← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: ترجمة علي بن موسى الرِّضا. ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وجدت بخط المولى شيخ الإسلام ﵁ ما لفظه: ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة علي بن موسى الرِّضا. ٤ - آخر الرسالة: هذا غير بعيد فليراجع هذا البحث، فإني لم أكتبه هنا إلَّا لقصد إمعان النظر فيه بعد حين إن شاء الله محمد بن علي الشوكاني. ٥ - نوع الخط: خط نسخي مقبول. ٦ - عدد الصفحات: ٥ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٩ سطرًا، ما عدا الصفحة الأولى فعدد أسطرها ١٠ أسطر. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ٨ كلمات. ٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني. ١٠ - الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 3992

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وجدتُ بخطِّ المولى شيخ الإسلام ﵁ ما لفظه: ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة علي بن موسى الرضا (١) ما لفظُهُ: بعد حذف السندِ منه إليه لما أُدخِلَ على المأمون رجلٌ نصراني قد وُجِدَ مع امرأةٍ هاشميةٍ، فلما أدخل عليه أسْلَمَ فغاظ المأمون ذلك غيظًا شديدًا، فاستفتى الفقهاء فكلٌّ قال: هدمَ إسلامُهُ ما فعلَه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، اكتب إلى علي بن موسى في هذا. قال: فكتب إليه فوافاهُ علي بن موسى فقال: يا أمير المؤمنين، اضرب عنُقَهُ؛ فإنه إنما أسلمَ [اأ] مخافةً من السيف، فقال الفقهاء: من أين لك هذا؟ قال: فقرأ علي بن موسى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) انتهى.

стр. 3993

أقول: وهذا استدلال قوي، ودليل قرآني سوي، فإنَّ الله- سبحانه- جاء في هذه الآية بما هو يشفي ويكفي، فذكر أولا وقتَ هذه المقالةِ منهم فقال: ﴿فلما رأوا بأسنا﴾ أي: وقتَ رؤيتهم لبأسنا قالوا آمنا بالله وحده، وذكر مع الجملة الدالةِ على إنشاء الإيمان منهم، وهو قوله: ﴿آمنا بالله﴾ ما يفيد تأكيدَ هذا، ثم لم يكتفِ بهذا حتى جاء بجملةٍ مؤكِّدةٍ لمضمون الجملة الأولى فقال: ﴿وكفرنا بما كنا به مشركين﴾ فهذا المعنى فُهِمَ أولًا من قولهم: ﴿آمنا بالله﴾ ثم فهم ثانيًا من قولهم: ﴿وحده﴾ ثم فهم ثالثا بأبلغ عبارةٍ، وأوضح دلالةٍ، وأتمِّ تصريحٍ من قولهم: ﴿وكفرنا بما كنا به مشركين﴾ وهذا التأكيدُ المستفاد من كلام الله تعالى [١ب] يدلُّ على أنه قد أظهروا بألسنتهم من الإيمان غايةَ ما يمكن من الإظهارِ، وكفروا بما يخالف الإيمانَ أبلغَ كفرٍ، ثم

стр. 3994

عقَّب سبحانه هذا بقوله: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم﴾ فجاء بهذه الجملة المصدَّرة بحرف النفي المتوجِّه إلى نفي النفعِ الكافي له بذلك الإيمانِ، فأفاد ذلك العمومَ، وأنه لا نفعَ لهم في هذا الإيمان الواقع عند رؤية الناس بوجه من الوجوه، كما تقرر من أن الأفعال مشتملةٌ على النكرات، فهو في قوة: لا نفعَ لهم بهذا الإيمان، والنكرةُ في سياق النفي من أبلغ صيغِ العمومِ (١)، ثم كرر هذا ذكر الوقت الذي وقع فيه ذلك الإيمان بعد أن ذكره أولا بلفظه وحروفه فقال: ﴿لما رأوا بأسنا﴾ فكان من التأكيد الدال على عدم نفع الإيمانِ في هذا الوقتِ، فوجهٌ من وجوه النفعِ لم يكتف بهذا حتى أردفه بجملةٍ دالةٍ على أنَّ عدم نفعِ الإيمانِ في هذا الوقت هو سنةُ الله ، ثم لم يكتف بمجرَّد ذكرِ

стр. 3995

السنةِ حتى أبانَ لنا بأنَّ هذه السنة (١) هي التي خلتْ في عباده، وأنه شرْعُه الذي ارتضاه لمن مضَى من الأمم، وأنَّ الشرائع التي شرعَها لسابق عبادِه ولاحقِهم في كتبه المنزَّلةِ [٢أ]، وعلى ألسنِ رسله هي هذه، ثم ذيَّلَ هذا الكلامَ بقوله: ﴿وخسر هنالك الكافرون﴾ فكان في هذه الجملة [ .... ] (٢) أبلغ مناداةِ، فإنه لم يحصلْ لهم من ذلك الإيمانِ عند رؤية الناس إلا الخسران، فلم يعاقبوا بمجرَّد الخيبةِ مما قالوه بألسنتهم، بل ضمَّ لهم إلى ذلك الخسرانَ المشعِرَ بأنه قد نزل بهم من المِحَنِ ما لا يُعَبَّرُ عنه إلا بهذه العبارة المفيدة لجمعِ العقوبةِ لهم على أبلغِ وجهٍ، وأتمِّ صورة، فكان فيها من الدلالة على ما أراده الإمام علي بن موسى ﵀ والمناداةُ بما قصده بما هو أوضحُ من شمس النهار، وأمَّا حديثُ: "الإسلام يجب ما قبله" (٣) فغايتُه أنه دلَّ بعمومه باعتبار تعريفِ المسندِ إليه على أنه يجبُّ كلَّ ما تقدَّمهُ، وإن كان قائله إنما قاله عند رؤية الناس، ومخافةِ السيفِ. ولا يصلح مثل هذا الحديث لتخصيص عموم الآيةِ؛ لأنه عامٌّ فيها يعارضُ عموماتٍ، فيطلب المرجح لأحدِهما، لا سيَّما بعد ورودِه على هذا الوجه من التأكيد، والتكرُّرِ، والمبالغةُ في العبارة أرجحُ لكونه قطعيَّ المتنِ، وإن كان ظنيَّ الدلالة لكنه أرجحُ من الحديث، فإنه ظنيُّ المتن والدلالةِ جميعًا [٢ب].

