معتمد، ولا إجماع يحتج به على خلاف في ذلك، فحديث معاذ (١) وإن كان فيه مقال لبعض أهل العلم فطرقه قد كثرت جدًا، وبعضها حسن لذاته، ومجموعهما ينتهض للاحتجاج به.
وقد جمعت في ذلك بحثًا واستوفيت فيه جميع طرقه فالواجب على الحاكم أن ينظر في نصوص الكتاب والسنة، فإن وجد ذلك فيهما قدمه على غيره، فإن لم يجده أخذ بالظواهر منهما، وما يستفاد بمنطوقهما ومفهومهما، فإن لم يجد نظر في أفعال النبي ﵌ ثم في تقريراته لبعض أمته ثم في الإجماع إن كان يقول بحجيته، ثم في القياس على ما يقتضيه اجتهاده.
وإذا أعوزه ذلك تمسك بالبراءة الأصلية، وعليه عند التعارض بين الأدلة أن يقدم طريق الجمع على وجه مقبول، فإن أعوزه ذلك رجع إلى المرجحات المذكورة في كتب الأصول بعد أن يصح له أن ذلك المرجح مرجح.
وقد ذكرت نحوًا من هذا في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، وذكرت قول من قال إن النصوص لا تفي بالحوادث، وتعقبت ذلك بما فيه [ ....
.] (٢) وعندي أن من استكثر من تتبع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وجعل ذلك دأبه، ووجه إليه همته، واستعان بالله واستمد منه التوفيق، وكان معظم همه، ومرمى قصده الوقوف على الحق، والعثور على الصواب من دون تعصب لمذهب من المذاهب وجد فيهما ما يطلبه فإنهما الكثير الطيب، والبحر الذي لا ينزف، والنهر الذي يشرب منه كل وارد عليه، والمعتصم الذي يأوي إليه كل واحد فاشدد يديك على هذا فإنك إن قبلته بصدر منشرح، وقلب موفق، وعقل قد حلت به الهداية، وجدت فيهما كل ما يطلبه من الأحكام التي تريد الوقوف على دلائلها كائنًا ما كان، فإن
стр. 3677
استبعدت [٩أ] هذا المقال، واستعظمت هذا الكلام، فمن نفسك أتيت، ومن قبل تقصيرك أصبت، وعلى نفسها براقش تجني (١) وإنما ينشرح لمثل هذا الكلام صدور قوم مؤمنين وقلوب رجال مستعدين لهذه المرتبة العلية.
لا تعدل المشتاق في أشواقه ... حتى تكون حشاك في أحشائه
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... إذا هويت فبعد ذلك عنف
إذا عرفت هذا فاعلم أن الحاكم الموثوق بدينه وعلمه ربما عمل في حكم من الأحكام بعموم من الكتاب أو السنة يخفى على كثير ممن يطلع على ذلك، فيظن به أنه عمل بالرأي عند عدم الدليل، أو عدل إلى نوع من أنواع المناسب المعمول بها عند البعض، والملغاة عند آخرين، وربما يظن به أنه خالف نصًا يعرفه، ولو علم ما عند ذلك القاضي من الوجه المسوغ للعدول لتبين له أنه لم يعدل إلا إلى ما هو حقيق بالعدول إليه بدلالة بينة يكون العدول إليها أجلب لمصالح الشريعة، وأدفع للمفاسد عنها.
لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل
ولأمر ما يقول الصادق المصدوق ﵌ فيما صح عنه في الصحيحين (٢) وغيرهما: " إذا اجتهد الحاكم فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " فردده من أجر وأجرين، وأن هذا الأمر يقر به من قضاة الحق كل عين، ولسان حال ذلك القاضي يقول:
سيفقدني (٣) قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
فإن قلت: وأين هذا القاضي؟ ومتى جاد الزمان بمثله؟ وفي أي بلاد نجده؟.
стр. 3678
قلت: إنما قلت ما قلت على الفرض والتقدير، وعدم وجودك له لا يستلزم عدم قبولك لكلامي هذا.
وإلى هنا انتهى الجواب بقلم المجيب محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما -.
стр. 3679
(١٤٥) ٢٠/ ٥
سؤال عن يمين التعنت التي يطلبها المتخاصمون
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3680
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: " سؤال عن يمين التعنت التي يطلبها المتخاصمون ".
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين وبعد. فإن سيدي العلامة زين الأعلام يحيى بن مطهر كثر الله فوائده سألني عن يمين التعنت.
٤ - آخر الرسالة: وليس في تطويل البحث بالزيادة في الوجوه والدفع إلا مجرد الإيضاح.
والحمد لله أولاً وآخرًا وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - عدد الصفحات: ٤ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٢ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ - ١١ كلمة.
٩ - الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3681
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين.
وبعد:
فإن سيدي العلامة زين الأعلام، يحيى بن مطهر (١) - كثر الله فوائده - سألني عن يمين التعنت المذكورة في كتب الفروع التي تطلبها الخصوم عند التخاصم، ويلزم المطلوب بها بعض الكلام، فأقول:
اعلم أن الشارع ﵌ جاءنا بحكم كلي ينطبق على كل ما صدق عليه ذلك الحكم فثبت عنه أن المدعي البينة، وعلى المنكر اليمين (٢)، وهو ثابت في دواوين الإسلام من طرق. وقد وقع الإجماع من المسلمين أجمعين على ما أفاده هذا الحكم النبوي، وكان المعلوم صدقه من هذه الحيثية كما تقرر في الأصول، وهو الحق.
هذا على تقدير أنه لم يثبت تواتره، فإن ثبت تواتره انضم إلى هذا الدليل على أنه من المعلوم صدقه دليل آخر فمن وجد فيه وصف كونه مدعيًا كان عليه البينة، ومن وجد فيه وصف كونه مدعى عليه كان عليه اليمين، وهذا الذي قال: إن غريمه لم يرد بطلب اليمين منه إلا مجرد التعنت، وإلا فهو يعلم أن له عنها مندوحة، وأن هناك ما يوجب رفعها عنه، وذلك إما بأن تكون الدعوى كاذبة من أصلها، فإلزام المنكر باليمين ظلم، والطالب لإعنات خصمه طالب باطل، ومريد لما هو خلاف ما شرعه الله - سبحانه - لعباده [١أ]، ولا يجوز تقريره على ذلك، لأنه فاعل لمنكر، ونهي المنكر واجب بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة والإجماع، ومعلوم أن كل حاكم إذا سمع دعوى المدعي قائلاً إن خصمه لم يطلب يمينه إلا تعنتًا وعبثًا، وهو يعلم اندفاع ذلك عنه، وعدم لزومه
стр. 3682
له يجوز صدقه، ويتردد بين طرفي الاحتمال، فإذا منعه من ذلك مع هذا الاحتمال كان حاكمًا بالجور، ظالمًا لمدعي التعنت، لأنه لم يكن في يده إلا مجرد الاحتمال، وهو مما لا يجوز الاعتماد عليه بإجماع المسلمين، لا سيما في مثل الخصومات، وكان مخالفًا لحكم رسول الله ﵌ بأن اليمين على كل منكر (١)، وهذا الذي أنكر التعنت منكر، فالحكم عليه باليمين هو حكم رسول الله ﵌ الشامل له، ولكل منكر، وهذا لا يخفى على منصف، ولا يأباه إلا متعسف.
