← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

عليهم لأجل مسألته». وأخرج الترمذي (١)، وابن ماجه (٢) عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله- ﵌ عن السمن والجبن والفراء فقال: «الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم». فدلت هذه الأدلة العامة أن الأصل في جميع الحيوانات التي لم تكن مستخبثة، من غير فرق بين الأهلية والوحشية. ومن زعم أن شيئًا فيها [١ أ] حرامًا فإن الدليل على ذلك على وجه تقوم به الحجة غير معارض بمثله، أو بما هو أرجح منه كان مقبولًا، وذلك كما ورد في تحريم كل ذي ناب من السباع (٣)، ومخلب من الطير (٤)، فإنه تخصيص من تلك العمومات الكلية، وكما ورد في تحريم الحمار الأهلي (٥)، والبغال، فإنه كذلك مخصص من تلك العمومات، وكذلك تحريم الخبائث (٦) المصرح بتحريمها في الكتاب العزيز. وإذا لم يأت المدعي للتحريم بدليل صحيح صاف عن شوائب الكدر، غير معارض بمثله، أو بما هو أرجح منه كان مردودًا، أو يكفي القائل بالتحليل المنع كما هو مقرر في

стр. 2102

علم المناظرة، ولا يحتاج إلى الاستدلال، بل الاستدلال على مدعي التحريم. إذا تقرر لك هذا فمدعي تحريم الخيل (١) عليه الدليل، ويكفينا القيام في مقام المنع، فإذا لم يأت

стр. 2103

بالدليل قامت عليه الحجة، وبطلت دعواه، واسترحنا من الكلام معه، والاستدلال عليه (١). وهذه الجملة معلومة من علم المناظرة، لا خلاف بين أهله في ذلك، وكما أن هذا معلوم في علم المناظرة فهو أيضًا معلوم في علم أصول الفقه، فإن المتمسك بالعام لديهم لا يتزحزح عن ذلك العموم إلا إذا اعتقد من يدعي خلافه بالمخصص الصالح للاحتجاج به، وإلا فقوله رد عليه. إذا تقرر لك هذا فاعلم أن القائل بأن الخيل لا يحل أكلها، وأنها كالحمير، والبغال لا بد أن يأتي بدليل تقوم به الحجة، وإلا فالواجب البقاء على تلك العمومات السابقة، فإن استدل على تحريمها بقول الله- : ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها﴾ (٢) الآية. قلنا له: هذه الآية ليس فيها شيء من الدلالة على ما تريد، وبيانه أن الله- سبحانه- إذا ذكر لشيء من مخلوقاته فائدة، أو فائدتين، أو فوائد، فذلك لا يدل على أن لا يوجد فيها [١ ب] غير ما ذكره الله- سبحانه-، وهذا لا يخالف فيه أحد ممن يعرف العلوم الآلية، ويدري بلغة العرب، وبأسرارها المبينة في علم المعاني والبيان، وفي علم أصول الفقه. وقد ذكر الله- سبحانه- في الإبل فوائد ومنها: ﴿وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه﴾ (٣) الآية، وهكذا سائر الحيوانات التي أحلها لا يستلزم ذكر فائدة من فوائدها أن تكون هي المرادة، ولا يجوز غيرها، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم، ومع هذا فهذه الآية التي استدلوا بها مكية وقد تعقبها التحليل بالمدينة كما سيأتي بيانه.

стр. 2104

وإذا عرفت أنه لا دليل لهم فها نحن نتبرع بذكر الدليل الدال على الحل، وإن لم يكن ذلك مما يلزم؛ لأن مجرد المنع والوقوف عليه يكفي، ولكن اسمع أدلة الحل حتى ينشرح صدرك بالحق الحقيق بالقبول فنقول: ثبت في الصحيحين (١) وغيرهما (٢) من حديث جابر أن النبي- ﵌ «أذن في لحوم الخيل»، وثبت أيضًا في الصحيحين (٣) وغيرهما من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: «ذبحنا على عهد رسول الله- ﵌ فرسًا ونحن بالمدينة فأكلناه». وفي لفظ أحمد (٤): «فأكلناه نحن وأهل بيته «وقد اقتصرنا هاهنا على هذين الحديثين الثابتين في صحيح البخاري، والمتواتر قطعي الدلالة لا يحل مخالفته بالظنيات، وإن كثر عددها، فكيف وليس هنا دليل يفيد أن الصحابة أجمعوا على حل أكل الخيل، وكذلك أخرج ابن أبي شيبة (٥) عن ابن جريج مثل ذلك، وهما تابعيان مميزان لا يخفى عليهم ما كان عليه الصحابة بلا شك ولا ريب، فعرفت بما ذكرنا أن حل لحوم الخيل مدلول عليه بعموم الآيات القرآنية، والمتواتر من السنة المطهرة، وبإجماع الصحابة، وبعض البعض من هذا يكفي، لا سيما مع عدم وجود دليل يتمسك به القائل بالتحريم، بل يكفي مجرد القيام مقام المنع كما تقدم، فأعجب من القائل بالتحريم كيف خفي ليه مثل هذا! ومع هذا هو مذهب الإمام زيد بن على كما حكاه الإمام الهدي عنه في البحر الزخار (٦)، بل هو