стр. 3996

فإن قلت: من جملة الأدلة الخارجية القاضيةِ بترجيح عمومِ الحديثِ على عموم القرآنِ ما وقع منه ﷺ في معاقبته لمحمد بن مسلمةَ، أو لأسامةَ (١) بن زيد على اختلاف الرواية لما قتَلَ كافِرًا تكلَّم بكلمة الشهادةِ عند رؤية السيفِ، أو نحو هذه العبارة. فقال له: "هل شققتَ عن قلبه" (٢) وكرر ذلك عليه حتى عاهد الله أن لا يقاتلَ بعدها من تكلَّم بكلمة الشهادةِ. والقصةُ معروفة مشهورةٌ.

стр. 3997

وفي هذا ما يدلُّ على اعتبار إسلامِ من تكلَّم بكلمة الشهادةِ عند رؤية السيفِ (١)، ومخافةَ القتل، فيحمل ما في الآية من البأس على ما هو من الله - سبحانه- كما يرشد إليه إضافةُ البأس إلى ضميره - سبحانه- كالقيامةِ، والخسِْف، والصواعقِ، ونحو ذلك.

стр. 3998

قلت: هذا غير بعيد فلنراجع هذا البحثَ، فإني لم أكتبه هنا إلّا لقصد إمعان النظر فيه بعد حين - إن شاء الله- محمد بن علي الشوكاني [٣أ].

стр. 3999

رسالة في حكم صبيان الذميين إذا مات أبوهم تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4000

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: رسالة في حكم صبيان الذميين إذا مات أبوهم. ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: هذا البحث كتب به إلى السيد العلامة الحسين بن عبد الله الكبسي من كوكبان وأجبت بالبحث المذكور بعده. ٤ - آخر الرسالة: "فإني كتبه ورسوله قائم بالباب، والله أعلم بالصواب". انتهى من تحرير المجيب حفظه الله، وبارك لنا وللمسلمين في أيامه إنه جواد كريم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٥ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا. ما عدا الصفحة الأولى فعدد الأسطر فيها ٢٠ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4001

هذا البحث كتب به إلى السيد العلامة الحسين بن عبد الله الكبسي (١) من كوكبان، وأجبت بالبحث المذكور بعده. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، مذاكرة مهمة في شأن الصبيان الذميين (٢) إذا مات أبواهم، هل ينزعون من بين الذميين إلى المسلمين؟ فحكى ابن حجر - رحمه الله تعالى- في فتح .............................................

стр. 4002

الباري (١)، في كتاب (٢) الجنائز عن أحمد بن حنبل أنه قال: من مات أبواه، وهما كافران حكم بإسلامه، وظاهره العموم، سواء كان الأبوان مشركين أو غيرهما لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، ثم يقول: اقرءوا:﴾ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴿أخرجه الشيخان (٣) وغيرهما (٤). زاد البخاري (٥): "فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه"، وزاد مسلم (٦) في رواية أخرى: "ما من مولود إلا وهو يولد على الملة، حتى يبين عنه لسانه"، وبين ابن حجر (٧) أن قوله: اقرءوا فطرة الله إلخ مدرج من قول أبي هريرة، وهذا عام يشمل المرتدين والمشركين والذميين. وذكر ابن حجر (٨) اختلاف السلف في المراد بالفطرة في هذا الحديث على أقوال كثيرة. قال: وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام، وعن ابن عبد البر أنه قال: وهو المعروف عند عامة السلف. وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى:﴾ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴿(٩) وأيد ابن حجر هذا القول بأدلة قرآنية، وسنية، وجزم البخاري في تفسير (١٠) سورة الروم بأن الفطرة الإسلام.

стр. 4003

واستدل أحمد بحديث الباب بناءً على هذا التفسير، وتعقب بعضهم هذا التفسير كما حكاه ابن حجر (١) بأنه كان يلزم أنا لا يصح استرقاقه، ولا يحكم بإسلامه إذا أسلم أحد أبويه. ثم قال ابن حجر: والحق أن الحديث سيق لبيان ما هو في نفس الأمر، لا لبيان الأحكام في الدنيا. قال ابن حجر (٢): ولا حجة فيه لمن حكم بإسلام الطفل الذي يموت أبواه كافرين، كما هو قول أحمد، فقد استمر عمل الصحابة، ومن بعدهم على عدم التعرض لأطفال أهل الذمة انتهى. وقال أهل المذهب الشريف مثل مقالة أحمد [١]، كما نص الإمام المهدي في الأزهار (٣) بقوله: "وبكونه في دارنا دونهما" (٤) زاد في الأثمار (٥) مطلقًا. قال في الوابل: سواء كان أبواه ميتين في دار الإسلام، أم غائبين عنها، هكذا مفهوم عبارة الأزهار، وهو الموافق للقواعد (٦)، ولذلك صرح به المؤلف، وهذا الذي صححه المؤلف

