← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

محتاج إلى بسط طويل يخرجنا عن المقصد الذي نحن بصدده. والدليل الثاني عشر: أن ملاحظة المسلمين إذا لم تتم إلا بإتعاب النفوس، وتقحم المشاق فليس الأمر بذلك بدعة لما ثبت عنه ﵌ من أمر المهاجرين والأنصار بحفر الخندق. وعزة الإسلام التي هي رأس المصالح الدينية إذ لم تتم إلا بإجبار اليهود فهي أولى بالجواز من حفر الخندق. فإن قلت: إذا كانت المصلحة موجبة لمثل هذا فلم لا يكون تقرير المسلمين على ذلك من هذا القبيل. قلت: في التقرير مفسدة عظمية، والمصالح مطرحة بجنب المفاسد. وقد صرح أئمة الأصول كابن الحاجب في المختصر (١)، والسبكي في جمع الجوامع (٢)، وابن الإمام في الغاية (٣) وغيرهم أن المناسبة (٤) تنخرم بلزوم مفسدة [٦] راجحة أو مساوية، ولم يخالف

стр. 4027

في ذلك إلى الرازي (١) كما حكاه في جمع الجوامع (٢) وشرحه، وهو البعض الذي أشار إليه ابن الإمام في شرح الغاية (٣)، وأنت تعلم أنه لا مفسدة في أمر اليهود بذلك. الدليل الثالث عشر: قد تواترت أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك أن أمر المسلمين بالكف عن ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان. فإذا لم يتم هذا الواجب إلا بإجبار اليهود فما لا يتم الواجب إلا به واجب كوجوبه على ما تقرر في الأصول (٤) في مقدمة الواجب. الدليل الرابع عشر: أن حفظ الدين [أحد] (٥) الضرورات الخمس (٦) المعروفة في

стр. 4028

الأصول، وهو أيضًا القسم الأول من أقسام المناسب وأعلاه في إفادة الظن وأقواه، ولا يحفظ دين أولئك المسلمين إلا بمنعهم من ذلك، وأما تقريرهم على ذلك فمناسب ملغى (١) ومعارض بمفاسد، وأمر اليهود بعد تسليم فقد الأدلة مناسب مرسل ملائم (٢) إن لم يدع أنه ضروري، فعلى فرض [أنه لا] (٣) دليل في المقام هذا الدليل فيه كفاية عند من له إلمام بالأصول، وتدرب [في طرائق] (٤) الفحول. الدليل الخامس عشر: هب أن لا دليل يدل على الحتم ففي حديث: "لأن يهدي الله بك رجلًا" (٥) دليل على جواز الإجبار، بل على الندب لتحقق الإثابة على الفعل، وأمن المخافة من العقاب فيه لعدم المانع. والنفوس الشريفة لا تزال راغبة في اقتناص شوارد [الأجور] (٦)، مشجعة على قطع ما يحول بينها وبينه، باذلة الوسع في دركه، وأنتم بحمد الله ...................................

стр. 4029

[ممن] (١) لا يدرك شأوه، ولا يشق غباره، فقد سبقتم إلى مضمار كل مكرمة سبقًا أتبعتم به من رام اللحوق فما باراكم في هذا الحلبة أحد إلا جلب على نفسه عار القصور، ودعا [٣ أ] إلى تسميته بالتبكيت واللطيم بين الجمهور، وفي هذا المقدار من الأدلة كفاية، فإن صادف القبول فبها ونعمت وإن لم يلاحظ بعين الرضا أفضلتم بالإفادة بما يعرف به القاصر قصور ما بناه من بيوت هذه الأدلة، وإشادة. فمنكم يستفاد وعليكم يعول النقاد، وأهدي التمر إلى هجر، وإن كان طليعة من طلائع الحماقة فربما كانت هذه الأحموقة محمودة عند الله تعالى. [كمل من تحرير جامعه محمد بن علي الشوكاني حفظ الله به الدين، وأقام به عمود الدين، وكان التحرير والجمع في يوم الجمعة شهر القعدة سنة ١٢٠٥. خمس ومائتين وألف عام. وصليت على نبينا محمد وآله وصحبه آمين] (٢). [حرره جامعه في يوم الجمعة في شهر ذي القعدة سنة ١٢٠٥. وأقول كتبه من خط مؤلفه حفظه الله، وتم زبره ليلة الأربعاء وقت العشاء لعلها ليلة الثلاثين من شهر محرم الحرام افتتاح سنة ١٢٠٩ لمحروس مدينة صنعاء المحمية بالله تعالى كتبه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن أحمد البهكلي] (٣).

стр. 4030

توضيح وجوه الاختلال في إزالة الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب على صفحة الغلاف: "هذا الجواب لبعض علماء صنعاء حرره لما وقف على الرسالة المتقدمة، وسيأتي الجواب عن هذا الجواب إن شاء الله.".

стр. 4031

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: توضيح وجوه الاختلال في إزالة الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال. ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم حمدًا لمن تفرد بالكلام وعز جلاله فلا نقص يجوز عليه ولا اختلال ٤ - آخر الرسالة: والمسارعة إلى الخيرات وإلى مضاعفة الحسنات والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل وتمت ثم بهذا الجواب. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٨ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا ما عدا الصفحة الأولى فعدد أسطرها ١٨ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4032

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حمدًا لمن تفرد بالكلام، وعز جلاله فلا نقص يجوز عليه ولا اختلال، والصلاة والسلام على صفيه من خلقه، من جميع حميد الخلال، وعلى آله وأصحابه المهتدين بهديه في الأقوال والأفعال، وبعد: فإني وقفت على رسالة (١) لبعض علماء الحصن، جعلها جوابًا على مذاكرة دارت بينه وبين بعض علماء عصره الأخيار، سماها (حل الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال)، وهي من النفاسة بمحل إلا أن بعض أبحاثها غير خال عن زلل أو خلل، كما هو شأن غير الخلاق العليم المفصح عنه الذكر الحكيم بقوله: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ (٢)، ولما كان الدين النصيحة كما ثبت عن المختار في صحيح الأخبار، كما في حديث جرير عند مسلم (٣) وغيره (٤) بلفظ: "الدين النصيحة لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" هكذا لفظه أو معناه، بعثني على التنبيه على تلك الأبحاث، عملًا بمقتضى ذلك الحديث وغيره. قال بعض شراح الحديث: إن الراوي إذا بايع أحدًا في سلعة، ورضي له بدون الثمن المعروف يقول له: إن ثمن سلعتك كذا، فرحم الله من أمحض أخاه المسلم النصح، ولم يسكت عما فيه زلل، جعلنا الله ممن اقتدى بصالح السلف بحوله وقوته. ولنقدم مقدمة تتضمن آثارًا عن صالحي السلف، قاضية بتورعهم فيما لا نص عليه نبوي، ما ذاك إلا لخطر الأمر، وأن الإحجام خير من الإقدام.

стр. 4033

روي عن ابن مسعود وحذيفة أنهما كانا جالسين، فجاء رجل، فسألهما عن شيء فقال ابن مسعود لحذيفة: لأي شيء ترى تسألوني عن هذا؟ قال: يعلمونه ثم يتركونه، فأقبل إليه ابن مسعود وقال: ما سألتمونا عن شيء من كتاب الله نعلمه إلا أخبرناكم به، أو سنة من نبي الله [١] إلا أخبرناكم، ولا طاقة لنا بما أحدثتم. وقال عطاء: لما سئل عن شيء فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول برأيك؟ قال: إني لأستحي من الله أن يدان في الأرض برأيي. وكان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم في ذلك سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، فقال: أتاني كذا وكذا، فإن لم يجد عندهم سنة، جمع رءوس الناس وخيارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به. وقال أمير المؤمنين ﵇: وأبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعم أن أقول: الله أعلم (١). وجاء رجل إلى ابن عمر يسأله عن شيء فقال: لا علم لي، ثم التفت بعد أن قفى الرجل، فقال: نعم، قال ابن عمر: سئل عما لا يعلم فقال: لا علم لي؛ يعني نفسه (٢). قال ابن عباس لما رأى طاوسًا يصلي ركعتين بعد العصر، فقال ابن عباس: اتركهما، فقال طاوس: إنما نهى عنها أن تتخذ سلمًا، قال ابن عباس: فإنه قد نهى عنها فلا أدري أتعذب عليها أم تؤجر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣).

