← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

الإنكار من الذي عليه الدين [١٣ ب] بعد ذلك متقول: إعلم أن المرقوم المتضمن للمصادقة إن كان جامعا للشروط المعتدة المذكورة سابقا فأقل أحواله وأدني منازله أن يكون القول قول حامله، لأنه يفيده ظاهرا قويا. وقد تقرر أن القول قول من معه الظاهر مع يمينه، ويكلف المدعي لما يخالف ما اشتمل عليه الرقم البرهان، فإن جاء البرهان راجحا على الرقم وجب الانتقال إليه عن الظاهر، وإن لم يأت بذلك وجب البقاء على ما يقتضيه الظاهر ووهذا هو الحق المطابق للقوانين الأصولية، والقواعد الفرعية، وأهل المذهب قد صرحوا به في غير موضع لو لم يكن من ذلك إلا ما ذكروه في كتاب الدعاوي، فإنهم قالوا: إن المدعي من معه أخفى الأمرين، والمدعي عليه من معه أظهرها (١)، وهذا هو معنى ما ذكرنا من أن القول قول من معه الظاهر مع يمينه، لأن قد صار بالرقم المذكور معه أظهر الأمرين. ومن جملة ما عملوا فيه بالظاهر قولهم: الثوب للابس، والعزم للأعلى، والفرس للراكب، والجدران لمن ليس إليه توجيه البناء. وقولهم: يحكم لكل من ثابتي اليد الحكمية بما يليق به، قولهم من فعل في شيء ما ظاهره السبيل خرج عن ملكه إلى غير ذلك من المواضع التي يصعب تعدادها. وفي هذا المقدار كفاية. والله ولي التوفيق. حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما - في شهر جمادي الآخرة سنة ١٢١٥هـ.

стр. 2487

الصلاة على من عليه دين تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 2488

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: (الصلاة على من عليه دين). ٢ - موضوع الرسالة: فقه الصلاة. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد: فأنه سأل الأخ القاضي العلامة البارع. ... ٤ - آخر الرسالة:. كل ذلك معلوم كما لا يخفى، وإلى هنا انتهى الجواب وفيه كفاية، والله ولي التوفيق. كتبه المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني. ٧ - عدد الصفحات: (١٠) صفحات. ٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٣٠ سطرا ما عدا الصفحة الأخيرة (٥) أسطر. ٩ - عدد الكلمات في الصفحة: ١٢ كلمة. ١٠ - الرسالة من المجلد الثالث من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني). ملحوظة: نقص صفحتين من صورة المخطوط. والله أعلم.

стр. 2489

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن سأل الأخ القاضي العلامة البارع المعنن المتقن، فرد أرباب الذكاء وقريع أبناء الفهم وجيه الإسلام العلامة عبد الرحمن بن يحيى الآنسي (١) - كثر الله فوائده - سؤالا يحق الجواب عليه، ويتوجيه العناية إليه، فقال: - لا زال محروسا بالعناية من ذي الجلال - ما هذا نصه. حديث: كان إذا أتي بجنازة سأل: هل على صاحبها دين؟ فإن قيل لا. صلى عليها، وإن قيل: نعم لم يصل عليها وقال: صلوا على صاحبكم " الحديث، لا كلام في التشديد في الدين بهذا الحديث وبحديث: إنه يغفر للشهيد ما عداه. والمسؤول فيه عن طرفين: الطرف الأول: وفيه أسئلة: (الأول): ما حكم الحديث نفسه؟ ومن خرجه من الحفاظ؟. (الثاني): هل هو منسوخ على قلة النسخ في الشريعة حتى حصره السيد ابن الوزير (٢) في مائة حكم إلا واحد ا عد المجمع عليه منها ثلاثين حكما إلا واحدا، وسبعين حكما مختلف فيها لترددها بين النسخ والتخصيص والمعارضة؟ ولم أره ذكر هذا الحديث

стр. 2490

وعهدته في النقل على كتاب الاعتبار في ناسخ الحديث ومنسوخه للحافظ المعتبط شأنا أبي بكر الحازمي (١). قال السيد (٢): وهو أصح وأجمع ما في الباب، أعني كتاب الاعتبار (٣)، وقد طالعته استقصاء فلم أر أنا فيه هذا الحديث. (الثالث): إن قلنا: هو منسوخ بحديث أنه ﷺ قال بعد فتح خيبر، والبحرين، واليمن، إيعاب العرب في الإسلام وسوقها صدقاتها " من ترك دينا فعلي قضاؤه وماله لورثته أو كما قال " (٤): ففيه أسئلة (٥): الأول: وهو الرابع من الطرف الأول ما حكمه في نفسه ومن خرجه من الأئمة؟. الثاني: وهو الخامس من الطرف الأول هل هذا التحمل خاص بالنبي ﷺ أم متعد إلى من بعده من خلفائه؟. الثالث: وهو السادس من الطرف الأول؟ إن قلنا هو عام فهل تسقط التبعة عن المدين وتلحق السلطان؟. السابع من الطرف الأول إذا كان حديث الامتناع من الصلاة على المديون ثابتا غير منسوخ هل يختص بالنبي ﷺ أم يعم ويخرج حمله قوله: صلوا على صاحبكم مخرج