стр. 4004

قد صححه كثير من العلماء، وهو الموافق للأدلة، وكذلك صرح به في الأثمار (١) انتهى. وقال في الغيث (٢): لأنه صار في دار الإسلام، وأبواه في دار الحرب فقد انقطعت ولايتهما، فلا يلحق حكمهما في ذلك، بل يحكم بأنه ولد على الفطرة حتى يعرب (٣) عنه لسانه بعد تكليفه لأجل الخبر انتهى. وروي عن ابن حميد أنه حكاه أن الإمام شرف الدين - رضوان الله عليه- بعث في البلاد لقبض من مات أبواه من صبيان اليهود انتهى. فالذي يظهر لي رجحان ما ذهب إليه أهل المذهب وأحمد. بقي الكلام في ميراث الصبي من أبويه وغيرهما ما دام صبيًّا، فالواقع عند عامة العلماء أن أبويه يرثانه مع قوله ﵌: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم". اتفق عليه الشيخان (٤)، وكذا قوله ﵌: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ " (٥) وسببه كما ذكره ابن دقيق العيد (٦) أن أبا طالب لما

стр. 4005

مات لم يرثه علي، وجعفر، وورثه عقيل، وطالب؛ لأن عليًّا وجعفر كانا مسلمين حينئذ، فلم يرثا أبا طالب. وقال في البحر (١): معاذ ومعاوية والناصر- ﵇ والإمامية: يرث الكافر لقوله- ﵌: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" انتهى. وهذا عموم كما لا يخفى. قال ابن دقيق العيد (٢): ومن المتقدمين من قال بأن المسلم يرث الكافر دون العكس، وكان ذلك تشبيه بالنكاح، حيث ينكح المسلم الكافرة الكتابية بخلاف العكس انتهى. فعلى قول معاذ، والناصر، ومن معهما لا إشكال في ميراث الصبي من أبويه الكافرين، وكذا إذا قلنا بإسلامه كما هو ظاهر حديث: "كل مولود" (٣) وكان إثبات التوارث من الجانبين؛ أعني: ميراث الصبي من أبويه، وميراثهما منه بحكم المعاملة له معاملتهما في أحكام الدنيا، وهذا واضح كما يظهر. وإن أشكل فيه أن الصبي يعامل به معاملة أبويه حتى يموت أبواه، فموتهما يثبت له حكم الإسلام مقارنًا لموتهما، فكيف لا يكون مانعًا من إرثه لهما على قول الجمهور (٤) من عدم التوارث بين أهل ملتين! فالمقام مقام نظر وإمعان. ويظهر لي صحة نزع الصبي بوجوبه وبثبوت ميراثه من أقاربه ما دام صبيًّا قبل نزعه، إذ بنزعه تنقطع عنه المعاملة له معاملة أبويه. ويؤيد هذا الظاهر حتى يصير متعينًا وجوبًا. الوجه الأول: أنه بعد أن ثبت أن المراد بالفطرة (٥) الإسلام، وقد ثبت عند عامة

стр. 4006

العلماء أو إجماعهم على ما يظهر من عدم حكاية مخالف أنه يرثه أبواه الكافران إذا ماتا مع اختلاف الملة، وما ذاك إلا لحكم معاملته معها معاملة الموافق في الملة. والوجه الثاني: هو ما أشار إليه ابن حجر (١) بقوله: والحق أن الحديث سيق لبيان ما هو في نفس الأمر، لا لبيان الأحكام في الدنيا، فإنه يفيد أن أحكام الذمي من التوارث والاسترقاق وغيرهما منظور فيهما عند الشارع إلى الظاهر، وإلى معاملة الصبي معاملة أبويه وإن كان ابن حجر ﵀ لم يسلك الحق في ما مضى له من قوله بعد ذلك: ولا حجة فيه؛ أي في حديث "كل مولود" إلخ، لمن حكم بإسلام الطفل الذي يموت أبواه كافرين، كما هو قول أحمد. وأسند عدم الحجة باستمرار عمل الصحابة ومن بعدهم على عدم التعرض لأطفال أهل الذمة. ولا يخفى أنه لا حجة في ذلك الاستمرار إلا إذا كان إجماعًا، ولا إجماع كما هو ظاهر، على أن قول ابن حجر: ولا حجة إلخ مناف لما قد قرره من أن الفطرة الإسلام، تظهر ما قلته لمن تأمل المقام. والوجه الثالث: إن ثبت كون المراد بالفطرة الإسلام، وثبوت معاملة الصبي معاملة أبويه في الأحكام الدنيوية يصح أن يقال: إن قد قارن موت أحد أبوبه مانع من الإرث، وهو اختلاف الملتين، وارتفاع ولاية أبويه عليه بالمرة، وثبوت الإسلام، وأن ينزع من أيدي أهل الكفر، وزوال المعاملة بالمرة لأنا نقول: قد ثبت عند الشارع إحدى هذه المعاملة في الأحكام الدنيوية في الاسترقاق، فإنه يسترق الصبي من غير فرق بين تقدم هلاك أبويه على استرقاقه وعدمه، وذلك معلوم، وذلك ما ثبت عند عامة العلماء من إثبات ميراث أبويه منه، مع حصول الاختلاف وارتفاع موجب المعاملة، ما ذاك إلا لانسحاب حكم المعاملة بعد الموت. ونظير ذلك عتق المدبر بعد موت سيده، مع حصول المانع، وهو خروجه عن ملك مدبره لموته، ونظير ذلك أيضًا ما قالوه في المملوك إذا مات أبواه أو نحوه، فعتق قبل حوز المال إلى بيت المال أنه يرث أباه، ونحوه مع

стр. 4007

حصول مانع الرق عند الموت لانسحاب إعمال حكم القرابة الموجب للتوارث. هذا ما ظهر مع قصور الباع؛ فإن كان صوابًا فبهداية الله، وأرجو الأجرين من الله تعالى الكريم المنان، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وأرجو من الله الأجر. حرر هذا السؤال في شهر رمضان سنة ١٢٠٩، وقلم السائل السيد حسين بن عبد الله الكبسي - عافاه الله-.