стр. 4034

وكم لهذه الآثار من نظائر عن السلف من التحرج عن الإقدام، وإنما ذكرنا هذه النبذة ليقتدي بهم العالم العامل، ويهتدي بهديهم، ولنعد إلى ما نحن بصدده. قال - عافاه الله-: قلتم: هل من دليل يدل على إجبار اليهود على التقاط الأزبال؟ فأقول: لم أقف قبل رقم هذه الأحرف على كلام في ذلك لأحد من العلماء، وقد خطر بالبال حال زبر هذه الأحرف خمسة عشر (١) دليلًا أقول: هذا اعتراف منه بعدم النص لأحد من العلماء، إنما هذه الأدلة من مستنبطاته، مع أنه نقل في غصون الأدلة ما يقضي الاستناد إلى أقوال العلماء، الذين استظهر بكلامهم كما ستعرفه. قال: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢) وذكر كلامًا طويلًا حاصله دلالة الآية أن إعطاء الجزية غير كاف لتقييده بالصغار وثباته، واستظهر بكلام الكشاف (٣) والسعد على ذلك، وأن متعلقها الكل الإفرادي، فلا بد من الجزية من كل فرد صاغرًا لا الكل المجموعي، وأن الصغار هو الذلة والإهانة. ثم قرر أن الصغار دائم في جميع الأوقات. ونقل الكلام المعروف لأهل الأصول، وكل هذا ديدنه حول ما يريده من إجبار اليهود على التقاط الأزبال. وأقول: لا يشك ذو مسكة ودربة أن الآية الكريمة تدل بمنطوقها على أن اليهود يقاتلون حتى يعطوا الجزية، وبعد إعطاء الجزية يكف عنهم، ثم قيد هذه الجملة بقوله [٢]: ﴿وهم صاغرون﴾ والمعروف في العربية أن الحال قيد في عاملها، وصدق

стр. 4035

اسم الفاعل من بعد تقضيه على من أطلق عليه حقيقة كما استظهر به لا يفيده فيما يريده من الاستدلال؛ فإن الذمي إذا أعطى الجزية وهو صاغر فقال: صدق عليه الصغار، ودام عليه بإعطاء الجزية، وما صحبها من الصغار، فلا اشتراط أن يخلفه صغار آخر من التقاط الأزبال، أو نحوه، كما أراده، ثم إن الصغار هو الذل كما قاله المفسرون، وأئمة اللغة. وقال في القاموس (١) الصغر كعنب والصغارة بالفتح خلاف العظم الأولى في الحرم، والثانية في القدر، وصغر ككرم وفرح صغارًا وصغر كعنب، وصغر محركة، وصغرانًا بالضم انتهى المراد. وقال خير الأئمة (٢) المقدم في التفسير على الأئمة في تفسير الصغار أن تقبض الجزية من اليهودي، وتوجئ عنقه، وكذا عن غيره (٣) من المفسرين نحوه لم يذكر خصوص هذا الالتقاط. وقال الإمام المهدي ﵇ في البحر الزخار (٤): مسألة: ويلزمهم إصغارهم عند العطاء لقوله: ﴿وهم صاغرون﴾ قيل: معناه أن يطأطئ الذمي رأسه، ونصب الجزية، وكف المستوفي بلحيته إن كانت، ويضرب بيده في لهازمه. وقيل: أن يعطي الجزية قائمًا، والمستوفي قاعدًا، وقيل: يعطيها باليمين، والمستوفي يأخذها بالشمال، وهذه الكيفيات مستحبة، إذ لا يجب من العقوبات إلا الحدود. وقيل: معناه إجراء أحكام الإسلام عليهم، وامتثال ما قضى به حكامنا انتهى. نعم، وكل هذا لا يدل على خصوص المدعى من الأخبار على الالتقاط لا لغة ولا شرعًا، وما كأنه أراد إلا أن التقاط شيء ما يتم معنى الآية إلا به، فإن أراد أن الآية عموم، وأن المراد كل صغار حتى يدخل الالتقاط في الجملة فأين صيغة العموم؟ وإن أراد أن الصغار المراد في الآية هو الالتقاط فلا بد من نقل عليه إما لغوي أو شرعي، وأما ما

стр. 4036

أدلى به وشنع من تخصيص المسلمين بهذه الرذيلة فغير محل النزاع. ونقول له: هل أمر النبي- ﵌ بالتقاط الأزبال؟ وهل كتب به العهود؟ وهل أمر به الصحابة والخلفاء من بعده أم كان يكتفي منهم بالجزية لا سواها؟ ولم يؤمروا برفع القمامات وإزالة الأوساخ، وقد كانت الآية نزلت ولم يفهم منها خير الخلائق، ولا أهل بيته وأصحابه ما فهمه - عافاه الله منها-، وقد جاء في كلامه بملازمة عقلية ظاهرها عدم الانفكاك حيث قال: إن إعفاء اليهود من ذلك يستلزم إلصاق هذه العارة بالمسلمين، ولا يخفى بطلان الملازمة، فإن إعفاء اليهود ممكن مع إعفاء المسلمين، والعدول إلى إيقاد الحطب أو اتخاذ ما بقي فلا [٣] ملازمة، فلا يخفى ما في كلامه من التهافت. ثم قال: الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) وقال: ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا﴾ (٢). ونقل كلام الكشاف (٣)، لكنه لا يدل على خصوص مدعاه لا بالنص ولا بغيره. وأقول: أول ما نورده عليه الاستفسار هل الآية إخبار من الله تعالى بإنزال العقوبة بأعداء الدين، بسبب خذلهم خلص المؤمنين، وتسلية لهم عما نالهم من أذاهم، لئلا يحزنوا ولا تجرح صدورهم؟ بأن العقوبة لاصقة بهم مكافأة على ما فعلوه بضرب الذلة التي من جملتها إعطاء الجزية والفقر والمسكنة. قال القاضي في تفسيره: فإنك تجد أكثر اليهود فقراء ومساكين، وإذا كان إخبارًا كما هو ظاهره فلا تكليف به على أحد، بل لو وقعت تلك العقوبة من غير المسلمين لما كانوا مخلين بواجب تركوه، فكيف يقال إنه يجب إجبار اليهود على ذلك الالتقاط

стр. 4037

لتحصيل ما دلت عليه الآية! وهل كانت زمن رسول الله- ﵌ خالية على المدلول حتى اخترع في الزمن الأخير أن توقد المستحمات بالأزبال؟ إن هذا لشيء عجاب. وإن قال: إن الآية خبر في معنى الأمر (١) فباطل بمثل ما بطل به الأول؛ لأنه لم يأمر النبي ﵌ ولا أصحابُه، اليهودَ بالالتقاط تحصيلًا لما دلت عليه الآية، وإلا كانوا غير ممتثلين، فإن قال: هو عام لكل ذلة وهذا من الجملة فقد حصل الإخلال، وإن قال هو خاص فأين دليله من لغة أو شرع. وقد ركب قياسًا منطقيًّا من الشكل الأول البدهي الإنتاج، لكنه مختل وقد أخذه مما استنبطه من الآية فقال: إجبارهم على الالتقاط محصل للذلة وكل محصل للذلة جائز. فإجبارهم على الالتقاط جائز. فيقال له أولًا: إن أردت أنا مكلفون بما دلت عليه الآية فإنه خبر في معنى الأمر، فالكبرى ممنوعة، بل يجب إبدالها بقوله: وكل محصل للذلة واجب، فينسخ أن إجبارهم على الالتقاط واجب؛ لأن الأمر للوجوب لا للجواز كما عرف في الأصول عند الجمهور، ولا يخفى أنها إن سلمت الكبرى، وهو الحتم على كل مكلف، بل ما يحصل به الذلة لليهود من مأكل، ومشرب، وملبس، ومسكن على كل حال، وفي أي زمان من كل فرد مع اختلاف الأحوال، والأشخاص، والأزمان والأمكنة، والأعراف. ولهذه الكلية لا تنعقد لهم ذمة، ولا يتم لهم صلح، كيف وقد ثبتت مصالحتهم من سالف الأعصار في كل الأقطار، وثبتت معاملتهم لخير القرون في البيوعات وغيرها بما يطول شرحه، حتى تأجير المسلمين منهم، وقد مات خير خلق الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وسلم [٤] ودرعه مرهونة في آصع من شعير كما ثبت في الصحيح (٢).

