← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

حسن لذاته، وبعضها حسن لغيره، وبعضها لم يرتفع إلى رتبة الحسن، ولا يخفى أن البعض من هذه الطرق يصلح للاحتجاج به، فكيف بها جميعها! ومما يصلح للاستدلال به على حل الذهب للنساء ما أخرجه أبو داود [٤أ] (١)، وابن ماجه (٢) عن عائشة قالت: قدمت على النبي ﵌ حلية من عند النجاشي، أهداها له فيها خاتم من ذهب، فيه فص حبشي، فأخذه رسول الله ﵌ بعود معرضًا عنه، أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة بنة أبي العاص ابنة ابنته زينب فقال: " تحلي بهذا يا بنية "، وفي إسناده محمد بن إسحاق بن يسار. هذا مع ما قد ثبت عنه ﵌ من تحريم خاتم الذهب على الرجال كما في حديث ابن عمر عند البخاري (٣) ومسلم (٤) وغيرهما (٥)، وحديث ابن مسعود عند أبي داود (٦) والنسائي (٧)، وغير ذلك، فإنه يدل لمفهومه على تحليله للنساء، فيكون مؤيدًا لحديث عائشة المذكور. ومن جملة ما يدل على ذلك حديث المرأة التي جاءت إلى النبي ﵌ وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فإنه لم يقل لها: هذا حرام، بل قال لها: " أتعطين زكاة هذا؟ " وقد تقدم ذلك (٨). وأما ما استدل به المحقق المقبلي ﵀ من حديث عبد الرحمن بن غنم قال:

стр. 3432

قال ﵌[٤ب]: " من تحلى أو حلى بحربصيصة من ذهب كوي به يوم القيامة " (١). قال المقبلي (٢): وأخرج البخاري (٣) من حديث أسماء بنت يزيد عنه ﵌: " من تحلى ذهبًا، أو حلى أحدًا من ولده مثل حربصيصة أو عين جرادة، كوي به يوم القيامة " هكذا ذكر هذا الحديث معزوًا إلى البخاري. ولا أذكر الآن أنه في صحيح البخاري فيبحث عنه، وقد أخرج أبو داود (٤) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: " من أحب أن يحلق حبيبه بحلقة من نار فليحلقه بحلقة من ذهب، ومن أراد أن يطوق حبيبه طوقًا من نار فليطوقه طوقًا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه بسوارٍ من نار فليسوره بسوار من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها " فهذه الأحاديث بعد تسليم أنها عامة للرجال والنساء هي مخصصة بالأحاديث المتقدمة المصرحة بحل لبس الذهب والتحلي به للنساء. فإن قلت: قد أخرج النسائي (٥) من حديث أبي هريرة قال: أتت امرأة النبي ﵌ فقالت: يا رسول الله، سوارين من ذهب! فقال: " سواران من نار " قالت: طوق من ذهب، قال: " طوق من نار " قالت: قرطين من ذهب، قال: " قرطين من نار ". وكان عليها سواران من ذهب فرمت بهما، وقالت: إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها صلفت عنده، أي: لم تحظ عنده. فقال: " ما يمنع إحداكن أن تضع قرطين من فضة، ثم تصفره بزعفران " أو قال: " بعبير ".

стр. 3433

وأخرج النسائي (١) أيضًا [٥أ] من حديث ثوبان قال: جاءت هند بنت هبيرة إلى رسول الله ﵌ وفي يدها فتخ من ذهب - أي: خواتم ضخام - فجعل ﵌ يضرب يدها، فدخلت على فاطمة ﵂ تشكو إليها، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، فقالت: هذه أهداها أبو حسن، فدخل ﵌ والسلسلة في يدها، فقال: " يا فاطمة أيسرك أن يقول الناس: ابنة رسول الله ﵌ في يدها سلسلة من نار؟ " ثم خرج فلم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة فباعتها، واشترت بثمنها عبدًا فأعتقته، فحدث رسول الله ﵌ بذلك فقال: " الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار ". وأخرج أبو داود (٢)، والنسائي (٣) من حديث أخت حذيفة قالت: قال رسول الله ﵌: " يا معشر النساء، ما لكن في الفضة ما تحلين به، ليس منكن امرأة تتحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به " وهذا الحديث قد قدمنا ذكره في أول هذه الورقات، وذكرنا أن في إسناده امرأة مجهولة، وذكرنا ما قيل فيه من النسخ والتأويل، وهكذا يقال في الحديثين المذكورين قبله. فإن قلت: هذه أربعة أحاديث مصرحة بتحريم حلية الذهب على النساء، منها حديث أسماء بنت يزيد الذي ذكره المقبلي (٤)، وذكرناه في أول هذا البحث، ومنها حديث أبي هريرة المذكور قريبًا، ومنها حديث ثوبان المذكور بعده، ومنها حديث أخت حذيفة، فكيف جعلتها [٥ب] منسوخة أو مرجوحة؟

стр. 3434

قلت: أما كونها منسوخة فلأن تصريح أكابر الأئمة بالنسخ كابن عبد البر (١) لا يكون إلا لدليل علمه يسوغ عنده الجزم بالنسخ، أقل الأحوال أن يكون قد علم أن أحاديث التحليل متأخرة عن أحاديث التحريم. وأما كونها مرجوحة فلما عرفناك سابقًا، وقد أمكن التأويل بما قدمنا ذكره. ومن أعظم الأدلة الدالة على ترجيح أحاديث التحليل ما روي من أنه قد قام الإجماع على ذلك. قال الإمام المهدي في البحر (٢): فصل: وللنساء لبس الحلية على أنواعها، والحرير، وعن قوم منعهن من الحرير، وهو خلاف الإجماع. وقال في شرح الأثمار (٣): تنبيه: أما الإناث فلا خلاف يعتد به في جواز الحلي والحرير ونحوه لهن مطلقًا، وما ورد من الأحاديث في نهيهن من التحلي بالذهب فمحمول على أنه خلاف الأولى، أو أنه منسوخ جمعًا بين الأخبار، انتهى. وعندي أنه لا وجه لحملها على خلاف الأولى مع تصريح أحاديث النهي بأن ذلك يوجب النار، نحو قوله ﵌: " سوارين من نار، طوق من نار، قرطين من نار، قلادة من نار، سلسلة من نار " فإن ما كان خلاف الأولى لا يوجب عذابًا كما تقرر في الأصول، بل الواجب هاهنا المصير [٦أ] إلى القول بالنسخ لما تقدم، أو المصير إلى التأويل؛ لدلالة حديث عمرو بن شعيب المتقدم في أول هذا البحث في حديث المرأة وابنتها على ذلك، أو المصير إلى التعارض البحت على تسليم عدم إمكان التأويل، وحينئذ يتحتم ترجيح أحاديث التحليل على أحاديث التحريم؛ لكثرتها ولكونها صريحة في الحل، وللإجماع على العمل بها وترك ما عارضها، وللإجماع أيضًا على تحليل الحرير للنساء، وهو قرين الذهب في تلك الأحاديث.

