← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

الحادي والخمسون. ويشهد للحديث المسئول عنه أيضًا ما أخرجه الطبراني في الكبير (١) أيضًا عن سمرة أيضًا أن رسول الله ﵌ كان يقول لنا: " إذا خاصم الرجل الآخر فدعا أحدهما صاحبه إلى الرسول ليقضي بينهما، من أبى أن يجيء فلا حق له ". قال الهيثمي (٢) وفي إسناده مساتير، وهذا هو الوجه الثاني والخمسون. ويشهد له أيضًا ما أخرجه البزار (٣) عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﵌: " من دعي إلى حاكم من حكام المسلمين، فامتنع فهو ظالم - أو قال -: لا حق له " وفي إسناده روح بن عطاء بن أبي ميمونة، قال الهيثمي (٤) وهو ضعيف، وقد وثقه ابن عدي (٥)، ووجه الشهادة هو ما قدمنا، وهذا الوجه الثالث والخمسون. الوجه الرابع والخمسون: أن جميع ما ورد في هذا الباب الحديث المسئول عنه، وهو من رواية الرجلين المتجاورين جميعًا كما تقدم؛ لأن أبا موسى قد أقر به ولم ينكره، وإنما حمله على الشاة والبعير ونحوهما؛ فهذان حديثان من طريق صحابيين، وثلاثة أحاديث من طريق سمرة، وهي المذكورة قريبًا، وحديث من طريق عمران بن حصين، فالأحاديث ستة عن أربعة من الصحابة، وفي كل واحد منها مقال [٧أ]. الوجه الخامس والخمسون: هل يقال هذه الأحاديث قد قوي بعضها ببعض فصارت من قسم الحسن لغيره أم لا؟.

стр. 3712

قلت: لا يبعد أن يكون كذلك؛ لأن الضعف إذا كان يسيرًا صارت أحاديث الضعفاء إذا انضم بعضها إلى بعض من قسم الحسن لغيره، بخلاف ما إذا كان كل واحد ممن في تلك الأحاديث فيه ضعف شديد، فإنه لا يصير حديثه مع غيره حسنًا، وأحاديث الباب هي من القسم الأول؛ لأن الضعفاء الذين في أسانيدها ضعفهم منجبر، ولا سيما وقد وثق بعضهم بعض الحفاظ كما عرفت. الوجه السادس والخمسون: إذا كان الحديث المسئول عنه يصير بما ذكرناه له من الشواهد حسنًا لغيره فهو من قسم المعمول به، فيجب المصير إلى تأويله بوجه من الوجوه التي قدمنا ذكرها، فالجمع مقدم على الترجيح، فإن تعذر فلا شك أن الأحاديث التي هي مخالفة لهذه الأحاديث أرجح منها، وكيف لا يكون أرجح منها وهي من القواعد المعلومة من دين الإسلام. الوجه السابع والخمسون: إن قلت: وأي معارضة بين هذا الحديث وما شهد له، وبين تلك القواعد والأحاديث! فإن الأحاديث الواردة في اعتبار الشهادة واليمين لا تنفي اعتبار طريق [٧ب] أخرى؛ إذ لا حصر، وحينئذ فلا معارضة. الوجه الثامن والخمسون: أنا لو فرضنا أن ثم لفظًا يفيد الحصر في أحاديث اعتبار الشاهدين واليمين ونحو ذلك لكان الحديث المسئول عنه وما شهد له صالحًا لتخصيص ذلك بمن لم يحضر على الوعد تمردًا وعصيانًا، وكذلك من أبى أن يجيب إلى حاكم من حكام المسلمين، فإنه يجوز للحاكم أن يحكم عليه بحق الغير يلزمه تسليمه أو بإسقاط حق له على الغير، وهذا الوجه يتعين المصير إليه. الوجه التاسع والخمسون: أن هذا الترجيح الذي ذكرناه في الوجه الذي قبل هذا لا يجوز لكل حاكم، بل إنما يجوز لمن كان بمحل من الورع، وبمكان من العلم، بحيث يميز بين مصالح الشريعة ومفاسدها على وجه صحيح، ولا يكون كذلك إلا المجتهد. وأما من كان مقصرًا فهو لا يميز المصلحة من المفسدة على وجه صحيح، فقد يظن لجهله ما هو

стр. 3713

من المفاسد مصالح، وما هو من المصالح مفاسد، وهكذا من لم يكن بمحل من الورع، فإنه قد يجعل ذلك ذريعة إلى مقاصده الفاسدة. الوجه الموفي ستين: إن قلت: هل يقيد ما رجحته من جعل الحديث مخصصًا بالقيد الذي ذكره أبو موسى في الرواية التي ذكرناها عنه في حديث الباب، وهو الدابة والشاة والبعير، وما شابهها؟. قلت: نعم فإن لم يقل ذلك برأيه، بل قاله حاكيًا لما كان يفعله النبي ﵌ ولكن إذا وقع التمرد والعناد والتصميم عليه فذلك مبيح للدم، فضلاً عن كثير من المال. واعلم أن هذا القضاء على من لم يحضر ليس هو القضاء الذي ذكره أهل الفقه على الغائب (١) والمتمرد، فإن الذي نحن بصدده هو القضاء على المتمرد بمجرد تمرده بخلاف ما

стр. 3714

ذكره أهل الفقه، فلا بد فيه من مستند الحكم على المتمرد عندهم. وإلى هنا انتهى الجواب في شعبان سنة ١٢١٧ بقلم المجيب - غفر الله له -.

стр. 3715

(١٤٨) ٨/ ٣ بحث في القرائن وهي رد على تظلم رفع إليه من قبل رجل يتظلم من عريف من عرفاء بلاد الروس تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3716

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في " القرائن " وهي رد على تظلم رفع إليه من قبل رجل يتظلم من عريف من عرفاء بلاد الروس. ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم يا من حرمت الظلم على عبادك كما حرمته على نفسك أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ... " ٤ - آخر الرسالة: " فنقول لو فرضنا أن ما نقله من الإجماع له مدخل في محل النزاع لم يكن استعمال ذلك مع المكتوب إليه مناسبًا لأنكم تعلمون مذهبه ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٥ صفحة. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3717

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا من حرمت الظلم على عبادك (١) كما حرمته على نفسك، أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأستكثر من حمدك وشكرك، فقد أوضحت السبيل وشفيت الغليل بما أنزلته علينا في محكم التنزيل من النعي على الظلمة بتلك الآيات المحكمة، والقوارع المؤلمة، فأقمت الحجة، وأوضحت الحجة بكلام يفهمه الصم، ونظام لا يخفى على العمي البكم، ولم تدع دقيقًا ولا جليلاً، ونقيرًا ولا فتيلاً إلا أوضحته أتم إيضاح، وأبنته أكمل بيان، فإنك - تعالى جدك، وتضاعف شكرك وحمدك - لم تكتف ببيان المؤآخذة على مثاقيل الذر إذ قلت: ﴿ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ (٢) حتى أبنت المؤآخذة بمثقال حبة الخردل كما قلت: ﴿وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ (٣) بل تجاوزت هذه الغاية وأوضحت لنا ما هو دون هذه النهاية، فأخذت على العباد ألا يظلموا الناس شيئًا، وقلت: ﴿فلا تظلم نفس شيئا﴾ (٤)؛ فإن الشيء يصدق على عشر معشار الخردلة فما دونه، فسبحانك ما أوضح برهانك! وأتم بيانك! وأقوم حجتك! وأحكم حكمتك! ولما كانت رحمتك سابقة لغضبك (٥). وشفقتك على عبادك أكمل من شفقة الأم على