стр. 4038

ولم يناف عزة الإسلام، وإهانة الكفر وأهله. وقد لزم مما قرره المجيب في دليله هذا الباطل وما لزم عنه الباطل فباطل. ويقال له أيضًا: كبرى القياس ممنوعة، وسند المنع مصادمتها للنصوص الصريحة إذ يلزم من تلك الكلية نهب أموالهم، وسفك دمائهم، وسبي ذراريهم، ومنعهم طيبات أموالهم من مأكل ومشرب وغير ذلك؛ إذ هو محصل للذلة، واللازم باطل فالملزوم مثله. ولنا أن نعارض ذلك القياس بقياس من الشكل الأول بأن نقول: إجبارهم على الالتقاط غير ما دون فيه من الشارع، وكل ما لم يأذن به الشارع حرام، فإجبارهم على الالتقاط حرام، ثم ذكر قياسين آخرين ظاهري الاختلال بمثل ما ظهر به الأول، وذكر في سند كلية الكبرى دليلًا من الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم﴾ (١) الآية. ويريد أن سوء العذاب عام، وأنه يدخل تحته ما استنبطه من الإجبار على الالتقاط، وهو مبني على أنا مكلفون بما أخبر الله به من إنزال العقوبة بهم، وفيه ما في الأول فلا نكرره (٢). ثم قال: الدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ (٣) وفسر الآية بما هو يدندن حوله، وإلا فالتفاسير مروية عن السلف من الجزية، والسبي، والقتل إن لم يكن توقيفًا، فما صدق عليه الخزي كافٍ، وأي خزي أعظم من أداء الجزية، والذلة، وفتح المدائن، والقتل والسبي! فما الدليل على دخول الالتقاط إن أراد العموم، فلا صيغة، وما الدليل على أن التنكير هنا فيه معنى العموم؟ وجعله التنكير للتعظيم والتنكير (٤)، وأن لا شيء أبلغ في الخزي مما نحن فيه غير مسلم؛

стр. 4039

فإن القتل، والسبي، والتمثيل، والتعذيب أفظع وأفظع، ثم إنه وإن يسلم أن المراد من الخزي ما قاله فمن أين لنا التكليف لما دلت عليه الآية؟ إذ لا صيغة أمر حتى يدخل الإجبار على الالتقاط، ويجعله دليلًا لما سأل عنه المستفهم بقوله: هل من دليل على الإجبار؟ فينظر في ذلك. ثم قال: الدليل الرابع: قول الله تعالى مخاطبًا لرسوله: ﴿واغلظ عليهم﴾ (١) يعني الكفار؛ أي جنس الكفار، وكل كافر، وخطابه خطاب لأمته. واستنبط من الآية أن كل فرد من المسلمين مأمور بالإغلاظ، وإذا كان كذلك فكيف يتردد في جواز الإجبار؟ إلخ ... كلامه وفي كلامه نظر لأنه إن أراد أن هذا هو الإغلاظ لغة فلا نعرفه في اللغة. قال في القاموس (٢): الغلظة مثلثة، والغلاظة بالكسر، وكعنب: ضد الرقة، والفعل ككرم وضرب فهو غليظ وغلاظ، كغراب. والغلظ بالفتح الأرض الخشنة، وأغلظ نزل بها، والثواب وجده غليظًا واشتراه غليظًا كذلك، والقول خشن وغلظ عليه تغليظًا جعله غليظًا، وأغلظ له في القول لا غير انتهى. ولا يخفى [٥] اختصاص أغلظ بالقول، وإن أراد أنه عموم فلا صيغة عموم؛ إذ الأفعال مطلقات لا عمومات، وإن أراد قياسًا صحيحًا فليبينه بشروطه المعتبرة. ثم قال: الدليل الخامس: ما وصف الله به أهل الإسلام من قوله: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ (٣). وأتى بكلام منمق مسجع يروق السامع، ويأخذ من القلوب بالمجامع، حاصله أن الإيمان شأنه العزة والكفر بضده، فكيف يقر المسلمون على ما فيهم من العزة على حمل

стр. 4040

الأزبال، وهذا وجه غير وجيه باعتبار ما سأل عنه المستفهم؛ لأنه إنما سأل عن جواز الإجبار إذا لم يحصل امتثال، ولم يقل إني أنزه اليهود عن هذه الرذيلة، وأخص لها أهل الإسلام إهانة مني لهم، وإعزازًا لأعداء الله، وتعظيمًا لهم، فتنزه أهل الإيمان عن الرذائل، لما يشك في حسنها. قل: فالجواب ليس بمطابق للسؤال. ثم قال: الدليل السادس: أورد فيه حديث: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" (١). وديدن حول ما أراد من إجبار اليهود على ذلك المراد، ولعمري أن الحديث لا يدل على ذلك، مع تسليم أنه خبر في معنى الأمر كما قرره في كلامه، غايته أنه أمر المسلمين بالعلو، والتنزه عن الرذائل، فمن أين لنا الدليل من الحديث على إجبار اليهود؟ وكيف المأخذ؟ هل مطابقة أو تضمن، أو التزام مع أنه إنما قال لعله خبر في معنى الأمر ترجيًّا: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٢). ثم قال: الدليل السابع: وذكر حديثًا أخرجه مسلم بلفظ: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" (٣). ومراده أن أهل الإسلام مأمورون بذلك لما فيه من ظهور العزة، يقال عليه: نعم مأمورون بذلك، فأين الدليل فيه على الإجبار على الالتقاط الذي هو المسئول عنه، وهو محل النزاع؟ فالله المستعان كيف جعل الأمر باضطرار اليهود إلى أضيق الطريق دليلًا على إجبارهم على التقاط الأزبال! فهذا الاستدلال لم يخطر لأحد على بال. إن كان من النص فالمنصوص إنما هو الاضطرار، وإن كان قياسًا فهو محتاج إلى التصحيح والبيان، وأما التوجع على المسلمين من تلك الخصيلة الشنعاء فأمر وراء الجواب وغير داخل في محل النزاع.

стр. 4041

ثم قال: الدليل الثامن: إجبار بني النضير على الخروج ومراعاة المصلحة هذه حكاية صحيحة منصوصة، لكن أثبتوا لنا وجه الدليل منها، هل بالنص أم بالقياس؟ وهل لعلة مستنبطة أم منصوصة؟ قولكم: فإذا كانت مراعاة المصلحة مجوزة للإجبار لم يمثل هذا الأمر العظيم أي الخروج من ديارهم فكيف لا يجوز إجبارهم بما هو دونه بمراحل في إصرار المجبرين، وفوقه بدرجات في الصلاح؟ يقال عليه [٦] يلزم على كلامكم جواز إجبارهم على كل ما هو دون الخروج من الديار المساوي للقتل، ولعل هذا لا يقوله أحد للزومه الباطل كما أشير إليه. ثم قال: الدليل التاسع: حديث: "نزلوا الناس منازلهم" (١) وطول في ذلك، وأراد أن فيه دليلًا على مقصوده من توزيع الحرف الدنية على الكفار، والحرف الرفيعة على المؤمنين. ولا دليل فيه على ذلك؛ فقد كانت التجارة أشرف المكاسب، وكم من كافر كان متعلقًا بها وغيرها من المهن، وإن كانت دنية كم من مسلم تلبس بها، وهذا مستمر من عصر النبوة إلى زمننا؛ حتى صار مما يدعى فيه الإجماع، ولم يقع التوزيع من أحد من السلف، ولا من غيرهم، ولم يعلمهم أخلوا بواجب تركوه حيث لم يوزعوا الحرف، فكيف يجعل من مقدمة الواجب! وكل مقدمة الواجب واجب، فإجبارهم من لم يمتثل واجب. فنقول: الصغرى ممنوعة وسند المنع عدم دلالة حديث: "نزلوا الناس منازلهم" (٢) عليه، ولا على وجوبه، مع أنه على تسليم دلالته وجوب تنزيل الناس منازلهم في الحرف هو ممكن بدون إجبار اليهود بالعدول إلى الحطب أو غيره كما قدمناه. ثم قال: الدليل العاشر: حديث أنس مرفوعًا أخرجه الشيخان (٣) والترمذي والنسائي: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ومراده أنا لا نرضى