والرسول ﵌ لم يأتنا عنه التعرض لتنوع الأيمان، وأن هذه يمين كذا، وهذه يمين كذا كما وقع من أهل الفروع، بل جاءنا بحكم جامع شامل كما هو ديدنه [ ..... ] (٢) في تشريع الأحكام في غالب الأحوال، فإن غالب هذه الشريعة إنما ثبت بالعمومات الكائنة في الكتاب والسنة، وهذا معلوم لكل من له علم بالكتاب والسنة.
وإذا تقرر هذا فأنت تعلم أنه إذا قرع سمع الحاكم، وسمع كل سامع قول من طلبت منه اليمين أن هذا الطالب ليميني إنما أراد العبث بي، وهو يعلم اندفاع ذلك عني بمسلك الشرع، ومنهج مرضي كان ذلك دعوى شرعية مرضية لا يحل الإخلال بها، ودفع صاحبها لمجرد [١ب] الوهم العاطل، والإباء الباطل، لأن كل من له فهم يعلم أن هذه الدعوى ما يعلم في كل دعوى يسمعها من احتمال الصدق والكذب، ويعلم أن هذا القائل قد صدق عليه أنه مدع، وأن خصمه مدعى عليه.
فلو قلنا أنه يجوز للحاكم دفع هذه الدعوى بخصوصها لمجرد الاحتمال لزمه دفع كل دعوى، لأنها في حيز الاحتمال، ولا يثبت صدقها إلا بعد أن يعضدها البرهان الذي يكون به دفع الخصومات، وهو ما أشار إليه ﵌ فيما صح
стр. 3683
عنه بقوله: " شاهداك أو يمينه " (١). وبهذا تعلم أنه لا ملجئ لقياس هذه اليمين على يمين التأكيد، ولا على غيرها، فصاحبها قد شمله الحكم العام من سيد الأنام ﵊.
وأما الاعتلال بأنه يلزم التسلسل فمن أعجب ما يسمعه السامع، ومن أغرب ما ترد به الشرائع؛ فإن التسلسل كما قرره علماء المعقول هي عدم تناهي التوقفات في أمور غير متناهية، كما أن الدور هو عدم تناهي التوقفات في أمور متناهية، فلو كان لهذا الاعتلال مدخل في دفع الشريعة المطهرة لجوزناه فيمن ادعى على خصمه الذي ادعى عليه بدعوى غير هذه الدعوى، فإنه لا يمتنع أن يدعي عليه الآخر بدعوى أخرى، ثم كذلك.
ثم قد عرفت أن حكم الشرع هو إما الشاهدان أو اليمين، فلو كان للمدعي شهادة وطلب يمين المنكر كان هذا تعنتًا، لأن الجمع بين الشهادة من المدعي، واليمين من المنكر لم تثبت في هذه الشريعة، فهذه دعوى تعنت مقبولة بالحكم الشرعي، لأن خصمه أراد أن يحمله ما لا يلزمه مع وجود البينة، مع أنه لو طاوعه، وحلف لجاء بعد ذلك بالبرهان، فكان طالبًا لما يخالف الشرع من هذه الحيثية [٢أ] (٢) ..
بواجب على حكام الشرع مع الاحتمال أن يجيبوا طالب يمين المتعنت إليها إلا أن يعرفوا أن ذلك الطلب بما هو تطويل للمسافة، وإغراق في إتعاب الغريم، وجرى على ما جرى عليه عرف المتخاصمين من طلب بين التعنت في كل يمين تطلب من المنكر، فلهم المنع من ذلك، بل لا يحل لهم أن يقبلوا من طالب يمين التعنت هذا المطلب، لأنه خارج عن القوانين الشرعية، والمسالك المرضية، بل مجرد عبث وإتعاب.
وبالجملة فدعوى التسلسل باطلة، لأن غاية ما هنالك أن يدعي كل واحد من
стр. 3684
الخصمين على خصمه التعنت في اليمين المطلوبة من كل واحد منهما، فهاهنا يمينان وتعنتان ليس في الواقع غيرهما. وإذا ادعى أحدهما بعد التعنت تعنتًا، أو بعد اليمين يمينًا فهو ذلك التعنت، وتلك اليمين، فالعجب حيث يجعل مثل هذا الوهم الكاسد الفاسد سببًا لدفع الشرع الواضح الظاهر، وما قيل من أنه لا ثمرة لهذه اليمين لعدم الحكم على من نكل عنها، فهذا كلام باطل، بل يحكم عليه بأنه متعنت بطلب اليمين فترفع عن المدعى عليه في الحال، ويطلب منه البرهان، لأنه أحد مستندي الحكم، بل أجلهما وأولاهما. فإذا تعذر البرهان، ولم تبق إلا اليمين التي هي المستند الآخر، وأعوز الأمر، ولم يظهر بوجه من الوجوه كان الرجوع إلى اليمين هو آخر ما دار من الخصومة، وبها ينقطع النزاع، ويرتفع التخاصم بحديث: " شاهداك أو يمينه " (١). وهذا يكفي. وليس في تطويل البحث بالزيادة في الوجوه والدفع إلا مجرد الإيضاح.
والحمد لله أولاً وآخرًا - وصلى الله على سيدنا محمد وآله [٢ب]-.
стр. 3685
(١٤٦) ٤٢/ ٢
بحث في قبول العدلة في عورات النساء
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3686
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في قبول العدلة في عورات النساء.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم، أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآل رسولك وبعد:
فإنه جرى البحث مع بعض الأعلام في قبول العدلة في عورات النساء.
٤ - آخر الرسالة: " وقد تقرر في الأصول أنه واجب جمعًا بين الأدلة.
وفي هذا المقدار كفاية حرره الحقير محمد الشوكاني غفر الله له.
٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٢ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٨ كلمات.
٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3687
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآل رسولك، وبعد:
فإنه جرى البحث مع بعض الأعلام في قبول العدلة في عورات النساء، وفي اختلاف العلماء في ذلك، وفي الراجح من المرجوح من الأقوال في المسألة بحسب ما يقتضيه الدليل.