стр. 4008

هذا لفظ ما حرره في المقام الولد العلامة الهمام محمد بن علي الشوكاني، أدام الله إفادته، وجعله للمتقين إمامًا، وجعل الجميع ممن يعمل ما يرضيه، ويتجنب ما لا يرضيه. الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وبعد: فإنه وصل هذا البحث النفيس من سيدي العلامة الأجل شرف الملة - حماه الله ورعاه، وكلأه وبارك للمسلمين في علومه-. وقد أفاد وأجاد، ولكنه خطر بالبال حال تحرير هذه الأحرف من دون بحث كتاب أن مرجع الأمر إلى معرفة ما هو المراد بقوله ﵌: "يهودانه، وينصرانه" (١) هل المراد أنهما يصيرانه كذلك بمجرد كون الأب أبًا له، والأم أمًّا له حال كونهما متصفين بوصف الكفر، أو المراد أنهما يحببان إليه ذلك أو المراد أنه يصير بالملازمة لهما متدينًا بدينهما بعد كونه مولودًا على الفطرة، أو المراد أنهما يصيرانه على دينهما عند أن يصير متصفًا بوصف البلوغ الذي هو المناط للأحكام الشرعية؟ فإن هذا كان المراد المعنى الأول فالصبي المولود لليهوديين والنصرانيين يصير كافرًا بمجرد كون أبويه كذلك، سواء كان الأبوان باقيين على الحياة، أو ميتين، وسواء كان الموت عند الولادة أو بعدهما، قبل بلوغ الصبي، فعلى هذا لا يصير الولد مسلمًا بكونه في دارنا دونهما؛ لأن الأبوين قد هوداه ونصراه بمجرد كونهما متصفين بوصف الأبوة، ويرثهما ويرثانه، ولا يثبت له حكم الإسلام إلا باختياره بعد بلوغه (٢)، ولكن يبقى الكلام هل تصح على معنى هذا الجملة المضارعية! أعني: قوله- ﵌: "يهودانه، وينصرانه"، لما تقرر أنها للاستمرار التجددي، ويمكن أن يقال أن المراد بالاستمرار الذي هو مدلوله المضارعية هو الكائن في حال حياتهما، أي:

стр. 4009

يستمر ذلك ما داما في الحياة وإن كانت غير مستمرة إلى حال البلوغ فإذا مثلًا: مات الأبوان بعد ولادة الولد بشهر فقد استمر في تلك المدة جعلهما له يهوديًّا أو نصرانيًّا، وليس في الحديث ما يدل على غير هذا، وإن كان المراد المعنى الثاني فلا يصدق ذلك إلا على من عاش أبواه أو أحدهما إلى زمان يتعقل فيه الصبي ما يقال له، ويؤيد هذا أنه لا بد في كونهم مهودين له أو منصرين من تعقل المفعول به لذلك المعنى، وهو لا يتعقله قبل بلوغ سن التمييز. وعلى هذا يكون الصبي كافرًا بكفر أبويه، بمجرد إدراكه لهما أو لأحدهما، وهو مميز فلا يصير بعد موتهما مسلمًا بكونه في دارنا دونهما، بل هو على دينهما حتى يبلغ، ويختار خلافه، وحينئذ يرثهما ويرثانه ما دام غير خارج عن دينهما (١) باختياره. وإن كان المراد المعنى الثالث فالولد يصير متدينًا [٤] بدين الأبوين مجرد ثبوت الملازمة لهما، وليس في ذلك ما يقتضي اعتبار استمرارها إلى البلوغ، لصدق مسمى الملازمة على ثبوتها في مدة من المدد. ألا ترى أنه يقال في اللغة (٢): لازم فلانًا يومًا، أو يومين، أو ثلاثًا، أو أسبوعًا وسنة. ويأتي ما سلف من اعتبار كونهما بين مميزين. والظاهر عدم اعتبار ذلك؛ لأنه يقال: لازم فلان داره، أو بلده، أو ضيعته، أو المسجد. وعلى هذا فلا يكون الصبي مسلمًا بعدم وجود أبويه في دارنا، وحكمه حكم غيره من الكفار في أحكام الذمي. وأما في الأحكام الأخرى ففيه الخلاف الطويل العريض في أحكام أطفال الكفار. والأدلة في ذلك مختلفة غاية الاختلاف. وعلى الجملة فالمسألة من مطارح الأنظار، ومسارح اجتهاد الأئمة الكبار. وقد حررت فيها في سالف الأيام بحثًا مطولًا.

стр. 4010

وإن كان المراد المعنى الرابع فلا شك أنه لا يصير متصفًا بوصف الكفر، لكونهما أبوين له، ولا بالملازمة المنقطعة قبل البلوغ؛ لأن تصييرهما له كذلك هو عند البلوغ، وعلى هذا فإذا وجد في دارنا دونهما صار مسلمًا؛ لأنه لم يحصل ذلك المعنى، بل يحكم عليه بالإسلام قبل بلوغه مطلقًا؛ لأن تهويده لم يحصل، وذلك يستلزم نزعه حال صغره، ولو كان الأبوان باقيين؛ لأن كونه في أيديهما يفضي به إلى الكفر، واللازم باطل فالملزوم مثله. أما الملازمة فلأن المفروض أنه مسلم قبل البلوغ، فكيف يقر في أيدي الكفار! وأما بطلان اللازم فلم يثبت عن النبي ﵌، ولا عن الصحابة، ولا عن سائر علماء الأئمة أنهم انتزعوا صبيان الكفار على اختلاف أنواعهم، مع وجود الأبوين، أو أحدهما، وأيضًا معنى الحديث وهو قوله: "يهودانه وينصرانه إلخ" لا يدل على ذلك المعنى؛ لأن الظاهر أنه يولد على تلك الصفة فيتعقبه تصيير الأبوين له كذلك. والضمير في قوله: يهودانه إلخ راجع إلى المولود، وإطلاق اسم المولود في عرف اللغة إنما يصح على من كان قريب العهد بها. هذا ما لاح للنظر القاصر بدون تحرير للنظر، ولا تكرير له، وإذا تصفحه المتأهل استفاد، ومنه ما هو الحق في المسألة، فليمعن سيدي الشرفي النظر في ذلك، وإذا عرضه فليعرضه على من له مسرح في المعارف الاجتهادية، ويتعذر إذا رأى فيه ما لا يناسب؛ فإني كتبته ورسوله قائم بالباب، والله أعلم بالصواب. انتهى من تحرير المجيب - حفظه الله-، وبارك لنا وللمسلمين في أيامه، إنه جواد كريم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

