← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

من المسلمين، بل تكون مأوى للمتخربين، وقد لا يستطيع على الإقامة بها، وبتخريج أشجارها إلا ذو شوكة كسلطان البلد، فإنه ربما يعمرها للسكنى، ويتحول مكان المخافة أمنًا؟ ومع العناية بالحرث والزرع يعيش بها الناس والمواشي مما هذا حاله من الأرض، فهل يكون فيه حقًا لغير الباسط المغالي كذلك من جهل مالكه أو علم وجهل محل ملكه على السواء، أم بينهما فارق بينوا وأفيدوا؟. السؤال التاسع عن المال الذي تأخذه الولاة من الرعايا مثل الزكوات، [٥] والتأديب بالمال عند حصول قتل أو نحوه، هل يصوغ له ذلك؟ وهؤلاء الرعايا لا يتخلصون من الواجبات من نفوسهم إلا غلبت عليهم العامية، وأكثرهم لا يقوم بحقوق الله تعالى من صلاة وصيام، فضلاً عن تأدية زكاة شرعية في مصارفها، فما يكون حال هذا الذي يقبضه منهم السلطان، هل هو صائغ في حقه، أم نقول لا حق عليهم في أموالهم، وإن كانوا عصاة؟ وهل يجوز للسلطان إذا قلتم له أخذ هذا المال منهم أن يدفعه إلى من يخشى ضرره على البلد يألفهم بذلك، أم ليس له إلا صرفه في مستحق الزكاة في مصارفها ومال التأديب في المصارف؟ نعم وما هو الذي يجب في المال بعد الزكاة؟ والذي يجوز تناوله منه؟ وما هو الذي يستباح عنده الدم والمال إذا ارتكبه من يستحق ذلك؟ فإن القتل لا يكون إلا لكافر حربي، أو مرتد، أو عن قصاص، أو زان محصن؛ فالمال ليس فيه حق غير الزكاة، فالعالم بنيان الله، والله يغضب إذا هدم بنيانه من غير حق، وليس المراد إلا بيان ما جهلناه، والله يعلم أن المراد الاستفادة وتنقيح المراد من كتاب أو سنة، ومن هداه الله إلى العمل بهما فهو السعيد في الأزل. كذلك وقع من أفعال المسلمين ما لم يقع في عصر الرسول - صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين - ولا في وقت الخلفاء من بعده من عمارة المنائر والصوامع في المساجد في حرم الله، وحرم رسوله، وفي غيرهما من المدن، واختصاص كل أهل مذهب من المذاهب بمحل يصلون فيه، ثم التعلية في البيوت فوق الحاجة إلا أنه لا ضرر في ذلك

стр. 3607

على مسلم، فهل المبتدع لا يجب إنكاره إلا مع حصول المصادرة فيه أم يقولون كل مبتدع تجب إزالته لمخالفته أفعال الرسول؟ ولا تقع بدعة مستحسنة في الدين، فإن أكثر الموجودات المشاهدات ما فعلها الرسول، ولا أمر بها إنما استحسنها المسلمون. وقد ورد: ما " رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن " (١)، والله أعلم بصحة هذا. وقد [٦] جرى على هذا العلماء في كل عصر من مدة حدوث المقامات بالحرم الشريف إلى وقتنا هذا ما أنكرها عالم، ولا أقام عليها دليلاً، بل قصارى ما نقوله بدعة مستحسنة لا يجب الإنكار على فاعلها، فالفائدة مطلوبة عن جميع ما حررناه، وسألنا لإزاحة ما في النفس من اللبس عند كثرة الواردات التي ما تلقيناها من محقق منصف لا غرض له فيما يرويه. والمقصود - والله - الاطلاع على ما يكون هو الحق - إن شاء الله تعالى - ثم البحث أيضًا عن أفعال العباد الصادرة من الفعل القبيح، وارتكاب المحرمات التي يغضب الله لها، ويعاقب عليها، هل هي بمقدورات الله التي لا يستطيع العبد مدافعة نفسه عند

стр. 3608

إتيانها، أم هي باختيار ورغبة منه؟ وإنما العلم لله سابق بأن العبد يفعلها. وفي الحديث: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (١). فمن الميسر له على فعل الطاعة والمعصية، فهذه المسائل هي - والله - لمراد الفائدة، والأعمال بالنيات. ثم ما هو المعتمد لديكم بالدليل الصحيح في استعمال شجرة التنباك التي عمت به البلوى في جميع البلدان؟ فالأشجار أصلها الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه، ولم يرد عن الشارع تحريم استعمال شجر بعينه إلا أنكر قياسًا على الخمر، أو قوله: «كل مسكر حرام» (٢) إذا ورد لفظ الحديث هكذا أو بالمعين. والتتن هذا لم يكن من المسكرات، ولا بأس بأنه مستقذر عند العلماء والمتعلمين، وقد يشغل عن المحافظة على توقيت الصلوات المفروضة، وإذا قيل إنه يغير رائحة الفم فيشغل المصلين في الجماعة. نقول: إذا كانت على التحريم هذا على فرض القول بحرمة استعماله قد يستعمل شاربه ما يذهب خبث رائحته من الفم فتزول العلة، وإنما المطلوب الدليل على حرمته لعينه، أو بقائه على أصل الإباحة، فإن يوجد الدليل الواضح على التحريم فبها ونعمت، وإن هو مستنبط من [٧] أدلة فذاك، إنما حيث كان حدوثه في بعد من البعثة، وأوقات الصحابة والتابعين، وما بقي إلا فجعل دليله من طريق القياس الذي لا يحتج إليه من عمله على صرائح الآيات والسنة، وإذا جعلنا العلة في تحريمه إشغال شاربه عن التوقيت فغيره مثله من الأمور الملهية التي أصلها الإجابة، والفائدة مطلوبة - لا