стр. 2105

قول أمير المؤمنين، وسيد المسلمين علي بن أبي طالب رضي اله عنه كما حكاه في الجامع الكافي (١) جامع مذهب آل محمد ولفه: وروى محمد بإسناده [٢ أ] عن زيد بن علي عن علي ﵁ أنه قال: يحل أكل الخيل العراب. انتهى. وإذا عرفت أن الخيل حلال فدمها طاهر كما ذهب إليه الجمهور، وهو الحق (٢) الذي لا شك فيه، ولم يسمع القول بنجاسة الدم لا في زمن الصحابة، ولا التابعين، وهذا يعرفه كل من يعرف مذاهب أهل العلم، وهذا في غير دم الحيض والنفاس، وما خرج من السبيلين. وإلى هذا ذهب جماعة من أهل البيت منهم: زيد بن علي، والإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي- ﵃ وقد روى عنه صاحب الجامع الكافي (٣) جامع آل محمد أنه قال: إذا رأيت في ثوب أخيك دمًا وهو يصلي فلا تخيره حتى ينصرف، وروى عنه أنه قال: لا تعاد الصلاة من نضخ دم. وروى صاحب الجامع الكافي بإسناده عن علي ﵁ أن النبي- ﵌ توضأ ثم أمس إبهامه أنفه، فإذا دم فأعاد مرة أخرى، فلم ير شيئًا فأهوى بيده إلى الأرض فمسحه، ولم يحدث وضوءًا، ومضى إلى الصلاة. ورواه أيضًا عن أمير المؤمنين- ﵃ زيد بن علي بإسناده. وقد كان الصحابة- ﵃ تتمضخ ثيابهم بالدماء عند الجهاد، ولم يؤثر عن النبي- ﵌ أنه أمر أحدًا منهم بغسل ثوبه، أو ينزعه عنه حال الصلاة. ومن ذلك الصحابي الذي أرسله- ﵌ يقف في

стр. 2106

محل الحراسة للمجاهدين، فإنه جاء في ظلمة الليل رجل من الكفار فرآه مستقيمًا يصلي، فرماه مرة بعد مرة ن والسهام تصيبه، ولم يخرج من الصلاة حتى أتمها، ثم أتى النبي- ﵌ فعاتبه على صبره على ذلك، ولم يأمر بنزع الثياب التي عليه للصلاة، ولا أنكر عليه إتمامه للصلاة. وهذه الحديث في البخاري (١) من حديث جابر مختصرًا. وأخرج غيره (٢) مطولًا. والقصة مشهورة معروفة في كتب السير (٣) والحديث، وقد استدل القائلون بنجاسة الدم بدليلين: الأول: قوله- : ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتتة أو دمًا مسفوحًا﴾ (٤) الآية. وليس في هذه الآية دلالة قط؛ لأنها مسوقة لذكر ما يحرم أكله. ولهذا قال على طعم يطعمه، ولا ملازمة بين تحريم الأكل والنجاسة بوجه من الوجوه قط. ومن ادعى الملازمة فقد غلط غلطًا بينًا وأما استدلالهم بحديث عمار (٥) فهو مما لا تقوم به حجة قط.

стр. 2107

وقد اتفق علماء الحديث العارفون به على ضعفه من وجوه كثيرة ليس المقام مقام بسطها، واتفقوا [٢ ب] على أنها لا تقوم به الحجة، فالبقاء على الأصل وهو الطهارة متعين. ومن جملة من ذهب من أهل البيت إلى أن خروج الدم لا ينقض الوضوء الإمام الناصر صاحب الجبل والديلم المعاصر للإمام الهادي يحيى بن الحسين قال: الأمير الحسين في الشفاء (١): قيل: روى أنس «أن النبي- ﵌ احتجم وصلى ولم يتوضأ». (٢) ولم يزد على غسل محاجمه دل على أن ذلك لا ينقض الوضوء. وهو قول الناصر للحق وأتباعه. انتهى. وقد روى هذا الحديث الدارقطني (٣) وقال المنذري في تخريج المهذب: أن إسناده حسن. وقال ابن العربي في خلافياته: أن الدارقطني رواه بإسناد صحيح (٤).

стр. 2108

ومما يلزم القائلين بنجاسة الدن أنهم استدلوا على طهارة ما خرج من سبيلي المأكولات من الحيوانات بحديث جابر (١) والبراء (٢) بلفظ: «لا بأس ببول ما أكل لحمه»، وهذا الحديث وإن كان لا تقوم به حجة لكنهم لما استدلوا به وحكموا لما يؤكل لحمه بطهارة البول كان الدم أخف من البول، وكان يلزمهم أن يحكموا بطهارة دم ما يؤكل لحمه مع كونه خارجًا من أحد السبيلين، فكيف حكموا بنجاسة الدم الخارج منها! ولم يثبتوا إلا السمك (٣) ......................................

