وربما أفضى ذلك إلى ما لا حاجة إليه.
قال: يستفسر ما أراد بالدين، فإن أراد بالدين الأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها إلخ.
أقول: المراد بالدين الذي حفظه أحد الضرورات الخمس أعم من الشق الأول، وأخص من الثاني، فما كان يستلزم تركه أو فعله ذهاب الدين وانتقاصه انتقاصًا بوقع في العقاب، فحفظه واجب. وقد قررنا فيما سلف أن نجاسة الغائط مجمع عليها، لم يخالف فيها أحد من المسلمين، كما حكى ذلك الأئمة. وبعد ثبوت هذا الإجماع، وثبوت الأدلة المتواترة في ذلك، وعدم صحة التعلق بنقل الأزبال إلى الأموال في المعارضة من جهة أنه ليس جوازه مرفوعًا إلى النبي ﵌ بقول، ولا فعل، ولا تقرير، ولا دل عليه غير ذلك من الأدلة، ولا أجمعت عليه الأمة، لا قولًا ولا فعلًا، مع كونه لم ينقل أن أحدًا من أهل العلم السلف والخلف أجاز نقل العذرة حال رطوبتها إلى الأموال لتسميدها.
وغاية ما في ذلك حكاية جواز التسميد بالزبل، وهو مع عمومه لكل زبل مع ما نقلتم عن ابن عمر أنه قال: كنا نشرط عليهم ألا يزبلوه بالعذرة، والمجيء بهذه الصيغة المشعرة بإسناده الاشتراط إلى جماعة الصحابة كالمخصص، على أنه لو فرض أن القول بجواز التسميد بالزبل إجماع، وفرض شموله للغائط، لكان مخصوصًا بالإجماع القولي، والدليل الصحيح، القاضيان بنجاسة العذرة، وإلا لزم إن قيل بالتعارض، إما عن جميع الوجوه، أو من وجه كما هو شأن العموم والخصوص، ومن وجه تعارض القواطع، إن جعلتم الإجماع الفعلي على جواز التسميد قطعيًّا، وأنه باطل، وإن جعلتموه ظنيًّا فلا ينتهض لمعارضة القطعي، وهو الإجماع على نجاسة العذرة في مادة الاجتماع. فكيف بمادة الافتراق التي هي محل النزاع! إن قلنا أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، فكيف والظاهر أن الإجماع على نجاسة العذرة أخص مطلقًا؛ لأن العموم والخصوص من وجه إنما يتم في نجاسة العذرة بالنظر إلى عموم الحكم بنجاستها للأوقات، والأزمان،
стр. 4132
والأشخاص، وأنه غير معتبر مع عموم الأزبال باعتبار الصيغة، فطاحت المسألة على جميع التقادير، واسترحنا من تعبها من جميع الوجوه، ولم يبق ما يصلح متمسكًا للمعارضة.
إذا عرفت هذا التقرير، مع ما ينضم إليه من الأدلة المتواترة على وجوب إنكار المنكر [٢٤]، وإجماع الأمة على أنه واجب، فالمتلوث بالعذرة الواقع في محرم مقطوع به، وهو مخالفة الإجماع لمباشرتها لم يحفظ دينه من هذه الحيثية، والمقرر له على ذلك الواقع في محرم مقطوع به، وهو مخالفة الإجماع، والدليل القطعي بترك إنكار المنكر لم يحفظ دينه أيضًا من هذه الحيثية؛ فهذا مرادنا بالدين الذي استفسرتمونا عنه، ويحفظه الذي جعلناه ضروريًّا على حسب مصطلح أرباب الأصول.
وأما معارضة ذلك بأن منع المسلم المحترف بتلك الحرفة يؤدي إلى عدم حفظه للدين، فمع كونه يستلزم التقرير على كل حرفة محرمة بتجويز هذه المظنة، ويسد عنك باب الإنكار، وتنفتح أبوب كل فساد للأشرار، وحاشا إنصافكم أن تلتزم مثل هذا، فهو لا ينفعكم في مثل ما نحن بصدده؛ لأن هذه مفسدة متيقنة واقعة، وتلك مظنونة لما تقع، وهذه حفظ لمفارقة المحرم، وتلك بملازمته والتقرير عليه. ورفعها لا يقوم بالخرق، وبينهما مفاوز وعقاب تتقطع في قطعهما أعناق مطي الطلاب، وبمثل هذا لا يخفى على من كان في التيقظ مثلكم، وما أظنه إلا وقع في حال سهوِ، وإن كان لكم عليه دليل فما بيننا وبين الحق عداوة، ولو جاءنا به من لا يؤبه له، فكيف بمن هو ابن مجدته ونجدته!.
وأما احتجاجكم بأن النبي ﵌ أعطى الحاجم (١) أجرته فنقول:
أولًا: لا يصح إلحاق العذرة بالدم؛ لأن قياس ما هو أغلظ حكمًا على ما هو أخف
стр. 4133
لا يجوز.
وثانيًا: أن الحق عدم انتهاض أدلة نجاسة الدم.
وثالثًا: أن مباشرة الحاجم لدم الحجامة حالها ليس بأكثري، ولا كلي، بل وقوعه في حيز الندرة، فكيف يجعل من أدلة النزاع!.
قال: يستفسر من هم: هل المراد تقرير المسلمين على التقاط الأزبال، أم تقرير اليهود على الأعداء؟.
أقول: هم المسلمون.
قال: المناسب الملغى (١) ليس بملغى عند مالك، ويحيى بن يحيى الليثي إلخ.
أقول: إنه سافر إنصافكم إلى التمسك لها في مقابلة جميع المسلمين، فأخبرونا: هل أخذتم بقولهما في كل مناسب ملغى، أم في هذه المسألة فقط، لقصد التخلص عن احتجاج الشوكاني؟ وهل كان ذلك اجتهادًا منكم؟ فما دليله مع مصادمته للإجماع والأدلة، أم تقليدًا؟ فالمسألة أصولية، والحق عدم انتهاض أدلة مطلق التقليد، فكيف بمقيده الذي وافق في عدم جوازه كل مجوز للمطلق إلا من شذ!.
قال: وينظر من أي أقسام الملائم المرسل إلخ.