стр. 3609

برحتم في مقام الإفادة -، كذلك التوسل بالأنبياء والأولياء وكل من له درجة رفيعة، هل هو جائز ولا ينكره أحد من العلماء، أم مكروه، أم هو خلاف الأولى؟ بينوا لنا ذلك بالأدلة الصحيحة - جزيتم خيرًا -، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. تمت السؤالات بحمد الله الموفق لمن أراد من عباده من الكمالات، والمتفضل على عبده بما شاء من الطاعات مع الاستعمالات بمنه وكرمه آمين آمين آمين.

стр. 3610

وصف المخطوط: الأجوبة: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " إرشاد السائل إلى دلائل المسائل ". ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل ٤ - آخر الرسالة: جواب هذه الأسئلة على انفراده على كراريس، فما الظن بجميعها، والحمد لله أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا. فرغ من تحريره المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في ليلة الأحد لعلها ليلة العشرين من محرم سنة ١٢١٧. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - عدد الصفحات: ٢٢ ما عدا صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٩ سطرًا ما عدا الصفحة الأخيرة ففيها ٦ أسطر. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات. ٩ - الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3611

[نص الأجوبة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فما له من هاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. (وبعد): فإنه أرسل إلي بعض الأعلام بأسئلة يذكر أنها من المخلاف السليماني (١)، وأنه حصل الاختلاف بين أهله في شأنها. وحاصل السؤال الأول: هل الراجح جواز قضاء المقلد أم لا؟ وأقول: الأوامر القرآنية ليس فيها إلا أمر الحاكم بأن يحكم بالعدل والحق، وما أنزل الله، وما أراه الله، ومن المعلوم لكل عارف أنه لا يعرف هذه الأمور إلا من كان مجتهدًا؛ إذا المقلد (٢) إنما هو قائل قول الغير دون حجته، ولا طريق إلى العلم بكون الشيء حقًا أو عدلاً إلا الحجة، والمقلد لا يعقل الحجة إذا جاءته، فكيف يهتدي للاحتجاج بها! وهكذا لا علم عنده بما أنزل الله، إنما عنده علم بقول من هو مقلد له، فلو فرض أنه يعلم بما أنزل الله، وما جاء عن رسول الله -[﵌]- علماً صحيحًا لم يكن مقلدًا، بل هو مجتهد، وهكذا لا نظر للمقلد، فإذا حكم بشيء فهو لم يحكم بما أراه [١] الله، بل بما أراه إمامه (٣)، ولا يدري أذلك القول الذي قاله إمامه

стр. 3612

موافق للحق أم مخالف له. وبالجملة فالقاضي هو من يقضي بين المسلمين بما جاء عن الشارع كما جاء في حديث معاذ (١) عند أبي داود، والترمذي أن رسول الله ﵌ لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن «قال: كيف تقضي إذا اعترض لك القضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله ﵌ قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﵌ صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله -[ ﷺ ]- لما يرضي رسول الله». وهذا الحديث وإن كان فيه مقال فقد جمع طرقه وشواهده الحافظ ابن كثير في جزء وقال: هو حديث حسن مشهور اعتمد عليه أئمة الإسلام. وقد أخرجه أيضًا أحمد، وابن عدي، والطبراني،

стр. 3613

والبيهقي، ولأئمة الحديث كلام طويل في هذا الحديث، فبعضهم يقول: باطل لا أصل له، وبعضهم يقول: حسن معمول به، وبعضهم يقول: ضعيف، والحق أنه من الحسن لغيره، وهو معمول به. وقد دل هذا الحديث على أنه يجب على القاضي أن يقدم القضاء بكتاب الله، ثم إذا لم يجد فيه قضى بما في سنة رسول الله ﵌، ثم إذا لم يجد فيهما اجتهد رأيه، والمقلد لا يتمكن من القضاء بما في كتاب الله (١)؛ لأنه لا يعرف الاستدلال ولا كيفيته، ولا يمكنه القضاء بما في سنة (٢) رسول الله -[﵌]- لذلك، ولأنه [٢] لا يميز بين الصحيح والموضوع والضعيف المعلول بأي علة، ولا يعرف الأسباب ولا يدري بالمتقدم والمتأخر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، بل لا يعرف مفاهيم هذه الألفاظ، ولا يتعقل معانيها فضلاً عن أن يتمكن من أن يعرف اتصاف الدليل بشيء منها. وبالجملة فالمقلد إذا قال: صح عندي فلا عند له، وإن قال: صح شرعًا فهو لا يدري ما هو الشرع. وغاية ما يمكنه أن يقول: صح هذا من قول فلان، وهو لا يدري هل هو صحيح في نفس الأمر أم لا.