стр. 2109

والبق والبرغوث (١)، وما صلب على الجرح، وما بقي في العروق (٢) بعد الذبح، بل ثبت (٣) أن النبي- ﵌ أمر أهل عرينة أن يشربوا من أبوال الإبل، وإنما ذكرنا هذا تقريبًا للأذهان؛ لتفهم أنه لا وجه للحكم بنجاسة الدم من الآدمي، ومن الخيل والإبل ونحوها من سائر المأكولات (٤). وأما انتقاض الوضوء بتعمد الكذب والنميمة ونحوهما من المعاصي (٥) فاستدل القائلون بذلك الحديث المروي عن أبي هريرة أن النبي- ﵌: «رأى رجلًا مسبلًا إزاره في الصلاة، فأمر بإعادة الوضوء والصلاة» (٦) ففي إسناده ....................

стр. 2110

مجهول (١) فلا يصح الاستدلال به على انتقاض وضوء المسبل إزاره، فضلًا عن غيره من الفاعلين للكذب، وسائر المعاصي. واستدلوا أيضًا بقصة الأعمى التي أخرجها الطبراني في الكبير (٢) عن أبي موسى قال: بينما النبي- ﵌ يصلي بالناس إذ دخل رجل فتردى في حفرة كانت في المسجد، وكان في نضره ضرر فضحك كثير من القوم في الصلاة فأمر النبي- ﵌ من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة. وفي إسناده محمد بن عبد الملك بن مروان الواسطي (٣)، قال أبو داود (٤): إنه لم يكن بمحكم العقل. ورواه البيهقي (٥) عن أبي العالية مرسلًا، وقال: أما هذا فحديث مرسل، ومراسيل أبي العالية ليست بشيء، كان لا يبالي عمن أخذ. وقال الشافعي (٦) حديث أبي

стр. 2111

العالية الرياحي رياح. وقال ابن عدي (١): أكثر ما ينقم على أبي العالية هذا الحديث، وقد جزم جماعة من الحفاظ أنه لم يصح في كون الضحك [٣ أ] ينقض الوضوء شيء. وأقول: ما كان لأصحاب رسول الله الذين هم خير القرون (٢) أن يضحكوا في صلاتهم أ لا سيما على مثل هذه القضية التي تقتضي البكاء لا الضحك، فأي سبب للضحك لسائر الناس في رجل ضرير تردى في حفرة، فكيف للصحابة المؤتمين بالصادق المصدوق- ﵌!، قال البيهقي (٣): وليس في شيء من الروايات أنه أمرنا بالوضوء. وأخرج البيهقي (٤) عن أبي الزناد قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهي إليه منهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير (٥)، والقاسم بن محمد (٦)، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار في مشيخة جلة سواهم يقولون عن من رعف غسل عنه الدم، ولم يتوضأ. وفي من ضحك في الصلاة إعادة صلاته ولم يعد منه وضوءه. انتهى. قلت: وهؤلاء السبعة الذي صرح بأسمائهم هم الفقهاء السبعة، الذين كانت تدور عليهم الفتيا في أيام التابعين، وقال الشاعر:

стр. 2112

ألا كل من لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه فقل هم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه ويعمم غيرهم كما قال في مشيخة جلة سواهم، فعدم نقض الدم للوضوء هو إجماع التابعين (١)، ولو خالفهم غيرهم لبينوه، وهيهات أن يخالف هؤلاء الجبال غيرهم! وإجماعهم يدل على إجماع الصحابة كما ذكرنا لك سابقًا. ولو قال صحابي من كبارهم أو صغارهم ما خفي ذلك على ذلك هؤلاء الأئمة من التابعين، وحكم أجمع الصحابة والتابعون لا ينبغي أن يخالفهم مخالف. وأما كون الكذب والغيبة والنميمة ونحوها غير ناقض للوضوء فلا دليل على ذلك، ولا من كتاب، ولا من سنة. وما سبق في قصة المسبل إزاره، وفي قصة الضرير الذي تردى فقد عرفناك أنه لا يصلح للاستدلال به على القصتين المذكورتين، فكيف يستدل به على الكذب والغيبة والنميمة! ولم يوجب الله- سبحانه- على فاعل المعصية إلا التوبة [٣ ب]. وإلى هنا كفاية. وقد أوضحت في مصنفاتي [هذا] (٢) المسائل أكثر مما هنا. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل [٤ أ].

