← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

وقال [ ] (١): (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (٢) وقال سبحانه: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (٣). وقال سبحانه [وتعالى]: (٤) (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) (٥). وأمر الله سبحانه رسوله أن يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) (٦) والآيات الدالة على هذا المعنى والجملة أكثر من ثلاثين: (٧) آية، [ويستفاد] (٨) من [٨] جميع ما ذكرناه أنما أمر به رسوله ﵌. أو نهى عنه كان الأخذ به واتباعه واجبا بأمر الله - سبحانه -، وكانت الطاعة لرسول الله [ ﷺ ] (٩) في ذلك طاعة لله، وكان الأمر من رسول الله ﵌ أمرا من الله.

стр. 2522

وسنوضح لك ما صح عنه ﵌ في غير حديث النهي عن رفع القبور، والبناء عليها، ووجوب تسويتها، وهدم ما ارتفع منها. ولكنا ها هنا نبتدي بذكر أشياء في حكيم التوطية والتمهيد لذلك، ثم ننتهي- أن شاء الله - إلى ذكر ما هو المطلوب حتى يعلم من اطلع على هذا البحث أنه إذا وقع الرد لما قاله الإمام يحيى، وما قاله غيره في القباب والمشاهد إلى ما أمر الله بالرد إليه، وهو كتاب الله - سبحانه -، وسنة رسول- ﵌ كان في ذلك ما يشفي ويكفي، ويقنع ويغني ذكر بعضه فضلا عن ذكر جميعه. وعند ذلك يتبين لكل من له فهم ما في رفع القبور من الفتنة العظيمة لهذه الأمة، ومن المكيدة البالغة التي كان همزة الشيطان بها، وقد كاد بها من كان قبلهم من الأمم السالفة كما حكى الله ذلك في كتانه العزيز. وكان أول ذلك قوم نوح. قال الله - سبحانه -: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا) (١) قال جماعة من السلف الصالح (٢): أن يعوق ويغوث ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم قوم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم [٩]- الذين كانوا يقتدون بهم -: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم: (٣) فلما ماتوا وجاء آخرون [٣ب] دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم [وهم] (٤) يسقون المطر فعبدهم، ثم العرب بعد ذلك. وقد حكى

стр. 2523

معنى هذا في الصحيح البخاري (١) عن ابن عباس. وقال قوم السلف (٢) إن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدهم، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين: (٣) وغيرهما (٤) وهو حديث صحيح. عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﵌ كنيسة وأتها بأرض الحبشة، وذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﵌ " أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله ". وأخرج ابن جرير في تفسير (٥) قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) (٦) قال: " كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره ". وفي صحيح .......................................

стр. 2524

مسلم (١) عن جندب بن عبد الله البجلي قال: رسول الله ﵌ قبل أن يموت بخمس يقول: " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخدوا القبور مساجد؛ فإن أنهاكم عن ذلك ". وفي الصحيحين (٢) من حديث عائشة [﵂] (٣) قالت: لما نزل برسول الله ﵌ طفق يطرح [١٠] خميصة (٤) على وجهه، فإذا اغتم كشفها فقال - هو كذلك -: " لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما صنعوا ". وفي الصحيحين (٥) مثله أيضًا من حديث ابن عباس. وفيهما (٦) أيضًا من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: " قاتل الله واليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وفي الصحيحين (٧) من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله

стр. 2525

- ﵌ في مرضه الذي لم يقم منه -:" لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "ولولا ذلك لبرز قبره] ﵌] (١)، غير أنه خشي أن يكون مسجداً (٢) وأخرج الإمام أحمد في مسنده (٣) بإسناد جيد من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﵌ قال: " إن شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد ". وأخرج أحمد (٤) وأهل .............................................

стр. 2526

السنن (١) من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله ﵌ قال: " لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها مساجد والسرج ". وفي صحيح مسلم (٢) وغيره (٣) عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁[٤أ]: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌ أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته ". وفي صحيح مسلم (٤) أيضًا عن ثمامة بن صفي نحو ذلك. وفي هذا أعظم دلالة على أن تسوية كل قبر مشرف بحيث يرتفع زيادة على القدر المشروع واجبة متحتمة، فمن إشراف القبور أن [يرتفع] (٥) [١١] سمكها، أو تجعل عليها القباب، أو المساجد؛ فإن ذلك من المنهي عنه بلا شك ولا شبهة. ولهذا أن النبي ﵌ بعث لهدمها أمير المؤمنين ﵁، ثم إن أمير المؤمنين لهدمها أبا الهياج الأسدي

стр. 2527

في أيام خلافته. وأخرج أحمد (١)، ومسلم (٢)، والترمذي (٣)، الترمذي (٤) وصححه، النسائي (٥)، وابن حبان (٦) من حديث جابر قال: " نهى رسول الله ﵌ أن يجصص القبر، وأن يبني عليه، وأن يوطأ " وزاد هؤلاء المخرجون لهذا الحديث غير مسلم: " وأن يكتب عليه "، قال الحاكم (٧): النهي عن الكتابة على القبور، وهو يصدق على من بنى على جوانب حفرة القبر كما يفعله كثير من الناس من رفع قبور، وهو يصدق على من بنى على جوانب حفرة القبر كما يفعله كثير من الناس من رفع قبور الموتى ذراعا فما فوقه، ويصدق على من بنى قريبا من قتة، أو مسجد ا، أو مشهدا ويصدق أيضًا على من بنى بعيدا من جانب القبر كذلك كما في القباب والمسجد (٨) والمشاهد الكبيرة على وجه يكون القبر في وسطها، أو في جانب منها؛ فإن هذا بناء على القبر، لا يحفى ذلك على من له أدنى فهم كما يقال: بنى السلطان على مدينة كذا، أو على قرية كذا سورا، وكما يقال بنى فلا ن في المكان الفلاني مسجدا، مع أن