стр. 4042

لإخواننا بهذه المهنة الخبيثة، وأنه لا يتم الإيمان لنا إلا بإجبار اليهود، هذا معنى كلامه. وأقول: هذا لا يصلح جوابًا عما استفهم السائل عنه من الإجبار، ولا يشك عاقل أن هذه قصة سعى المسارعة إليها، وأما الإجبار فهو محل النزاع. ثم قال: الدليل الحادي عشر: ونقل فيه كلام الشفاء (١) أو معناه، وما في الغيث وقال آخر: إنه الدليل الذي بنيت عليه القناطر، وأشار إلى ما اعترض به في ضوء النهار (٢) من أنه اجتهاد في مقابلة النصوص في شرح قول الإمام ﵇: ولا يسكنون في غير خططهم إلا بإذن المسلمين لمصلحة، وذكر الأحاديث التي ذكرها صاحب ضوء النهار (٣)، وترجيحه إخراج اليهود من جزيرة العرب بمقتضى الأدلة، وهو غير البحث. وأقول: لو عول على نقل كلامهم فيه، كما فعل غيره من دون تعرض لتلك الاستنباطات الواهية لكان أحسن، أو قال: إن عقد الأئمة الصلح لهم كان بشرط قبول ما أراده المسلمون منهم من إزالة الأوساخ، والقيام بالمصالح الدنية بالآخرة أو غيرها، على حسب ما يعتادونه كان للكلام وجهًا وجهيا، وأنهم لم يعقد والصلح معهم على أداء الجزية فقط، بل مع ما ذكر، فتأمل ترشد. ثم قال: الدليل الثاني عشر [٧]: إن ملاحظة (٤) المسلمين إذا لم تتم إلا بإتعاب النفوس، وتقحم المشاق، فليس الأمر بذلك بدعة، وعزة الإسلام التي هي رأس المصالح الدينية إذا لم تتم بإجبار اليهود فهي أولى بالجواز من حفر الخندق، يريد من المهاجرين والأنصار. يقال له: نعم هذه من أعظم الملاحظة لعزة الإسلام، لكنها لا تصلح ردًّا على السائل؛ فإن العزة تتم بدون الإجبار بإعفاء الجميع، وإيقاد الحطب أو نحوه كما مر.

стр. 4043

كذلك يقال في الرد على الدليل الثالث عشر. ثم قال: الدليل الرابع عشر وهو الذي عليه التعويل: إن حفظ الدين (١) من الضرورات الخمس، ولا يتم حفظ دين هؤلاء المسلمين إلا بإجبار اليهود. وأقول: محفوظ لغير إجبار اليهود من ترك المستخم الذي هو غير واجب أو نفاد غير الملتقط المعهود وجعله إجبار اليهود من مناسب المرسل الملائم غير الظاهر؛ لأنهم ذكروا في مثاله اعتبار عين العلة (٢) في جنس الحكم، كاعتبار الصغر في الولاية الشاملة للمال والنكاح في تعليل ولاية المال بالصغر، الثابت بالإجماع فأين المنظر من المنظرية؟ فهو محتاج إلى تحقيق، فلم تظهر الكفاية، ومع ظهوره فهو مغني عن التكلفات الواهية لتلك الاستنباطات، وقد اعتبروه في مسائل عدة عند القائلين به. وأما الاستدلال بتلك الاستنباطات فغير ظاهر. ثم قال: الدليل الخامس عشر: هب أن لا دليل على جواز الإجبار إلخ. هذه منه تسليم تنزل، وإلا فهو جازم بالوجوب، إلا أنه ناقضه بجعله ذلك للندب والترغيب، ومع هذا فما أفاد في هذا الجواب عما سئل عنه أنه هل يجوز الإجبار مع الامتناع، وأما الترغيب فهو مسلك آخر، وفضيلة لا تنكر، ولا ينكر السائل فضلها وإن تنزه المسلمين عن ذلك، والإنكار عليهم ملابسة تلك القاذورات الثابتة نجاستها بالضرورة الدينية، والأحاديث المتواترة العلية من المهمات، والمسارعة إلى الخيرات، وإلى مضاعفة الحسنات. والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل. وتمت تم بهذا الجواب.

стр. 4044

الإبطال لدعوى الاختلال في رسالة إجبار اليهود على التقاط الأزبال تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4045

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: الإبطال لدعوى الاختلال في رسالة إجبار اليهود على التقاط الأزبال. ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الحقير، أسير التقصير، محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما، أسألك اللهم العصمة عن مجبة القيل والقال. ٤ - آخر الرسالة: أقول: أما من له فهم وإنصاف فما أظنه يلتبس عليه الصواب. كمل تحرير مؤلفه حفظه الله في يوم الجمعة شهر محرم الحرام ١٢٠٦ هـ. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٠ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٧ سطرًا ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها ٨ أسطر. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٤ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4046

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يقول الحقير، أسير التقصير، محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما -، أسألك اللهم العصمة عن مجبة القيل والقال، وأعوذ بك من تحمل فوق الطاقة من أعباء المراء والجدال؛ فإنك إن هديتنا إلى معرفة عيوب أنفسنا صرفنا العناية إلى ما هو أولى بنا وأحرى، وإن بصرتنا بما نجهله من قدورنا لم يرَ غيرنا منا ما لا نرى، وبعد حمد الله على كل حال، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه خير صحب وآل، فإنها جرت مذاكرة بيني وبين بعض الأعلام النحار أوجبت تأليف رسالة سميتها بحل الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال، ثم مضت برهة من الأيام، فرأيت رسالة (١) لبعض إخواني من علماء العصر، مستدركًا بها على تلك الرسالة، وقد علم الله أني في شغل شاغل عن المباراة والمماراة ولكن لما رسخ في بالي، وصح عندي أن إجبار اليهود على ذلك، وإعفاء المسلمين منه من أعظم القرب، وأنفس المحاسن، التي ينبغي أن تعد من مناقب العصر وأهله، فإني - كما علم الله - لم أزل مستنكرًا لتقرير المسلمين على ذلك من أيام الوقوف مع الصبيان في المكتب، ورأيت الصغير والكبير، والعالم والجاهل موافقين على ذلك، فحداني محبة نجاز هذا المقتصد، ونجاح هذا المطلب إلى تبيين ما في رسالة المعترض من الأوهام التي لا يحتمل مخافة أن يعتريها، فتكون من الأعذار عن تنجيز هذا العمل، مستعينًا بالله، ومتكلًا عليه، مقتصرًا على الإشارة بأخصر عبارة، فإن التطويل ربما أفضى إلى تحرير كراريس. قال: ولما كان الدين النصيحة (٢). . إلى قوله: ولنقدم مقدمة. أقول: الغرض الباعث على هذه النصيحة، والغاية الجاملة عليها إما أن تكون مخافة أن يعمل من وجهت إليه تلك الرسالة بمقتضاها فيربح المسلمين من التلوث بالنجاسات،

