← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

حبان في الثقات (١)، واسمه عبد العزيز بن أبي الصعبةِ، وأما الرجلُ الهمدانيُّ فيقال له: أبو أفلحَ، ولا يعرف بغير هذا، وأما عبد الله بن زرير فوثّقه العجليُّ، وابن سعد (٢). وأخرجه أيضًا البيقهيّ (٣) من حديث عقبة بن عامر بنحوه قال الحافظ ابن حجر (٤): إسنادهُ حسنٌ. وأخرجه البزَّار (٥)، والطبراني (٦) من حديث قيس بن أبي حازمٍ بنحوه، وفي إسناده عمرو بن جرير البجلي (٧) قال ................

стр. 3397

البزّار (١): ليِّنٌ. وأخرجه البزّار أيضًا، وأبو يعلى، والطراني من حديث (٢) عبد الله بن عمرو بنحو حديث أبي موسى، وفي إسناده الأفريقيُّ (٣)، وهو ضعيفٌ، لكن ليس بقويِّ الضَّعْفِ، بل حديثُه إذا تُوبِعَ عليه صار حسنًا. وأخرجه أيضًا الطبرانيُّ (٤)، والعقيليُّ (٥)، وابن حبّان في الضعفاء (٦) من حديث زيد بن أرقم، وفيه ثابت بن زيد، وهو ضعيفٌ، ولكنه قد رواه ابن أبي شيبة من حديث أمية بنت زيد بن أبي أرقم عن أبيها.

стр. 3398

وأخرجه الطبرانيُّ (١) من حديث واثلَة بن الأسقع، وإسناده مقاربٌ كما قال الحافظ (٢). وأخرجه أيضًا البزّار (٣) من حديث ابن عباس بإسنادين واهيين، فهذا الحديث قد روي من هذه الطرق عن هؤلاء الصحابة، وهو إذا لم يكن صحيحا باعتبار طريق من هذه الطرق فهو حسنٌ لغيره باعتبار مجموعها، وهو معمولٌ به عند الجمهور، ومن خالفَ في العمل به، فإنما هو خلافٌ راجعٌ إلى اصطلاح في تسمية الحسن كما هو مبيَّن في مواطنه. الوجه الثاني: في الكلام على دلالته: اعلم أنَّ التحريمَ إذا تعلَّق بعينٍ من الأعيان فلا بدَّ من تقدير، لأنَّ المحرَّمَ في الحقيقة إنما هو فعلُ المكلَّف لا نفسُ تلك العينِ، فذهب جمعٌ من أهل الأصول (٤) إلى أن المقدّر لا يكون عامًا إذا كان يتعلّق بتلك العين أفعالٌ كثيرةٌ من أفعال المكلّفين، وذهب جمعٌ منهم إلى تقدير الجميع، وعلى كل حال فلا يصحُّ أن يُقدَّرَ ما هو معلوم بالضرورة الدينية أنه حلالٌ كَلَمْسِ الذهبِ بالكف، أو حمْلِهِ، أو النظر إليه ولا يصحُّ [١ب] تقديرُ لُبْسِه أيضًا، لأنه لا يمكن أن يكون منسوجًا، والذي يوجدُ في

стр. 3399

الثياب ويسميه الناسُ ذهبًا ليس بذهب، بل هو فضة كما يعرفُ ذلك من يعرفُهُ، بل كل ذهبٍ يجعلُه الإنسان على بدَنِه كالطوقِ والسوارِ ونحوِها والحلقةِ ونحوِها يقال له في لغة العرب حليةً (١)، وكذا ما يجعلُه على سلاحِه. فإن كان المقدّر هو واحدٌ فينبغي أن يكون هو التحلِّي، وإن كان المقدر عامًّا فينبغي أن لا يشملَ ما عُلم بالضرورة أنه حلالٌ من المنافع. وعلى كل حال فالتَّحلي هو أظهرُ ما يقدَّر إن لم يكن هو المقدَّر وحدَه، وأما الأكلُ والشربُ في آنية الذهب فقد ثبت تحريمُه بدليل على أنه لا يمتنعَ أن يُقدَّرا كما قدِّر التحلِّي فيقال: الذهبُ حرامٌ على الذكور أن يتحلَّوا به، أو يأكلوا أو يشربوا في آنيته. فإن قلتَ: فقد أخرج أحمدُ (٢) والنَّسائيّ (٣) من حديث معاوية قال: "نهى رسول الله ﵌ عن ركوب النمارِ، وعن لُبْسِ الذهب إلاّض مُقَطَّعًا". قلتُ: يمكنُ أنْ يرادَ باللُّبس هنا معناه الأعمُّ، أعني المخالطةَ والملابسةَ، ومثلُه ما أخرجه أبو داود (٤) من حديث المقدامِ بن معدي كربَ، وفيه النَّهيُ عن لبس الذهب والحرير، على أنَّه لو فُرِضَ أنه يمكن لُبْسُهُ غيرُهُ من الثياب لم يكن ذلك مانعًا من تقديره كما يُقدَّرُ التحلِّي (٥).

стр. 3400

الوجه الثالثُ: أنه أخرج أبو داودَ (١) من حديث أبي هريرة: "من أحبَّ أن يُحَلَّقَ حبيبَه بحلقةٍ من نار فلْيُحَلِّقْهُ بحلقةٍ من ذهب، ومن أراد أن يطوِّق حبيبه طوقًا من نار فليطوِّقْهُ طوقًا من ذهب، ومن أحبَّ أن يسوِّرَ حبيبَه بسوار من نار فلْيُسَوِّره بسوارٍ من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالْعبُوا بها". وقد سكت عليه أبو داود، وهو لا يسكت إلاَّ عن صالح للاحتجاج به، وكذلك سكتَ عليه المنذريُّ (٢) في تخريجه مع كثرة تحرِّيه، وعدمِ إهماله للكلام على ما يستحقُّ الكلام عليه. وأقول: هذا الحديثُ إسناده صحيحٌ؛ فإنه قال أبو داود في السنن (٣): حدثنا عبد الله ابن مسلمةَ، حدثنا عبد العزيز بن محمدٍ، عن أُسيْدِ بن أبي أسيد البراد، عن نافع بن عياش، عن أبي هريرةَ، فعبدُ الله بن مسلمة هو القعنبيُّ، وهو إمام قد اتفق أهلُ الأمَّهات

стр. 3401

على إخراج حديثه، وهو متَّفقٌ على توثيقه، وأسيد بنُ أبي أسيد قال في التقريب (١): صدوقٌ، وقال ابن رسلان (٢): صدوقٌ أيضًا، ونافعُ بنُ عياش قال في التقريب (٣): ثقةٌ من الثالثة، وقال ابن رسلان (٤): ثقةٌ فاضلٌ. وقد أخرج الطبرانُّ في الكبير (٥) والأوسط (٦) من حديث سهلٍ أنَّ رسول الله ﵌ قال: "من أحبَّ أن يسوِّر ولده سوارًا من نار فليسوره سوارًا من ذهب، ولكنِ الفضةُ العبوا بها كيف شئتم" قال في مجمع الزوائد (٧): وفي إسناده عبد الرحمن بنُ زيد بن أسلمَ، وهو ضعيف. وأخرجَ أحمدُ (٨) من حدث أبي موسى نحو حديث أبي هريرة المتقدم، وفي آخره: "ولكن عليكم بالفضة العبوا بها لعبًا" وحسَّنه صاحبُ مجمع الزوائد (٩) فهذه الأحاديث فيها تحريم هذه الأنواعِ من الحليةِ، ولا فرق بينها وبين غيرها مما يصدُق عليه اسم الحلية. الوجه الرابع: أخرج أبو داود (١٠)، والنسائي (١١) من حديث رِبعيْ بن خراش عن