стр. 2528

سمك البناء لم يباشر إلا جوانب المدينة أو القرية أو المكان. ولا فرق بين أن تكون تلك الجوانب التي وقع وضع البناء عليها [١٢] قريبة من الوسط كما في المدينة الكبيرة والقرية الكبيرة والمكان الواسع. ومن زعم أن في لغة العرب (١) ولا يمنع من هذا الإطلاق فهو لا يعرف لغة العرب، ولا يفهم لسانها، ولا يدري [بما] (٢) استعمله في كلامها. وإذا تقرر لك هذا علمت أن رفع القبور، ووضع القباب والمساجد والمشاهد عليها قد لعن رسول الله ﵌ فاعله تارة كما تقدم، وتارة قال: [٤ب] " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " فدعى عليهم بأن يشتد غضب الله عليهم بما فعلوه من هذه المعصية، وذلك ثابت في الصحيح (٣)، وتارة نهى عن ذلك، وتارة بعث من يهدمه، وتارة جعله من فعل اليهود والنصارى، وتارة قال: " لا تتخذوا قبري وثنا " (٤) وتارة قال: "لا تتخذوا قبري عيدا " أي موسما يجتمعون فيه كما صار [يفعله كثير] (٥) من عباد القبور، يجعلون لمن يعتقدونه من الأموات أقاتا معلومة يجتمعون عند قبورهم، ويعكفون عليها كما يعرف ذلك كل أحد من الناس من أفعال هؤلاء المخذولين الذين تركوا عبادة الله الذي خلقهم ورزقهم، ثم يميتهم ويحييهم، وعبدوا عبدا من عباد الله قد صار تحت أطباق الثرى، لا يقد على أن يجلب لنفسه نفعا، ولا يدفع عنها ضرا كما قال رسول الله ﵌ فيما أمره الله أن يقول: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا) (٦). فانظر

стр. 2529

كيف [١٣] قال سيد البشر، وصفوة الله من خلقه في أنه لا يملك لنفسه لا ضرا ولا نفعا، وكذلك قال في صح (١) عنه: " يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا " فإذا كان هذا قول رسول الله ﵌ في نفسه، وفي أخص قرابته به، وأحبهم إليه، فما ظنك بسائر الأموات الذين لم يكونوا أنبياء معصومين، ولا رسلا مرسلين! بل غاية ما عند أحدهم أنه فرد من أفراد هذه الأمة المحمدية، وواحد من أهل هذه الملة الإسلامية، فهو أعجز وأعجز عن أن ينفع نفسه، أو يدفع عنها ضررا. وكيف لا يعجز عن شيء قد عجز عنه رسول الله ﵌ وأخبر أمته كما أخبر الله عنه، وأمره بأن يقول للناس بأنه لا يملك لنفسه [شيئا من ضر ولا نفع] (٢)، وأنه لا يغني عن أخص قربيه من الله شيئا! فيا عجبا كيف يطمع من له أدنى نصيب من علم، وأقل حظ من عرفان أن ينفعه أيضره أنه فرد من التابعين له، المقتدين [يشرعه] (٣)، فهل سمت أذناك أرشدك الله بضلال عقل أكبر من هذا الضلال الذي وقع فيه أهل القبور!؟ (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (٤). وقد أوضحنا هذا أبلغ إيضاح في رسالتنا سميناها " الدر النضيد في إخلاص التوحيد " (٥) وهي موجودة بأيدي الناس، [فلا] (٦) شك ولا ريب أن السبب الأعظم الذي نشأ عنه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زينه الشيطان للناس من رفع القبور،

стр. 2530

ووضع الستور عليها وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل [١٤] تحسين. فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بنيت عليه قبة فدخلها ونظر على القبر الستور الرائعة، والسرج المتلألئة، وقد صدعت حوله مجامير الطيب، فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيما لذلك القبر، ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الميت من المنزلة، ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من أعظم مكايد الشيطان للمسلمين، وأشد وسائله إلى إضلال العباد ما يزلزله عن الإسلام قليلا قليلا، حتى يطلب من صاحب [ذلك] (١) القبر (٢) مالا يقد عليه إلا الله - سبحانه - فيصير في عداد المشركين. وقد يحصل له هذا الشرك بأول رؤية لذلك القبر الذي صار على تلك الصفة، وعند أول زورة له (٣)، لأنه يخطر بباله أن هذه العناية البالغة من الأحياء [بمثل] (٤) هذا الميت لا يكون إلا لفائدة يرجونها منه، إما دنيوية أو أخروية، ويستصغر نفسه بالنسبة إلى من يراه زائرا لذلك القبر، وعاكفا عليه، [ومتمسحا] (٥) بأركانه. وقد يجعل الشيطان طائفة من إخوانه من بني آدم يقفون على ذلك القبر (٦) ليخادعوا

стр. 2531

من يأتي إليها من الزائرين، ويهولون الأمر، ويصنعون أمورا من أنفسهم [٥ب] وينسبونها إلى الميت وجه لا يفطن لها من كان من المغفلين. وقد يضعون أكاذيب