стр. 4047

ويفرح عليهم من ملابسة [١] حشوش اليهود، والتقاط أزبالهم، ويأمر الملاعين بالنيابة عن المسلمين قلتم در هذا الناصح، وما أمحض نصيحة للمسلمين، وما أغيره على حرمات هذا الدين المتين. وإما أن يكون الغرض والغاية تنبيه صاحب الرسالة المعترض عليها بأنه غلط في تطبيق هذه الأدلة على ذلك المدلول، وارتكب في رسالته ما يخالف المعقول والمنقول. فنقول مستفسرين لهذا الناصح، ومستور بين لزناد هذا القادح: هل هذا الغلط الذي تزعمه، والمخالفة التي تدعيها قطعيان أم ظنيان؟ لا سبيل إلى الأول لتوقف الجزم به على ما لا وجود له فيما نحن بصدده بإجماع كل ناقل. والثاني ليس من مواطن المناصحة، لما ثبت في الحديث الصحيح (١) أن المصيب فيه والمخطئ مأجوران، فالظفر بالأجر متحقق بعد بذل الوسع؛ لأن الاجتهاد لا ثمرة له غير الظنون. فإذا كان تسليم الخطأ لا يقدح في ثبوت الأجر فكيف يلام طالب تحصيله ويناصح! ولو كان الاختلاف في الظنيات مستدعيا للمناصحة لكان كل مجتهد متعبدًا بمناصحة كل مخالف له، واللازم باطل بالإجماع، فكذا الملزوم. وإما أن يكون مراده تنبيه الواقف من سائر الناس غير السائل والمجيب، فيعود الكلام على السالف. وإما أن يكون مراده تنبيه الجميع فيرد عليه الجميع، وإما أن يكون مراده كما قيل: ويهتر (٢) للمعروف في طلب العلا ... لتذكر يومًا عند ليلى شمائله فهذا شيء لا نرضاه له - عافاه الله - ولا يرضاه لنفسه. قال: ولنقدم مقدمة تتضمن آثارًا عن صالحي السلف، قاضية بتورعهم فيما لا نص عليه نبوي إلى آخر البحث.

стр. 4048

أقول: ظاهر هذه العبارة أنهم يتوقفون مع فقد النص النبوي عن القضاء بالكتاب العزيز، وهو فاسد بالإجماع، ففي العبارة قصور. ثم إن هذه المقدمة إنما تصلح عنوانًا لرد الآراء المحضة، ورسالتنا مشحونة بأدلة الكتاب والسنة، مربوطة بقواعد وفوائد لا يعرف قدرها إلا المتأهلون، فكان المجيب - عافاه الله - لا يفرق بين الرواية والرأي، فإن قال: قد بين عدم انطباق هذه الأدلة على المطلوب فمع كون ذلك البيان مبنيًّا على شفا جرف هار كما ستعرفه، لا يستلزم أن يكون الخطأ في الاستدلال من قبيل الأخذ بالرأي، فإن تهافت بدعوى الملازمة، فقد عرفت من الكلام السالف سببية هذا الأمر للأجر والتورع عن طلب الأجور زهد مذموم بإجماع الجمهور، فما هذه المقدمة المبنية على أركان مهدمة! فإن قال مسالك المناظرة أربعة [٢]: الدعاء إلى الحق بالحكمة البرهانية، ثم الجدلية، ثم الخطابية، ثم الوعظية؛ وهذا نوع من المسلك الرابع قلنا: فأين المقتضى؟. أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل (١) لا جرم: فتشبهوا إن لم تكونوا منهم ... إن التشبه بالكرام فلاح قال: هذا اعتراف بعدم النص إلخ. أقول: الذي صرحت به في أول تلك الرسالة تصريحًا لا يلتبس على من له أدنى فهم، أني لم أقف على كلام لأحد من العلماء في إجبار اليهود على التقاط الأزبال. وما نقلته عن العلماء في تلك الرسالة ليس عين ما نفيته، بل قواعد كلية، وجزئية نقلية، وعقلية لتصحيح الاستناد وربط الدليل بالمدلول، وما كنت أظن أن مثل هذا يلتبس على أحد فانظر - أيها الناظر - إلى هذا الاعتراض الذي افتتح به المعترض رسالته التي حمله عليها محبة النصح وأنشد في عذره:

стр. 4049

وإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كل ماشية بالرحل شملال (١) قال: وأقول: لا يشك ذو مسكة ودربة إلى قوله، ثم الصغار. أقول: قد ذكرت في تلك الرسالة أن دعوى اختصاص الصغار ببعض ما فيه ذلك، أو بوقت دفع الجزية أحدًا لظاهر التقييد، كما فهمه المعترض ممنوع، ثم أوردت سند المنع، وسقت كلام الأئمة، فأغمض المعترض عن جميع ذلك، ومنع السند منعًا مجردًا لعدم صحة دليله، وهو خلاف ما تقرر في علم الجدل. ثم جاء بمقدمة النزاع فجعلها دليلًا، فوقع في مضيق المصادرة، وهو أيضًا مخالف لما تقرر في علم العقول، فكثر الله في المناظرين من أمثاله، وما حمله على ذلك إلا عدم التدبر لكلام خصمه. غزلت لهم غزلًا فم أجد ... لغزلي نساجًا فكسرت مغزلي ثم ذكر بعد ذلك معنى الصغار، واستظهر على تخصيصه ببعض أنواعه بما نقله عن المفسرين (٢) والبحر (٣) وهو كلام قد عرفناه وأشرنا في تلك الرسالة إلى أنه تحكم. ثم إن المعترض نقل كلام البحر (٤) في صفة الصغار عند إعطاء الجزية، ولم ينقل ما في البحر في السير من إلزامهم أنواعًا من الصغار، بل لم ينقل ما في الأزهار هنالك، ولعله لم يحضر ليحال الاعتراض إلا ذلك. فمالك والتلدد حول نجد ... وقد غصت تهامة بالرجال قال: نعم وكل وهذا لا يدل على خصوص المدعي إلى قول: غير محل النزاع. أقول: كلا شقي الترديد غير ما أوردناه، بل المراد أن هذا نوع من الصغار المأذون لنا [٣] بإلصاقه بهم، إلا أن يمنع عنه مانع شرعي، ولا مانع فيما نحن بصدده، وعدم أمر

стр. 4050

رسول الله ﵌ وخلفائه بذلك فمخصوصية لا يستلزم عدم الأمر به، أو الإذن مطلقًا، لا سيما مع عدم الحامل على ذلك، لما تقرر من أن الناس كانوا في زمن النبوة على عادة العرب الأولى، يخرجون للتبرز حتى النساء إلى البرية، كما ثبت في الصحيح (١) من حديث عائشة، وهذا ظاهر لا سترة به، ولكن الأمر كما قيل: وإذا كان في الأنابيب خلف ... وقع الطيش في صدور الصعاد قال: وقد جاء في كلامه بملازمة عقلية إلخ. أقول: قد تقرر عند علماء البيان أن اللزوم عقلي وعرفي، وهذا في مختصر التلخيص وتهذيب المنطق، اللذين هما مدرس صغار الطلبة، فما بال المعترض قيد اللزوم، الذي أطلقته في كلامي بالعقلي بغير قرينة، ورتب عليه الاعتراض الذي ليس له انتهاض، وكل ناظر يعلم أن من له أدنى تمسك لا يريد في هذا الموطن اللزوم العقلي، فترك التقييد اتكالًا على هذا الظهور، وبيان الملازمة العادية أنه لما كان بقاء الأزبال مضرًّا بأهل المدن غاية الإضرار جرت العادة بالتقاط جماعة له، فإذا لم يكونوا من الكفار لزم إعادة أن يكونوا من المسلمين؛ لعدم وقوع الالتقاط في العادة من غير نوع الإنسان، ودفع الضرر عن أهل المدن هو المقصود الأهم من ذلك، وإيقاد الحمامات به، إنما هو لإذهاب عينه، وتحصيل الأجرة للمباشرين، ثم إن المعترض جعل الواسطة القادحة في الملازمة إيقاد الحمامات بالحطب، ولا يشك عاقل أن الواسطة بين التقاط الكفار والمسلمين إما ترك الالتقاط من الجميع أو التقاط غيرهم إن فرض، لا إيقاد الحمامات فإنه قال: لازم لترك الجميع الذي هو الواسطة، فلا أزيد الناظر على إيقافه على هذه الملازمة، وما أدري على ما أغبط المعترض. يقولون أقوالًا ولا يعرفونها ... ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا قال: أول ما نورده عليه الاستفسار إلى قوله: إن هذا لشيءٌ عجيبٌ.