стр. 3402

امرأته، عن أختٍ لحذيفة أنَّ رسول الله ﵌ قال: "يا معشر النِّساء أما لكنَّ في الفضة ما تحلَّين به، أما إنه ليس منكنَّ امرأةٌ تحلَّى ذهبًا تظهرهُ إلاَّ عذِّبتْ به" وامرأةُ ربعي مجهولةٌ. ولكن يشهدُ له ما أخرجه أبو داود (١) والنَّسائي (٢) من حديث أسماءَ بنت يزيد أنَّ رسول الله ﵌ قال: "أيُّما امرأة تقلَّدت قلادةً من ذهب قُلِّدت في عُنُقِها مثلُهُ من النار يومَ القيامة، وأيُّما امرأة جعَلَت في أُذُنِها خِرْصًا من ذهب جُعِلَ في أُذُنِها مثلُه من نار يومَ القيامة" (٣). والحديث الأولُ والآخرُ إذا دلاَّ على تحريم التحلِّي بالذهب للنساء فدلالتُهما على تحريم ذلك على الرجال بفحوى الخطاب،

стр. 3403

وهذا هو مرادُنا من ذكرِ هذين الحديثين، وقد اختلفت الأحاديث في تحلِّي النساء بالذهبِ، وجمعنا في ذلك رسالة (١) جوابٍ عن سؤال ورد من بعض الأعلام ذكرنا فيها الجمعَ بين الأحاديث المختلفةِ في تحلِّي النساء بالذهب. الوجه الخامس: أخرج أحمد (٢) من حديث عبد الرحمن بن غُنْمٍ قال: قال رسول الله ﵌: "من تحلَّى ذهبًا، أو حلَّى بَخْرَ بصيصة من ذهب كُوي به يوم القيامة". قال في مجمع الزوائد (٣): فيه شهرُ بنُ حوشبٍ، وهو ضعيفٌ يكتُبُ حديثُه، وبقيةُ رجاله رجال الصحيح. قلت: وقد أخرج حديثَ شهرٍ مسلمٌ في صحيحه (٤)، والبخاريُّ في الأدب المفرد، وأهلُ السنن. وقال في التقريب (٥): هو صدوقٌ [٢ب] كثيرُ الإرسال والتدليس انتهى. ولكنَّ هذا الحديث لا إرسال فيه. قال في النهاية (٦) ما لفظه: مَنْ تحلَّى ذهبًا، أو حلاه ولده مثلَ خُرَبْصيْصةٍ هي الهيئة التي تتراءى في الرمل لها بصيص كأنها عين جرادةٍ. ومنه الحديثُ: "أن نعيمَ الدنيا أقلُّ وأصغر من خربصيصةٍ" انتهى. فهذان الحديثان يدلاَّن أبلغ دلالة على تحريم التحلي بالذهب، وإن كان شيئًا يسيرًا كالخردلة وما دونَها مما يدركه الطرفُ. والحليةُ تصدقُ على ما هو متصلٌ بالبدن كالطوق، والسوار، وعلى ما هو منفصلٌ عنه ومتّصل بما يتصلُ به من الثياب الملبوسة كحلية السيف، والجنبيةِ، ونحوهما، لأنَّ الكلَّ يحصلُ به الزينةُ. قال في القاموس (٧):

стр. 3404

الحَلْيُ بالفتح ما تُزُيِّنَ به مصنوع المعدنيات أو الحجارة، الجمع حلِيٌّ كدُلي، أو هو جمع، الواحدة حليةٌ كظبيةٌ بالكسر الحَلْيُ، الجمعُ حِلَّى وحُلَّى، حلَّى السيفَ، وحلاته وحلَّيتُه، وحَلِيتِ المرأةُ كرَضيَ حلْيًا فهي حالٍ وحاليةٌ استفادتْ حَلْيًا أو لبستْه كَتحلَّتْ أو صارتْ ذات حَلْيٍ، وحلاَّها تحليةً ألبسها حَلْيًا أو اتَّخذه لها، انتهى. وقال في النهاية (١): الحَلْيُ اسمٌ لكل ما يُتزيّن به من مصاغ الذهب والفضة، والجمع حِلي بالضم والكسر انتهى. ولا شك أن الزينة تحصلُ بالحلية التي توضع على البدن بدون حائل، كالطوق، والسِّوار، وتحصل بالحلية التي بينها وبين البدن حائلٌ، كالمناطق التي توضع فوق الثياب، وكالسيف المحلَّى، ونحوِ ذلك. ومَنْ أنكر هذا فهو مكابرٌ ومخالفٌ لما يفيده لغةُ العرب، ولما يفهمه أهلُ اللغة منها، فما كان مثلَ عين الجرادة من الذهب فالتحلّي به حرامٌ، سواء كان على البدن، أو على شيء متصل به ـ بالبدن ـ، كالسيف والمنطقة، والجنبية إذْ صدقَ اسمُ الحلية عليه لغةً فلا يدخلُ في ذلك ما وضعه الإنسان في كُمِّه، أو طرف ثوبه، أو وسطه من الذهب لقصدا لانتفاع به بوجٍ من الوجوه كصرفه في حوائجه أو التداوي به أو نحوِ ذلك، فإن هذا ليس بحليةٍ لا لغةً، ولا شرعًا، ولا عُرفًا. الوجه السادس: أخرج أحمدُ (٢) بإسناد رجالُهُ ثقاتٌ من حديث ابن عمرو عن النبيّ ﵌: "من مات من أمّتي وهو متحلٍّ بالذهب حرَّمَ الله عليه لباسه في الجنة"، وأخرجه الطبرانيُّ (٣) أيضًا وهو يدلُّ على تحريم التحلّي بالذهب من غير فرقٍ بين قليله وكثيره، وبين ما كان منه متصلاً بالبدن أو بينَه وبين البدن حائلٌ،

стр. 3405

وهو [٣أ] عليه أنه حليةٌ، ويصدق على من هو عليه أنه مُتَحلٍّ. الوجه السابع: أخرج النّسائي (١)، والحاكم (٢)، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين من حديث عقبة بن عامر أن رسول الله ﵌ كان يمنع أهل الحلية والحرير ويقول: "إنكم تحبُّون حليةَ الجنةِ وحريرَها، فلا تلبسوهما في الدنيا". وفيه التصريح بالنّهي عن لُبْسِ الحلية، وأهل اللغة يقولون: لبسَ السلاحَ لبس لامة الحرب كما يقولون: لبس الثوب. وأما الفرق المذكور في كتب الفقه بين المحمول والملبوس فاصطلاحٌ غيرُ مستندٍ إلى لغة العرب، ولا إلى حقيقة الشرع. الوجهُ الثامن: حديثُ النَّهي عن لبس الذهب إلاَّ مقطَّعًا، وحديثُ النهي عن لبس الذهب والحرير، وقد تقدما في الوجه الثاني. وتقرير الاستدلال بهما كتقدير الاستدلال بالحديث المذكور في الوجه السابع. الوجه التاسعُ: حديث أبي أمامة أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيلا يلبس حريرًا ولا ذهبًا" أخرجه أحمدُ (٣) بإسناد رجالُه ثقاتٌ، وتقريرُ الاستدلال به كما سبقَ. الوجه العاشرُ: قد ثبت في أحاديث النهي عن خاتم الذهب أنه علَّل ﵌ ذلك بأنه جمرةٌ من نار كما في صحيح مسلم (٤) من حديث ابن عباس، وكما في حديث أبي سعيد عند النسائي (٥)، وهذه العلّة المنصوصة مشعِرةٌ بأنه لا فرق بين