стр. 3435

فإن قلت: هل يمكن الجمع بغير ما تقدم؟ وذلك بأن يقال: إن الأحاديث القاضية بالحل تصرف إلى حل اللبس فقط بقرينة تحليل الذهب مع تحليل الحرير، والحرير لا يكون إلا ملبوسًا، ولا يكون حلية، وتكون الأحاديث القاضية بمنع التحلي بالذهب مقصورة على ما تضمنته من تحريم التحلي به، وحينئذ يمكن الجمع فيمتنع المصير إلى الترجيح. قلت: الذهب لا يكون ملبوسًا قط، ولا يمكن نسجه، بل لا يكون إلا حلية، أو آنية، أو سبائك، أو دنانير، وما يظن أنه ذاهب في المنسوج من الثياب فهو غلط، بل هو فضة يقينًا [٦ب]، ومن لم يتيقن هذا فليأخذ قطعة من الثياب المخلوطة بما يظنه ذهبًا ويلقيها في النار، فإنه سيجد ذلك فضة لا ذهبًا، وهذا يعلمه كل من له خبرة بذلك. وإذا تقرر هذا علم منه أن أحاديث تحليل الذهب للنساء لا يراد منها إلا تحليل التحلي به فقط، فيحصل حينئذ التعارض الواضح على فرض عدم صحة دعوى النسخ، وعدم صحة التأويل، ويجب الرجوع إلى الترجيح، وأحاديث التحليل أرجح بما تقدم. فإن قلت: هل يصح أن يقال: إن أحاديث التحليل عامة، والأحاديث الواردة في المنع خاصة بما وردت فيه؟ فإن حديث أسماء بنت يزيد ليس فيه إلا ذكر القلادة والخرص، وحديث أبي هريرة ليس فيه إلا ذكر السوارين والطوق والقرطين، وحديث ثوبان ليس فيه إلا ذكر الفتخ والسلسلة، فيكون المحرم من حلية الذهب إنما هو هذه الأمور فقط، ويحل ما عداها من أنواع حلية الذهب، وهي كثيرة عملاً بالخاص فيما نتناوله والعام فيما بقي، كما هي القاعدة المقررة في الأصول في العام والخاص. قلت: لا يصح هذا لأمرين: الأول: أن هذه الأنواع المذكورة في هذه الأحاديث يصدق عليها أنها حلية، وأنها ذهب، ولا فرق بين حلية وحلية، وبين ذهب وذهب، فلا يظهر للتخصيص وجه حكمه، وأي فرق بين ما تضعه المرأة على يدها وهو مسمى باسم السوار، وبين ما تضعه على يدها أيضًا، وهو مسمى باسم آخر، وهكذا لا فرق بين ما تضعه على

стр. 3436

عنقها وهو مسمى قلادة أو سلسلة، وبين ما تضعه على عنقها أيضًا وهو يسمى باسم غير ذلك، وهكذا لا فرق بين ما تضعه في أذنها، وهو يسمى خرصًا أو قرطًا، وبين ما تضعه في أذنها أيضًا وهو يسمى باسم غير ذلك. الوجه الثاني: أن مواضع الحلية من المرأة هي اليدان، والعنق، والأذن، ولا حكم للناذر من وضع الحلية في غير هذه المواضع. وقد صرح ﵌ بالمنع من الحلية المختصة بكل موضع من هذه المواضع، فمنع السوارين والفتخ في حلية الأيدي، والقلادة والطوق والسلسلة في حلية العنق، والخرص والقرط في حلية الأذن. وبعد هذا كله فحديث أخت حذيفة المتقدم مصرح بمنع الحلية على العموم، فإنه بلفظ: ليس منكن امرأة تتحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به [٧ب]. فتقرر بهذا عدم إمكان الجمع بما ذكر، فلم يبق إلا القول بالنسخ، أو الجمع بالتأويل المقبول، أو هو كونه لمن لا يؤدي الزكاة كما قدمنا، أو المصير إلى التعارض والترجيح لأحاديث (١) الحل بما قدمنا.

стр. 3437

وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق. انتهى تحريره بقلم مؤلفه محمد الشوكاني - غفر الله له - في الثلث الأوسط من ليلة الأحد، لعلها ليلة اثنين وعشرين من شهر رجب سنة ١٢١٦.

стр. 3438

سؤال عن شأن لبس المعصفر وغيره من سائر أنواع الأحمر للطف الله بن أحمد بن لطف الله جحاف ويليه: جواب القاضي العلامة: محمد بن علي الشوكاني: القول المحرر في حكم لبس المعصفر وسائر أنواع الأحمر تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3439

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " سؤال عن شأن لبس المعصفر وغيره من سائر أنواع الأحمر، للطف الله بن أحمد بن لطف الله جحاف. ويليه: جواب القاضي العلامة: محمد بن علي الشوكاني: القول المحرر في حكم لبس المعصفر وسائر أنواع الأحمر ". ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: الحمد لله على نعمائه الفرادى والثنى، فهو المستحق لكل حمدٍ صادق وله لا لغيره الثناء. . . . ٤ - آخر الرسالة: ". . . إلى شمول القول له ﷺ بطريق التنصيص أو الظهور أو اختصاصه بسائر الأمة دونه، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق، حرر الجواب في سلخ شهر ربيع الآخر سنة ١٢٠٩ ". ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٣ صفحة. ٧ - عدد الأسطر: ٢٦ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٤ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3440

[صورة صفحة عنوان المخطوط]

стр. 3441

[صورة الصفحة الأولى من المخطوط] سؤال لطف الله جحاف

стр. 3442

[صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط] سؤال لطف الله جحاف

стр. 3443

[صورة الصفحة الأولى من جواب الشوكاني المخطوط]