стр. 2532

مشتملة على أشياء يسمونها كرامات لذلك الميت، ويبثونها في الناس، ويكررون ذكرها في [١٥] مجالسهم، وعند اجتماعهم بالناس، فتشيع وتستفيض، يتلقاها من يحسن الظن بالأموات، زيقبل عقله ما يروى عنهم من الأكاذيب، فيرويها كما سمعها، ويتحدث بها في مجالسه، فيقع الجهال في بلية عظيمة من الاعتقاد، وينذرون على ذلك الميت بكرائم أموالهم، ويجسون على قبره من أملاكهم ما هو أحبها إلى قلوبهم، لاعتقادهم أنهم ينالون بذلك يجاه ذلك الميت خيرا عظيما، وأجرا بليغا. ويعتقدون أن ذلك قربة عظيمة، وطاعة بالغة، وحسنة متقبلة، فيحصل بذلك مقصود أولئك الذين جعلهم الشيطان من إخوان من بني آدم على ذلك القبر، فإنهم إنما فعلوا تلك الأفاعيل، وهولوا على الناس بتلك التهاويل، وكذبوا لينالوا جانبا من الحطام من أموال الطغام الأغنام. وبهذه الذريعة الملعونة، والوسيلة الإبليسية تكاثرت الأوقاف على القبور، وبلغت مبلغا عظيما، حتى بلغت غلات ما يوقف على المشهورين منهم ما لو جمعت لقامت بما يقتاته أهل قرية كبيرة من قرى المساكين (١)، ولو بيعت تلك الحبائس الباطلة لأغنى الله بها طائفة عظيمة من الفقراء، وكلها من النذر في معصية الله. (٢) وقد صح عن رسول الله ﵌ أنه قال: " لا نذر في معصية الله " (٣) وهى أيضًا من النذر الذي لا يبتغى به وجه الله. وقال ﵌: " النذر ما ابتغي به وجه الله " (٤) بل كلها من النذور التي يستحق بها فاعلها

стр. 2533

غضب الله وسخطه، لأنها تفضي بصاحبها في الغالب إلى ما به الاعتقاد [١٦] في الأموات من تزلزل قدم الدين إذ لا يسمح [بأحب] (١) أمواله إليه، وألصقها بقلبه، إلا وقد زرع الشيطان في قلبه من محبة ذلك القبر وصاحبه، والمغالاة في الاعتقاد فيه مالا يعود به إلى الإسلام سالما - نعوذ بالله من الخذلان- ولا شك أن غالب هؤلاء المغرورين المخدوعين لو طلب منه طالب أن ينذر بذلك الذي نذر به لقبر [٦ أ] الميت على ما هو طاعة من الطاعات، وقربة من القربات لم يفعل، ولا كاد (٢) فانظر إلى أين بلغ تلاعب الشيطان بهؤلاء! وكيف رمى بهم في هوة بعيدة القعر، مظلمة الجوانب! فهذه مفسدة من مفاسد رفع القبور، وتشييدها، وزخرفتها، وتجصيصها. ومن المفاسد البالغة إلى حد يرمي بصاحبه إلى وراء حائط الإسلام، ويلقيه على أم رأسه من أعلى مكان من الدين أنه يأتي كثير منهم بأحسن ما يملكه من الأنعام، ويجوزه من المواشي، فينحره عند ذلك القبر (٣)، مقتربا به إليه، راجيا ما يضمر حصوله له منه، فيهل به لغير الله، ويتعبد به لوثن من الأثان، فإنه لا فرق بين نحر النحائر كحجر منصوبة يسمونها وثنا، وبين قبرلميت يسمونه قبرا. ومجرد الاختلاف في التسمية لا يغني من الحق شيئا، ولا يؤثر تحليلا ولا تحريما، فان من أطلق على الخمر غير اسمها وشربها

стр. 2534

كان حكمه حكم من شربها وهو يسمها بلا خلاف بين المسلمين أجمعين، ولا شك أن النحر نوع من أنواع العبادة (١) التي تعبد الله بها كالهدايا، والفدايا، والضحايا، فالمتقرب بها إلى القبر، الناحر لها عنده لم يكن له غرض بذلك إلا تعظيمه وكرامته، واستجلاب الخير منه، واستدفاع الشر به (٢). وهذه عبادة وكفاك من شر سماعه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (٣). وبعد [١٧] هذا كله أن ما سقناه من الأدلة، وما هو كالتوطئة لها، وما هو كالخاتمة التي تختم بها البحث يقضي أبلغ قضاء، ويدل أوضح دلالة ويفيد أجلى مفاد أن ما رواه صاحب البحر (٤) عن الإمام يحيى غلط من أغاليط العلماء، وخطأ من جنس ما يقع المجتهدين، وهذا شأن البشر، والمعصوم من عصمه الله (٥) وكل عالم يؤخذ من قوله ويترك مع كونه ﵀ من أعظم الأئمة إنصافا،