стр. 3614

فهو بلا ريب أحد قضاة النار (١)؛ لأنه إما أن يصادف حكمه الحق فهو حكم بالحق، ولا يعلم أنه الحق، أو يحكم بالباطل وهو لا يعلم أنه باطل، وكلا الرجلين في النار، كما ورد بذلك النص عن المختار (٢)، وأما قاضي الجنة فهو الذي يحكم بالحق، ويعلم أنه الحق، ولا شك أن من يعلم بالحق مجتهد لا مقلد. هذا يعرفه كل عارف، فإن قال المقلد: إنه يعلم أن ما حكم به من قول إمامه حق؛ لأن كل مجتهد مصيب، فنقول له: هل أنت مقلد في هذه المسألة؟ أعني أن كل مجتهد مصيب، أم مجتهد؟ فإن [قال]: كنت مقلدًا في هذه المسألة فقد جعلت ما هو محل النزاع دليلاً لك، وهو مصادرة باطلة؛ فإنك لا تعلم بأنها حق في نفسها فضلاً عن أن تعلم بزيادة على ذلك، وإن كنت مجتهدًا في هذه المسألة فكيف خفي عليك أن المراد بكون كل مجتهد مصيبًا هو من الصواب لا من الإصابة، كما أقر بذلك القائلون بتصويب المجتهدين (٣)، وحرروه في مؤلفاتهم المعروفة الموجودة بأيدي الناس! وإذا كان

стр. 3615

ذلك من الصواب لا من الإصابة، فلا يستفاد من المسألة ما تزعمه من كون مذهب إمامك حقًا، فإنه لا ينافي الخطأ. ولهذا صح عنه ﷺ أن قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر» (١) وهذا لا يخفى إلا على أعمى، وإذا لم تتعقل الفرق بين الصواب والإصابة فاستر نفسك بالسكوت، ودع عنك

стр. 3616

الكلام في المباحث العلمية، وتعلم ممن يعلم حتى تذوق حلاوة العلم. فهذا حاصل ما لدي في هذه المسألة. وإن كانت طويلة الذيل، والخلاف فيها مدون في الأصول والفروع، لكن السائل لم يسأل عن أقوال الرجال، إنما سأل عن تحقيق الحق. فإن قلت: إذا كان التخاصم ببلد لا يوجد فيها مجتهد، [٣] هل يجوز للخصمين الترافع إلى من بها من القضاة المقلدين؟ قلت: إذا كان يمكن وصولهما إلى قاض مجتهد لم يجز للمقلد أن يقضي بينهما بل يرشدهما إلى القاضي المجتهد، أو يرفع القضية إليه ليحكم فيها بما أراه الله، فإن كان الوصول إلى القاضي المجتهد متعذرًا ومتعسرًا، فلا بأس بأن يتولى ذلك القاضي المقلد فصل خصومتهما، لكن يجب عليه أن لا يدعي علم ما ليس من شأنه، فلا يقول: صح له، ولا صح شرعًا، بل يقول: قال إمامه كذا، ويعرف الخصمين أنه لم يحكم بينهما إلا بما قاله الإمام الفلاني. وفي الحقيقة هو محكم لا حاكم. وقد ثبت التحكيم في هذه الشريعة المطهرة، كما جاء ذلك في القرآن في شأن الزوجين، وأنه يوكل الأمر إلى حكم من أهل الزوج، وحكم من أهل الزوجة (١)، وكما في قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ (٢)، وكما وقع في زمن النبوة، ومع الصحابة في غير قضية، ومن لم يجد ماءً تيمم بالتراب. والعور خير من العمى، ولا يغتر العاقل بما يزخرفه المقلدون، ويموهون به على العامة من تعظيم شأن من يقلدونه، ونشر

стр. 3617

فضائله ومناقبه، والموازنة بينه وبين من يبلغ رتبة الاجتهاد في عصر هؤلاء المقلدين، فإن هذا [٤] خروج عن محل النزاع، ومغالطة قبيحة. وما أسرع نفاقها عند العامة! لأن أفهامهم قاصرة عن إدراك الحقائق، والحق عندهم يعرف بالرجال. وللأموات في صدورهم جلالة وفخامة. وطبائع المقلدين قريبة من طبائعهم، فهو إلى قبول أقوالهم أقرب منهم إلى قبول أقوال العلماء المجتهدين؛ لأن المجتهدين قد باينوا العامة، وارتفعوا إلى رتبة تضيق أذهان العامة عن تصورها، فإذا قال المقلد مثلاً: أنا أحكم بمذهب الشافعي، وهو أعلم من هذا المجتهد المعاصر لي، وأعرف بالحق منه، كانت العامة إلى تصديق هذه المقالة والإذعان لها أسرع من السيل المنحدر، وتنفعل أذهانهم لذلك أكمل انفعال. فإذا قال المجتهد مجيبًا على ذلك المقلد: إن محل النزاع هو الموازنة بيني وبينك، لا بيني وبين الشافعي، فإني أعرف العدل والحق، وما أنزل الله، وأجتهد رأيي إذا لم أجد في كتاب الله وسنة رسوله نصًا، وأنت لا تعرف شيئًا من ذلك، ولا تقدر على أن تجتهد رأيك، إذ لا رأي لك، ولا اجتهاد؛ لأن اجتهاد الرأي هو إرجاع الحكم إلى الكتاب والسنة بالمقايسة، أو بعلاقة يسوغها الاجتهاد، وأنت لا تعرف كتابًا ولا سنة، فضلاً عن أن تعرف كيفية الإرجاع إليهما [٥] بوجه مقبول. كان هذا الجواب الذي جاء به المجتهد مع كونه حقًا بحتًا بعيدًا عن أن تفهمه العامة، أو تذعن لصاحبه. ولهذا ترى في هذه الأزمان الغريبة الشأن ما ينقله المقلد عن إمامه أوقع في النفوس مما ينقله المجتهد من كتاب الله وسنة رسوله [ ﷺ ]، وإن جاء من ذلك بالكثير الطيب، وقد رأينا وسمعنا ما لا نشك أنه من علامات القيامة على أن كثيرًا من المقلدين قد ينقل في حكمه أو فتواه عن مقلد مثله قد صار تحت أطباق الثرى، وإمامه عنه براء، فيجول ويصول وينسب ذلك إلى مذهب الإمام، وينسب من يأتي بما يخالفه من كتاب أو سنة إلى الابتداع، ومخالفة المذهب، ومباينة أهل العلم، وهو لو ارتفعت رتبته عن هذا الحضيض قليلاً لعلم أنه هو المخالف لإمامه لا الموافق له. ولنوضح هذا بشيء يعرفه