стр. 3718

ولدها (١)، كملت الحجة بإرسال رسول إليهم من أنفسهم يفهمون عنه، ويأنسون إليه، فقام فيهم مقامات، وفتق مسامعهم بكلمات بعد كلمات، يحذرهم من الظلم، ويحجزهم عن الغضب، ويقرن لهم بين الدماء والأموال والأعراض، ويبين لهم حرمتها، ويؤكد ذلك عليهم تأكيدًا أوضح من الشمس، ويكرر ذلك عليهم في المواقف والمجامع، ويستكثر منه في خطبه ومواعظه، حتى كان من جملة ما قاله عند توديعهم: " إنما أموالكم ودماؤكم وأعراضكم عليكم حرام " (٢)، ثم أشهد الله - سبحانه - على البلاغ، وأمر الناس به، وحضهم عليه، فسارت بذلك الركبان، وعرفه كل متشرع، ولم يشك مسلم من المسلمين أن هذا من ضروريات الدين، فصلى الله عليه، وعلى آله وسلم، وجزاه عن أمته أفضل ما جزى نبيًا عن أمته. وبعد: فإن موجب تحرير هذه الكلمات أنه وصل إلي رجل من بيت النبوة هو وبعض أهله يصرخون ويبكون، ويتظلمون من عريف من عرفاء النار، كما ورد بذلك النص عن المختار (٣) - من عرفاء [١] بلاد ......................................

стр. 3719

الروس (١)، فذكروا أنه استحل حرمتهم، وهجم عليهم، ولم يراع حق الله فيهم، ولا حق جدهم، وأرسل عليهم رسله، وأعمل فيهم فكره وحيله. وكانت هذه البلاد التي وصل هؤلاء المتظلمون منها قد جعل أمرها منوطًا بعالم كبير، ومحقق نحرير، هو سيدي العلامة شرف الدين بن إسماعيل بن محمد بن إسحاق (٢)، - لا برح ملحوظًا بألطاف المهيمن الخلاق -، فأرسلت هؤلاء المظلومين إليه، لكونه مرجع أمر ذلك العريف الظالم إليه، وقلت: قد برئت الذمة بإعطاء القوس (٣) باريها، وتنبيهه لهذه الملمة، فوصل إليه الرسول بأولئك المظلومين من أولاد الرسول، فكتب إلي كتابًا لا يناسب علمه الجم، ولا عرفانه العم، فأجبت تنبيهه على بعض ما في كتابه إلي من المخالفة لقانون الشريعة، المعلوم بالضرورة عند جميع المتشرعين. فقال بعد أن ذكر في كتابه أن ذلك العريف كتب إليه هؤلاء المتظلمين جنوا على

стр. 3720

رجل دخل منزلهم ما لفظه: وقد علمتم أن القرائن القوية معمول بها فيما هو أعظم من ذلك. أقول: نذكر هاهنا وجوها: الأول: السؤال عن هذه القرائن القوية التي أوجبت ظلم هؤلاء المظلومين، ما هي؟ الثاني: ما المراد بالعمل بهذه القرائن في هذا؟. هل الحكم على هؤلاء المتظلمين بأنهم الذين جنوا على المدعي، وألزمهم تسليم أرش جنايته، أو المراد إلزامهم بشيء آخر؟ إن كان الأول فهو حق آدمي محض يتوقف على طلبه، ولا يصح الاحتساب فيه، فكيف يظلمون هؤلاء، ويروعون، وتهتك حرمتهم، ويرسل عليهم إلى منازلهم، ولم يدع عليهم غريمهم، ولا طلبهم إلى الظالم لهم!، فهل هذا من الشريعة؟ وهل يفعل هذا متشرع! وإن كان المراد الثاني وهو إلزامهم بشيء آخر فما هو؟ إن قلتم: هو التعزيز لهم بالحبس ونحوه مما لا مدخل فيه لأخذ شيء من أموالهم. فنقول لكم: إن كان ذلك لأجل إقدامهم على المجني عليه فهو حق له يتوقف على طلبه، ويسقط بعفوه، فكيف أقدم العريف عليهم بتلك القوافر! والمجني عليه في بيته لم يأت إليه، ولا طلب منه إنصافه! ولا سأله الأخذ له من ظالمه! وإن كان المراد بالشيء الآخر هو أخذ بعض ما يملكه هؤلاء - أعني المتظلمين - ظلمًا وعدوانًا وقهرًا وجرأة على الله وعلى شريعته، ومصير ذلك المأخوذ إلى ذلك [٢] العريف الظالم، وإلى من أعانه على الظلم، ينتفعون به في شهواتهم وملاذهم، ويدعون هؤلاء المظلومين يتلهفون ويستغيثون فلا يغاثون، فهل هذا من فعل المتشرعين؟ وهل هذا من هذه الشريعة المطهرة؟ ... كلا - والله - بل من الظلم البحت، والطاغوت المحقق، فيا عباد الله ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ (١).

стр. 3721

الوجه الثالث: ذكرتم في أول كتابكم هذا: إن هذه القرينة التي قلتم عقبها أن القرائن القوية معمول بها هي أني لما أرسلت إليكم بالمظلومين أرسلتم للمجني عليه، فلما أرسلتم له عزموا بلادهم فقلتم: لو كانوا محقين لما عزموا، وجعلتم ذلك دليلاً على صحة الدعوى لكونه قرينة قوية. فأقول: غريمهم الذي تظلموا منه، وشكوا من فعله هو العريف، لا المجني عليه، فكان عليكم أن ترسلوا له لكون الدعوى منهم عليه، أو تحولوا بينه وبينهم، فهو لم يقدم ويحجم، ولا صال ولا جال إلا لكونكم فوضتموه في تلك البلاد، وجعلتم إليه الإصدار والإيراد، فما بالكم عدلتم عن هذا! وأرسلتم لغير من يدعون عليه! وأردتم أن تفتحوا عليهم بابًا مرتجًا، وتحيوا لهم خصومة، وتستخرجوا لهم غريمًا يدعي عليهم! وأين هذا من الإنصاف! ومن فعل المتشرعين! فهذا المظلوم إن هرب من هذا لم يكن ملومًا عند الله، ولا عند الناس، لأنه قد تيقن عدم إنصافه، وعرف ما يراد منه، وأيس من أن يعدل به، ويذاق حلاوة الحق، لأنه فر إلى الشريعة المطهرة، وإلى من إليه ولاية أمره، يشكو هو وأهله بالعريف الظالم، ويذكرون أن رسل هذا الفاجر في بيتهم يهتكون حرمتهم، ويستحلون مالهم، فقيل لهم: سنبعث لكم غريمًا من العدم، ومدعيًا من لا شيء يدعي عليكم، وإن كره أنكم فعلتم وفعلتم فيكون ذلك مسوغًا لما فعله العريف بكم من التنكيل بمجرد الدعوى، ونقيم الحجة له عليكم وعلى الشريعة التي فررتم إليها، بمجرد وجود مدع يكرهه على الدعوى، فهل يلامون إن هربوا من مثل هذا؟ وهل الفرار إلا عين الصواب؟ لأن حالهم قد صار كما قال القائل (١):