стр. 3406

غيرِه من أنواع حلية الذهب؛ إذ لا تأثير لكونه ذهبًا في موضع خاصّ من البدن، وهو الأُصبع بل لكونه حليةً. فتقرر بجميع هذه الأدلة المذكورة في هذه الوجوه العشَرَةِ أن حليةَ الذهب محرَّمةٌ على الرجال. أما الحديثُ المذكور في الوجه الأول فالتصريح فيه بالتحريم، وأمَّا الحديثُ المذكور في الوجه الثالث فالتصريح فيه بأن تلكَ الحلية من الذهب تكون نارًا، وكذلك الحديثان المذكوران في الوجه الرابع، ومثل ذلك الحديثان المذكوران في الوجه الخامس، وأما الحديث المذكور في الوجه السادس فللتصريح فيه تارةً أنه يحرُم عليه لباسُهُ في الجنة، وأما الحديثُ المذكور في الوجه السابع فللتصريح فيه بالنهي، وكذلك الحديثان المشار إليهما في الوجه الثامن، وكذلك الحديثُ المذكورُ في الوجه التاسع، وأمَّا أحاديث الخاتَمِ فلما ذكرنا هنا في العلَّة من العلة المنصوصة المقتضية أنه لا فرق بين الخاتم وغيره، المصرِّحة بأنه جمرةٌ من نار، وقد تقرَّر في الأصول (١) أنَّ النهي عن الشيء [٣ب] أو التوعُّد عليه بالعذاب، أو بدخول النار، أو بأنه يحرُم على فاعله في الجنة يقتضي كلُّ واحد منها التحريمَ فكيف إذا كانت مجتمعةً!. الوجهُ الحادي عَشَرَ: في الحديث الذي عورضتْ به هذه الأحاديثُ في بعض أنواع الحلية، وذلك حليةُ السلاح، أخرجه الترمذيُّ (٢) وقال (٣): حسنٌ غريب عن طالب بن حُجَيْر، حدثنا هُودُ بن عبدِ الله بن سعد عن جدِّه مزيدَةَ قال: دخل النبيّ ﵌ يوم الفتح وعلى سيفه ذهبٌ وفضةٌ. قال طالبٌ: فسألتُ عن القبيعة

стр. 3407

قال: كانت قبيعةُ سيفه فضةً. هكذا ساقه الحافظُ في التخليص (١)، ولم يتكلَّم عليه، بل اقتصر على نقل تحسين الترمذيّ له. وقد قال في التقريب (٢) ما لفظه: طالب بنُ حجير بمهملةٍ وجيمٍ، مصغَّرٍ العبديُّ البصريُّ صدوقٌ من السابعة. وقال فيه (٣) أيضًا ما لفظه: هودُ بن عبد الله العبديّ مقبولٌ من الرابعة انتهى. فعلى هذا يكون الحديثُ حسنًا كما قال الترمذي (٤)، ولكنه قد ورد (٥) ما هو أرجحُ منه مصرِّحًا بأن قبيعةَ سيفه كانت فضةً، وهو من رواية جرير بن حازم عن قتادة عن أنس، ورواه هشامٌ عن قتادةَ عن سعيد بن أبي الحسن مرسلاً، ورجَّح (٦) المرسلَ أحمدُ، وأبو داودَ (٧)، والنسائي (٨)، وأبو حاتم، والبزار، والدارميُّ، والبيهقي، وقال: تفرد به جرير بنُ حازم، قال الحافظ (٩): لكن أخرجه الترمذيُّ (١٠) والنسائي (١١) من حديث هُمامٍ عن قتادةَ عن أنس، وله طريقٌ غيرُ هذه رواها النّسائي (١٢) من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: كانت قبيعة سيف رسول الله ﵌ من فضة. وإسنادُهُ صحيح. ورواه الطبرانيّ في الكبير (١٣) من حديث محمد بن حمير، حدثنا أبو الحكم الصيقل،

стр. 3408

حدثني مرزوق الصيقل أنه صقلَ سيفَ رسول الله ﵌ ذا الفقار، وكانت له قبيعةٌ من فضة. هذا صحابيان قد رفعاه كما رفعه جرير بن حاتم على أنه لو لم يكن في الباب إلاَّ حديثُ أنس مع الاختلاف في رفعه وإرسالِهِ لكان الرفعُ زيادةً يجيب المصيرُ إليها، فمن عَلِمَ حُجَّةٌ على من لم يعلم، ولا سيما وقد تابعَ جريرَ بن حازم (١) على رفعه [٤أ] همامٌ، لكنَّ الشأن في مخالفة هذه الأحادي المصرِّحة بأن قبيعة سيفه ﵌ كانت فضةً لحديث (٢) طالبِ بن حُجَيْرٍ المذكورٍ سابقًا، مع تصريحه بعد تمام حديثه بأن سأل عن قبيعة السيف فقيل له كانت فضة، فإن لم نعتبر هذه المخالفة، وقلنا: الرواية المصرِّحة بالذهب والفضة مشتملةٌ على زيادة مقبولة، ولا سيما في حديث طالب بن حجير أنّ الذهب كان على القبيعة، بل على السيف، فلا منافاة بينه وبين الروايات المصرِّحة بأن القبيعة كانت من فضة، فإن القبيعة هي التي تكون على رأس قائم السيف وطرف مَقْبَضِهِ، وقيل: ما تحتَ شاربي السيفِ، وقيل ما فوق المقبضِ. وعلى كل حال فالقبيعة موضعٌ خاصٌّ من السيف، فلا تَعَارُضَ بين الروايات، وقال الحافظ الذهبيُّ في حرف الطاء من الجزء الثاني من الميزان (٣) ما لفظه: طالبُ بنُ حَجير عن هود بن عبد الله بنِ سعيد عن جده مَزِيدَة العَصري قال: دخل رسول الله ﵌ يوم الفتح وعلى سيفِهِ ذهبٌ وفضة كانت قبيعةُ السيف فضةً، قال الترمذي (٤): حسنٌ، وقال الحافظ (٥) أبو الحسن القطان: هو عندي ضعيفٌ لا حَسَنٌ،