стр. 2113

جواب سؤال في نجاسة الميتة تأليف محمد بن على الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2114

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة: جواب سؤال في نجاسة الميتة. ٢ - موضوع الرسالة: في الطهارة. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله والطاهرين. وبعد: فإنه سأل سيدي العلامة المفضال، عماد الآل يحيى بن مطهر بن إسماعيل- كثر فوائده الرب الجليل- سؤىلًا جيد الإيراد .. ٤ - آخر الرسالة: .. وفي هذا كفاية إن شاء الله. انتهى من خط شيخنا بدر الدين محمد بن علي بن محمد الشوكاني أبقاه الله، وكثر الله فوائده آمين. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - الناسخ: يحى بن مطهر بن إسماعيل. ٧ - عدد الصفحات: ٦ صفحات. ٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٥ سطرًا. ٩ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ - ١٢ كلمة. ١٠ - الرسالة من المجلد الرابع من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 2115

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين: وبعد: فإنه سأل سيدي العلامة المفضال، عماد الآل يحيى بن مطهر بن إسماعيل (١) - كثر فوائده الرب الجليل- سؤالًا جيد الإيراد، فائق الإيراد ولفظه: سؤال: كيف يجمع بين حديث ابن عباس في شاة ميمونة «إنما حرم من الميتة أكلها» المتفق عليه (٢)، وإن اختلف في بعض ألفاظه، فإنه يدل أن كل ما عدا الأكل جاز الانتفاع به، وبين حديث عبد الله بن عكيم: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب» (٣) فكما هو كتبه من كتب الحديث، فإنه يدل أنه لا ينتفع منها بشيء.

стр. 2116

وقد دفع (١) ما قيل فيه من الاضطراب أو الانقطاع، وعلى فرض فمعناه صحيح نطق به القرآن الكريم. قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي ألي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا﴾ (٢). والظاهر من معنى الرجسية (٣) تحريم الانتفاع لا الأكل فقط لما وقع البخاري (٤) وغيره (٥) من حديث جابر أنه لما قال النبي- ﵌: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقيل له: يا رسول أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه يطلي بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام- ثم قال-: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه». ولحديث أبي هريرة (٦) سئل رسول- ﵌ عن سمن وقعت فيه فأرة؟ فقال: «ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم» وهو في ..................

стр. 2117

البخاري (١) وغيره (٢). ولحديث ميمونة: «إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مانعًا فلا تقربوه». أخرجه أبو داود (٣) والنسائي (٤). فإنها صريحة في حرمة الانتفاع، وعلى ذكر الآية الكريمة، فإنه يشكل فائدة [١ أ] التنصيص على لحم الخنزير، فإنه يظهر له فائدة، ولم أر من نبه عليه بعد البحث. فالإفادة من حسناتكم مطلوبة. انتهى السؤال.

стр. 2118

[الجواب] أقول: الكلام على حديث عبد الله بن عكيم (١) إعلالًا، واضطرابًا، وتحسينًا،

стр. 2119

وتصحيحًا قد استوفيته في شرحي على المنتقى (١)، وهو من كتب السائل- كثر الله فوائده- فلا نطول البحث بالكلام عليه، فإن سؤال السائل إنما يتعلق بكيفية الجمع بين الحديثين، ثم ذكر ما رجح به أحد طرفي البحث في سؤاله هذا. واعلم أن حديث: «إنما من الميتة أكلها» (٢) يدل بمفهوم الحصر على أن غير

стр. 2120

الأكل لا يحرم منها، بل هو حلال. ومن ذلك الانتفاع بها بوجه من وجوه الانتفاع غير الأكل. وحديث عبد الله بن عكيم (١) ليس فيه إلا مجرد النهي عن الانتفاع بالإهاب والعصب لا بغيره من الأجزاء، فكان مخصصًا لهذين النوعين من عموم مفهوم حديث: «إنما حرم

стр. 2121

من الميتة أكلها» (١) فلو لم يرد إلا هذان الحديثان فقط لكان المستفاد منهما جميعًا تحريم فلو لم يرد إلا هذان الحديثان فقط لكان المستفاد منهما جميعًا تحريم، فلو لم يرد إلا هذان الحديثان فقط لكان المستفاد منهما تحريم أكل الميتة من غير فرق بين لحم، وعظم، وجلد، وعصب، وغير ذلك. وجواز الانتفاع بها في غير الأكل (٢) إلا فيما كان منها من العصب والجلد، فإن لا يجوز الانتفاع بهما في شيء من وجوه الانتفاع كائنًا ما كان. وأما قياس بقية أجزاء الميتة على هذين الجزئين، وجعل القياس مخصصًا لذلك المفهوم مما لا تطمئن به النفس، ولا ينثلج له الخاطر وإن قال بجواز التخصيص بمثل هذا القياس جماعة من أئمة الأصول. فإن قلت: فما وجه اقتصاره- ﵌ على هذين الجزئين في النهي عن الانتفاع بهما، مع أن للميتة أجزاء غيرهما؟. قلت: هكذا ورد الشرع فقف حيث وقف بك، ودع عنك لعل وعسى ونحوهما. فإن قلت: لا بد من ذلك، فقد يقال: لعل وجه التنصيص عليهما دون أن العرب كانت تنتفع بهذين النوعين من الميتة، فيأخذون الإهاب للانتفاع به مدبوغًا،