стр. 3618

المقلدون في ديارنا هذه فنقول: إذا قال الحاكم المجتهد في مسألة من المسائل بخلاف ما في متن الأزهار (١) فلا يعدم جماعة من المقلدين ينكرون عليه هذه المخالفة لما في الأزهار، ويتقربون إلى العامة بأنهم يحافظون على العمل بما في هذا الكتاب، وأنهم مشيدون للمذهب، قائمون بنشره، وأن ذلك المجتهد يخالفه. ولو أنصفوا لعلموا أنهم هم المخالفون لما في الأزهار، وأن ذلك المجتهد أسعد منهم بموافقته، فإن في أول فصل من فصول [٦] الأزهار أن التقليد جائز لغير المجتهد لا له، ولو وقف على نص أعلم منه. وقال بعد ذلك بقليل: وبعد الالتزام يحرم الانتقال إلا إلى ترجيح نفسه، فهذا الأزهار (٢) مصرح في أوائله بأن عمل المجتهد بما في مسائله تقليدًا غير جائز له، والمقلد المسكين يريد من هذا المجتهد أن لا يعمل باجتهاده، ولا يرجع إلى ترجيح نفسه، بل يقلد مؤلف الأزهار في المسائل الفرعية التي فيه، فيوقعه فيما لا يجوز بنص الأزهار. ثم هذا المقلد الذي يريد أن يكون قاضيًا ويعتقد صحة قضائه هو أيضًا مخالف للأزهار، فإنه مصرح في باب ............................................

стр. 3619

القضاء (١) أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدًا، فإنه قال: والاجتهاد في الأصح. فهذا المقلد ليس بقاض بنص الأزهار، كما أنه مخطئ في إنكاره على من يخالف الأزهار من المجتهدين بنص الأزهار، وهو أيضًا مخطئ في إنكاره على اجتهادات المجتهدين بنص الأزهار فإنه قال في كتاب السير (٢): في فضل إنكار المنكر: (ولا في مختلف فيه على من هو مذهبه) (٣)، وهذا المقلد قد نصب نفسه لإنكار اجتهاد ذات المجتهدين تلبيسًا على

стр. 3620

العوام، وترويجًا لقصوره على غير ذوي الأفهام. وبيان ذلك أنه إن كان عالمًا بهذه النصوص التي ذكرناها في الأزهار فهو في إنكاره وترشيحه لنفسه بما ليس من أهله مخالف لما يعتقد أنه الحق، بل لما يقصر الحق عليه، وإن كان جاهلاً [٧] لهذه النصوص فهو بهيمة (١)، لأنه يدعو الناس إلى ما لا يعرفه، ويرشدهم إلى ما ليس عنده، وينصب نفسه للإنكار على أكابر العلماء، وهو لا يعرف التقليد فضلاً عن أن يعرف ما فوقه. ومن كان بهذه المنزلة فهو صاحب الجهل المركب الذي لا يستحق أن يخاطب، بل على كل صاحب علم أن يرفع نفسه عن مجادلته، ويصون لسانه عن مقاولته، إلا أن يطلب منه أن يعلمه مما علمه الله. و (السؤال الثاني) حاصله: ما حكم الأعراب، سكان البادية الذين لا يفعلون شيئًا من الشرعيات إلا مجرد التكلم بالشهادة، هل هم: كفار أم لا؟ وهل يجب على

стр. 3621

المسلمين غزوهم أم لا؟ وأقول: من كان تاركًا لأركان الإسلام، وجميع فرائضه، ورافضًا لما يجب عليه من ذلك من الأقوال والأفعال، ولم يكن لديه إلا مجرد التكلم بالشهادتين فلا شك ولا ريب أن هذا كافر شديد الكفر، حلال الدم والمال، فإنه قد ثبت بالأحاديث المتواترة (١) أن عصمة الدماء والأموال إنما تكون بالقيام بأركان الإسلام، فالذي يجب على من يجاور هذا الكافر من المسلمين في المواطن والمساكن أن يدعوه إلى العمل بأحكام الإسلام، والقيام بما يجب عليه القيام به على التمام، ويبذل تعليمه ويلين له القول، ويسهل عليه الأمر، ويرغبه في الثواب، ويخوفه من العقاب، فإن قبل منه ورجع إليه وعول عليه وجب عليه أن يبذل نفسه لتعليمه، فإن ذلك من أهم الواجبات (٢) وآكدها، أو يوصله

стр. 3622

إلى من هو أعلم منه بأحكام الإسلام [٨]، وإن أصر ذلك الكافر على كفره وجب على من يبلغه أمره من المسلمين أن يقاتلوه حتى يعمل بأحكام الإسلام على التمام، فإن لم يعمل فهو حلال الدم والمال، حكمه حكم أهل الجاهلية. وما أشبه الليلة بالبارحة! وقد أبان لنا رسول الله ﵌ قولاً وفعلاً ما نعتمده في قتال الكافرين (١)، والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية في هذا الشأن كثيرة جدًا معلومة لكل فرد من أهل العلم، بل هذا الأمر هو الذي بعث الله - سبحانه -[فيه] رسله، وأنزل لأجله كتبه، والتطويل في شأنه والاشتغال بنقل برهانه من باب الإيضاح الواضح، وتبيين البين. وبالجملة فإذا صح الإصرار على الكفر فالدار دار حرب بلا شك، ولا شبهة، والأحكام الأحكام، وقد اختلف المسلمون في غزو ....................