стр. 3722

والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار (١) أو كما قال القائل: فقلت من ذا الذي أرجوه لي فرجًا ... فقال أنا فرج زن لي كدى بيتي [٣] أو كما حكى عن كليب أنه لما طعنه جساس، وصار يجود بنفسه وصل إليه بعض قرابة جساس فقال له: أغثني بشربة، فأغاثه بطعنة كان فيها موته، فقال القائل: رمى ضرع ناب فاستغاث بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم فهل يقول من يعلم بل من يفهم أن فرار هذا المظلوم من الظلم قرينة قوية، تدل على جواز ظلمه! وعلى أن ذلك العريف الظالم محق في ظلمه، هو وأهله!. الوجه الرابع: إنا لو فرضنا أن المجني عليه يدعي على هؤلاء المظلومين، وأنه قد أوقع الدعوى ثم خاطبهم العريف الجاهل بمجرد الدعوى، وظلمهم وهتك حرمتهم فأردتم استيضاح الحقيقة، واستفصال الأمر بالإرسال للمدعي، فرجع الشاكي بلاده بعد الشكوى عليكم، وإرسالهم من مقام الشرع إليكم، وأنه لا مقصد لكم إلا استيفاء الوجه الشرعي للمجني عليه، فهل قد قال قائل من أهل العلم أن مجرد رجوع الشاكي إلى بلاده قبل وصول المجني عليه الذي له دعوى عليه يقوم مقام المناط الشرعي، ويوجب الحكم على هؤلاء المظلومين للغريم الغائب، بمجرد أنهم رجعوا البلاد التي جاءوا منها، مع أنها بالقرب منكم بينها وبينكم دون يوم، وهل دل على مثل هذا دليل؟ وهل جاءت به شريعة من الشرائع؟ فإن هذا ليس بقرينة قوية، ولا ضعيفة، ولا يقول من يفهم أنه من هذا القبيل، لأن الذي رجع إلى بلاده لم يرجع لكونه غاية ما وقف عليه منكم الإرسال لمن يدعي عليه، على فرض أنه يدعي عليه وهو لم يصل إليكم لتطلبوا له من له

стр. 3723

عليه دعوى، بل وصل إليكم لتنقذوه من العريف الظالم، وتحولوا بينه وبينه، وقدم الوصول إلى باب الشرع فأرجعه القاضي إليكم، فلما لم يجد عند القاضي إلا إرجاعه إليكم، ولا وجد عندكم إلا طلاب غريم يدعي عليه، وأهملتم شكواه، وتركتم ظالمه يصنع به ما شاء رجع ولسان حاله يقول: لم يوجد الإنصاف عند شريعة، ولا عند دولة، فالعود أحمد [٤] (١) ومظلمة أخف من مظلمتين. والصبر على العريف اختيارًا أولى من الصبر عليه اضطرارًا. ليست لمن ليست له حيلة ... موجودة أولى من الصبر الوجه الخامس: لو سلمنا أن هاهنا قرائن قوية، وأن المدعي ببابكم يصرخ ويتظلم ويقول: أنقذني من غريمي، أو خذ لي منه أرشي، وقد صح لديكم الحكم على المدعى عليه بمجرد هذه القرائن، فأنتم أهل للاجتهاد والترجيح والحكم، ولكن كان عليكم أن تقولوا لمن قد صح عندكم أنه الجاني سلم للمجني عليه أرش (٢) الجناية (٣)، وهو كذا، أو أقده من نفسك، فقد صح لنا وجوب ذلك عليك بالقرائن القوية، ولكن المفروض أنه لم يقع من ذلك العريف إلا المطالبة لهم بنهب مالهم ظلمًا وعدوانًا، ليأخذه لنفسه، ولمن

стр. 3724

على ظلمه، ولم يكن منه خطاب إلا بهذا لا بتسليم أرش جناية ولا قود، فإن كنتم تريدون أن العمل بتلك القرائن القوية على فرض وجودها مسوغ للحكم منكم للغريم على غريمه، على فرض صدور الدعوى منه، فالشكاة المظلومون لم يشكوا من هذا، ولا وصلوا إلينا ولا إليكم من أجله، بل وصلوا يتظلموا من العريف الذي أرسل رسله عليهم وأراد اجتياح أموالهم بعد استحلال أعراضهم، وهتك حرمتهم، فكان عليكم على فرض أن المدعي صار يطالبكم بالإنصاف له من الجاني عليه أن تنصفوه من الجاني عليه، وتنصفوا الجاني من غريمه الذي وصل شاكيًا من أجله، فظلامة الأعراض والأموال كظلامة الدماء، والعباد عباد الله حرم الظلم عليهم كما حرمه لهم. الوجه السادس: ذكر بعض أهل العلم (١) أن القرائن القوية التي يجوز جعلها مناطًا مثل أن يوجد رجل مقتول بجناية تثعب دمًا طريًا، ورجل آخر قائم عليه في تلك الحال، وبيده السلاح الجارح الذي لا يمتنع أن تكون تلك الجناية منه ... وهو ملطخ بالدم الطري، والرجل مضطرب الحال، متشوش البال، تظهر عليه الريبة التي على من فعل هذا الفعل الشنيع، فهذا قد قال قائل من أهل العلم أنه يجوز العمل به، وخالفه جمهورهم وقال: إنما تكون هذه القرينة [٥] موجبة للتثبت والاستفصال وأعمال السياسة الشرعية والتوقف عن المبادرة بالجزم بأن القول قول المنكر مع يمينه، وكلا القولين قد دلت عليه أدلة، وشهدت له شواهد من الشريعة، يطول المقام بإيرادها، وهي موجودة في مواطنها ولا حاجة لنا بإيرادها، لأنا لا ننكر عليكم العمل بالاجتهاد، وترجيح المرجوح عند الجمهور، وإنما نطلب منكم تقرير القرينة التي عملتم بها فيما نحن بصدده على وجه تكون كهذه الصورة التي لم يقل من قال بالعمل بالقرائن، إلا بما كان مثلها في تحصيل الظن للحاكم فهل دخل مولانا - كثر الله فوائده - عند وقوع الجناية إلى بيت هؤلاء المظلومين فوجدهم ووجد المجني عليه على هيئة تناسب تلك الهيئة، وصورة تلاقيها، فهو المقبول

стр. 3725

المصدق، وذو العرفان المدقق المحقق. الوجه السابع: إنا إذا رجعنا إلى الحقيقة، وتركنا نصب الحبائل الشيطانية لأخذ أموال العباد ظلمًا وعدوانًا وجدنا صفة الواقع أنه لا جاني ولا مجني عليه، ولا مدعي ولا مدعى عليه، ولا أثر جناية بمن يزعم العريف أنه المجني عليه، بل المراد تحصيل الحاصل، وأكل أموال الناس بالباطل، وقد وجب عليكم مكافأة الله - سبحانه - بما أنعم عليكم من نعمه التي من جملتها العلم والشرف، وعلو السن، ولا مكافأة أوجب وألزم وأحق من العدل، وترك الجور، والأخذ على يد الظالم، والحيلولة بينه وبين المظلوم، فإن مسالك أهل العلم إذا لم تتميز عن مسالك أهل الجهل كان العلم محنة لا منحة، ألستم ممن يتناوله قول الله - سبحانه -: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ (١) فأقل أحوال البيان الواجب عليكم أن يكون في الأمور التي تتعلق بكم، ولأهل الأعمال التي حلها وعقدها منوط بكم، ولا تكونوا كما قال الأول: ويضمر قلبي غدرها فيعينها ... علي فما لي في الفؤاد نصيب [٦] قال - عفاه الله - فقد عمل النبي ﵌، كما أخرجه الترمذي (٢) وأبو داود (٣) في قضية المرأة التي وقع عليها رجل في سواد الصبح، فاستغاثت برجل مر عليها وفر صاحبها، ثم مر عليها ذو عدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي استغاثت به، وأخذوه فجاءوا به إليها، فقال: أنا الذي أغثتك. وذهب الآخر فأتوا به النبي ﵌ فقال النبي ﵌:

стр. 3726

" انطلقوا به فارجموه "، فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه فأنا الذي فعلت بها هذا الفعل، وأشكل الحديث، وطال خوض العلماء، وأجابوا بأن هذا الرجل لما أدرك وهو يشتد هربًا، وادعى أنه كان مغيثًا لا مريبًا، ولم ير أولئك الجماعة غيره كان هذا من أظهر الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد لا يقصر عن الظن المستفاد من شهادة البينة، والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينة والأقارير، وشواهد الأحوال، وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة لا تقدح في كونها طرقًا وأسبابًا للأحكام. والأطراف في هذا الباب متسعة أقول: الجواب عن الاحتجاج بهذا ينحصر في وجوه: الأول: الاستفسار له - عافاه الله - عن مقصوده بالاحتجاج بهذا الحديث، هل جواز الحكم على من قامت القرائن عنده أنه جنى على ذلك المجني عليه. أو جواز أخذ شيء من ماله ظلمًا، وهو المسمى بالأدب في اصطلاح الناس اليوم. إن كان مراده الأول فلا نمنعه أن يحكم على هؤلاء الأشراف المتظلمين بأنهم جنوا على ذلك المجني عليه. إن كان قد قامت له القرائن القوية بأن يكون حاضرًا للواقعة في بلاد الروس، ودخل المنزل، ووجد المجني عليه هنالك، ودمه يسيل طريًا، وأهل المنزل بيدهم السلاح الجارح، وعندهم من الريبة ما يفيد أن الفعل وقع منهم، فإذا كان قد قام عنده هذا، أو ما يقوم مقامه من القرائن فهو أهل للترجيح، وحقيق بالإيراد والإصدار للأحكام الشرعية ولكن أين هذه الأمور أو ما يقوم مقامها؟ فإن الواقعة المزعومة كانت في بلاد الروس، ومولانا - عافاه الله - في بير العزب، ولم نسمع بأنه شد الرحل إلى هنالك، بل لم يبلغه من القضية شيء إلا مجرد كتاب إليه فعله العريف الظالم [٧] الذي وصل هؤلاء الأشراف يتظلمون منه، كما وصفه في كتابه الذي شرحناه بهذه الورقات، بل قدمنا أنه لا وجود للجناية، ولا للجاني ولا للمجني عليه، ولا للقضية من الأصل، ولا دعوى ولا مدعي ولا مدعى عليه، وليس في المقام إلا افتراء الكذب والزور والبهتان من ذلك العريف الجاهل، ليأكل أموال الناس بالباطل، فهذا الدليل على فرض أن الاستدلال به لقصد

стр. 3727

الحكم للمجني عليه على الجاني لا ينطبق على محل النزاع، ولا يدل عليه بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، وإن كان المراد الاستدلال بهذا الدليل على جواز أخذ مال هؤلاء المساكين ظلمًا وعدوانًا، وهو محل النزاع، والذي نحن بصدده، فأين هذا من ذاك؟ وكيف يستدل بهذا الدليل على ذلك المدلول من ينسب إلى عقل، فضلاً عن من ينسب إلى فهم، فضلاً عن من ينسب إلى علم!. أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل (١) يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح الوجه الثاني: هو - عافاه الله - قد اعتمد في هذا الاستدلال بهذا الحديث على ما تكلم به ابن القيم في الأعلام (٢)، فإنه قال فيه ما نصه، فإن قيل: كيف أمر رسول الله ﵌ برجم المغيث من غير بينة ولا إقرار! قيل: هذا أدل الدلائل على اعتبار القرائن، والأخذ بشواهد الأحوال في التهم، وهو يشبه الحدود بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة. وإقامة حد الزنا بالحبل كما نص عليه عمر، وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك أنه يقام الحد على المتهم إذا وجد المسروق عنده، فهذا الرجل لما أدرك وهو يشتد هربًا، وقالت المرأة: هو الرجل الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دنى منها وأتى إليها، وادعى أنه كان مغيثًا لا مريبًا، ولم ير أولئك الجماعة غيره، كان هذا من أظهر الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يقصر عن الظن المستفاد من شهادة البينة، واحتمال الغلط، أو عداوة الشهود كاحتمال الغلط أو عداوة المرأة هنا، بل ظن عداوة المرأة في هذا الموضع

стр. 3728

في غاية الاستبعاد، فنهاية [٨] الأمر أن هذا لوث ظاهر لا يستبعد ثبوت الحد بمثله شرعًا كما تقبل القسامة باللوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع، فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينة والأقارير وشواهد الأحوال، وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة أمر لا يقدح في كونها طرقًا وأسبابًا للأحكام. والبينة لم تكن بذاتها موجبة للحد، وإنما ارتباط المدلول بدليله، فإن كان هناك دليل يقاومها أو أقوى منها لم يبلغه الشارع، وظهور الأمر بخلافة لا يقدح في كونها دليلاً كالبينة والإقرار انتهى كلامه (١). ولا يخفى عليك أنه إنما قال: يعمل بالقرائن في ثبوت الحد في مثل هذا الأمر الذي ورد فيه بخصوصه هذا الدليل، ولم يجعل هذه القرائن وهذا الدليل مسوغًا لأخذ مال الرجل المتهم ولا مجوزًا له. الوجه الثالث: في بيان دفع كلام ابن القيم هذا بما يظهر خلاف لراقم الأحرف. وإذا اندفع اندفع كلام غيره بالأولى، فلم يقرر دلالة هذا الدليل على العمل بالقرائن أحد من العلماء كتقريره، ولا طول هذا البحث من متقدميهم ولا متأخريهم كتطويله، فإنه كرره في مواضع من مؤلفاته، وقرره وطوله بما حاصله ما نقلناه عنه سابقًا، فنقول: لا يخفى عليك أن جعله لهذه الواقعة مشبهة لإقامة الحدود بالرائحة والقيء، مما لا يبقى فيه لا شك ولا ريبة أنه قد شرب الخمر، فكيف ينزل ما بتلك المنزلة، أو يلحق بتلك الواقعة والحال أن الرجل يقول: إنما أغثتها وينكر ما تدعيه، وهي تقر بأنه قد أغاثها رجل غير الذي فعل بها ما فعل، وتقر بأن ذلك الرجل الذي أغاثها قد فارقها كما فارقها الرجل الذي فعل بها ما فعل، وتقر بأنه موجود في الخارج، كما أن الرجل الذي باشرها موجود في الخارج، فكيف يدعي عاقل على العقل، أو على الشرع أنه يقتضي أن هذا

стр. 3729

هو الفاعل، كما يقتضي أن من تقيأ خمرًا تصاعدت من معدته [٩]، واندفعت من فمه بمرأى ومسمع من الناس أنه شربها، وأين هذا من ذاك! فإن هذا يستحيل أن يحصل للعقل تجويز ذلك أن ذلك الشارب يشرب ماءً فاندفع بالقيء خمرًا، أو أنه دفعه من بين ثيابه لا من فمه، أو أن الذي دفعه غير خمر بخلاف قضية المرأة، فإن عقل كل عاقل يجوز أن الذي باشرها غير هذا، ولا ينكر هذا من يتعقل القضايا ولا سيما وهي تعترف بأنه قد أغاثها مغيث وفارقها تابعًا لمن باشرها، مريدًا للقبض عليه. ولا شك أن اللاحق إذا كان يشتد بعد الملحوق فهو آخر الرجلين أقربهما إلى المرأة، فقضاء العقل بأن هذا الرجل الذي لحقه الجماعة ووجده أقرب إلى المرأة هو المغيث لها أقرب من قضائه بأنه الفاعل بها، وأعجب من هذا وأغرب دعوى ابن القيم أن هذه القرينة مساوية لقرينة الحبل، فيا سبحان الله إذا لم تبق لنا علوم ندرك بها المعلومات فقد بقيت لنا عقول وأفهام ليقال أن هذا الرجل الذي ادعت عليه المرأة ينزل منزلة امرأة وجدت حاملاً يتحرك الحمل في بطنها، ولا زوج لها، فهل ثمة احتمال عند العقل أن هذا الحمل وجد لا عن مني رجل دخل في فرج المرأة، وهذا يجوزه الشرع أم هذه المرأة كمريم - سلام الله عليها - بعث الله إليها ملكًا فنفخ في فرجها، كما يجوز العقل أن الذي باشر تلك المرأة هو غير الذي ادعت عليه. فرحم الله ابن القيم، فلقد جاء في هذا البحث بما يضحك الثكلى، وليس العجب منه فالعالم قد يجري قلمه بالكلام الساقط للضعف البشري الذي هو ختم في رقاب العباد ولكن العجب من عالم يختار كلامه ويقلده في خطئه وسقطه، بل يستدل به على مدلول أجنبي بينه وبينه ما بين السماء والأرض، وأما دعواه أن الظن الحاصل بهذه القرينة [١٠] كالظن الحاصل بالشهادة والإقرار فهذا أغرب مما قبله، وأعجب، فإن كل عاقل بعلم الفرق بين قضية يقول فيها رجلان عدلان نشهد أن هذا فعل كذا، ونحن ننظر إليه، وبين أن يقول مدع ادعى على فلان كذا، وتنزل قرب ذلك المدعى عليه من المدعي، أو كونه مشاهدًا له أو ماشيًا في طريق تمر به ذهابًا وإيابًا، منزلة قول رجلين