فأقول: الكلام على هذه المسألة، وما يتعلق بها ينحصر في وجوه ثلاثة:
الأول: في نقل الأقوال في المسألة وهي أربعة:
الأول: قول العترة (١)، وأبي حنيفة (٢) وأصحابه أنها تقبل العدلة فيما يتعلق بعورات النساء.
стр. 3688
القول الثاني: لأصحاب الشافعي (١) أنه لا تقبل في عورات النساء إلا أربع عدلات، وهذا هو المعروف المقدر المعتمد عند الشافعية الآن. قال في المنهاج (٢) ما لفظه: وما يختص بمعرفته النساء، أو لا يراه رجال غالبًا كبكارة، وولادة، وحيض، ورضاع، وعيوب تحت الثياب بما سبق، وبأربع نسوة، انتهى.
وهو يشير بقوله: بما سبق، إلى ما قدمه قبل هذا من الأمور التي اعتبر فيها شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين. قال شارحه المحلي في تفسير قوله: وعيوب تحت الثياب، ما لفظه: كبرص، ورتق، وقرن، وقال أيضًا: واحترز بقوله: تحت الثياب، عما قاله البغوي (٣) العيب في وجه المرأة وكفيها لا يثبت إلا برجلين، وفي وجه الأمة وما يبدو عند المهنة تثبت برجل وامرأتين انتهى.
القول [١أ] الثالث: قول البتي (٤) أنه لا يقبل في عورات النساء إلا ثلاث عدلات.
القول الرابع: قول مالك والأوزاعي (٥) أنه لا يقبل في ذلك إلا عدلتان.
стр. 3689
هذه الأقوال حكاها صاحب البحر (١). وقال صاحب أصول الأحكام (٢) في هذه المسألة ما لفظه: فقال أبو حنيفة وأصحابه مثل قولنا: تجوز شهادة امرأة واحدة. وروى ذلك عن الثوري، ذهب الشافعي، وابن شبرمة إلى أنه لا يقبل أقل من أربع نسوة، وعن البتي لا يقبل أقل من ثلاث في الولادة والاستهلال. وعن مالك، وابن أبي ليلى: لا يقبل أقل من شهادة امرأتين، انتهى.
قال في شرح البحر (٣): وهذا يعني قبول العدلة في نحو الولادة، واستهلال المولود، والحيض. قال الإمام يحيى: وما يكون تحت الثياب من العيوب كالجذام، والبرص، والقرن، والرتق، والغفل.
قال في شرح البحر أيضًا (٤): وأما الرضاع فالمذهب فيه ما مر في كتاب الرضاع عن
стр. 3690
العترة، وأبي حنيفة وأصحابه، أنه يعتبر فيه رجلان، أو رجل وامرأتان كما في الحقوق والأموال. قال: وحكى الإمام يحيى في هذا الموضع عن العترة، وأبي حنيفة وأصحابه أنه يكفي في الرضاع عدلة. انتهى.
الوجه الثاني: في الأدلة استدل صاحب البحر (١) لقول من قال: إنها تكفي عدلة في عورات النساء بقوله ﵌: " كيف وقد شهدت السوداء بأنها أرضعتكما! " ثم قال: قلت: لعله ﵌ فهم حصول الظن بخبرها؛ إذ شهادة الواحدة لا تكفي في الرضاع، انتهى [١ب].
وأقول: الحديث الذي أشار إليه هو حديث عقبة بن الحارث عند البخاري (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤) أنه تزوج بنتًا لأبي إهاب، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج بها، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتيني، فركب إلى رسول الله ﵌ فذكر له الخبر فقال له النبي ﵌: " كيف وقد قيل! " ففارقها عقبة ونكحت زوجًا غيره. وفي رواية (٥) أنه قال له: " دعها ". وفي أخرى (٦) أنه نهاه عنها، ولكنه لا يخفى أنه لا يتم الاستدلال بهذا الدليل إلا بعد تسليم دلالته على ما ورد فيه، وهو الرضاع، وهو لا يدل على ذلك إلا إذا قامت به الحجة في الرضاع، فيلحق به غيره من عورات النساء بجامع أن ثدي المرأة
стр. 3691
عورة، وقد قبلت في رضاع الصبي منه عدلة، وأما من لم يجعله صالحًا للاستدلال به على الرضاع، ولم يكتف بقول العدلة فيه كما قاله صاحب البحر (١)، فكيف يصح الاستدلال به على قبول العدلة في العورات مع منع دلالته على ما ورد فيه وهو الرضاع! وكيف يسوغ الاستدلال بدليل في غير ما ورد فيه، مع منع دلالته فيما ورد فيه! فإن الدليل إذا لم يقو على ما هو نص فيه، أو على ما هو سبب له لا يقوى على ما هو خارج عنه، وإن ألحق به [٢أ] بطريق من طرق القياس، ونوع من أنواعه؛ لأنه إذا قال المستدل به: يقبل قول العدلة في الحيض والولادة مثلاً قياسًا على الرضاع، فإنها قد قبلت فيه للحديث المتقدم. قال خصمه: أنت لا تقول بدلالة هذا الدليل على الأصل الذي هو الرضاع بل يعتبر فيه البينة الكاملة، فكيف تقول بأنه يدل على الفرع! وأما من قال بدلالته على قبول العدلة في الرضاع، وأقاس سائر العورات على الثدي، فلا يرد عليه ما ذكرناه.
وقد استدلت الشافعية على اعتبار أربع عدلات بما ذكره المحلي في شرح المنهاج (٢)، قال: روى ابن أبي شيبة (٣) عن الزهري قال: مضت السنة أنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادة النساء وعيوبهن، قال: وقيس على ما ذكر باقي المذكورات، انتهى.
وأقول: هذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة (٤) في مسنده، كما ذكره المحلي، قال ابن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس الأوزاعي، عن الزهري: مضت السنة بأنها تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، وأخرجه عبد الرازق (٥) عن ابن جريج، عن ابن شهاب، قال: مضت السنة أنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادة
стр. 3692
النساء وعيوبهن. ولا يخفى عليك أن استدلال الشافعية بهذا الحديث إنما يتم بعد تسليم أن لفظ النساء لا يطلق إلا على الأربع، وهو ممنوع، بل لم يقل قائل من أهل اللغة [٢ب]، وأهل علم العربية بذلك، والذي في كتب اللغة والعربية أن النساء جمع المرأة من غير لفظه، قال في القاموس (١) ما لفظه: النسوة بالكسر والضم، والنساء والنسوان والنسوان بكسرهن جموع المرأة من غير لفظها. انتهى.