стр. 4051

أقول: سلمنا أن الآية واردة على ذلك السبب، فالذلة لا تختص بفرد معين دون غيره إلا بدليل، وقد تقرر في الأصول عدم القصر على السبب، وتقرر أن قصر الذلة على مجرد إعطاء الجزية، والفقر، والمسكنة تحكم محض، فما هذا الكلام الذي لا نفاق له في سوق الجدال والخصام، ثم رتب على هذا الكلام أنه إخبار به ولا تكليف به، وكأنه ظن أن التكليف مقصور على الواجب [٤] وهو فاسد يدفعه إطباق أئمة الأصول على شموله لغيره من الأحكام. ثم قال: فكيف يقال أنه يجب إجبار اليهود، وأنت تعلم أن السؤال الذي أجبنا عليه بالرسالة إنما هو في مطلق ما يدل على الإجبار، فما دل على الوجوب، أو الندب، أو أعم منهما - أعني الجواز - فهو صالح لجعله جوابًا؛ لأن السائل لم يسأل عن خصوص ما يدل على الوجوب، ولا اقتصرت في الجواب على هذا الصنف، بل جمعت بين جميع أنواع الجواز، ولم أقصر في بيان هذا الأمر بعد جعلي له عنوانًا لتلك الرسالة، وتصريحي به قبل الشروع فيها، وقد وهم علي المعترض وهمًا فاحشًا، فواخذني في كل دليل لا يدل على الوجوب، وما أدري ما الحامل له على هذه التعسفات، فإن كان مجرد المعارضة من غير مبالاة بما وقع من الخبط والخلط، فما هذا دأب أهل العلم والإنصاف. إنك إن حملتني ما لا أطيق ... ساءك ما سرك مني من خلق وغاية الأمر أن الرجل يريد أن يدل دليل على هذه الخصلة بخصوصها، ولو كان ذلك شرطًا في التكليف لاستراح الناس عن أكثر التكاليف، ومن بلغ به الأمر إلى هذا الحد لم يستحق المراجعة. قال: وإن قال: الآية خبر في معنى الأمر إلى قوله: من لغة أو شرع. أقول: إبطاله لدلالة هذه الآية على المطلوب بقوله: لأنه لم يأمر به النبي ﵌ من الغرائب، فإنه لا شك بعد تسليم دلالة الآية على الإذن بضرب الذلة العامة عليهم، أو الإذن بجنسها، أو الأمر بأحد الأمرين أنها متناولة للفرد الكامل من أفراد الذلة تناولًا أوليًّا، إلا أن ينهي الشارع عنه، وتوقف ذلك على أن النبي - صلى الله

стр. 4052

عليه وآله وسلم - أمر به بخصوصه، أو أن الدليل دل عليه بخصوصه أمر يعرف اختلاله صغار الطلبة. إذا رام التخلق جاذبته ... خلائقه إلى الطبع القديم قال: وقد ركب قياسًا منطبقًا إلى قوله: ولنا أن نعارض ذلك القياس. أقول: لا يخفى عليك أن الجواز أعم من الوجوب، وأن الواجب جائز، فاختيار لفظ الجواز في تلك المقدمة لشموله للوجوب والندب، ومجرد الجواز بلا تقييد. فإن كانت الآية أمرًا في معنى الخبر فكيف يقال الكبرى ممنوعة! بل يجب إبدالها بقوله: وكل محصل للذلة واجب، وإطلاق لفظ الجائز على الواجب جائز بالإجماع. ولو سلم عدم صحة التعبير بالأعم عن الأخص لعدم استلزام وجوده فلا يكون إلا مجازًا، لما كان في الاقتصار على أخف مما يدل عليه الدليل ضير. وإن كانت الآية مجرد خبر فلا شك في صحة التعبير [٥] بلفظ جائز ثم إيراده على الكبرى بعد تسليمه لما اشتملت عليه من الحتم في زعمه لزوم منعهم من المأكل، والمشرب، والملبس، والمعاملة، من أفحش الأوهام التي أوقع في مثلها عدم التأمل. وقد صرحت في تلك الرسالة (١) بما يحسم هذا الإيراد فقلت: بل المراد الذلة الناشئة عن أي سبب كان من الأسباب التي لم يمنع الشارع منها انتهى بحروفه. وكل ما أورده المعترض مستثنى من تلك الكلية لمنع الشارع منه، وليس الالتقاط من هذا القبيل، لما عرفت من عدم الاحتياج إليه في زمنه ﵌، وشدة الحاجة إليه في المدن في هذه الأعصار، لا لإيقاد الحمامات كما ظنه المعترض، بل لما في تركه من الضرر العام، فما هذه التخليطات التي يكبر المعترض عنها!. يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح قال: ولنا أن نعارض ذلك القياس بقياس من الشكل الأول، بأن نقول: إجبارهم

стр. 4053

على الالتقاط غير مأذون فيه من الشارع، وكلما لم يأذن فيه الشارع حرام. إلخ. . . أقول: قد عرفت مما سبق، ومما سيأتي بطلان الصغرى، وأن الالتقاط مأذون به، وليس للمعترض متمسك، إلا أن النبي ﵌ لم يأمر به بخصوصه، وقد عرفت بطلان هذا الاشتراط. وأما الكبرى فممنوعة، والسند إجماع المسلمين، إلا من شذ أن الحل لا يتوقف على الإذن، وأن البراءة الأصلية كافية، لا سيما مع اعتضادها بكليات وجزئيات من الكتاب والسنة، وليسارع المعترض - عافاه الله - إلى تصغير عمامته، وتقصر ذيله، وترك أكل المحور، وترك افتراش الثياب المحشوة بالعطب، وترك شرب القهوة، إلى ما لا نهاية له من هذا الجنس؛ لأن الشارع لم يأذن بشيء منها؛ فهي حرام، وهو قائل بذلك، والعلم العمل، والإنسان أحق الناس باتباع قوله: ونحن لا نرى صحة ذلك، فلا يلزمنا إذا عرفت هذا. فقوله: وكل ما لم يأذن فيه الشارع حرام، وجعله كبرى لصغرى ذلك القياس، مع ما فيه من عدم التكرار المعتبر من الأدلة الدالة على كمال خبرته بالفن، ولله دره، وهكذا وليكن التحقيق، والله يعلم أني أكره إطلاع الناس على هذه السقطات المضحكة، ولكن البادي أظلم، ولولا أن اعتراضاته قد وقعت إلى يد غيري قبل وقوعها في يدي لناصحته باللسان، وتركت شغله وقت فيما لا طائل تحته. ولو منح الله الكمال ابن آدم ... لخلده والله ما شاء يفعل [٦] قال: وفسر الآية بما هو يدندن حوله. أقول: أما الأدلة الدالة على النكرة تأتي بالعموم، فقد ذكر الأئمة في مثل أن جاءك رجل فأكرمه، وفي مثل: إن جاءكم فاسق بنبأ، في أمثال ذلك كثير، حتى لقد احتج السيد علي بن محمد بن أبي القيم في رسالته التي أجابها العلامة الإمام محمد بن إبراهيم بمثل ذلك، فسلمه في العواصم، مع استكثار من الاعتراضات والمناقشات. ومن تتبع كتب التفسير في نظائر المدعي، وكذا كتب البيان وغيرها علم صحة ذلك. وما أسرع ما ذهب من حفظ المعترض ما ذكره العلامة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4054

الزمخشري (١) في قول الله: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ (٢)، وما ذكره أهل الحواشي، ولم يمر بنا إلا أيام قلائل من قراءة ذلك البحث نحن وهو على شيخنا العلامة، فإن قال: هذا ليس من ذلك القبيل فعليه البيان، على أن ابن كثير قد صرح في تفسيره بأن الخزي عام، ونعم السلف لنا في ذلك. قوله: فمن أين لنا التكليف بما دلت عليه الآية؛ إذ لا صيغة أمر إلخ. قلنا: الدليل على الإجبار أعم من ذلك، وقد أسلفنا ما فيه كفاية، وغاية الأمر أن المعترض في هذا البحث وما بعده. . . إلخ الرسالة عول على المنوعات المجردة، وهي غير مقبولة على الأسانيد، وسنجاريه على مشيه. قال: وأستنبط من الآية أن كل فرد إلخ ثم نقل من القاموس (٣) معنى الغلظة، وأغلظ له وعليه، ثم نعم لفهمه السليم أن صاحب القاموس جعل أغلظ مطلقًا ومقيدًا خاصًَّا بالقول وهذا من أقبح الغلظ؛ فإن صاحب القاموس (٤) إنما جعل المختص بالقول أغلظ له ولا نزاع فيه، وأما أغلظ عليه فهذا إمام اللغة والتفسير جار الله (٥) يقول في كشافه (٦) في تفسير هذه الآية نفسها ما لفظه: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالاحتجاج، واستعمل الغلظة والخشونة على الفريقين فيما تجاهدهم به من القتال والمحاجة، ثم ذكر روايات عن. . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4055