стр. 3409

وصدق أبو الحسن. قلتُ: تفرَّد به طالب، وهو صالحُ الأمر إن شاء الله، وهذا منكر، فما علمنا في حلية سيفه ﵌ ذهبًا. انتهى (١). الوجه الثاني عشر: في كيفية الجمع بين الأحاديث المتقدِّمة المصرِّحة بتحريم الذهب أو المستلزمة لذلك، وبين هذا الحديث المذكور في الوجه الذي قبل هذا أنّه ﵌ دخل يوم الفتح وعلى سيفه ذهبٌ وفضةٌ. اعلم أنه قد صرّح أهل الأصول (٢) بأنه ﵌ إذا أمر بشيء أو نهى عن شيء، ثم تركَ ما أمرَ بفعلِه، أو فعلَ ما نَهَى عن فعله، فإن كان ذلك الأمرُ أو النهيُ ونحوُهما يختصَّان بالأمَّة، ولا يشملانِهِ ﵌ لا بطريق التنصيص، ولا بطريق الظهور كما إذا قال لا يحلُّ لكم، لأحدِكم، لا تفعلوا، أو افعلُوا أو هذا حرامٌ عليكم، أو واجبٌ على الأمَّة، أو واجبٌ أو حرامٌ عليها، فلا معارضة بين أمره أو نهيه لنا، وبين فعله أو تركِه المخالفِ لما أمرَ به أو نهى عنه [٤ب]، وإن كان الأمرُ أو النهيُ أو نحوُهما يشملانِهِ ﵌ بطريق الظهور كأن يقول: ليفعل كلُّ مسلم كذا، أو لا يفعلْ، أو مَنْ فعلَ، أو هذا واجبٌ على المسلمين، أو حرام، فإنَّ فِعْلَهُ ﵌ لِمَا نهى عنه، وترْكَهُ لما أمر به يكون مخصِّصًا له من ذلك العموم، فيكون ذلك الفعلُ أوِ التَّركُ من خصوصياته، وإن كان ما أمر به أو نهى عنه أو نحوُهما يتناوله بطريق التنصيص عليه كأن يقول: أُمِرْتُ وأمرتم، أو نُهيتُ ونُهيتم عن كذا، أو يقول: واجبٌ عليَّ وعليكم، أو حرام عليّ وعليكم، ثم فعل ما يخالفُ ذلك كان هذا الفعل نسْخًا لما تقدَّمه من الأمر أو النهي أو نحوِهما في حقِّه. هذا إذا لم يظهر دليل يدلُّ على التأسّي به كان هذا الفعل ناسخًا لما تقدّمه من الأمر أو

стр. 3410

النهي المخالفين له في حقِّه، وحق الأمَّة، أو دليلاً على الجواز في جانب الفعل والتّرك. إذا تقرر هذا فاعلم أنّه لم يكن في دخوله ﵌ يوم الفتح بسيف عليه ذهبٌ وفضة ما يدلُّ على التأسِّي به في ذلك، فلا يكون مخالفًا للأحاديث الدالّة على تحريم التحلّي بالذهب. لا يقالُ: إن أدلة التاسِّي العامّة كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١)، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) ونحو ذلك، لأنا نقول: إن أدلة تحريم التحلِّي بالذهب على الأمة أخصُّ مطلقًا من أدلة التأسِّي العامّة، فتكون مخصِّصة بها. وقد صرح بهذا أهلُ الأصول. فإن قلت: أبِنْ لي ما زعمتَه من عدم المعارضة بين حديث تحلية سيفه ﵌ بالذهب، وبين بعض الأحاديث التي سردتَها في تحريم الذهب، وكيفية التخصيص في البعض الآخر. قلتُ: أما الحديث المذكورُ في الوجه الأول فلا معارضة، لأنّه مصرِّحٌ بأن التحريم على ذكور أمَّته ﵌، وهو ليس من ذكور أمَّتهِ، إذ المضافُ غيرُ المضاف إليه، والأمَّةُ هم المؤتمونَ به، المتابعون، وهو الإمام المتبوع والإمام غير المأموم، والتابعُ غيرُ المتبوع. وأم الحديثان المذكوران [٥أ] في آخر الوجه الثاني، وهما المشارُ إليهما في الوجه الثامن فليس فيهما إلاَّ مُطْلَقُ النَّهي، فإن كان المخاطِبُ (٤) غيرَ داخلٍ في الخطاب فلا

стр. 3411

معارضةً، وإن كان داخلاً فهما شاملان له بطريق الظهور، فيكون تحليةُ سيفه ﵌ تخصيصًا له في ذلك الأمر الخاصّ من الحلية دون ما عداه. وأما الحديث المذكور في الوجه الثالث فإذا كانت صيغة العموم (١) في قوله: "من أحبّ أن يحلّق حبيبه" شاملةً له، وكانت أيضًأ شاملةً لجميع أنواع الحلية بفحوى الخطاب أو بلحنِهِ فيكون حديثُ تحلية سيفه ﵌ مخصِّصًا له. وأما الحديثان المذكوران في الوجه الرابع في نهي النساء عن حلية الذهب، فإذا كان داخلاً كغيره من المسلمين بفحوى الخطاب فتحليةُ سيفه ﵌ مخصِّصةٌ له من عموم دليل الفحوى، وهكذا يكون مخصِّصًا له من عموم الحديثين المذكورين في الوجه الخامس، لما فيهما من الصيغة العامة له بطريق الظهور. وأما الحديث المذكور في الوجه السابع؛ فإن الخطاب لغيره. وأما الحديثُ المذكور في الوجه التاسع فالقبيعةُ (٢) تشمله بطريق الظهور، فيكون تحليةُ

стр. 3412

سيفِه ﵌ مخصِّصة له فيتلك الحلية الخاصة، وهكا ما ذكر في الوجه العاشر؛ فإن التعليل بأن الخاتَمَ الذهب جمرةٌ من نار يشملُه، فيكون تحليةُ سيفِه بالذهب مخصِّصةً له في ذلك النوع الخاصّ على ما قررناه من دلالة العلة على تحريم حلية الذهب على العموم. فتقرَّر لك من جميع ما حررناه أن التحلِّي بالذهب لا يحلُّ سواءٌ كانتِ الحليةُ متصلةً بالبدن كالطوقِ والسِّوارِ، أو كان بينَها وبينَه حائلٌ كمِنْطَقَةِ الذهب، وحليةِ السيفِ، والدِّرع، والجنبيةِ من غيرِ فرقٍ بينَ القليلِ والكثيرِ كما تقدم في حديث الخربصيصة (١)؛ فإنَّ مَنْ جعل على سيفِه أو درعِه أو جنبيته حرفًا من حروف الذهب المعروفة فقد جعل عليه زيادةً على مائة خربصيصةٌ، ومن قال: نحلية الرجل أو درْعَهُ، أو نحوَهُما ليست بحليةٍ للرجل فقد [٥ب] خالف اللغةَ والشرعَ والعُرْفَ؛ فإن الرَّجُلَ إنما يجعلُ الحلية على السيف ونحوِه ليتزيَّنَ بها. وأما تزيين الجماد فليس مما يقصده العقلاء إلاَّ إذا أرادوا نفاقَهُ، ورفعَ ثمنه، وهذا صُنْعُ الصّاغةِ والباعة، وأهل التجارة لا صنعُ من يلبسُ السلاح ويتزيّن به، وبما عليه، ولو كانت الحلية حلالاً إذا كانت في شيء بينه وبين الجمس ما يمنعُ اتصالَه به لكان سوارُ الذهب الذي يكون زونُهُ رطلاً حلالاً إذا جُعِلَ بينَه وبين البدن ما يمنعُ اتصالُه من ثوبٍ أو جلدٍ أو نحوِها، أو كان على صفيحةٍ من فضةٍ أو نحوها، وهذا لا يقولُ به مَنْ يفهمُ لغةَ العرب، ويعرفُ مقاصدَ الشرع. الوجه الثالثَ عشرَ: اعلم أنه لم ينهضْ دليلٌ على تحريم استعمالِ الذهب والفضةِ، بل الحديثُ الصحيح (٢) المجمع عليه، وما ورد في معناه من الأحاديث