وقد عرفت أن الثلاثة هي أقل (٢) الجمع عند الجمهور، وعند جماعة من أهل اللغة كالزمخشري (٣)، وجماعة من الفقهاء (٤) أن أقل الجمع اثنان، فعلى فرض أن المراد بالنساء هنا الجمع لا الجنس لا يكون الحديث دليلاً على ما ذهبت إليه الشافعية، بل يكون دليلاً على ما قاله البتي أنه لا يقبل في عورات النساء إلا ثلاث عدلات. والظاهر أن المراد به هنا الجنس لوجهين:
أحدهما: أنه قد تقرر في علم البيان والأصول أن الألف واللام إذا دخلت على الجموع هدمت الجمعية (٥) وصيرتها للجنس، ولفظ النساء هاهنا كذلك؛ فإنه جمع للمرأة من غير لفظه، وقد دخلت عليه الألف واللام، فانهدم الجمع وصار مفيدًا للجنس الصادق على الواحدة وما فوقها (٦).
стр. 3693
الوجه الثاني: أن الخطابات الشرعية الواردة على هذه الصفة لا يراد بها الجموع حتى تخرج المرأة والمرأتان كما يعرف ذلك من له إلمام بالأدلة الشريعة، بل يراد بها الجنس على وجه يشمل المرأة والمرأتين، وهذا [٣أ] ظاهر لا يخفى.
الوجه الثالث: من الوجوه التي اشتمل عليها هذا البحث في بيان ما هو الراجح من الأقوال السابقة.
اعلم أن الراجح (١) قول من قال إنها تقبل العدلة في عورات النساء لوجوه:
الأول: حديث المرضعة الذي تقدم ذكره؛ فإن النبي ﵌ قبلها ونهى الزوج عن المرأة التي تزوجها استنادًا إلى خبر تلك المرضعة، والثدي من جملة عورات النساء فيلحق غيره به لعدم الفارق.
الوجه الثاني: ما تقدم من قول الزهري (٢) مضت السنة (٣) ... إلخ وهذه الصيغة لها حكم الرفع كما تقرر في الأصول، ولا يظن بمثله في حفظه وعلمه أن يقول هذه المقالة إلا بعد أن يطلع على ذلك من السنة. وقد قدمنا أن هذا الحديث من أدلة القائلين بقبول العدلة في عورات النساء.
الوجه الثالث: ما ذكره الأمير الحسين في الشفا (٤) قال: خبر: وروى حذيفة عن
стр. 3694
النبي ﵌ أنه أجاز شهادة القابلة. وروى هذا الحديث أيضًا في أصول الأحكام فقال: خبر: وعن النبي ﵌ أنه قبل شهادة القابلة.
الوجه الرابع: ما أخرجه عبد الرازق في جامعه (١)، والضياء المقدسي في المختارة (٢) والبيهقي في السنن (٣) عن عبد الله بن يحيى أن عليًا - كرم الله وجهه - أجاز شهادة المرأة القابلة في الاستهلال.
الوجه الخامس: قال في أصول الأحكام (٤) خبر: وعن علي ﵇ أنه قبل شهادة امرأة واحدة فيما لا يطلع عليه الرجال.
الوجه السادس: أخرج عبد الرازق في جامعه (٥) عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب ﵁ أجاز [٣ب] شهادة امرأة في الاستهلال.
الوجه السابع: أخرج البيهقي في السنن (٦) عن ابن عمر أنه قال: لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء، وما يشبه ذلك من حملهن وحيضهن.
الوجه الثامن: قياس خبر المرأة عن الأمور المتعلقة بعورات النساء على قبول خبرها وحدها في سائر الأمور التي لا يتعلق بها خصومة، فإنها قد تفردت غير امرأة برواية الأحاديث الموجبة لإثبات شريعة يشمل الأمة التكليف بها، وتعم بها البلوى، فقبولها في
стр. 3695
قضية جزئية شخصية متعلقة بعورة امرأة أولى.
ولا منافاة بين هذه الأدلة الدالة على قبول العدلة في عورات النساء، وبين الأدلة الدالة على أنه يعتبر في الشهادة رجلان، أو رجل وامرأتان لأمور ثلاثة:
الأول: أن هذا خبر وليس بشهادة، فلا يشترط فيه ما يشترط في الشهادة.
الأمر الثاني: أنا لو فرضنا أنه يصدق على خبرها هذا أنه شهادة لكان الجمع ممكنًا بأن يقال: خبر العدلة في هذه الأمور لا تتعلق به خصومة، والشهادة الكاملة إنما اعتبرت في الأمور التي تتعلق بها الخصومات.
الأمر الثالث: أنا لو فرضنا أنه لا فرق بين ما يتعلق به خصومة وما لا يتعلق به خصومة، وأنه لا فرق بين الخبر والشهادة لكانت الأدلة المذكورة هنا الدالة على قبول خبر العدلة أخص مطلقًا من الأدلة الدالة على اعتبار رجلين، أو رجل وامرأتين، فيبنى العام على الخاص (١)، وقد تقرر في الأصول أنه واجب جمعًا بين الأدلة.
وفي هذا المقدار كفاية.
حرره الحقير محمد الشوكاني - غفر الله له -.
стр. 3696
(١٤٧) ٣٩/ ٢
إشراق النيرين في بيان الحكم إذا تخلف عن الوعد أحد الخصمين
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 3697
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: إشراق النيرين في بيان الحكم إذا تخلف عن الوعد أحد الخصمين.
٢ - موضوع الرسالة: " فقه ".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله على كل حال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله أهل الفضائل والإفضال. فإنه ورد إلي سؤال
٤ - آخر الرسالة: " فلا بد فيه من مستند الحكم على المتمرد عندهم.
وإلى هنا انتهى الجواب في شعبان سنة ١٢١٧ بقلم المجيب غفر الله له.
٥ - نوع الخط: خط نسخي رديء.
٦ - عدد الصفحات: ١٥ صفحة ما عدا صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٢ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٨ كلمات.
٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 3698
الحمد لله على كل حال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله أهل الفضائل والإفضال.
وبعد:
فإنه ورد إلي سؤال من مولاي العلامة المفضال علي بن عبد الله الجلال (١) - لا برح في حفظ الكبير المتعال - عن حديث أخرجه أبو سعيد النقاش في القضاء، ولفظه: كان الخصمان إذا اختصما إلى رسول الله ﵌ فاتعدا للموعد، فوافا أحدهما ولم يواف الآخر قضى للذي يفي منهما، انتهى. ومحل السؤال كونه ﵌ يقضي للذي يفي منهما بالموافاة للموعد؛ فإن ظاهره أن الموافاة بمجردها مع اختلاف الخصم الآخر سبب من أسباب الحكم؟.
وأقول: الجواب عن ذلك ينحصر في وجوه جملتها ستون وجهًا.
الأول: الكلام على إسناد الحديث، قد نسبه السائل - كثر الله فوائده - في سؤاله إلى جامع السيوطي (٢)، ولعله يعني الجامع الكبير لأنه لم يوجد في الصغير. وقال: وفي إسناده خالد بن نافع ضعيف.