стр. 2491

التهديد مثلها في لا أشهد على جور، أشهد غيري عند من يوجب المساواة في الزائد على الفريضة. الثامن: ثم لم يشفع إلى رب المال بحطه عن هذا بحطه عن هذا المقهور بالموت وهو الشفيع العريض الجاه دنيا وآخرة عند الخالق وخلقه. التاسع: هل يخص الامتناع عن الصلاة بمن لم يترك قضاء دينه أم يعم على ظاهره؟ ويكون موته مديونا مقتضيا تاما لعدم الصلاة عليه مطلقا. العاشر: حديث من ادان ما لم ينو قضاءه لقي الله سارقا، ومن ادان ما ينوي قضاءه أداه الله [١] عنه " أو كما قال. وفي معناه أحاديث لكنها في تيسير قضاء دينه له نفسه في الدينا لا في الآخرة. فما حكم هذا الحديث؟ ومن أخرجه منهم؟. الحادي عشر: كيف الجمع بينه وبين حديث الامتناع من الصلاة؟. الطرف الثاني هل تمتنع الصلاة على الظالم الناس يأخد أموالهم تجبرا على نظيره، وتهاونا فهي حالقة بقياس الأولى؟ أو يقال: الأصل مبني على سبب، ولا قياس في الأسباب، أفيدونا بما عندكم من غير نظر إلى اختلال في السؤال من عدم حسن سياق، أو ضعف تركيب، أو سوء ترتيب. انتهى السؤال. وأقول - مستعينا بالله مجيبا على قوله: وفيه أسئلة: الأول: ما حكم الحديث نفسه، ومن خرجه من الحفاظ؟ إن الحديث صحيح أخرجه أحمد (١)، والبخاري (٢)، والنسائي (٣) من حديث سلمة بن الأكوع. قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأتي بجنازة فقالوا: يارسول الله، صل عليها، قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا. فقال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على

стр. 2492

صاحبكم. فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله، وعلي دينه، فصلى عليه. وأخرجه أيضًا أحمد (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤) وابن ماجه (٥). فقال أبو قتادة وصححه الترمذي (٦). قال الترمذي والنسائي وابن ماجه. فقال أبو قتادة: أنا أتكفل به. وأخرج أحمد (٧)، وأبو داود (٨)، والنسائي (٩)، وابن حبان (١٠) والدارقطني (١١)، والحاكم (١٢) عن جابر قال: كان النبي ﷺ لا يصلي على رجل مات عليه دين، فأتي بميت فسأل: أعليه دين؟ قالوا: نعم ديناران. قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله، فلما فتح الله على رسوله قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه؛ فمن ترك دينا فعلي، ومن ترك مالا فلورثته ". وأخرج الدارقطني (١٣)،. .............................................

стр. 2493

والبيهقي (١) عن أبي سعيد قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فلما وضعت قال ﷺ : هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم. درهمان. قال: صلوا على صاحبكم. قال علي ﵁ يا رسول الله، هما علي، وأنا لهما ضامن، فقام يصلي، ثم أقبل على علي فقال: جزاك الله عن الإسلام خيرا، وفك رهنك كما فككت رهان أخيك. ما من مسلم فك وقان أخيه إلا فك الله رهانه يوم القيامة، فقال بعضهم: هذا لعلي خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال بل للمسلمين عامة. وفي إسناده مقال. وأخرج أحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، والدارقطني (٥)، وصححه ابن حبان (٦)، والحاكم (٧) من حديث جابر: قال: توفي رجل فغسلناه، كفناه ثم أتينا به النبي ﷺ فقلنا نصلي عليه، فخطا خطوة، ثم قال: أعليه دين؟ فقلنا: ديناران، فانصرف فتحملهما أبو قتادة: الديناران علي فقال النبي ﷺ : قد أوفي الله حق الغريم، وبرمنه الميت. قال نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟ قال: إنما مات أمس قال: فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتها فقال النبي- ﷺ الآن بردت عليه جلده. فقد بين بهذا الجواب ما سأل عنه السائل - عافاه الله -. من قال الحديث ومن أخرجه [٢] وأنه قد ورد من هذه الطرق التي تقوم الحجة

стр. 2494

ببعضها. وأما قوله الثاني هل هو منسوخ؟ إلخ. فأقول: نعم هو منسوخ بأحاديث منها: حديث أبي هريرة عند البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرهما (٣) أنه ﷺ قال في خطبته: " من خلف مالا أو حقا فلورثته، ومن خلف كلا أو دينا فكله إلى. ودينه علي ". وفي لفظ للبخاري (٤) وغيره من حديثه: " ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (٥) فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه ". وأخرج أحمد (٦)، وأبو يعلى (٧) من حديث أنس: " من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا فعلى الله وعلى رسوله ". وأخرج ابن ماجه (٨) من حديث عائشة: " من حمل من أمتي دينا فجهد في قضائه، فمات قبل أن يقضيه فأنا وليه ". وأخرج ابن سعيد (٩) من حديث جابر يرفعه: " أحسن الهدي هدي محمد ﷺ ،

стр. 2495

وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. من مات فترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي ". وفي حديث آخر أخرجه مسلم (١)، والنسائي (٢)، وابن ماجه (٣) وفي الباب أحاديث، فيما ذكرناه ما يعني، وقد ثبت التصريح في بعض هذه الأحاديث، بأنه قال هذه المقالة بعد أن كان يمتنع من الصلاة على المديون، فلما فتح الله عليه البلاد، وكثر الأموال صلى على من كان مديونا، وقضى عنه دينه. ومن ذلك حديث أبي قتادة (٤) المتقدم في جواب السؤال الأول، فإنه قال فيه بعد أن ذكر أمتناعه من الصلاة على من عليه دين: فلما فتح الله على رسوله (٥) إلى آخر ما قاله. وهذا يدل على النسخ أبين دلالة (٦)، ويفيده أوضح مفاد، ومن لم يذكره ممن صنف في الناسخ والمنسوخ فهو مما يستدرك به عليه، فقد ذكروا أحاديث وجعلوها من قبيل الناسخ والمنسوخ،