أقول: من الأول: أعني: اعتبار عين الكفر في جنس الصغار الثابت لأهله بالإجماع [٢٥]، وكونه فيه خلاف ليس بموجب لهجر موطنه، وفراق مسكنه، ولو كان مجرد وقوع الخلاف موحيًا لذلك لاختص التكليف بمسائل الإجماع، على أن ما نحن فيه بحمد الله من ذلك كما قررناه، ولا انخرام لهذه المناسبة؛ لعدم تحقق مفسدة في إجبار اليهود فضلًا عن أن يكون مساوية أو راجحة، وكون ذلك يستلزم نقض العهد على ما عوهدوا عليه، فقد حققنا فيما سلف أن أهل الذمة منسوخ بما قاله رسول الله - صلى الله عليه
стр. 4134
وآله وسلم - عند نزول الموت به: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب" (١). وعلى تسليم عدم النسخ، فالزيادة التي لا تنافي المزيد مقبولة بالإجماع، وفي القرآن زيادة الصغار. وقد حققنا الكلام فيما سلف فلا نعيده، فلا نقض، فلا مفسدة، فلا انخرام.
قال: على أن الذمي المؤدي للجزية المعاهد بعهد من النبي ﵌ عليها فقط إلخ.
أقول: قد كرر - حفظه الله - هذه الدعوى في مواطن من هذه الرسالة، وكررنا ردها كذلك آخر هذا البحث الذي خرجنا منه، فلا نعيد ما سلف. وأما جعل المفعول لأجله هو الحمامات فإن لم يكن موجب الالتقاط عندكم غيرها فأريحوا المسلمين من هذا المنكر الذين هم متلبسون به، واهدموا الحمام الذي صار وسيلة وذريعة إلى هذه القبائح؛ فإن البلاد بلادكم، والأمر أمركم، وأنتم أحق بالعمل بقولكم من غيركم، ودعوا اليهود وشأنهم؛ فإنا لم نقل بإجبار اليهود إلا لما ظنناه من أن ترك الالتقاط يضر بالمسلمين، وأنه لا بد من قائم به من النوع الإنساني، فإذا لم يكن الحامل على الالتقاط إلا الحمامات فقد قربتم المسافة. بعد اعترافكم أنها صارت وسائل إلى المنكرات، فلا تخلوا بإنكار المنكر بالإجماع، لأجل التوسل إلى ما هو أيضًا منكر عندكم، وسنشد عضد ما ذكرتم من أن دخول النساء الحمامات محظور، فنقول: أخرج أبو داود (٢) والترمذي (٣) عن عائشة قالت: نهى رسول الله ﵌ الرجال والنساء عن دخول الحمام، ثم رخص للرجال أن يدخلوه في المآزر. وهو من حديث حماد بن سلمة بن دينار، عن عبد الله بن شداد، عن أبي عذرة، عنها. وأبو عذرة مجهول. قال الترمذي (٤): لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، وإسناده ليس بذلك
стр. 4135
القائم.
وفي رواية (١) لهما عن أبي المليح الهذلي قال: دخل على عائشة نسوة من نساء أهل الشام فقالت: لعلكن من الكورة التي تدخل نساؤها الحمام، قلن: نعم، قالت: أما أني سمعت رسول الله ﵌ يقول: "ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيت زوجها [٢٦] إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب" ورجاله كلهم رجال الصحيح؛ لأنه عن شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي المليح، عنها. فلا يقدح في ذلك رواية جرير عن سالم عنها؛ لعدم إدراكه لها. وقال الترمذي (٢): حسن.
وفي رواية للنسائي (٣) عن جابر: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام إلا من عذر" هكذا بلفظ "إلا من عذر" في الجامع (٤)، ولم يذكره الترمذي، ولا وجد الحديث في النسائي، فلعل ذلك في بعض النسخ، فينظر. ولم يذكره الشريف أبو المحاسن في كتابه في الحمام، ولا عزاه إلى النسائي.
وفي رواية للنسائي (٥): "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يدخل الحمام إلا بمئزر" هكذا في الجامع (٦)، وهو من حديث طاووس عن جابر، وقال (٧): حسن غريب لا نعرفه من حديث طاووس إلا من هذه الطريق، طريق ليث بن أبي سليم. ثم ذكر الاختلاف فيه، لكن رواه أحمد (٨) من طريق ثانية عن أبي لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، ولم
стр. 4136
يخرجه النسائي منهما. والكلام في ابن لهيعة مشهور. ورواه الشريف أبو المحاسن (١) في كتابه في الحمام من طريق ثالثة منكرة عن سعيد بن عروبة، عن أبي الزبير عن جابر، فمداره على هذه الطرق الثلاث، وليس في واحد منها الاستثناء لعذر.
وفي الباب عن أبي هريرة رواه أحمد (٢)، وذكره في المنتقى (٣)، وليس فيه ذكر الاستثناء (٤). فالظاهر أن دخول النساء الحمام من المحرمات، ولو لم نظن أن هذه العهدة
стр. 4137
لا بد من قائم بها من النوع الإنساني من مسلم أو كافر، لما في ترك ذلك من الضرر للمسلمين، لما احتجنا إلى الدندنة حول تلك الأدلة في إجبار اليهود، جعلنا مكانها أدلة تحريم تقرير المسلمين. وقد اشتملت هذه الرسالة على ما فيه كفاية. وكيف يظن بمن يرى تحريم دخول النساء الحمامات، ولم يدخله في عمره إلا مرة واحدة، أنه يشتغل بتأليف الرسائل بما هو وسيلة إليه، فالله المستعان.
وأما ما لمحتم إليه من تحريم خضب غير الشيب، وقولكم: قد قرأتم في الأزهار (١) فنقول: نعم قرأناه وقرأنا الأدلة الموافقة له والمخالفة، فوجدنا ما يخالفه أنهض مما يوافقه في هذه المسألة، فملنا مع الناهض، لكنه إذا كان وسيلة إلى معصية فهو محرم لا لذاته، بل لكونه وسيلة.
قال: ومما ينبغي التنبه له هنا، وهو مقابل لهذه الحرفة الدنية التي دندنتم حولها تلقي الإفرنج إلخ.
أقول: صدقتم، وكم لهذه الهنات من أخوات، ولكن الأمر كما قلته (٢) من أبيات:
стр. 4138
لعمرك ما في الركب [حر ولا أرى] (١) ... [بهذا الوادي من طالب (٢) للعلية [٢٧]]
فيا طالما قد صحت: هل من مساعد ... ويا طالما قد درت بين البرية
فلم أر إلا شارقًا ببلاهة ... يطيش بها أو مصمتًا بتقية
وبعد فهذا فلنسمك عنان القلم عن التفلت في هذه الشعاب والهضاب، ونكتفي بهذه الوثبة في ميادين خيول أدلة السنة والكتاب، ملقين عن ظهورنا أعباء التكلفات والتوغلات، طارحين عن كواهلنا أحمال أثقال التعسفات والتعصبات، غير متوغلين في مضمار الجدال والنضال، ولا مقتحمين لمحبة القلب أشباح معارك مهالك أبطال المقال. اللهم فاجعل هذه المناظرة مناصرة لا مقامرة، وهذه المذاكرة مباصرة لا مكابرة، وهذه المطاولة مقاولة لا مصاولة، وهذه المجادلة مناولة لا مهاولة، وأعنا على تنقية كدورات الأهوية والعصبية، بمياه الإنصاف، واغننا عن الاحتياج إلى ورود مواردها الوبية بما صفا من معين علوم الأسلاف. وصل وسلم على من قال: "اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وآله وصحبه يا كريم". وكان فراغ مؤلفه القاضي
стр. 4139
القطب الرباني محمد بن علي الشوكاني - حفظه الله، ومتع المسلمين بحياته - وكان فراغه - حفظه الله - في يوم الخميس سادس عشر محرم الحرام، سنة ١٢٠٦ كمل من تحريره كما حرره جزاه الله خير الدارين بحق محمد وآله الأطهار.