стр. 4011

حل الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4012

وصف المخطوط: (أ) ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: حل الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال. ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، أحمدك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. ٤ - آخر الرسالة:" .... فربما كانت هذه الأحموقة محمودة عند الله تعالى. كمل من تحرير جامعه محمد بن علي الشوكاني حفظ الله به الدين وأقام به عمود الدين، وكان التحرير والجمع يوم الجمعة شهر القعدة سنة ١٢٠٥ هـ وصليت على نبينا محمد وآله وصحبه آمين. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٣ سطرًا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ٢٣ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4013

وصف المخطوط: (ب) ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: إزالة الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال. ٢ - موضوع الرسالة: "فقه". ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، أحمدك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآله وصحبه. قلتم طول الله مدتكم وحرس مهجتكم في مشرفكم. ٤ - آخر الرسالة: ... مدينة صنعاء المحمية بالله تعالى، كتبه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن أحمد البهلكي. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٦ صفحات ما عدا صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٨ سطرًا ما عدا الصفحة السادسة فعدد أسطرها ٧ أسطر. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة. ٩ - الناسخ: عبد الرحمن بن أحمد البهكلي. ١٠ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4014

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي على رسولك وآله وصحبه. قلتم - طول الله مدتكم وحرس مهجتكم في مشرفكم-: هل من دليل يدل على إجبار اليهود على التقاط الأزبال؟ فأقول: لم أقف قبل كتب هذه الأحرف على كلام في ذلك لأحد من العلماء، وقد خطر بالبال حال زبر هذه الأحرف من الأدلة خمسة عشر دليلًا. الأول: قال الله تعالى:﴾ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴿(١) ضرب الله- ﷻ [لجواز] (٢) مصالحة الكفار غاية هي إعطاء الجزية، وقيدها بالجملة الحالية (٣) وهي قوله: وهم صاغرون، إشعارًا بأن مجرد إعطاء الجزية غير كاف في جواز الموادعة والمصالحة، وحقن الدماء، وجعلها اسمية تنبيهًا على دوام الصغار لهم وثباته كما

стр. 4015

قرره أئمة البيان، وصرح به العلامة في مواضع من كشافه (١)، وقرره السعد في جميع كتبه، واعتبار السكاكي، والشريف، وصاحب المجاز للمقامات غير قادح في المطلوب لقضاء المقام بذلك بلا نزاع فهو إجماع. وضمير الجماعة ظاهر في تعلق الحكم بكل فرد، فلا يصار إلى غيره إلا لموجب، وهذا على فرض تجرده عن الأدلة العاضدة لذلك الظاهر، أما مقام النزاع فهو فيه معقود بالنص والإجماع. وإهمال اعتباره فيما نحن فيه مستلزم لجواز تقرير بعض أهل الذمة على الصلح بلا جزية ولا صغار، وهو باطل. أما الأولى: فلأن هجر الظاهر موجب لعدم التعلق بالكل الإفرادي، وغايته التعلق بالمجموع من حيث هو، وأنه غير مناف لخروج البعض. وأما الثانية: فالنص والإجماع قاضيان قضاء لا ينكر ببطلان تقرير أهل الذمة في جزيرة المسلمين بلا قتال ولا جزية وصغار. إذا تقرر أن كل فرد من أفراد أهل الذمة لا ينفك عن الصغار بحكم الشرع، وأن الصغار هو الذلة والإهانة كما تقرر في اللغة (٢) فدعوى اختصاصه ببعض ما فيه ذلك، أو بوقت دفع الجزية أخذًا بظاهر التقييد ممنوع؛ لأن الأولى تحكم محض. والثانية: تفت في عضدها أنه يصدق على الذمي أنه معط للجزية في جميع أوقات المصالحة، وإلا لزم بطلان مصالحته، [فأمانه] (٣) في وقت عدم الإعطاء بالفعل وهو باطل، وهذا يعود إلى الخلاف في اشتراط بقاء المعنى في إطلاق المشتق (٤). وقد تقرر [١] في الأصول أنه باعتبار الماضي حقيقة على قول، ومجاز على آخر،

стр. 4016

وباعتبار المستقبل مجاز بالاتفاق كما قرره العضد وشارح الغاية. قال سعد الملة في المطول ما لفظه: قلت: لا خلاف في أن اسم الفاعل والمفعول فيما لم يقع كالمستقبل مجاز، وفيما هو واقع كالحال حقيقة، وكذا الماضي عند الأكثرين. فانظر كيف جعل الماضي كالحال في أنه حقيقة، ونسبه إلى الأكثرين لا كما وقع في شرح الغاية من نسبة ذلك إلى أبي علي، وأبي هاشم، وابن سينا فقط. وقد نسبه الشلبي إلى الشافعية وعبد القاهر (١). وعلى الجملة فإن كل ما في القرآن والسنة من هذا القبيل إلا القليل النادر، وقد جود البحث في ذلك المحلي في شرح جمع الجوامع، وابن أبي شريف في حاشيته. إذا عرفت هذا علمت أن إعفاء اليهود عن التقاط الأزبال الذي هو أعظم أنواع الصغار وأهمها لا سيما مع استلزامه لإلصاق هذا العار الهادم لكل شعار بالمسلمين - لا محالة- يعود على الفرض المقصود من المصلحة الباعثة على المصالحة بالنقض، ويخدش [١ أ] في وجه تبلج الإسلام خدشًا تظهر للسرور به أسارير وجه الكفر، فلينظر المتفكر، وليتأمل المعتبر ما وسم به المسلمون من التقاط أزبال اليهود، وأي الفريقين صاحب الصغار عند مباشرة المسلمين لهذه النقيصة المشوهة﴾ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴿(٢) أي مذلة احتملها المسلمون، وأي ضعة ومهانة صبر عليها الأولون؟! الدليل الثاني: قال الله تعالى:﴾ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴿(٣). وقال :﴾ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ﴿(٤).