стр. 3444

[صورة الصفحة الأخيرة من جواب الشوكاني المخطوط]

стр. 3445

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على نعمائه الفرادى والثنى، فهو المستحق لكل حمد صادق، وله - لا لغيره - الثناء والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وأصحابه وجنده. وبعد: فهذه رسالة سائلة بلسان الحال عن جواز لبس الحمرة لا للنساء، بل للرجال، وهل ألفاظ السنة النبوية قاضية بالتحريم أم الإباحة للرجال في لبسها كالإباحة للحريم؟ والمقصود الاطلاع على بدور الأدلة والإشراف على شمس الحقيقة الهادية لا المضلة، وقد وجهتها إلى من أفاد الله بعلومه ومعلوماته، وزينه بالعلم وزاده جسام هباته، وقد سقت بعد المنظوم شيئًا مما لدي من الأدلة، وقلت: بدر الهدى بالحق أنت الصادع ... ولربقة التقليد أنت الخالع ولأنت في القوم المعد لفادح ... ذهل اللبيب له وحار البارع كم بالسهام رمى فكان مصابه ... آراء قوم في الضلال تتابعوا وأباد منتصبًا لحفظ ظواهر التنزيل ... وهو لدين ربي رافع قد عم كلاً هديه مذ خصني ... بفواضلٍ قل - للضلال - صوادع إن كان صمتًا عظمته أولو النهى ... أو فاه فهو لكل سمعٍ قارع والحق أعطى ما رقمت بواترًا ... في حدها سم المنايا قاطع فلذاك عزت شرعة المختار واز ... هدّت لشرع الجاهلين صوامع وبرفعها فرقت ودون محلها ... شمس الضحى والبدر ذاك الطالع ومنعت غير الكفء منها إنها ... أخذت عليك وللعهود شرائع وإذا أتاها خاطئ متمذهب ... فحذار لا أسفًا يكون الواقع وأنه العواذل واجعل التقوى لها ... تاجًا لئلا يطمعن الطامع واصدع بأمرك ما استطعت وعد عن ... لاحٍ فما ضر الحليم مقاطع فدقائق التنزيل في كاساتها ... بنمير فطنتك احتساها الشاجع

стр. 3446

ورأى الذليل الجاهل المتكاسل ... الغر الحرام بها فظل ينازع وهي الحلال وأي هادٍ موصل ... جنات بارينا سواها شافع وإليك أنهيت الشكاية بعد مدح ... من أناس للشريعة ضاجعوا وهم اللصوص وأيم ربي إنهم ... جعلوا الهداية وصلةً وتراجعوا [١] وهم الحقيقون الجدير صنيعهم ... بالقتل إذ عرفوا النصوص وخادعوا والله أسأله السلامة منهم ... وبه أعوذ وما سواه نافع وإليك لطف الله أنهى سؤله ... إذ أنت للسؤل القويم التابع وأقول أما بعد فالتحريم في ... لبس المعصفر وهو قان ناصع فحديث ما شاهدت من ذي لمةٍ ... في حلةٍ حمراء حديث شائع والأمر بالإحراق والإيذان ... بالنهي الصريح يعد عندي مانع والقول إن ما دل وهو معارض ... بالفعل فهو لمقتضاه الدافع والحق مطلوب ولست مشاححًا ... في قول عمرو وارتضاه مجاشع أو ما يقرر بالرموز لمذهب ... يحكونه وله دليل ضائع بل حائم حول الدليل بمنهل ... التصحيح إن أومأ إليه الشارع وإلى محمد اللبيب نصًا منا ... متوجه وعلى خبير واقع نجم التقى المهدي ومن كمحمد ... في العلم وهو النور فينا الساطع فجوابه شافٍ وسحر نظمه ... لكن حلال للبديع مطاوع لا زال في الإنعام من خلاقه ... ولكل خير في البرية جامع [وما] (١) أشرنا إليه من لبس المعصفر هو الذي طفحت الأدلة بالمنع منه، وكذلك أحاديث وردت في لبس الحمرة على الإطلاق، وقد أشرت إلى [الأدلة المانعة والمجيزة] (٢).

стр. 3447

أما الأدلة التي في المنع فكثيرة واسعة: فمنها ما أخرجه مسلم (١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: " رآني رسول الله ﵌ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: أمك أمرتك بهذا؟! قلت: أغسلهما يا رسول الله؟ قال: بل أحرقهما " زاد في رواية (٢) أن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما. هذه رواية مسلم. وفي رواية للنسائي (٣) " أنه رآه النبي ﵌ وعليه ثوبان معصفران فقال: هذه ثياب الكفار. . .، فغضب النبي ﵌ وقال: اذهب فاطرحهما عنك، قال: أين يا رسول الله، قال: في النار ". ولأبي داود (٤) قال: " هبطنا مع رسول الله ﵌ من بيته، فالتفت إليّ وعليّ ريطة مضرجة بالعصفر، فقال: ما هذه الريطة عليك؟ فعرفت ما كرهه، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورًا لهم فقذفتها فيه، وأتيته من الغد فقال: يا عبد الله ما فعلت الريطة؟ فأخبرته فقال: أفلا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس بها للنساء ". قال المنذري [٢] في مختصره (٥): وأخرجه ابن ماجه (٦): نعم ومفهوم قوله: " فإنه لا

стр. 3448

بأس بها للنساء ". يعني وأما الرجال ففيها بأس لهم. وأخرج أبو داود (١) والترمذي (٢) عن عبد الله بن عمرو قال: " مر رجل وعليه ثوبان أحمران، فسلم على النبي ﵌ فلم يرد عليه النبي ﵌ السلام " وقال الترمذي (٣): حسن غريب من هذا الوجه. وأخرج مسلم في صحيحه (٤) " عن علي ﵁ قال: نهاني رسول الله ﵌ عن لباس المعصفر ". وأخرج الطبراني (٥) عن عمران بن حصين بلفظ " إياكم والحمرة، فإنها أحب الزينة إلى الشيطان " وأخرج عبد الرزاق (٦) عن الحسن مرسلاً " الحمرة زينة الشيطان ". وأخرجه الحاكم في الكنى (٧)، وابن قانع (٨)،