стр. 2122

وغير مدبوغ، ويأخذون الغصب ليشدوا به [١ ب] ما يحتاج إلى شد. وأما غير هذين الجزئين فالمنفعة المتعلقة به هي الأكل وحده، هذا غاية ما يقوله من أراد إتعاب نفسه بالتخيلات التي لا تنفع، والتوهمات لتي لا يستفاد بها. ويدفع بأن أجزاء الميتة الخارجة عن هذين الجزئين ما ينتفعون به كانتفاعهم بهما أو أكثر، فمن ذلك الشحم، فإنهم ينتفعون بهما في منافع عديدة، منها الدهن للأشياء، الاستصباح، ولها قالوا لما حرم عليهم الشحوم منبهين على المنافع التي لهم فيها: أرأيت يا رسول الله شحوم الميتة، فإنه يطلي بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ وهكذا العظم، فإنهم ينتفعون به في منافع فقد كانوا يذبحون به كما ورد في الحديث (١)، وهكذا الأصواف التي على الجلود من الميتة، فإن لهم فيها أعظم المنافع. وقد كان لباسهم وشعارهم ودثارهم منها، وهكذا اللحم فإنه يمكن أن ينتفعوا به في طعام دوابهم. فإن قلت: قد ذكر النبي- ﵌ تحريم بيع الشحوم (٢)، بل تحريم بيع الميتة، وذكر تخريم الذبح بالعظم. قلت: نعم ذكر ذلك في أحاديث آخرة، وليس النزاع في مطلق الذكر، بل النزاع في كون ذلك ونحوه لم يذكر في حديث عبد الله بن عكيم (٣)، مع كونهم ينتفعون به كما ينتفعن بالإهاب والعصب، وليس المقصود من ذكرنا لذلك إلا النقص على من زعم أن أجزاء الميتة مستوية ففي تحريم الانتفاع، وأن التنصيص على الإهاب والعصب إنما وقع لكثرة انتفاعهم بهما. فإن قلت: قد صرح النبي- ﵌ بتحريم بيع ..........................

стр. 2123

الميتة (١) في حديث، وبتحريم شحومها (٢) في حديث آخر، وكلاهما في الصحيح. قلت: نعم، لا يحل بيع شيء من أجزاء الميتة كما في الحديثين المشار إليهما. وقد علل النبي- ﵌ ذلك بقوله: «إن الله [٢ أ] إذا حرم شيئًا حرم ثمنه» كما ثبت في الصحيح (٣)، فصرح- ﵌ في هذا الحديث بأن تحريم البيع لازم من لوازم تحريم الأكل، ومتفرع عليه، فيحرم البيع لأجزاء الميتة جميعًا، ومن ذلك العصب والإهاب قبل دبغه (٤) لا بعده، فهو مخصوص بأحاديث صحيحة، ويختص العصب والإهاب بتحريم الانتفاع بهما، ويبقى ما عدا ذلك على أصل الجواز. واعلم أن النهي عن الانتفاع بالعصب والإهاب، وانهي عن بيع الميتة لا يستلزمان أن تكون الميتة نجسة على وجه يمنع وجود شيء منها صحة صلاة .......................

стр. 2124

المصلي (١)، فإن تحريم البيع لا يستلزم أن يكون الشيء نجسًا (٢)، لا شرعًا، ولا عقلًا، وإلا لزم نجاسة الأصنام والأزلام، وسهام الميسر، ونحوها مما ورد الدليل الصحيح (٣) بتحريم بيعها، وقد قرن النبي- ﵌ في حديث جابر الثابت في الصحيح (٤) بين الميتة والأصنام فاللازم باطل فالملزوم مثله. أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان اللازم فبالإجماع. وهكذا لا يستلزم نهيه- ﵌ عن الانتفاع بالإهاب والعصب أن يكونا نجسين لا شرعًا، ولا عقًلا؛ فإن كون الشيء نجسًا يمنع وجو صحة صلاة المصلي، إنما يثبت بدليل يدل على ذلك دلالة مقبولة، والنهي، الانتفاع هو باب آخر غير باب كون الشيء نجسًا أو طاهرًا (٥)، وهكذا لا يستفاد من حديث إلقاء الفأرة وما حوله إذا وقعت في السمن الجامد (٦)، وإراقة السمن الذي وقعت فيه الفأرة [٢ ب] إذا كان مانعًا نجاسة هذه الميتة، فإن تحريم ما وقعت فيه من الجامد وما حوله، وتحريم جميع