...
* تنبيه:
* حصلت على رسالة بعنوان "تحقيق المقال وقطع الجدال على حل الإشكال وإرسال المقال" إنشاء الفقير إلى الله: عبد الله بن بشير المالكي مذهبًا.
وتتألف من (١٥) صفحة في كل صفحة (٢٢) سطرًا إلا أن الصورة المرسلة إلي من الدكتور "هيكل" غير واضحة ولا يمكن كتابتها ليتم تحقيقها.
ومعها رسالة بعنوان "الإعلال لتحقيق المقال" لشيخ الإسلام القاضي محمد بن علي الشوكاني. نفع الله بعلومه.
تتألف من (١٢) صفحة في كل صفحة (٢٤) سطرًا ما عدا الصفحة الأخيرة فيها (١٠) أسطر. إلا أن الصورة المرسلة إلي من الدكتور "هيكل" غير واضحة أيضًا ولا يمكن كتابتها ليتم تحقيقها.
والله ولي الهداية والتوفيق.
стр. 4140
تنبيه الأمثال على عدم جوز الاستعانة من خالص المال
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4141
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: تنبيه الأمثال على عدم جواز الاستعانة من خالص المال.
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم" إياك نعبد وإياك نستعين. أحمدك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآله وصحبه.
وبعد .. فإنه استدل القائلون بجواز الاستعانة من خالص أموال الرعية بأدلة منها.
٤ - آخر الرسالة: وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق كتبه مؤلفه محمد الشوكاني غفر الله له.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ١٢ صفحة ما عدا العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٥ سطرًا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ كلمة.
٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.
١٠ - الرسالة من المجلد الرابع من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
стр. 4142
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إياك نعبد وإياك نستعين. أحمدك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآله وصحبه.
وبعد ..
فإنه قد استدل القائلون بجواز الاستعانة من خالص أموال الرعية بأدلة منها: قوله سبحانه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقد أجيب عن هذا الاستدلال بهذه الآية بالمنع من دلالتها على الوجوب؛ لقوله في أولها: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ فإن ذلك لا يستفاد منه إلا مجرد الندب، وكذلك أن قوله في آخر الآية: ﴿ذلك خير لكم﴾ يدل أبلغ دلالة على عدم الوجوب، وأجيب عن الأول بأنه - سبحانه - قرن ذلك بالإيمان وبالجهاد بالنفس، وهما واجبان إجماعًا، فيجب الجهاد بالمال كوجوبهما، ورد هذا الجواب بأن دلالة الاقتران (٢) ليست بحجة كما تقرر في الأصول؛ لكثرة اقتران الواجب
стр. 4143
بما ليس بواجب، كما في قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (١) فقرن ما بين الإيمان الذي هو أعظم الواجبات، وبين الحض على طعام المسكين الذي ليس بواجب، مع ما في أول هذه الآية من الوعيد الشديد، وعلى تسليم الدلالة على المطلوب في أنه الجهاد فليس في ذلك أنه يجب على المجاهد بنفسه أن يخرج قطعة من ماله ليتجهز بها غيره، بل غاية ما يجب عليه تجهيز نفسه بما يحتاج إليه. وأما تجهيز غيره بعد تجهيزه لنفسه فليس ذلك بواجب شرعًا، بل مندوب فقط.
ثم لو سلمنا أنه يجب على من كثر ماله، وتمكن من زيادة على تجهيزه لنفسه وما يحتاج إليه من يعوله لكان أمر ذلك يدفعه إلى من يشاء من المجاهدين، وليس عليه أن يدفعه إلى السلطان. ولو كان ذلك من الواجبات الشرعية لأوجبه رسول الله ﵌ على أهل الأموال. ولم يثبت من وجه صحيح أنه ﵌ أوجب على أحد من الصحابة [١ أ] أن يجهز غازيًا، أو أكثر أو أقل، بل غاية ما وقع منه ﵌ هو الترغيب (٢)، وأن ذلك من أعظم
стр. 4144
موجبات الأجور، ومن أكبر أسباب المثوبة. ومع هذا فتلك الترغيبات ليس فيها أنهم يدفعون تلك الأموال إليه حتى يجهز بها الغزاة، بل غاية ما في ذلك [أنه] (١) رغبهم في أن يجهزوا [أنفسهم] (٢) ثم بعد هذا كله لا يخفى عليك أن هذه الآية في خصوص الجهاد لمثل من كان رسول الله ﵌ يجاهده فإلحاق غير الجهاد به، أو إلحاق جهاد غير الكفار بالجهاد للكفار إن كان بطريق القياس فهو من قياس المخفف على المغلظ، وإن كان بغير القياس فما هو؟.
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (٣).
ويجاب عن هذا الاستدلال بأن غاية ما في الآية الأمر بالمسارعة إلى ما يوجب المغفرة، والمسارعة إلى ما يوجب الجنة المعدة للمتقين. ثم لو سلم أن الأمر بالمسارعة إلى ذلك أمر بالأسباب الموجبة للمغفرة والجنة لكان آخر الآية وهو قوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (٤) واجبًا، واللازم باطل فالملزوم مثله. ولكانت الأقوال والأفعال الصالحة التي ليست بواجبة واجبة؛ لأنها من الأسباب الموجبة لذلك بلا شك ولا شبهة كصدقة النافلة، وصلاة النافلة، والأذكار المرغب فيها ونحو ذلك، واللازم باطل فالملزوم مثله.
ثم على تسليم الدلالة تنزلًا فغاية ما في ذلك مشروعية الإنفاق في السراء والضراء من صاحب المال، فما الدليل الدال على أنه يجب عليه أن يدفع ذلك إلى السلطان؟ بل ينفق ماله في أي وجه من وجوه الخير كائنًا ما كان، ومن فعل ذلك فقد سارع وفعل ما
стр. 4145
ندبه الله إليه، فالرجل الذي أنفق بعضًا من ماله في الفقراء، أو في صلة الأرحام، أو في سائر القرب المقربة إلى الله - سبحانه - قد امتثل ما ندبه الله إليه في هذه الآية، وإن لم ينفقه في الجهاد، ومن قال إنه لا يكون ممتثلًا إلا بالإنفاق في الجهاد فقد أوجب عليه ما لم تدل عليه هذه الآية [١ ب].