стр. 3449

وابن عدي (١) والبيهقي في الشعب (٢) عن رافع بن زيد بلفظ: " إن الشيطان يحب الحمرة، فإياكم والحمرة وكل ثوب ذي شهرة ". وأخرج ابن ماجه (٣) عن عبد الله بن عمر - وفي بعض نسخ ابن ماجه: ابن عمرو - بلفظ: " نهى رسول الله ﵌ عن المفدم ". قال ابن الأثير في النهاية (٤): وفيه " أنه نهى عن الثوب المفدم " وهو الثوب المشبع حمرة، كأنه الذي لا يقدر على الزيادة عليه لتناهي حمرته، فهو كالممتنع من قبول الصبغ، ومن حديث (٥) علي ﵇: " نهاني رسول الله ﵌ أن أقرأ

стр. 3450

وأنا راكع أو ألبس المعصفر المفدم " وفي حديث عروة أنه كره المفدم للمحرم ولم ير بالمصرح بأسًا. المصرح دون المفدم وبعده المورد. انتهى كلام النهاية، قال في الصحاح (١): ثوب مفدم، ساكنة الفاء، إذا كان مصبوغًا بحمرة مشبعًا. وأخرج البخاري (٢) والترمذي (٣) عن البراء قال: " نهى رسول الله ﵌ عن المياثر الحمر والقسي ". وأخرج الترمذي، (٤) وأبو داود، (٥) عن عمران بن حصين بلفظ: " نهى عن ميثرة الأرجوان " (٦) قال في النهاية: إن الميثرة تعمل من حرير أو ديباج. والأرجوان: صبغ أحمر يتخذ كالفراش الصغير، ويحشى بقطن أو صوف، يجعلها الراكب تحته، قال: ويدخل في هذا سائر السروج؛ لأن النهي يشمل كل ميثرة حمراء، سواء كانت

стр. 3451

على رحل أو سرج، هذا لفظه في النهاية (١). قلت: والافتراش يسمى لبسًا لغة كما في حديث أخرجه أبو داود (٢) وفيه: " فقمنا على حصير قد اسود من طول ما لبس فنضحناه " هذا معنى الحديث أو قريب من معناه. قال العلامة المقبلي ﵀ في المنار (٣) كأنه أراد بالكراهة التحريم. كما يأتي في اللباس وكما هو مقتضى النواهي، ويرى علماء الشافعية (٤) في عصرنا كأنهم ما سمعوا حديثًا يتخيرون الأحمر القاني. وساق كلامًا لابن القيم (٥) وفيه: فكيف يظن بالنبي ﵌ أنه لبعض الأحمر القاني، كلا لقد أعاذه الله منه. وإنما وقعت الشبهة من لفظ الحلة الحمراء، انتهى كلام ابن القيم، وساق حديثًا بعد هذا [٣] أخرجه الطبراني (٦)، والظاهر أن كلام ابن القيم في جمعه بين النهي وفعل النبي ﵌ عند لبسه للحلة لا يصح حيث قال: وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود. وذكر بعده بيسير أن في بعض السير أنهم كانوا مع النبي ﵌

стр. 3452

فرأى على رواحلهم أكيسة فيها خطوط حمر، وقال: " ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم، فقمنا سراعًا لقول رسول الله ﵌ حتى نفر بعض إبلنا فأخذنا الأكيسة فنزعناها " رواه أبو داود (١). فإن حمله على أن الحلة التي لبسها ذات خطوط بعيد. وهذا الحديث يقضي باختلال تأويله، والله أعلم. وأما المجيز فاستدل بما أخرجه الإمام أحمد (٢) والبخاري (٣) ومسلم (٤)، عن البراء بن عازب قال: " كان رسول الله ﵌ مربوعًا بعيد ما بين المنكبين له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئًا قط أحسن منه " وأخرجه أبو داود (٥) والترمذي (٦) والنسائي (٧) بنحوه مثله، وبوب له الترمذي (٨) باب (٩) ما جاء [في الرخصة] (١٠) في الثوب الأحمر للرجال. وأخرجه ابن ماجه (١١) بلفظ: " ما رأيت أجمل

стр. 3453

من رسول الله ﵌ مترجلاً في حلة حمراء ". وأخرج أبو داود (١) عن عامر بن عمرو المزني قال: " رأيت رسول الله ﵌ بمنىً وهو يخطب على بغلة وعليه برد أحمر، وعليٌّ ﵇ أمامه يعبر عنه " وذكر المنذري (٢) أن في إسناده اختلافًا وأبانه. وهذا ما لدي من أدلة المجيز والمانع، والمعول عليه في تقوية الراجح لما يرضي الصانع، أو إظهار الجمع الصحيح إذا لم يكن بينهما تمانع. ولله الحمد رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. كمل تحرير السائل صبح يوم الأحد، لعله رابع وعشرون شهر ربيع الآخر سنة ١٢٠٩ [٤].

стр. 3454

القول المحرر في حكم لبس المعصفر وسائر أنواع الأحمر " بسم الله الرحمن الرحيم " والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة الراشدين. بدر بأفلاك البلاغة طالع ... در على جيد الإجادة لامع أم نظم من لباه من أوج العلا ... ما رام فهو له مطيع سامع شكل الذكاء وينتجه (١) الفهم الذي ... ما كاد يطمع في مداه الطامع يا مغنيًا عصر الشبيبة جاهدًا ... في كل علم للعلائق قاطع يمشي على نص الدليل مباينًا ... للرأي وهو بنص طه قانع وغدا بهدي محمد وصحابه ... متلبسًا ولما عداه خالع ظفرت يداك بمنبع العلم الذي ... [من عين أسرار النبوة نابع] (٢) [نفسي الفداء لعصبة نبوية ... مرضية نحو الدليل تسارع] (٣) [لم يلهها عن منهج الحق الذي ... يروي عن المعصوم رأي خادع] (٤) إن امرأً يأبى الدليل تعصبًا ... فهو الذي للأنف منه جادع من كان قدوته مقال محمد ... فهو الضليع ومن عداه الضالع كم بين من قال الرسول قضى بذا ... وله به سند صحيح قاطع وفتىً يقول أبو فلان قدوتي ... أرضى بما يرضاه لست أنازع