стр. 4017

قال جار الله الزمخشري (١) في تفسير الآية: جعلت [الذلة] (٢) محيطة بهم، مشتملة عليهم، فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضرب لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه. وقال (٣) في تفسير الآية الثانية: والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس، يعني ذمة الله وذمة المسلمين؛ أي: لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوا الجزية، ثم قال: وضربت عليهم المسكنة كما يضرب البيت على أهله، فهم ساكنون في المسكنة غير ظاعنين عنها، وهم اليهود عليهم لعنة الله وغضبه. انتهى. إذا تقرر هذا فربك - جل وعز- قد أخبرك في كتابه أن الذلة مضروبة على اليهود، دائمة لهم بدوامهم، شاملة لجميع الأشخاص في جميع الأزمان، على جميع الأحوال، وليس المراد بذلك الأمر [٢] الخلقي الجبلي، بل المراد التسليط عليهم، فلا تزال الحوادث تطرقهم، والمصايب تتعاورهم على ممر الدهور، وتعاقب العصور، وليس المراد بالذلة المضروبة [الذلة الحاصلة بسبب خاص، أو ببعض معين؛ لأن ذلك تحكم لم يدل عليه دليل، بل المراد] (٤) [إلا] (٥) الذلة الناشئة عن أي سبب كان من الأسباب التي لم يمنع الشارع منها، فإجبارهم على الالتقاط محصل للذلة المضروبة، وكل محصل للذلة المضروبة جائز، فإجبارهم على الالتقاط جائز. أو يقال: التقاطهم للأزبال ذلة، وكل ذلة مضروبة عليهم، فالتقاطهم للأزبال مضروب عليهم، أو التقاطهم صادق عليه اسم الذلة، وكل صادق عليه اسم الذلة

стр. 4018

مضروب عليهم، فالتقاطهم مضروب عليهم. أما الصغرى فلا شك أن الإجبار على مثل هذا الصغار من [أبلغ] (١) أنواع الذلة في العرف واللغة. وأما الكبرى فلعدم صحة إرادة ذلة مخصوصة لما عرفت، ويدل لعدم صحة هذه الإرادة قول الله تعالى:﴾ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴿(٢) والمراد بالبعث التسليط كما ذكره العلامة (٣)، ولا يخفى ما في الإضافة إلى العذاب المحلى من إباء إرادة المعين وما في جعل يوم القيامة غاية من الدلالة على عدم إرادة مخصوص. الدليل الثالث: قول الله تعالى:﴾ لهم في الدنيا خزي ﴿(٤) قال جار الله (٥): قتل، وسبي، أو ذلة بضرب الجزية. وقيل فتح مدائنهم قسطنطينية (٦)، ورومية الكبرى، وعمورية. وأقول: تعين ما به الخزي لا يكون إلا توفيقًا أن يراد به خزي كثير، أو خزي عظيم

стр. 4019

على جعل التنكير للتكثير، أو للتعظيم، أو مجموعهما على جعله لمجموعهما، ولا يصح القصد إلى فرد من أفراد الخزي، أو إلى نوع منه، لعدم مناسبته لمقام هذا الوعيد الشديد. إذا تقرر ذلك فاليهود عليهم اللعنة أحق بالخزي العظيم، وما نحن فيه بالغ من العظم إلى غاية لا يقادر قدرها، على أن التنكير هاهنا فيه معنى العموم، وإن لم يصح تناوله للمجموع دفعة كما ذكره الأئمة في نظائره، فيكونون أهلًا لكل فرد من الأفراد الموجبة للخزي. ولا يخفى فيما تقدم [١ ب] المسند واللازم من المناسبة للمدعي [لما] (١) في المقام. الدليل الرابع: قول الله مخاطبًا لرسوله ﵌:﴾ واغلظ عليهم ﴿(٢) يعني الكفار؛ أي: اغلظ على جنس الكفار، وعلى كل كافر. وخطابه ﵌ خطاب لأمته. أما على القول بأن خطابهم يعم أمته إلا لدليل يدل على الفرق فواضح، وأما على القول بأن خطابه الخاص به لا يعم إلا لقرينة [٣]، فالقرائن المقتضية لذلك في المقام لا تخفى على عارف، وإذا كان كل فرد من أفراد المسلمين مأمورًا بالغلظة على الكفار فكيف يتردد في جواز إجبار اليهود على الالتقاط وهم أعداء الدين وأهله. الدليل الخامس: ما وصف الله به أهل الإسلام من قوله:﴾ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ﴿(٣)، فالعزة على الكفار على وجه الاستعلاء المشهور به من على وصف مادح للمؤمنين، الانخراط في سلكه أمر يرغب إليه كل نفس أبية، ويطلبه كل همة قسورية، وإن ما نحن فيه - لعمر أبيك- حقيق بأن يكون مقدم قافلة ركب العزة، وعنوان ذلك

стр. 4020

الشرف الذي ما صادف غير مجزه، فأي عزة لمسلم يعمد إلى جيوش اليهود، ويحمل أزبالهم! وأي فضيلة لإخوانه المسلمين المقرين له على ذلك العمل! الذي عورت به عين عزة الدين، وجدع به مازن شرفه، وقرت به عين ضلال اليهود! وقال لسان حال عداوتهم: انظروا أينا صاحب الصغار يا أولي الأبصار. وهكذا فلتكن غيرة الإسلام وحمية أهله التي لا تضام. الدليل السادس: أخرج الطبراني في الصغير (١) من حديث عمر، والدارقطني (٢) من حديث عابد المزني مرفوعًا: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" وكل عاقل يعلم أن ملابسة المسلمين لهذه المهنة الخبيثة التي لا أوضع، ولا أفظع، ولا أشنع منها دينًا وعقلًا وعرفًا، مع امتناع اليهود منها تعذرًا واستخباثًا منافية للعلو الذي أخبر به الصادق المصدوق، وموجبة لعكس القضية، وكثير من الأخبار النبوية مراد به الإنشاء كحديث: "لا تغزى مكة بعد اليوم، لا يقتل قرشي بعد اليوم" (٣) برفع لام يقتل " [والأمانة] (٤) في الأزد، القضاء في الأنصار، الأذان في الحبشة، الخلافة في .................................