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١).
وبقوله - سبحانه -: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ ... الآية﴾ (٢).
والجواب عن الآية الأولى كالجواب عن الآية المذكورة قبلها.
والجواب عن الآية الثانية أنه ليس فيها إلا الترغيب لأهل الأموال أن ينفقوها في سبيل الله بأنفسهم على حسب اختيارهم، وليس فيها ما يدل على إيجاب ذلك عليهم، وهذا لا شك فيه.
واستدلوا أيضًا بقوله: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (٣) وهذه الآية ليس فيها ما يدل على الوجوب، وأيضًا لو سلم أن فيها دلالة فغاية ذلك الإنفاق في سبل الخير كائنة ما كانت، فمن أنفق في شيء منها فقد فاز بما ندبه إليه الشارع، ونال البر بذلك ومن قال: إنه لا ينال البر إلا بالإنفاق في خصلة خاصة وقربة معينة فقد ألزم العباد بما لا تدل عليه الآية.
وهكذا الجواب عما استدلوا به من مثل قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤)
стр. 4146
فإن إنفاق بعض من المال في قربة من القرب ينفي عن المنفق وصف البخيل، ويخرجه عن صفة الباخلين، وإلا لزم أنه لا يخرج عن وصف البخل إلا بالإنفاق في الجهاد، وإن أنفق ماله في وجوه الخير. وهذا لا تدل عليه الآية بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام.
وهكذا الجواب عما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) فإن من أخرج بعضًا من ماله في وجه من وجوه الخير، ونوع من أنواع الإنفاق فيما شرعه الله ليس بباخل قطعًا.
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (٢)، وبقوله: ﴿وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله﴾ (٣)، وبقوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا﴾ (٤)، وبقوله: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ (٥) وليس في هذه الآيات دلالة على المطلوب أصلًا، وغايتها الترغيب في الإنفاق في وجوه الخير، ومن فعل شيئًا من ذلك فقد فعل ما ندب إليه، فما الدليل على أنه لا يكون ممتثلًا إلا بالإنفاق في وجه خاص من وجوه الخير؟.
وبالجملة فالآيات القرآنية التي فيها الترغيب في الإنفاق كثيرة جدًّا. ولا شك أن معناها الترغيب لعباد الله في إنفاق شيء من أموالهم فيما أرادوه كائنًا ما كان، ومن فعل ذلك فقد امتثل واستحق الأجر المذكور في تلك الآيات، فمن أوجب عليه بعد ذلك أن
стр. 4147
يدفع جزءًا من ماله إلى غيره لينفقه في شيء من وجوه الخير، فقد ادعى ما لا تدل عليه الآيات القرآنية التي استدل بها هذا على فرض أن هذه الآيات المشتملة على الإنفاق غير محمولة على ما هو واجب في المال بإيجاب الله - سبحانه - كالزكاة ونحوها. وأما إذا كانت محمولة على ذلك كما هو قول الجماهير فلا دلالة فيها على المطلوب من الأصل.
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) وليس في هذه الآية شيء من الدلالة على المطلوب، وهو إيجاب الإنفاق والجهاد، وتحتمه، ودفع ما ينفقه صاحب المال إلى السلطان، بل فيها المفاضلة بين الطائفتين، ولا شك في ذلك، وليس المراد بهذه النفقة خصوص النفقة في الجهاد، بل المراد الإنفاق العام في وجوه الخير، ومن جملة ذلك الإنفاق على فقراء الصحابة كأهل الصفة الذين حكى الله عن المنافقين أنهم يقولون في شأنهم: ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ (٢) فهذا الوجه من جملة ما رغب الله فيه من النفقة. وقد أرشد الله سبحانه إلى الإنفاق سرًّا فقال: ﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية﴾ (٣) وورد أن صدقة السر أفضل من صدقة الجهر في أحاديث صحيحة فهي من أفضل أنواع الإنفاق [٢ ب] التي وردت الآيات القرآنية بالإرشاد إليها، والحث عليها.
ومن جملة أنواع الإنفاق الفاضلة الإنفاق على النفس والأهل والأقارب، فإنه قد ثبت أن ذلك من أفضل أنواع الإنفاق، وأنه مقدم على سائر الأنواع كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة.
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى:
стр. 4148
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (١) وليس في هذه الآية ما يفيد وجوب الإنفاق من خالص المال في نوع خاص، بل من أنفق في سبيل الله فقد امتثل، والمراد بسبيل الله كل ما فيه بر وثواب كائنًا ما كان. وعلى تسليم الدلالة فذلك أمر مفوض إلى رب المال يضعه حيث يشاء، وكيف يشاء، وفي من يشاء، فما الدليل على أنه يدفعه إلى السلطان؟ ولو كان ذلك جائزًا لكان أولى الناس به رسول الله ﵌ الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. ولم يثبت أنه أكره أحدًا من أرباب الأموال في عصره على دفع شيء من ماله، ولا قبض ذلك منه، وليس في القرآن إلا الأمر للنبي ﵌ بأن يأخذ الصدقة الواجبة كما في قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (٢) ولو كان مطلق الإنفاق الخارج عن الصدقة الواجبة واجبًا لكان الحمل على هذا الواجب والإكراه عليه واجبًا كسائر الواجبات الشرعية، فلما لم يحصل ذلك منه كما حصل في الزكاة المفروضة حيث قال: "فإنا آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا" (٣) دل ذلك على أنه لا وجوب لما عدا ذلك إلا بدليل يخصه كالإنفاق على الزوجات بلا خلاف في ذلك، وعلى بعض القرابة كالأبوين والأولاد الصغار على خلاف في ذلك، ولكنه قد أذن (٤) ﵌ لهند بنت
стр. 4149
عتبة زوجة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي أولادها، فكان ذلك دليلًا على وجوب ذلك.