стр. 3455

فالعلم كل العلم إنصاف الفتى ... وبه أتى النص الصريح الشائع من كان أعرف بالصواب فحظه ... في العلم حظ في الحقيقة واسع أما الذي جعل التعصب مذهبًا ... فهو امرؤ في الجهل عندي واقع [٥] لو كان في كل المعارف مفردًا ... وإليه كل في الدقائق راجع وأقول قد وافى إلينا منك يا ... بدر الهدى بحث بديع رائع عن حكم لبس للمعصفر ما الذي ... قد صح مما قال فيه الشارع وكذاك سائر كل ثوب أحمر ... هل جاء عنه من الأدلة مانع واعلم بأن الأمر فيه تخالف ... في السنة الغرآ وفيه تنازع والجمع بالإجماع صار مقدمًا ... ولديه ترجيح الأدلة ضائع وأراه فيما نحن فيه ممكنًا ... وهو الذي للشك عندي رافع قد تم مسلكه بغير تعسف ... فاسلكه فهو لما تفرق جامع والحق أبلج والدليل محكم ... والكل [من نهر] (١) النبوة كارع فاستمل ما أمليه دمت منعمًا ... يحبوك بالصنع الجميل الصانع واعذر فهذا النظم غير مهذب ... ما فيه مما يهوى البليغ البارع لكنه في بحث علم بيننا ... والشعر للمقصود منه تابع اعلم أن الثوب المعصفر هو نوع من الثياب الحمر؛ لأن العصفر إذا صبغ به الثوب صار أحمر، كما صرح بذلك جماعة من أهل العلم، فلا يظن أن المعصفر له لون آخر غير لون الحمرة، والأحاديث الواردة في تحريم لبس مطلق الأحمر وفي تحريم لبس نوع منه خاص وهو المعصفر معارضة بأحاديث أخر. وسنتكلم هاهنا على ذلك بحسب ما تبلغ إليه الطاقة، فنقول: أما الأحاديث الواردة في المنع من لبس مطلق الأحمر، فمنها حديث عبد الله بن عمرو عند أبي .....................

стр. 3456

داود (١)، والترمذي (٢) وقال: حسن (٣): " أنه مر على رسول الله ﵌ برجل وعليه ثوبان أحمران، فسلم فلم يرد النبي ﵌ ". وهذا الحديث لا تقوم به حجة؛ لأن في إسناده أبا يحيى القتات (٤)، وهو كوفي لا يحتج بحديثه. قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمرو، ولا نعلم له طريقًا إلا هذا الطريق، ولا نعلم رواه عن إسرائيل إلا إسحاق بن منصور. قال الترمذي (٥): بعد أن ساقه: معناه عند أهل الحديث أنه كره المعصفر. قال: ورأوا أن ما صبغ بالحمرة من مدر (٦) أو غيره فلا بأس به إذا لم يكن معصفرًا. قال الحافظ في الفتح (٧): هو حديث ضعيف، وإن وقع في نسخ الترمذي أنه حسن، ومنها حديث " أن امرأة من بني أسد قالت: كنت يومًا عند زينب امرأة رسول الله ﵌[٦] ونحن نصبغ ثيابها بمغرة، والمغرة صباغ أحمر، قالت: فبينما نحن كذلك، إذ طلع علينا رسول الله ﵌ فلما رأى المغرة (٨) رجع، فلما رأت ذلك زينب علمت أنه ﵌ قد كره ما فعلت، وأخذت فغسلت ثيابها، ووارت كل حمرة، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه

стр. 3457

وآله وسلم -رجع، فاطلع فلما لم ير شيئًا دخل ". الحديث أخرجه أبو داود (١). وجهالة المرأة المذكورة غير قادحة؛ لأنها صحابية، وجهالة الصحابي مغتفرة؛ لأدلة ناهضة استوفيتها في القول المقبول في رد رواية المجهول من غير صحابة الرسول (٢). ولكن في إسناد الحديث المذكور إسماعيل بن عياش (٣) وابنه محمد بن إسماعيل (٤)، وفيهما مقال مشهور، ومنها حديث رافع بن خديج عند أبي داود (٥) قال: " خرجنا مع رسول الله ﵌ في سفر، فرأى على رواحلنا وعلى إبلنا أكسية فيها خيوط عهن حمر، فقال: ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم! فقمنا سراعًا لقول رسول الله ﵌ فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها ". ولا تقوم بالحديث حجة؛ لأن في إسناده رجلاً مجهولاً (٦)، وذلك لأن محمد بن عمرو بن عطاء المذكور في إسناده قال: عن رجل من بني حارثة عن رافع بن خديج، وهذه الثلاثة الأحاديث على فرض صلاحيتها للاحتجاج بها ليس فيها ما يدل على تحريم لبس الأحمر، بل غاية ما فيها الدلالة على الكراهة فقط. ومن أدلتهم ما أخرجه البخاري (٧) وغيره من حديث البراء " أن النبي ﵌ نهى عن المياثر الحمر ". ولا يخفى أن هذا الدليل أخص من الدعوى.

стр. 3458

وغاية ما فيه تحريم الميثرة الحمراء، فما الدليل على تحريم ما عداها من الملبوس وغيره مع ثبوت لبسه ﵌ للأحمر مرات كما سيأتي. فإن قيل: إن إلحاق غيرها بها بالقياس فسيأتي ما يدل على عدم صحته. ومن أدلتهم حديث رافع بن برد أو رافع بن خديج كما قال ابن قانع مرفوعًا بلفظ: " إن الشيطان يحب الحمرة، فإياكم والحمرة وكل ثوب ذي شهرة ". أخرجه الحاكم في الكنى (١)، وأبو نعيم في المعرفة (٢)، وابن قانع (٣)، وابن السكن (٤)، وابن منده (٥)، وابن عدي (٦)، والبيهقي (٧)، ويشهد له ما أخرجه الطبراني (٨) عن عمران بن حصين بلفظ " إياكم والحمرة فإنها أحب الزينة إلى الشيطان ". وأخرج نحوه عبد الرزاق (٩) من حديث الحسن مرسلاً، وهذا لو صح كان أنص ما احتجوا به على مطلوبهم، ولكنه سيأتي " أن النبي ﵌ لبس الحلة الحمراء في غير مرة، ويبعد عنه ﵌ أن يلبس ما حذرنا من لبسه معللاً ذلك بأن الشيطان يحب الحمرة ". ولا يصح أن يقال هاهنا: إن فعله ﵌ لا يعارض القول الخاص بنا كما صرح بذلك أئمة الأصول (١٠) [٧] لا نقول: تلك العلة - وهي كون الشيطان يحب