وأقول: ذكره أيضًا صاحب مجمع الزوائد (٣) فقال لفظه: باب في الخصمين يتعدان ولم يأت أحدهما: عن أبي موسى الأشعري أن معاوية بن أبي سفيان قال له: أما علمت أن رسول الله ﵌ كان إذا اختصم إليه الرجلان فاتعدا الموعد فجاء أحدهما ولم يأت الآخر قضى رسول الله ﵌ للذي جاء على الذي لم يجئ. فقال أبو موسى: إنما كان ذلك في الدابة، والشاة، والبعير، والذي نحن فيه أمر الناس.
стр. 3699
رواه الطبراني في الأوسط (١)، وفيه خالد بن نافع الأشعري: قال أبو حاتم (٢) ليس بقوي يكتب حديثه، وضعفه الأئمة انتهى. وله شواهد سيأتي ذكرها إن شاء الله.
واعلم أني لم أجد لأحد من الحفاظ كلامًا على إسناد هذا الحديث بعد البحث عنه إلا ما ذكرته هنا. وأما الكلام على متنه ودلالته فلم أجد شيئًا من ذلك، وقد أوردت هاهنا هذه الوجوه الآتية وهي غاية ما دخل تحت الإمكان.
الثاني: اعلم أن لفظ كان في قوله: " كان الخصمان " يفيد التكرار كما صرح بذلك أئمة الأصول، ومنهم ابن الحاجب في مختصر المنتهى (٣)، وشارحه العضد وغيرهما ومثلوا ذلك بقولهم: كان حاتم يكرم الضيف؛ فهذه الصيغة تقتضي أن القضاء على من لم يحضر مجلس المواعدة كان يتكرر وقوعه من النبي ﵌.
الوجه الثالث: [١أ] أن قوله: " إذا اختصما إلى رسول الله ﵌ فاتعدا " يدل على أنه تقدم لهما حضور مع خصومة عند رسول الله ﵌، فإنه رتب المواعدة على الاختصام، فلا يقال: إن الحكم منه ﵌ على من لم يحضر كان بمجرد الاختلاف عن الحضور على الوعد المضروب. وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.
الوجه الرابع: قوله: " فاتعدا للموعد " فيه أن التواعد كان بين الخصمين، ولم يكن الذي واعد بينهما هو رسول الله ﵌ فمن الجائز أن يكون ذلك في حضرته ﵌ بمرأى منه ومسمع، ومن الجائز أن يكون
стр. 3700
ذلك في غير حضرته، وفيه إشكال، لأنه إذا لم يكن في حضرته كان الحكم منه ﵌ على من لم يحضر على الوعد إنما هو بمجرد دعوى خصمه أنهما تواعدا، وأنه اختلف عن الحضور.
الوجه الخامس: قوله: " فوافى أحدهما ولم يواف الآخر " فيه أن مجرد عدم الموافاة على الوعد مسوغة للحكم، سواء كان اختلاف المختلف لعذر شرعي كالمرض أو لغير عذر، وسواء كان اختلافه تمردًا أو عنادًا أم نسيانًا وسهوًا عن الوعد المضروب.
الوجه السادس: أن الموافاة المذكورة على الوعد المضروب لا تعقل إلا إذا كانت مشتملة على أمرين:
أحدهما: أن يكون إلى مكان معين.
الثاني: أن تكون في زمان معين.
والمكان المعين قد يكون هو المكان الذي يكون به رسول الله ﵌ في ذلك الزمان المعين، وإن لم يكن مكانًا معينًا لفظًا، وقد يكون [١ب] معينًا نحو أن يتواعد إلى الحضور إلى المسجد في وقت معين، أو يواعد بينهما رسول الله ﵌ أن يحضرا إليه، أو إلى المسجد، أو نحو ذلك، وإنما قلنا: أن الموافاة لا تعقل إلا إذا كانت مشتملة على الأمرين لأنه لو حضر أحدهما إلى المكان في زمان آخر غير الزمان المضروب، أو حضر في ذلك الزمن المضروب إلى غير المكان المعين أو نحوه لم يكن حاضرًا.
الوجه السابع: أن قوله: " فقضى للذي يفي منهما " وقع هكذا في لفظ السائل - كثر الله فوائده - بلفظ " يفي " والمراد بالموافاة هنا هو الوفاء بالموافاة على الوعد المضروب، وكان المناسب للسياق أن يقول: " قضى للذي يوافي منهما " ولكنه عبر بلازم الموافاة وهو الوفاء لأن من وافى فقد وقع منه الوفاء.
الوجه الثامن: أن الظاهر من قوله: قضى هو المعنى المعروف ...............................
стр. 3701
لغة (١) وشرعًا (٢)، وهو إلزام أحد الخصمين بتسليم ما يدعيه خصمه إن كان الموافي هو المدعي أو إلزام أحد الخصمين بترك المطالبة لخصمه إن كان الموافي هو المدعى عليه.
الوجه التاسع: هذا القضاء (٣) إن كان لمجرد موافاة أحد الخصمين، واختلاف الآخر فليس هذا من الأسباب الشرعية المسوغة للقضاء، لأن الذي اختلف ولم يواف إن كان هو من عليه الحق، وهو المدعى عليه فأسباب الحكم عليه هو ما ذكره ﵌ في الحديث الذي تواتر تواترًا معنويًا (٤)، وهو قوله ﵌: " على المدعي البينة " (٥). أو ما تقرر في الكتاب والسنة من أن الإنسان مأخوذ بإقراره (٦) ولا خلاف في ذلك [٢أ]، أو علم الحاكم على ما هو الحق عندي من غير فرق بين الحدود والحقوق. وإليه ذهب جماعة من العلماء، أو نكول المدعى
стр. 3702
عليه (١) عن اليمين أو رده لليمين على الخلاف فيهما، فهذه أسباب الحكم لا يجوز لحاكم أن يحكم على مقتضى الشريعة المطهرة إلا مع وجود شيء منها لا لمجرد الموافاة من أحد الخصمين من دون الآخر، فإن ذلك لم يأت في شيء من الشريعة إلا في هذا الحديث المسئول عنه، وإن كان الذي لم يواف هو المدعي فلا يجوز قطع حقه إلا بيمين المدعى عليه أو بإقراره ببطلان دعواه، ولا خلاف في هذين، أو بعلم الحاكم ببطلان الدعوى، أو بنكوله عن اليمين المردودة.
الوجه العاشر: أن هذا القضاء لمجرد الموافاة المذكورة من أحد الغريمين دون الآخر كما يخالف ما ذكرناه من أسباب الحكم يخالف أيضًا قوله ﵌ في الحديث الثابت في الصحيح (٢) " وإنما أقضي بما أسمع " فإنه قد صرح في هذا أنه إنما يقضي بما يسمعه، والقضاء بمجرد الموافاة مع غيبة الغريم ليس مما يصدق عليه ذلك.