стр. 2535

وأكثرهم تحريا للحق، وإرشادا إليه، وتاثيرا له، ولكنا لما رأنياه قد خالف من عداه بما قاله من جواز بناء القباب على القبور ردنا هذا الاختلاف إلى ما أوجب الله الرد إليه، وهو كتاب الله وسنة رسوله، [فوجنا] (١) في ذلك ما قدمنا ذكره من الأدلة الدالة أبلغ [٦ب] دلالة، والمنادية بأعلى صوت بالمنع من ذلك، والنهي عنه، واللعن لفاعله، والدعاء عليه [واشتداد] (٢) غضب الله عليه مع ما ذلك من كونه ذريعة إلى الشرك، ووسيلة إلى الخروج من الملة كما أوضحنا. فلو كان القائل بما قال الإمام يحيى بعض الأمة أو أكثرها لكان قولهم رد عليهم كما قدمناه في أول هذا البحث، فكيف والقائل به فرد من أفرادهم! وقد صح عن رسول الله ﵌ أنه قال: " كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد " (٣) ورفع القبور وبناء القباب عليها ليس عليه أمر رسوله ﵌ كما عرفناك بذلك، رد على قائلة، أي مردود عليه. والذي شرع للنا س هذه الشريعة الإسلامية هو الرب -سبحانه - بما أنزل في كتابه، وعلى لسان رسوله ﵌ فليس لعالم وإن بلغ من العلم إلى أرفع رتبة وأعلى منزل -أن يكون بحيث يقتدي به فيما خالف الكتاب والسنة أو أحدهما، بل ما وقع منه الخطأ بعد توفية الاجتهاد حقه يستحق به أجرا، ولا يجوز لغيره أن يتابعه [عليه] (٤). وقد أوضحنا هذا في أول البحث بما لا يأتي التكرار له بمزيد فائدة. وأما ما استدل به الإمام يحيى ﵀[حيث قال] (٥): لا ستعمال المسلمين

стр. 2536

ولم ينكروه. فاعلم أن هذا الاستدلال مدفوع؛ فإن هذه الأدلة التي سقناها على ما فيها نم التكاثر والتوفر ما زالت مروية في مجامع المسلمين، ومدارسهم، مجالس حفاظهم، ويرويها الآخر عن الأول، والصغير عن الكبير، والمتعلم عن العالم من لدن أيام الصحابة إلى هذه الغاية، وأوردها المحدثون في كتبهم المشهورة من الأمهات والمسندات والمصنفات. وأوردها المفسرون في تفاسيرهم (١)، وأهل الفقه في كتبهم الفقهية (٢) وأهل الأخبار والسير في كتب الأخبار والسير، فكيف يقال إن المسلمين لم ينكروا على من فعل ذلك! وهم يرون أدلة النهي عنه، وللعن لفاعله [والدعاء عليه] (٣) خلفا عن سلف في كل عصر، ومع هذا فلم يزل علماء الإسلام منكرين لذلك، مبالغين في النهي عنه. وقد حكى ابن القيم (٤) عن شيخه شيخ الإسلام [٧أ] تقي الدين، وهو الإمام المحيط بمذاهب سلف هذه الأمة وخلفها أنه قد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد على القبور. ثم قال ك وصرح أصحاب أحمد (٥) ومالك (٦) .............................

стр. 2537

والشافعي (١) بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة (٢) لكن ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم إحسانا للظن بهم، وأن لا بهم أن يجوزا ما تواتر عنه رسول الله ﵌ لعن فاعله، والنهي عنه انتهي. فانظر كيف حكى التصريح عن عامة الطوائف! وذلك يدل على أنه إجماع من أهل العلم على اختلاف طوائفهم، ثم بعد ذلك جعل أهل ثلاث مذاهب مصرحين بالتحريم، وجعل طائفة مصرحة بالكراهة، وحملها على كراهة التحريم، فكيف يقال بأن بناء القباب والمشاهد لم ينكره أحد!. ثم انظر كيف يصبح استثناء أهل الفضل برفع على قبورهم! وقد صح عن النبي ﵌ كما قدمنا أنه قال: أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح [١٩] بنوا على قبره مسجد " (٣) ثم لعنهم لهذا السبب

стр. 2538

فكيف يسوغ [من يستثنى] (١) أهل الفضل بفعل هذا المحرم الشديد على قبورهم! مع أن أهل الكتاب الذين لعنهم رسول الله ﵌ وحذر الناس مما صنعوا لم يعمروا المساجد إلا على قبور صلحائهم، ثم إن هذا رسول الله ﵌ سيد البشر، وخير الخليقة، وخاتم الرسل، وصفوة الله من خله ينهى أمته أن يجعلوا قبره مسجدا، أو وثنا، أو عيدا، وهو القدوة لأمته، لأهل الفضل القدوة به والتأسي بأفعاله وأقوال الحظ الأوفر، و [هم] (٢) أحق الأمة بذلك وأولاهم به، وكيف يكون فضل بعض الأمة وصلاحه مسوغا لفعل هذا المنكر على قبره! وأصل الفضل ومرجعه هو رسول الله ﵌. وأي ينسب إلى فضله أدني نسبة! أو يكون له بجنبه أقل اعتبار! [فإن] (٣) كان هذا محرما منهيا عنه، ملعونا فاعله في قبر رسول الله ﵌ فما ظنك بغيره من أمته! وكيف يستقم أن يكون للفضل مدخل في تحليل المحرمات، وفعل المنكرات! اللهم غفرا. [كمل منقولا من تحرير مؤلفه العلامة البدر محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما - آمين]. (٤) [والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم آمين] (٥)

стр. 2539

جواب سؤالات وردت من تهامة تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب على غلاف الرسالة ما نصه: " هذه السؤالات أرسل بها إلينا سيدي العلامة يوسف بن إبراهيم الأمير -عافاه الله - وذكر أنها مرسلة من تهامة طالبه للجواب مني عليها فأجبت بهذا الجواب ".