стр. 3623

الكفار إلى ديارهم (١)، هل يشترط فيه الإمام الأعظم أم لا؟ والحق الحقيق بالقبول أن ذلك واجب على كل فرد من أفراد المسلمين، والآيات القرآنية (٢) والأحاديث النبوية (٣) مطلقة غير مقيدة.

стр. 3624

(السؤال الثالث): حاصله ما قيل من أن العصاة من أهل بيت النبوة (١) لا يعاقبون على ما يرتكبون من الذنوب، بل هم من أهل الجنة على كل حال، تكريمًا وتشريفًا هل ذلك صحيح أم لا؟. وأقول: لا شك ولا ريب أن أهل البيت المطهر لهم من المزايا والخصائص والمناقب ما ليس لغيرهم، وقد جاءت الآيات القرآنية (٢)، والأحاديث النبوية (٣) شاهدة

стр. 3625

لهم بما خصهم الله به من التشريف والتكريم، والتجليل والتعظيم. وأما القول برفع العقوبات عن عصاتهم، وأنهم لا يخاطبون بما اقترفوه من المآثم، ولا يطالبون بما جنوه [٩] من العظائم، فهذه مقالة باطلة ليس عليها أثارة من علم، ولم يصح في ذلك عن الله ولا عن رسوله حرف واحد، وجميع ما أورده علماء السوء المتقربون إلى المتعلقين بالرياسات من أهل هذا البيت الشريف فهو إما باطل موضوع (١)، أو خارج عن محل

стр. 3626

النزاع، بل القرآن أعدل شاهد، وأصدق دليل على رد قول كل مكابر جاحد، فإنه قال في نساء النبي ﷺ : ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ (١) وليس ذلك إلا لما لهن من رفعة القدر، وشرافة المحل بالقرب من رسول الله ﷺ . وأشرف قدرًا وأعلى محلاً وأكرم عنصرًا، وأفخم ذكرًا. ولو كان الأمر كما زعم هذا الزاعم لم يكن لقوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (٢) معنى، ولا كبير فائدة. وإذا كان المصطفى ﷺ يقول لفاطمة البتول التي هي بضعة منه يغضبه ما يغضبها ويرضيه ما يرضيها: " يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا " (٣) فليت شعري من هذا من أولادها الذي خصه الله بما لم يخصها، ورفعه إلى درجة قصرت عنها! فأبعد الله علماء السوء، وقلل عددهم! فإن العاصي من أهل هذا البيت الشريف المطهر

стр. 3627

إذا لم يكن مستحقًا على معصيته مضاعفة العقوبة فأقل الأحوال أن يكون كسائر الناس (١). فيا من شرفه الله بهذا النسب الشريف، إياك أن تغتر بما ينمقه لك أهل التبديل والتحريف [١٠]. (السؤال الرابع): حاصله الاستفهام عن مذهب الحق في شأن ما شجر بين

стр. 3628

الصحابة في الخلافة، وما يترتب عليها. وأقول: إن كان هذا السائل طالبًا للنجاة، مستفهمًا عن أقرب الأقوال إلى مطابقة مراده مولاه، كما يشعر بذلك تصرفه في سؤاله، فليدع الاشتغال بهذا الأمر، ويترك المرور في هذا المضيق الذي تاهت فيه الأفكار، وتحيرت عنده أفكار أهل الأنظار، فإن هؤلاء الذين يبحث عن حوادثهم، ويتطلع لمعرفة ما شجر بينهم قد صاروا تحت أطباق الثرى، ولقوا ربهم في المائة الأولى من البعثة. وهانحن الآن في المائة الثالثة عشرة فما لنا والاشتغال بهذا الشأن الذي لا يعنينا! " ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " (١). وأي فائدة لنا في الدخول في الأمور التي فيها ريبة! وقد أرشدنا إلى أن ندع ما يريبنا إلى ما لا يريبنا (٢)، ويكفينا من تلك القلاقل والزلازل أن نعتقد أنهم خير القرون وأفضل الناس، وأن الخارجين على أمير المؤمنين - رضوان الله عليهم - المحاربين له، المصرين على ذلك، الذين لم تصح توبتهم بغاة، وأنه المحق وهم المبطلون. وما زاد على هذا المقدار فمن الفضول الذي يشتغل به من لا يبالي بدينه. وقد تلاعب الشيطان بكثير من الناس فأوقعهم في الاختلاف في خير القرون (٣) الذي قال رسول الله ﷺ في شأنهم لبعض من هو من جملتهم لكنه تأخر