وأما الإنفاق [٣ أ] في الجهاد فقد جعل الله في بيت مال المسلمين الذي هو في الحقيقة مجموع من الأموال التي هي للمسلمين كالفيء والخراج والجزية والمعاملة، وسائر ما يؤخذ من أموال المسلمين من خمس أو عشر أو نصف عشر للجهاد نصيبًا، فإن لم يكن لهم بيت مال فقد أوجب الله عليهم مجاهدة الكفار بالأنفس والأموال، يجاهد كل منهم بنفسه وماله على حسب ما تبلغ إليه طاقته، ويقدم نفسه أولًا، فإذا أراد الاستزادة من الخير جهز من المجاهدين من أراد تجهيزه هذا معنى الجهاد المذكور في الآية، وهو الذي كان عليه عمل الصحابة في عصر النبوة، ولما فتح الله بالخير في أواخر أيام النبوة قال ﵌ فيما صح عنه: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا فإلي وعلي" (١) ثم هكذا كان الأمر في عصر الصحابة بعد موته ﵌ ثم عصر التابعين وتابعيهم لم يسمع في هذه العصور التي هي خير القرون أنهم أكرهوا أحدًا على إخراج ماله إلى يد السلطان أو نائبه، بل كان المجاهدون في تلك العصور طائفتين؛ طائفة مرتزقة أي مرتزقة من بيت مال المسلمين وهم جند السلطان، وطائفة متطوعة يخرجون للجهاد ويتجهزون له من أموالهم من غير أن يأمرهم السلطان بالخروج أو يكرههم عليه، وهكذا كان الأمر في العصور
стр. 4150
التي بعد عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم.
واستدلوا أيضًا بقوله - سبحانه -: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (١) وهذا فيه الأمر للمسلمين بإعداد العدة للجهاد في سبيل الله، فكل واحد منهم يعد ما يحتاج إليه فيه من سلاح ومركوب ونحو ذلك حسب طاقته [٣ ب]، وما تبلغ إلى قدرته، ومن زاد الله في حسناته، وليس النزاع في هذا، إنما النزاع في أخذ شيء من أموال الرعايا زيادة على ما فرضه الله عليهم في أموالهم، يأخذه السلطان طوعًا أو كرهًا، رضوا أم أبوا، وقد يأخذون ذلك في جهادات لا تأتي للرعية بنفع، بل فيها عليهم أعظم الضرر كما يقع بين سلاطين الإسلام من الحروب على بعض البلاد، هذا يريد أن تكون الولاية فيها له، والآخر يريد أن تكون الولاية فيها له فإن هذا ليس هو من الجهاد الذي شرعه الله وندب عباده إليه، بل هو شبيه بالحروب الجاهلية.
وكثيرًا ما يقتل أجناد هؤلاء ضعفاء الرعايا، ويأخذون أموالهم، ويهتكون حريمهم، ويتفق بينهم معارك جاهلية، وقتلات طاغوتية، فليس هذا إلا من الظلم البحت، والجور الخالص، فكيف إذا ضم إلى ذلك ظلم الرعايا بأخذ أموالهم المحرمة بحرمة الإسلام، المعصومة بعصمة الدين، ثم بعد أخذ أموال الرعايا يكرهونهم على القتال، ويجمعون لهم بين غرم المال والبدن، ويعرضونهم للجنود الظالمة يأخذون ما بقي في أيديهم، ويسخرون أبدانهم فيما يريدون، كأنهم ليسوا من بني آدم، ولا ممن حرم الله دمه وماله وعرضه.
واستدلوا بقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) وليس فيه إلا مجرد الإنفاق في سبيل الله، والامتثال
стр. 4151
يحصل بالإنفاق في وجه من وجوه الخير كائنًا ما كان؛ لأنه من سبيل الله.
هذا على فرض أن الأمر هاهنا للوجوب، وليس كذلك، فإن قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) يدل على أن ذلك مندوب، وإلا لكان كل إحسان واجبا، واللازم باطل فالملزوم مثله. ولا ريب أن المندوبات بأسرها هي من الإحسان، ومع هذا فإن الآية وردت لسبب خاص، أخرج أبو داود (٢) عن أبي أيوب الأنصاري قال: "إنما نزلت هذه فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه ﵌ [٤ أ]- قلنا: هل نقيم في أموالنا ونصلحها؟ فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ... الحديث". فهي للحث (٣) لهم على الجهاد لما عزموا على الإقامة في أموالهم وإصلاحها.
ومع هذا فهذه الآيات التي ذكروها المشتملة على الأمر بالإنفاق والترغيب فيه لو سلمنا دلالتها على المطلوب لكان ذلك الإنفاق هو ما بينه الله - سبحانه - في قوله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قال العفو﴾ (٤) والعفو هو الشيء الفاضل الذي لم يكن لصاحبه به حاجة، ولكن هذا ما ثبت في ............................
стр. 4152
الصحيح (١) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﵌: "يا ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك" فمعنى الآية المذكورة هو معنى هذا الحديث، وليس فيه ما يدل على الوجوب، بل فيه ما يدل على الندب لقوله: "خير لك". ومن الترغيب في الإنفاق العام الصادق على كل نوع من أنواعه ما ثبت في الصحيح (٢) عنه ﵌: "اللهم اجعل لمنفق خلفًا، ولممسك تلفًا" وقوله: "أنفق ينفق عليك، ولا توكي فيوكأ الله عليك" (٣). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٤) فهذا ترغيب في الإنفاق العام الذي يحصل الامتثال بنوع من أنواعه، ومن قام بنوع منه فقد فعل ما طلب منه، ولا يخاطب بنوع خاص، ولا يكره على ذلك. وعلى فرض أن يلزمه أن يصرفه في تجهيز المجاهدين لكونه من أعلى أنواع الإنفاق وأفضلها فذلك أمر مفوض إليه، والخطاب متوجه إليه، وهو المالك لماله، فيكون أمر التجهيز إليه لا إلى غيره.
وإذا أخل بهذا فحكمه حكم من لم يمتثل ما أمر به أو ما ندب إليه من غير إيجاب، ومما يدل على عدم وجوب الإنفاق المذكور في هذه الآيات التي استدلوا بها ما ورد في الكتاب العزيز في آيات كثيرة، وفي السنة المطهرة في أحاديث كثيرة صحيحة من
стр. 4153
الترغيب في الصدقات تارة بلفظ الأمر، وتارة بما يدل على أعظم ترغيب بترتيب الأجور الكثيرة عليه، والأجزية الفاضلة على فعله، ولم يقل أحد من الناس أنه يجب على أحد أن يتصدق [٤ ب] بشيء من ماله. ولا فرق بين الأمر بالإنفاق، والأمر بالصدقة، فإذا قال قائل لغيره: تصدق من مالك كان كقوله: أنفق من مالك، وإذا قال القائل لغيره: أنفق من مالك كان كقوله: تصدق من مالك، لا فرق بينهما. فدعوى وجوب الإنفاق بالآيات التي فيها الأمر به يستلزم القول بوجوب الصدقة في الآيات التي فيها الأمر بها، واللازم باطل فالملزوم مثله.
فإن قال قائل: الأوامر بالصدقة قد اقترنت بما يصرفها عن الوجوب.