стр. 2540

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: (جواب سؤالات وردت من تهامة). ٢ - موضوع الرسالة: فقه. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الأكرمين وبعد: فإنها وردت إلي هذه الأبحاث النفيسة، وها أنا أذكر كل بحث منها ثم أتبعه بجوابه بمعونة الله . ٤ - آخر الرسالة:. .. ومتمسكون بما هو خارج عن مطلوبهم خروجا أوضح من شمس النهار، وعلى نفسها براقش تحني. وفي هذا المقدر كفاية لمن له هداية. انتهى الجواب والله الموفق للصواب. ٥ - نوع الخط: خط رقعة. ٦ - عدد الأوراق: ٦ ورقات = ١٢ صفحة + صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٣١ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات. ٩ - الرسالة من المجلد الرابع من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

стр. 2541

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الأكرمين وبعد: فإنها وردت إلي هذه الأبحاث النفيسة، وها أنا أذكر كل بحث منها ثم أتبعه بجوابه بمعونة الله . قال السائل - كثر الله فوائده -: المبحث الأول: ما حقيقة السفر (١) الذي يقصر (٢) فيه الصلاة؟ فإن قيل: الضرب

стр. 2542

المستوي فيه القصير والطويل كما نقل عن كثير من السلف فما حقيقته في عرفهم؟ هل إذا جاوز البنيان يسمى مسافرا عندهم يقصر ولو إلى بستانه القريب من العمران؟ وهل حكايتهم ذلك عن على ﵁ فيما يروى عنهم صحيحة أم لا؟ وإن قيل له مسافة لا يجوز القصر فالمراد تحقيقها بالأدلة؟ وهل حقيقة السفر في القصر والصوم وسير المرأة واحد حتى يستدل لكل بما ورد في الآخرة؟ وفي البخاري (١) وسمى النبي ﵌ السفر يوما وليلة (٢)، فهل سماه في غير سفر المرأة؟ فإن كان المراد إنما

стр. 2543

هو في سفر المرأة الذي يشترط فقد سماه بغير ذلك انتهى. أقول: قد وقع الخلاف الطويل بين علماء الإسلام في مقدار المسافة التي يقصر فيها، وحكى ابن المنذر (١) في ذلك نحو عشرين قولا، أقل ما قيل في ذلك يوم وليلة، هكذا حكى. وفيه أنه ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن مسافة القصر يوم، وذهب آخرون إلى أنها بريد (٢)، وذهب جماعة منهم ابن عمر كما روى ذلك عنه ابن أبي شيبة (٣) بإسناد صحيح إلى أن أقل مسافة القصر ميل. وإلى ذلك ذهب ابن حزم (٤)). (٥): (٥ (٦) من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء مذاهب كثير ة جدا. لا حاجة لنا هاهنا إلى تعداد المذاهب، لأن غرض السائل بيان ما هو الراجح في المسألة.

стр. 2544

فاعلم أن بعض أهل العلم استدل على تقدير مسافة القصر ﵌ في أسفاره، وبعضهم استدل بقوله- ﵌: " لا يحل لامرأة بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم " أخرجه الجماعة إلا النسائي (١). وفي رواية للبخاري (٢): " لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذو محرم ". وفي رواية للبخاري (٣): لا تسافر المرأة بريدا ". ولا حجة في جميع ذلك. (٤) أما اقصره ﵌ في أسفاره فلعدم استلزام فعله لعدم الجواز فيما دون المسافة التي قصر فيها. وأما حديث: نهى المرأة عن أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم، فغاية ما فيه إطلاق اسم السفر على مسيرة ثلاثة أيام، وهو غير مناف للقصر فيما دونها، وكذلك نهيها عن سفر اليوم والليلة والبريد، فالبريد لا ينافي جواز القصر في ثلاثة [ا أ] فراسخ، أو ثلاثة أميال، أو ميل. وأيضا هذا الحديث مسوق لبيان حكم آخر هو المقدار الذي يجب على المرأة أن تستصحب المحرم فيه، ويحرم عليها أن تسافر ذلك المقدار بدونه. ولا ملازمة بين هذا وبين مسافة القصر، لا عقلا، ولا شرعا، ولا عادة. وأما استدلال من استدل بحديث ابن عباس عن الطبراني (٥) أنه - صلى الله عليه وآله

стр. 2545

وسلم - قال: " يا أهل مكة، لا تقصروا في أقل من أربعة برد، من مكة إلى عسفان " (١) فلو ثبت لكان حجة قوية رافعة للخصام، لكن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبير (٢) وهو متروك. وقد نسبه بعض أهل العلم إلى الوضع. وقال الأذردي: لا تحل الرواية عنه. الراوي عنه إسماعيل بن عياش (٣)، وهو ضعيف في الحجازيين وعبد الوهاب المذكور حجازي، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس كما أخرجه عنه الشافعي (٤) بإسناد صحيح، ومالك في الموطأ. (٥) وقد استدل على تقدير مسافة القصر بما أخرجه أحمد (٦)، مسلم (٧) وأبو داود (٨) عن

стр. 2546

شعبة، عن يحيى بن سويد الهنائي قال: سالت أنسا عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﵌ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين. والذي وقع منه الشك هو شعبة الراوي للحديث، والمتيقن من هذا الحديث هو ثلاثة فراسخ، لأن الحديث متردد بينها وبين ثلاثة أميال، والثلاثة الأميال مندرجة في الثلاثة الفراسخ، فتوجه بالأكثر احتياطا. وهذا الحديث أصح ما ورد في التقدير وأصرحه (١) وقد حمله من خالفه على أن المراد المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر. أوجيب (٢) عنه بأن يحيى بن يزيد الواوي عن أنس إنما سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضوع الذي يبتدأ القصر منه، فيكون هذا الحديث مقيدا لإطلاق اسم السفر في القرآن، ولسائر ما ورد من قصر ﵌ في المواطن التي سافر إليها. ويؤيده أن النبي ﵌ كان يخرج إلى البقيع لزيارة الموتى، وإلى مواطن خارجة عن المدينة، إما للإصلاح بين قوم أو نحو ذلك، ولم يقصر هو، ولا من خرج معه. وقد وري سعيد بن منصور (٣) عن أبي سعيد قال: كان رسول ﵌ إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة، فان صح هذا كان مقدما على حديث أنس المتقدم، وتكون مسافة القصر فوسخا. ولا أدري الآن كيف إسناده لعدم وجود مسند