стр. 3413

الصحيحة (١) المصرِّحة بتحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضةِ، والتوعُّدِ على ذلك بأن من فعله فإنما يُجَرْجرُ (٢) به في بطنه نار جهنم لا يدلّ على إلحاق سائر الاستعمالات بهما، لا بفحوى الخطاب ولا بِلَحْنِهِ. ولا يدلُّ عليه بمطابقة، ولا تضمّن، ولا التزام. وهكذا لم يرِدْ ما يدلُّ على منع اتخاذ آنية الذهب والفضة لغير الأكل والشرب (٣)، وإنما

стр. 3414

ذكرنا هذا الوجْهَ لئلا يظُنّ ظانٌّ بأن هذا لا يحلُّ قياسًا على تحريم الحِلْية، أو على تحريم الأكل والشرب. الوجهُ الرابعَ عشرَ: "اعلم أنَّه لم يكن في شيء من الأحاديث السابقة ما يدلُّ على تحريم حلية الفضة، فالواجب البقاء على الأصل، وهو أنها حلالٌ استصحابًا للبراءة الأصلية، وعملاً بالعمومات القرآنية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (١) و ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) ونحوِهما.

стр. 3415

وقد زاد ذلك الأصل، وهذه العمومات تأييدًا وتأكيدًا الحديث المذكور في الوجه الثالث بلفظ: "ولكن عليكم بالفضة فالْعبوا بها لعبًا" (١) فيدخلُ في ذلك التحلّي بها بكل نوع من أنواع الحلية [٦أ]، ولبسُها على كل هيئة من هيئات اللُّبس. وقد ورد ما يدلّ على جواز بعض أنواع الحلية، وهو مما يزيد ذلك الأصل، وتلك العمومات تأييدًا أيضًا كحديث اتخاذه ﵌ لخاتم الفضة، وإرشاده إلى اتخاذه كما في حديث بريدة عند أهل السنن (٢). قال: جاء رجل إلى النبي ﵌ وعليه خاتمٌ من حديد فقال: "ما لي أرى عليك حلية أهل النار! " ثم جاءه وعليه خاتمٌ من صِفْرٍ، وفي رواية من شبهٍ فقال: "ما لي أجد منك رائحةَ الأصنام! " ثم جاءه وعليه خاتَمٌ من ذهب، فقال: "ما لي أرى عليك منك رائحةَ الأصنام! " ثم جاءه وعليه خاتَمٌ من ذهب، فقال: "ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة! " فقال: فَمِنْ أي شيء اتّخذهُ؟ قال: "من ورقٍ" قال الترمذي (٣): هذا حديث غريبٌ، وفي إسناده عبد الله بن مسلم أبو طيبة السُّلمي المروزي (٤)، قاضي مَروْ، روى عبد الله بن بريدة وغيره. قال أبو حاتم الرازي (٥): يُكْتَبُ حديثُه ولا يُحتَجُّ به، فجمع أنواع الحلية واللُّبس والاستعمال والانتفاع بالفضة حلالٌ لا يخرج من ذلك إلاَّ ما خصَّه الدليلُ، كالأحاديث المصرِّحة بتحريم الأكل والشرب في صِحافِهما. فإن قلت: قد روى أبو داود (٦) من حديث ثوبانَ أن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله

стр. 3416

وسلم ـ قدم من غزاةٍ، وكان لا يقدُم إلاَّ حينَ يقدُم ببيتِ فاطمةَ ﵂ فوجدها قد علّقت سِترًا على بابها، وحلّت الحسَنَيْنِ بقلبين من فضةٍ، فتقدّم فلم يدخل عليها، فظنّت أنه إنما منعه أن يدخل ما رأى فهتكت السِّتر، وفكّت القلبين عن الصبيين فانطلقا إلى رسول الله يبكيان، فأخذه منهما وقال: يا ثوبان اذهب بهذا إلى آل فلان إن هؤلاء أهل بيتي أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا. يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب، وسوارًا من عاج. قلت: قد أوضح ﵌ في هذا أنه إنما كره لأهل أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، وأرشهدم إلى الزُّهد فيها، وليس في ذلك ما يدل على المنع لهم

стр. 3417

جَزْمًا ولا لغيرهم. الوجه الخامسَ عشرَ: قد رخص [٦ب]﵌ في لُبْس الذهب مقطّعًا كما تقدم في الحديث المذكور في الوجه الثامن، ورخص أيضًا لعرفجةَ بن أسعد لما قُطِعَ أنفه يوم الكلاب أن يتّخذ أنفًا من ذهب، أخرجه أبو داود (١)، والنّسائي (٢)، والترمذي (٣)، وحسَّنه. فهذان وما ورد موردِهما يخصّص بهما عموم الأحاديث المتقدمة، ويمكن أن يُقالَ: إن اتّخاذ الأنفِ من الذهب، وكذلك السّنّ ليس من الحلية التي يراد بها الزينةُ، بل من التداوي والانتفاع المباح، فلا معارضة بينه وبين الأحاديث المصرّحة بتحريم الحلية. وفي هذا المقدار كفايةٌ. والله ولي التوفيق. انتهى نقلاً من خط سيدي القاضي العلامةِ عزّ الإسلام محمد بن أحمد مشحم ﵀ نقلاً عن خط المجيب شيخنا الإمام العلامة المجتهد محمد بن علي الشوكاني ـ أدام الله فوائده آمين. حُرِّرَ في شهر جُمادَى الأولى سنة ١٢٢٤ بقلم الحقير علي بن أحمدَ هاجر ـ غفر الله لهما ـ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 3418

تم المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني والله الحمد والمنة ويليه المجلد الخامس إن شاء الله

стр. 3419

القول الجلي في حل لبس النساء للحلي تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3420

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " القول الجلي في حل لبس النساء للحلي ". ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وآله الطاهرين، ذكرتم - كثر الله فوائدكم ومد على الطلاب موائدكم - أنه أشكل عليكم. . . ". ٤ - آخر الرسالة: والله ولي التوفيق. انتهى تحريره بقلم مؤلفه محمد الشوكاني - غفر الله له - في الثلث الأوسط من ليلة الأحد، لعله ليلة اثنين وعشرين من شهر رجب سنة ١٢١٦. ٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول. ٦ - عدد الصفحات: ١٥ صفحة ما عدا صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢١ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ٨ - ١٠ كلمات. ٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3421

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وآله الطاهرين. ذكرتم - كثر الله فوائدكم، ومد على الطلاب موائدكم - أنه أشكل عليكم الحديث الذي أورده المحقق المقبلي ﵀ في المنار (١) حيث قال: أخرج أحمد وأبو داود من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعًا: " أيما امرأة تقلدت بقلادة من ذهب قلدت في عنقها مثله يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب جعل في أذنها يوم القيامة ". فهذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه (٢) بإسناد لا مطعن فيه، وأخرجه أيضًا أحمد (٣) والنسائي (٤). وأخرج أيضًا أبو داود (٥) عن ربعي بن خراش، عن امرأته، عن أختٍ لحذيفة أن رسول الله ﵌ قال: " يا معشر النساء أما لكن في الفضة ما تحلين به! أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به ". وأخرجه أيضًا النسائي (٦) من هذه الطريق. قال المنذري (٧): وامرأة ربعي مجهولة. قال ابن عبد البر (٨): إن صح فهو منسوخ. وحكى المنذري (٩) عن بعض أهل العلم (١٠)