стр. 3629

إسلامه عنهم: " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم [١١] ولا نصيفه " (١) فإذا كان مثل أحد ذهبًا من المتأخرين من الصحابة المخاطبين بهذا الخطاب لا يبلغ مد أحد متقدميهم ولا نصيفه فما أظنه يبلغ مثل أحد ذهبًا منا مقدار حبة من أحدهم ولا نصيفها، فرحم الله امرءًا اشتغل بالقيام بما أوجبه الله عليه، وطلبه منه، وترك ما لا يعود عليه بنفع لا في دنيا ولا في آخرة، بل يعود عليه بالضر، ولو لم يكن من الضر إلا مجرد مخالفة ما أرشدنا إليه رسول الله ﷺ بقوله: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " (٢) [لكفى] فهذا - والله - مما لا يعنينا، ومن ظن خلاف هذا فهو مغرور مخدوع، قاصر الباع عن إدراك الحقائق، ومعرفة الحق على وجهه كائنًا من كان. والله لو جاء أحدهم يوم القيامة بما يملأ الدنيا من الحسنات ما كان لنا من ذلك شيء، ولو جاء أحدهم (وصانهم الله) بما يملأ الدنيا من السيئات ما كان علينا من ذلك شيء، ففيم التعب، وعلام تضيع الأوقات في هذه الترهات (٣)!؟.

стр. 3630

السؤال الخامس: حاصله الاستفهام عن الأعراف الجارية في بعض البلدان من الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن على الأموات، وكذلك في البيوت، وسائر الاجتماعات التي لم ترد في الشريعة، هل يجوز ذلك أم لا؟. أقول: لا شك أن هذه الاجتماعات المبتدعة إن كانت خالية عن معصية سليمة من المنكرات فهي جائزة، لأن الاجتماع ليس بمحرم في نفسه [١٢]، لا سيما إذا كان لتحصيل طاعة كالتلاوة ونحوها. ولا يقدح في ذلك كون تلك التلاوة مجعولة للميت، فقد ورد جنس التلاوة من الجماعة المجتمعين كما في حديث: " اقرأوا على موتاكم يس " (١) وهو حديث حسن (٢)، فلا فرق بين تلاوة يس من الجماعة الحاضرين عند الميت أو على قبره، وبين تلاوة جميع القرآن أو بعضه لميت في مسجده أو بيته (٣).

стр. 3631

وبالجملة فالاجتماعات العرفية التي لم يرد جنسها في الشريعة إن كانت لا تخلو عن منكر فلا يجوز حضورها، ولا يحل تطييب نفس الجار بحضور مواقف المنكرات والمعاصي وإن كانت خالية عن ذلك، وليس فيها إلا مجرد التحدث بما هو مباح، فهذا لا نسلم أنه لم يرد جنسه في الشريعة المطهرة، فقد كان الصحابة الراشدون يجتمعون في بيوتهم ومساجدهم، وعند نبيهم ﷺ ويتناشدون الأشعار، ويتذاكرون الأخبار، ويأكلون ويشربون، فمن زعم أن الاجتماع الخالي عن الحرام بدعة فقد أخطأ، فإن البدعة هي التي تبتدع في الدين، وليس هذا من ذاك. * (السؤال السادس): حاصله الاستفهام عن الحلف بغير الله كالحلف بالسلطان والأولياء والقرآن (١) من دون قصد لتعظيم المخلوق به، بل لأجل الاعتياد لذلك في

стр. 3632

المجاورة. * وأقول: هذا لا يحل لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر. وقد ورد النهي عنه في الأحاديث الصحيحة (١)، وورد أيضًا في الأحاديث (٢) ما يفيد أن فاعل ذلك يكفر إذا كان حلفه باللات والعزى ونحو ذلك من الطواغيت. وورد أن من فعل ذلك لم يرجع إلى الإسلام سالمًا [١٣]. وهذه أحاديث صحيحة ثابتة في دواوين الإسلام، فإن سبق لسان الحالف إلى شيء من ذلك لأجل تمرنه عليه فعليه أن يتدارك نفسه بالاستغفار، ويعود نفسه ولسانه الخير

стр. 3633

ما استطاع، ولا يقع فيما نهى عنه الشارع وتوعد عليه، فالنفس قابلة للتعليم، واللسان إذا عودت غير ما قد اعتادت عادت إلى الموافقة ولو بعد حين (١). * (السؤال السابع): عن تبقية شعر الرأس، هل هو مسنون إذا علم من نفسه النقص عن تخليله بالماء عند وجوب الغسل أن يجب عليه إزالته؟. * أقول: خير الأمور السالفات على الهدي، وشر الأمور المحدثات. وقد كان لرسول الله ﷺ جمة إلى شحمة أذنه، وكذلك للمشاهير من أصحابه الذين نقلت إلينا حليتهم. وقد جاءت الأحاديث (٢) الصحيحة الصريحة بذلك، فمن أراد الاقتداء بالهيئة التي كان عليها رسول الله ﷺ فليترك له جمة كالجمة التي كانت لسيد الأمة [ ﷺ ] من دون أن يحلق بعض شعر الرأس، ويبقى بعضه، كما يعتاده البدو (٣) في

стр. 3634

الجهات المتصلة بصنعاء، فإن ذلك منهي عنه، لأن التحليق إن كان لموضع الحلاقة فقد ورد عنه النهي الصحيح، وإن كان لمواضع من الرأس فهو القزع المنهي عنه بالحديث الصحيح (١)، وهكذا حلق البعض، وتقصير البعض. وأما حلق الرأس كله فلم يرد ما يدل على النهي عنه (٢)، وإن كانت خلاف السنة، وإن كان لغير النسك. وقد ثبت أن التحليق سيما الخوارج ولعلهم يفعلون ذلك معتقدين لمشروعيته. نعم ورد الأمر النبوي لمن أسلم أن يلقي [١٤] عنه شعر الكفر (٣)، فمن دخل في

стр. 3635

الإسلام بعد الكفر فعليه أن يحلق شعره الذي كان على بدنه في الكفر، وهو شعر الرأس لا شعر اللحية ونحوه مما لا يرد الشرع بحلقه. هذا على تسليم أن أمره ﷺ لهذا الفرد من أفراد الكفار يكون أمرًا لكل فرد منهم، والخلاف في المسألة معروف في الأصول (١). ولم ينقل إلينا أنه ﷺ أمر أحدًا ممن أسلم من أكابر الصحابة أن يحلق شعره، ولا من غيرهم من متأخري الإسلام غير هذا الرجل. ومع هذا فالحديث المذكور في حلق الرأس ضعيف كما أوضح ذلك علماء هذا الشأن (٢).