стр. 2125

المانع الذي وقعت فيه لكونه قد خالطه في الطرفين شيء من الميتة التي يحرم أكلها، فكان أكله حرامًا مثلها، وليس ذلك لكونه نجسًا. ولا ملازمة بين الإلقاء وبين ترك الانتفاع من كل وجه، فقد يكون الإلقاء إلى شيء له بذلك نوع انتفاع. وهكذا لا يستفاد من قوله تعالى: ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (١) أن تكون الميتة من غير الخنزير نجسة، فإن الضمير في قوله: ﴿فإنه﴾ راجع إلى المضاف (٢) وهو لحم، أو إلى المضاف إليه وهو الخنزير على خلاف في ذلك. وعلى كل تقدير فذلك لا يستلزم نجاسة الميتة لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام. بل لو كان ما ذكره الله- سبحانه- في هذه الآية- أعني قوله: ﴿قل لآ أجد في ما أوحى إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير﴾ (٣) نجسًا لقال- سبحانه- في هذه: فإنها رجس (٤) والرجس يكون على أربعة أوجه: إما من حيث الطبع وإما من جهة العقل، وإما من جهة الشرع وإما من كل ذلك كالميتة. فإن الميتة تعاف طبعًا وعقلًا وشرعًا. والرجس من جهة الشرع: الخمر والميسر وقيل: إن ذلك رجس من جهة العقل وعلى ذلك نبه بقوله تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩]، لأن كل ما يوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنبه، وجعل الكافرين رجسًا من حيث إن الشرك أقبح الأشياء قال تعالى: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم﴾ [التوبة: ١٢٥]. وقوله تعالى: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾ [يونس: ١٠٠]. قيل: الرجس: النتن، وقيل العذاب وذلك كقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]. وقال سبحانه: ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وذلك من حيث الشرع. «مفردات ألفاظ القرآن» (ص٣٤٢) للراغب الأصفهاني.، فلما جعل الحكم بالرجسية خاصًا بالخنزير (٥) مع ذكر الميتة والدم المسفوح معه أفاد ذلك أنهما مغايران له في هذه الصفة أعني: الرجسية. إذا تقرر لك هذا عرفت أنه لم يدل دليل على نجاسة الميتة من غير الخنزير كائنةً ما

стр. 2126

كانت هذه الكلية الأولى. الكلية الثانية: أن أكل الميتة حرام من غير فرق بين جميع أجزائها. الكلية الثالثة: أن بيعها حرام من غير فرق. فهذه الثلاث الكليات قد اتفقت عليها الأدلة [٣أ]، ولم يختلف أصلًا. وإنما الخلاف في مجرد الانتفاع بالميتة في غير الأكل والبيع، فحديث: «إنما حرم من الميتة أكلها» (١) دل على جواز الانتفاع بها في غير الأكل والبيع. وحديث عبد الله بن عكيم فيه النهي عن الانتفاع بالإهاب والعصب فكان هذا الحديث مخصصًا لما يقيده مفهوم حديث: «إنما حرم من الميتة أكلها» من العموم كما قدمنا. ولا يجوز إلحاق غيرهما بهما لما عرفناك سابقًا. وإياك أن تغتر بما وقع في بعض كتب الفروع من أن نجاسة الشيء فرع تحريمه، فإن ذلك كلام باطل، ودعوى محضة (٢)

стр. 2127

وفي هذا كفاية- إن شاء الله-. انتهى من خط شيخنا بدر الدين محمد بن على بن محمد الشوكاني- أبقاه الله، وكثر فوائده- آمين [٣ ب].

стр. 2128

(٧٣) ٢٢/ ١ جواب في حكم احتلام النبي ﷺ تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2129

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، وصلى الله على محمد وآله وصحبه. ما تقولون- رضي الله عنكم وأرضاكم- في أنه ثبت في الخصائص النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أن نبي الله- ﵌ لا يحتلم، وأن الاحتلام من قبل الشيطان- أعاذنا الله منه- مع الحديث الثابت في الصحاح (١) عن أم المؤمنين عائشة زوج النبي- ﵌: «كنت أفركه من ثوب رسول الله- ﵌ ويصلي فيه». هذا معنى الحديث. أفيدوا جزاكم الله خيرًا.

стр. 2130

الحمد لله رب العالمين الجواب- والله الهادي- أنه قد ذهب جمع من العلماء إلى استحالة الاحتلام في حقه- ﵌، قالوا: لأنه من تلاعب الشيطان بالئائم، وجزموا بأن المني (١) الذي كان على ثوبه- ﵌ ليس إلا من الجماع، ويقويه أنه لا ملازمة بين كون المني موجودًا في ثوبه، وبين كونه عن احتلام، لا عقلًا ولا عادة، لاحتمال أن يكون مما بقي في الذكر من أثر الجماع، أو مما يحصل عند مقدمات الجماع، كما حكى ذلك النووي (٢) عن جماعة من العلماء. وذهب قوم جمع إلى منع الاستحالة، ومنع كون الاحتلام من تلاعب الشيطان (٣)، وجزموا بأنه جائز منه- ﵌ وبأنه من فيض البدن الخارج في بعض الأوقات، فالقائلون بأن عدم الاحتلام من خصائصه- ﵌

стр. 2131

هم الأولون. ولا يشكل الحديث على قولهم، لأنهم قد تخلصوا عنه بما سلف. والقائلون بأن ذلك ليس من خصائصه، وهم الآخرون لا إشكال يرد عليهم والله أعلم. انتهي جواب سيدي القاضي عين أعيان العلماء المجتهدين، عز الدين محمد بن على الشوكاني- حفظه الله- كما حفظ من الذكر المبين، وجعله قرة عين المسلمين آمين آمين آمين.