قلنا: وكذلك الأوامر بالنفقة قد اقترنت بما يصرفها عن الوجوب، بل كل ما جعل صارفًا للأوامر بالصدقة فهو صارف للأوامر بالإنفاق لما ذكرناه هاهنا، ولا نخرج من ذلك إلا ما دل عليه دليل يفيد إيجابه على طريقة الخصوص كما قدمنا الإشارة إلى ذلك.
وبهذا يتضح لك أن الاستدلال بآيات الإنفاق على وجوب إخراج جزء من المال في الجهاد فوق ما يتجهز به المجاهد مصادرة على المطلوب؛ لأنه استدلال بمحل النزاع، وبموضع الخلاف. ثم هذا النوع الخاص لم ينقل عن النبي ﵌ أنه ألزم أحدًا من الصحابة به على طريقة الحتم والجزم، ولا ورد ذلك في حديث صحيح ولا حسن، بل كان ﵌ يرغب في ذلك بمثل قوله: "من جهز غازيًا كان له مثل أجره" (١)، "ومن جهز غازيًا فقد غزا" (٢) فما أحق الإمام الفاضل، والسلطان العادل أن يسلك هذا المسلك النبوي إذا احتاج إلى تجهيز الغزاة!
стр. 4154
فيقوم بين ظهراني المسلمين مرغبًا لهم في تجهيز الغزاة، نادبا لهم إلى هذه الخصلة الشريفة، والحسنة الرفيعة، والقربة العظيمة، فإن فعلوا فقد ظفروا بالخير، وظفر هو بأجر الدلالة عليه وإن أبوا فلا إكراه لهم ولا إجبار عليهم في أموالهم المعصومة بعصمة الإسلام المحترمة بحرمة الدين.
ثم اعلم أن هذه الآيات التي استدلوا بها معارضة بما هو أوضح دلالة منها، وهي الآيات المصرحة بتحريم أموال العباد كقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) [٥ أ] ونحوها، وبالأحاديث الناطقة بالمنع من أخذها كما ثبت في الصحيح عنه ﵌ أنه قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) (٢) وكان هذا القول منه ﵌ في حجة الودع التي تعقبها موته ﵌، فهو ناسخ لكل ما يظن أن فيه ترخيصًا في أموال العباد، أو توسيعًا لدائرة التهافت على الأموال [المحترمة] (٣)؛ لأن الأدلة المتأخرة ناسخة لما تقدمها، فكيف إذا كانت مشتملة على النهي والتحريم! فإنه لو فرض جهل التاريخ لكان النهي أرجح من الأمر، والدال على التحريم أقدم من الدال على الإباحة كما تقرر في الأصول (٤).
стр. 4155
هذا على فرض أنهم قد تمسكوا بما يدل على ذلك، وقد عرفت مما قدمنا أنهم لم يأتوا بشيء مما يصلح للتمسك به، وقد ثبت بالقطع الذي لا يخالف فيه مسلم أن أصل أموال العباد التحريم، وأن المالك للشيء مسلط عليه، محكم فيه، ليس لغيره فيه إقدام، ولا إحجام، ولا تصرف إلا بدليل يدل على ذلك كالحقوق الواجبة في الأموال، وقد أشرنا إليها فيما سبق فمن ادعى أنه يحل له أخذ مال أحد من عباد الله ليضعه في طريق من طرق الخير، وفي سبيل من سبل الرشد لم يقبل منه ذلك إلا بدليل يدل على ذلك بخصوصه، ولا يفيده أنه يريد وضعه في موضع حسن، وصرفه في مصرف صالح، فإن ذلك ليس إليه بعد أن صار المال ملكًا لمالكه، وهذا لا يخفى على أحد ممن له أدنى علم بهذه الشريعة المطهرة، وبما ورد في الكتاب والسنة، وسأضرب لك هاهنا مثلًا يزيدك فائدة، ويوضح لك ما ذكرناه، وهو أن رجلًا لو كان له مال كثير، وقد أخرج زكاته الواجبة عليه، وفعل ما يجب عليه فيه فقال من له سلطان: لا عذر لهذا الرجل الغني الكثير المال من إخراج بعض من ماله [٥ ب] يصرف في فقراء المسلمين، وفي محاويج
стр. 4156
العباد، مستدلًّا على ذلك بما تقدم من الآيات التي ذكر فيها الأمر بالإنفاق، والترغيب فيه، قائلًا هذا الإنفاق من جملة ما يدخل تحت هذه الأيات، وتصدق عليه. فهل يقول هؤلاء المستدلون بها على تلك الاستعانة التي استدلوا بها عليها أن هذا الاستدلال صحيح، وأن الذي فعله ذلك الذي له سلطان، وأمر به صواب، أم يقولون هو خطأ وظلم وتصرف في مال الغير بما لم يأذن الله به؟ فإن قالوا بالأول فقد خالفوا إجماع المسلمين أجمعين، وجوزوا ما لم يجوزه أحد من سلف هذه الأمة وخلفها.
وإن قالوا بالثاني، قيل لهم فما الفرق بين ما ذهبتم إليه وألزمتم به الرعايا طوعًا أو كرهًا، وبين ما فعله هذا الرجل الذي له سلطان؟ فإن ما فعله وأمر به مما يصدق عليه آيات الإنفاق التي استدللتم بها ولا تجدون إلى دفع هذا سبيلًا.
فإن قلتم: بعض أنواع الإنفاق أولى من بعض، وأكثر ثوابًا، وأعظم نفعًا.
قلنا لكم: هذه الأولوية والأكثرية والأعظمية ممنوعة، ثم لو سلمنا ذلك بعد تسليمكم أن تلك الآيات تدخل تحتها ما فعله ذلك الذي له سلطان وأمر به، وما فعلتموه أنتم وأمرتم به، فما الدليل الدال على تعين فرد من الأفراد المرادة بذلك الدليل العام؟ مع أنه صدق على من فعل فردًا أو أفرادًا غير ما أردتم وطلبتم أنه قد امتثل ما أمره الله به وندبه إليه، ثم نقول زيادة إيضاح: لم قدمنا لك أنه لا دلالة لما استدلوا به على مطلوبهم، وهو الوجوب، ثم لا دلالة له على أن الفرد الذي أرادوه هو المراد من الآيات دون غيره.
فإن قالوا: هو أحد المرادات من الآيات. لم يتم الاستدلال، ثم بعد هذا كله لا دليل فيما استدلوا به على أنه يجب [٦ أ] على رب المال أن يدفع ذلك الذي طلب منه إلى يد السلطان حتى يجهز به من أراد، بل ذلك هو إلى رب المال يجهز به من أراد، ويصرفه فيمن يختار من غير إكراه ولا إجبار.
وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق.
كتبه مؤلفه محمد الشوكاني - غفر الله له [٦ ب]-.