стр. 4021

قريش" (١). ونحو ذلك مما يكثر إيراده. وتخلف هذه في الواقع ضروري لا ينكر، وعدم تخلف الأخبار النبوية ضروري، فلهذا قلنا: إنها أخبار مراد بها الإنشاء. ولعل حديث: "الإسلام يعلو [ولا يعلى عليه] (٢) " من هذا القبيل، فيكون في قوة أمر المسلمين بأن يجعلوه عاليًا ببذل الأنفس والأموال، والتشديد على عداء الله، وهو أدخل في الدلالة على المطلوب. الدليل السابع: أخرج مسلم (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﵌: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" (٤). أمر- ﵌ الأمة بأن لا يدعوهم يمشون في وسط الطريق؛ لما في ذلك من ظهور العزة، وأمرهم بأن يضطروهم [٤] إلى أضيقه إظهارًا لإذلالهم، وإهانتهم وكراهة لمساواتهم المسلمين في جادة الطريق. وفحوى الخطاب ولحنه قاضيان بمنعهم عن

стр. 4022

مساواة المسلمين في مثل هذه الخصلة، وفيما هو أشد ضرارًا منها على المسلمين، ولا يشك عاقل أن هذه الرذيلة التي نحن بصددها أشد وأشد، بل بين الخصلتين مسافات تنقطع فيها أعناق الإبل، ويبكي لها الإسلام بملء جفونه، والله المستعان. الدليل الثامن: ثبت تواترًا أن رسول الله ﵌ أخرج بني النضير من ديارهم لما في ذلك [٢ أ] من المصلحة للمسلمين (١). وقد قرن الله الخروج من الديار بقتل الأنفس، فإذا كانت مراعاة المصلحة مجوزة للإجبار لهم بمثل هذا الأمر العظيم فكيف لا يجوز إجبارهم بما هو دونه بمراحل في إضرار المجبرين، وفوقه بدرجات في الصلاح. الدليل التاسع: حديث: "نزلوا الناس منازلهم" (٢) وأدلة الكتاب والسنة والإجماع قاضية بأن منزلة المسلم أرفع من منزلة الكافر، فينبغي أن يعطى المسلم من المكاسب ما يليق بدرجته العلية، ويعطى الكافر منها ما يليق بمرتبته الدنية، فإذا قدرنا على ذلك وجب علينا ذلك التنزيل المأمور به، وإجبار من لم يمتثل من الكفار مقدمة للواجب، وكل مقدمة للواجب واجب، فإجبار من لم يمتثل واجب. الدليل العاشر: أخرج البخاري (٣) ومسلم (٤) ..............................

стр. 4023

والترمذي (١) [والنسائي (٢)] (٣) عن أنس مرفوعًا: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وهؤلاء المباشرون لهذه النجاسات قد جمعتنا وإياهم أخوة الإسلام، وإيماننًا لا ثبوت له حتى نحب لهم ما نحب لأنفسنا، ومجرد المحبة القلبية مع عدم إبلاغ الجهد في إيصال ما نحبه له به لا سيما مع قدرتنا عليه ليس هو الذي ندب إليه الشارع وحض عليه. ولا شك في وجوب إزالة المانع عن الأمور التي لها أصل في الوجوب فكيف بالإيمان! فإذا لم يحل بيننا وبين إيماننا إلا إجبار هؤلاء الملاعين على هذا الأمر فالخطب يسير، والحائل حقير، وكيف يصح من القادر على إنفاذ الأوامر أن يدعي أنه ممن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهو يرى إخوانه المسلمين في حشوش (٤) اليهود وشوارعهم، يلتقطون العذرات، ويجرون على شرف الإسلام الرفيع هذه المذلات. الدليل الحادي عشر: ما استنبطه الأمير الحسين في الشفاء (٥)، والإمام المهدي في الغيث (٦) من حديث: "أخرجوا اليهود من الحجاز [٥] " (٧) قالا: لما قال أخرجوهم

стр. 4024

من جزيرة العرب (١) ثم قال: أخرجوهم من الحجاز عرفنا أن مقصوده بجزيرة العرب الحجاز فقط، ولا مخصص للحجاز عن سائر البلاد إلا أن رعاية المصلحة في إخراجهم منه أقوى، فوجب مراعاة المصلحة إذا كانت في تقريرهم أقوى منها في إخراجهم. ولا شك أن امتناعهم من القيام بهذه العهدة التي هي رأس المصالح قادح في جواز التقرير، قادح. قال في الغيث (٢): هذا أقوى ما يحتج به أصحابنا في جواز تقريرهم في بلاد العرب. انتهى. وهذا الاستدلال وإن كان فيه عندي نظر من وجوه ليس هذا محل إيرادها إلا أنه هو الدليل الذي بنيت عليه القناطر عند المتأخرين. وأما تخصيص الأمر بالإخراج بالحجاز فقد ذهب إليه جماعة من العلماء (٣)، ونصره العلامة المغربي الحسين بن محمد صاحب البدر، وألف في ذلك رسالة نفيسة، ولكنه إذا نظر المنصف إلى أن آخر ما تكلم به النبي ﵌: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب" (٤) وأمعن النظر في المسألة الأصولية - أعني بناء العام على الخاص على جميع التقادير-، أو بناه على بعضها دون

