وبعض الأصقال (هياكل العظام) سبوثة على أرض القبر بل يرى ثم عظام ثيران العجلان والساقة على مقاعد الثيران الستة مشدودة إلى عريش العجلة ورؤوسها وأكفالها مزينة بالفضة والحجارة الكريمة.
وإلى جانب الملكة (شوب أب) جثث وصائف الشرف في صفين وضارب العود وذراعاه تطوقان آلة طرب وهي آلة عجيبة موشاة بالذهب ومزينة برأس عجل من ذهب صنع جسمه من الحجارة الكريمة.
أما مركبة الملكة فهي مركبة خفيفة
стр. 4627
ضاربة إلى الربدة (اللون الرمادي) وقد زينت برؤوس السود والثيران والفهود المصوغة من الفضة والذهب.
ويجر المركبة أتن وفي جنب جثث الأتن عظام الخدام الصغار الذين كانوا يسوقونها.
ومما لو حظ أن لا شيء في القبور العادية من الضحايا البشرية ولا من أثارها حتى ليس هناك رمز مصنوع يرمز إلى الذبيحة الحقيقية ولا شيء يشبه الظلوم (الصور الجدارية) كما هو الحال في مصر إذ ترى التماثيل الخشبية تمثل الذبائح في أيام ملوك الدول الأولى.
من هذا يظهر أن في ديار شمر لم تعم عادة اتخاذ الذبائح البشرية بل كانت امتيازا خاصاً بالملوك للدلالة على أنهم يختلفون عن سائر مألوف الناس وبعد ذلك العصر أي في الألف الثالث قبل المسيح أخذت السوقة تستخف بالملوك من شمر وأكد ويزدرون ما بعد الموت بل اخذ اعتبارهم يقل شيئاً فشيئاً في أمورهم حتى في حياتهم أيضاً. ولعل الملوك قديماً كانوا يعدون كالآلهة وكان يجب على الناس أن يمجدوهم بسفك دماء أبناء جنسهم.
وجدت ثلاثة من هذه القبور منهوبة على أن اللصوص لم يأخذوا كل ما فيها إذ وجد بعض الكنوز الأثرية وخباء مناحة الملكة (شوب آب) لم يصب بأذى - وجدت الملكة مسجاة في نعش وعليها حلة مغطاة بالحجارة الثمينة والذهب وقد عصب رأسها بالعصائب والتيجان
والأزهار والحلي الذهبية التي تشبه الأمشاط الأسبانية وإلى جانبها الواحد تاج منقوش عليه صور صغيرة جميلة هي صور حيوانات وأزهار وأثمار وإلى جانبها الآخر هدايا لا تعد بينها آنية ذهبية ورأس عجل دقيق الصنع.
ومجموع هذه النفائس العادية لا يثمن ويملأ متحفه وهي ليست بنماذج فن في عصر لم نكن نعرف أفكارنا وآراءنا في قضية نشأة الحضارة ونمو المدينة تصحيحاً جوهرياً.
أن قبور أور هي أقدم من قبور أول ملوك مصر المتحدة بلا شك ونحن نعلم أن مدينة مصر حين كانت حضارة الشمريين حضارة قديمة العهد وكل من رأى مكشوفات أور لا يستطيع أن يحسبها مصوغة في بداءة عهدها فنستنتج
стр. 4628
من هذا أو وادي الفرات سبق وادي النيل في الحضارة وهو بث النور في العالم المعروف في عهده فكانت مصر أول من أقتبس منه أنوار الحضارة في الشرق وقد تلقتها منه مباشرة أو اعتنافاً.
١١ - قاصد الجزيرة وكردستان وأرمينية
عين الكرسي الرسولي الأب أنطونين درابية من الأخوة الواعظين قاصداً رسولياً للجزيرة وكردستان وأرمينية الصغرى، خلفا للمرحوم السيد فرنسيس دمنك بيرة، وفي الوقت عينه سقف على رئاسة أسقفية نيكسار (المسماة عند الإفرنج نيو سيزرة أي قيصرية الحديثة) وفي يوم الأحد ٢٢ ك ١ (دبسنبر) منه سنة ١٩٢٩، وسم سمة الأسقفية وكان واسمه السيد فرنسيس داود الكلداني مطران العمادية وآزره في الأمر سيادة المطران دلال السرياني والمطران نسيميان الأرمني الكاثوليكي فنهنئ سيادة الحبر الجديد بمنصبه الجليل ونتوقع أن تقوم على يده عدة أمور تحتاج إلى الإصلاح.
١٢ - والد وحش يقتل طفلته
حدث نزاع في بيت سليمان بن رشيد من محلة الشيخ فتحي في الموصل وبين زوجته شكرية بنت محمود أدى إلى مشاجرة فظيعة حملت الزوج الوحش سليمان بن رشيد على أن يطلق عياراً نارياً من مسدسه على طفلته البالغة من العمر ٢٨ يوماً فأرداها جثة هامدة بعد أن دخلت الرصاصة في فم الطفلة وخرجت من رأسها. وقد هرع رجال الشرطة إلى محل الجناية وقبضوا على هذا الوالد الوحش وسلموه إلى العدالة.
١٣ - دفنة غريبة
كان في صباح ١٦ كانون الأول (ديسنبر) سنة ١٩٢٩ خمسة أناس في المستشفى الملكي في بغداد. وكان بين الموتى ثلاثة رجال مسلمين ونصرانية ويهودية فلما حان الدفن جاء أقرباء اليهودية (من بيت عزرا نيسان) وأخذوها وكفنوها وطيبوها على عادة اليهود ودفنوها في مقبرتهم. ولما جاء أصحاب المرأة النصرانية (وهي فهيمة امرأة يوسف رومانس) من طائفة الكلدان لاحظوا أنها ليست بها. ولما بحثوا عن الأمر بحثاً نعما تحققوا أن اليهود أخذوها خطأ ودفنوها على سنتهم فاضطر أصحاب النصرانية إلى أن نبشها من قبرها بعد محاورات ومجادلات طويلة ورفض اليهود تسليمها وفي الأخر خرجت النصرانية من مدفنها ثم نقلت إلى كنيسة الكلدان صلي عليها بعد أن كفنت على السنن النصرانية. وهذا أول حادث سمعنا به من هذا القبيل.
стр. 4629
العدد ٧٧ - بتاريخ: ٠١ - ٠٢ - ١٩٣٠
خزائن بسمى القديمة
١ - محتويات الخزانة
كان في القطر العراقي خزائن عديدة لقدماء البابليين والآشوريين مطمورة في قلب الأرض، وقد كشف عنها أهل الحزم والعزم من ديار أوربة واميركة فسجلوا لهم ولبلادهم بذلك مكرمة، ومفخرة سامية، يتناقلها الخلف مدى الأجيال والدهور المقبلة.
كانت تلك الخزائن تشمل على مئات الألوف من صفائح الأجر، المكتوب فيها تاريخ العراق القديم وقد طالع الأثريون نحو مليون صفيحة فوقفوا فيها على آداب الشمريين والبابليين والآشوريين وغيرهم من شعوب بين النهرين العريقة في القديم، فسجلات حكوماتهم ورسائل كتابهم وصلوات أتقيائهم وأدعية وأناشد متعبديهم وزهادهم ووثائق تجارهم وأغنيائهم وخرافات واعتقادات عوامهم وعرافة كهنتهم وعلاجات أطبائهم دونت كلها في مؤلفات ونشرت في أطراف المعمورة. فأخذ القراء يطالعونها كما يطالعون سائر الأسفار على اختلاف الموضوعات.
وقد ذهب الأثريين إلى أن في المتحفة البريطانية اليوم نحو مائة متر
стр. 4630
مكعب من صفائح الأجر تقدر بخمسمائة مجلد وفي كل مجلد خمسمائة صفحة كبيرة فيكون مجموع صفحات هذه المؤلفات ٢٥٠. ٠٠٠ صفحة تؤلف خزانة برمتها فيستطيع الكاتب الملم بلغة تلك المصنفات أن يؤلف كتباً نفسية تمثل حياة البابليين وعلومهم وفنونهم وصناعتهم ولنذكر لذلك مثالاً مما قام به الأستاذ طمسن:
اشتهر قدماء الآشوريين شهرة واسعة في الكيمياء وقد برعوا في تركيب الزجاج وتلوين ومنه الزجاج الأحمر الياقوتي يدخله قليل من الذهب ليكون فيه هذا اللون ويدخله أيضاً (الأثمد) واسم (الأثمد) في اللسان الآشوري (أبار) (وزان سحاب) فنقله قدماء العرب باسم (أبار) (كشداد) عن الفرس والفرس عن الآشوريين وخص بعضهم الآبار بالرصاص الأسود وآخرون بالقصدير ومنهم من ارتأى غير ذلك من الأسماء فاكتفينا بهذه الإشارة.
ووضع مؤخراً الدكتور كمبل طمس كتاباً في كيمياء قدماء الآشوريين وصفة الأستاذ هلمبرد الكيماوي في مجلة (نيتشر) فقال أنه مبني على ما أكتشف من آثار الآشوريين في الخزانة
الملكية الآشورية في نينوى فأن فيها وصفاً دقيقاً لعمل أنواع كثيرة من الزجاج وتلوينه يمتد تأريخه إلى القرن السابع قبل الميلاد وبعد أن جاء على ذكر طائفة من المفردات الآشورية التي تقابل في لفظها ومعناها الألفاظ العربية قال واغرب من ذلك كله أن كلمة (كبلتو) الآشورية تقابل كلمة (كوبلت) العنصر الذي عرف حديثاً وقد حللت أنواع الزجاج التي وجدت في خرائب أشور فوجد في الزجاج الأبيض حاذي (أكسيد) القصدير وفي الأزرق نحاس وفي الأحمر الحاذي (الأكسيد) وفي الأصفر أثمداة (انتيموناة) الرصاص ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول:
عثر المنقبون على بضع خزائن في أمهات مدن العراق القديمة فاستخرجوا من مدافنها عاديات وأساطين ومسلات وألواحا حجرية وصفائح أجر منقوش عليها أنباء الأقدمين وأساليب عيشهم تعادل زنتها ذهباً بل تفوقها في نظر أرباب التحقيق والتدقيق ومنها خزانة أشور بنيبل في نينوى الحافلة بأصناف الأسفار الثمينة التي اشتملت على مائة ألف صحيفة أجراً مرسوم عليها تاريخ
стр. 4631
قدماء العراقيين وقد عثر هرمزد رسام الموصلي المولد والمنشأ في أطلال (أبو حبة) (سبر) عام ١٨٨١ على نحو ٦٠. ٠٠٠ لوح وحفر أعراب البادية في خرائب تلو (أي لجش) وهي شربرلا القديمة فوجدوا صفائح أجر كثيرة جداً بحيث أخذ يبيع الحفارون ملء قارب من العاديات بخمسة قروش صحيحة وبهذه المناسبة أطلق على أنقاض الخرائب تل اللوح أي تل الصفائح وقد قدر عدد تلك العاديات الأستاذ بارفت بثلاثين ألف أجرة وفي نفر وجد المنقبون (بضع آلاف) لوح. وخلاصة القول أن الأثريين عثروا في العراق على مقادير جسيمة من الآثار ما يشيد مدينة بدورها وحوانيتها وعرصاتها ومعابدها ومعاهدها وشوارعها في كل من أشور وبابل.