стр. 3459

الحمرة - مشعرة بعدم اختصاص الخطاب. إذ تجنب ما يحبه الشيطان أو يلابسه هو ﵌ أحق الناس به. وأيضًا الحديث المذكور في إسناده أبو بكر البدلي وهو ضعيف، وقد صرح الحافظ (١) بتضعيفه، وبالغ الجوزقاني (٢) فقال: باطل. فعرفت بهذا أن ما تقدم ذكره من الأدلة لا ينتهض للاحتجاج به على فرض انفراده عن المعارض، فكيف وقد ثبت في الأمهات كلها من حديث البراء قال: " كان رسول الله ﵌ مربوعًا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئًا قط أحسن منه " (٣). وأخرج البخاري (٤) وغيره (٥) عن أبي جحيفة: " أنه رأى النبي ﵌ خرج في حلة حمراء مشمرًا، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين ". وأخرج أبو داود (٦) بإسناد فيه اختلاف عن عامر المزني قال: " رأيت رسول الله ﵌ بمنى وهو يخطب على بغلة وعليه برد أحمر، وعليٌّ ﵇ أمامه ". قال في البدر المنير وإسناده حسن. وأخرج البيهقي (٧) عن جابر " أنه كان له ﵌ ثوب أحمر يلبسه في العيدين والجمعة ". وروى ابن خزيمة في صحيحه (٨) نحوه بدون ذكر الأحمر، وقد ثبت لبسه - صلى الله

стр. 3460

عليه وآله وسلم - للأحمر بعد حجة الوداع، ولم يلبث بعدها إلا أيامًا يسيرة. وقد زعم ابن القيم (١) أن الحلة الحمراء التي لبسها النبي ﵌ بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمراء مع الأسود، وغلط من قال: إنها كانت حمراء بحتًا، قال: وهي معروفة بهذا الاسم. ولا يخفاك أن ما تقدم من الصحابة وصفوا ذلك الملبوس بالحمرة، وهم من أهل اللسان، والواجب الحمل على المعنى الحقيقي وهو الحمراء البحت؛ لأن إطلاق لفظ الأحمر أو الحمراء على ما بعضه أحمر دون بعض مجاز لا يحمل ذلك الوصف عليه إلا لموجب، فإن أراد أن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك، وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعية فيها فالحقائق الشرعية لا تثبت بمجرد الدعوى، والواجب حمل ما قاله ذلك الصحابي على لغة العرب؛ لأنها لسانه ولسان قومه إلا أن يكتب بالنقل اصطلاح للشارع بخلاف الوضع اللغوي وجب حمل ما أطلق من ألفاظه ﵌ وألفاظ أصحابه عليه، كما تقرر في الأصول (٢) أنها تقدم الحقيقة الشرعية فالعرفية فاللغوية، فإن ابن القيم (٣) إنما فسرها بذلك التفسير؛ للجمع بين الأدلة، فمع كون كلامه يأبى ذلك لتصريحه بتغليط من قال: إنها الحمراء البحت لا ملجئ إليه لإمكان الجمع بدونه كما سيأتي، مع أن حمله الحلة الحمراء على ما ذكر ينافي ما احتج به [٨] في أثناء كلامه من إنكاره ﵌ على القوم الذين رأى على رواحلهم أكسية فيها خطوط حمر (٤) كما سلف، وفيه دليل على كراهة ما كان فيه خطوط حمر، فلم ينفعه ذلك التفسير الذي فسر به الحلة؛ لاعترافه أن النبي ﵌ أنكر على أولئك القوم ما فيه خطوط حمر، ولكنه لا يليق لمنصف الجزم بتحليل الثوب

стр. 3461

الأحمر على العموم، فإن الثوب المعصفر نوع من الثياب الحمر كما سلف، وقد صح النهي عن لبسه، فأخرج أحمد (١) ومسلم (٢) والنسائي (٣) عن عبد الله بن عمرو قال: " رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها ". وعنه أيضًا قال: " أقبلنا مع رسول الله ﷺ من ثنية، فالتفت إليَّ وعليَّ ريطة مضرجة بالعصفر، فقال: ما هذه! فعرفت ما كره، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم، فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال: يا عبد الله ما فعلت الريطة؟ فأخبرته فقال: ألا كسوتها بعض أهلك " أخرجه أحمد (٤)، وأبو داود (٥)، وابن ماجه (٦) وزاد " فإنه لا بأس بذلك للنساء ". والريطة - بفتح الراء المهملة وسكون المثناة من تحت ثم طاء مهملة، ويقال: رايطة. قال المنذري (٧): جاءت الرواية بهما، وهي كل ملاءة منسوجة نسج واحد. وقيل: كل ثوب رقيق لين، والجمع ريط ورياط (٨). والمضرجة - بفتح الراء المشددة - أي: الملطخة بالعصفر. وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا قال: " رأى عليَّ النبي ﵌ ثوبين معصفرين فقال: أمك أمرتك بهذا؟ قال: قلت: أغسلهما يا رسول [الله]؟ قال: بل أحرقهما " وهذه الرواية تنافي الرواية الأولى، وقد جمع بعضهم بين الروايتين بأنه ﵌ أمر أولاً بإحراقهما ندبًا، ثم لما أحرقهما قال له

стр. 3462

النبي ﵌: " لو كسوتهما بعض أهلك " إعلامًا له بأن هذا كان كافيًا لو فعله، وأن الأمر للندب. ولا يخفى ما في هذا من التكليف الذي عنه مندوحة؛ لأن القضية لم تكن واحدة حتى يجمع بين الروايتين بمثل هذا، بل هما قضيتان مختلفتان، وغايته أنه ﵌ في أحد القضيتين غلّظ عليه وعاقبه فأمره بإحراقهما، ولعل هذه المرة التي أمره فيها بالإحراق كانت بعد تلك المرة التي أخبره فيها بأن ذلك غير واجب، وهذا وإن كان بعيدًا من جهة أن صاحب القصة يبعد أن يقع منه اللبس للمعصفر مرة أخرى بعد أن سمع فيه ما سمع المرة الأولى، ولكنه دون البعد الذي في الجمع الأول؛ لأن احتمال النسيان كائن، وكذا احتمال عروض شبهة توجب الظن بعدم التحريم، ولا سيما وقد وقعت منه ﵌ المعاتبة على الإحراق. قال القاضي عياض (١) [٩]: " أمره ﵌ بالإحراق من باب التغليظ والعقوبة " انتهى. وأخرج مسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) عن علي ﵇ قال: " نهاني رسول الله ﵌ عن التختم بالذهب، وعن لباس القسي، وعن القراءة في الركوع والسجود وعن لباس المعصفر " وقد قيل: إن هذا النهي مختص بعلي ﵇؛ ولهذا ثبت في رواية (٦) عنه أنه قال: " ولا أقول نهاكم " ويجاب بأن