стр. 4157
بحث في التصوير
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4158
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في التصوير.
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين.
وبعد: فإنه وصل السؤال من سيدي العلامة المفضال جمال الكمال علي بن يحيى - أمتع الله بحياته وكثر فوائده .... .
٤ - آخر الرسالة: فقد برئ بذلك من وجوب إنكار المنكر عليه، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هدايةٌ.
والله ولي التوفيق.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ٩ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٣ سطراً ما عدا الصفحة الأخيرة فعدد أسطرها سبعة.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات.
٩ - الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.
١٠ - الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4159
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين
وبعد:
فإنه وصل السؤال من سيدي العلامة المفضال، جمال الكمال علي بن يحيى (١) - أمتع الله بحياته، وكثر فوائده - ولفظه:
خطر بالبال سؤال مولاي - كثر الله فوائده - عن التصوير، هل يصح النهي عنه أم لا؟ وبعد صحة النهي، هل يحمل على التحريم أو على الكراهة. وبعد الحمل على أحدهما، فهل النهي عن تصوير بعض الأشياء دون بعض أو لا؟ وهل ذلك مما يجب فيه الإنكار أم لا؟ انتهى.
стр. 4160
أقول: قد اشتمل هذا السؤال على مسائل أربع.
الأولى: هل صح النهي عن التصوير أم لا؟.
وأقول: قد صح عن النبي ﵌ في ذلك ما هو أشد من النهي، وأدل على التحريم منه؛ وهو الوعيد للمصورين بالنار.
أخرج البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرهما (٣) من أهل الأمهات وغيرهم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا تعذبه في جهنم، فإن كنت لا بد فاعلاً فاجعل الشجر وما لا نفس له".
وأخرج البخاري (٤) ومسلم (٥) وغيرهما عن ابن عمر أن رسول الله ﵌ قال: "الذين يصورون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم".
وأخرج البخاري (٦) ومسلم (٧) وغيرهما أيضًا عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﵌ من سفر، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه هتكه، وتلون وجهه، وقال: يا عائشة [١ أ]، أشد الناس (٨) عذابًا يوم القيامة الذين
стр. 4161
يضاهون بخلق الله" قالت: فقطعناه، فجعلنا منه وسادة أو وسادتين.
وأخرج البخاري (١)، والترمذي (٢)، والنسائي (٣) من حديث ابن عباس أيضًا قال: قال رسول الله ﵌: "من صور صورة عذبه الله بها يوم
стр. 4162
القيامة حتى ينفخ فيها الروح وما هو بنافخ" (١).
فهذه الأحاديث فيها التصريح بأن المصورين يعذبون في النار، وهي من أعظم الأدلة الدالة على تحريم ذلك، لأنه لا يوجب عذاب النار إلا ما هو محرم شرعًا، وهي أيضًا أدل على التحريم من مجرد النهي، فإن النهي قد يكون مصروفًا من معناه الحقيقي، وهو التحريم إلى معناه المجازي، وهو كراهة التنزيه لقرينة توجب ذلك، كما هو مقرر في الأصول بخلاف الوعيد بالنار، فإنه يدل على التحريم دلالة لا يصرفها صارف، ولا يخرج الأمر الذي وقع الوعيد عليه بالنار عن التحريم إلا بدليل يدل على نسخه، وارتفاع حكمه.
ومن جملة الأدلة الدالة على قبح التصوير أحاديث منها: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل" (٢). ومنها: أحاديث فيها التصريح بأن النبي ﵌ غير ذلك.
стр. 4163
ومنها أحاديث أخر تفيد تأكيد القبح. أخرج أحمد (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣) وصححه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "أتاني جبريل ﵇ فقال: إني أتيتك الليلة فلم يمنعني أن أدخل البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان في البيت تمثال رجل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي في باب البيت يقطع يصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر يقطع فيجعل منتبذتين [١ ب] يوطئان، وفي لفظ: (فيجعل وسادتان توطئان) ومر بالكلب يخرج"، ففعل رسول الله ﵌، وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين ﵄.
وأخرج البخاري (٤) وأحمد (٥) وأبو داود (٦) من حديث عائشة: "أن النبي ﵌ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه".
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه من حديث أبي طلحة الأنصاري قال: قال رسول الله ﵌: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة تماثيل" (٧).
وأخرج أبو داود (٨) والنسائي (٩) من حديث علي قال: قال النبي - صلى الله عليه وآله
стр. 4164
وسلم - "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة، ولا جنب، ولا كلب"، وفي إسناده عبد الله بن نجي وفيه ضعف.
وأخرج أبو داود (١) من حديث سفينة قال: دعا علي ﵁ رسول الله ﷺ إلى طعام صنعه، فجاء فوضع يده على عضادتي الباب، فرأى القرام قد ضرب في ناحية البيت، فرجع، فقيل له في ذلك فقال: "إنه ليس لنبي أن يدخل بيتًا مزوقًا".
وأخرج البخاري (٢) عن ابن عباس قال: لما رأى النبي ﵌ الصور في البيت حتى أمر بها فمحيت، ورأى صورة إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال: "قاتلهم الله، والله [ما علموا: ما] (٣) استقسما بالأزلام قط" (٤).
وأخرج أبو داود (٥) عن ابن عمر أن رسول الله ﵌ أتى فاطمة، فوجد على بابها سترًا فلم يدخل، قال: وقل ما كان يدخل إلا - بدأ بها -، فجاء علي فرآها مهتمة فقال: ما لك؟ قالت: جاء النبي ﵌ إلي فلم يدخل، فأتاه علي فقال: يا رسول الله، إن فاطمة اشتد عليها أنك جئتها فلم تدخل عليها، قال: "وما أنا والدنيا والرقم"، فذهب إلى فاطمة فأخبرها بقول رسول الله [﵌] فقالت: قل لرسول الله ما يأمرني به؟ قال: "قل لها فلترسل به إلى بني فلان". وفي رواية [٢ أ] وكان سترًا موشى. وعلى هذا فلا
стр. 4165
يكون هذا الحديث، ولا حديث سفينة السابق من الأحاديث التي هي واردة في الصور، بل من الأحاديث الواردة في الستور والزينة. وقد أوردهما بعض من أخرجهما في باب التصوير، وبعضهم في باب الستور.
وأخرج أبو داود (١) عن جابر بن عبد الله أن النبي ﵌ أمر عمر بن الخطاب ﵁ زمن الفتح، وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي ﵌ حتى محيت كل صورة فيها.
وأخرج مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤) من حديث ميمونة أن النبي ﵌ قال: "إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، فلما لقيه جبريل قال: إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة".