стр. 4025

بعض. وتأمل ما ثبت في الحديث بلفظ: "لا يجتمع دينان" (١)، "لا يبق دينان بأرض العرب" (٢). "لا تجتمع قبلتان" (٣). "المسلم والكافر لا تتراءى ناراهما" (٤) عرف العلة [٢ ب] التي هي الباعثة على الأمر بالإخراج، وعرف الزيادة التي يجب قبولها عند كمال شروطها بالاتفاق في أي الجانبين هي، وتبين له لزوم الإلحاق بالعلة المنصوصة، ولاح له أن مفهوم حديث "أخرجوا اليهود من الحجاز" لا يعارض منطوق ما في الصحيحين وتقرير الأدلة على وجه يلوح به رجحان وجوب (٥) إخراجهم من جميع جزيرة العرب

стр. 4026

محتاج إلى بسط طويل يخرجنا عن المقصد الذي نحن بصدده. والدليل الثاني عشر: أن ملاحظة المسلمين إذا لم تتم إلا بإتعاب النفوس، وتقحم المشاق فليس الأمر بذلك بدعة لما ثبت عنه ﵌ من أمر المهاجرين والأنصار بحفر الخندق. وعزة الإسلام التي هي رأس المصالح الدينية إذ لم تتم إلا بإجبار اليهود فهي أولى بالجواز من حفر الخندق. فإن قلت: إذا كانت المصلحة موجبة لمثل هذا فلم لا يكون تقرير المسلمين على ذلك من هذا القبيل. قلت: في التقرير مفسدة عظمية، والمصالح مطرحة بجنب المفاسد. وقد صرح أئمة الأصول كابن الحاجب في المختصر (١)، والسبكي في جمع الجوامع (٢)، وابن الإمام في الغاية (٣) وغيرهم أن المناسبة (٤) تنخرم بلزوم مفسدة [٦] راجحة أو مساوية، ولم يخالف

стр. 4027

في ذلك إلى الرازي (١) كما حكاه في جمع الجوامع (٢) وشرحه، وهو البعض الذي أشار إليه ابن الإمام في شرح الغاية (٣)، وأنت تعلم أنه لا مفسدة في أمر اليهود بذلك. الدليل الثالث عشر: قد تواترت أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك أن أمر المسلمين بالكف عن ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان. فإذا لم يتم هذا الواجب إلا بإجبار اليهود فما لا يتم الواجب إلا به واجب كوجوبه على ما تقرر في الأصول (٤) في مقدمة الواجب. الدليل الرابع عشر: أن حفظ الدين [أحد] (٥) الضرورات الخمس (٦) المعروفة في

стр. 4028

الأصول، وهو أيضًا القسم الأول من أقسام المناسب وأعلاه في إفادة الظن وأقواه، ولا يحفظ دين أولئك المسلمين إلا بمنعهم من ذلك، وأما تقريرهم على ذلك فمناسب ملغى (١) ومعارض بمفاسد، وأمر اليهود بعد تسليم فقد الأدلة مناسب مرسل ملائم (٢) إن لم يدع أنه ضروري، فعلى فرض [أنه لا] (٣) دليل في المقام هذا الدليل فيه كفاية عند من له إلمام بالأصول، وتدرب [في طرائق] (٤) الفحول. الدليل الخامس عشر: هب أن لا دليل يدل على الحتم ففي حديث: "لأن يهدي الله بك رجلًا" (٥) دليل على جواز الإجبار، بل على الندب لتحقق الإثابة على الفعل، وأمن المخافة من العقاب فيه لعدم المانع. والنفوس الشريفة لا تزال راغبة في اقتناص شوارد [الأجور] (٦)، مشجعة على قطع ما يحول بينها وبينه، باذلة الوسع في دركه، وأنتم بحمد الله ...................................

стр. 4029

[ممن] (١) لا يدرك شأوه، ولا يشق غباره، فقد سبقتم إلى مضمار كل مكرمة سبقًا أتبعتم به من رام اللحوق فما باراكم في هذا الحلبة أحد إلا جلب على نفسه عار القصور، ودعا [٣ أ] إلى تسميته بالتبكيت واللطيم بين الجمهور، وفي هذا المقدار من الأدلة كفاية، فإن صادف القبول فبها ونعمت وإن لم يلاحظ بعين الرضا أفضلتم بالإفادة بما يعرف به القاصر قصور ما بناه من بيوت هذه الأدلة، وإشادة. فمنكم يستفاد وعليكم يعول النقاد، وأهدي التمر إلى هجر، وإن كان طليعة من طلائع الحماقة فربما كانت هذه الأحموقة محمودة عند الله تعالى. [كمل من تحرير جامعه محمد بن علي الشوكاني حفظ الله به الدين، وأقام به عمود الدين، وكان التحرير والجمع في يوم الجمعة شهر القعدة سنة ١٢٠٥. خمس ومائتين وألف عام. وصليت على نبينا محمد وآله وصحبه آمين] (٢). [حرره جامعه في يوم الجمعة في شهر ذي القعدة سنة ١٢٠٥. وأقول كتبه من خط مؤلفه حفظه الله، وتم زبره ليلة الأربعاء وقت العشاء لعلها ليلة الثلاثين من شهر محرم الحرام افتتاح سنة ١٢٠٩ لمحروس مدينة صنعاء المحمية بالله تعالى كتبه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن أحمد البهكلي] (٣).

стр. 4030

توضيح وجوه الاختلال في إزالة الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب على صفحة الغلاف: "هذا الجواب لبعض علماء صنعاء حرره لما وقف على الرسالة المتقدمة، وسيأتي الجواب عن هذا الجواب إن شاء الله.".
следующие страницы →