стр. 3463

ذلك ينبني على الخلاف المشهور في الأصول (١) في حكمه ﵌ على الواحد من الأمة، هل يكون حكمًا على بقيتهم أو لا؟ والحق الأول، وأيضًا لفظ أبي داود وغيره نهي، وهو يفيد العموم؛ لما تقرر في علم المعاني أن حذف (٢) المتعلق من المشعرات بالتعميم. وأخرج أبو داود (٣) من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو قال: " رآني رسول الله ﵌ وعليَّ ثوب مصبوغ بعصفر مورد، فقال: ما هذا؟ قال: فانطلقت فأحرقته، فقال ﵌ ما صنعت بثوبك؟ فقلت: أحرقته، فقال: أفلا كسوته بعض أهلك " وفي إسناده إسماعيل بن عياش وشرحبيل بن مسلم الخولاني، وهما ضعيفان. وأخرج أبو داود (٤) من حديث عمران بن حصين أن نبي الله ﵌

стр. 3464

قال: " لا أركب الأرجوان ولا ألبس المعصفر " وهو من رواية الحسن عن عمران بن حصين، ولم يسمع منه فهو منقطع. وأخرج الطبراني (١) عن عبادة بن الصامت قال: " بصر رسول الله ﵌ برجل عليه ملحفة معصفرة، فقال: ألا رجل يستر بيني وبين هذه النار؟ " فهذه الأحاديث قاضية بمنع لبس ما كان من الثياب الحمراء (٢) المصبوغة بالعصفر، فيتعين الجمع بين الأحاديث المختلفة المتقدمة بأن يحمل ما روي من لبسه ﵌ للأحمر على ما كان مصبوغًا بغير العصفر، ويحمل ما روي من النهي عن مطلق

стр. 3465

الأحمر وإنكاره على المقيد بكونه مصبوغًا بالعصفر، فيكون الممنوع لبسه من أنواع الأحمر هو المصبوغ بالعصفر فقط دون غيره، وهذا الجمع متعين وهو الراجح عندي (١). ويؤيده ما أخرجه أحمد (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) عن ابن عمر: " أنه كان يصبغ ثيابه ويدهن بالزعفران، فقيل: لم تصبغ ثيابك وتدهن بالزعفران؟ فقال: إني رأيته أحب الأصباغ إلى رسول الله ﵌ يدهن به ويصبغ به ثيابه " ولا شك أن المصبوغ بالزعفران يكون أحمر. ولا يعترض على هذا بأن يقال قد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر " أنه قال: وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله ﵌ يصبغ بها، فأنا أحب أن أصبغ بها " لأنا نقول: المراد بالصبغ هاهنا خضاب اللحية. قال المنذري (٥): واختلف الناس في ذلك، فقال بعضهم: أراد الخضاب للحية بالصفرة. وقال آخرون: أراد تصفير الثياب. انتهى. وقد جزم الخطابي (٦) بأن المراد [١٠] خضاب اللحية، ولكنه زاد أبو داود (٧) والنسائي ما لفظه: وكان يصبغ بها ثيابه كلها، ولا يخفاك أن الذي جزمنا بمنعه هو المصبوغ بالعصفر فقط، والمذكور في هذا الحديث الصبغ بالصفرة، وقد قدمنا أن العصفر (٨) يصبغ صباغًا أحمر، حتى قال ابن القيم (٩):

стр. 3466

إن ذلك معلوم والصباغ بالصفرة خارج عما نحن بصدده، وهذا الجمع الذي رجحناه وهو المروي عن أهل الحديث كما تقدم عن الترمذي (١) في أول البحث، وفي لبس الأحمر خلاف منتشر، ومذاهب متعددة بلغت إلى سبعة كما في فتح الباري (٢). قال النووي في شرح مسلم: واختلف العلماء في المعصفرة هل هي المصبوغة بعصفر؟ فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك، لكنه قال: غيرها أفضل منها، وفي رواية أنه أجاز لباسها في البيوت وأفنية الدور. وكرهه في المحافل والأسواق ونحوها. وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لأنه ثبت " أن النبي ﵌ لبس حلة حمراء " (٣). وفي الصحيحين (٤) عن ابن عمر قال: " رأيت النبي ﵌ يصبغ بالصفرة ". وقال الخطابي (٥): النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صبغ غزله ثم نسج، فليس بداخل في النهي، وحمل بعض العلماء النهي هنا على المحرم بالحج أو العمرة؛ ليكون موافقًا لحديث (٦) ابن عمر: " نهى المحرم أن يلبس ثوبًا مسه ورس أو زعفران " انتهى.

стр. 3467

قال البيهقي (١) في السنن: نهى الشافعي ﵀ الرجل عن المزعفر، وأباح له المعصفر، قال الشافعي: إنما رخصت في المعصفر؛ لأني لم أجد أحدًا يحكي عن النبي ﵌ النهي عنه إلا ما قال علي ﵁: " نهاني ولا أقول نهاكم " قال البيهقي (٢) وقد جاءت أحاديث تدل على النهي على العموم، ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو المتقدم وأحاديث أخرى ثم قال: لو بلغت هذه الأحاديث الشافعي ﵀ لقال بها، ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعي ﵀ أنه قال: إذا صح حديث النبي ﵌ خلاف قولي فاعملوا بالحديث ودعوا قولي. وفي رواية (٣): فهو مذهبي. قال البيهقي (٤): وقد كره المعصفر بعض السلف، وبه قال أبو عبد الله الحليمي، ورخص فيه جماعة. والسنة أولى بالاتباع. انتهى. وحكى الإمام المهدي ﵀ في البحر (٥) عن العترة وأبي حنيفة أنه يكره للرجل لبس المشبع صفرة وحمرة في غير الحرب، واستدل بحديث عليٍّ ﵇ المتقدم، وظاهر تلك الحكاية عمن ذكر عدم الفرق بين الأحمر بالعصفر أو بغيره. وحكى أيضًا عن مالك والشافعي عدم الكراهة. وحكى أيضًا عن الإمام يحيى ﵀ أنه لا يكره المصبوغ بالفوه والبقم، وقد [١١] اقتصر الإمام المهدي على حكاية الكراهة فقط لمذهب العترة كما في البحر (٦) في كتاب اللباس وكتاب الصلاة، والمعروف من مذهب الزيدية التحريم. وقد صرح في الغيث (٧) أنهم صححوا التحريم؛ ولهذا جعل لبس المشبع صفرة وحمرة