стр. 2132

القول الواضح في صلاة المستحاضة ونحوها من أهل العلل والجرائح تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2133

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إياك نعبد وإياك نستعين، والصلاة ولسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه الأكرمين، وبعد: فإنه ورد إلينا سؤال من الشيخ علي بن محمد بن عبد الوهاب النجدي- كثر الله فوائده، وغفر لي وله- وهذا لفظه: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. ما قولكم في رجل دائم الحدث، وربما انقطع حدثه في بعض الأوقات، وليس لانقطاعه وقت معلوم، فإذا صلى في بيته من حين وضوئه صلى قبل أن يحدث، وإن خرج إلى المسجد أحدث إما قبل الدخول في الصلاة، وإما قبل الخروج منها. فهل يلزمه المشي إلى المسجد وإن صلى بالحدث؟ أم تلزمه الصلاة بالطهارة وإن فاتته الجماعة ومذهب الشافعي الأفضل في حقه أن يخرج إلى المسجد ويصلي مع الجماعة (١). قال النووي (٢) المذهب المشهور على أن صلاة الجماعة عندهم سنة، فإن قلتم يلزمه المشي وتصح صلاته مع الحدث، فهل تصح إمامته بكامل الطهارة أم لا؟ والسائل قد وقف على كلام أهل المذاهب الأربعة، ورأى عباراتهم متفقه على أنه يصلي وإن وجد معه الحدث. وأما اختلافهم في بعض الحدود والشروط فقال الموفق (٣) في كتاب المقنع (٤) والمستحاضة تغسل فرجها وتعصبه وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي ما شاءت من الصلوات، وكذلك من به سلس البول، والمذي، والريح، والجريح الذي لا يرقأ دمه، والرعاف الدائم.

стр. 2134

قال الشارح (١) ويجب على كل واحد من هؤلاء الوضوء لوقت كل صلاة إلا أن لا يخرج منه شيء، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي. واستحب مالك لمن به سلس البول أن يتوضأ لوقت كل صلاة (٢)، إلا أن يؤذيه البرد، فأرجو أن لا يكون عليه ضيق. وقال أحمد بن القاسم (٣) سألت أبا عبد الله- يعني أحمد- فقلت: إن هؤلاء يتكلمون بكلام كثير، ويؤقتون بوقت، ويقولون: إذا توضأت للصلاة وقد ................

стр. 2135

انقطع (١) الدم ثم سال بعد ذلك قبل أن تدخل في الصلاة تعيد الوضوء. ويقولون: إذا تطهرت والدم سائل ثم انقطع الدم قولًا آخر. قال: لست أنظر في لنقطاعة حين توضأت سال الدم أو لم يسل، إنما أمرها أن تتوضأ لكل صلاة فتصلي بذلك الوضوء النافلة والفائتة، حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى (٢)، ولو نستقصي ما وقف عليه من عبارات العلماء لاحتمل كراريس، فالمطلوب بسط الجواب بما أمكن من الأحاديث والآثار، والنظر والقياس. وسر آخر وهو أنه ربما زاد الحدث ببعض المأكولات فهل يلزمه ترك [١ أ] ذلك المأكول والمشروب إذا عرف أنه يمد علة الحدث، وفرع لهذه المسألة، وهو أن السائل يصلي مع الجماعة بالحدث لإذن أهل العلم له بذلك كما تقدم، ولخوف أن تكون صلاة الجماعة شرطًا كما هو مذهب أهل الظاهر، ومن وافقهم، ثم أنه يقضي الصلاة في بيته لأجل إمكان الصلاة على طهارة، وتناول في ذلك حديث الرجلين اللذين صليا بالتيمم (٣)

стр. 2136

فلما وجد الماء أعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فذكرا ذلك للنبي- ﵌ فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة» وقال للآخر: «لك الأجر مرتين». وهذا الرجل قد اتخذ القضاء دينًا، فهل هو مصيب في ذلك أم لا؟ وأيضًا على أي صفة يحضر هذا الرجل صلاة الجمعة. أفتونا- علمكم الله ما لم تكونوا تعلمون- انتهى.

стр. 2137

أقول- مستعينًا بالله، ومتكلًا عليه، حامدًا له مصليًا مسلمًا على رسوله وآله وصحبه-: إن هذا المكتوب قد اشتمل على أسئلة سنجيب عن كل واحد منها- بمعونة الله- بعد تقديم مقدمة هي أنه لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم أن كون الشيء ناقضًا للوضوء، مبطلًا للطهارة، موجبًا للوضوء لا يعرف إلا بالشرع، ولا مدخل في ذلك لحكم العقل، ولا لمحض الرأي، فإذا جاء حكم الشرع بأن هذا الشيء يبطل حكم الطهارة، ويوجب إعادتها كان علينا قبول ذلك والإذعان له، وإن لم نعقل علة ذلك، ولا فهمنا وجهه كما في مس الذكر (١)، وأكل لحوم الإبل (٢)، فإنه قد ثبت عن الشارع أنهما ناقضان للطهارة، مبطلان للوضوء، وليس لنا أن نقول: العلة في هذا معقولة أو غير معقولة، أو السبب في هذا مفهوم أو غير مفهوم، وهكذا ما شابه هذين الناقضين من النواقض التي يبعد فهم عللها، ويصعب تعقل أسبابها، بل نقول بعد ورود الشرع: هكذا جاءنا عن