стр. 3730

عدلين أنه فعل كذا بمرأى ومسمع، أو منزلة قول المدعي عليه نفسه أنه الفاعل إقرارًا منه على نفسه، وتسجيلاً عليها بذلك، فهل يلتبس الفرق بين الصورتين على من يعلم بالمسالك العلمية، والمدارك الشرعية، بل على من يفهم، بل على من له عقل!، فلقد ادعى ابن القيم ﵀ على العقل والشرع ما هما بريئان عنه، ثم لو فرضنا أن يحصل ظن بتلك القرينة التي جعلها دليلاً، فقد تقرر أن الله لم يتعبدنا بكل ظن يحصل من أي وجه، وبأي أسباب، ولو كان كذلك لم يكن لاعتبار المدارك التي اعتبرها الشارع أسبابًا للحكم فائدة، ولا كثير معنى. وخلاصة القول: أن الله - سبحانه - نهانا في محكم كتابه عن اتباع الظن في آيات كريمة (١) كثيرة، وجاء سبحانه بصيغ عامة تشمل كل ما يصدق عليه مسمى الظن، فلا يجوز لنا أن نعمل بشيء من الظنون إلا ما خصه دليل. وقد خص الدليل جواز الحكم بشهادة العدلين، وإقرار المقر ويمين المنكر، كما خص جواز العمل بأخبار الآحاد، وما عدا ما لم يقم عليه دليل يخصه فهو مندرج تحت ذلك العموم لا يحل لنا أن نعمل به بدون مخصص، كائنًا ما كان، ولا سيما في مثل الأمور المستلزمة لإراقة الدماء، وهتك الحرم. الوجه الرابع: إن قلت لي: أبن لي الوجه فيما صدر عنه ﵌ من الأمر برجم الرجل الذي ادعت عليه المرأة! قلت: قد تكلم أهل العلم في ذلك بكلام طويل، وجاءوا بتأويلات أكثرها متعسفة [١١] والذي أرتضيه أنا وأجعله تأويلاً لما وقع في هذا الحديث هو أنه تقرر في الأصول (٢) أنه يجوز عليه ﵌ الخطأ في الاجتهاد، لا فيما طريقة التبليغ. ولكنه لا يقر عليه، وهذا

стр. 3731

منه، وهو مثل ما ثبت عنه في الرجل الذي كان يدخل على بعض نسائه ﵌ فأمر عليًا بأن يذهب إليه فيضرب عنقه، فذهب إليه فوجده يغتسل في ماء، فأخرجه من الماء فوجده مجبوبًا لا عضو له، فرجع فأخبر النبي ﵌ بذلك فتركه على ما كان عليه (١)، فهذا من الخطأ في الاجتهاد، وهو جائز غير ممتنع. ويمكن التأويل بوجه آخر هو دون هذا الظهور، وهو أنه كان ما أمر به النبي ﵌ جائزًا ثم نسخ بأنه لا يجوز الحد إلا بالمناطات التي وردت وعمل بها الصحابة فمن بعدهم. ويمكن التأويل بوجه ثالث هو دون الذي قبله، وهو أمره ﵌ برجم الرجل المذكور إنما صدر منه لنوع من السياسة الشرعية التي جاءت بها الأدلة، والوجه في ذلك أن المباشر لتلك المرأة ربما يظهر نفسه، ويقر بذنبه مخافة أن يتحمل ذنب معصية الزنا، وذنب سفك دم الرجل البريء، ومثل هذا موجود في الطباع البشرية، مدرك عند المتدينين الواقعين في بعض المعاصي التي تلجأ إليها الطبيعة البشرية. الوجه الخامس: نستفسره - عافاه الله - هل عمل بما ذكره ابن القيم من دلالة هذا الدليل على ذلك المدلول اجتهادًا أو تقليدًا؟ إن قال وافقه اجتهادًا كما هو الظن به والموافق لعلي مكانه فنقول له - عافاه الله -: انظر إلى ما حررناه هاهنا بعين الإنصاف، فإنك إذا أمعنت النظر الذي يوجبه الاجتهاد رجعت عن موافقته إلى مخالفته، وإن قال - عافاه الله -: إنما عمل بكلامه تقليدًا فلا حيلة لنا في هدايته إلى ما هو أولى بالاتباع [١٢] ... فإنه أقر على نفسه بأنه لا يتعقل الحجج الشرعية. ونقول له - عافاه الله -: ما الذي ألجأك إلى هذا وقد أعطيت من علوم الاجتهاد ما

стр. 3732

تتمكن به من الإصدار والإيراد! وكيف تنزل عن المنزلة التي أنزلك الله فيها، وأحلك بها إلى منزلة لا تجمل بمثلك، ولا تليق بكمالك! ثم مالك - عافاك الله - أبعدت النجعة وسافرت إلى تقليد ابن القيم، وقد كان لك في الأئمة من آبائك غنى يغنيك، ومأوى يؤويك، وكن يكنك، وعريش يظلك: فدع عنك نهبًا صيح في حجراته ... وهات حديثًا ما حديث الرواجل الوجه السادس: بالله عليك يا مولانا لا نشغل الورق، ونتكلف لتزييف كلام أهل العلم، ونتقحم على الاستدلال بما هو أجنبي، مما نحن بصدده .. فأنت تعلم - كثر الله فوائدك - أن محل النزاع بيننا هو كون العريف الذي فوضته في بلاد الروس أرسل على هؤلاء الأشراف رسلاً، وطلب منهم أدبًا، أي حرامًا وسحتًا، فواصلوا يتظلمون إلى الشريعة المطهرة، فأرسلتهم إليكم لتنصفوهم من العريف الظالم، فهذا هو بيت القصيد، وهو محل النشيد، فلا نشغل أنفسنا بغيره، ولا ندخل في مداخل خارجة عن المراد، فالعلم أمانة، وأهله أمناء عليه، وحججه على خلقه، وورثة أنبيائه، والمترجمون له لعباده، والمبينون لهم ما نزل إليهم. فما أحقهم بأن لا يخونوا هذه الأمانة، ويخيسوا في هذا الميثاق، ويخفروا ذمة الله، وذمة رسوله! فيوهمون الناس بأنهم استحلوا ما استحلوا، وانتهكوا لحجج لديهم، وبراهين يعرفونها. والشريعة بريئة عن ذلك، مصونة منه، بل لا فائدة ولا عائدة في هذه الأمور إلا تشفيع الذنب بذنب أشد منه، وتعقيب المعصية بمعصية أفظع منها، فإن دعوى أن الله حلل الحرام أشد [١٣] من الإقدام على ذلك الحرام. وكل عارف يعلم أن ذنب من قال من أهل العلم أن الخمر حلال، أو الزنا، أو الربا حلال أشد من ذنب من شرب الخمر، أو عامل بالربا، أو زنى بامرأة. هذا لا يشك فيه أحد من المتشرعين، وقد دلت عليه الأدلة الكلية والجزئية دلالة كالشمس، فلا نطول بذكر ذلك، فهو من معلوماتكم. قال - عافاه الله -: وذكرتم - أبقاكم الله - في جوابكم النفيس على الولد

стр. 3733

العلامة علي بن عبد الله الجلال وجوهًا عديدة من جملتها عمله ﵌ بالقرائن (١).