لم يتوقع النقابون في بسمى أن يعثروا على خزانة تضاهي خزائن المدن الأخرى العظيمة في بادئ الأمر بيد أن الفعلة حينما كانوا مجدين في النبش عثروا على عاديات في هليز قائم في الرابية الرابعة وراء القصر فاستبشروا خيراً وضاعفوا جهودهم فتمكنوا من التقاط خمسين عادية من تلك الأنقاض وبينها وجدت أصغر عادية عثر عليها المنقبون في أطلال بسمى وكان حجمها مربعاً وهي أقل من نصف قيراط ومن العادات ما كان محطماً وعلى إحداها أسم الملك مطبوعاً وبينها وجد كتف تمثال صغير مصنوع من الهيصمي والحفر
عليها طامس ولم يظهر منه سوى أثر طابع يتضمن أسم لوجال وهو أحد حكام أدب.
وفي اليوم الثالث وجد النقابون ١٥٠ عادية أيضاً وفي اليوم الرابع ثلاثمائة وفي اليوم الخامس خمسمائة وخمساً وعشرين عادية وهو أكبر عدد وجد في نهار وأحد فيكون مرتفع ما اجتمع في خمسة أيام ١١٧٥ وكان بدء اكتشاف هذه العاديات في الرابع والعشرين من شهر نيسان عام ١٩٠٤ واستمرت أوقات العثور عليها حتى الثامن والعشرين منه.
٢ - نظام الخزانة
كانت هذه العاديات جميعها مكدسة في أرض غرفة واسعة تحت عمق مترين
стр. 4632
من التراب وقد بحث النقاب الأميركي ليعثر على رفوف هذه الخزانة فلم يفز بطائل لأن العاديات كانت مدفونة بصورة ركام ولا أثر للعناية بتنسيقها أو تبويب محتوياتها فكانت العادية الكبيرة بجنب الصغيرة. بينها المستديرة الشكل والمربعتة والمسنمة والقائمة الزوايا وبعضها رقيقة وغيرها ثخينة ومنها محكمة الصب وأخرى غير متقنة الصنع ومنها مشوية وأغلبها غير مشوية قصمة وقد أسفرت تنقيبات المنقبين عن كشف ٢٥٠٠ عادية ومعظمها مثلم الأطراف ومشطور شطرين وقد وجدت خمسمائة عادية سالمة من العطب صحيحة الكتابة وبعد أن جمعت وأزيح عنها ما علق بها من الغبار المتلبد وقرء ما فيها فإذا هي صكوك وعقود ووصولات وسندات تنبئ عن بيع حبوب وحيوانات داجنة وصوف وغير ذلك وبينها رسائل ولا أثر للقيود التاريخية ولا للترانيم والمزامير والقصص والأمثال كما كشف منها في خزانة نينوى ومما يؤسف منه أنه سطا على خزانة مدينة أدب من انتزع منها آثار مخطوطاتها الحجرية الثمينة وترك تلك التي عثر عليها لقلة أهميتها في عالم العلم والتاريخ وقد جاهر بعض المنقبين من الفعلة أنهم سمعوا من شيوخ البادية أن هذه البقعة قد نقب فيها أحد النصارى قبل الإسلام وهذا ما أعاد إلى ذاكرة النقاب الأميركي حكاية أشور بنيبل وصورة جمعه آثار العراق وتأسيس خزانة نينوى العظيمة فقد ورد في إحدى صفائح الأجر أنه أرسل طائفة من عماله إلى بلاد بابل كلها ليبحثوا في مدنها العامرة والغامرة ويجمعوا ويستنسخوا ألواحها الحجرية وذلك منذ ٦٦٨ ق. م.
عثر المنقبون في القصر في القصر الواقع في الرابية الرابعة والقصر قائم بالقرب من موضع الخزانة على أجر مربع الشكل في الزاوية الغريبة من ذلك المحل بيد أن القسم
الأعظم من الأجر كان مشيداً في صدر البناء وقد سقط مقدم الجدار ووجدت أجرتان منها منقوشاً عليهما أسم الملك جميل سن فان هيئة الأجر وعمر البناء وصورة الكتابة تدل على عصر ذلك الملك ويذهب بعض الأثريين إلى أن جميل سن ملك أور لم يقطن هذا لقصر، بل سكنه فريق من عماله. فقد وجد خانمان بين الأجر محفور فيهما أسماء حكام المدينة الذين اشتهروا في ذلك العهد القديم باسم (فاتيشي) وكانوا كهنة وحكاماً معاً وقد قطنوا هذه المدينة.
стр. 4633
٣ - عهد مدونات تلك الخزانة
لم تكن صفائح الأجر جميعها من عهد الملك جميل سن بل كان كثير منها أقدم من عصره فقد وجد ثلاثة طوابع حجرية محفورة عليها أسم نرم سن أي سنة ٢٧٠٠ق. م وقد عثر المنقبون على ثلاث شظيات كبيرة من الأجر من عهد قديم جداً وإحدى تلك الشظيات وجدت تحت الأرض في غور نحو مترين ونصف متر بالقرب من الزاوية الغربية من الغرفة وكان طولها ثلاثة عشر سنتيمترا وعرضها عشرة سنتيمترات وثخنها ستة سنتيمترات ولم تكن هذه الشظية سوى ربع الأجرة قبل انحطامها وكانت مكتوبة من كلا طرفيها والكتابة طويلة تتضمن ستة حقول أي أعمدة وكانت الحقول مقسمة في مربعات، ويحتوي كل مربع على كلمة واحدة أو مبدأ مادة. وكانت صور تلك الكتابة على جانب عظيم من الأهمية. لأن حروفها كانت غريبة لعلماء الآشورية وسببت مشاكل عديدة لحل رموزها تلك الرموز التي تشبه الطلاسم عند من لا يعرف شيئاً من إسرار تلك اللغة القديمة.
ووجد أحد الفعلة في أساس الجدار القائم في الجنوب الشرقي من الغرفة قطعة أجرة أخرى ذات لون أسمر وكان طولها تسعة عشر سنتيمتراً في عرض ثلاثة عشر وثخنها ستة سنتيمترات وكان طول هذه الأجرة قبل أن تتحطم ثلاثين سنتيمترات في عرض عشرين وكان مسطوراً على وجهها سبعة حقول وعلى قفاها حقلان وهذه مقسمة إلى مربعات وصورة حروف كتابتها تشابه تلك التي تقدمتها والقطعة الثالثة كانت أصغر من القطعتين المذكورتين وتشمل على حروف قليلة.
وقد عثر النقابون في هذه الغرفة أيضاً على قطعة من المرمر طولها أحد عشر سنتيمتراً
ونصف سنتيمتر في عرض ثمانية وهيئتها أنها مسنمة وحروفها غريبة الكتابة بصورة مستطيلة ممدودة ومعظم تلك الحروف قد طمس لأحداث طبيعة حدثت لها ويصعب قراءتها وترجمتها.
وألفى النقابون في هذه الخزانة أصغر عادية من الأجر تختلف عن غيرها في شكلها وحجمها وإذا قوبلت بالعاديات التي وجدت في الروابي الأخرى في مختلف العصور فأنها تساعد على حل كثير من المشاكل المتعلقة بصنع الأجر وتطره حتى بلوغه
стр. 4634
درجة الكمال وانتشاره في الأصقاع البابلية كما نشاهد أشكاله اليوم في المتاحف الأوربية والأميركية على اختلاف صورها ورسومها وقد ظهر من التحريات أن الصلصال لما أتخذ لأول مرة في العالم صحيفة للتدوين والكتابة كانت الأجرة تطبع بشكلين مختلفين الواحد بهيئة مستديرة تشبه الكرة الصغيرة والأخر مسنم وهو يشبه الأجر في العصر الشمري وكلا هذين النوعين تدرج في سلم التطور فأمسى بشكل مستطيل كما كان منتشراً في عصور بابل الأخيرة.
٤ - أجرة التدوين وشكلها ونوع كتابتها
وأعلم أن علماء الآشورية أجمعوا على أن الأجرة في أقدم عصورها كانت مستديرة الشكل تكاد تماثل شيئاً الكرة من الطين وتقارب الاستدارة وتشبه كرة الأرض في تسطح قطبيها إذا أخذ طرفاها يستويان شيئاً فشيئاً على توالي الأزمان حتى غدت تضارع قرصاً وظهرت زواياها في ذلك القرص بصورة جلية ثم انبسطت حتى أصبحت مربعة وحينما أخذ الناس في أول عهدهم يدونون أفكارهم على الأجر أصبح المربع مستطيل الشكل قائم الزوايا ليصلح للكتابة. هذا ومن الأثريين من يذهب إلى أن الأجر المسنم كان في أول أمره مستديراً أيضاً ولم يكن نقل صورته إلى شكل قائم الزوايا إلا خطوة إلى الأمام فالطرف المقبب غدا أكثر استواء والطرف المنبسط أصح أشد حتى عم انتشاره وألف شكله البابليون القدماء.