المفسرين (١)، وأنت تعلم أنه تصريح منه بأن الغلظة المأمور بها تكون في الأقوال والأفعال، وهو الإمام الذي جعل استعماله بمنزلة روايته، وصرح أيضًا في تفسير: ﴿عليها ملائكة غلاظ شداد﴾ (٢) فقال ما لفظه (٣): في إجرامهم غلظة وشدة؛ أي: جفاء وقوة، أو في أفعالهم جفاء وخشونة لا يأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له، والانتقام من أعدائه انتهى. قال: وأتى بكلام مسجع منمق إلى آخر البحث. أقول: إذا كانت العزة من أوصاف المؤمنين، والذلة من أوصاف الكفار، كما في غير هذه الآية، فإجبار اليهود على ملازمة هذه الصفة التي أخبر الله بها جائز، ومنع المسلمين عن الأمور التي تقدح في العزة جائز، فكيف قلت: ليس الجواب مطلقًا للسؤال! وما ذنب المجيب إن لم يفهم غيره ما أراده. قال: ودندن [٧] حول ما أراد إلى آخر البحث. أقول: قوله فمن أين لنا الدليل من الحديث على إجبار اليهود بعد أن سلم أن خبر في معنى الأمر من العجائب، فإنا إذا أمرنا بجعل الإسلام عاليًا، ونهينا عن أن يكون شيء عاليًا عليه، ففي تنزيه الكفار عن هذه المهنة الخبيثة مع وقوع المسلمين فيه إعلاءً لهم على المسلمين ظاهر، وهو منهي عنه، ومأمور بخلافه، كيف لا يكون في الحديث دلالة على المطلوب!. قال: ومراده أن أهل الإسلام إلى آخر البحث. أقول: قد بينت في رسالتي (٤) وجه الدلالة فقلت ما لفظه: وفحوى الخطاب ولحنه قاضيان إلى آخر ما هناك، فانظر إلى قول المعترض كيف جعل الأمر باضطرار اليهود

стр. 4056

إلخ، فهو يدلك على عدم التدبر للأصل المعترض عليه، أو عدم الفهم، وقد سئمنا ومللنا من إبطال كلامه، حتى لقد وددت أن أجد بحثًا صحيحًا. أقول: فيه أصبت فلم أجد. قال: هنا حكاية صحيحة إلى آخر الكلام. أقول: المصلحة متحققة هاهنا، ومسلك المناسبة (١) مقتضى للإلجاء والالتزام ملتزم لا يستثني منه إلا مانع منه الشارع، أو منع منه العقل. وقوله: ولعل هذا لا يقوله أحد إلخ ممنوع، والسند ما سلف، قال: وطول في ذلك وأراد أن فيه دليلًا إلى آخر البحث. أقول: لا شك أن حديث: "نزلوا الناس منازلهم" (٢) دال على المدعي وعلى غيره إلا ما خصه دليل، وتبين أنه ما يغتفر فيه التنزيل، وهذا لا ينكره المعترض، ونحن نسلم الإفراد من المكاسب التي أقر الشارع عليها، إذ فرض تلبس المسلمين بمكسب يتنزه اليهود كما نحن بصدده، وندعي دخول محل النزاع بحث الحديث، فكيف يقال لا دلالة فيه على المطلوب! ثم أين لنا - أيها المعترض - أي خصلة تشابه هذه المكاسب التي تنزه اليهود عنها، وتلبس بها المسلمون، وأقرهم السلف والخلف عليها، وأجمعوا على ذلك! فلا أقل لمدعي الإجماع في ذلك. قوله: تنزيل الناس منازلهم ممكن بدون إجبار اليهود بالعدول إلى الحطب أو غيره. قلنا: قد عرفت ما على هذا الكلام فلا نعيده. قال: وهذا لا يصلح جوابًا إلخ. أقول: إعفاء المسلمين عن ذلك يفضي إلى الإجبار، والواسطة التي يتعلل لها المعترض غير صحيحة.

стр. 4057

ومن أعجب الأمور أن المعترض أورد في أول هذه الرسالة آثارًا دالة على تجنب الرأي ثم اعتذر عن الأدلة التي أوردناها من الكتاب والسنة بهذه الأعذار الباردة، ثم مال هاهنا إلى محض الرأي فقال أو قال: إن عقد الأئمة الصلح إلخ. لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم قال: يقال له: نعم إلى آخر البحث. أقول: قد عرفت تمسك المعترض لهذا المنع المجرد في جميع هذه الأبحاث، وعرفت ما عليه، وقد طال الكلام. قال: وأقول: محفوظ بغير إجبار اليهود إلخ. أقول: هو من ذلك المنع الذي عرفناك، وأي حفظ لدين من تلوث بأزبال المسلمين والكفار، وترك المستخم لا يدفع مؤنة الالتقاط، لما عرفت من أعظم فوائد الالتقاط دفع مضرة المسلمين التي تحصل بعدمه، ثم استنكر جعل اليهود من المناسب المرسل، وذكر المثال المعروف في الأصول [٩]، واستبعد إمكانه في محل النزاع، حتى كان اعتبار عين الكفر في جنس أنواع الصغار أمر لا يمكن ولا يتيسر. قال: هذا منه تسليم تنزل، وإلا فهو جازم بالوجوب. أقول: قد عرفت مما أسلفنا لك أنا لم نقتصر في هذه الرسالة على أدلة الوجوب فقط، وعلى تسليم الجزم به، فكيف يناقضه التنزيل إلى الندب، وكيف خفي هذا على المعترض بعد تصريحه بأنه تسليم تنزل أن هذا لا يقع لأدنى متأهل. وقوله: ومع هذا فما أفاد في هذا الجواب. أقول: أما من له فهم وإنصاف فما أظنه يلتبس عليه الصواب. كمل تحرير مؤلفه حفظه الله في يوم الجمعة شهر محرم الحرام سنة ١٢٠٦ [١٠].

стр. 4058

(١٦٩) ٤٧ - /١ إرسال المقال على إزالة الإشكال تأليف عبد الله بن عيسى بن محمد حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4059

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: إرسال المقال على إزالة الإشكال. ٢ - موضوع الرسالة "فقه". ٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم" الحمد لله رب العالمين، اللهم وفقنا إلى أوضح السبيل، واجعل كتابك المنير لنا خير دليل. . . . . ٤ - آخر الرسالة: انتهى تحرير ذلك ليلة ثامن عشر من الحجة الحرام سنة ١٢٠٥، وكان انتهى نقلها من السواد إلى البياض آخر يوم الأحد من خامس محرم الحرام سنة ١٢٠٦ ستة واثنتا عشرة مائة. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ١٨ صفحة. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرا ما عدا الصفحة الأولى فعدد أسطرها ثمانية. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني.