стр. 3734

أقول: لعله - أدام الله فوائده - يشير إلى ما ذكرته في ذلك الجواب في الوجه السابع والخمسين والثامن والخمسين بما حاصله أن الأحاديث الواردة في الشاهد واليمين المبينة أنها مناطان للحكم لا تنفي أن يكون غيرهما مناطًا، إذ لا حصر فيها، وعلى فرض وجود صيغة تفيد الحصر فيكون الدليل الذي سأل عنه السائل في ذلك السؤال مخصصًا للعموم، فهذا الكلام ليس فيه إلا التعرض لعدم انحصار المناطات الشرعية في الشهادة واليمين، وليس فيه التصريح بالعمل بالقرائن، فأين هذا من ذاك؟ ثم لو سلمنا أنه يشمل القرائن القوية وإن كنت لا أقول بذلك. ولا أريده، فأين هو مما نحن بصدده؟ فإن الذي نحن بصدده أمر آخر هو أن أولئك الضعفاء لجئوا إلينا وإليكم متظلمين من العريف الظالم الذي أراد اجتياح مالهم بعد هتك حرمتهم. قال - عافاه الله -: وللعلامة ابن القيم الجوزية في ذلك كلام فقال فيمن اتهم بسرقة، أو قطع طريقًا، أو زنا، أو قتل: ما علمت أحدا من أئمة المسلمين [١٤]

стр. 3735

يقول: إن هذا المدعى عليه بهذه الدعاوى وما أشبهه، يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره، وليس في تحليفه وإرساله مذهب لأحد من الأئمة ولا غيرهم، ولو حلفنا كل واحد وأطلقناه، وخلينا سبيله، وقلنا: إنا لا نأخذه إلا بشاهدي عدل، كان مخالفًا للسياسة الشرعية، ومن ظن أن الشرع تحليفه وإرساله فقد غلط غلطًا فاحشًا. أقول: هذا خارج عن محل النزاع بكل حال: فإن ابن القيم إنما أرشد في كلامه هذا إلى التثبيت والتأني، وعدم الجزم بظاهر الشرع في مثل الأمور العظيمة من دون إعمال للسياسة الشرعية، وهكذا نقول وبه نعمل، ولكن ليس في هذا أنه يحكم على ذلك الذي سرق أو قطع [الطريق] (١) أو قتل بغير الوجه الذي شرعه الله لعباده، ولا فيه أن يحكم على هؤلاء الأشراف الذين تظلموا إلينا وإليكم بهتك حرمتهم، وبقاء أعوان ذلك العريف الظالم في بيوتهم، وأخذ شطر من مالهم بلا مدع يدعي عليهم، ولا شاهد يقول إنه شاهدهم ولا، ولا، ولا. وأيضًا فقد قال ابن القيم (٢) ﵀ بعد كلامه هذا الذي نقلتم عنه ما لفظه: ولأجل هذا الغلط تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن السياسة الشرعية قاصرة عن سياسة الخلق ومصلحة الأمة، فتعدوا حدود الله، وخرجوا عن الشرع إلى أنواع الظلم. انتهى بحروفه. فهذا كلامه، وهو حجة عليكم لا لكم، إذا أنصفتم، ومع هذا كله فاحتجاجكم - كثر الله فوائدكم - بكلام ابن القيم لو فرضنا أنه قد قال في كلامه - وصانه الله - أن ما فعله عريف بلاد الروس بالأشراف سائغ جائز. لم يكن بصواب، فليس الحجة تقوم بكلام عالم، بل الحجة كلام الله، وكلام رسوله وإجماع الأمة عند القائل به، ولا سيما خطابكم هذا مع رجل قد خلع ربقة التقليد من

стр. 3736

عنقه قبل اليوم بأكثر من عشرين سنة، فكيف أجريتم الكلام معه هذا المجرى! وسلكتم معه هذا المسلك! إن قلتم: إنما ذكرتم كلامه لكونه قد حكى الإجماع على ذلك، فنقول: لو فرضنا أن ما نقله من الإجماع له مدخل في محل النزاع، لم يكن استعمال ذلك مع المكتوب إليه مناسبًا، لأنكم تعلمون مذهبه ........................................... (١)

стр. 3737

(١٤٩) بحث في العمل بالخط ومعاني الحروف العلمية النقطية تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 3738

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في العمل بالخط ومعاني الحروف العلمية النقطية. ٢ - موضوع الرسالة: " فقه ". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أقسم بالعلم وعلم بالقلم فأظهر أفراد الأفكار العقلية. ٤ - آخر الرسالة: " ... وهذه قضية مقررة محررة متفق عليها في جميع العلوم الشرعية عند جميع أهلها. قال في الأصل كتبه محمد الشوكاني غفر الله له انتهى. ٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول. ٦ - عدد الصفحات: ٨ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٢ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3739

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أقسم بالعلم، وعلم بالقلم فأظهر أفراد الأفكار العقلية في صور النقوش الخطية، ومعاني الحروف العلمية النقطية، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد النبي الأمي القائل: «العلم أحد اللسانين»، وعلى آله بدور الدجى، وورثة الحكمة، المنزهين عن كل شين ومين، وعلى أصحابه نجوم الهداية، ومصابيح الرواية، والتابعين لهم بإحسان، فهم حماة الشريعة عن كل منكر ودين، فالمسؤول من مولانا شيخ الإسلام، ومحيي شريعة سيد الأنام، عالم الدين بالاتفاق، وناشر ألوية الدين في جميع الآفاق محمد بن علي الشوكاني - أمتع الله بحياته، وأدام إفاداته، وأعاد علينا من بركاته، ونفعنا بدعواته، وشملنا بمودته - وسلام على الله وتحياته ورحمته وبركاته، الإفادة بما يختاره ويرتضيه في العمل بالخط، وجوازه، فلا يخفى حصول الاختلاف، وميل كل من المفرعين إلى ما ظهر له، فهم بين مثبت للعمل به، وناف. ومنهم من أقام الدليل على مدعاه، ومنهم من جعل تجويز التحرير والتحريف علة المنع في مرماه. وأما إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري ﵁ فأورد في صحيحه (١) ما يشفي الغليل، ويهدي إلى سواء السبيل، ولكن في بعض الروايات ما يدل على التقييد بالإشهاد، وفي بعضها الإطلاق، فالمطلوب من مولاي - متع الله بحياته - الإيضاح لما يختاره، فهو نقاد الشريعة الباهر، وبحرها الزاخر الذي عمت بركته الأوائل والأواخر - أطال الله تعالى للمسلمين في عمره -[ ... ] (٢) سئل عنه وأنطق به، وأنظر إليه بجد ملء المسامع والأفواه والمقل، وهل يلزمه مثل ذلك فيما جرى به عادة كثير من الناس، بينما كبراء أهل البوادي، فإنه قد غلب عليهم الاكتفاء بخطوطهم في مثل إقرار أو وصية، وربما وقع التنازع في حياة الكاتب على نفسه أو بعد موته، وهو الأغلب، فهل يعمل بمجرد