стр. 2496

وليس فيها ما يقارب هذا التصريح، بل قد يعولون في النسخ في مواضع كثيرة على مجرد القرائن الواهية، وقد يجعلون مجرد تأخر العام نسخا مع ما في ذلك من الخلاف المعروف في الأصول. وقد يختلط عليهم النسخ بالتخصيص، وقد يضطرب عليهم البحث فيجعلون كثيرا من المباحث التي يمكن فيها الجمع بوجه من وجوهه من باب الناسخ والمنسوخ، فكيف يغفلون عن مثل هذا الذي وقع التصريح فيه بما يدل على الناسخ دلالة أوضح من شمس النهار!. قوله الأول، وهو الرابع من الطرف الأول: ما حكمه في نفسه ومن خرجه من الأئمة؟. أقول: قد أوضحنا في البحث الذي قبل هذا من خرجه من الأئمة، وأنه ثابت في الصحيحين (١) وغيرهما من تلك الطرق. قوله: هل هذا التحمل خاص بالنبي ﷺ أم متعد إلى من بعده خلفائه؟. أقول: قد قدمنا أنه ﷺ إنما قال تلك المقالة للعلة المتقدم ذكرها، وهي قوله: فلما فتح الله على رسوله إلخ (٢). وهذا يدل [٣] دلالة ظاهرة أن ذلك التحمل إنما هو لمصير أموال الله إليه ﷺ . ومعلوم أنها قد صارت إلى من بعده من خلفائه (٣) ومن بعدهم كما صارت إليه، بل صار إليهم أكثر مما صار إليه، فإن الله سبحانه لم يفتح غالب البلاد إلا بعد موته، فهم متحملون لديون المديونين يقضونها نم أموال الله سبحانه، يصرفون منها في هذا المصرف كما يصرفون إلى غيره من المصارف منهما وجد بأيديهم من أموال الله ما يمكن ذلك منه. إما كلا أو بعضا لا يجوز لهم الإخلال به بحال من الأحوال.

стр. 2497

فهذه شريعة ثابتة غير منسوخة. وقد احتجوا لأنفسهم فأخذوا ما كان لرسول الله ﷺ ، فعليهم أن يلزموا أنفسهم (١) بما التزمه رسول الله ﷺ فإن قالوا: هذا خاص برسول الله ﷺ فنقول: وقوله - سبحانه -: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) (٢) الخطاب لرسول الله ﷺ ونحو هذه الآية مما يكثر تعداده من الآيات

стр. 2498

القرآنية، وفي السنة المطهرة الكثير من ذلك نحو قوله ﷺ فيما أخرجه أحمد (١)، وابن ماجه (٢)، وسعيد بن منصور (٣)، والبيهقي (٤) من طرق: " أنا وراث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه "، وهم لا يقولون: إن ميراث من لا وراث له مختص برسول الله ﷺ . والحاصل أنه يقال لمن لم يتحمل بما تحمله رسول الله ﷺ من ديون المديونين، زاعما أن ذلك خاص برسول الله ﷺ اترك قبض الصدقات ونحوها من أموال الله، واترك قبض ميراث من لا وارث له، وسيوجد الله من عباده من يقضي ديون المديونين من أموال الله - سبحانه -، على أنه قد ورد ما يدل على حل النزاع بخصوصه، وهو ما أخرجه الطبراني (٥) من حديث سلمان بنحو حديث أبي هريرة المتقدم. وزاد فيه: " ومن ترك دينا فعلي وعلى الولاة من بعدي من بيت مال المسلمين " وهذا الحديث وإن كان في إسناده عبد الله بن سعيد الأنصاري، وهو ضعيف لكنه يشد من عضده ما أخرجه ابن حبان في ثقاته (٦) من حديث أبي أما أبي أمامة بنحوه

стр. 2499

وعلى كل حال فليس التعويل على هذا، بل التعويل على ما قدمنا مما لا محيص لولاة الأمر في هذه الأمة منه. قوله: إن قلنا هو عام فهل تسقط التبعة عن المديون، وتلحق السلطان؟. أقول: إنه لا بد في هذا من تفصيل يدل عليه ما سنذكره من الأدلة، فيقال: لا يخلو هذا المديون إما أن يكون له مال أو لا، وعلى الثاني إما أن يكون في حال حياته مهتما بقضائه مريدا له، ولم يمنعه منه إلا عدم وجوده له وإعوازه عليه أولا. فهذه ثلاث مسائل (١). الأولى: من وله مال. الثانية: من مات ولا مال له، وكان مهتما في حال حياته بقضاء مريدا له عازما عليه، ولم يتمكن منه، ولا تيسر له. الثالثة: من لا مال له ولم يكن مهتما بقضائه مع تمكنه من القضاء في حال حياته، ولو بالسعي في وجوه المكاسب، وإتعاب نفسه في أسباب التحصيل. أما المسألة الأولى وهي: من مات وله مال يمكن القضاء منه [٤]، وثم سلطان للمسلمين، بيده أموال الله على وجه يتمكن به من قضاء دين ذلك المديون منها كلا أو بعضا، فقد دل قوله- ﷺ في الأحاديث المتقدمة: " من خلف مالا أو حقا فلورثته، ومن خلف كلا أو دينا فكله إلي ودينه علي " (٢) أن السلطان قد صار مكلفا بقضاء دين هذا المديون الذي مات وترك مالا، وأن ذنب الترك عليه. خطاب الله - سبحانه - متوجه إليه، وعقوبته نازله عليه. ولا ينافي هذا قوله في حديث سلمة بن الأكوع المتقدم أن النبي- ﷺ قال: " هل ترك شيئا؟ قالوا: لا. فقال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم " لأن النبي- ﷺ إنما امتنع من الصلاة على المديون الذي لا مال له قبل أن يفتح الله عليه، لكونه لم يترك وفاء لدينه، ثم لما فتح الله