وكان حجم صفحة الأجرة يتعلق في تلك الأيام على نوع الكتابة ومقدار السطور المراد إثباتها في تلك القطعة فأن أصغر صفحة أجر اكتشفت في بسمى كانت مربعة الشكل وحجها أقل من عقدة إصبع وتتضمن كل صفحة منها كلمة تشتمل على حرفين بخلاف
صفحات الأجر في نينوى فأن طول الواحدة منها لا يقل عن ثماني عشرة عقدة ولا عرضها عن قدم وصفحاتها مقسمة في حقول كصفحات الجرائد اليوم وتحتوي على مئات من السطور المتراصة الدقيقة الكتابة أما في الأزمنة الواغلة في القدم فكانت الحقول في صفحات الأجر الكبيرة مقطعة في أشكال مربعة وكل مربع يتضمن كلمة وكانت العناية منصرفة قليلاً إلى تأليف الحروف وتنظيمها وملائمة صورها فكانت تكتب تارة إلى فوق
стр. 4635
وأخرى إلى تحت وأحياناً من اليمين إلى الشمال أو مبعثرة هنا وهناك لتلائم ذوق الكاتب ومشوبة في ما ينقشه إزميله حتى باتت تختلف اختلافاً عظيماً عن العبرية والعربية والسريانية ومعظم اللغات السامية. فالحروف كانت تكتب دائماً من اليسار إلى اليمين وكان الكاتب في الأزمنة القديمة يعتني اعتناءً فائقاً بطبع الأجرة في قالب وفي صورة يلائمان ما يريد نقشه من الكتابة حتى أنه كان يرسم سطوراً عليها كما نسطر اليوم الكاغد بخطوط مستقيمة وأحياناً يرسم خطوطاً في الطول وفي العرض ثم يؤتي بالطين وهو طرأ فيرسم عليه صورة الكتابة بقلم من النحاس أو الخشب وحروف هذه الكتابة تشبه الأسافين أو المسامير، ولهذا اشتهرت بالخط المسماري وبعد أن يتم ذلك توضع الأجرة في الشمس لتجف أو في أتون لتشوي وعلى هذه الصورة تصبح صلبة كالحجارة التي لا تؤثر فيها الأحداث بسهولة. وقد أهمل رسم السطور في الأجر بعد أن تدرجت الكتابة في سلم الارتقاء والتقدم وباتت الحروف تكتب بأسلوب حسن ودقيق.
٥ - مغلفات المدونات
أخذت الحروف والعلامات تنضم شيئاً فشيئاً وتنقش متراصة حتى يضطر إلى حلها عناية عظيمة ومهارة فائقة ليعرف ما فيها وقد استنبط قدماء أهل بابل غلافاً من الطين أو المغلف فكان يغلف به ما يراد حفظه من التلف والدثور وعلى هذه الصورة كانت العادية من الأجر بعد كتابتها وتجفيفها أو شيها تغطى بغلاف رقيق من الطين وكان يعاد كتابة ما تضمنته على الغلاف وأحياناً يكتب طرف منها ليكون بمثابة عنوان لمضمونها.
كان غلاف صفائح الأجر في الغالب صغيراً وثخيناً بحيث يعرف من شكله وكثيراً ما كان يسمع للصفحة صوت داخل الغلاف إذا حركت واشتهرت الظروف وعم استعمالها في عصر أور أنجور وحمرب ولهذا كثر وجودها في خرائب بسمى وبرتقي عهد اختراع
الظروف في بابل إلى أربعة آلاف سنة قبل زمانا هذا.
وقد اكتشف شكل آخر من صحائف الأجر بحجم كبير مستدير حتى كاد
стр. 4636
يكون مسطحاً من الطرف الواحد ومستديرا من الطرف الآخر والصحائف التي من هذا الطرز كانت في الغالب غير متقنة الصنع ولا تامة الشيء ولا تحوي أكثر من سطر أو سطرين من الكتابة وفيها إحدى العلامات مكررة بضع مرات بصورة مبهمة ومعقدة وقد ذهب الأثريين إلى أن هذه الصحائف كانت بمثابة ألواح لتمرين تلامذة المدارس كما تستعمل اليوم في مدارسنا الألواح الحجرية لهذه الغاية ومنهم من ذهب إلى أن هذه الألواح كانت تتخذ نماذج للخطوط وارتأى آخرون أن هذه المدونات المسطور فيها علامات معقدة كانت دليلاً للكتبة يهتدون بها إذا خانتهم ذاكرتهم في تصوير الحروف المطلوبة في الكتابة وقد وجد المنقبون مواشير مثمنة الجوانب أو مسدستها ومنها مربعة وأسطوانية ومخروطية مدفونة في جدران المباني العمومية كالقاعات والحمامات والمعاهد تنبئا عن انتشارها في ذلك العهد القديم.
٦ - أصل الخط المسماري وتدرجه
أن في درس منشأ الحروف المسمارية الخط فائدة عظيمة لعشاق التاريخ ومحبي الآثار إذ أن أقدم صور الحروف المسمارية كانت مصورة ونشأ استعمالها بين الشمريين وبأزمنة طويلة قبل أن يعم انتشارها عند الساميين ولعل ذلك كان قبل حلول الشمريين بين النهرين لأن المنقبين لم يعثروا على كتابة من هذا القبيل وذلك مما يؤيد الفكرة القائلة بأن الشمريين كانوا قد استعملوا تلك الكتابة القديمة قبل احتلالهم ربوع العراق أي قبل تدرجهم في سلم الحضارة حينما كانوا قبائل رحلا يتنقلون من مكان إلى آخر ويعتقد جمهور من أرباب التحقيق أن اكتشافات كتابة هؤلاء الأقوام الرمزية تماثل الخط المصري القديم. والمسألة التي تهم الباحث خاصة هي: أللمصريون اقتبسوا كتابتهم المختصة بالتصاوير الرمزية من الشمريين أم هؤلاء اقتبسوها من أولئك بعد تنقيح وتعديل أم أن شعباً آخر أتخذ تلك الصور الرمزية فأنقرض ولم يخلف شيئاً من أثاره سواها وقد صانها الشعب الظافر من الضياع والدثور؟.
فهذه الآراء أراء طائفة من المؤرخين سوف تؤيدها أو تنقضها الاكتشافات الأثرية المقبلة وبعد هذا البيان الوجيز نقول: كان الخط المسماري في أول نشأته
стр. 4637
صوراً رمزية أصطلح
عليها أهل ذلك العصر لتفيد معاني خصوصية ثم تدرج شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى ما نشاهده اليوم في إتقان حروفه ومن الصور الرمزية المصطلح عليها للتفاهم والتخاطب: النجوم وأصابع اليد والقدم والشمس المشرقة فوق الأفق والسمكة والطير. والكتابة المركبة من هذه الصور وغيرها كانت شائعة الاستعمال عند الشمريين في بابل والصور الأصلية كان رأسها موضوعاً إلى الشمال فقط وأصابع القدم مقلوبة والقصبة مطروحة والسمكة قائمة على ذنبها وأن اختلفت هذه الأوضاع يمكننا أن نميز بينها ونعرف حقيقتها وقد وجد الحفارون أن الصور المرسومة بخطوط مستقيمة ومنحنية كانت محفورة على الحجارة وليست مطبوعة على الأجر ومن هنا نستدل على الشمريين أقبلوا من بلاد جبلية والحجارة فيها ميسور حصولها أكثر من الطين.
أن هذه الصور الرمزية التي تقوم مقام الحروف وجدت منقوشة على الأواني والتماثيل واستخرجت من هيكل أدب القديم وأتخذ الصلصال مادة للكتابة قبل عصر سرجون بزمن قليل ثم طرأ على الحروف تغيير بين فنشأت الخطوط بطبع أداة حادة الطرف على الطين والخط المقوس كان يصعب على الكاتب رسمه بتلك الآلة أي الأداة وطرف الآلة المقابل لليد كان ينطبع في الطين انطباعا عميقاً فكان يحصل من ذلك الضغط علامة اسفينية الشكل وكان من الصعب أن يتكون خط متساوي الغور على طول السطر وعلى هذا المنوال تحولت الخطوط المتوسطة إلى مستقيمة والخطوط المستقيمة أصبحت أسفينية والصور الرمزية فقدت كل خاصيتها الأصلية. وعلى تمادي الأيام إذا الخط المسماري شائعاً مقبولاً عند الخاص والعام وتطورت الكتابة في عصر حمرب (حموربي) وما بعدة فأهمل كثير من العلامات والحروف ومنها الأسافين واضحة الكتابة أبسط مما كانت عليه فكان أسهل على الكاتب أن يرسم خطاً من أن ينقش أسفيناً وفي أواخر أيام الدولة البابلية تحسنت الحروف وأخذت تكتب بصورة جلية جداً.
كانت كتابة الجمل والعبارات تتألف من كلمات مزدوجة التركيب وهذه تفرعت فتدرجت من وضع علامتين أو أكثر معاً الواحدة بجنب الأخرى أو من ضم علامة إلى علامة أخرى لتعبر عن معنى خاص ومن تلك العلامات المتحدة
стр. 4638
كلمة مطر فأنها تتألف من علامتين هما سماء وماء وكلمة دمعة ترمز إلى العين والماء وعلامة فم تدل على الطعام ومنها أشتق فعل
أكل وعلامة رقم ثلاثين تشير إلى شهر ومفردها إلى يوم وعلى هذا النحو تركبت ألوف من الكلمات واتخذت في كلام البشر الأولين.
٧ - ثمن المكشوفات
تعد مدونات الأجر التي في الرابية الرابعة من أنفس الآثار المكشفة هناك بيد أنه وجد بينها قليل من الختوم الأسطوانية الخالية من أثر الإتقان ومن تلك الآثار منقار من العاج وقبل أن يغادر النقابون تلك الرابية حفروا في أنقاضها عمق ثلاثة أمتار ونصف متر هناك عثروا على جدران مشيدة بالطين وشقف (قطع من الخزف). وبينما كان معظم الفعلة ينبشون غرفة الخزانة كان الباقون متفرقين في أطراف الرابية وكشفوا جداراً يضم غرفاً صغيرة وفي إحداها طابع صغير أسود من الفخار المجوف هرمي الشكل طوله ثلاثة سنتمترات وقطره سنتيمتران ونصف سنتيمتر تدل كتابته على عصر متأخر ووجد النقابون في موضع آخر أربع قطع من موشور مربع الأطراف من طين وأجرة معلمة بخطوط وفيها بضع أسطر من كتابة مقلوبة كأنها نسخة من كتابة نقشت على خاتم وبين أثاث منزل وجد صحن من الفخار، لونه أسمر ضارب إلى الحمرة قطره أربعة وخمسون سنتيمترا وعمقه ثمانية عشر سنتيمترا ويقسم إلى أربعة أبيات صغيرة (خانات) متقطعة بصورة صليب وكان بينها تماثيل صغيرة ولعب صبيان، منها حية وكلب وخنزير وسلحفاة صغيرة وكلها متخذة من الفخار ومدهونة بدهان أبيض وهي العروض الوحيدة التي كشفت في بسمى مدهونة بذلك الدهان وكانت أرض غرف القصر التي وجدت فيه هذه الآثار مرتفعة عن أرض الصحراء بنحو أثنى عشر متراً.
وعثر المنقبون في بحثهم عن الآثار على قلبين (بئرين قديمتين) في الطرف الغربي من الرابية الرابعة أن نزح ما فيها من النبائث ظهر أن إحداهما مطوي بالأجر المسنم وقد رمم جداره بطاباق مستطيل معلم بثلاثة خطوط محفورة كأنها أخاديد وكانت سعة فوهته من الجانب الواحد إلى الجانب الآخر ستة وسبعين
стр. 4639
سنتيمترا ثم أخذ قطرها يتسع شيئاً فشيئاً ثم اتسعت دائرته بسرعة حتى بلغت مترا ونصف متر وكان عمق القليب أثني عشر مترا وثخن جدرانه نحو أربع أجرات وكان سالماً من كل ضرر كأن البناء قد أتمه قبل هنيهة ووجد في قعره نحو مائة قدح للشرب مصنوعة من الفخار ويظهر أنها سقطت اتفاقا ووجد
فيها أيضاً أثنتا عشرة جرة ماء وإناءان صغيران من الحجر وخرزتان من اللازورد مقطوعتان بهيئة الماستين أما القليب الثاني فكان مطوياً بالأجر المربع من عصر أور أنجور ملك أور كان مبنياً بناء متيناً وبديعاً للغاية وسعته سعة القليب الأول.
٨ - فوائد المكشوفات العلمية
وقد استفاد الأثريون من هيئة بناء هذين القليبين ومن شكل أجرهما فوائد جمة ساعدتهم على حل معضلة تاريخ القصر المجاور للخزانة فأن القليب المشيد بالأجر المسنم دلهم على أن عهد القصر يرتقي بناؤه إلى زمن صنع ذلك الأجر بهذا الشكل وهو من أقدم عصور حضارة البابليين وقد بحث المنقبون عن أثار ذلك القصر فلم يفوزوا بطائل لأن رمال الصحراء غطته منذ قرون عديدة حتى غدت كثباناً فوقه فجميع الهمم التي بذلت في كشفه ذهبت أدراج الرياح ومن المنقبين من يذهب إلى أن دولة فاتحة قوضت أركان القصر ودكت أسواره فمحت معالمه والقليب الذي نحن بصدده يدل أيضاً على أن قوماً أتخذ ذلك القصر مسكناً له ورممه بأجر مستطيل مخدد وهيئة طوابع الأجر تشير إلى عصر سرجون الأول وابنه نرم سن لا يبعد أنهما اتخذا من هذه البئر مورداً لخيلهما وقد هجرت على أثر اضمحلال القصر أما البئر الثانية المحكمة البناء فقد شيدها اور انجور وشرب منها هو وخلفاء دولته ومن وأتى بعدهم من سكان الدور القائمة على منحدرات الرابية حتى قوت ربوع المدينة وظعن عنها أصحابها فأخذت البئر تمتلئ من رمال الصحراء حتى جاء من أزالها عنها أي أولئك النقابون الإجلاء وطهرت من الرمال المتراكمة فيها منذ أجيال.
٩ - الخاتمة
هذا ملخص تاريخ الخزانة والقليبين وزمن وجودها مع طرف من أنباء القصر الذي عفت معالمه ودرست أثاره ذيالك القصر الذي لم يوقف له على نبأ يروى غليل المؤرخ المدقق والأثري المحقق فعسى أن تجلى عنه الغوامض في ما يكشف بعد هذا الحين.
رزوق عيسى
стр. 4640
أعلام قصيدة أخت الوليد بن طريف
١ - توطئه
أجود أشعار العرب مراثيها. والقصيدة التي رثت بها الفارعة أو فاطمة أو ليلى بنت طريف بن الصلت بن طارق بن سبيجان بن عمر بن مالك الشيباني أخاها الوليد بن طريف الشاري راس الخوارج في خلافة هرون الرشيد من هذا الجيد المروي يدلك على ذلك اهتمام اللغويين والمتأدبين بها واستشهادهم ببعض أبياتها، وأول ما اتصل بنا من هذه القصيدة بيتان نقلهما أبن جرير الطبري المتوفي سنة ٣١٠هـ (٩٢٢م) في عرض كلامه على مقتل الوليد في حوادث سنة ١٧٩هـ ٧٩٥م إذ يقول:
(وفيها رجوع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدت شوكته وكثر تبعه فوجه الرشيد إليه يزيد بن مزيد الشيباني فراوغه يزيد ثم لقيه وهو مغتر فوق هيت فقتله وجماعة كانوا معه وتفرق الباقون فقال الشاعر:
وائل بعضها يقتل بعضاً ... لا يفل الحديد إلا الحديد
وقالت الفارعة أخت الوليد:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على أبن طريف
فتى لا يحب الزاد إلاَّ من التقى ... ولا المال إلاَّ من قنا وسيوف
واعتمر الرشيد في هذه السنة في شهر رمضان شكراً لله على ما أبلاه في الوليد ابن طريف فلما قضى عمرته انصرف إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج ثم حج بالناس فمشى من مكة إلى منى ثم عرفات وشهد المشاهد والمشاعر ماشياً ثم أنصرف على طريق البصرة.
стр. 4641
وأما الواقدي فأنه قال (لما فرغ عمرته أقام بمكة حتى أقام للناس حجتهم) إلا، ويأتي بعده ما نقله أبن عبد ربه المتوفي سنة ٣٢٨هـ ٩٤٠م الذي يقول:
(وقالت أخت الوليد بن طريف ترثي أخاها الوليد بن طريف):
فيا شجر الخابور ما لك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتلا لا يريد العز إلاَّ من التقى ... ولا المال إلاَّ من قنا وسيوف
فقدناه فقدان الربيع فليتنا ... فديناه من ساداتنا بألوف
خفيف على ظهر الجواد إذا غدا ... وليس على أعدائه بخفيف
عليك سلام الله وقفا فأنني ... أرى الموت وقاعاً بكل شريف
وقد ساق أبو الفرج الأصبهاني المتوفي سنة ٣٥٦هـ (٩٦٧م) قصة الوليد بن طريف الشاري بعد أن نسب تلك المرثية إلى ليلى أخت طريف ونقلها على الوجه الأتي:
بتل نباتي رسم قبر كأنه ... على علم فوق الجبال منيف
تضمن جوداً حاتميا ونائلا ... وسورة مقدام ورأى حصيف
ألا قاتل الله الجثا كيف أضمرت ... فتى كان بالمعروف غير عنيف
فان يك أرداه يزيد بم مزيد ... فيا رب خيل فضها وصفوف
ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهر ملح بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس همت بعدة بكسوف
أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تحزن على أبن طريف
فتى لا يحب الزاد إلاَّ من التقى ... ولا المال إلاَّ من قنا وسيوف
ولا الخيل إلاَّ كل جرداء شطبة ... وكل حصان باليدين عروف
فلا تجزعا يا أبني طريف فأنني ... أرى الموت نزالاً بكل شريف
فقدناك فقدان الربيع وليتنا ... فديناك من دهمائنا بألوف
وعاد فروى البيت السابع والبيت الثامن من هذه القصيدة وعززهما بالتاسع ولكنه نقله على هذا الوجه:
стр. 4642
ولا الذخر إلاَّ كل جرداء صلدم ... وكل رقيق الشفرتين خفيف
ومن الذين استشهدوا ببعض أبيات هذه القصيدة أبو علي القالي المتوفي سنة ٣٥٦هـ (٩٦٦م) أيضاً فقد ذكر الأبيات الثلاثة المتقدمة التي أعاد روايتها الأصبهاني ولم يغير منها إلاَّ منها إلاَّ كلمة (تحزن) ب (تجزع) وألحقها ببيت رابع هو:
عليك سلام الله حتما فأنني ... أرى الموت وقاعاً بكل شريف
ومع استشهاد أبي علي هذه الأبيات فأنه لم ينسبها إلى قائلها بل أقتصر على قوله وأنشدني بعض أصحابنا.
ومنهم أبو هلال العسكري المتوفي سنة ٣٩٥هـ (١٠٠٤م) فقد قال: ومن الكلام المستوي
النظام الملتئم الرصيف قول بعض العرب) ونقل البيت السابع والبيت الثامن على الوجه الذي نقله القالي إلاَّ أنه نقل البيت التاسع كما يلي:
ولا الخيل إلا كل جرداء شطبة ... واجرد شطب في العنان حنوف
ثم أردفها بالبيتين الآتيين:
كأنك لم تشهد طعاناً ولم تقم ... مقاماً على الأعداء غير خفيف
فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني ... أرى الموت حلالا بكل شريف
ونقل المطهر بن طاهر المقدسي بعض أبيات هذه القصيدة التي عزاها للفارعة بنت الطريف على ما يلي:
ألا يا لقوم للحتوف وللبلى ... وللدار لما أزمعت بخسوف
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس همت بعدة بكسوف
ولليث فوق النعش إذ يحملونه ... إلى وهدة ملحودة وسقوف
بكت جشم لما استقلت عن العلى ... وعن كل هول بالرجال مطيف
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على أبن طريف
فتى لا يعد الزاد إلا من التقى ... ولا الكال إلا من قنى وسيوف
وفي هذه الأبيات من التصحيف والتحريف أكثر من سواها مع أن ناشر
стр. 4643
الكتاب المستشرق الأفرنسي الأستاذ كليمان هوار المتوفي سنة ١٣٤٥هـ (١٩٢٦م) هو من المتأخرين ولا بد أن يكون أطلع على رواياتها العديدة فكان حقيقاً به أن يعلق على الأبيات ويصحح أغلاطها في حواشيه ونقل ياقوت الحموي المتوفي سنة ٦٢٦هـ ١٢٢٨م البيت السابع والبيت الثامن على الوجه الذي نقلها القالي في أماليه والعسكري في الصناعتين.
ونقل ابن الأثير المتوفي سنة ٦٣٠هـ (١٢٣٢م) القصيدة كما هي في الأغاني إلا أنه وقع فيها بعض التصحيفات فجاء بتاثا بدل نباتي في صدر البيت الأول وقلب بدل رأي في عجز البيت الثاني وعفيف بدل عنيف في عجز الثالث وقد بدل إذ في صدر السادس وتجزع بدل تحزن في عجز السابع.
واكثر العلماء اهتماماً بهذه القصيدة هو أبن خلكان المتوفي ٦٨١هـ (١٢٨٢م) فقد قال في ترجمة الوليد المذكور: وكان له أخت تسمى الفارعة وقيل فاطمة تجيد الشعر وتسلك سبيل
الخنساء في مراثيها لأخيها صخر فرثت الفارعة أخاها الوليد بقيدة أجادت فيها وهي قليلة الوجود ولم أجد في مجاميع كتب الأدب إلا بعضها فاتفق أني ظفرت بها كاملة فأثبتها لغرابتها مع حسنها وهي هذه:
بتل نهاكي رسم قبر كأنه ... على جبل فوق الجبال منيف
تضمن مجداً عدملياً وسؤدداً ... وهمة مقدام ورأى حصيف
فيا شجر الخابور ما لك مورقاً ... كأنك لم تحزن على أبن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
ولا الذخر إلا كل جرداء صلدم ... معاودة للكر بين صفوف
كأنك لم تشهد هناك ولم تقم ... مقاما على الأعداء غير خفيف
ولم تستلم يوماً لورد كريهة ... من السرد في خضراء ذات رفيف
ولم تسع يوم الحرب والحرب لاقح ... وسمر القنا ينكزنها بألوف
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لا يرضى الندى بحليف
فقدناك فقدان الشباب وليتنا ... فديناك من فتياننا بألوف
стр. 4644
وما زال حتى أزهق الموت نفسه ... شجا لعدو أو نجا لضعيف
ألا يا لقومي للحمام وللبلى ... وللأرض همت بعدة برجوف
ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهر ملح بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس لما أزمعت بكسوف
ولليث كل الليث إذ يحملونه ... إلى حفرة ملحودة وسقيف
ألا قاتل الله الحشى كيف أضمرت ... فتى كان للمعروف غير عيوف
فان يك أرداه يزيد بن مزيد ... فرب زحوف لفها بزحوف
عليك سلام الله وقفا فأنني ... أرى الموت وقاعا بكل شريف
قال ولها فيه مراث كثيرة ذكر بعضها ومن جملتها البيت الذي نقله الطبري وعزاه إلى الشاعر وقد ذكره في ترجمة يزيد بن مزيد الشيباني ضمن أبيات هي:
يا بني وائل لقد فجعتكم ... من يزيد سيوف بالوليد
لو سيوف سوى سيوف يزيد ... قاتلته لاقت خلاف السعود
وائل بعضها يقتل بعضا ... لا يفل الحديد غير الحديد
وقد شرح أبن خلكان موضع التل فقال وتل نهاكي أظنه في بلد نصيبين.
وقد نقل عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحمن العبادي العباسي المتوفي سنة ٩٦٣هـ ١٥٥٥م. القصيدة كما نقلها أبن خلكان إلا أنه سمى أخت الوليد بليلى وأبدل من القصيدة بعض كلماتها مثل نباثا بدل نهاكي وعلم بدل جبل (وجودا حاتميا ونائلا) بدلاً من (مجدا عدمليا وسؤددا) وسورة بدل همة وقلب بدل رأى وأيا بدل فيا وتجزع بدل تحزن ولفيف بدل رفيق وواقع بدل لافح وينهزنها بدل ينكزنها ولم يرضى بدل لا يرضى ولجا بدل نجيا وبرجيف بدل برجوف وقد هوى بدل إذ هوى والردى بدل الحشئ وعليه بدل عليك.
стр. 4645
وقد قال عن البيت الثاني: ورأيت في تاريخ أبن خلكان هذا البيت على غير هذا الوضع وهو:
تضمن مجدا عاصميا وسؤددا ... وهمة مقدام ورأي حصيف
وتقدم معنا أن ابن خلكان قد نقله: تضمن مجدا عد مليا (الخ)
وحدث في الطبع غلط في (بتل) فجاءت (نثل) ولعل القصيدة نقلت في كتب أخرى وبصورة مختلفة لم نطلع عليها.
وقد جاء أحد المعاصرين وهو الأستاذ السيد عبد الله العفيفي المصري برواية جديدة للقصيدة لم يشر إلى مصدرها وهي أطول مما تقدمها من الروايات وفي كلماتها بعض اختلاف وهي منسوبة إلى ليلى بنت طريف التغلبية:
بتل نباتي رسم قبر كأنه ... على جبل فوق الجبال منيف
تضمن جودا حاتميا ونائلا ... وسورة مقدام ورأي حصيف
ألا قاتل الله الحشى كيف أضمرت ... فتى كان للمعروف غير عيوف
فالا تجبني دمنة هي دونه ... فقد طال تسليمي وطال وقوفي
وقد علمت أن لا ضعيفاً تضمنت ... إذا عظم المرزى ولا أبن ضعيف
فتى لا يلوم السيف حين يهزه ... على ما اختلى من معصم وصليف
فتى لم يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
ولا الخيل إلا كل جرداء شطبة ... وأجرد عالي المنسجين غروف
فقدناه فقدان الربيع وليتنا ... فديناه من فتياننا بألوف
وما زال حتى أرهق الموت نفسه ... شجا لعدو أو لجا لضعيف
حليف الندى أن عاش يرضى به الندى ... وأن مات لا يرضى الندى بحليف
فإن يك أرداه يزيد بن مزيد ... فرب زحوف فضها بزحوف
فيا شجر الخابور ما لك مورقاً ... كأنك لم تحزن على ابن طريف
ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهر ملح بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس همت بعدة بكسوف
ولليث فوق النعش إذ يحملونه ... إلى حفرة ملحودة وسقوف
стр. 4646
بكت تغلب الغلباء يوم وفاته ... وابرز منها كل ذات نصيف
يقلن وقد أبرزن بعدك للورى ... معاتد حلي من برى وشنوف
كأنك لم تشهد مصاعا ولم تقم ... مقاما على الأعداء غدو خفيف
ولم تشتمل يوم الوغى بكتيبة ... ولم تبد في خضراء ذات رفيف
عليك سلام الله وقفا فأنني ... أرى الموت وقاعا بكل شريف
٢ - تل نباتي والحشى
وقد حشى الأستاذ العفيفي على نباتي فقال: عين بالبصرة كما أن طابع كتاب الأغاني حشى عليها بمثل ذلك نقلا عن القاموس على أن الذي في معجم البلدان لياقوت نباتي بالفتح والضم أسم جبل ولم يعين موضعه.
وكذلك حشى السيد العفيفي على الحشى فقال عنها: عين قرب المدينة والذي في ياقوت: الحشى واد بالحجاز وجبل الأبواء بين مكة والمدينة وموضع في ديار طيئ.
٣ - نفي الصلة بين الخابور ونباتي والحشى
وأنت ترى أن لا صلة لحادثة في الخابور بعين في البصرة وأخرى بالحجاز والخابور نهر كبير بين رأس عين والفرات من أرض الجزيرة له ولاية واسعة وبلدان جمة غلب عليها أسمه فنسبت إليه وأخر شرقي دجلة الموصل.
وقد وردت نباثا وبتاثا بالمثلثة والحشى باسم الحسى بالسين المهملة والجثى بالمثلثة ولا شك
في أنها جميعاً صحفت عند النقل على أن للأخيرتين في اللغة ما يشفع لهما ويجعلهما أقرب للمعنى من تلك العين أو ذلك الجبل فالحسى كإلى، سهل من الأرض يستنقع فيه الماء أو غلظ فوقه رمل يجمع ماء المطر وكلما نزحت دلوا جمعت أخرى جمعها أحساء وحساء.
стр. 4647
وجثا الحرم بالضم والكسر ما أجتمع فيه من الحجارة التي توضع على حدود الحرم أو الأنصاب تذبح عليها الذبائح.
وإذا جاز لنا أن نبعد المدى ونطلق لأنفسنا عنان الاشتقاق والتمحل فنستطيع أن نقول أيضاً في صدد نباثا ونبيث: النبيثة تراب البئر والنهر.
٤ - الرجوع إلى الروايات الخطية
إلا أن كل هذا ليس بالذي عنته الشاعرة التي كانت متأثرة بمصيبتها الفادحة فكانت تستعين بما حولها من النبات والجماد فذكرت التل وارتفاعه والخابور وشجرة الجثا وإضمارها تلك الروح الثائرة.
بقي علينا أن نتثبت في صحة هذه الأعلام التي وردت في هذا الشعر الصادر من صدر مكلوم ونفس مهتاجة ولا سيبل لنا إلى ذلك إلا بالرجوع إلى بعض المخطوطات التي ذكرها فيها.
وقد كنت قرأت في فهرس دار الكتب المصرية أن فيها نسخة مخطوطة من الجزء الثاني من وفيات الأعيان وفي هذا الجزء ترجمة الوليد بن طريف الشاوي فاطمأنت نفسي إلى أنني أجد ضالتي فيها فكتبت إلى مدير الدار اسأله المعونة على هذا التحقيق البسيط الذي ضيقت دائرته وحصرته في كلمتين اثنتين هما نباتي والحشى ومضى الشهر تلو الشهر فلم يحر المدير جواباً فقلت لعل له عذراً وأنا ألوم.
بيد أنني أقول بكل أسف أنني ما سألت عالماً غربياً من المستشرقين ودور الكتب الأوربية سؤالاً من هذا القبيل إلا أجبت عنه بدقة وتفصيل أكثر مما طلبت. هذا وأنا أكتب للقوم باللغة الضادية لا برطانتهم الأعجمية فيتحملون عناء الترجمة والبحث والاستقصاء والإجابة في حين أن جارتنا الشرقية تضن علينا بفتح صفحة من الكتاب وكتب بضع كلمات دون اضطرار لترجمة أو تعريب. ثم رجعت إلى موظف كبير من موظفي الدار وسألته نفس السؤال فكان نصيبي من الثاني كنصيبي من الأول وكان أسفي من هذا أشد
لأنني أنزلت آمالي بمن خيبها.
стр. 4648
ولذلك اضطررت إلى صرف الأستاذ سليم أفندي قبعين مجلة الإخاء في القاهرة عن عمله عدة ساعات وحملته على الذهاب إلى دار الكتب المصرية ومراجعة الكتاب المذكورة وبالرغم من كثرة مشاغله الصحافية فقد كتب إلي يقول:
راجعت الجزء الأخير من وفيات الأعيان الذي نسخة في أواخر ذي القعدة الحرام من شهور سنة ١٠٤٣هـ ١٦٠٤م على يد عبد الكريم بن أحمد بن العسكر بن محمد بن عمر بن علي بن جريشة المزي بلدا الصالحي منشأ الحنفي مذهباً الحنيفي ملة فإذا به يقول:
(وكان للوليد المذكور أخت تسمى الفارعة وقيل فاطمة (وقيل أنها لعبد الملك بن بجرة النمري الرسعتي وقيل لمنصور بن بجرة يرثي بها الأزرق بن طريف النمري) تجيد الشعر وتسلك سبيل الخنساء في مراثيها لأخيها صخر إلى آخر ما في النسخة المطبوعة أما القصيدة فقد جاء في مطلعها:
بتل بناتي رسم قبر كأنه. . .
وفي البيت السادس عشر:
إلا قاتل الله الحثا حيث أضمرت. . .
وقد مد الناسخ الحاء وجعل في وسطها وجاء سينا وجاء في العبارة التي أوردها تحت القصيدة: وتل بناثي في برية الموصل في بلد نصيبين.
٥ - الاختلاف بين المخطوط والمطبوع
أن الجملة التي وضعناها بين عضادتين وهي (وقيل أنها لعبد الملك الخ). لم ترد بتاتا في المطبوع وليس هناك محلها ولعلها سقطت بعض كلماتها وكانت ترمي إلى أن القصيدة قيل لعبد الملك أو المنصور وعلى كل حال فقد أتتنا هذه العبارة بشيء جديد في الرواية.
وأهم الاختلاف هو في التل ففي المطبوع نهاكي وفي شرحه أظنه في بلد نصيبين وفي المخطوط: بناثي وفي شرحه في برية الموصل في بلد نصيبين كما تقدمت الإشارة إليه.
стр. 4649
ومن الاختلافات ورود الحثا في المخطوط وأن كانت تقرأ الحشا أيضاً لأن الناسخ مد في الحاء والثاء ووضع فوقها النقط الثلاث. والذي في المطبوع الحشى وليس من الاختلاف بين المخطوط والمطبوع في القصيدة ما يؤبه له سوى (ينهزنها) بدل (ينكزنها) في عجز
البيت الثامن من رواية أبن خلكان و (عفيف) بدل (عنيف) في عجز الثالث عشر و (حفرةد) بدل (حفردة) و (شقيف) بدل (سقيف) في عجز الخامس عشر وهي تصحيفات بسيطة ظاهرة لا تغير المعنى ولا يؤثر عليه وهي من فعل النساخ.
٦ - وجه الصواب في هذين العلمين
بالرغم من أن النسخة المخطوطة من وفيات الأعيان التي نقلنا عنها تقول بتل بناثي بالباء الموحدة التحتية والنون الموحدة الفوقية أننا نرجع أن الناسخ قد اقتصر على وضع نقطة واحدة على الثانية فتكون الروايات المتكاثرة على أنها نباتي هي مصحفة عن بتاثا التل الواقع في برية الموصل في بلد نصيبين إذ لا علاقة أبداً لنباتي العين بالبصرة في حادثة بالخابور.
أما الحشى فإذا لم تكن قد تصحفت عن الجثا وقد تقدم الكلام عليها فيكون قصد الشاعرة أن تلك الحجارة بالرغم من أنها في نظرها هي كالتي توضع على حدود الحرم أو هي كالأنصاب التي تذبح عليها الذبائح فهي تدعو وتقول قاتلها الله لأنها أضمرت ذلك الفتى الفذ والجثوة مثلثة الحجارة المجموعة ألم تكن مصحفة عن ذلك فهي موضع يغلب أن يكون الحشى.
ولا أدري أاسم الموضع هو (الحشى) أم حسكة التي نسبت إلى الحسك - وهو نبات له شوك - ويكثر نبته فيها كان السكان ولا يزالون يلفظونها بصورة أحسجه فتكاد تسمع السين والجيم من أفواههم كأنها شين كما أكد لي أحد الذين أوصلتهم الرحلة إلى تلك الجهات هي عنتها الشاعرة بقولها:
ألا قاتل الله الحشى كيف أضمرت. . .
فإذا كان أسمها الحشى فيكون قد تحرف الاسم اليوم فأصبح يلفظ حسجه وهي اليوم قرية على صفة الخابور في الحد القاصي لسورية.
والذي يجعلنا نميل إلى الأخذ بهذا الرأي هو ما كتبه صديقنا الوطني الكبير الأستاذ السيد فارس الخوري الدمشقي عن حسجه عندما كان مبعداً إليها ورفقاءه
стр. 4650
الأحرار السوريين أنه سأل أهلها عن الوليد بن طريف فأجابوه بأنه يوجد قبر على الخابور يبعد ساعات عن حسجه يسمونه قبر أبن طريف ويحسبونه من أولياء الله قال: أما أسم التل فقد تبدل.
٨ - الخلاصة
وبعد فأن في اختلاف روايات الرواة والنقلة الذين ذكروا تلك المرثاة الطائرة الصيت البعيدة مدى الشهرة ما يؤيد ظنون الأستاذ عبد اللطيف ثنيان في الأغلاط التي وقعت في طبعات وفيات الأعيان وأتى على بعضها في مقالته (كتاب وفيات الأعيان) بل نرى أن الغلط والتحقيق لم يقعا في الكلمات والمعاني بل تعدياهما إلى الأعلام كما بسطناه لك في ثنايا هذا الكلام.
وربما كان الخطب يسيرا في كتاب وفيات الأعيان إذا قيس بغيره فأن أغلاطه تكاد تستقصي وتحصى.
والذي علمته بالممارسة والاختبار أن أكثر الأشعار تصحيفاً هي التي وردت في كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي الذي يظهر أن ف. وستنفلد طبعة عن نسخة مخطوطة قليلة الأعجام فجاء مشحوناً بالأغلاط والتحريفات.
وتكاد تضيق الصحف عن أن تسع أمثلة من تلك التصحيفات الكثيرة التي نقلت إلى الطبعات المصرية حذو النعل بالنعل دون نقد أو تمحيص.
والذي زاد الطين بلة طبعة للمرة الثانية في ليبسك سنة ١٣٤٤هـ ١٩٢٥م بالزنكوغراف نقلاً عن الطبعة الأصلية وبحروفها فأصبحت نسخة المتداولة بالأيدي مغلوطاً في أشعارها.
حيفا (فلسطين): عبد الله مخلص
(لغة العرب) في خزانتنا ثلاث نسخ خطية من وفيات الأعيان لأبن خلكان: اثنتان منها غير تامتين وواحدة تامة فالنسخة الأولى تبتدئ بالهمزة وتنتهي بآخر حرف السين أي بسهل بن محمد الصعلوكي وليست بمؤرخة لأن الورقات الخمس الأخيرة مزقت ووضع في مكانها الورقات جديدة فيكون هذا
стр. 4651
الجزء بمثابة المجلد الأول من الكتاب المذكور.
والنسخة الثانية تنضم على الجزء الثاني والثالث والخامس وهي بحجم صغير طول الصفحة من كل منها ١٧ سنتيمترا في عرض ١٢ وكلها بخط مؤلفها كما هو مكتوب عليها فهي من هذه الجهة من نفس النسخ. والجزء الثاني يبتدئ ببعض حرف الحاء وينتهي بحرف العين المهملة والجزء الثالث يبتدئ بأبي الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي الجوزي إلى أبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة والجزء الخامس يبتدئ بالمسبحي
وينتهي بالحاكم بأمر الله العبيدي. أما بقية الأجزاء فقد سرقت في سقوط بغداد يف آذار سنة ١٩١٧ ولم نتمكن من استعادتها.
والأجزاء تكاد تتهرأ من تداول الأيدي لها وفي أوائل صفحاتها أسماء العلماء الذين طالعوها والورق يشهد على أنها للمؤلف فضلاً عن أن أسم المؤلف مذكور في كل جزء من هذه الأجزاء الثلاثة ولسوء الحظ لم نجد في الجزء الخامس ترجمة الوليد بن طريف الشاوي لنبحث فيها عن الرواية الأصلية بخط المؤلف.
أما النسخة الخطية التامة التي عندنا فدونك حروفها الأخيرة كما هي: (نجز الكتاب المسمى وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان بحمد الله تعالى ومنه وكرمه وذلك في نهار الخميس ثامن عشر شهر شوال سنة ثلث وخمسين وثمانمائة من الهجرة النبوية على صاحبها من الله أفضل الصلوة والسلام).
وفي النسخة ٨١٣ صفحة دقيقة الحروف بديعة الخط ترمذية الورق والأعلام مكتوبة بالحمرة في قلب السطر ومكررة في خارجه وفي كل صفحة ٢٩ سطرا. وطول الصفحة ٢٨ سنتيمترا في عرض ١٦ وطول المكتوب من الصفحة ٢٠ سنتيمترا في عرض ١١ وقد عبث به الأرضة كل العبث وقد تعرضت بنوع خاص للحواشي البيض التي ترى حول الكتابة وأن أضرب بالكتابة في بعض المواطن إلا أن الطائفة الكبرى من الصفحة محفوظة أحسن حفظ وبعض الألفاظ مضبوطة ضبطاً كاملاً بديعاً لا يبقى للمحقق ريبا في ما يطالعه. وبين هذا النص المخطوط والنص المطبوع طبعات عديدة فروق جليلة ولهذا يحسن بالعلماء أن يعيدوا طبع هذا السفر النفيس الذي هو من كنوز لغتنا ويعارضوا نسخة بعضها ببعض وهو مما يقيم للسلف الشرف السامك الباذخ بين علماء مصنفي التراجم.
стр. 4652
وقد طالعنا القصيدة التي يشير إليها صديقنا (المخلص) فرأينا فيها اختلافات طفيفة وإليك نقلها (من ص ٥٨٩ من نسختنا):
بتل نهاكي رسم قبر كأنه ... على جبل فوق الجبال منيف
تضمن مجدا عدمليا وسؤدداً ... وهمة مقدام ورأي حصيف
فيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على أبن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
ولا الذخر إلا كل جرداء ملذم ... وكل رفيق السفر بين حليف
كأنك لم تشهد هناك ولم تقم ... مقاما على الأعداء عين خفيف
ولم تستلم يوماً لدرء كريهة ... من الرد في خضراء ذات رفيق
ولم تسع يوم الحرب والحرب لاقح ... وسمر القنا ينهزنها بأنوف
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فأن مات لا يرضى الندى بحليف
فقدناك فقدان الشباب وليتنا ... فديناك من فتياننا بألوف
وما زال الموت نفسه ضحى ... شجا لعدو أو نجا لضعيف
ألا يا لقومي للحمام وللبلى ... وللأرض همت بعده برجيف
ألا يا لقومي للنوادي وللردى ... ودهر ملح بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس لما أزمعت بكسوف
ولليث كل الليث إذ يحملونه ... إلى حفرة ملحودة وشقيف
ألا قاتل الله الحدا حيث أضمرت ... فتى كان للمعروف غير عيوف
فأن يك أرداه يزيد بن مزيد ... فرب زحوف لفها بزحوف
عليك سلام الله وقفا فأنني ... أرى الموت وقاعاً بكل شريف
وقد جاء في الحاشية بخط أحدث من خط الكاتب الأول ما ننقله بحرفه قال:
(الحدا في الأصل من بلاد اليمن ولما ظعن بعض من مراد إلى الديار التي سميت بعد حين بديار ربيعة وهجم عليهم في مربعهم الجديد سبع تذكروا موطنهم الأول الذي تنتابه الوحوش فسموا موطنهم الجديد باسم موطنهم القديم أي الحدا.
وقد روى بعضهم في مكان الحدا الجثى وهي جمع جثوة وهي الربوة الصغيرة وجماعة الحجارة تقام على القبر والقبر نفسه وموطن في ديار ربيعة فيه ربوة
стр. 4653
أو جثوة ترى من بعيد).
وبعد هذه النقول لا نرى رأي حضرة الصديق المخلص أن الحشى هي التي تسمى الحسكة اليوم، لو فرضنا أن رواية النسخة الخطية المصرية صحيحة لا غبار عليها وأنها واضحة القراءة لا شبهة في أنها الحشى إذ لا مجانسة بين الحسكة والحشى وأن كان بادية العراق تلفظ جيما فارسية أو عجمية لا لهذه الكلمة فقط بل لكل كلمة فيها كاف مثل سمك وشبك
وشباك. . فأنهم يلفظونها سمج وشج وشباج بجيم مثلثة فارسية أي بين الجيم العربية والشين (راجع لغة العرب ٥: ٦٣٨ حيث ذكرنا الحسكة ولفظها).
أما رأينا الخاص فهو أن الكلمة الحقيقية هي الجثى (بضم ففتح) جمع جثوة أركام الحجارة الموضوعة على القبر لأن أهل البادية يفعلون اليوم ما كان يفعله أجدادهم في سابق العهد وهو أنهم أرادوا دفن ميت لهم اختاروا له المرتفع القريب منهم حتى يهتدوا من بعيد إلى ميتهم إذا أرادوا الاختلاف إليه. وألم يكن في جوارهم أرض مرتفعة وضعوا على قبره تراباً وسنموه ثم وضعوا فوقه ما تيسر لهم جمعه من الحجر أو المدر ويسمون هذا المجموع الجثوة أو الجثى كما سمعناها من لسانهم.
وفي ديار العرب عدة مواطن مسماة بالجثوة للأسباب التي ذكرناها وربما هناك من يذهب إلى غير ما ذهبنا، ولعل رأيه يكون غير بعيد من الحق بل يكون مقبولاً. أما أن الحشى هي الحسكة فهذا ما نستبعده ولا سيما وهذه اللفظة حديثة الوضع.
وذكر أبن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة (١: ٤٤٣) أربعة أبيات من هذه القصيدة وهي كما يأتي: أيا شجر الخابور، وما بعده باختلاف في بيتين وهما:
ولا الذخر إلا كل جرداء شطبه ... وكل رقيق الشفرتين خفيف
فقدناك فقدان الربيع وليتنا ... فديناك من سادتنا بألوف
стр. 4654
العربية مفتاح اللغات
١ - إيضاح
مرت الإشارة في هذه المجلة (٨: ٢٦) إلى أن الأستاذ جوزي كتب مقالة في الكلية يفند فيها ما كنا قد أدرجناه في الهلال (٣٧: ٢٠٦) وقد كابدنا المشقة لتفهم عباراتها لإغلاقها ولأنها أقرب إلى الروسية أو الرومية منها إلى العربية قال حرسه الله. (. . . ولما انتهيت إلى عدد ديسمبر (كانون أول) (لعله يريد كانون الأول لأن كانون معرفة) وقع نظري على مقالة لحضرة الأب أنسطاس (كذا وأسمنا هو أنستاس). . . فقرأتها بإمعان (كذا ولا معنى لهذا الكلام في العربية. ولعله يريد أن يقول. فقرأتها منعماً فيها النظر، أو وقرأتها بتدبر أو تدبرت ما فيها يصح التعبير العربي لا الروسي) ولم أكد آتي على آخرها حتى أدركت السر من إطلاق صاحب الهلال على (نظرية) البحاثة المذكور صفة الجراءة. . . وقد صدق صاحبها حين قال وردد (أنه لم يسبقه أحد إليها) وفي اعتقادي أنه لن يسبقه أيضاً (قلنا: من يفهم هذا المعنى الدقيق: ولو قال: ولن يسابقه، أو ولن يتعرض له. لكان ثم شيء يعقل. أما ما نطق به وخطته أنامله المرتجفة فيحتاج إلى ساحر من سحرة فرعون لإدراكه) ومع ذلك فليسمح لي حضرة الأب الفاضل أن أعلق على مقالته بعض ملاحظات (كذا وقد أضاف بعض إلى نكرة. والمعروف بعض الملاحظات) دفعاً لما قد يعلق بذهن القارئ الغير الواقف (كذا والمعروف عند (الفصحاء) عدم إدخال أل على غير) على سير فلسفة اللغة من الآراء. . .
ثم ذكر لهذه الفلسفة أوليات كان في غنى عن ذكرها لو طالع ما كتبناه في لغة العرب في شهر آب (أوغسطس) ٧: ٥٩٣ بعنوان (فضل العربية على سائر اللغات) لكن الرجل أراد أن يبين للناس أنه يلم بعض الإلمام بهذه الفلسفة فكتب ما كتب بلا معنى، ومن جملة ما قال: (لا بد قبل الحكم على القرابة بين المفردات المتشابهة في لغتين أو أكثر مهما قربت ((كذا وقد استعمل (مهما)
стр. 4655
في غير موطن الشرط وكان عليه أن يقول: وأن قربت) أو بعدت درجة القرابة بينها. . أه وقد بينا له في مقالنا (٧: ٥٩٤ وما يليها) أن الساميين على اختلاف قومياتهم: اختلطوا باليونانيين والرومانيين أكثر من الهنود بهم، لجوار مسكن
الساميين لمواطن الإغريق واللاتين وبعد الهنود عنهم. فكيف لم يجب عما كتباه ولعله لم يقرأه فإذا كان لم يقرأه فلماذا يكتب في بحث يجهل ما تكلمنا عليه أفهذا دأب من يقتل البحث علما؟ وفي مقالنا جواب لجميع اعتراضاته بلا شاذ ولجميع ما يسدده إلينا غيره من هذه السهام الطائشة، لأنها لم تكن مراشة.
وفي ص ٣ يخبرنا أن: تجب مراعاة قواعد تحول الأصوات وهي اليوم معلوم ومتفق عليه (كذا فعلى من؟ وإلى من يعود ضمير (عليه) بعد أن قلت (وهي) لله درك من بليغ!) - والرجل الذي يدعي أنه دكتور في العلوم الأدبية - كما نراه يلقب نفسه بهذا اللقب في بطاقة الزيارة التي دفعها إلينا يجهل أن (قواعد تحول الأصوات) تسمى في لغتنا (لا في لغته اليونانية أو الروسية) قواعد الصرف، ثم يجهل أن الكاتب إذا أتخذ لغة أعجمية في مقالته لينقل إليها الألفاظ العربية اتخذها في المقالة كله، لا أن يستعين مرة بلغة وطورا بلغة أخرى وأنت ترى من الوقوف على ما سطرته يده المرتعشة أنه أعتمد في أول الأمر على اللغة الإنكليزية في اعجامه الكلمات ثم على اللغة الفرنسية إذ في الصفحة الثانية ذكر لفقه اللغة كلمة فرنسية والآن يقابل (الصرف) أو كما يسميه (تحول الأصوات) بكلمة فرنسية أخرى. فما معنى هذا الخبط والخلط؟ وليعلم أيضاً أن المستشرقين الذين نقلوا كلمتنا (الصرف) لم ينقلوها إلا بكلمة (مرفولوجية) لأن في هذا الفن من فنون العربية يجيء ذكر القلب والإبدال والنقل والإدغام وغير ذلك من تحول الأصوات كالحروف الشمسية والقمرية إلى غيرها. فبحق إذن: سمي هذا الفن بالصرف إذ بالصرف إذ تصرف الحروف والحركات عن أصواتها في بعض المواطن إلى أصوات أخرى تناسبها لما طرأ أو يطرأ عليها من التغيير.
ومما صرح به قوله: (لم يجد من تعرض لمقابلة العربية الأوربية الهندية أو (كذا، وهو يحاول أن يقول (ولا)) باللغات الغير السامية (كذا أي غير السامية) وأن هذا الخاطر لم يعن إلا على بال أثنين من المستشرقين وهما. . .
стр. 4656
(وذكر هنا الاسمين مخطوءاً فيها. فليرجع إلى ما كتبناه ليتحقق أننا كتبناهما - لا كما فعل. وقوله بعد ذلك (وكلاهما على ما نعلم ليسا من المستشرقين المعروفين) قول يدل على جهله، فليراجع كتابيهما ليتضح له أنهما مستشرقان بارعان لا يشق حضرته غبارهما. وقد أخطأ في ضبط أسم نلد كي لا
وفيه غلطان.
وهنا لا نريد أن نتبعه في تصحيح الألفاظ الإفرنجية التي ذكرها فأن الغلط يكثر فيها وتصحيحها ليس من غاية هذه المقالة.
ونحن نعذره عن إتقان ضبط الأعلام الإفرنجية - لأنه يدعي أنه روسي أو متروس وفي بعض الأحيان يدعي أنه يوناني أو متيونن لكن ما عذره في كتابة أسمنا أنسطاس (ص٣ في الحاشية ومرتين في ص ٤ ومرة في ص ٥ ومرة في ص ٨) وقد صرحنا غير مرة أن أسمنا (أنستاس) أفيظن أن تشويه الأعلام مما يزيده قدراً بين العلماء مع أن هذا العمل يليق بأعاجم غلف القلوب هم من قلب أفريقية في القرون الأولى بعد الفطحل. ولهذا لا نعجب من قوله هذا وهو: فلو أتيح لحضرة الأب أن يطالع. . . لما أقدم على كتابة مقالته التي ترجع بنا بآرائها ونظرياتها إلى الجيل الرابع أو الخامس للهجرة. . .) فنحن نتحداه في أن يذكر أسم رجل واحد من الأقدمين سبقنا إلى هذا الرأي سواء أكان قبل الهجرة أم بعدها من أبناء يعرب أو من أولاد المغرب.
ومن براعته في الكتابة أنه يقول في ص ٤ (وأغرب من ذلك أن صاحب المقالة لم يطالع حتى تأليف الكاتبين. . .) فيا حضرة الأستاذ في جامعة باكو ويا أيها الدكتور في العلوم الأدبية (؟) أين المعطوف عليه حينما تقول: حتى تأليف الكاتبين. .؟ فإذا كنت لا تحسن التعبير عن فكرك فلماذا لا تدفع نتاج يراعتك إلى واحد يقوم لك لسانك لنفهم ما تقول؟ فإلى متى هذه الرطيني؟.