стр. 3740

خطه، ويكتفي به، أو يكلف من هو في يده البينة على مدعى [ ... ] (١) [١أ] بيانات التجار فيما لهم وعليهم من المعاملات، فإنه يقول أحدهم عند التنازع: ليس لي بينة إلا بياني، فمع قبوله من خصمه لا شك في لزومه، والمفروض التناكر والتنازع، على أنه لا يخفى تعذر الإشهاد في كل ما جرت به المعاملة، بل قد يقع الاجترار عن اطلاع أحد، فهل يكون الظاهر مع صاحب البيان، ويكون القول قوله، أو يرجع إلى الأصل بأن على المنكر اليمين؟. وكذلك لا يخفى على مولاي - متع الله بحياته - بأنه قد اشتهر عنه - حفظه الله - منع العمل بصور الشيم والأوراق والأحكام، وإطلاق المنع على ما تظهر صحته أو عدمها بحسبما يقتضيه المقام، فالمطلوب من حسناته - أحسن الله جزاءه، وضاعف ثوابه - إيضاح وجه المنع، وهل ذلكم المنع مطلقًا في كل صورة، سواء عرف عدالة الناقل أو مقيد الجهالة، أو ظهور عدم عدالته؟ فإنا نجد في بعض الصور ما يتوجه العمل به لعدالة الناقل، والجزم منه بصحة ما نقله، بل قد يكون من بعض رجال السند مثل سيدي العلامة أحمد بن عبد الرحمن الشامي (٢)، ومثل سيدنا العلامة يحيى بن عبد الله (٣) ومثل سيدنا الوالد العلامة إسماعيل بن يحيى الصديق (٤) وغيرهم من أعيان العلماء ممن مارس

стр. 3741

القضاء - شملهم الله برحمته ورضوانه، وأسكنهم فسيح جناته وحباهم بحر مغفرته - وكذلك مثل ساداتنا الأعلام الآخذين عنكم - جعلني الله منهم - فإنه قد يرد منهم ما يقتضي العمل، وهل يجري ذلك مجرى نقل العدول من المنصفين لكتب سيد المرسلين - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أجمعين - مثل كتاب عمرو بن حزم (١) وغيره من كتبه ﵌- للإقطاعات وآل الملوك (٢) وغيرها (٣)، فكثيرًا ما يؤتى فيه بلفظ وصورة ما كتبه، أو لفظه من كتبه مع أنا نشاهد من الضرر في عدم العمل والتضرر من المتمسكين ما يحرج به الصدر، وأوجب المذاكرة، فإن المتمسك بين خطرين [ .... ] (٤) سيما في هذه الأزمنة التي المخافات فيها مستمرة، وأيدي العدوان فيها مشتهرة. فقد يبسط باسط على الأموال ومالكه نازح عن بلد المال [١ب]، فيحتاج إلى المشاجرة وإظهار مستند ملكه، فإن أرسل بالأصل ختم الضياع، وإن اتكل على الصورة حسم عدم العمل والاتباع، وكذلك الحاكم يبقى في محارة عظيمة، وورطة جسيمة إن بنى على العمل قال له الخصم: هذا غير نافذ عند مرجع الأحكام والحكام شيخ الإسلام، وإن بنى على المنع قبل معرفة لوجهه ولا وجه لمعرفته، وتم للغاصب مراده، وذهب مال المطالب، وحجته، وزاده على أن ليس للحكام طريقة إلا الاشتهار عن شيخ الإسلام - حفظه الله تعالى - بالمنع، وهو ممن يمنع التقليد ولا يرتضيه، ويجدل أهله وذويه، ومع

стр. 3742

أن حاجة الناس إلى ذلكم ضرورية لما سبق أولاً، ولما صار عملهم سلفًا وخلفًا على التعامل بذلكم، ويجدون في صدورهم حرجًا عن عدم العمل بما هنالكم، وقد يؤدي إلى انتقاض ذلك الناقل العالم الفاضل، وتوهين أمره، والخروج في حقه بما لا ذنب له فيه، فمن حسناتكم الإيضاح بما يكون عليه العمل المرضي عند الحكم الحق ﷻ وعز شأنه - حرره السائل الحقير يحيى بن إسماعيل الصديق مصليًا ومسلمًا على النبي الكريم، وآله وصحبه، حامدًا شاكرًا لربه، باذلاً للدعوات في الخلوات والجلوات، مستمدًا من مولاي ذلكم - جزاه الله خيرًا - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم آمين.

стр. 3743

الجواب بخط مولانا شيخ الإسلام - متع الله بحياته -. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الأكرمين، ورضي الله عن صحبه الأنجمين. وبعد: فإنه وصل سؤال ولدي قرة العين - كثر الله فوائده، ومد على طلاب العلم موائده - وليعلم أن الخط قد وردت الأدلة الصحيحة بقيام الحجة به، والعمل بما اشتمل عليه، فمن ذلك أنه ﵌- كان يبعث بكتبه إلى ملوك الأقطار (١)، ثم ترتب على ذلك غزوهم والدعاء عليهم، ومنها أمره ﵌- بكتب المصالحة بينه وبين قريش (٢)، ومنها كتب الأمانات، ومنها كتب الإقطاعات (٣)

стр. 3744

ومنها كيف عقد الذمة والصلح، ومنها كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه إلى النبي ﵌ وأخذ الصحابة ﵃ كثيرًا من الأحكام الشرعية منه. وقد روى مسندًا ومرسلاً، فمن رواه مسندًا [٢أ] أحمد (١)، والنسائي (٢)، وأبو داود في كتاب المراسيل (٣)، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبو يعلى الموصلي، ويعقوب ابن سفيان في مسانيدهم، ورواه الحسن بن سفيان النسوي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وعبد الله بن عبد العزيز البغوي، وأبو زرعة الدمشقي، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وحامد بن محمد بن سعيد البلخي، والحافظ الطبراني (٤)، وأبو حاتم ابن حيان البستي في صحيحه (٥)، وجماعة غيرهم. وأما المرسل فرواه النسائي (٦)، وأبو داود (٧)، والشافعي (٨)، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم. ومن ذلك حديث البخاري (٩) ومسلم (١٠) وغيرهما (١١) عن ابن عمر أنه

стр. 3745

- ﵌ قال: " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " ومنها أمره ﵌- بكتابة القرآن؛ ومنها ما ثبت عنه ﵌- أنه كتب كتابًا وختمه (١)، وأمر بسرية تعزم إلى حيث يريد، وأنهم لا يقرؤون الكتاب إلا حيث عينه لهم (٢)، ويعلمون بما فيه، ومنها قول (٣) أمير المؤمنين ﵁ وقد سئل هل خصكم رسول الله ﵌ بشيء؟ فقال: لا إلا ما في هذه الصحيفة، وفيها أحكام شرعية، ومنها قوله : ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ (٤) وذلك يستلزم العمل بما فيها من الكتابة. ومن ذلك قوله : ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ (٥) فلو كانت الكتابة غير معمول بها، لم يأمر عباده بالكتابة. ومنها ما ثبت في الصحيح (٦) من أمره ﵌- بالكتابة لأبي شاه، وما ثبت في الصحيحين (٧) من إذنه ﵌- لعبد الله بن

стр. 3746

عمرو بالكتابة. ومن ذلك عمله ﵌- بما جاء من كتب عماله كما رواه البيهقي (١) من حديث البراء بن عازب. ومن ذلك إجماع الصحابة على العمل بالخط، رواه أبو الحسين البصري في المعتمد (٢)، والرازي (٣)، ويعقوب بن سفيان الحافظ، وإسماعيل بن كثير الحافظ، والإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة. ومن الحاكين لإجماع الصحابة على العمل بالخط الرازي في المحصول (٤). وأما من بعد الصحابة فيدل عليه إجماعهم الفعلي على الاحتجاج لذلك، والعمل به في معاملاتهم، وفي المصنفات في الفنون العلمية على اختلاف أنواعها، ومنها عملهم بالوجادة (٥) التي صرح العلماء (٦) بقبولها.