стр. 3422

أنه قال: ذلك كان في الزمن الأول، ثم نسخ وأبيح للنساء التحلي بالذهب. وقيل: هذا الوعيد لمن لا يؤدي زكاة الذهب، وأما من أداها فلا. قلت: ويدل على هذا التأويل - على فرض أنه لم يعلم التاريخ - ما أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﵌ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: " أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا، قال: " أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار يوم القيامة " قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﵌ وقالت: هما لله ولرسوله. وبالجملة فإن صح النسخ كما قاله ابن عبد البر (٤) فلا إشكال، وإن لم يصح لعدم العلم بالتاريخ فالرجوع إلى هذا التأويل متحتم؛ لأن الأحاديث المقتضية لحل الذهب للنساء لا شك أنها أرجح من الحديثين المتقدمين ومن غيرهما مما سيأتي ذكره؛ لأنها وردت من طرق كثيرة، فمنها عن أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - أن النبي ﵌ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: " إن هذين حرام على ذكور أمتي " أخرجه أبو داود (٥)، والنسائي (٦)، وابن ماجه (٧)، وأبو حاتم في صحيحه (٨)، زاد ابن

стр. 3423

ماجه (١): " حل لإناثهم "، وأخرجه أيضًا أحمد (٢). قال عبد الحق في الإحكام (٣): قال ابن المديني (٤): حديث حسن، ورجاله معروفون، وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في الإمام (٥): هذا حديث مختلف في إسناده يرجع إلى يزيد بن أبي حبيب، فقيل عنه: عن أبي أفلح الهمداني (٦)، عن عبد الله بن زرير (٧)، عن علي. هذه رواية ليث عن أبي داود، وقيل فيه: عن يزيد [١ب] عن عبد العزيز بن أبي الصعبة (٨)، عن أبي أفلح، وهذه رواية ابن إسحاق عند ابن ماجه. قال ابن الملقن (٩): وهي أيضًا رواية الليث بن سعد وعبد الحميد بن جعفر كما قال الدارقطني في علله (١٠). قال ابن دقيق العيد (١١): وقيل عن أبي الصعبة - ولم يسم - عن رجل من همدان يقال له: أفلح، هذه رواية ابن المبارك عن الليث عن يزيد. قلنا: ورواه حجاج عن الليث أيضًا كما أخرجه أحمد في المسند (١٢)، وقيل عن يزيد

стр. 3424

بن أبي حبيب، عن عبد الله بن زرير، أسقط من الإسناد رجلين: ابن أبي الصعبة وأبا أفلح، قاله الدارقطني في علله (١) قال: وقيل عن رجل، عن أم حبيب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن رجل، عن آخر لم يسمهما، عن علي قال: وقيل عن ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي هند، عن عبد الله بن شداد، عن عبد الله بن مرة، عن علي، رواه عن ابن إسحاق عمر بن حبيب، قال الدارقطني (٢): وهم في الإسناد عمر هذا، وكان سيئ الحفظ، انتهى. وقيل (٣): عن أبي الصعبة، عن أبي علي الهمداني، عن عبد الله بن زرير، وهذه الرواية للنسائي في مسند علي (٤) أفادها الحافظ جمال الدين المزي في الأطراف (٥). قال النسائي (٦): حديث ابن المبارك أولى بالصواب إلا قوله: " أفلح " فإن أبا أفلح أولى بالصواب (٧). وقد علل هذا الحديث بعلة أخرى، وهي جهالة حال أبي أفلح بالفاء لا بالقاف، ذكره ابن القطان (٨) كذلك، وقال: عبد الله بن زرير مجهول الحال أيضًا. قال ابن دقيق العيد (٩): أما أبو أفلح فلا يبعد ما قال فيه، وإن كان قد ذكر عن علي بن المديني أنه قال في هذا الحديث: حسن، وأما عبد الله بن زرير فقد ذكر أن العجلي (١٠) [٢أ]

стр. 3425

ومحمد بن سعد (١) وثقاه، قال ابن دقيق العيد (٢): وفي الحديث شيء آخر، وهو أن رواية من رواه عن يزيد عن عبد العزيز بن أبي الصعبة عن أبي أفلح إذا عملنا بها وسلكنا طريقهم في أن نحكم بأن يزيد لم يسمع من أبي أفلح، تصدى لنا النظر في حال عبد العزيز أيضًا. قال ابن الملقن (٣): حالته جيدة، روى له النسائي، وابن ماجه، وروى عن أبيه، وأبي علي الهمداني، وعنه يزيد بن أبي حبيب وغيره، وذكره ابن حبان في ثقاته (٤). قلت: الحديث وإن قصر عن رتبة الصحيح، فهو لا ينحط عن رتبة الحسن كما لا يخفى على من تدبر ما سقناه. ومنها عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله ﵌ قال: " حرم لباس الذهب والحرير على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم " رواه أحمد (٥)، والترمذي (٦)، وهذا لفظ الترمذي، وقال: حسن صحيح. ولفظ أحمد: " أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها ". ورواه النسائي (٧) بلفظ: " إن الله تعالى أحل لإناث أمتي الحرير والذهب، وحرمه على ذكورها ". ورواه الطبراني في معجمه الكبير (٨) ولفظه: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها ". وله ألفاظ أخر بنحو هذا.

стр. 3426

ورواه الدارقطني (١) ولفظه: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي "، ثم قال في علله (٢): هذا حديث يرويه عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه، ويرويه نافع مولى ابن عمر عن سعيد بن أبي هند عن أبيه، ويرويه نافع مولى ابن عمر عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى، ويرويه سويد بن عبد العزيز عن عبد الله بن سعيد المقبري. ووهم في موضعين: الأول: قوله: عن سعيد المقبري، وإنما هو سعيد بن أبي هند. والثاني: أنه ترك ذكر نافع في الإسناد، ورواه أيضًا عبد الله بن عمر العمري عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن رجل، عن أبي موسى قال: وهو أشبه بالصواب؛ لأن [٢ب] سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئًا، وفي حديث النهي عن اللعب بالنرد (٣). قيل عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أبي موسى. وهذا يقوي أنه رواه سعيد عن رجل عن أبي موسى. قال الحافظ عبد الحق (٤): هذا الحديث رواه جماعات عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى مرفوعًا، ورواه من لا يحتج به عن عبد الله، عن نافع عن سعيد، عن رجل من أهل العراق، عن أبي موسى. وذكره عبد الرزاق (٥) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن سعيد، عن رجل، عن أبي موسى. واختلف فيه على أيوب، ثم ذكر عبد الحق (٦) قول الدارقطني (٧) المتقدم أن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى، وقد أخرجه الترمذي (٨)

стр. 3427

والنسائي (١) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى مرفوعًا، قال ابن الملقن (٢): وقد صححه الترمذي. فالظاهر سماع سعيد منه، لكن قد قال بمقالة الدارقطني (٣) أبو حاتم الرازي (٤) فقال: إن سعيد بن أبي هند لم يلق أبا موسى. قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه (٥): حديث سعيد بن أبي هند عن أبي موسى في هذا الباب معلول لا يصح، ولعله يشير إلى ما تقدم عن الدارقطني وأبي حاتم الرازي، لكنه قد أخرج في صحيحه (٦) حديث: " من لعب النرد فقد عصى الله ورسوله " وهو من رواية سعيد عن أبي موسى، فالعلة التي ذكرها في حديث الباب واردة عليه في هذا الحديث، وصحح هذا الحديث أيضًا الذي سقنا الكلام عليه ابن حزم (٧). ومنها عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها " ذكره الدارقطني في علله (٨) فيما سئل عنه، وقال: هذا حديث يرويه عبد الله، واختلف عنه فيه، فرواه يحيى بن سليم الطائفي عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، تابعه بقية بن الوليد [٣أ] على معنى هذا القول في الحرير، ولم يذكر الذهب، وكلاهما وهم، والصحيح عن عبد الله، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، وعن أبي موسى، وسعيد لم يسمعه، وروى طلق بن حبيب قال: قلت لابن عمر: سمعت من النبي ﵌ في