على أن الداهية الدهياء هي في قوله في تلك الصفحة: (لأسباب نجهلها وأن كنا ندركها)) (!!!) فلله درك من غبي ذكي! ومن نير مظلم! ومن أعمى بصير! ومن عاجز قدير! فكيف تجهل الأسباب - يا رعاك الله - وأنت تدركها؟
стр. 4657
ذلك ما نتركه لك لتفكر به سنين بل أحقابا ثم تعال وفسره لنا.
ومن رطيناه أنه يقول (في ص ٥) (وخلاصة هذا الأسلوب - أن كنا فهمناه يكاد ينحصر في ضابطتين. . .) ولعله يريد (تكاد تنحصر) إذ لم يسمع جواز التذكير في هذا وأمثاله، لأنه مبتدأ وخبر والمضاف إليه مفرد لا جمع كما لو قيل (كانت جميع الناس) ومن تعابيره المفككة قوله في تلك الصفحة: وهذه الضابطة الأخيرة هي الأهم في نظر الكاتب) فأين
وجد أن أفعل التفضيل إذا أنث ودخلته أل يبقى على حالته؟ فالغلط واضح والصواب هي الهمى أو هي المهمة كل الأهمية.
وإذ قد بدأنا بأن نبين هنواته قبل الجواب عن اعتراضاته فلا بد لنا من أن نأتي على ذكر أهم ما في تلك العبارات المكسرة المهشمة والألفاظ المعفوط فيها ليصح لنا بعد ذلك الكلام بتسلسل في الأفكار من غير أن نق فيه. ومن تلك الأغلاط قوله (فلم أهتد إلى ما يقابلها في العربية أو أخواتها. وكان حقه أن يقول: ولا في أخواتها (راجع لغة العرب ٧: ٧٤٢) ومما يجري في هذا الوادي - وادي الأوهام - قوله في ص ٦: لو أردنا أن نفي المقالة حقها. . . ولعله يريد أن يقول (أن نفي بحق المقالة) كما هو مثبت في معاجم اللغة.
ومن أعظم الأدلة أن الرجل أعجمي ولا يمكنه أن يصل يوماً إلى اكتناه أسرار لغتنا الضادية اعتراضه علينا في كلمة: (صور الحرف) فقد نقل في ص ٦ كلامنا هكذا (ولما كانت الواو العربية في القديم تصور (؟) بالباء ولم يكن لهم (لمن؟) حاء بل. . .) قلنا: وقد جعل وراء (تصور) علامة استفهام كأنه يقول لنا: بأي لغة تتكلمون؟ - فنقول له: أننا نتكلم بالعربية لا بالروسية. فما عليك إلا أن تفتح أي كتاب في الصرف والنحو لترى أن الأقدمين قالوا: رسم الحروف وصورة وكتبه إلى غير هذه الألفاظ ونحن نحيله على أن يطالع كتاب المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية لنصر الهوريني وهو من النقدة المشاهير في المائة الماضية في ص ٨٢ إلى ص ٩٠ فيرى أن الكاتب التحرير استعمل صور الحرف تصويراً ورسمه. مراراً لا تحصى فكيف خفي على حضرة الأستاذ في جامعة باكو والدكتور في علوم الأدب (؟) هذا الأمر الطفيف. واستغرب أيضاً قولنا: (ولم
стр. 4658
يكن لهم) مع أننا لم نذكر الاسم الظاهر الذي يعود إليه الضمير والعبارة واضحة في أن الضمير عائد إلى مستتر معروف مشهور هو (الغربيون لخلو لغاتهم من الحاء) على حد ما جاء في الآية (كل من عليها فان) - ففي مثل هذا المقام يجوز استتار الاسم لا كما قال هو في ص ٤ وأشرنا إليه فويق هذا وكلام أستاذ جامعة باكو والدكتور في الأدب (؟) كله من هذا القبيل (مبهم معقد مرتبك لا تكاد تفقه له معنى) (عبارة الأستاذ نفسه في ص ٦).
ومن غرائب ما جاء في مقالته التي جمعت من الأوهام أغربها ومن السخافات أوهنها أنه يجهل ما كان يعرفه السلف من الأمم فأنه سمى الأمة القوطية: الغوطية. مع أن أجدادنا
اتصلوا بهم. وأبن القوطية مشهور عندنا لأن أمه كانت قوطية. وذكر اللغة القلطية المنسوبة إلى القلط فسماها كلتية مع أنه كان يجب عليه أن يعرف القلط لكونه أستاذاً في جامعة باكو ولأنه دكتور في العلوم الأدبية (؟) أفلا تعلم يا شيخي أن العرب قالت القلطي للقصير جداً من الناس والسنانير والكلاب لأن القلط كانوا مشهورين بصغر أجسامهم وعظم شجاعتهم. فكيف فاتتك هذه الحقيقة وأنت أستاذ ودكتور في علوم الأوائل والآخرين (؟) وواقف على أخبار المنقرضين والعائشين؟.
ومن فظائع ما جاءنا به حضرة الأستاذ الباكوي (حفظه الله للعلم وأهله) (عبارة المؤلف ص ٤) إيراده ألفاظاً مدعياً أنها عربية وهي ليست بها اللهم إلا أن تكون (في مخيلة حضرة الأستاذ الواسعة وهذا وحده لا يكفي لتمحيص الحقائق والأصول إلى تلك الجنات الواسعة ذات الأزهار العطرة والأثمار الطيبة التي يجتنيها العقل حين يقتطفها (عبارة الدكتور المحقق (؟) في ص ٨). فقد ذكر لنا في ص ٧ ألفاظاً قال عنها أنها في السامية القديمة (؟) وهي لا وجود لها أبداً اللهم إلا أن تكون في أسفل قارورة الفودكة وتلك الكلم هي: كتب بمعنى المحفر والمبذل (؟ كذا) وقطب أو قطف أي المنجل وقصب أي السكين وخرف بمعنى قطف واجتنى من خرب أو خرف بمعنى آلة مقطع (؟ كذا) ولو قال من الخرف أو التخريف (بمعنى ضعف العقل من الكبر ولا سيما ذلك الخرف الباكر الذي يصيب شاربي الفودكة) لكان أقرب إلى الحق.
стр. 4659
وهناك أغلاط لا تحصى ولا تستقصي كقوله في تلك الصفحة السابقة المشؤومة: فلا حاجة إلى ذكره - والسنكريتية - والفرنساوية. وهو يريد فلا حاجة (لي) أو (بي) إلى ذكره إذ لا يجوز نفي الحاجة نفياً جنسياً عاماً لأن العلماء ذكروا ذلك لحاجتهم إليه. فقولك مثلاً (لا علم موجود) هو غير قولك (لا علم عندي) فذاك نفي عام وهذا نفي خاص - والسنسكريتية - والفرنسية كما يفهم ذلك بالبديهي.
ومن رطيناه قوله في ص ٨: (تلك النتيجة التي أسفلها العالم الكرملي - إلا في كلمة واحدة تكاد لا تصرف - أنها عربية من مئات من السنين بل ربما ألوف من السنين وأنها مأخوذة من لوح. . . (ولعله يريد أن يقول: التي استلها (بتاء قبل اللام) - لا تكاد تصرف - بل قبل ألوف، أو ربما كانت قبل ألوف لأن (رب) لما دخلتها (ما) صرفتها إلى الأفعال -
مأخوذة من. . . ولا نريد أن نمضي في وجهنا هذا أكثر مما مضينا فيه لئلا نخرج عن الموضوع والناس يعلمون أن الرجل (رومي شعوبي ولا صلة له بالعرب ولا بالعربية. فما احراه بالسكوت والأنقباع في غرفته وإلا فأن شاء فليكتب لنا بلغته التي نشأ فيها.
اضطررنا إلى ذكر ما ذكرناه ليهتدي القارئ إلى تفهم كلام حضرة الكاتب وإلا أنقطع به وهو يجري في عدوه الفكري.
(البقية للتالي)
د
جاء في معجم ياقوت ومثله في كتاب الأصنام: قلت لمالك بن حارثة صف لي ودا حتى كأني أنظر إليه قال: تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال قد ذبر عليه (أي نقش عليه) حلتان متزر بحلة ومرتد بأخرى، عليه سيف قد تنكب قوساً، وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة (أي جعبة فيها نبل). انتهى.
قلنا: هذا وصف أله الحب أو الود المعروف عند الرومان باسم وباليونانية وربما أريد به المسمى الذي سماه السلف أيضاً عامر. وعند اليونان ما يقابله عندنا وديد مصغر وداي وبالفرنسية
стр. 4660
القفص والغرشمارية والكاولية
١ - القفص
قال محمد شفيع معاصر الشاه سلطان حسين الصفوي (مترجم القاموس المحيط إلى الفارسية باقتراح الشاه المذكور وقد يزيد على الترجمة بعض الفوائد وسمى الترجمة (ترجمان اللغة) شرع بتأليفه في عاشر شهر شعبان سنة ١١١٤هـ وفرغ منه في العشرين من شهر ربيع الأول سنة ١١١٧ وهذا الكتاب مطبوع في هامش كتاب القاموس في إيران) ما تعريبه: (والقفص طائفة بكرمان وهو معرب كفج أو كوفج ويقولون أيضاً كوفجان).
٢ - الكاولية والغرشمارية
إذا مررت على البلدان المهمة في إيران وجدت فيها جماعات من قوم يقال لهم (غرشمار بضم الغين المعجمة والراء يليها شين معجمة ساكنة فميم فألف فراء أو (غريب زاده - أو (غربال بند - ولا جرم أن هؤلاء يرجعون مع الكاولية إلى نسب واحد وكأنهما الآن شعبتان. والقسم الأعظم من الغرشمارية يزاولون النجارة والحدادة وجميعهم شيعيون إماميون أما موطنهم الأصلي فالمشهور بين مؤرخي الفرس أن بهرام جور ملك الديار الإيرانية كان من أهل الهناء والطرب فدعا من الهند إلى ديار إيران نحوا من أثني عشر ألفاً والطرب والغرشمارية هم من بقايا أولئك النازحين من الهند إلى بلاد الفرس بأمر الملك الإيراني.
وقد يقال للكاولية (بنو ساسان) لأن هجرتهم إلى ديار إيران كانت في عهد الملك الساساني (بهرام جور) ولم ينتشر خبرهم قبل دور آل ساسان.
وكلمة الكاولية أما مشتقة من التكول بمعنى التجمع أو نسبة إلى كول
следующие страницы →