стр. 3747

إذا عرفت هذا فاعلم [٢ب] أن هذه الكتابة التي وردت في الكتاب والسنة، وأجمع عليها المسلمون هي الكتابة الصحيحة التي لا يدخلها احتمال بتغيير، ولا تبديل، ولا زيادة، ولا نقصان، كما هو معلوم أن ما كان عرضة لذلك لا ينتفع به ولا يرتفع عند النزاع، ولا ينقطع به الخلاف. وقد أجمع العلماء أجمع على أن ما احتمل ذلك لا يحتج به على خصم، ولا يستند إليه حكم، ولو كان من كتب الله المنزلة على أنبيائه إذا احتمل التغيير، أو التبديل، أو الزيادة، أو النقص لم يجر العمل به. وإذا دخل الاحتمال في النقض لم يجر العمل بالباقي، لأن التجويز كائن وقد كان رسول الله ﵌- يكتب كتبه، ويختمها بخاتمه مع رسوله المعروف، فيعلم ذلك القريب والبعيد، ولا يشكون فيه، وكانوا عربًا لم يكن عندهم هذه المراوغات الحادثة بعد اختلاط طوائف العالم، والتحيلات بكل ممكن، والحرص على تنفيق ما يوافق الغرض وإن كان باطلاً، ثم كذلك ما كان يجري في أيام الصحابة من الكتابات هو على وجه لا يتطرق إليه احتمال، ولا تغيير، ولا تبديل، بل ما اشتملت عليه الكتابة هو معروف بينهم لا ينكرونه، وهكذا الكتب العلمية التي يأخذها الناس بالوجادة، فإنه لا بد أن يكون كاتبها ومن قرئت عليه، ومن قرأها معروفين لا يتطرق إلى خطوطهم ظن التزوير والتغيير. ثم هكذا ما أجمع عليه الصحابة ومن بعدهم، فإنه الخط الصحيح المعروف الذي لا يحتمل تبديلاً ولا تغييرًا. وأما ما كان كذلك، فلو قيل بقبوله لأكل الناس أموال بعضهم البعض بهذه الوسيلة المكذوبة، والذريعة الباطلة. ومن القسم المعمول به خطوط العلماء المعروفين، والحكام المشهورين إذا كانت تلك الخطوط معروفة، ولا شك ولا ريب أن خطوط أكابر العلماء والحكام يعرفها من جاء بعدهم، ولو بعد مئين من السنين، فما كان سبيله هذا السبيل فهو من المعمول به لقيامه مقام الرواية، والمراد أنه يسوغ للمطلع عليه أن يقول هذا خط فلان. ويلزم بما يشتمل عليه من حكاية المعاملات والمداينات، إلا أن يعارضه ما هو أقوى

стр. 3748

منه، وذلك لا يخالف كونه خط فلان، بل يخالف استصحاب [٣ا] كونه باقيًا على ثبوت ما فيه، وذلك مثل أن تجد بخط حاكم معروف أن فلانًا أقر بأن عنده لفلان ألف دينار، ثم تجد بخط من بعده من الحكام المعروفين أن فلانًا الذي عليه الألف دينار قد قضاها وبرئت ذمته منها فلا شك أن العمل على الخط المتأخر، ولا يكون ذلك قادحًا في كون الخط الأول خط فلان، بل هو خطه، لكنه وجد الناقل عنه والرافع لما فيه، وهكذا إذا تطاول الزمن، وكان أحد الخصمين ثابت اليد على ما يحكى في رقم من الحكام المعروفة خطوطهم أنه لفلان، وكانت الأرض يد الشريعة فيها قاهرة، فإن استصحاب كونها لثابت اليد أقوى من استصحاب كونها لصاحب الرقم بطول المدة، لا سيما مع انقراض المكتوب له، والمكتوب عليه، والكاتب. وليس هذا من ترك العمل بالخط، بل من العمل بما هو أرجح منه، مع تسليم كونه خط فلان. وقد تقع المعارضة بين خطين معروفين لمرجح آخر وهو أن يكون الكاتب أحدهما متثبتًا متحريًا متحفظًا من قبول التغرير والتدليس، والآخر ليس بهذه الصفة أو بعضها، فإنه هاهنا كان العمل بالترجيح القوي المعلوم عقلاً ونقلاً وعادة. وعلى المتعاملين أن يمتثلوا ما أمر الله به من أن يكتب بينهم كاتب بالعدل، وبالإشهاد على التبايع، فإنه إذا وقع العمل على ما شرعه الله - سبحانه - لعباده ارتفعت أسباب الخصومات، وانقطعت دوافع التغريرات. وأما ما يجري به العرف في خص الأمكنة فإن خط صاحب المال من التجارة وغيرها مقبول على من يقابله، فإن هذا بالجهل أشبه منه بالعلم؛ لأنه قبول لدعوى مجردة إلا إذا كان من عليه الحق يوافق من له الحق بأنه لا يكتب إلا حقًا كان المستند لثبوت ذلك هو هذا الإقرار، لا مجرد الكتابة. وينبغي أن يتنبه هاهنا لدقيقة قد تخفى على كثير من الناس، وهي أن فرقًا ظاهرًا أو واضحًا بين ما يرقمه الحكام المعرفون بخطوطهم المعروفة على طريقة الحكم وعلى طريقة الإقرار، فإن ما كان على طريقة الحكم جزمًا كان قبوله متحتمًا، لأنه لا يجزم بذلك مع كونه موثوقًا بدينه وعلمه إلا بمستند ظاهر [٣ب]

стр. 3749

واضح، وأما ما يرقمونه على طريقة حكاية الإقرار، أو للفظ شهادة شهدوا لديه أو نحو ذلك من دون جزم منه بذلك فإن هذا ليس من باب الحكم، بل من باب الرواية، فهو قد روى مثلاً صدور الإقرار لديه، أو قيام البينة عنده؛ لكون خطه معروفًا لا يشك فيه، ولكن إذا تبين خلل ذلك الإقرار بوجه من الوجوه المعتبرة فيه، أو خلل الشهادة بأمر يوجب القدح فيها كان العمل بذلك واجبًا. وحاصل الأمر أنه لا شك أن العمل بالخط على الوجه المعتبر شريعة قائمة (١)، وسنة

стр. 3750

متبعة، وإجماع صحيح. ولكن هذا الخط هو الخط الذي تقوم به الحجة عند الترافع والتخاصم، أو عند الاختلاف في الرواية، ولا تقوم الحجة بالإجماع إلا بخط معروف من ثقة معروف لا يتطرق إليه وهم، ولا يعتريه احتمال زيادة، أو نقصان، أو تحريف، أو تغيير، أو تبديل. أما إذا كان هكذا، فلا تقوم به حجة قط. ولا يقول قائل بأنه يتوجه العمل به، فإن الإقرار الذي هو أقوى الحجج الشرعية إذا تطرق إليه احتمال كذب المقر يعرض له، أو لإكراه واقع عليه، أو لتغرير وتلبيس وقع فيه فليس بحجة بالإجماع، ولا يثبت له حق. وهكذا الشهادة التي هي حجة بعد حجية الإقرار إذا ظهر فيها وجه قادح بوجه من الوجوه المعتبرة لم يكن، فمن عمل بمثل هذا الإقرار أو البينة فهو عمل بباطل من القول، وزور من الكلام. ومثله مثل من يعامل الوصية المخالفة للشريعة، أو النذر المشتمل على
следующие страницы →