стр. 3636

* (السؤال الثامن): حاصله عن أرض فيها آثار ملك متقادمة، ولا يد عليها في الحال، ولا يعرف مالكها، ولبعض الناس أوضاع شرعية تفيد أن له ملكًا فيها، ولكنه غير معين في جهة من جهاتها، فهل يجوز إحياؤها أم لا؟. * أقول: إن الأرض التي فيها آثار ملك (١) لمالك غير معروف إن كانت في البلاد

стр. 3637

الإمامية فهي بيت مال يكون أمرها إلى الإمام، يجعلها لمصلحة من مصالح المسلمين، أو يبيعها، أو يؤجرها. وإن كانت في أرض غير إمامية كان أمرها إلى أصلح أهل تلك البلد، يجعلها في مصالح المسلمين على أي صفة من الصفات التي يعود نفعها على المسلمين، وإذا كان لآحاد الناس أوضاع صحيحة تفيد أنه يملك فيها مقدارًا معلومًا غير معين في جهة من جهاتها كان له ذلك المقدار في أوسط بقاعها الذي يكون متوسطًا بين أعلاها وأدناها إذا كانت مختلفة، فإن كانت متحدة كان للإمام أو الحاكم من جهته، أو حاكم الصلاحية أن يعين لصاحب الوضع ما اشتمل عليه وضعه في أي جهة من جهاتها، والمفروض أنه لا ثبوت يد عليها حتى يعارض الوضع الذي بيد المتمسك به، وإذا كانت تلك الأرض لقوم معروفين وهي منسوبة إليهم نسبة تفيد الملك فإن كان [١٥] نصيب كل واحد منهم معلومًا غير معين في جهة قسمت بينهم على قدر الأنصباء، وإن كان

стр. 3638

النصيب مجهولاً قسمت بينهم على الرءوس مع عدم البرهان الشرعي بوجه من الوجوه. * (السؤال التاسع): حاصله هل يجوز التأديب بالمال (١) إذا حصل من أحد الرعايا قتل أو نحوه أم لا يجوز؟ وإن كانوا لا يقومون في الغالب بما أوجبه الله عليهم من صلاة وصيام ونحوهما، وهي في أموالهم حق غير الزكاة؟. * أقول: قد شرع الله لعباده الشرائع، وحد لهم الحدود، وجعل لكل ذنب عقوبة، فالقاتل يقتل أو يسلم الدية إن لم يكمل شروط القصاص، أو كملت ورضي الورثة بالدية، والجاني يقتص منه فيما يجب فيه القصاص، ويسلم الأرش في الجناية التي لا قصاص فيها، والزاني والسارق والقاذف والسكران قد جاءت الشريعة بعقوبات مقدرة في كل واحد منهم. وتارك أركان الإسلام أو بعضها إذا أصر على الترك، ولم يتب وجب قتاله (٢) بحسب الطاقة، وهكذا جاءت الشريعة المطهرة بما يلزم كل من فعل محرمًا، أو ترك واجبًا. ولم يأت في شيء من هذه الأمور الشرعية التأديب بالمال، وإن ورد شيء من ذلك في الشريعة كتضعيف الغرامة في بعض المسائل، وأخذ شطر من لم يسلم الزكاة (٣)، وأخذ ثياب من يقطع أشجار حرم المدينة (٤)،

стр. 3639

ونحو ذلك فهو مقصور على محله لا تجوز مجاوزته إلى غيره. وقد استوفيت الكلام على ذلك في رسالة مستقلة (١) [١٦]، وسردت فيها المواضع التي وردت، وأوضحت هنالك أن الأصل الأصيل المعلوم بالضرورة الدينية هو تحريم مال المسلم (٢)، وعصمته، وعدم تسويغه إلا بطيبة من نفسه (٣)، وأن تلك المواضع التي فيها التأديب بالمال كالمخصصة لهذا العموم، فيقتصر عليها. ولا تجوز مجاوزتها إلى غيرها، وأنه لا يجوز ذلك في هذه المواضع التي وردت إلا لأئمة المسلمين المتبحرين في معرفة أحكام الدين، ولا تجوز لأفرادهم كائنًا من كان. ولا يشك عالم أن تلك المواضع اليسيرة واردة على خلاف الأصل في هذه الشريعة، فإن الأصل المعلوم بالضرورة هو ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من العقوبات المقدرة للعصاة. وقد تهافت الظلمة في هذه المسألة تهافتًا شنيعًا، حتى عطلوا الحدود الواجبة، واستحلوا أموال المسلمين بغير حقها، فأخذوا ما حرم الله عليهم أخذه، وهو مال المسلم، وأهملوا ما أخذ الله عليهم القيام به، وهي الحدود الشرعية، فجمعوا بين خطيئتين شنيعتين هما استحلال أموال المسلمين وأكلها بالباطل، وتعطيل حدود الله التي شرعها لعباده، وأعانهم على ذلك علماء السوء فأفتوهم بما وجدوه في نصوص أهل العلم من الكلام على التأديب بالمال، فضلوا وأضلوا، وكانوا شركاءهم في المظلمة، مع أن نصوص أهل العلم مقيدة بقيود مشروطة بشروط، وكذلك الأدلة [١٧] الواردة في ذلك، فإنها في مواطن خاصة مباينة لما يفعله أهل الظلم، مبنية على