стр. 3428

الحرير شيئًا؟ قال: لا. وهذا يدل على وهم يحيى بن سليم وبقية في حكايتهما عن ابن عمر عن النبي ﵌. ومنها ما رواه من حديث ابن عمرو، وابن ماجه (١)، والبزار (٢)، وأبي يعلى (٣)، والطبراني (٤) بإسناد فيه عبد الرحمن بن أنعم الإفريقي (٥)، وهو ضعيف. وقال: رأيت البخاري يقوي أمره، ولفظه: قال ابن عمرو: خرج إلينا رسول الله ﵌ وفي إحدى يديه ثوب من حرير، وفي الأخرى ذهب، فقال: " إن هذين محرم على ذكور أمتي، حل لإناثهم ". ومنها عن عمر قال: خرج علينا رسول الله ﵌ وفي يده صرتان: إحداهما من ذهب، والأخرى من حرير، فقال: " هذان حرامان على الذكور من أمتي، حلال لإناثهم " رواه الطبراني (٦) في الصغير (٧)، ثم قال: لم يروه عن إسماعيل بن أبي خالد إلا عمرو بن جرير البجلي الكوفي، تفرد به داود بن سليمان، ورواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (٨)، ثم قال: هذا الحديث لا نعلم رواه عن إسماعيل عن قيس عن عمرة إلا عمرو بن جرير، وهو لين الحديث، وقد احتمل حديثه. ومنها عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﵌: " الذهب والحرير حلال لإناث أمتي، حرام على ذكورها " رواه الطبراني في أكبر

стр. 3429

معاجمه (١)، والعقيلي في تاريخه (٢) من حديث ثابت بن زيد بن ثابت بن زيد بن أرقم قال: حدثتني عمتي أنيسة بنت زيد بن أرقم عن أبيها زيد بن أرقم به. قال أحمد (٣): ثابت هذا له مناكير، وقال ابن حبان (٤): الغالب على حديثه الوهم، ولا يحتج به إذا انفرد، وقال العقيلي (٥): هذا يروى بغير هذا الإسناد بأسانيد صالحة وأخرجه ابن أبي شيبة. حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، حدثنا سعيد، حدثنا ابن زيد، أخبرتني أنيسة بنت زيد عن أبيها، رفعه فذكره. وابن زيد هو ثابت. ومنها عن أسماء بنت واثلة بن الأسقع عن أبيها قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: " الذهب والحرير حل لإناث أمتي، حرام [٣ب] على ذكور أمتي " رواه الطبراني في الكبير (٦) عن إسماعيل بن قيراط، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال: حدثتني أسماء بنت واثلة عن أبيها به، قال ابن الملقن (٧): وهذا سند لا أعلم به بأسًا، وشيخ الطبراني لا أعرفه، وسليمان ذكره ابن حبان في الثقات (٨)، وأخوه وثقه أبو زرعة والنسائي. وقال أبو حاتم (٩): هو من التابعين لا يسأل عن مثله، وأسماء تابعية لا أعلم حالها الآن. ومنها عن ابن عباس أن النبي ﵌ أخرج من يده قطعة من

стр. 3430

ذهب وقطعة من حرير، فقال: " إن هذين حرامان على ذكور أمتي، وحلالان لإناثهم " أخرجه الطبراني في الكبير (١). وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف متفق على ضعفه. وأخرجه الطبراني أيضًا من حديث محمد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي ﵌ قبض على الذهب والحرير وهو يحركه ويقول: " هذا محرم على ذكور أمتي ". ومحمد بن الفضل متروك (٢) بالاتفاق، بل قال: صالح بن محمد كان يضع الحديث، ووالده الفضل وثقه ابن راهويه (٣)، وقال أبو زرعة (٤): لا بأس به، وضعفه الفلاس (٥)، وابن عدي (٦). ومنها عن عقبة بن عامر بنحو حديث علي السابق، أخرجه البيهقي (٧) من طريق يحيى بن أيوب عن الحسن بن ثوبان، وعمرو بن الحارث، عن هشام بن أبي رقية، سمعت مسلمة بن مخلد يقول لعقبة بن عامر: قم فأخبر الناس ما سمعت من رسول الله ﵌ قال: سمعته يقول: " الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي " وإسناده حسن (٨)، وقال ابن الملقن (٩): ولا أعلم بسنده بأسًا. فهذا ما أمكن الإطلاع عليه من طرق هذا الحديث، وبعضها صحيح، وبعضها

стр. 3431

حسن لذاته، وبعضها حسن لغيره، وبعضها لم يرتفع إلى رتبة الحسن، ولا يخفى أن البعض من هذه الطرق يصلح للاحتجاج به، فكيف بها جميعها! ومما يصلح للاستدلال به على حل الذهب للنساء ما أخرجه أبو داود [٤أ] (١)، وابن ماجه (٢) عن عائشة قالت: قدمت على النبي ﵌ حلية من عند النجاشي، أهداها له فيها خاتم من ذهب، فيه فص حبشي، فأخذه رسول الله ﵌ بعود معرضًا عنه، أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة بنة أبي العاص ابنة ابنته زينب فقال: " تحلي بهذا يا بنية "، وفي إسناده محمد بن إسحاق بن يسار. هذا مع ما قد ثبت عنه ﵌ من تحريم خاتم الذهب على الرجال كما في حديث ابن عمر عند البخاري (٣) ومسلم (٤) وغيرهما (٥)، وحديث ابن مسعود عند أبي داود (٦) والنسائي (٧)، وغير ذلك، فإنه يدل لمفهومه على تحليله للنساء، فيكون مؤيدًا لحديث عائشة المذكور. ومن جملة ما يدل على ذلك حديث المرأة التي جاءت إلى النبي ﵌ وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فإنه لم يقل لها: هذا حرام، بل قال لها: " أتعطين زكاة هذا؟ " وقد تقدم ذلك (٨). وأما ما استدل به المحقق المقبلي ﵀ من حديث عبد الرحمن بن غنم قال:

стр. 3432

قال ﵌[٤ب]: " من تحلى أو حلى بحربصيصة من ذهب كوي به يوم القيامة " (١). قال المقبلي (٢): وأخرج البخاري (٣) من حديث أسماء بنت يزيد عنه ﵌: " من تحلى ذهبًا، أو حلى أحدًا من ولده مثل حربصيصة أو عين جرادة، كوي به يوم القيامة " هكذا ذكر هذا الحديث معزوًا إلى البخاري. ولا أذكر الآن أنه في صحيح البخاري فيبحث عنه، وقد أخرج أبو داود (٤) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: " من أحب أن يحلق حبيبه بحلقة من نار فليحلقه بحلقة من ذهب، ومن أراد أن يطوق حبيبه طوقًا من نار فليطوقه طوقًا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه بسوارٍ من نار فليسوره بسوار من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها " فهذه الأحاديث بعد تسليم أنها عامة للرجال والنساء هي مخصصة بالأحاديث المتقدمة المصرحة بحل لبس الذهب والتحلي به للنساء. فإن قلت: قد أخرج النسائي (٥) من حديث أبي هريرة قال: أتت امرأة النبي ﵌ فقالت: يا رسول الله، سوارين من ذهب! فقال: " سواران من نار " قالت: طوق من ذهب، قال: " طوق من نار " قالت: قرطين من ذهب، قال: " قرطين من نار ". وكان عليها سواران من ذهب فرمت بهما، وقالت: إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها صلفت عنده، أي: لم تحظ عنده. فقال: " ما يمنع إحداكن أن تضع قرطين من فضة، ثم تصفره بزعفران " أو قال: " بعبير ".