الوجه الحادي عشر: أن حديث الباب كما يخالف ما تقدم يخالف أيضًا حديث علي ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: " يا علي، إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء " أخرجه ..........................
стр. 3703
أحمد (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، وحسنه، وابن حبان (٤) وصححه [٢ب]؛ فإن فيه النهي عن القضاء على أحد الخصمين إلى حصول غاية هي السماع من الآخر.
الوجه الثاني عشر: أن جميع الآيات القرآنية (٥) التي فيها ذكر الحكم بين الخصوم أو الخصمين، وكذلك الأحاديث النبوية (٦) مشعرة بأنه لا بد من حضورهما جميعًا مجلس الحاكم، لأن ذلك هو مدلول لفظ (بين) كما يقال: جلست بين زيد وعمرو، وجلس بين القوم.
الوجه الثالث عشر: أن ما في الكتاب العزيز (٧) من الأمر بالحكم بالعدل والقسط والحق ونحوها يفيد أنه لا بد من البحث والفحص حتى يحصل المستند الشرعي للحكم من بينة (٨) أو يمين (٩)، أو نحوهما (١٠)؛ فإن الحكم لا يكون عدلاً وحقًا وقسطًا إلا بذلك.
стр. 3704
الوجه الرابع عشر: أن هذا الحديث المسئول عنه كما يخالف القواعد الشرعية يخالف أيضًا ما كانت عليه الجاهلية فإن شاعرهم يقول:
فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو شهود أو جلاء
الوجه الخامس عشر: أن الحديث الصحيح المتفق عليه (١)، وهو قوله ﵌: " إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " يفيد أنه لا بد من الاجتهاد، وهو بذل الجهد في معرفة المحق والمبطل من الخصمين وإذا حكم بمجرد الاختلاف من أحد الخصمين لعذر شرعي، أو لغير عذر، فلم يجتهد في القضية ولا حكم بالسوية.
الوجه السادس عشر [٣أ]: أنك إذا عرفت ما قدمنا فالحديث المسئول عنه إن كان غير بالغ إلى درجة الاعتبار فهو غير محتاج إلى الكلام عليه، لأنه لا يجوز العمل به على فرض عدم معارضته لما هو أرجح منه، وعدم مخالفته للقواعد الشرعية، فكيف إذا كان معارضًا بما هو أرجح منه، ومخالفًا للقواعد الشرعية!.
الوجه السابع عشر: أنا لو فرضنا أنه بالغ إلى درجة الاعتبار، وفرضنا عدم إمكان تأويله على وجه مقبول فهو مطرح لما قدمنا من مخالفته لقواعد الشريعة المطهرة.
الوجه الثامن عشر: أنه يمكن تأويله بأن يقال: قد قدمنا أن في متنه ما يفيد أنها قد تقدمت الخصومة عند رسول الله ﵌ قبل المواعدة فيمكن أنه ﵌ قد كان سمع من الخصمين ما يفيد جواز الحكم إما من المدعي كالبينة، أو من المدعى عليه كاليمين، أو نحو ذلك.
الوجه التاسع عشر: يمكن أن يكون النبي ﵌ بعد مفارقة الخصمين له على ذلك الوعد علم بالوحي أن الذي سيوافيه هو المحق فحكم له، وظن
стр. 3705
الراوي أن الحكم لأجل الموافاة وعدمها، ولم يعلم بما علمه النبي ﵌ من الوحي.
الوجه الموفي عشرين: أنه يمكن أن يعلم النبي ﵌ المحق من الخصمين بإخبار من يثق به فكان حكمه مستندًا إلى ذلك، وظن الراوي مثل الظن المتقدم في الوجه الذي قبل هذا.
الوجه الحادي والعشرون: أنه يمكن أن يكون القضاء المذكور في الحديث مجازًا عن تأخير المطالبة، فكان النبي ﵌ قال للمدعي: إذا كان المختلف هو المدعى عليه أنك لا تطالبه الآن، بل في وقت آخر، أو كأنه قال [٣ب] للمدعى عليه: إذا كان المختلف هو المدعي أنك لا تنظر للخصومة الآن، ويكون مجرد الإخبار للحاضر بذلك قضاء مجازًا (١).
الوجه الثاني والعشرون: أن تكون العين المتنازع فيها في يد الذي حضر، أمره ﵌ أن يستمر على قبضها لعدم حضور خصمه بشيء يوجب نقلها عن صاحب اليد.
الوجه الثالث والعشرون: أن يكون الذي وافى هو المدعى عليه، وقد عرف النبي ﵌ ضعف الدعوى، فأمره بأن يذهب ولا يحضر لخصومة ثانية، لأنه قد انضم إلى ما علمه من ضعف الدعوى قرينة أخرى، وهي عدم حضور المدعي على الأجل، فكان مجموع ذلك قرينة مسوغة للحكم عند من لم يحضر الحكم على الطرق المشهورة من البينة واليمين ونحوهما، وهو مذهب مشهور معروف.
الوجه الرابع والعشرون: أن يكون المدعى قد شرط على نفسه أنه إذا لم يواف على الوعد المضروب فقد أبطل دعواه.
الوجه الخامس والعشرون: أن يكون المدعى عليه قد شرط على نفسه أنه إذا لم
стр. 3706
يحضر على الأجل فقد أوجب الحق على نفسه.
الوجه السادس والعشرون: أن يكون المدعى عليه قد تواعد هو والمدعي لقبض اليمين من المدعى عليه، فحضر المدعى عليه ولم يحضر المدعي قرينة رد اليمين فقبضها منه ﵌ وحكم له، فنسب الراوي القضاء إلى مجرد الاختلاف عن الوعد، وليس كذلك [٤أ].
الوجه السابع والعشرون: أن يكون المدعى عليه هو الذي حضر، وقد كان تواعد هو والمدعي لقبض اليمين من المدعى عليه، فحكم النبي ﵌ للمدعى عليه بأنه لا حق عليه، ولم يقبض اليمين، بل أخرها حتى يطلب المدعي قبضها لكونه حقًا له.
الوجه الثامن والعشرون: أن يكون المدعي قد استوعد بحضور بينته فأحضرها، ولم يحضر المدعى عليه فسمعها النبي ﵌ وحكم له.
الوجه التاسع والعشرون: أن يكون الأمر كما في الوجه الذي قبل هذا، ولكنه ﵌ لم يسمعها، بل حكم للمدعي لحضور بينته، وأحال المدعى عليه على سماع البينة متى شاء.
الوجه الموفي الثلاثين: أن يكون النبي ﵌ حكم للحاضر منهما حكمًا مشروطًا متى حضر الآخر، فله خصومته.