стр. 2500

عليه قال: " من خلف مالا أو حقا فلورثته "؛ فجعل ديون المديونين إليه وعليه، من غير فرق بين من ترك مالا ومن لم يترك مالا. وأما هذا المديون الذي ترك مالا، فإن فرط في قضائه حال حياته، وتساهل مع تمكنه من ذلك وقدرته عليه فلا شك ولا ريب أنه مخاطب بذلك، معاقب عليه. وعليه يحمل حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ". أخرجه أحمد (١)، وابن ماجه (٢)، والترمذي (٣) وحسنه، ورجال أسناده ثقات إلا عمر ابن أبي سلمة فهو صدوق يخطئ، فلا يخرج حديثه عن كونه حسنا بذلك. وأما إذا كان غير متمكن من القضاء، ولا قادر عليه بأن يحول بينه وبين ماله حائل من غضب عاضب، أو حجر من حاكم، أو نحو ذلك مع اهتمامه بالقضاء وكونه راغبا إليه، فهذا لا خطاب عليه من جهة الله - سبحانه -، بل الخطاب على السلطان، وعلى من حال بين هذا المديون وبين ماله في حال حياته بغير موجب شرعي يقتضي تلك الحيلولة، لأنه قد صار بعدم تمكنه من القضاء في حكم من لا مال له. وقد أخرج الطبراني (٤) عن أبي أمامة مرفوعا: " من دان بدين في نفسه وفاؤه، ومات تجاوز الله عنه، وأرضى غريمه بما شاء، ومن دان بدينٍ، وليس في نفسه وفاؤه ومات اقتضى الله لغريمه يوم القيامة ".

стр. 2501

وأخرج (١) أيضًا من حديث ابن عمر: " الدين دينان. فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه، ومن مات ولا ينوي قضاءه فذلك الذي يؤخذ من حسناته ليس يومئذ دينار ولا درهم ". وأخرج (٢) أيضًا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر بلفظ: " يؤتى بصاحب الدين يوم القيامة فيقول الله: فيم أتلفت أموال الناس؟ فيقول: يارب إنك تعلم أنه أتى على إما حرق وأما غرق، فيقول: فإني سأقضي عنك اليوم، فيقضي عنه ". وأخرج أحمد (٣) وأبو نعيم في الحلية (٤)، والبزار (٥)، والطبراني (٦) بلفظ: " ويدعى بصاحب الدين يوم القيامة حتى يقف بين يدي الله فيقول: يا بن آدم، فيم أخذت هذا الدين، وفيم ضعيت حقوق الناس؟ فيقول: يارب إنك تعلم [٥] أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ذلك، ولكن أتي علي إما حرق، وإما سرق، وإما وضيفة، فيقول الله: صدق عبدي، وأنا أحق من قضى عنه، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل رحمته ". وأخرج البخاري (٧) وغيره (٨) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من أخذ أموال الناس يريد أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ".

стр. 2502

وأخرج ابن ماجه (١)، وابن حبان (٢)، والحاكم (٣) من حديث ميمونة بلفظ: ما من مسلم يدان دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أدى الله عنه في الدنيا والآخرة ". والاحاديث في هذا الباب كثيرة فيندرج تحتها من مات وله مال، وهوغير متمكن من القضاء منه إلا الحيلولة بينه وبين ماله في حال حياته. وأما المسألة الثالثة، وهي من لا مال له، ولم يكن مهتما بقضائه، ولم يتمكن منه، ولا تيسر له فهو داخل تحت هذه الأحاديث دخولا أوليا، فلا يخاطب بذلك الدين، بل يقضيه الله عنه. وأما المسألة الثالثة، وهي من لا مال له، ولم يكن مهتما يقضائه مع تمكنه من القضاء حال حياته. فهذا غير داخل تحت هذه الأحاديث فلا يؤدى عنه، بل يخاطبه ويعاقبه بالتفريط بها في القضاء، وعدم الاهتمام به فقط. وأما نفس الدين فالخطاب فيه من الله، والعقاب عليه هو على سلطان المسلمين المتمكن من القضاء منها. ولكن ههنا دقيقة، وهي أن هذا المديون الذي لم يترك مالا، ولم يهتم بالقضاء مع تمكنه منه إن كان ذلك المال الذي استدانه تلف عليه في غير سرق ولا معصية، أو بأمر لا يقدر على دفعه فلا يبعد أن لا يخاطبه الله على تفريطه بعد الاهتمام بالقضاء مع تمكنه منه كما يشير إليه بعض ما تقدم من الأحاديث. وههنا مسألة رابعة، وهي من كان لا مال له يتمكن من القضاء منه، ولا كان قادرا

стр. 2503

على القضاء بوجه من الوجوه، ولكنه لم يهتم بالقضاء بحال من الأحوال، فهذا لا شك أن الخطاب في دينه على السلطان. وأما هو فإن أتلف ذلك المال الذي استدانه في غير سرف ولا معصية، فإذا لم يقض عنه السلطان قضى الله عنه، ولا خطاب عنه إلا بترك اهتمامه بالقضاء فقط، لعدم تمكنه من القضاء. ويحتمل أن لا يخاطب بذلك لما تقدم. واعلم أن العادم الذي ليس بقادر على القضاء هو من لا يجد مالا أصلا إلا ما يستر عورته وعورة من يعول، وما يكنه ويكنهم، ويسد فاقته وفقتهم، وأما من كان له عقار، أو دار، أو عروض فالخطاب عليه بالقضاء منها، متضيق أشد تضيق ومتحتم أبلغ تحتم، فإن زعم والحال هذا أنه مهتم بالقضاء، مريد له، وحريص عليه فهو كاذب على نفسه، مروح لها بالأباطيل، معلل لها بالعلل الزائفة، مطمع له بالشبه الداحضة عند الله، مخادع لها لاخدع التي لا تسمن ولا تغني من جوع [٦] (١). ما ورد من الأدلة الكثيرة في إيجاب قضاء الدين، وأنه لا حق للوارث في التركة حتى يقضى. وليس كلامنا هذا إلا في تعلق خطاب الله - سبحانه - هل يكون بالسلطان الذي لم يقض دين المديون، أو بالمديون؟ وقد قدمنا إيضاحه بما لا مزيد عليه. قوله: حديث " من ادان ما لم ينو قضائه. ... " (٢)، ومن أخرجه منهم (٣)؟. أقول: قد قدمنا ما ورد من الأحاديث في هذا المعنى، ومن أخرجها، ويغني عن ذلك كله الحديث الثابت في صحيح البخاري (٤) وغيره (٥) بلفظ: " من أخذ أموال الناس

стр. 2504

يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ". قوله الحادي عشر: كيف الجمع بينه وبين حديث الامتناع من الصلاة؟. أقول: لا منافاة بين كون الله يقضي دينه لا هتمامه بالقضاء، وعدم إنفاقه في سرف ولا معصية، وبين الامتناع من الصلاة عليه، فإن الامتناع هو لحق صاحب الدين الثابت على المديون في الدنيا، المتعلق ببدنه وماله. ومع هذا فقد قدمنا أن هذا الحكم قد نسخ، ومل يبق وجه للامتناع من الصلاة على مديون قط لما قررناه سابقا. قوله: الطرف الثاين: هل تمتنع الصلاة على الظالم الناس بأخذ أموالهم تجبرا. .. إلخ؟ أقول: لو لم ينسخ هذا الحكم، أعني الامتناع من الصلاة على المديون لكان هذا أحق بالامتناع من الصلاة عليه من المديون، لكنه قد نسخ الامتناع من الصلاة على المديون فلا وجه للامتناع من الصلاة على هذا، ولا على سائر العصاة إلا ما يتخيله بعض الجامدين على التقليد من أنه لا يصلى على فاسق، وليس على ذلك آثارة من علم، ولا يصح الاستدلال لمن قال: إنه لا يصلى على قاسق بأي وجه فسق بامتناع من الصلاة على المديون لوجهين: الأول: أنه منسوخ كما سبق. الثاني: أنه لو كان ثابتا ولم يكن منسوخا فليس فيه أنه لا يصلى على المديون. فإن النبي ﷺ قال: " صلوا على صاحبكم " فدل على أنه يصلى عليه ويتحتم على غير النبي- ﷺ ومن قام مقامه من خلفاء الرشد، وأئمة العدل أن يصلي على المديون، وأنه كسائر المسلمين في وجوب الصلاة عليه، هكذا سائر العصاة (١) من المسلمين؛ فإنهم

стр. 2505

من جملتهم، وهم أحق بالصلاة عليهم من المطيعين، لأنهم المحتاجون إلى الشفاعة إلى الله من عباده بالصلاة عليهم. ولم يرد ما يمنع من هذا لا من شرع، ولا من عقل. والمسلمون وإن تفاوتت أقدامهم في العمل بأحكام الإسلام فقد جمعتهم كلمة الإسلام [٧]، وشملتهم دعوته، فلكل واحد منهم ما لسائر المسلمين، وعليه ما عليهم، وحساب العاصي منهم على الله إن شاء غفر له، وقبل شفاعة الشفعاء فيه، وإن شاء عذبه. لا يسال عم يفعل وهم يسألون، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وإنما الذي نهى الله - سبحانه - عن الصلاة عليه هو الكافر والمنافق (١) كل ذلك معلوم كما لا يخفى. وإلى هنا انتهى الجواب، وفيه كفاية، والله ولي التوفيق. كتبه المجيب: محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما -.

стр. 2506

شرح الصدور في تحريم رفع القبور تأليف محمد بن علي الشوكاني حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت على شرف الدين أم الحسن [شرح الصدور مفيد ... لما عن الضمير أملاه هدم القباب كما جاء ... عنه وبالقول أنهاه فالمرتضى سار قصدا ... لهدمها طاب مسعاه والله قال تعالى ... إن المساجد لله] (١)

стр. 2507

وصف المخطوط (أ): ١ - عنوان الرسالة: (شرح الصدور في تحريم رفع القبور). ٢ - موضوع الرسالة: فقه. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله المطهرين، وصحبه المكرمين. وبعد: فاعلم أنه وقع الخلاف بين المسلمين في كون هذا الشيء بدعة. ... ٤ - آخر الرسالة: ... تحليل المحرمات وفعل المنكرات وفعل المنكرات اللهم غفران. كمل منقولا من تحريم مؤلفه العلامة البدر محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما آمين. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٤ صفحة + صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٨ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ - ١٤ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الرابع من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 2508

وصف المخطوط (ب): ١ - عنوان الرسالة: (شرح الصدور في تحريم رفع القبور). ٢ - موضوع الرسالة: فقه. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله المطهرين وصحبه المكرمين. وبعد: فاعلم أنه إذا وقع الخلاف بين المسلمين في كون هذا الشيء بدعة. .. ٤ - آخر الرسالة:. .. تحليل المحرمات وفعل المنكرات اللهم غفرا. والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم آمين. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٢٤ صفحة + صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٠ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات. ٩ - الرسالة من المجلد الرابع من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 2509

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله المطهرين، وصحبه المكرمين. وبعد: فاعلم أنه إذا وقع الخلاف بين المسلمين في كون هذا الشيء بدعة، أو غير بدعة (١)، أو مكروه، أو محرم أو غير محرم، أو غير ذلك فقد أتفق المسلمون أجمعون سلفهم وخلفهم من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا، وهو القرن الثالث عشر منذ البعثة المحمدية أن الواجب عند الاختلاف (٢) في أي أمر من أمور الدين بين الأئمة المجتهدين

стр. 2510

هو الرد إلى كتاب الله - سبحانه -، وسنة رسوله ﵌، كما نطق بذلك الكتاب العزيز (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (١). ومعنى الرد إلى الله - سبحانه - الرد إلى كتابه، ومعنى الرد إلى رسوله ﵌ الرد إلى سنته بعد موته، وهذا مما لا خلاف فيه بين جميع المسلمين. فإذا قال مجتهد من المجتهدين: هذا حلال، وقال الآخر: هذا حرام، فليس أحدهما أولى بالحق من الآخر، وإن كان أكثر منه علما، أو أكبر منه سنا، أو أقدم منه عصرا، لأن كل واحد منهما فرد من أفراد عباد الله، متعبد بما جاء من الشريعة في كتاب الله، وسنة رسوله، ومطلوب منه ما طلبه الله من غيره من العباد. وكثرة علمه، وبلوغه درجة الاجتهاد، أو مجاوزته لها لا تسقط عنه شيئا من الشرائع التي شرعها الله لعباده، ولا يخرجه من جملة المكلفين من العباد، بل العالم كلما كان تكيلفه زائدا على تكليف غيره، ولو لم يكن من ذلك إلا ما [أوجبه] (٢) الله عليه من البيان للناس، وما كلفه به من الصدع بالحق، وإيضاح ما شرعه الله [١] لعباده (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (٣)، (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا

стр. 2511

أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (١)، فلو لم يكن لمن رزقه الله طرفا من العلم إلا كونه مكلفا بالبيان للناس لكان كافيا فيما ذكرناه من كون العلماء لا يخرجون عن دائرة التكليف، بل يزيدون بما علموه تكليفا. وإذا أذنبوا كان ذنبهم أشد من ذنب الجاهل، وأكثر عقابا كما تراه فيما حكاه الله - سبحانه - عمن عمل سوءا بجهالة (٢) حيث أقدموا على مخالفة ما

стр. 2512

شرع الله لهم، مع كونهم يعلمون [١ أ] الكتاب ويدرسونه. ونعى ذلك عليهم في مواضع متعددة، وبكتبهم أشد تبكيت. وكما ورد في الحديث الصحيح أن أول من تسعر به نار جهنم (١) العالم الذي كان

стр. 2513

يأمر الناس، ولا يأتمر، وينهاهم ولا ينتهي (١) وبالجملة فهذا أمر معلوم أن العلم وكثرته وبلوغ حامله إلى أعلى درجات العرفان لا يسقط عنه شيئا من التكاليف الشرعية، بل يزيد عليها شدة، ويخاطب بأمور لا يخاطب بها الجهل، ويكلف بتكاليف غير تكاليف الجاهل، ويكون ذبنه أشد، وعقوبته أعظم. وهذا لا ينكره أحد ممن له أدني تمييز لعلم الشريعة. والآيات والأحاديث الواردة في هذا المعني لو جمعت لكانت مؤلفا مستقلا، ومصنفا حافلا، وليس ذلك من غرضنا في هذا البحث، بل غاية الغرض من هذا، ونهاية القصد وبيان أن العالم كالجاهل في التكاليف [٢] الشرعية، والتعبد بما في الكتاب والسنة، مع ما أوضحناه لك من التفاوت

стр. 2514

بين الرتبتين: رتبة العالم، ورتبة الجاهل في كثير من التكاليف، واختصاص العالم منها بما لا يجب على الجاهل. وبهذا يتكرر لك أنه ليس لأحد من العلماء المختلفين، أو من التابعين لهم والمقتدين بهم أن يقول: الحق ما قاله فلا ن دون فلان، أو فلان أولى بالحق من فلان، بل الواجب عليه إن كان ممن له فهم وعلم وتمييز أن يرد ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله، فمن كان دليل الكتاب أو السنة معه فهو المحق، وهو الأولى بالحق. من كان دليل الكتاب والسنة عليه لا له كان هو المخطئ ولا ذنب عليه في هذا الخطأ إذا كان [قد] (١) وفى الاجتهاد حقه، بل هو معذور، بل مأجور كما ثبت في الحديث الصحيح (٢) أنه " إذا اجتهد فأصاب فله أجران، إن اجتهد فأخطأ فله أجر ". فناهيك بخطأ يؤجر عليه فاعله. ولكن هذا إنما هو للمجتهد نفسه إذا أخطأ، ولا يجوز لغيره أن يتبعه في خطئه، ولا بعذر كعذره، ولا يؤجر كأجره، بل واجب على من عداه من المكلفين أن يترك الاقتداء به في الخطأ، ويرجع إلى الحق الذي دل عليه [دليلا] (٣) والكتاب أو السنة. وإذا وقع الرد لما اختلف فيه أهل العلم إلى الكتاب والسنة كان من معه دليل الكتاب والسنة [هو] (٤) الذي أصاب الحق ووافقه، وإن كان مقصرا أن واحد، والذي لم يكن معه دليل [١ب] (٥) الكتاب [و] (٦) السنة هو الذي لم يصب الحق، بل أخطأه، وإن كانوا عددا كثيرا فليس لعلم ولا لمتعلم ولا لمن يعهم وإن كان مقصرا أن يقول: إن الحق بيد من يقتدي به من العلماء (٧) إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره؛

стр. 2515

فإن ذلك [٣] جهل عظيم، وتعصب شديد، وخروج من دائرة الإنصاف بالمرة، لأن الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق. وليس أحد من العلماء المجتهدين، والأئمة المحققين بمعصوم. ومن لم يكن معصوما فهو يجوز عليه الخطأ كما يجوز عليه الصواب، فيصيب تارة، ويخطئ أخرى. ولا يتبين صوابه من خطئه إلا بالرجوع إلى دليل الكتاب والسنة، فإن واقفهما فهو مصيب، وإن خالفهما فهو مخطئ. ولا خلاف في هذه الجملة بين جميع المسلمين أولهم وآخرهم، سابقهم ولا حقهم، كبيرهم وصغيرهم، وهذا يعرف كل من له أدني حظ من العلم، وأحقر نصيب من العرفان، ومن لم يفهم هذا، ويعترف به فليتهم نفسه، ويعلم أنه قد جني على نفسه بالخوض فيما ليس من شأنه، والدخول فيما لا تبلغ إليه قدرته، ولا ينفد فيه فهمه، وعليه أن يمسك قلمه ولسانه، ويشتغل بطلب العلم، ويفرغ نفسه لمعرفة علوم الاجتهاد التي يتوصل بها إلى معرفة الكتاب والسنة، وفهم [معانيها] (١) والتمييز بين دلائلهما، ويجتهد في البحث عن السنة وعلومها (٢) حتى يتميز له صحيحها من سقيمها، ومقبولها من مردودها،

стр. 2516

وينظر في كلام الأئمة الكبار من سلف هذه الأمة وخلفها، حتى يهتدي بكلامهم إلى الوصول إلى مطلوبه، فإنه إن فعل هذا وقدم الاشتغال بما ذكرنا ندم على ما فرط منه قبل أن يتعلم هذه العلوم غاية الندم، وتمني أنه أمسك عن التكلم بما لا يعنيه، وسكت عن الخوض فيما لا يدريه. وما أحسن ما أدبنا به رسول الله ﵌ فيما صح عنه من قوله: " رحم الله امرءا قال خيرا أو صمت " (١) [٤] وهذا الذي تكلم

стр. 2517

في العلم أن يفتح الله عليه بما لا بد منه، وشغل نفسه بالتعصب للعلماء، تصدي للتصويب والتخطئة في شيء لم يعلمه، ولا فهمه حق فهمه لم يقل خيرا ولا صمت، فلم يتأدب بالأدب الذي أرشد إليه رسول الله ﷺ . وإذا قد تقرر لك بمجموع ما ذكرناه وجوب الرد إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﵌ بنص الكتاب العزيز وإجماع المسلمين أجمعين عرفت أن من زعم من الناس أنه يمكن معرفة المخطئ والمصيب من العلماء من غير هذه [الطريق] (١) عند [٢أ] اختلافهم في مسألة من المسائل فهو مخالف لنص كتاب الله، ومخالف لإجماع المسلمين أجمعين. فانظر - أرشدك الله - أي جناية جني على نفسه بهذا الزعم الباطل! وأي مصيبة وقع فيها بهذا الخطأ الفاحش! وأي بلية جلبها عليه القصور! أي محنة شديدة ساقها إليه التكلم فيما ليس من شأنه!. وها نحن نوضح لك مثال ما ذكرناه من الاختلاف بين أهل العلم، ومن كيفية الرد إلى كتاب الله، وسنة رسوله، ليتبين المصيب من المخطئ، ومن بيده الحق، ومن بيده غيره، حتى تعرف ذلك حق معرفيه، ويتضح لك غاية الاتضاح، فإن الشيء إذا ضربت له الأمثلة، وصورت له الصور بلغ من الوضوح والجلاء إلى غاية لا تخفى على من له فهم صحيح، وعقل رجيح، فضلا عمن له في العلم نصيب، وفي العرفان حظ. ولنجعل هذه المسألة التي جعلناها مثالا لما ذكرناه، وإيضاحا لما أمليناه في المسألة التي لهج بالكلام فيها أهل عصرنا ومصرنا، خصوصا هذه الأيام لأسباب لا تخفى، وفي مسألة رفع القبور، والبناء عليها كما [٥] يفعله الناس من بناء المساجد والقباب وعلى القبور فتقول

стр. 2518

اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولا حقهم، وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة ﵃ إلي هذا الوقت أن رفع القبور، والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها، واستد وعيد رسول الله ﵌ لفاعلها كما سيأتي بيانه. ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين، لكنه وقع للإمام يحيي بن حمزة (١) مقالة تدل على أنه لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء، ولم يقل بذلك غيره، ولا روي عن أحد سواه. ومن ذكره من المؤلفين في كتب الفقه من الزيدية فهو جرى على قوله، واقتدي به، ولم نجد القول لذلك لأحد ممن عاصره، أتقدم عصره عليه، لا من أهل البيت، ولا من غيرهم. وهكذا اقتصر صاحب البحر (٢) الذي هو مدرس كبار الزيدية، ومرجع مذاهبهم، ومكان البيان لخلافهم في ذات بينهم، وللخلاف بينهم وبين غيرهم، بل قد اشتمل على غالب أقوال المجتهدين وخلافهم في المسائل الفقهية، صار هو [المرجوع] (٣) إليه في هذه الأعصار وهذه الديار لمن أراد معرفة الخلاف في المسائل وأقوال القائلين بإثباتها أو نفيها من المجتهدين، فإن صاحب هذا الكتاب الجليل لم ينسب هذه المقالة - أعني جواز رفع القباب والمشاهد على قبور الفصلاء - إلا إلى الإمام يحيى وحده فقال [٢ب] ما نصه (٤): " مسألة: قال الإمام يحيى: ولا بأس بالقباب والمشاهد على الفضلاء في الملك لا ستعمال المسلمين ولم ينكر " انتهى. فقد عرفت من هذا أنه لم يقل بذلك إلا الإمام يحيى، وعرفت دليله الذي استدل به، وهو استعمال المسلمين مع عدم النكير، ثم ذكر صاحب البحر (٤) هذا الدليل الذي استدل

стр. 2519

به الإمام يحيى في الغيث (١) واقتصر عليه، ولم يأت بغيره. إذا عرفت هذا تقرر لك أن [هذا] (٢) خلاف واقعا بين الإمام يحيى وسائر العلماء من الصحابة والتابعين. ومن المتقدمين من أهل البيت والمتأخرين، ومن أهل المذاهب الأربعة وغيرها، ومن جميع المجتهدين أولهم وآخرهم. ولا يعترض هذا بحكاية من حكى قول الإمام يحيى في مؤلفه ممن جاء بعده من المؤلفين؛ فإن مجرد حكاية القول لا تدل على أن الحاكي يختاره ويذهب إليه، فإن كان وجدت قائلا بما جاء من أهل العلم يقول بقول هذا، ويرجحه فإن وجدت قائلا بما قاله الإمام يحيى ذاهبا إلى ما ذهب إليه بذلك الدليل الذي استدل به، وإن كان مجتهد فلا اعتبار بموافقته، لأنه إنما تعتبر أقول المجتهدين (٣)، لا أقوال المقلدين. [وإذا] (٤) أردت أن تعرف هل الحق ما قاله الإمام يحيى أو ما قاله عيره من أهل العلم، فالواجب عليك رد هذا الاختلاف إلى ما أمرنا الله بارد إليه، وهو كتاب الله، وسنة رسوله. فإن قلت: بين لي العمل في هذا الرد حتى تتم الفائدة، ويتضح [المحق] (٥) من غيره، والمصيب من المخطئ في هذه المسألة. قلت: افتح لما أقوله سمعا، واشحذ له فهما، وأرهف له ذهنا. وها أنا أوضح لك الكيفية المطلوبة، وأبين لك مالا يبقي عندك بعده [٧] ريب، ولا يصاحب ذهنك

стр. 2520

وفهمك عنده لبس. فأقول: قال الله - سبحانه -: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا): (١) فهذه الآية فيما الإيجاب على العباد بالائتمار [لما] (٢) أمر به رسول الله ﷺ ، والأخذ به، لما نهى عنه رسول الله ﷺ وتركه. وقال الله سبحانه: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (٣) ففي هذه الآية تعليق محبة الله الواجبة على كل عند من عباده باتباع رسول [وأن] (٤) ذلك هو المعيار الذي نعرف به محبة العبد لربه على الوجه المعتبر. وأنه أيضًا السبب الذي يستحق به العبد أن يحبه الله. وقال الله سبحانه: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (٥) ففي هذه الآية أن طاعة الرسول طاعة الله. وقال [تعالى] (٦): (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (٧) فأوجب هذه السعادة لمن أطاع الله ورسوله، وهي أن يكون مع هؤلاء أرفع العباد درجة، وأعلاهم منزلة.

стр. 2521

وقال [ ] (١): (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (٢) وقال سبحانه: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (٣). وقال سبحانه [وتعالى]: (٤) (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) (٥). وأمر الله سبحانه رسوله أن يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) (٦) والآيات الدالة على هذا المعنى والجملة أكثر من ثلاثين: (٧) آية، [ويستفاد] (٨) من [٨] جميع ما ذكرناه أنما أمر به رسوله ﵌. أو نهى عنه كان الأخذ به واتباعه واجبا بأمر الله - سبحانه -، وكانت الطاعة لرسول الله [ ﷺ ] (٩) في ذلك طاعة لله، وكان الأمر من رسول الله ﵌ أمرا من الله.

стр. 2522

وسنوضح لك ما صح عنه ﵌ في غير حديث النهي عن رفع القبور، والبناء عليها، ووجوب تسويتها، وهدم ما ارتفع منها. ولكنا ها هنا نبتدي بذكر أشياء في حكيم التوطية والتمهيد لذلك، ثم ننتهي- أن شاء الله - إلى ذكر ما هو المطلوب حتى يعلم من اطلع على هذا البحث أنه إذا وقع الرد لما قاله الإمام يحيى، وما قاله غيره في القباب والمشاهد إلى ما أمر الله بالرد إليه، وهو كتاب الله - سبحانه -، وسنة رسول- ﵌ كان في ذلك ما يشفي ويكفي، ويقنع ويغني ذكر بعضه فضلا عن ذكر جميعه. وعند ذلك يتبين لكل من له فهم ما في رفع القبور من الفتنة العظيمة لهذه الأمة، ومن المكيدة البالغة التي كان همزة الشيطان بها، وقد كاد بها من كان قبلهم من الأمم السالفة كما حكى الله ذلك في كتانه العزيز. وكان أول ذلك قوم نوح. قال الله - سبحانه -: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا) (١) قال جماعة من السلف الصالح (٢): أن يعوق ويغوث ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم قوم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم [٩]- الذين كانوا يقتدون بهم -: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم: (٣) فلما ماتوا وجاء آخرون [٣ب] دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم [وهم] (٤) يسقون المطر فعبدهم، ثم العرب بعد ذلك. وقد حكى

стр. 2523

معنى هذا في الصحيح البخاري (١) عن ابن عباس. وقال قوم السلف (٢) إن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدهم، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين: (٣) وغيرهما (٤) وهو حديث صحيح. عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﵌ كنيسة وأتها بأرض الحبشة، وذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﵌ " أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله ". وأخرج ابن جرير في تفسير (٥) قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) (٦) قال: " كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره ". وفي صحيح .......................................

стр. 2524

مسلم (١) عن جندب بن عبد الله البجلي قال: رسول الله ﵌ قبل أن يموت بخمس يقول: " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخدوا القبور مساجد؛ فإن أنهاكم عن ذلك ". وفي الصحيحين (٢) من حديث عائشة [﵂] (٣) قالت: لما نزل برسول الله ﵌ طفق يطرح [١٠] خميصة (٤) على وجهه، فإذا اغتم كشفها فقال - هو كذلك -: " لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما صنعوا ". وفي الصحيحين (٥) مثله أيضًا من حديث ابن عباس. وفيهما (٦) أيضًا من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: " قاتل الله واليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وفي الصحيحين (٧) من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله

стр. 2525

- ﵌ في مرضه الذي لم يقم منه -:" لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "ولولا ذلك لبرز قبره] ﵌] (١)، غير أنه خشي أن يكون مسجداً (٢) وأخرج الإمام أحمد في مسنده (٣) بإسناد جيد من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﵌ قال: " إن شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد ". وأخرج أحمد (٤) وأهل .............................................
следующие страницы →