стр. 3433

وأخرج النسائي (١) أيضًا [٥أ] من حديث ثوبان قال: جاءت هند بنت هبيرة إلى رسول الله ﵌ وفي يدها فتخ من ذهب - أي: خواتم ضخام - فجعل ﵌ يضرب يدها، فدخلت على فاطمة ﵂ تشكو إليها، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، فقالت: هذه أهداها أبو حسن، فدخل ﵌ والسلسلة في يدها، فقال: " يا فاطمة أيسرك أن يقول الناس: ابنة رسول الله ﵌ في يدها سلسلة من نار؟ " ثم خرج فلم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة فباعتها، واشترت بثمنها عبدًا فأعتقته، فحدث رسول الله ﵌ بذلك فقال: " الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار ". وأخرج أبو داود (٢)، والنسائي (٣) من حديث أخت حذيفة قالت: قال رسول الله ﵌: " يا معشر النساء، ما لكن في الفضة ما تحلين به، ليس منكن امرأة تتحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به " وهذا الحديث قد قدمنا ذكره في أول هذه الورقات، وذكرنا أن في إسناده امرأة مجهولة، وذكرنا ما قيل فيه من النسخ والتأويل، وهكذا يقال في الحديثين المذكورين قبله. فإن قلت: هذه أربعة أحاديث مصرحة بتحريم حلية الذهب على النساء، منها حديث أسماء بنت يزيد الذي ذكره المقبلي (٤)، وذكرناه في أول هذا البحث، ومنها حديث أبي هريرة المذكور قريبًا، ومنها حديث ثوبان المذكور بعده، ومنها حديث أخت حذيفة، فكيف جعلتها [٥ب] منسوخة أو مرجوحة؟

стр. 3434

قلت: أما كونها منسوخة فلأن تصريح أكابر الأئمة بالنسخ كابن عبد البر (١) لا يكون إلا لدليل علمه يسوغ عنده الجزم بالنسخ، أقل الأحوال أن يكون قد علم أن أحاديث التحليل متأخرة عن أحاديث التحريم. وأما كونها مرجوحة فلما عرفناك سابقًا، وقد أمكن التأويل بما قدمنا ذكره. ومن أعظم الأدلة الدالة على ترجيح أحاديث التحليل ما روي من أنه قد قام الإجماع على ذلك. قال الإمام المهدي في البحر (٢): فصل: وللنساء لبس الحلية على أنواعها، والحرير، وعن قوم منعهن من الحرير، وهو خلاف الإجماع. وقال في شرح الأثمار (٣): تنبيه: أما الإناث فلا خلاف يعتد به في جواز الحلي والحرير ونحوه لهن مطلقًا، وما ورد من الأحاديث في نهيهن من التحلي بالذهب فمحمول على أنه خلاف الأولى، أو أنه منسوخ جمعًا بين الأخبار، انتهى. وعندي أنه لا وجه لحملها على خلاف الأولى مع تصريح أحاديث النهي بأن ذلك يوجب النار، نحو قوله ﵌: " سوارين من نار، طوق من نار، قرطين من نار، قلادة من نار، سلسلة من نار " فإن ما كان خلاف الأولى لا يوجب عذابًا كما تقرر في الأصول، بل الواجب هاهنا المصير [٦أ] إلى القول بالنسخ لما تقدم، أو المصير إلى التأويل؛ لدلالة حديث عمرو بن شعيب المتقدم في أول هذا البحث في حديث المرأة وابنتها على ذلك، أو المصير إلى التعارض البحت على تسليم عدم إمكان التأويل، وحينئذ يتحتم ترجيح أحاديث التحليل على أحاديث التحريم؛ لكثرتها ولكونها صريحة في الحل، وللإجماع على العمل بها وترك ما عارضها، وللإجماع أيضًا على تحليل الحرير للنساء، وهو قرين الذهب في تلك الأحاديث.

стр. 3435

فإن قلت: هل يمكن الجمع بغير ما تقدم؟ وذلك بأن يقال: إن الأحاديث القاضية بالحل تصرف إلى حل اللبس فقط بقرينة تحليل الذهب مع تحليل الحرير، والحرير لا يكون إلا ملبوسًا، ولا يكون حلية، وتكون الأحاديث القاضية بمنع التحلي بالذهب مقصورة على ما تضمنته من تحريم التحلي به، وحينئذ يمكن الجمع فيمتنع المصير إلى الترجيح. قلت: الذهب لا يكون ملبوسًا قط، ولا يمكن نسجه، بل لا يكون إلا حلية، أو آنية، أو سبائك، أو دنانير، وما يظن أنه ذاهب في المنسوج من الثياب فهو غلط، بل هو فضة يقينًا [٦ب]، ومن لم يتيقن هذا فليأخذ قطعة من الثياب المخلوطة بما يظنه ذهبًا ويلقيها في النار، فإنه سيجد ذلك فضة لا ذهبًا، وهذا يعلمه كل من له خبرة بذلك. وإذا تقرر هذا علم منه أن أحاديث تحليل الذهب للنساء لا يراد منها إلا تحليل التحلي به فقط، فيحصل حينئذ التعارض الواضح على فرض عدم صحة دعوى النسخ، وعدم صحة التأويل، ويجب الرجوع إلى الترجيح، وأحاديث التحليل أرجح بما تقدم. فإن قلت: هل يصح أن يقال: إن أحاديث التحليل عامة، والأحاديث الواردة في المنع خاصة بما وردت فيه؟ فإن حديث أسماء بنت يزيد ليس فيه إلا ذكر القلادة والخرص، وحديث أبي هريرة ليس فيه إلا ذكر السوارين والطوق والقرطين، وحديث ثوبان ليس فيه إلا ذكر الفتخ والسلسلة، فيكون المحرم من حلية الذهب إنما هو هذه الأمور فقط، ويحل ما عداها من أنواع حلية الذهب، وهي كثيرة عملاً بالخاص فيما نتناوله والعام فيما بقي، كما هي القاعدة المقررة في الأصول في العام والخاص. قلت: لا يصح هذا لأمرين: الأول: أن هذه الأنواع المذكورة في هذه الأحاديث يصدق عليها أنها حلية، وأنها ذهب، ولا فرق بين حلية وحلية، وبين ذهب وذهب، فلا يظهر للتخصيص وجه حكمه، وأي فرق بين ما تضعه المرأة على يدها وهو مسمى باسم السوار، وبين ما تضعه على يدها أيضًا، وهو مسمى باسم آخر، وهكذا لا فرق بين ما تضعه على
следующие страницы →