الوجه الحادي والثلاثون: أن يكون النبي ﵌ قد شرط على الخصمين عند التواعد أن من لم يحضر منهما كان الحكم عليه، ومن حضر كان الحكم له.
الوجه الثاني والثلاثون: أن يكون النبي ﵌ قد قال لهما: إن المبطل منكما لا يحضر في الوعد المضروب لضرب من السياسة الشرعية، فلم يحضر المبطل امتثالاً لأمر رسول الله ﵌ فحكم عليه.
стр. 3707
الوجه الثالث والثلاثون: أن يكون الذي تخلف عن [٤ب] الحضور قد حضر إلى رسول الله بعد ضرب الوعد قبل حضور الوقت المضروب، فاعترف عنده بأنه لا حق له وأن الحق لخصمه، فلما حضر خصمه في الأجل المضروب قضى له النبي ﵌، فظن الراوي أن القضاء هو لمجرد الاختلاف عن الحضور.
الوجه الرابع والثلاثون: أن يكون التواعد بين الخصمين وقع عن أمره ﵌ لا لقصد إحضار مستند من أحدهما، بل لقصد التثبت منه ﵌ بعد أن كان قد حصل له مستند، فلما حضر أحد الخصمين حكم له، وهذا يخالف الوجه الثامن عشر من التواعد عن أمره ﵌ لقصد التثبيت في الحكم.
الوجه الخامس والثلاثون: أن يكون النبي ﵌ قد علم المستند ولكنه شغله عن تنجيز الحكم شاغل، فواعد بين الخصمين، فحضر أحدهما وهو المحكوم له، ولم يحضر الآخر وهو المحكوم عليه، لأنه قد علم أنه لا حق له، وأن رسول الله ﵌ سيحكم له.
الوجه السادس والثلاثون: كالذي قبله إلا أنه ﵌ دخل في شغل وهو عازم على تنجيز الحكم بعد قضائه، فتطاول الشغل، فتواعد الغريمان من دون أن يأمرهما ﵌ بذلك.
الوجه السابع والثلاثون: أن يكون الذي اختلف عن الحضور قد علم رسول الله ﵌ تمرده، وعدم امتثاله للحضور، فعاقبه ﵌ بالحكم عليه، وأخذ ماله، ويكون [٥أ] ذلك من باب التأديب بالمال (١).
الوجه الثامن والثلاثون: أن يكون أحد الغريمين لحق بدار الحرب فصار ماله على أصل الإباحة، فكان الحكم عليه بهذا المستند لا بمجرد الاختلاف (٢).
стр. 3708
الوجه التاسع والثلاثون: أن يكون الذي لم يحضر قد قتل في مدة الأجل أو مات، ولا وارث له. وقد ثبت أن النبي ﵌ وارث من لا وارث له، فصرف ذلك في غريمه، لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وليس ذلك ببعيد، فمثل هذا لو فعله الإمام لم ينكر عليه (١).
الوجه الموفي الأربعين: أن يكون المختلف من المنافقين الذين قد علم رسول الله بنفاقهم وأنهم يفترون على المؤمنين، ويدعون عليهم الدعاوى الباطلة، فحكم عليه ﵌ استنادًا إلى هذا الظاهر.
الوجه الحادي والأربعون: أن تكون الخصومة بين الأب وولده فحضر الأب في الأجل، ولم يحضر الابن، فحكم له ﵌ استنادًا إلى أن الولد وما ملك لوالده (٢).
الوجه الثاني والأربعون: أن يكون المخاصم الذي اختلف خادمًا لمن حضر، أو أجيرًا، أو نحوهما ممن يتصرف في ملك غيره بإذنه فيحكم عليه النبي ﵌ استنادًا إلى ذلك.
الوجه الثالث والأربعون: أن يكون أحد الخصمين قد تمسك بأصل يجب [٥ب] الرجوع إليه، ويصلح للتمسك به، فحضر من معه ذلك الأصل، ولم يحضر الآخر. فحكم له النبي ﵌ لذلك، وهذا أعم مما قبله.
الوجه الرابع والأربعون: أن يكون الظاهر مع من حضر دون من غاب، فيحكم له
стр. 3709
- ﵌ استنادًا إلى ذلك، وهذا أيضًا أعم.
الوجه الخامس والأربعون: أن هذه الوجوه وإن كان بعضها لا يخلو عن تكلف فقد أوجب المصير إليها ما ذكره أئمة الأصول أن يتعين تأويل ما كان معارضًا لما هو أرجح منه بما أمكن من طرف التأويل، ولو كان بعيدًا؛ لأن التأويل جمع وهو مقدم على الترجيح.
الوجه السادس والأربعون: لا يقال إن لفظة (كان) لما كانت تفيد التكرار كما قدمنا حكايته عن أهل الأصول بطل كثير من هذه التأويلات؛ لأن لفظ الصحابي الحاكي لفعل النبي ﵌ قد أشعر بوقوع ذلك المحكي منه مرة بعد مرة، لأنا نقول: لا مانع من تأويل ما وقع متكررًا، غاية الأمر أنه لم يتفق الوجه الذي وقع التأويل به؛ بل وقع مختلفًا تارة على وجه من هذه الوجوه، وتارة على وجه آخر.
الوجه السابع والأربعون: أن قول أبي موسى في الحديث الذي ذكرناه بلفظ آخر للحديث الذي أورده السائل - عافاه الله - إنما كان ذلك في الدابة والشاة والبعير يدل على أن القضاء على من لم يحضر على الوعد إنما يكون في مثل هذه الأمور، لا فيما هو أعظم منها. وسيأتي تكرير هذا الوجه مع زيادة.
الوجه الثامن والأربعون: أن قول أبي موسى أيضًا: والذي نحن فيه أمر الناس يدل على أن هذه المحاورة وقعت بينه [٦أ] وبين معاوية في شأن الاختلاف في الخلافة، ولعل ذلك كان عند مسير أبي موسى إلى الشام قبل أيام صفين، ولا يصح أن يكون ذلك عند الحكومة بدومة الجندل؛ لأن معاوية لم يحضرها (١). وفي ذلك ما يفيد أن النبي ﵌ لم يحكم في الأمور العظيمة بمجرد اختلاف أحد الخصمين.
الوجه التاسع والأربعون: إن قلت: إذا كان ذلك الحديث قد وجدنا في إسناده من لا تقوم به الحجة لتضعيف أكثر الأئمة له فأي فائدة في هذا التكثير.
стр. 3710
قلت: لا يخفاك أن هذا جرح مجمل، وهذا غير معمول به حتى يبين، ولم يتبين حينئذ فتكلمنا على الحديث بهذه الوجوه، على فرض أنه صالح للاحتجاج به، وبالغ إلى درجة الاعتبار.