стр. 2138

الله- سبحانه-، أو عن رسوله- ﵌، ونحن نقبله ونذعن له كما وجب علينا قبول ما جائنا به من كون غسل أعضاء الوضوء. وهي بعض من البدن رافعًا لحكم الحدث، وهو شيء لم يقم بها حسًا ولا وجد عليها أثرة في رأي العين، وهكذا إذا جاء الشرع بأن هذا الشيء المرئي أثره الخارج من الفرج أو نحوه ليس بناقض للطهارة، فليس لنا أن نقول لم لم يكن ناقضًا؟ وكيف لايكون مبطلًا للطهارة! وها هو جسم مدرك بحاسة البصر، وحاسة اللمس، خارج من الفرج. بل نقول: هكذا جائنا عن الذي جائنا بتفصيل أحكام الطهارة وبيان شروطها، ومقتضيها ومانعها، وما تصح به وما لا تصح به، وليس لنا أن نرجع [١ ب] إلى ما تقتضي به عقولنا وتقبله أفهامنا؛ فإن ذلك في مثل هذه المدارك أمر وراء الشرع. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (١). وإذا تقرر هذا فالشرع قد ورد مورداُ لا يجحده أحد من المتشرعين أن دم المستحاضة مع كونه دمًا من الفرج الذي هو محل الحدث لا ينقض الطهارة (٢)، ولا يبطل حكمها، وإن استمر خارجًا من عند الشروع في الوضوء إلى الفراغ من الصلاة. وهذا معلوم من الشرع علمًا ضروريًا، ومجمع عليه عند جميع أهل هذه الملة الشريفة. وألاحاديث الواردة في ذلك يعرفها السائل- عافاه الله-. فهذا الدم الخارج على هذه الصفة ليس من الأحداث الموجبة للوضوء في حق هذه المرأة المستحاضة لاينكلر ذلك منكر، ولا يخالف فيه مخالف، فصلاتها وهو خارج خروجًا كثيرًا، منصب انصبابًا

стр. 2139

شديدًا (١)، مستمر أستمرارًا مطبقًا، وصلاتها وهو خارج خروجًا يسيرًا، وسائل سيلانًا نزرًا، وصلاتها وهو منقطع تارة، وخارج أخرى مجزية صحيحة مقبولة واقعة على المنهج الشرعي، والمهيع المحمدي، والسبيل الأسلامي، لا فرق بين هذه الصور أصلًا. ولم يأت في هذه الشريعة السمحةالسهلة شيء مما يستدل به على الفرق. فالحاصل أن المستحاضة لا فرق بينها وبين غيرها من النساء اللاتي لم يكن مستحاضات في نفس الفريضة التي تؤديها بذلك الضوء، وأما الأحاديث الواردة بأن المستحاضة تغتسل لكل صلاة (٢)، فلو صح ذلك لكان غاية ما فيه أنه يجب عليها أن تبالغ في رفع الحدث بالغسل، وأن لا تؤدي بطهارتها الا صلاة واحدة، وليس هذا بمناف لكون خروج الدم غير ناقض للطهارة، لأنها في تلك الصلاة التي أدتها لا فرق بينها وبين غيرها من النساء في جميع الأحكام فتصلي في أول الوقت كما تصلي سائر النساء، وتؤم بغيرها من النساء كما تؤم من لم تكن مستحاضة. وأما من زعم من الفقهاء بأنها تصلي في آخر الوقت فليس على ذلك آثارة من علم، ولا هو مما يشتغل برده لوضوح بطلانه، وكونه قولًا مجردًا عن البرهان على كل حال. فإن قلت: هل ينتهض شيء من الادلة الدالة على أنها تغتسل لكل صلاة أو نحو ذلك مما ورد في ذلك؟.

стр. 2140

قلت: لا تنتهض أحاديث إيجاب [٢ أ]. الغسل عليها. أما حديث عائشة- ﵁ عند أبي داود (١) وابن ماجه (٢) قالت: استحيضت زينب زينب بنت جحش فقال لها النبي- ﵌: «اغتسلي لكل صلاة» ففي إسناده علل منها: كون في رجاله محمد بن إسحاق ولا يصح ما زعمه المنذري من تحسين بعض طرقه، وهكذا حديث عائشة أيضًا عند أحمد (٣) وأبي داود (٤) أن سهلة بنت سهيل بن عمرو استحيضت فأتت رسول الله- ﵌ فسألته عن ذلك، فأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، والصبح بغسل، ففي إسناده محمد بن إسحاق (٥) أيضًا عن عبد الرحمن بن القاسم، وابن إسحاق ليس بحجة لاسيما إذا عنعن، وعبد الرحمن قد قيل إنه لم يسمع
следующие страницы →