стр. 3468

في الأزهار (١) في باب اللباس من جملة المحرمات، والراجح ما أسلفناه، ويؤيده ما تقدم عن ابن عمر أنه كان يصبغ ثيابه بالزعفران (٢). ويحكى عن النبي ﵌: " أنه كان يصبغ ثيابه به " (٣). وأخرج الترمذي (٤) من حديث قيلة بنت مخرمة: " أنها رأت النبي ﵌ وعليه مليتان كانتا بزعفران وقد نفضتا ومعه عسيب نخلة ". وأخرج أيضًا (٥) من حديث سمرة مثله، فهذه ثلاثة أحاديث عن ثلاثة من الصحابة مصرحة بأن النبي ﵌ كان يصبغ ثيابه بالزعفران وهو يصبغ أحمر كما لا يخفى. وفي ذلك إرشاد إلى ما ألمحنا إليه من أن المحرم نوع مخصوص من الأحمر وهو المعصفر. وذكر الجلال في ضوء النهار (٦): أنه يجمع بين الأحاديث بحمل النهي على الكراهة، ويبعد ذلك ما تقدم من أمره ﵌ لمن لبس بأن يحرقه، ولا يعاقب على ارتكاب المكروه بمثل هذا، يؤيده بعدًا قوله ﵌: " إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها " (٧) فإن المجيء بالنهي بعد بيان أنها مختصة بالكفار يفيد أنه للتحريم؛ لما تقرر من أن التشبه بالكفار حرام، وجعل النهي عن المعصفر مقترنًا بالنهي عن الحرير وخاتم الذهب كما تقدم في حديث عليٍّ ﵇ مما يؤيد التحريم. قال المقبلي في المنار (٨): والظاهر أن ما ساوى المعصفر في نصوع الحمرة فهو مثله،

стр. 3469

كالأصباغ التي تكون في شيء من الجوخ هي أقنى وأزين من المعصفر إن لم تزد عليه لم تنقص. والشافعية اقتصروا عليه ولا وجه لذلك؛ لأنه لا خصوصية للمعصفر، فيتعدى الحكم بالقياس بعدم الفرق. وأحاديث كراهة الحمرة كقوله ﵌: " ألا إن هذه الحمرة قد علتكم " (١) تقوي التعميم، غايته أن المحقق المشبع كما ذكره المصنف، وقد مر في الصلاة ما هو أبسط من هذا. انتهى كلامه (٢). وأقول هذا مبني على ما ذكره ابن القيم (٣) من التأويل في الحلة الحمراء التي لبسها النبي ﵌ كما تقدم، وقد عرفت عدم صحته، والمقبلي ﵀ قد قلده في ذلك، ونقل كلامه في كتاب الصلاة من حاشية المنار (٤)، فاستراح بذلك من الأحاديث الواردة في الصحيح وغيره أنه ﵌ لبس الحلة الحمراء والثوب الأحمر كما سلف؛ ولهذا رجح العمل بالقياس لما فيه من حمرة من الثياب مطلقًا على ما كان منها مصبوغًا بالعصفر، ولا يتم ذلك على ما قررنا من أن المعنى الحقيقي لما وصفه [١٢] الصحابي بالحمرة هو أن جميعه أحمر لا بعضه. وأيضًا ما كان البعض منه أحمر منهيًا عنه كما اعترف به ابن القيم (٥). ولا يخفى أن إلحاق كل ما كان أحمر بما كان معصفرًا استلزم على ذلك التقرير إهدار الأحاديث الواردة بلبسه ﵌ للأحمر أو التكليف لدعوى الاختصاص به، وكل ذلك غير مناسب، أما الأول فلا شك أن اطراح دليل صحيح بدليل آخر دونه في الصحة أو مثله بلا مرجح مما لا يقع فيه منصف، وعلى تسليم وجود المرجح كأن

стр. 3470

يقال فيما نحن بصدده مثلاً، الأحاديث القاضية بتحريم الأحمر أقوال وهي أرجح من الأفعال، فلا يتم ذلك أيضًا؛ لأنه مصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع وهو غير جائز إجماعًا. وأما الثاني فقد تقرر بنص الكتاب والسنة. أن التأسي بأفعاله ﵌ ثابت على الأمة كالتأسي بأقواله، فالقول بالاختصاص في غير ما تبين وجهه خلاف الظاهر بالإجماع فلا يصار إليه إلا لموجب. إذا تقرر هذا عرفت أن ما ذكرناه من الجمع بتحريم المعصفر وحده متعين، لا يتم العمل بجميع الأدلة المختلفة على وجه حسن، وعدم الترك لبعضها أو التعسف في تأويل ما لا ملجئ إلى تأويله إلا به. وهذا على فرض عدم العلم بالتاريخ، فكيف وقد علم أن النبي ﵌ لبس الأحمر بعد حجة الوداع (١)، ولم يلبث ﵌ بعدها إلا نحو ثلاثة أشهر!. وقد تقرر في الأصول (٢) أن المتأخر ناسخ للمتقدم مع عدم إمكان الجمع، سواء كان المتأخر قولا أو فعلا مصحوبًا بدليل التأسي الخاص والعام على خلاف في ذلك، مرجعه إلى شمول القول له ﵌ بطريق التنصيص أو الظهور، أو اختصاصه بسائر الأمة دونه. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق، حرر الجواب في سلخ شهر ربيع الآخر سنة ١٢٠٩ [١٣].
следующие страницы →