الوجه الموفي خمسين: اعلم أنه يشهد للحديث المسئول عنه ما أخرجه البزار (١) عن سمرة أن رسول الله ﵌ كان يقول: " إذا طالب الرجل الآخر فدعى أحدهما صاحبه إلى الذي يقضي بينهما، فأبى أن يجيء فلا حق له ".
وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي (٢) وهو ضعيف، ووجه شهادته لحديث الباب أن الامتناع من الحضور على الوعد كالامتناع من المجيء إلى الحاكم، بل ذلك أشد لا سيما إذا كان المواعد بينهما هو النبي ﵌ أو كان التواعد باطلاعه. ويشهد له أيضًا ما أخرجه الطبراني في الكبير (٣) عن سمرة أيضًا [٦ب] قال: قال رسول الله ﵌: " من دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له ". وفي إسناده روح بن عطاء وثقه ابن عدي (٤)، وضعفه الأئمة (٥)، ووجه الشهادة هو ما قدمنا. وقد رتب على ذلك أنه لا حق له في هذا الحديث، والذي قبله، وهذا هو الوجه
стр. 3711
الحادي والخمسون.
ويشهد للحديث المسئول عنه أيضًا ما أخرجه الطبراني في الكبير (١) أيضًا عن سمرة أيضًا أن رسول الله ﵌ كان يقول لنا: " إذا خاصم الرجل الآخر فدعا أحدهما صاحبه إلى الرسول ليقضي بينهما، من أبى أن يجيء فلا حق له ". قال الهيثمي (٢) وفي إسناده مساتير، وهذا هو الوجه الثاني والخمسون.
ويشهد له أيضًا ما أخرجه البزار (٣) عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﵌: " من دعي إلى حاكم من حكام المسلمين، فامتنع فهو ظالم - أو قال -: لا حق له " وفي إسناده روح بن عطاء بن أبي ميمونة، قال الهيثمي (٤) وهو ضعيف، وقد وثقه ابن عدي (٥)، ووجه الشهادة هو ما قدمنا، وهذا الوجه الثالث والخمسون.
الوجه الرابع والخمسون: أن جميع ما ورد في هذا الباب الحديث المسئول عنه، وهو من رواية الرجلين المتجاورين جميعًا كما تقدم؛ لأن أبا موسى قد أقر به ولم ينكره، وإنما حمله على الشاة والبعير ونحوهما؛ فهذان حديثان من طريق صحابيين، وثلاثة أحاديث من طريق سمرة، وهي المذكورة قريبًا، وحديث من طريق عمران بن حصين، فالأحاديث ستة عن أربعة من الصحابة، وفي كل واحد منها مقال [٧أ].
الوجه الخامس والخمسون: هل يقال هذه الأحاديث قد قوي بعضها ببعض فصارت من قسم الحسن لغيره أم لا؟.
стр. 3712
قلت: لا يبعد أن يكون كذلك؛ لأن الضعف إذا كان يسيرًا صارت أحاديث الضعفاء إذا انضم بعضها إلى بعض من قسم الحسن لغيره، بخلاف ما إذا كان كل واحد ممن في تلك الأحاديث فيه ضعف شديد، فإنه لا يصير حديثه مع غيره حسنًا، وأحاديث الباب هي من القسم الأول؛ لأن الضعفاء الذين في أسانيدها ضعفهم منجبر، ولا سيما وقد وثق بعضهم بعض الحفاظ كما عرفت.
الوجه السادس والخمسون: إذا كان الحديث المسئول عنه يصير بما ذكرناه له من الشواهد حسنًا لغيره فهو من قسم المعمول به، فيجب المصير إلى تأويله بوجه من الوجوه التي قدمنا ذكرها، فالجمع مقدم على الترجيح، فإن تعذر فلا شك أن الأحاديث التي هي مخالفة لهذه الأحاديث أرجح منها، وكيف لا يكون أرجح منها وهي من القواعد المعلومة من دين الإسلام.
الوجه السابع والخمسون: إن قلت: وأي معارضة بين هذا الحديث وما شهد له، وبين تلك القواعد والأحاديث! فإن الأحاديث الواردة في اعتبار الشهادة واليمين لا تنفي اعتبار طريق [٧ب] أخرى؛ إذ لا حصر، وحينئذ فلا معارضة.
الوجه الثامن والخمسون: أنا لو فرضنا أن ثم لفظًا يفيد الحصر في أحاديث اعتبار الشاهدين واليمين ونحو ذلك لكان الحديث المسئول عنه وما شهد له صالحًا لتخصيص ذلك بمن لم يحضر على الوعد تمردًا وعصيانًا، وكذلك من أبى أن يجيب إلى حاكم من حكام المسلمين، فإنه يجوز للحاكم أن يحكم عليه بحق الغير يلزمه تسليمه أو بإسقاط حق له على الغير، وهذا الوجه يتعين المصير إليه.
الوجه التاسع والخمسون: أن هذا الترجيح الذي ذكرناه في الوجه الذي قبل هذا لا يجوز لكل حاكم، بل إنما يجوز لمن كان بمحل من الورع، وبمكان من العلم، بحيث يميز بين مصالح الشريعة ومفاسدها على وجه صحيح، ولا يكون كذلك إلا المجتهد. وأما من كان مقصرًا فهو لا يميز المصلحة من المفسدة على وجه صحيح، فقد يظن لجهله ما هو
стр. 3713
من المفاسد مصالح، وما هو من المصالح مفاسد، وهكذا من لم يكن بمحل من الورع، فإنه قد يجعل ذلك ذريعة إلى مقاصده الفاسدة.
الوجه الموفي ستين: إن قلت: هل يقيد ما رجحته من جعل الحديث مخصصًا بالقيد الذي ذكره أبو موسى في الرواية التي ذكرناها عنه في حديث الباب، وهو الدابة والشاة والبعير، وما شابهها؟.
قلت: نعم فإن لم يقل ذلك برأيه، بل قاله حاكيًا لما كان يفعله النبي ﵌ ولكن إذا وقع التمرد والعناد والتصميم عليه فذلك مبيح للدم، فضلاً عن كثير من المال.
واعلم أن هذا القضاء على من لم يحضر ليس هو القضاء الذي ذكره أهل الفقه على الغائب (١) والمتمرد، فإن الذي نحن بصدده هو القضاء على المتمرد بمجرد تمرده بخلاف ما
стр. 3714
ذكره أهل الفقه، فلا بد فيه من مستند الحكم على المتمرد عندهم.
وإلى هنا انتهى الجواب في شعبان سنة ١٢١٧ بقلم المجيب - غفر الله له -.
стр. 3715
(١٤٨) ٨/ ٣
بحث في القرائن وهي رد على تظلم رفع إليه من قبل رجل يتظلم من عريف من عرفاء بلاد الروس
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب