الأصول كالغاية وشرحها لوجد المنع من تقليد الأموات من الأكثرين، ونصوص أئمة المذاهب الأربعة في المنع مطلقًا موجودة لدينا، معزوة إلى كتبهم المعروفة إذا أراد - أبقاه الله - الوقوف عليها أوقفناه. ولقد رسخ في قلبه من محبة التقليد ما رسخ حتى قال فيما سبق: إن الناس عيال على عالم من العلماء، ثم جاوز ذلك حتى قال في البحث الذي قبل هذا ما قال من أن الحاكم المجتهد يحكم بما يعتقده الخصوم، ثم جاوز ذلك حتى حكى هنا الإجماع على تقليد الأموات (١)، فلا أدري ما أقول!
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد [٧ب] (٢)
قوله - عافاه الله -: وليس أساس الدين مجرد وصول قبيلي يدعي في شفعة ... إلخ.
أقول: الدين هو هذه الشريعة المطهرة التي جاءنا بها محمد بن عبد الله ﵌ والعلماء والقضاة هم المترجمون لها، الذين أخذ الله عليهم بيانها للناس، وأمرهم أن يقضوا بينهم فيما اختلفوا فيه بما شرعه لهم، وهم ورثة الأنبياء، وأمناء الله على دينه، والمبلغون له إلى عباده، فإذا لم يكن هذا المنصب حقيقًا بالتعظيم والتبجيل فليت شعري ما هو المستحق لذلك! ويا لله العجب من استصغار منصب العلم وتحقيره، والإزراء عليه وعلى أهله بإيراد مثل هذه العبارة البالغة في الشناعة إلى حد يقصر عنه الوصف.
ألم يكن من عمل أهل هذا المنصب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم معالم الدين، وإرشاد المسترشدين، وبأقلامهم تضرب الأعناق، وتقام الحدود، وتتعارك الجيوش. وبهم يصير الإمام إمامًا، والسلطان سلطانًا، وعليهم تدور رحى مسائل
стр. 3572
العبادات والمعاملات، وجميع الشرعيات، وهم من لا تستغني عنه المخدرات من النساء في أمور دينهن ودنياهن، فكيف بغيرهن من الرجال على اختلاف طبقاتهم؛ فتلك شكاة ظاهر عنك عارها.
قوله - كثر الله فوائده -: العمل بالرأي المحض غير صحيح ... إلخ.
أقول: هذا صواب، وهكذا السلف الصالح، لكن هذا غير مناسب لما أسلفه من أنه لا اجتهاد في النصوص، وأنه كما قال أهل الأصول استفراغ الفقيه الوسع إلى آخره. فإن هذا يصدق على الرأي مطلقًا، ثم لا يناسب أيضًا ما قدمه من تسويغ التقليد، بل دعوى الإجماع عليه؛ فإن التقليد هو قبول رأي الغير دون روايته، ثم لا يناسب ما ذكره من الحكم بين المتشاجرين بما يطابق ما يعتقدونه، فإن الذي لزمهم هو قبول رأي الغير دون روايته، ثم لا يناسب ما قدمه أن الناس في هذا القطر اليمني عيال على فرد من أفراد العلماء؛ فإنهم لا يكونون عيالا عليه إلا وهم مقلدون له في رأيه دون روايته.
سقوني وقالوا لا تغني ولو سقوا ... جبال جنين ما سقيت لغنت
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
قوله - كثر الله فوائده -: ولم يستند الحكم إلى دليل يخصه ... إلخ.
أقول: إن كنتم تنكرون ثبوت الشركة وتفاصيلها، وتقولون إنها لم تكن من مسائل الشريعة، ولا دل عليها دليل نقلنا البحث معكم إلى هنا، وإن كنتم تعترفون بذلك وتخصون الإنكار بتلك المسألة فقط أوضحنا لكم برهانها بما تعلمون به صحة ما كررناه، من أن تفويض أحكام الله لا تكون إلا لكامل الأهلية، وأنه قد يتمكن من وجود الدليل في المواطن التي لم تكن بيد غيره فيها إلا محض الرأي.
وفي هذا المقدار كفاية - إن شاء الله -.
стр. 3573
منحة المنان في أجرة القاضي والسجان والأعوان
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3574
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " منحة المنان في أجرة القاضي والسجان والأعوان ".
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد حمد ذي الجلال، والصلاة والسلام على الرسول والآل، فإنه ورد السؤال من بعض أرباب الكمال ... "
٤ - آخر الرسالة: " فيجعل الخصومة بينه وبين نفسه والحاكم، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، وحسبي الله ونعم الوكيل.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: ١٥ صفحة ما عدا صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٨ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ كلمات.
٩ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3575
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبعد حمد ذي الجلال، والصلاة والسلام على الرسول والآل، فإنه ورد السؤال من بعض أرباب الكمال، وهو سيدي العلامة الحسن بن زبارة (١) - كثر الله فوائده - وهذا نصه: أشكل علي ما يفعله الحكام والعمال في هذا الأوان في شأن أجرة الأعوان والسجان على الخصوم، وإلزام من عليه الحق في غالب الحالات بالتسليم للأجرة، لكون الحق عنده، ونص أهل الفروع كما عرفتم أن أجرتهم من ذي الحق هذا وما أدري ما هو المستند معهم، وكذلك أجر الحكام أنفسهم، فإني لم أجد لهم مسوغًا في قبض الأجرة من الخصمين، بل ومن بيت المال إلا ما روي أن عائشة ﵂ قالت: " لما استخلف أبو بكر الصديق ﵁ قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت أمر المسلمين، وسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترف للمسلمين فيه ". أخرجه البخاري (٢).
وما رواه في الأحكام (٣) والشفاء (٤): " أن عليًا ﵁ كان يرزق شريحًا القاضي من بيت المال خمسمائة درهم "، وغير ذلك من الآثار غايته أنها أفعال الصحابة وقد عرفتم ما فيها، هذا وأما قبض الأجرة من الخصمين فلم أعثر على دليل فيه. وقد قال في الغيث (٥) أنه لم يكن في عهد رسول الله ﵌ ولا في عهد أحد من الصحابة؛ وروي المنع عن ابن عمر. وفي روضة النووي (٦) ما لفظه: فرع:
стр. 3576
الاستئجار على القضاء باطل. انتهى.
فعلى هذا يكون ما قبضه الحكام رشوة توجب العزل أم ماذا نقول؟ وحديث: " لعن الله الراشي والمرتشي " أخرجه عبد الرزاق (١)، وابن ماجه (٢) وأخرجه الطبراني (٣)، وأحمد (٤)، وأبو داود (٥)، والترمذي (٦)، وقال (٧): حسن صحيح. والحاكم (٨) والبيهقي (٩) عن ابن عمرو، وأخرجه أبو داود (١٠) عن ابن عمرو، وأبو سعيد النقاش في القضاء عن عائشة، وعبد الرزاق (١١) عن عبد العزيز بن مروان بلاغًا، وأخرجه أحمد (١٢)، والحاكم (١٣)، والترمذي (١٤)، وقال: حسن عن أبي هريرة، والطبراني (١٥) والنقاش عن أم سلمة بزيادة في الحكم. وعلى الجملة فهو حديث صحيح. ورواياته متعددة فأوصلوا الجواب كامل الأطراف محتويًا على ما فيه العدل والإنصاف، مع تبيين
стр. 3577
الدليل الذي يشفي الغليل - لا زلتم في حماية الله وكفايته ورعايته آمين - انتهى السؤال [١أ]؟.
стр. 3578
الجواب بمعونة الله وفضله: أما ما سأل عنه السائل - كثر الله فوائده - من جعل أجرة السجان وأعوان الحكام على من عليه الحق مع نص أهل الفروع على أنها من مال المصالح، أو من ذوي الحق، لا ممن عليه الحق. فأقول: اعلم أن الذي ينبغي اعتماده في هذا هو أن المسجون ومن احتاج إلى أعوان الحاكم لا يخلو إما أن يكون قد تقرر عليه حق للغير يجب عليه التخلص منه كالدين ونحوه، فامتنع مع تمكنه من ذلك بوجه من الوجوه، وعدم وجود عذر شرعي له كالإعسار الشرعي، فمن كان هكذا فما لزم للسجان والأعوان فهو عليه من ماله، ولا يحل أخذه من خصمه، ولا من مال المصالح، أما كونه لا يحل أخذه من خصمه فظاهر، لأنه مظلوم، وقد رفع مظلمته إلى شرع الله، فوجب على القاضي أن يوصله إلى ما طلبه من الحق، ويدفع عنه الظلم بإلزام خصمه الظالم له بتسليم ما ظلمه فيه، فإذا ألزمه بشيء من أجرة السجان والأعوان فقد ظلمه إلا أن يقتضي الحال، وتوجب الضرورة ذلك، كمن يطالب غريمًا له في القصاص وكان المقتص منه فقيرًا، ولم يكن في الوجود مال مصالح من خراج، ومعاملة، وجزية، وفضلة سهم سبيل الله، أو كان ولكنه بأيدي قوم يتغلبون عليه، وكان هذا المطلوب بالقصاص لا يمكن استيفاء ذلك منه إلا بإرسال الأعوان عليه، وحفظه في السجن، وكان الأعوان والسجان لا يفعلون ذلك إلا بأجرة، فهذا الطالب للقصاص قد صار لا يمكن من استيفاء ما أوجبه الله له إلا بتسليم ما يعتاد لأولئك من أجرة، وعلى القاضي أن يوضح له ذلك، ويقول له: إما رضيت لنفسك بهذا الذي لا يمكن الوصول إلى حقك إلا به أو تركت.
وأما كونه لا يحل أخذ أجرة السجان والأعوان من مال المصالح حيث كان ممن عليه الحق متمكنًا منه، ممتنعًا من تسليمه بعد الحكم عليه فلعدم الوجه المسوغ لذلك، فإن مصرف مال المصالح هو المصالح، وهذا الرجل الممتنع من تسليم ما عليه بعد حكم الشرع قد صار جانيًا على نفسه، ووجب علينا استخلاص الحق منه، والأخذ على يديه [١ب]، حتى يتخلص من الحق الذي عليه، ولما كان هذا الاستخلاص، ودفع
стр. 3579
الظلم، والحكم بالحق لا يمكن إلا بإرسال الأعوان (١)، وحفظه في السجن كان ذلك مما يتم الواجب إلا به فوجب علينا فعله، وحل لنا إلزامه (٢) بما يطلبه الأعوان والسجان من الأجرة على وجه العدل، فإنه ظالم. وقد سمى النبي ﵌ فعله ظلمًا فقال: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» كما ثبت في الصحيح (٣). والعقوبة لا تختص بنوع معين، بل يجوز لنا أن ننزل به ما يصدق عليه اسم العقوبة، وأحق العقوبات ما لا يمكن استخلاص الحق منه إلا به من الحبس، وأجرة السجان
стр. 3580
والأعوان، وهذا ظاهر، بل لو لم يرد هذا الحديث الصحيح لكان تسويغ ذلك معلومًا من قواعد الشريعة لما قدمنا من وجوب رفع المظلمة علينا، وأن ما لا يتم ذلك إلا به يجب كوجوبه، وإن من تمام ذلك ما يعتاده السجان والأعوان، ولولا ذلك ما فعلوا ما نأمرهم به. وهذا الظالم هو الذي تسبب بظلمه وامتناعه عن التخلص من الحق إلى ما يحتاج إلى غرامة مالية.
هذا إذا كان من عليه الحق على الصفة التي ذكرنا، أما لو كان فقيرًا قد تبين فقره فهذا لا يحل إرسال الأعوان عليه ولا سجنه، بل يجب الحيلولة بينه وبين المطالب له بنص القرآن الكريم: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ (١) فإن حبسه الحاكم، أو أرسل عليه كان ظالمًا، وكان واجبًا عليه أن يسلم أجرة من أرسله، وأجرة السجان من
стр. 3581
ماله. وأما إذا لم يكن قد تبين فقره وإعساره عن تسليم ما عليه، ولكنه يدعي ذلك وخصمه يخالفه وينكر، فإن كان حضوره إلى القاضي، ووقوفه مع خصمه لديه ممكنًا بدون إرسال الأعوان عليه فلا يحل الإرسال عليه، بل على الحاكم أن يطلب منه البرهان على دعواه، فإن جاء به أنظره إلى ميسرة، وإن عجز عنه أو جاء غريمه بما يفيد إيساره ألزمه بالتسليم، فإن امتنع مع ذلك كان الكلام فيه كالكلام في الموسر الذي امتنع من التخلص مما عليه، وقد تقدم.
وأما حبس الملتبس حاله فقد اختلف [٢أ] أهل العلم في ذلك، فسوغ بعضهم حبسه حتى يتضح الأمر. وقال آخرون: إنه لا يحل حبسه، بل يجب العمل على ما ينتهي إليه الحال. وعندي أن هذا محل نظر للحاكم، فإن ذلك يختلف باختلاف الناس، فمنهم من يكون في حبسه مصلحة تظهر عندها أنه ممكن من التخلص، وأن دعواه التي ادعاها لا حقيقة لها، ولا صحة، وأنه إنما فعل ذلك فرارًا من الحق، ومراوغة وبعدًا عن الإنصاف، ومنهم من يكون عرضه أعز عليه من ماله، وهم أهل التستر والحياء والمروءة، وكذلك أرباب الديانة الذين يغلب على الظن أنهم لا يدعون الإعسار إلا عند الضرورة، فمن كان من هؤلاء فلا يحل حبسه، ولا إنزال نوع من أنواع الهوان به، بل ينتظر ما يصح من أمره، وينتهي من حاله، ولا مسوغ لحبس ولا غيره؛ فإنه لم يتبين أنه واجد حتى يكون مطله ظلمًا يحل عرضه وعقوبته، ولا تهمة تحصل في بطلان دعواه كما يحصل في بطلان دعوى الأول، حتى يكون ذلك مسوغًا لحبسه. وقد حبس النبي ﵌ في التهمة (١). ولا فرق بين تهمة وتهمة، فإن قلت: إذا كان الحبس
стр. 3582
لمجرد تهمة، أو كان الأمر ملتبسًا على الحاكم وهو يرجو اتضاح الحق بعد طول الخصومة، وكان يخشى نفور أحد الخصمين فاستوثق منه بحبسه على من تكون أجرة السجان والأعوان.
قلت: يكون هاهنا من مال المصالح، فإن لم يكن مال مصالح، أو كان ولا يمكن الوصول إليه للحاكم أن يجعلها بعد اتضاح الحال على من كان متعديًا مخاصمًا في باطل، لأنه بسبب تفعله إلى لزوم ما لزم من الأجرة، وهكذا ينبغي أن يكون أجرة هؤلاء من مال المصالح إذا كان المسجون ممن يخشى على الناس من ضرره إذا أطلق كمن تكرر منه السرق، أو قطع الطريق، أو الأذية للمسلمين بنوع من الأنواع، وكان لا يندفع ضرره عنهم إلا بحفظه في السجن كمن كان ينزجر بإقامة الحد عليه، فإنه لا يحل حبسه بعد ذلك [٢ب] , وهكذا تكون أجرة السجان والأعوان من مال المصالح إذا كان الحبس لمسوغ شرعي نحو من يجب عليه القصاص، وفي الورثة قاصر أو غائب، وهو مسلم لنفسه غير ممتنع من استيفاء حكم الله منه، فإن لم يكن ثم مال مصالح، أو كان ولا يمكن الوصول إليه كان ذلك من المقتص.
وبالجملة فمن كان محبوسًا بحق عليه يجب عليه التخلص منه وهو متمكن من ذلك. وقد تقرر الحق عليه بحكم الشرع، فما لزم بسبب سجنه فعليه لا على غريمه، ولا على خصمه، ومن كان أمره ملتبسًا وكان حبسه سائغًا لوجه من الوجوه فما لزم فمن مال المصالح، فإذا لم يكن مال مصالح فللحاكم أن يجعله على من صح أن يخاصم في باطل، ومطالب بما لا يقتضيه الشرع عمدًا منه مع علمه، ومن كان محبوسًا لمصلحة راجعة إلى المسلمين، أو كان باذلاً لما عليه من الحق لكنه عرض ما يقتضي الانتظار كان ذلك من مال المصالح، فإن لم يكن فللحاكم أن يجعله من المسلمين إذا كان الحبس لمصلحتهم، أو ممن له الحق إذا كان الحبس لمصلحته.
стр. 3583
وأما ما سأل عنه - كثر الله فوائده - من أجرة الحكام المأخوذة من الخصمين، وذكر أنه لم يجد لذلك دليلاً.
فأقول: إن كان ما يأخذه الحكام من الخصوم إلى مقابل عمل يعملونه كرقم السجلات والسير إلى الأمكنة المتنازع فيها مما يحتاج إلى مشاهدة، كأسباب الشفعة، ونحو ذلك، وكان الحاكم لا جراية له من بيت المال يضيفها إلى مقابل أجرته، وكان ما يأخذه بمقدار عمله الذي عمله مع طيبة من نفس الخصوم، فهذا لا شك أنه حلال يسوغ قبضه. ولا فرق بينه وبين من يعمل مع الناس، ويحترف بنوع من أنواع الحرف من نجارة، أو خياطة، أو عمارة، أو نحو ذلك؛ فإن ما يأخذه هؤلاء حلال طلق، لأنه في مقابل عملهم. وقد أمر النبي ﵌ بإيفاء الأجير أجره، والحاكم على تلك الصفحة داخل في هذا العموم، لأنه أجير أخذ أجره بطيبة من نفس المؤجر [٣أ]، وطيبة النفس بمجردها محللة لمال الغير كما في حديث: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» (١)، وأما ما يعتبره كثير من أهل الفقه من اعتباره أمر زائد على طيبة النفس، كالإيجاب والقبول بألفاظ مخصوصة أو نحو ذلك فلا دليل عليه، وأما إذا كان ما يأخذه القاضي المذكور زائدًا على مقدار عمله، ولم تطب به النفس، أو كان له جراية من بيت المال فما يأخذه بسحت حرام (٢)، وأكل لمال الغير بالباطل، وقد قال الله : ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (٣) لا يقال إن ما يأخذه القاضي هو إلى مقابل الحكم، وهو واجب عليه، والأجرة على الواجب حرام، لأنا نقول: ليس ما يأخذه هاهنا أجرة عن الحكم، بل عن ما ذكرناه من رقم السجلات، والنظر في الأمكنة التي تتعلق بها الخصومات، وذلك غير ...................................
стр. 3584
واجب (١) عليه.
وأما ما سأل عنه من الجراية (٢) التي يأخذها القاضي من بيت المال، وأنه لم يجد لذلك مستندًا إلا ما ذكره، فاعلم أن أموال المصالح (٣) كالخراج، والجزية، والمعاملة، وسائر ما يصدق عليه اسم بيت المال لا شك ولا ريب أن مصرفه الذي ينبغي وضعه فيه هو
стр. 3585
ما كان فيه للمسلمين مصلحة، وأعظم مصالح المسلمين تشييد معالم الدين، والعمل فيهم بما شرعه الله لهم، فإن المصالح الدنيوية ليست بمنظور إليها لجنب المصالح الدينية، والمصالح الدينية بعضها أهم من بعض، وفيها ما هو مقدم على غيره، ولا تزال متفاضلة في ذات بينها حتى ينتهي الفضل إلى رأسها، بل وأساسها وأعلاها وأولاها، وهو نشر هذه الشريعة التي طلبها الله من عباده، وأرسل إليهم بها رسله، وخلق الجنة لمن عمل بها، والنار لمن تركها، وخلق عباده ليعبدوه ويبلوهم أيهم أحسن عملاً (١) كما نطق به كتابه العزيز. وإذا كانت هذه [٣ب] الخصلة هي المصلحة التي لا تدانيها مصلحة، ولا توازيها منفعة، فلا شك ولا ريب أن أعظم الناس قيامًا بها وتحملاً لها هو القاضي العادل؛ فإنه الذي يقطع الخصومات العارضة لعباد الله بما شرعه لهم في كتابه، وعلى لسان رسوله ﵌. وهكذا من يعلم الناس معالم دينهم من العلماء العاملين، وهذا من يفتيهم في أمر دينهم. فهؤلاء إذا لم يكونوا مصارف لأموال المصالح فلا مصارف لها، وإذا لم تحل لهم لم تحل لغيرهم. وقد كان الصحابة ﵃ يجمعون مال الله، ثم يفرقونه بين المسلمين، ويسمون ذلك العطاء، ويفاضلون بينهم بتفاضل درجاتهم في العلم والدين والسبق. هذا معلوم من فعلهم لا يشك فيه أحد. وكان للمشتغلين بالعلم منهم والمتصدرين لرواية سنة رسول الله، وتفسير كتاب الله، ومن يؤخذ عنه العلم منهم بنوع من أنواع الأخذ كالقاضي والمفتي وغيرهم النصيب الأوفر، والحظ الأكبر، بل قد كان رسول الله ﵌ يقسم بين المسلمين ما يوافيه من أموال الله كمال البحرين (٢) ونحو ذلك كما ثبت ذلك ثبوتًا لا شك
стр. 3586
فيه ولا ريب.
فإذا لم يكن لمن يقضي بين المسلمين بشرع الله في أموال الله حظ لم يكن لمن يغزو أو يرابط في ثغورهم، أو يدفع عن حوزتهم أو نحو ذلك حظ، وعند هذا تصير أموال الله التي أمر أئمة المسلمين وسلاطينهم بقبضها من أهلها ووضعها في مواضعها ضائعة متروكة هملاً، فتذهب ثغور المسلمين ويبطل الغزو، وينهدم ربوع الشرع، ويذهب رونقه، وتتغير بهجته، ويصير الناس في فتنة عمياء صماء، وينخرم النظام، وتنقطع السبل، ويأكل القوي الضعيف، وتنتهك الحرم وتراق الدماء، وتنهب الأموال؛ فإنها إنما انتظمت المعائش، وقامت الأديان، وحفظت الحرم بصرف هذه الأموال في هذه المصارف العائدة على المسلمين بمصالح الدين والدنيا؛ فإن الناس أنواع، فمنهم من يشتغل بالزرائع [٤أ]، ومنهم من يقوم بالتجارة ونحوها من الحرف، ومنهم من يسعى في تحصيل الأمور التي تحتاج إليها في المعاش، ومنهم من يحفظ للناس دينهم ويعلمهم معالم الإسلام، ومنهم من يجاهد الأعداء ويكف يد القوي عن الضعيف، وينتصف المظلوم من الظالم، وتؤمن السبل، تقيم الحدود وهم الأئمة ومن معهم من الجنود، فإذا لم تؤخذ أموال الله من مواضعها وتصرف في مصارفها لم يبق من يحفظ على الناس دينهم، ولا من ينتظم به أمر معاشهم، لأن الجنود المتطوعة الذين لا يرتزقون لا يوجدون إلا في أندر الأزمنة، وأقل الأحوال، وكذلك القائمون بالوظائف الدينية من القضاء والإفتاء
стр. 3587
والتعليم، فليس في ذلك من النفع والدفع ما يكون عند إدرار أموال الله على مصارفها، فلا يزال في ضعف وسقوط وانطماس حتى ينتهي الحال إلى خراب أحوال الدنيا مع أحوال الدين، فلا يأمن الزارع على نفسه، ولا على ماله، ولا التاجر على تجارته، ولا المحترف على حرفته، فيذهب الدين والدنيا، والعاجل والآجل، ويعم الضرر جميع العباد، ويكثر في الأرض الفساد.
ومن رام أن يحيط بهذا علمًا، ويقتله خبرًا، ويعلمه علمًا لا يداخله شك ولا شبهة، فلينظر ما يقع فيه عباد الله عند اضطراب الدول من الهرج والمرج، وهتك الحرم، وذهاب معالم الدين، وضياع الشرع، وتقاصر ظله، وتقلص أطرافه.
ومن نظر في التواريخ المتضمنة لشرح أحوال الدول علم علمًا يقينًا أنه لا انتظام للدين ولا للدنيا إلا بوضع حقوق الله في مواضعها، مع أخذها على الوجه الذي جاء به الشرع.
وبالجملة فلا نطيل المقال في هذا فهو من الوضوح بمكان، وليس المراد إلا بيان أن القاضي والمفتي والمعلم هم أحق الناس بوضع أموال الله فيهم [٤ب]، وإدرارها عليهم. وقد ثبت أن النبي ﵌ كان يفرض الأرزاق لمن يستعمله كما في حديث بريدة مرفوعًا بلفظ: «أيما عامل استعملناه، وفرضنا له رزقًا فما أصاب بعد رزقه فهو غلول» (١)، ونحو هذا مما ورد في فرض أرزاق أهل الأعمال. وقد كان يستعمل على القضاء كما يستعمل على غيره من الأعمال، وكان عماله يأكلون من أموال الله، وكذلك الخلفاء الراشدون كانوا يفرضون لأنفسهم (٢)، ولمن يلي لهم
стр. 3588
الأعمال أرزاقًا من أموال الله، وهذا معلوم عنهم لا يختلف أهل العلم فيه، وهم الذين يقول فيهم الصادق المصدوق: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين " كما في الحديث الصحيح (١).
فإن قلت: ما هو القدر (٢) الذي يحل للقاضي من أموال الله؟
قلت: هو رزقه الذي يكفيه ويكفي من يعول - والكفاية هي الكفاية بالمعروف،
стр. 3589
فلا ينفق على نفسه إنفاق أهل الإسراف، ولا إنفاق أهل التقتير، بل يقتدي بعادة أمثاله من أهل بلده الذين يسلكون مسالك التوسط، ويمشون مشي من لا يبسط يده كل البسط، ولا يقبضها كل القبض. وفي قصة الصديق ﵁ قدوة وأسوة، فإنه قال لما استخلف: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، وسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين فيه) (١) هكذا في البخاري (٢) فانظر ما في هذا الكلام الصادر عن الصديق ﵀ من الفوائد التي ينبغي لمن يعمل عملاً للمسلمين أن يقتدي بها، ويمشي على سننها فإنه قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، فقدم هذه المقدمة أمام المقصد الذي يريده ليعلم الصحابة أنه لا يأخذ من بيت مالهم لنفسه شيئًا يستأثر به دونهم، لكونه قد صار إمامًا لهم، مالكًا لأمرهم، بل الذي يأخذه هو أجرة [٥أ] عوضًا عن عمله الذي كان يعمله ليعود به على أهله وهي الحرفة التي كان يرتزق بها هو وأهله. وقد كانت تقوم بكفايته ولا يعجز عنه حتى يحتاج إلى غيرها، وهو الآن قد صار مشتغلاً بالاحتراف للمسلمين في أمورهم العامة أو الخاصة، وغير ممكن من العمل في حرفته الأصلية، فهو لا يطلب منهم إلا ما كان يحصله من حرفته الخاصة به، وهو الكفاية والكفاف على وجه يكون الحاصل له من بيت مال المسلمين في كل يوم ما كان يحصل له من حرفته في كل يوم، ولم يجعل لنفسه فرقًا بين حاله وهو سوقة، وحاله وهو ملك، ولا بين كونه كان يدور في الأسواق كأحد المسلمين، وبين كونه صار أمير المؤمنين فلله در هذا الورع
стр. 3590
الشحيح، والصلابة الشديدة، والدين القوي! فهكذا ينبغي أن يكون ولاة أمور المسلمين من القضاة، وأهل الأعمال، فإن كل ولاية وإن جلت وعظم شأنها وهي دون الولاية العامة والزعامة التي لا تكون فوق يد صاحبها يد. وينبغي للإمام العادل أن ينظر إلى من يوليه الأعمال في نفسه ومؤنة أهله، فيجعل لهم ما يقوم به على وجه لا يحتاج معه إلى أن يرفع رأسه إلى رزق من جهة أخرى يقضون رزقه الذي يجعله له إمامه عن مؤنة نفسه وأهله، ولا يجعل له من أموال الله ما يجاوز كفايته التي يحتاجها، فإن غيره من المسلمين أحوج بها، ومصارف أموال الله على ظهر البسيطة فإن موت الأموال (١) وإن بلغت في الكثرة كل مبلغ لا تفضل عن أرزاق من يستحقها بل يفضلون عنها، ولولا ذلك ما كان في كل عصر من العصور فقراء عالة الناس يسألونهم [٥ب] ويحتاجون إلى ما في أيديهم.
فإن قلت: قد كان لجماعة من الصحابة والتابعين الأموال التي يطول ذيلها، ويتعاظم قدرها حتى اتسعوا في عمارة الدور الأنيقة، والدواب الفارهة، والمماليك الدوقة (٢)، والملابس الفاخرة، والضياع المشتبكة، والأنهار المطردة، والذخائر الكثيرة حتى مات الواحد منهم عن مئين الألوف وألوف الألوف مما تركه لمن يرثه بعد أن عاش مرفهًا موسعًا على نفسه وأهله، يعطي العطايا الواسعة، ويبذل البذولات الرابعة لمن يقصده من الفقراء والشعراء وأهل الكمالات، وأرباب الغرامات.
قلت: صحيح ما ذكرته وغير مستنكر ولا مستعظم ذلك عليهم، فقد كان لهم من الغنائم التي عادت بها عليهم سيوفهم ما لا يقادر قدره، ولا يمكن التعبير عنه، وتضيق الأذهان عن تصوره، فإن الله - سبحانه - مكنهم من الممالك العظيمة كمملكة كسرى
стр. 3591
وقيصر، فما تركوه وهو قليل بالنسبة إلى ما أعطاهم الله ذلك شيء خارج عما نحن بصدده من كفاية الإمام لمن يقوم بأمر من أمور المسلمين.
فإن قلت: إذا كان للرجل القائم بعمل من أعمال المسلمين أعوان ينفذون له ما يريده من الأمر والنهي، غير أهله ومن يعول ولا يتم له ما يؤيده من القيام بالحق إلا بهم نحو من يحتاج إليه للأخذ على يد الظالم والنصفة للمظلوم، واستخلاص الحق ممن هو عليه لمن حوله، ومن يحتاجه لتحرير السجلات، وتقرير الخصومات، وحفظ ما يكون لديه من الأحكام، ومن يحجبه عن الناس في الأوقات التي يخلو فيها بنفسه وأهله لحوائجه الخاصة [٦أ] التي يسوغ له الشرع الاحتجاب لها، ولا سيما إذا كان انفراده بنفسه، لتدبير الأمور المتعلقة به، والبحث عن أدلة المسائل التي تعرض له، والنظر في دفاتر العلم المدونة، وفي مجاميع السنة، وكتب التفسير؛ فإن ذلك من أهم الأمور، بل من أوجب ما يجب عليه، فقد يعرض له في اليوم الواحد من المسائل العويصة الدقيقة ما يحتاج إلى أوقات كثيرة يستغرقها في البحث والنظر حتى يظفر فيها بالصواب، ويجتهد رأيه فيما لا تتضح قرينة دلالته، أو معارض مآخذه.
قلت: يجب على الإمام أن يعرض لهؤلاء جميعًا من الأرزاق ما يغنيهم عن التكالب على أموال الناس، والتهافت على الحطام، والتلاعب بأهل الخصومات، فإن كفاية هؤلاء الوزعة والحجبة والكتبة من أهم الأمور التي تلزم أئمة المسلمين، فيجعل لهم أرزاقًا تقوم بهم، أو يوفر على القاضي ونحوه رزقه توفيرًا تقوم به وبأهله ووزعته وحجبته وكتبته، فإن تقاصرت أموال الله عن القيام بما يحتاج إليه هؤلاء كان على القاضي أن يفرض لهم من الأجرة على من يستحق الفرض عليه من أهل الخصومات بقدر أعمالهم على التفصيل الذي قدمنا تحريره.
فإن قلت: فما تقول فيما نقله السائل - كثر الله فوائده - عن روضة النووي (١) أن
стр. 3592
الاستئجار على القضاء باطل (١).
قلت: إن أراد بذلك استئجار القاضي على الحكم من الخصم الذي يستحق الحكم له، فلا شك في بطلان هذا، لأنه نوع من الرشوة المحرمة بالإجماع، وإن أراد أنه لا يجوز للقاضي أن يأخذ أجرة على القضاء من أموال الله، فهو باطل بإجماع المسلمين، وبما قدمناه من الأدلة، وإن أراد أنه لا يأخذ ما يأخذه [٦ب] من أموال الله على نفس الحكم، بل يأخذه على ما يزاوله من مقدمات الحكم كالنظر في الشهادة، والإقرار، وقرائن الأحوال، فذلك مبني على تحريم أخذ الأجرة على الأمور الواجبة، وفيه عندي إشكال لا يتسع له المقام لطول ذيله، وتشعب أطرافه. وليس في ذلك دليل يدل على تحريمه إلا ما روي من حديث (٢) أبي في القوس الذي أهداه إليه بعض أهل الصفة، وكان يتعلم عليه القرآن، وفي الحديث ضعف، وفي وجه دلالته إشكال، وهو معارض بما هو أرجح منه (٣)، مع كونه أخص من الدعوى على أن تلك المقدمات التي سوغ القائل بالمنع
стр. 3593
من الأجرة على الحكم أخذ الأجرة عليها هي مما لا يتم الواجب إلا به فهي من مقدمة الواجب، وحكمها حكمه كما تقرر في الأصول (١)، فيعود الإشكال على من سوغ أخذ الأجرة عليها، ويقال له مقدمة الواجب (٢) كالواجب، لا فرق بينهما.
وبالجملة فنحن لا نقول إن القاضي يأخذ من أموال الله على نفس الحكم، ولا على مقدماته، بل نقول يأخذ من بيت المال ما يقوم بكفايته وكفاية من يمون، لأنه قد شغل بهذه الأعمال التي هي في مصالح المسلمين ومنافعهم عن التكسب لنفسه ولأهله، والسعي فيما يقوم بمعاشه، ويغنيه عن تكفف الناس كما كان من الصديق ﵁ مما سمعته قريبًا، فاشدد يديك على هذا، واحرص عليه، ودع عنك ما يقوله المشتغلون بعلم الرأي من كون هذه أجرة على واجب، هذه أجرة على حرام، ونحو ذلك من العبارات، فإن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة (٣)، والمؤمنون وقافون عند الشبهات، [٧أ] فما يأخذه أهل الأعمال كالقاضي من ثبوت الأموال قد ثبت
стр. 3594
بالشرع، وصح عن الرسول ﵌، وعن الخلفاء الراشدين، ولم يسمع عن أحدهم أنه قال في أعمال القاضي أو الوالي ما هو واجب عليه، فلا يحل له أن يأخذ عليه أجرًا، بل قالوا إنه قد شغل عن أعماله الخاصة بنفسه وأهله في تحصيل رزقهم، والاحتراف لهم بالأعمال العامة لمصالح المسلمين، وكان رزقه ورزق أهله، ومن يعول من بيت مال المسلمين، فنحن نقول كما قالوا، ونعمل على ما عملوا عليه، ونفتي بما أفتوا به، ولا نجاوز ذلك إلى تلك التفاصيل التي جاء بها أهل الرأي، فقد أغنتنا الرواية عن الرأي، والدليل عن الدراية. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (١).
فإن قلت: فما تقول فيما يأخذه القاضي (٢) ونحوه من الرزق الذي يعرضه له الإمام أو السلطان من بيت المال إذا كان بيت المال قد اختلط فيه المعروف بالإنكار، والحق بالباطل، والعدل بالجور؟.
قلت: إن كان يقنعك الجواب بما قاله أهل العلم المتكلمين على هذه المسألة ونحوها من المسائل فاعلم أن في كلامهم ما يغنيك عن هذا السؤال، لأن هذا المال غاية ما فيه أن بعضه مأخوذ على وجه العدل، وبعضه مأخوذ على وجه الجور، وما أخذ على وجه الجور إن كان متميزًا معلومًا وصاحبه معروفًا لا يلتبس بغيره كان على صاحب العمل القابض رزقه من ذلك أن يرده على صاحبه إن كان ما قبضه هو عين مظلمة ذلك الرجل [٧ب]؛ فالحلال بين والحرام بين، وإن كان ما يدفعه السلطان إليه قد اختلط
стр. 3595
على وجه لا يتميز، بل كان بعضه من أموال الله مأخوذ على وجه العدل، وبعضه مظلمة ملتبسة، فمصارف المظالم الملتبسة على كلامهم معروف، وهذا القاضي ونحوه منهم، وإن كان لا يقنعك الجواب بما قاله أهل العلم، فاعلم أن ما يأخذه القاضي ونحوه هو عوض ما تركه من الاحتراف على نفسه، ومن يمول بالاحتراف على ما هو مصلحة عامة من مصالح المسلمين، فما دفعه إليه السلطان أخذه.
وقد صح عن النبي ﵌ كما ثبت في الصحيح أنه قال: «ما جاءك من هذا المال - وأنت غير مستشرف، ولا سائل - فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك» (١). فيأخذ ما دفع إليه إن كان لا يعلم فيه بشيء يحرم عليه، فإن علم فيه
стр. 3596
بشيء يحرم عليه وجب عليه أن يرده لصاحبه إن كان معينًا معلومًا، فإن كان ملتبسًا فالمفروض أن هذا المتولي للقضاء ونحوه مجتهد متمكن من النظر لنفسه فيما يعرض له من الأمور الخاصة من النظر فيما يعرض له من الأمور العامة، فعليه أن ينظر في هذا المال المتصف بتلك الصفة نظرًا يلقي به الجواب بين يدي الله ويعمل على ذلك فيصرفه فيما يوجبه ذلك النظر ويقتضيه وجه الشرع، ومر الحق، ويعمل لنفسه كما يعمله بين الخصوم، فيجعل الخصومة بينه وبين نفسه، والحاكم كتاب الله وسنة رسوله ﵌.
وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، وحسبي الله ونعم الوكيل [٨أ].
стр. 3597
(١٤٣) ١٤/ ٣
إرشاد السائل إلى دلائل المسائل
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه
محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن
стр. 3598
وصف المخطوط: الأسئلة:
١ - عنوان الرسالة: " هذا السؤال ورد إلي من بلاد أبي عريش وأجيب بما سيأتي ".
٢ - موضوع الرسالة: " أسئلة فقهية ".
٣ - أول المخطوط: " بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد: فهذه أسئلة موجهة إلى من يؤمل عنده بيانها للمسترشدين
٤ - آخر المخطوط: تمت السؤالات بحمد الله الموفق لمن أراد من عبادة من الكمالات والتفضل على عبده بما شاء من الطاعات مع الاستعمالات بمنه وكرمه آمين آمين آمين.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ٨ صفحات.
٧ - عدد الأسطر: ٢٣ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ - ١١ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3599
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد:
فهذه أسئلة موجهة إلى من يؤمل عنده بيانها للمسترشدين، معولاً معتمدًا في فتواه على الكتاب والسنة، غير مقلد لمن يقدمه من الأئمة.
السؤال الأول: هل يجوز للحاكم متولي القضاء فصل الأقضية بين المسلمين أن يحكم بين الغريمين بما يعرفه من كتب أهل مذهبه، وسماعه على أستاذه، مع عدم تمكنه من الدليل عند ورود الحادثة عند من يقول بعدم صحة قضاء المقلد، لأنه إن ترك الغريمين حتى يبحث عن الدليل أدى إلى المخالفة والمشاققة، وإثارة الفتنة، فهل الراجح الترك؟ وإن وقعت الفتنة هلا يظهر من هذا الحديث جواز التقليد «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (١) فقد تدينا إلى الأخذ بأقوال الصحابة، وهو عين التقليد. الفائدة مطلوبة.
السؤال الثاني: عن حال الأعراب سكان البادية الذي ليس معهم من أمور الشريعة إلا التكلم بالشهادتين، وإن وجدنا منهم الفرد يصلي، فهي صلاة ناقصة لا وضوء لها مستكمل، ولا أركان، ومنهم من يصوم وإن حج الشاذ فهو مقلد لأهل الحضر لا
стр. 3600
حقيقة عنده بأن الحج من فرائض الله المكتوبة عليه بشرطه الاستطاعة، والتخلص من كل حق، وهم أهل منعة في بلدهم. هل يجوز للمسلمين غزوهم إلى دورهم، وقتلهم ونهب أموالهم؟ وقد ورد في الحديث (١) «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ومتى قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» فإن يقال يجب على أهل الحضر تعليمهم أركان الإسلام بعد معرفتهم الشهادتين، والتكلم بهما، ومتى تمردوا عن قبول التعليم جاز غزوهم. نقول: علمنا يقينًا من هؤلاء عدم قبول التعليم مع المخالطة لهم، وهم لا يجحدون الواجبات إذا عرفناهم بما جهلوه، إنما يغلب عليهم إبليس [١] بل لا يصبرون نفوسهم على مخالفته، فهل يجوز مع هذا قتلهم ونهب أموالهم؟ وهل دارهم دار حرب؟ مباح كل ما فيها، وإن لم يحاربونا الفائدة مطلوبة. فلأهل المذاهب أقوال مختلفة، والرجوع إلى الكتاب والسنة هو الأكمل الأتم.
السؤال الثالث: عن الأحاديث المصرحة بنجاة أهل البيت عن طرف على طرف على الإطلاق، وأن عصاتهم لا يعاقبون بالنار مع عصاة الأمة تكريمًا للمصطفى - صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه الخلفاء الراشدين -، وقد ورد في القرآن العظيم بالوعيد على التعميم من ذلك قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (٣) إلى قوله: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا﴾ (٤)، وفي آية أخرى: ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ (٥)
стр. 3601
، وفي الحديث: «إذا مشى الرجل إلى الرجل فقتله فالقاتل في النار، والمقتول في الجنة» (١)، وكم نعد من الآيات والأحاديث! ومما ورد في نجاتهم ما أخرجه الحاكم (٢) عن أنس قال: قال رسول الله ﵌: «وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ ألا يعذبهم»، وما أخرجه ابن سعد عن عمران بن الحصين قال: «سألت ربي أن لا يدخل النار أحدًا من أهل بيتي فأعطاني ذلك» (٣)، وأخرج الطبراني (٤) ..................................................
стр. 3602
والدارقطني (١) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار»، وغير ذلك تركناها اختصارًا، فإذا صح الحديث هذا كيف العمل بآيات الوعيد العامة للمرسل إليهم؟ هل هذه الآيات تخصصهم من بين الأمة؟ [٢] وقد قال ﵌ «لما نزلت الآية
стр. 3603
الكريمة: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (١) دعا بأعلى صوته: " يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا» (٢) فإذا صح حديث النجاة على الإطلاق، وأن الذرية لهم أخصية عن الأمة بكون ذنوبهم مغفورة، سواء كانت الذنوب عن حق الله أو لعباده أوضحوا ما تطمئن به النفس بصرف آيات الوعيد عن الظواهر، وإذا قال قائل: إن الأحاديث واردة فيمن دخل تحت الكساء من أولاد فاطمة (٣) فلفظ الحديث مشعر بعموم الذرية، وإن يقال: إنهم يختم لهم في آخر أعمارهم، يقال له فشاهد الكثير منهم يموت إما بالقتل أو فجأة أو قبل أن يتخلص من حقوق الآدمي، فأشكل علينا الأمر على فرض صحة الحديث، فاستمدينا ما يزيح الإشكال ويريح البال.
السؤال الرابع عن حال أهل مدينة جمعهم وجماعتهم واحدة إلا أن اعتقاداتهم متباينة في أمور أهمها وأولاها بالبحث والاسترشاد اختلافهم في شأن الخلافة بعد المصطفى - صلوات الله عليه وعلى آله الحنفاء - فطائفة تقول: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب هو الأحق بمقام الخلافة بعد نبينا المبعوث رحمة للعالمين، وأن من تقدمه من الثلاثة الخلفاء مخالف للصواب، إلا [أن] (٤) لهم شيئًا من التفائض ملاحظة لسوابقهم بين يدي معلم الشريعة من بذل أنفسهم وأموالهم، ولهم أدلة ناهضة في معتقدهم، والطائفة الثانية تقدم
стр. 3604
الثلاثة مطابقة للواقع لا عن نص قاطع، وحملوا الصحابة على السلامة حتى أداهم حملهم على سلامتهم من الخطأ، وهم لا يثبتون لهم عصمة إن أدخلوا معاوية ومن شايعه في مسمى الصحابة المترضى عنهم. ومع ما قد ورد في صحيح الخبر أن رئيس الفئة الباغية قتلة عمار بن ياسر (١)، وقد حارب عليًا وعاداه القائل في حقه الصادق [٣] المصدوق بمشهد من الصحابة، وخشي الجفاء بعد ترحم: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله " (٢) وهذه الأخواض وإن كنا غير متعبدين بها إلا أنه يتحصل منها موالات من يجب موالاته، ومعاداة من يجب علينا معاداته، والموالاة والمعاداة لها أصل في الشريعة، فإن الترضية عن الباغي موالاة، وشتمه معاداة. قال تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ (٣) إلى آخر الآية، فإذا كان هذا حال أهل البلد في المخالفة وتخطئة كل للآخر، هل أحدهما يصيب والآخر يخطئ؟ أم يصيبان؟ أم يخطئان؟ وكيف حال صلاة أحد هؤلاء بعد الآخر على ما يعتقده من خطئه في هذه العقيدة؟ وإن أتى بصلاته كاملة الشروط على مذهبه، وهل يصوغ أن يترك من أراد الحضور معهم لجمعة أو جماعة، أم كيف يكون الحال معهم؟ بينوا الطريقة المنجية لجايئها بحسب ما عرفتم.
السؤال الخامس عن الاجتماعات في المساجد للدرس على الميت والتعزية ثلاثة أيام، ويقع من الإنشاد ما صار حكم اللازم، ثم البيوت لقراءة المواليد ليلة سابع
стр. 3605
المولود وختانه، وغير ذلك. وفي شهر رجب ونحوه أمور ما ورد عن الشارع فعلها إلا أنه إذا دعاك جارك أو قريبك إلى الحضور ولم تحضر تكدر خاطره، وإذا لم تحضر معه في المسجد للعزاء تعبت نفسه أعظم، وربما ينسبك إلى التكبر، وإن حضرت معه طابت نفسه، فهل يسوغ الحضور طلبًا لحسن المخالقة التي لها أصل في الشريعة، وجبر خواطر مكسورة من فراق الأحبة؟ أم تقول هذه مبتدعات لا يلاحظ بها مخالفة ولا معاشرة؟ وهل هذه البدعة تخرجهم عن وصيفة تسميتهم بالمؤمنين، أم تقول صاروا أهل بدع لا تصوغ مخالطتهم ولا حضور جماعتهم، ويجب الإنكار لمن أمكنه ذلك؟.
السؤال السادس عن الحلف برأس أبيه، أو بولي من الأولياء أو بالسلطان، وهو غير قاصد بالمحلوف به المشاركة في عظمة الله - تعالى جلاله - بل صارت عادة [٤] لأهل البلد في محاوراتهم، وربما يقصد المميز منهم تنزيه الله - تعالى - أن يحلف به، ويحنث، وإذا حنث عند الحلف بأبيه أو بولي خف عليه الأمر.
السؤال السابع عن تبقية شعر الرأس، هل هو مسنون إذا علم عن نفسه التقصي على تخليله بالماء عند وجوب الغسل، أم يجب عليه إزالته حذرًا من عدم الإتيان بالواجب، وهو تخليله بالماء؟ على أنه كان في عصر معلم الشريعة - صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين - وفي خير القرون بعده جل أهله لهم لمم من الشعر، ولم يرد الإنكار عليهم، أو تقول: تركه في هذا الزمن من باب: دع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس.
السؤال الثامن عن أمر يتعلق بأمور متعلقة بالمال، وذلك عن أرض فيها أثار ملك متقادمة، وقد صارت بعيدة عن الحي مغمورة بالأشجار، بل قد صارت مأوى للقطاع، ولم يعرف لها مالك محقق، إنما بعض أفراد من الناس بأيديهم مرقومات قديمات قاضية بأن لأوائلهم أملاكًا في هذه المحلات ملتبسة بغيرها، لا يمكن تمييزها، فهل يصوغ لآحاد المسلمين إن استطاع البسوط على بعضها أو كلها، ويبقي أشجارها ويجعلها مزرعة، وتكون من أملاكه، أم تقول ليس له ذلك، إنما تبقى على نظر ذي الولاية يقسطها في طرق المصالح، أو كيف يكون الحال فيها، فإنها إذا بقت على حالها لا نفع فيها لأحد
стр. 3606
من المسلمين، بل تكون مأوى للمتخربين، وقد لا يستطيع على الإقامة بها، وبتخريج أشجارها إلا ذو شوكة كسلطان البلد، فإنه ربما يعمرها للسكنى، ويتحول مكان المخافة أمنًا؟ ومع العناية بالحرث والزرع يعيش بها الناس والمواشي مما هذا حاله من الأرض، فهل يكون فيه حقًا لغير الباسط المغالي كذلك من جهل مالكه أو علم وجهل محل ملكه على السواء، أم بينهما فارق بينوا وأفيدوا؟.
السؤال التاسع عن المال الذي تأخذه الولاة من الرعايا مثل الزكوات، [٥] والتأديب بالمال عند حصول قتل أو نحوه، هل يصوغ له ذلك؟ وهؤلاء الرعايا لا يتخلصون من الواجبات من نفوسهم إلا غلبت عليهم العامية، وأكثرهم لا يقوم بحقوق الله تعالى من صلاة وصيام، فضلاً عن تأدية زكاة شرعية في مصارفها، فما يكون حال هذا الذي يقبضه منهم السلطان، هل هو صائغ في حقه، أم نقول لا حق عليهم في أموالهم، وإن كانوا عصاة؟ وهل يجوز للسلطان إذا قلتم له أخذ هذا المال منهم أن يدفعه إلى من يخشى ضرره على البلد يألفهم بذلك، أم ليس له إلا صرفه في مستحق الزكاة في مصارفها ومال التأديب في المصارف؟ نعم وما هو الذي يجب في المال بعد الزكاة؟ والذي يجوز تناوله منه؟ وما هو الذي يستباح عنده الدم والمال إذا ارتكبه من يستحق ذلك؟ فإن القتل لا يكون إلا لكافر حربي، أو مرتد، أو عن قصاص، أو زان محصن؛ فالمال ليس فيه حق غير الزكاة، فالعالم بنيان الله، والله يغضب إذا هدم بنيانه من غير حق، وليس المراد إلا بيان ما جهلناه، والله يعلم أن المراد الاستفادة وتنقيح المراد من كتاب أو سنة، ومن هداه الله إلى العمل بهما فهو السعيد في الأزل.
كذلك وقع من أفعال المسلمين ما لم يقع في عصر الرسول - صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين - ولا في وقت الخلفاء من بعده من عمارة المنائر والصوامع في المساجد في حرم الله، وحرم رسوله، وفي غيرهما من المدن، واختصاص كل أهل مذهب من المذاهب بمحل يصلون فيه، ثم التعلية في البيوت فوق الحاجة إلا أنه لا ضرر في ذلك
стр. 3607
على مسلم، فهل المبتدع لا يجب إنكاره إلا مع حصول المصادرة فيه أم يقولون كل مبتدع تجب إزالته لمخالفته أفعال الرسول؟ ولا تقع بدعة مستحسنة في الدين، فإن أكثر الموجودات المشاهدات ما فعلها الرسول، ولا أمر بها إنما استحسنها المسلمون.
وقد ورد: ما " رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن " (١)، والله أعلم بصحة هذا.
وقد [٦] جرى على هذا العلماء في كل عصر من مدة حدوث المقامات بالحرم الشريف إلى وقتنا هذا ما أنكرها عالم، ولا أقام عليها دليلاً، بل قصارى ما نقوله بدعة مستحسنة لا يجب الإنكار على فاعلها، فالفائدة مطلوبة عن جميع ما حررناه، وسألنا لإزاحة ما في النفس من اللبس عند كثرة الواردات التي ما تلقيناها من محقق منصف لا غرض له فيما يرويه.
والمقصود - والله - الاطلاع على ما يكون هو الحق - إن شاء الله تعالى - ثم البحث أيضًا عن أفعال العباد الصادرة من الفعل القبيح، وارتكاب المحرمات التي يغضب الله لها، ويعاقب عليها، هل هي بمقدورات الله التي لا يستطيع العبد مدافعة نفسه عند
стр. 3608
إتيانها، أم هي باختيار ورغبة منه؟ وإنما العلم لله سابق بأن العبد يفعلها. وفي الحديث: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (١).
فمن الميسر له على فعل الطاعة والمعصية، فهذه المسائل هي - والله - لمراد الفائدة، والأعمال بالنيات. ثم ما هو المعتمد لديكم بالدليل الصحيح في استعمال شجرة التنباك التي عمت به البلوى في جميع البلدان؟ فالأشجار أصلها الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه، ولم يرد عن الشارع تحريم استعمال شجر بعينه إلا أنكر قياسًا على الخمر، أو قوله: «كل مسكر حرام» (٢) إذا ورد لفظ الحديث هكذا أو بالمعين.
والتتن هذا لم يكن من المسكرات، ولا بأس بأنه مستقذر عند العلماء والمتعلمين، وقد يشغل عن المحافظة على توقيت الصلوات المفروضة، وإذا قيل إنه يغير رائحة الفم فيشغل المصلين في الجماعة. نقول: إذا كانت على التحريم هذا على فرض القول بحرمة استعماله قد يستعمل شاربه ما يذهب خبث رائحته من الفم فتزول العلة، وإنما المطلوب الدليل على حرمته لعينه، أو بقائه على أصل الإباحة، فإن يوجد الدليل الواضح على التحريم فبها ونعمت، وإن هو مستنبط من [٧] أدلة فذاك، إنما حيث كان حدوثه في بعد من البعثة، وأوقات الصحابة والتابعين، وما بقي إلا فجعل دليله من طريق القياس الذي لا يحتج إليه من عمله على صرائح الآيات والسنة، وإذا جعلنا العلة في تحريمه إشغال شاربه عن التوقيت فغيره مثله من الأمور الملهية التي أصلها الإجابة، والفائدة مطلوبة - لا
стр. 3609
برحتم في مقام الإفادة -، كذلك التوسل بالأنبياء والأولياء وكل من له درجة رفيعة، هل هو جائز ولا ينكره أحد من العلماء، أم مكروه، أم هو خلاف الأولى؟ بينوا لنا ذلك بالأدلة الصحيحة - جزيتم خيرًا -، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
تمت السؤالات بحمد الله الموفق لمن أراد من عباده من الكمالات، والمتفضل على عبده بما شاء من الطاعات مع الاستعمالات بمنه وكرمه آمين آمين آمين.
стр. 3610
وصف المخطوط: الأجوبة:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " إرشاد السائل إلى دلائل المسائل ".
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل
٤ - آخر الرسالة: جواب هذه الأسئلة على انفراده على كراريس، فما الظن بجميعها، والحمد لله أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
فرغ من تحريره المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في ليلة الأحد لعلها ليلة العشرين من محرم سنة ١٢١٧.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: ٢٢ ما عدا صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٩ سطرًا ما عدا الصفحة الأخيرة ففيها ٦ أسطر.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات.
٩ - الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.