стр. 3640

مصالح عامة وخاصة، لا يقف على وجه الحكمة فيها إلا أفراد العلماء. وأما ما سأل عنه السائل من قوله: " هل في المال حق سوى الزكاة؟ ". فأقول قد تكلم علماء التفسير والحديث والفقه في ذلك بكلام طويل، والراجح أن حديث: " ليس في المال حق سوى الزكاة " (١) عام مخصص بمثل وجوب الضيافة، وسد رمق محترم الدم كما وردت بذلك الأدلة الخاصة، وبمثل قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (٢)، وقوله [تعالى] ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم﴾ (٣) ونحو ذلك مما وردت به الشريعة المطهرة، لا ما لم ترد به مما ابتدعه أهل الظلم، وجعلوه ذريعة إلى أكل أموال الناس بالباطل (٤).

стр. 3641

* (السؤال العاشر): عن العمائر المستحدثة في الحرم الشريف كالمقامات والمنارات، وكذلك التعلية في البيوت زيادة على الحاجة. * أقول: عمارة المقامات بدعة بإجماع المسلمين، أحدثها أشر ملوك الشراكسة فرج ابن برقوق (١) في أوائل المائة التاسعة من الهجرة، وأنكر ذلك أهل العلم في ذلك العصر، ووضعوا فيه مؤلفات. وقد بينت ذلك في غير هذا الموضع (٢). ويا لله العجب من بدعة يحدثها من هو من شرار ملوك المسلمين في خير بقاع الأرض،

стр. 3642

كيف لم يغضب لها من جاء بعده من الملوك المائلين إلى الخير (١) [١٨]، لا سيما وقد صارت هذه المقامات سببًا من أسباب تفريق الجماعات! وقد كان الصادق المصدوق ينهى عن الاختلاف والفرقة، ويرشد إلى الاجتماع والألفة كما في الأحاديث الصحيحة، بل نهى عن تفريق الجماعات في الصلوات. وبالجملة فكل عاقل متشرع يعلم أنه قد حدث بسبب هذه المذاهب التي فرقت الإسلام فرقًا مفاسد أصيب بها الدين وأهله، وأن من أعظمها خطرًا وأشدها على الإسلام ما يقع الآن في الحرم من تفريق الجماعات، ووقوف كل طائفة في مقام من هذه المقامات، كأنهم أهل أديان مختلفة، وشرائع غير مؤتلفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٢). [حكم رفع المنارة] (٣). وأما رفع المنارات فأصل وضعها المقصد صالح، وهو إسماع البعيد عن محل الآذان، وهذه مصلحة مسوغة إذا لم تعارضها مفسدة، فإن عارضتها مفسدة من المفاسد المخالفة للشريعة فدفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما تقرر في الأصول (٤). [حكم تشييد البنيان فوق الحاجة].

стр. 3643

وأما تشييد (١) البنيان ورفعه فوق حاجة الإنسان، فقد ورد النهي عنه (٢)، والوعيد

стр. 3644

عليه. وثبت أنه ﷺ أمر بهدم بعض الأبنية، وليس ذلك مجرد بدعة، بل خلاف ما أرشد إليه الشارع. * (السؤال الحادي عشر): عن شجرة التنباك هل يجوز استعمالها على الصفة التي يستعملها كثير من الناس الآن أم لا؟. [١٩] * أقول: الأصل الذي شهد له القرآن الكريم، والسنة المطهرة هو أن كل ما في الأرض حلال، ولا يحرم شيء من ذلك إلا بدليل خاص كالمسكر، والسم القاتل، وما فيه ضرر عاجل أو آجل كالتراب ونحوه، وما لم يرد فيه دليل خاص فهو حلال استصحابًا للبراءة الأصلية، وتمسكًا بالأدلة العامة كقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ (١)، ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ (٢)، إلى آخر الآية.

стр. 3645

وهكذا الراجح عندي أن الأصل في جميع الحيوانات الحل، ولا يحرم شيء منها إلا بدليل يخصه، كذا الناب من السباع (١)، والمخلب من الطير، والكلب والخنزير (٢)، وسائر ما ورد فيه دليل يدل على تحريمه. إذا تقرر لك هذا علمت أن هذه الشجرة التي يسميها بعض الناس التنباك، وبعضهم (التتن) لم يأت فيها دليل يدل على تحريمها، وليست من جنس المسكرات، ولا من السموم، ولا من جنس ما يضر آجلاً أو عاجلاً، فمن زعم أنها حرام فعليه الدليل، ولا يفيد مجرد القال والقيل. وقد استدل بعض أهل العلم على حرمتها بقوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ (٣) وأدرج هذه الشجرة تحت الخبائث بمسلك من مسالك العلة المدونة في الأصول. وقد غلط في ذلك غلطًا بينًا؛ فإن كون هذه الشجرة [٢٠] من الخبائث هو محل النزاع (٤)، فالاستدلال بالآية الكريمة على ذلك فيه شوب
следующие страницы →