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ولو لم يكن منها إلا الأحاديث الواردة في ذم المصورين ولعنهم، وذم من ذهب يخلق كخلق الله تعالى. والمراد هنا الاستدلال على ما طلبه السائل - كثر الله فوائده - والبعض مما ذكرناه هنا يكفي.
المسألة الثانية: قوله: وبعد صحة النهي، هل يحمل على التحريم أو على الكراهة؟.
وأقول: قد قررنا فيما سبق أن الأدلة الدالة على أن المصور يعذب في النار يستفاد منها التحريم استفادة لا كالاستفادة للتحريم من النهي لما قدمنا؛ فالتصوير للصور الحيوانية حرام، وبيانه أن المصور توعده الشارع بأنه يعذب في النار، وكل من توعده الشارع بأنه يعذب في النار فاعل لمحرم، فالمصور فاعل لمحرم، أما الصغرى فبالأحاديث الصحيحة المذكورة سابقًا.
وأما الكبرى فلما تقرر في هذه [٢ ب] الشريعة الإسلامية أنه لا يوجب النار ترك
стр. 4166
مندوب، أو فعل مكروه كراهة تنزيه، أو فعل مباح أو تركه، فلم يبق إلا فعل المحرم أو ترك الواجب. وتصوير الصور من فعل المحرم، فكان التصوير محرمًا.
المسألة الثالثة: قوله - كثر الله فوائده -: وبعد الحمل على أحدهما، فهل النهي عن تصوير بعض الأشياء دون بعض أو لا؟.
وأقول: قد قدمنا ما يدل على أن ذلك مختص بتصوير الحيوانات فقط، فمن ذلك قوله ﵌ في حديث ابن عباس المتفق عليه (١) "فإن كنت لا
стр. 4167
بد فاعلاً فاجعل الشجر، وما لا نفس له"؛ فإن هذا يفيد جواز تصوير أشكال ما لا نفس له من الجمادات، كصور الجبال، والأودية، والسماء والأرض، والشجر، ومما
стр. 4168
يفيد الاختصاص بصور الحيوانات قوله في حديث ابن عمر المتقدم: "أحيوا ما خلقتم"؛ فإن التحدي بالإحياء، وتكليف المصورين بنفخ الأرواح في الأجسام التي صوروها لا يكون إلا إذا كانت الأجسام المصورة حيوانية لا جمادية.
ومثل ذلك ما تقدم في حديث ابن عباس (١) الآخر بلفظ: "من صور صورة عذبه الله بها يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح، وما هو بنافخ".
المسألة الرابعة: قال - كثر الله فوائده -: وهل ذلك مما يجب فيه الإنكار أم لا؟.
أقول: قد تقرر بأدلة الكتاب العزيز (٢)، والسنة المطهرة (٣) أن إنكار المنكر من أوجب
стр. 4169
الواجبات [٣ أ]، بل ورد في السنة ما يفيد أن هذا هو أعظم قواعد الدين، وأقوى دعائمه وأشد أركانه، وأن هذه الأمة لا تزال بخير ما أمرت بالمعروف، ونهت عن المنكر، فإذا تركت ذلك حل بها من العقوبة ما هو معروف، ولم يقع الخلاف بين المسلمين في وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإن اختلفوا في بعض تفاصيله وشروطه، وكيف لا يجمعون على وجوب ذلك وتحريم تركه! وقد صرح به القرآن الكريم في عدة مواضع، وجاء في السنة المطهرة من ذلك ما لو جمع لكان مؤلفًا بسيطًا. وقد قررنا فيما سبق أن تصوير الحيوانات حرام (١).
وتقرر بأدلة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أن كل محرم يجب إنكاره، فالتصوير حرام، وكل حرام منكر، فالتصوير منكر، وكل منكر يجب إنكاره، فالتصوير يجب إنكاره، وأدلة هذه المقدمات معلومة مما تقدم. لا شك فيه من يتعقل الحجج الشرعية. ولكنه بقي هاهنا بحث يحتاج إلى التعرض لبيانه، فإنه يقع السؤال عنه كثيرًا، ويستشكله كثير من أهل العلم، وهو ما وقع في كتب أهل العلم ﵏ من اشتراط كون التمثال (٢) تمثال حيوان كامل مستقل، أو منسوخ، أو ملحم لا مطبوع.
واعلم أن الظاهر من الأدلة [٣ ب] اعتبار الكمال، لأن التحريم والوعيد في تلك الأدلة واللعن للمصورين إنما هو في تصوير الحيوانات، والمعنى الحقيقي لهذا هو أن تكون الصورة صورة حيوان كاملة، لأن من صور بعض حيوان لا يصدق عليه أنه صور حيوانًا، بل بعض حيوان، والوعيد إنما ورد على تصوير الحيوان، ولكنه لا بد من اعتبار ما ذكره أهل العلم من ذلك، وهو أنه إذا كان التمثال (٣) خاليًا عن بعض ما لا تستقيم
стр. 4170
حياة الحيوان إلا به كان تمثالاً غير محرم، لأنه ليس تمثال حيوان على الحقيقة.
وأما إذا كان التمثال خاليًا عن بعض الأعضاء التي يعيش الحيوان بدونها، ويوجد في الخارج كذلك كالعينين، أو الأذنين، أو نحو ذلك، فهذا وإن نقص منه بعض الأعضاء فهو حيوان كامل، لأنه على شكل حيوان من الحيوانات التي توجد في الخارج، والاعتبار في كل فرد من أفراد الحيوانات بنوعه الذي قصد المصور تصويره، فلو صور شكل نصف إنسان قاصدًا بذلك تصوير النسناس الذي يقول كثير من المؤرخين أنه موجود، وأنه على شكل نصف إنسان كان ذلك التصوير حرامًا على فرض وجود هذا الحيوان في الخارج، فاعتبر بهذا في غير هذه الصورة.
وأما اعتبار كونه مستقلاً بنفسه، أو منسوخًا، أو ملحمًا لا مطبوعًا، فقد استدل على ذلك بأن زيد بن خالد الراوي للحديث السابق عن أبي طلحة دخل عليه في مرضه [٤ أ] بشر بن سعيد يعوده؛ فإذا على بابه ستر فيه صورة، قال بشر: فقلت لعبيد الله الخولاني ربيب ميمونة زوج النبي ﵌. ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: "إلا رقمًا في ثوب". هكذا في سنن أبي داود (١)، وهو بعض من حديث أبي طلحة السابق، وقد أخرجه غيره كما تقدم، ولكنه لا يخفى أن هذا المروي من قول زيد بن خالد لا بد أن يصح رفعه من طريق أبي طلحة، فإذا صح رفعه فقد عورض بمثل الحديث السابق أن رسول الله ﵌ أمر عمر يمحو كل صورة في الكعبة فمحاها، والمحو لا يكون إلا