стр. 2547

سعيد بن منصور لدي. وإذا تبين لك مقدار السفر الذي يقصر في مثله فاعلم أن هذا المسافر إذا حضرته الصلاة بعد خروجه من مدينته أو قريته قصر، ولو لم يكن بينه وبينها وإلا مقدار رمية حجر، لأنه قد صدق عليه اسم السفر الشرعي باعتبار قصره لتلك الغاية التي هي ثلاثة فراسخ فما فوقها. وهكذا لا يزال يقصر في [١ب] رجوعه إلى وطنه حتى يدخل مدينته أو قرية. ولا اعتبار بما قيل إنه لا يقصر حتى يخرج من ميل وطنه، ويتم إذا دخل ميل وطنه، فإن ذلك لم يدل عليه دليل صحيح. فإن قلت: هلا اعتبرت مجرد الضرب (١) في الأرض المذكور في الآية مع صحة تسميته مسافرا لغة (٢)، وذلك بأن يشد رحله، أو يحمل عصاه على عاتقه قاصدا للسفر، وحينئذ يفيد مطلق الضرب في الأرض بما تسمه العرب سفرا. قلت: المسألة شرعية (٣) لا لغو. وقد ورد الشرع بما قدمنا. يرد عن الشارع من وجه صحيح الصر فيما دون ذلك، فوجب التوقف على ذلك. ولو سلمنا أن المسألة لغوية. أن الاعتبار بما يصد عليه اسم المسافر لغة لم يكن في ذلك حجة لمن قال: أن من كان سفره مسافة ميل (٤) أو الميلين، أو ثلاثة

стр. 2548

فرسخين، أو ثلاثة فراسخ يقصر الصلاة، فإن القاصد لمثل هذه المقادير لا تسميه العرب مسافرا. ولم نسمع عنهم أنهم أطلقوا عليه اسم المسافر (١)، ولو شد رحله، أو وضع عصاه على عاتقة. وقد طانوا يتزاورون، ويذهب بعضهم إلى محلة بعض، ولا يسمون الفاعل لذلك مسافرا. وبالجملة فالإحالة لمحل النزاع على السفر اللغوي (٢) إحالة على مجهول، أو إحالة على ما يدل على خلاف مطلوب قابله، فوجب الرجوع إلى ما ثبت في الشرع. وقد ثبت فيه أنه ﵌ كان يقصر إذا خرج في ثلاثة فراسخ. وثبت عنه أنه صلى الظهر بالمدينة أربعا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين كما في حديث أنس عند أحمد (٣)،. ............................

стр. 2549

والبخاري (١)، ومسلم (٢). وبين المدينة وذي الحليفة ستة أميال (٣). فإن قلت: هذا الحديث يفيد أن القصر يكون دون ثلاثة فراسخ، فيكون أقل مسافة السفر ستة أميال. قلت: نعم لولا أن الحليفة في هذا السفر لم يكن منتهى سفره، وإنما خرج إليها وقصر بها في سفر إلى مكة. وأما حديث الثلاثة الفراسخ (٤) فلم يكن فيه ما يدل على أنها ابتداء سفره، بل فيه ما يدل على أن القصر عند إرادته لمثل هذه المسافة كان عادة له كما يدل عليه لفظ كان على ما تقرر في الأصول (٥). ولولا التردد في الرواية بين الثلاثة الأميال، والثلاثة الفراسخ لكان الواجب الأخذ بالأقل، وهو الثلاثة الأميال (٦)، لكنه مع التردد يجب الأخذ بالأحوط المتيقن وهو الثلاثة الفراسخ.

стр. 2550

قال السائل - عافاه الله - المبحث الثاني ما المعتمد الذي لا وجه بخلافه كون القصر في السفر رخصة (١)؟ فإن قيل: إنه رخصة، فما الجواب عن حديث عائشة ﵂ -الذي اتفق على