стр. 4060

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، اللهم وفقنا إلى أوضح السبيل، واجعل كتابك المنير لنا خير دليل، وارزقنا فهم معانيه، والوقوف عند أوامره ونواهيه، واللزوم لحدوده، والثبات عند نصوصه، والتوقف عند متشابهه، والتحرز عن القول فيه بالرأي، وأنه وصل من القاضي القطب الرباني محمد بن علي الشوكاني رسالة (١) في معنى إجبار اليهود على التقاط الأزبال، ولقد أجاد وأحسن الانتقاد، واستخرج بذكائه بنات أفكار كواعب أبكار عز اجتلاؤها على العلماء النظار، وخفيت محجاتها عن الأبصار. ولقد دل على طول باع، وكثرة اطلاع، فلله دره والله دره. ولا شك أن ما ذهب إليه حسن [١] إلا أنه لم ينحل شكال ذلك الإشكال، ولم تنفك تكلم الأقفال، إذ أشكل على بعض من اطلع عليها بعض ما فيها، وما أسند مقدماته إليها، فطلب القاضي بيان ذلك من القاضي - حماه الله وكثر من فوائده - لا قصد الجدال، بل هداية إلى أحسن مثال، وللاجتماع على ما به حل العقال. قال: الدليل الأول: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (٢) ضرب الله ﷻ لجواز مصالحة الكفار غاية هي إعطاء الجزية، وقيدها بالجملة الحالية وهي قوله: ﴿وهم صاغرون﴾ إشعارا بأن مجرد إعطاء الجزية غير كاف في جواز الموادعة والمصالحة وحقن الدماء، وجعلها اسمية تنبيها على دوام الصغار لهم وثباته كما قرره أئمة البيان إلخ. أقول: الجملة الاسمية لا شك أنها تدل على الدوام والثبوت إذا كان خبرها اسما، لكن إذا وقعت حالا تصير كالشيء المبتدئ به الذي تجدد وقوعه في تلك الحال، من دون نظر إلى الدوام وعدمه، ولذا قالوا: إنك تقصد في الحال أن صاحبها كان على هذا

стр. 4061

الوصف حال مباشرة الفعل، فهي قيد للفعل، وبيان لكيفية وقوعه، بخلاف النعت، فإن المقصود بيان حصول هذا الوصف لذات المنعوت من غير نظر إلى كونه مباشرا لفعل أو غير مباشر، ولهذا جاز أن يقع الأسود والأبيض، والطويل والقصير، وما أشبه ذلك من الصفات التي لا انتقال فيها نعتا لا حالا. وأما الدوام فعلا يعتبر هنا، وإن اعتبر فليس مقصودا أولا وبالذات، فإن أريد الدوام هنا بالفعل فهو ممتنع، وإن أريد بالقوة، فلا نزاع كما سيأتي. قال في دلائل الإعجاز (١): إذا قلت: جاء زيد وهو مسرع، أو وغلامه يسعى بين يديه، أو وسيفه على كتفه كان المعنى أنك بدأت وأثبت المجيء، ثم استأنفت خبرًا، وابتدأت إثباتا ثانيا لما هو مضمون الحال، ولهذا احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى فجيء بالواو كما جيء بها في نحو: زيد منطلق، وعمرو ذاهب انتهى. وقال في موضع آخر (٢): إنك إذا قلت: جاء زيد والسيف على كتفه، أو خرج التاج عليه فكان كلاما نافرا لا يكاد يقع في الاستعمال؛ لأنه بمنزلة قولك: جاءني زيد وهو متقلد سيفه، وخرج وهو لابس التاج في أن المعنى على استئناف كلام، وابتداء إثبات، وأنك لم ترد جاءني كذلك، ولكن جاءني وهو كذلك انتهى. فعرفت من هذا أن المعنى في قوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾ على استئناف [٢] كلام وابتداء صغار عند إعطاء الجزية من دون نظر إلى الدوام وعدمه، وهو ما فهمه السلف الماضون ﵃ وفهمه إمام البيان والتفسير الزمخشري (٣) رحمه الله تعالى إذ قال: أي تؤخذ منهم الجزية على الصغار والذل، وهو أن يأتي بنفسه ماشيا غير

стр. 4062

راكب ويسلمها وهو قائم، والمستلم جالس، وأن يثلثل تلتلة، ويؤخذ بتلبيبه ويقال له أد الجزية وإن كان يؤديها ومزح في قفاه انتهى، وقال الفقيه يوسف في الثمرات (١) في تفسير هذه الآية ما لفظه: وفي هذه الجملة حكمان: الأول: وجوب قتال من هذه صفته حتى يخرج عن هذه الصفة بالإسلام، أو يبذل الجزية فيقر على ذلك، وإن كانوا يرتكبون من المنكرات العظائم من الكفر، وشرب الخمر، وأكل الخنزير، وغير ذلك. ومثل هذا لا يكون في حق من أسلم أن يؤخذ منه عوض، ويقر على المعاصي؛ لأن الشرع قد ورد بهذا، ولا بد أن يكون مصلحة وإن جهل وجهها، مع أن إقرارهم بالجزية قد يكون لطفا لنا بالشكر على قهرهم، ولطفا لهم يكون لهم باعثا على الدين لأجل المخالطة، انتهى. وقال السيوطي (٢): قوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾ أخرج ابن أبي حاتم (٣) عن المغيرة أنه قال لرستم: أدعوك إلى الإسلام، أو تعطي الجزية وأنت صاغر، قال: أما الجزية فقد عرفتها فما قولك: وأنت صاغر؟ قال: تعطيها وأنت قائم وأنا جالس والسوط على رأسك (٤). وأخرج أبو الشيخ (٥) عن سعيد بن المسيب قال: أحب لأهل الذمة أن يتعبوا في أداء

стр. 4063

الجزية لقوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (١) فاستدل بها من قال: إنها تؤخذ منهم بإهانة فيجلس الآخذ، ويقوم الذمي، ويطأطئ رأسه، ويحني ظهره، ويضعها في الميزان، ويقبض الآخذ لحيته، ويضرب لهزمته، ويرد به عليهم النووي (٢) حيث قال: إن هذه هيئة باطلة. واستدل بالآية من قال: إن أهل الذمة يتركون في بلد أهل الإسلام؛ لأن مفهومها الكف عنهم عن أدائها، ومن الكف أن لا يجلوا. ومن قال: هي عوض حقن الدم فلا أجرة الدار انتهى، والمراد من ذلك أنه يعطونها في حال هم صاغرون فيه أي صغار، إذ الجملة الحالية إنما يقيد العامل بمضمونها، فمعنى وهم صاغرون في حال صغار. ولا يخفى أن لفظ صغار يصدق بأدنى شيء من الصغار، ولا يشترط أن يخلفه شيء آخر من الصغار. وأما ما لحظ إليه من الدوام أي دوام كل صغار على كل فرد، فإن أراد الدوام بالفعل فلا يقول له؛ لما يلزم عنه من اللوازم، وإن أراد بالقوة فلا نزاع. وما في القوة ليس واجب الوجود. قوله [٣]: واعتبار السكاكي، والشريف، وصاحب المجاز للمقامات غير قادح في المطلوب لقضاء المقام بذلك بلا نزاع فهو إجماع. أقول: هذا الزمخشري وغيره لم يفهم ما فهمته من دوام الصغار، وعموم أنواع

стр. 4064

الصغار لكل فرد في كل، فحسبنا الزمخشري (١) مخالفا وقامعا في الإجماع، فكيف والمخالف غيره كثير. قوله: وإهمال اعتباره أي اعتبار الظاهر فيما نحن فيه مستلزم لجواز تقرير بعض أهل الذمة بلا جزية ولا صغار وهو باطل. أقول: هم لا يهملون اعتبار الظاهر، أما في جانب الإعطاء فلما يجيء أنها من كل حالم دينار (٢) وأما اعتبار كل صغار بالفعل لكل فرد على جهة اللزوم في حال الإعطاء وإلا

стр. 4065

فليست بجزية فلم يقل به أحد، ولا دليل على وجوبه؛ لأن الصغار الحاصل للكل المجموعي، أو للفرد الكامل عائد إلى الإفراد من ذلك، غاية ما يلزم من ذلك جواز تقرير بعض أهل الذمة بلا صغار مخصوص بالفعل في حال إعطاء الجزية وهو مستلزم. أو يقال: الصغار ثابت لكل واحد بالفعل في حال إعطاء الجزية، إذ الواقع أنهم يعطونها وهم في حال صغار، ولا يخفى أن نزع العمامة عنهم صغار ثابت لازم لهم، مقارن لإعطاء الجزية، كذلك لبس الغيار صغار. الزنار (١) المعروف صغار. كذلك الفقر والمسكنة والذلة التي ضرب الله عليهم صغار، هذا مما هو ثابت بالفعل في عامة الأحوال، وتقارن إعطاء الجزية، وأما ما هو ثابت في بعض الأحوال فكثير. قوله: وإذا تقرر أن كل فرد من أفراد أهل الذمة لا ينفك عن الصغار بحكم الشرع، وأن الصغار هو الذلة والإهانة كما تقرر في اللغة، فدعوى اختصاصه ببعض ما فيه ذلك،
следующие страницы →