стр. 2551

إخراجه الشيخان (١): " أول ما فرضت الصلاة ركعتين. .. إلخ "، وما روي عن ابن عمر [٢أ] موقوفا: " صلاة السفر ركعتين نزلتا من السماء، فإن شئتم فردهما " أخرجه الطبراني في " الصغير " (٢) وقال: لم يرو أبو الكنود عن ابن عمر حديث غير هذا، ولا رواه الطبراني إلا قيس بن وهب تفرد به شريك. وأورده الهيثمي في " المجمع " (٢) وقال رواه الطبراني في الصغير ورجاله موثقون. قال الهيثمي في " المجمع " (٢/ ١٥٤ - ١٥٥) وعن مورق قال سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتين ركعتين من خالف السنة كفر ". رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. (٢): العزيمة لغة: مشتقة من العزم وهو القصد المؤكد يقال " عزم على الشيء " إذا عقد ضميره على فعله وأكده قال تعالى: (نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥] أي قصدا بليغا متأكدا في العصيان. قال الجوهري في " الصحاح " (٥): " عزمت على كذا عزما وعزما بالضم وعزيمة وعزيما: إذا أردت فعله ". ويطلق العزم على القطع ومنه قوله تعالى (فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [آل عمران: ١٥٩]. انظر: " لسان العرب ط (١٥)، " المصباح المنير " (٢). العزيمة اصطلاحا: الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض. قوله: الحكم الثابت: أي الذي ثبت، واحترز بذلك عن الحكم غير الثابت وهو المنسوخ فلا يسمى عزيمة. لأنه لم يبق مشروعا أصلا. قوله: بدليل شرعي: أحترز به عن الثابت بدليل عقلي فإن ذلك لا تستعمل فيه الرخصة ولا العزيمة. قوله: " الحكم الثابت بدليل شرعي " يتناول جميع الأحكام الخمسة - الواجب، المندوب، الحرام، المكروه، المباح، فإن لكل واحد منها حكم ثابت بدليل شرعي. قوله: " خال عن معارض " احترز عما ثبت بدليل لكن لذلك الدليل معارض، مساو أو راجح حيث إن العزيمة تنتفي هنا. انظر: " نهاية السول " (١/ ٧٠)، " البحر المحيط " (١) للزركشي، " الكوكب المنير " (١).

стр. 2552

الجواب عن حديث عائشة الذي نقل (١) سيدي محمد الأمير (٢) - رحمة الله - عن الدراقطني (٣) تصحيحه " كان ﵌ يقصر في السفر، ويتم، ويصوم ويفطر " وحديثها أيضًا الذي أخرجه البيهقي (٤) أنها اعتمرت معه - صلى الله عليه

стр. 2553

وآله وسلم - إلى أن فالت لرسول الله: بأبي أنت وأمي أتممت وقصرت، وأفطرت وصمت؟ فقال: " أحسنت ياعائشة "، وحديث القشيري الذي رواه سيد الناس أن النبي ﵌ بعث خيلا - إلى أن قال -: قال رسول الله ﵌: " تعال أحدثك عن ذلك، إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصيام. .. إلخ ". قال ابن سيد الناس: قالوا: وضعه لا يكون إلا من فرض ثابت. وقال أيضا: ولم يقصر ﵌ آمنا إلا بعد نزول آية القصر في الخوف، وكان نزولها بالمدينة، وفرض الصلاة بمكة، فظاهر هذا أن القصر صار على الإتمام انتهى. وعن معنى قوله: (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) (١) ونفي الجناح (٢) في آلاية انتهى. أقول: ذهب إلى القول بوجوب القصر كثير من السلف والخلف. قال الخطابي في

стр. 2554

المعالم (١) كان مذاهب أكثر علماء السلف، وفقهاء الأمصار أن القصر هو الواجب في السفر، وهو قول علي، وعمر، وابن عباس، وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وقتادة، والحسن. وقال حماد بن سلميان: يعيد من يصلي في السفر أربعا. وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت. وقد نسب القول بالوجوب إلى النووي (٢) إلى كثير من أهل العلم. ذهب إلى القول بأن القصر رخصة عائشة، وعثمان. وروي عن ابن عباس، والشافعي، وأحمد ونسبه النووي (٣) إلى أكثر العلماء. احتج القائلون بالوجوب بحجج: الأولى: ما ثبت في الصحيحين (٤) وغيرهما (٥) من حديث ابن عمر قال: صحبت النبي ﵌ وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان. ويجاب عن هذا الاستدلال بأن مجرد الملازمة لا تفيد الوجوب. الحجة الثانية: حديث عائشة المتفق عليه (٦) بألفاظ منها: " فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر ". وهذا دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر لما كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها في الرباعية، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر. وقد أجيب عن هذه الحجة بأنها من قول عائشة، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة. وأجيب عن ذلك بأن مثل هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه، فله حكم الرفع. وأما كونها لم تشهد زمان فرض الصلاة فليس ذلك بعلة

стр. 2555

قادحة، لأنه يمكن أن تأخذ ذلك عن النبي ﵌ بعد زمان فرض الصلاة، وبمكن أن تأخذ عن صحابي آخر، ومراسيل الصحابة حجة. ومن الجملة (١) ما قيل في الكلام على حديث عائشة هذا أنه معارض بحديث ابن عباس [٢ب] عن مسلم (٢): " فرضت الصلاة في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين "، ويجاب عن هذا بأن الجمع (٣) ممكن بأن يقال: أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين، إلا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة إلا الصبح كما رواه ابن خزيمة (٤)، وابن حبان (٥)، والبيهقي (٦) عن عائشة قالت: " فرضت صلاة الحضر ركعتين ركعتين، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار ". ومما أجاب به القائلون بأن القصر رخصة عن حديث عائشة أن المراد بقولها: " فرضت " أي قدرت (٧)، وهو تأويل متعسف لا ينبغي التعويل عليه، ويدفعه قولها في الحديث: " فأقرت في السفر، وزيدت في الحضر ". ومنها قول النووي (٨): أن المراد بقولها " فرضت " يعني لمن أراد الاقتصار عليه، وهذا أشد تعسفا من الوجه الذي قبله. الحجة الثالثة: ما في الصحيح. ......................................

стр. 2556

مسلم (١) عن ابن عباس: " إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم ﵌ على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعا، والخوف ركعة " وهذا الصحابي الجليل قد صرح بما هو المطلوب للقائلين بوجوب القصر، لأن صلاة المسافر إذا كانت مفروضة ركعتين لم يحل له أن يخالف ما فرضه الله عليه. الحجة الرابعة: حديث عمر عند النسائي (٢) صلاة الأضحى ركعتين، وصلاة الفجر ركعتين، وصلاة السفر ركعتين، تمام غير قصر، على لسان محمد ﵌ " وأخرجه أيضًا أحمد (٣) وابن ماجه (٤)، ورجال الحديث رجال الصحيح، إلا يزيد بن أبي الجعد فقد وثقه أحمد وابن معين (٥). وقد روي من طريق أخر بأسانيد رجالها رجال الصحيح، وفيه التصريح بأن صلاة السفر مفروضة كذلك، وأنها تمام غير قصر. والحجة الخامسة: ما أخرجه النسائي (٦) عن ابن عمر قال: " أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر.

стр. 2557

واحتج القائلون بأن القصر رخصة بحجج: الحجة الأولى: قوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) (١) قالوا: ورفع الجناح لا يدل على العزيمة، بل يدل على الرخصة. (٢) وأجيب بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، وهي أيضًا قد اقتضت قصرا يتناول قصر الأركان بالتجفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين. وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وجد الأمران أبيح القصران، فيصلون صلاة الخوف بقصور عددها وأركانها، وإن انتفى الأمران وكانوا آ منين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وجد السفر والأمن قصر العدد، واستوفيت الأركان، وصليت صلاة أمن. وهذا أيضانوع قصر وليس بالقصر المطلق. وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامة [٣أ] باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في الآية كذا قال المحقق ابن القيم (٣) وما أحسن ما قال!. والحجة الثانية لهم: ما أخرجه مسلم (٤) وأهل السنن (٥) غيرهم (٦) من حديث يعلى ابن أمية قال: قلت لعمر ابن الخطاب: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فقد أمن الناس! فقال عجبت مما

стр. 2558

عجبت منه، فسألت رسول الله فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقتة " قالوا: فقوله: " صدقة " يدل على عدم الوجوب. ويجاب عن هذا بأن محل النزاع هو وجوب القصر، وقد قال: فاقبلوا صدقته " ومعنى الأمر الحقيقي الوجوب، فالحديث عليهم لا لهم. الحجة الثالثة: ما روي أن الصحابة كانوا يسافرون مع النبي ﵌ فمنهم القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر؛ لا يعيب بعضهم على بعض. كذا قال النووي في شرح مسلم (١) وقد عزي هذا إلى صحيح مسلم (٢) ولم نجده فيه (٣). ويجاب عنه بأن لم يكن فيه أن النبي ﵌ اطلع على ذلك وقررهم عليه. وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك. وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لما أتم بمنى (٤). والحجة الرابعة لهم: ما أخرجه النسائي (٥)، والدارقطني (٦)، البيهقي (٧)، عن عائشة قالت: خرجت مع النبي ﵌ في عمرة في رمضان فأفطر

стр. 2559

وصمت، وقصر وأتممت، فقالت: بأبي وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت فقال: " أحسنت يائشة " قال الدارقطني (١): وهذا إسناده حسن. ويجاب عنه بأن في إسناده العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن يزيد، والأسود النخعي عنها، والعلاء بن زهير قال فيه ابن حبان (٢) كان يروي عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الأثبات، وقال ابن معين (٣): ثقة. وقد اختلف في سماع عبد الرحمن منها. قال الدارقطني: أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق، وقال أبو حاتم (٤): أدخل عليها وهو صغير، ولم يسمع منها. قال أبو بكر النيسابوري: من قال فيه عن عائشة فقد أخطأ، ومع هذا فقد اختلف قول الدارقطني (٥) فيه، فقال في السنن: إسناده حسن، وقال في العلل: المرسل أشبه (٦) وقال البدرالمنير (٧) إن في متن هذا الحديث نكارة وهو كون عائشة خرجت معه في رمضان للعمرة، والمشهور أنه ﵌ لم يعتمر (٨) إلا أربع عمر ليس منهن شيء في رمضان، بل كلهن في ذي القعدة، إلا التي مع حجته فكان إحرامها في ذي القعدة، وفعلها في ذي الحجة قال: هذا هو المعروف في الصحيحين (٩)

стр. 2560

وغيرهما. وقد وجه ذلك بعض أهل العلم بتوجيهات متعسفة لا ينبغي الاعتماد عليها، خصوصا مع مخالفة هذا الحديث لأقوال ﵌ الصريحة، وأفعاله الصحيحة. وقال ابن حزم (١): هذا الحديث لا خير فيه، وطعن فيه، ورد عليه ابن النحوي بما لا يصلح للرد. قال في الهدي (٢) بعد ذكر لهذا الحديث: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا حديث كذب على عائشة. الحجة الخامسة لهم: ما أخرجه الدارقطني (٣) عن عائشة أن النبي ﵌ كان يقصر في السفر، ويتم، ويفطر ويصوم. قال بعد أخراجه: إسناده صحيح. ويجاب عنه بأن الإمام أحمد استنكره كما حكى ذلك صاحب التلخيص (٤) وقال: وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت تتم يعني بعد موت النبي ﵌[٣ب]- كما ذكر عروة أنها تأولت كما تأول عثمان كما في الصحيح (٥)، فلو كان عندها عن النبي ﵌ رواية لم ينقل عروة أنها تأولت ما تأول عثمان. قال في الهدي (٦): وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله ﵌. وبالجملة فهذا الحديث وأشباهه لا يقوى على معارضة بعض حجج القائلين بوجوب
следующие страницы →