﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ (١) هو الغناء واللهو. وأخرج نحو ذلك عبد بن حميد (٢) عن أبي الجحاف. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم (٣) عن الحسن، ومن ذلك حديث النهي عن بيع المغنيات، وعن شرائهن، وعن كسبهن، وأكل أثمانهن كما أخرجه [٧] الترمذي (٤) وابن ماجه (٥)، وسعيد بن منصور (٦) من حديث أبي أمامة، وأخرجه أبو الطيب الطبري (٧) من حديث عائشة.
وأخرج الطبراني (٨) من حديث عمر أن النبي ﵌ قال: "ثمن
стр. 4202
القينة وغناؤها حرام، وأخرج البيهقي (١) عن أبي هريرة يرفعه: "لا تبيعوا المغنيات ولا تشروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام" وأخرج ابن صصري في أماليه (٢)، وابن عساكر في تاريخه (٣) أن رسول الله ﵌ قال: "من قعد إلى قينة يستمع منها صب في إذنه الآنك يوم القيامة".
وأخرج الحميدي في مسنده (٤) أن النبي ﵌ قال: "لا يحل ثمن المغنية، ولا بيعها، ولا شراؤها، ولا الاستماع إليها" وأخرج الديلمي (٥) عن ابن عباس أن النبي ﵌ قال: "ثلاثة لا حرمة لهم: النائحة لا حرمة لها، ملعون كسبها، والمغنية لا حرمة لها ممحوق مالها، ملعون من اتخذها، وآكل الربا لا حرمة له، ممحوق ماله".
وأخرج ابن أبي الدنيا (٦)، والطبراني (٧)، .....................
стр. 4203
وابن مردويه (١) عن أبي أمامة يرفعه من حديث: "والذي بعثني بالحق، ما رفع رجل عقيرته بالغناء إلا بعث الله له شيطانين يردفان على عاتقه، ثم لا يزالان يضربان بأرجلهما على صدره، حتى يكون هو الذي يسكت" وأخرج ابن صصري في أماليه (٢) عن ابن عباس يرفعه: "إياكم واستماع المعازف والغناء، فإنهما ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل" وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٣)، والبيهقي في السنن (٤) عن ابن مسعود أنه ﵌ قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل" وأخرج نحوه البيهقي (٥) عن جابر يرفعه، وأخرج نحوه أيضًا الديلمي (٦) عن أنس، وأخرج البزار (٧)، والضياء المقدسي (٨)، وابن ....................
стр. 4204
مردويه (١)، وأبو نعيم (٢)، والبيهقي (٣) عن أنس وعائشة أنه ﵌ قال: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة" وأخرج ابن سعد (٤)، والبيهقي في السنن (٥) عن جابر أنه ﵌ قال: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، عند نعمة لهو ولعب ومزامير الشياطين، وصوت عند مصيبة، وخمش وجه، وشق جيوب، ورنة شيطان".
وأخرج الديلمي (٦) عن أبي أمامة مرفوعًا: "إن الله يبغض صوت الخلخال كما يبغض صوت الغناء" والأحاديث المروية في هذا الجنس في هذا الباب في غاية الكثرة. وقد جمع منها جماعة من العلماء مصنفات كابن حزم، وابن طاهر، وابن أبي الدنيا، وابن حمدان الأربلي، والذهبي، وغيرهم، وأكثر الأحاديث المذكورة فيها في النهي عن آلات الملاهي.
стр. 4205
وقد أجاب المجوزون للغناء عن هذه الأحاديث فقال الأدفوي في الإمتاع (١) وقد ضعف هذه الأحاديث الواردة في هذا الباب جماعة من الظاهرية، والمالكية، والحنابلة، والشافعية [٨]. ولم يحتج بها الأئمة الأربعة. ولا داود ولا سفيان، وهم رءوس المجتهدين، وأصحاب المذاهب المتبعة. وقد ذكر أبو بكر بن العربي في كتابه الأحكام (٢) الأحاديث في ذلك، وضعفها وقال: لم يصح (٣) في التحريم شيء يعني من جميع الأحاديث
стр. 4206
الواردة في تحريم الغناء والآلات اللهوية، وهكذا قال ابن طاهر: إنه لم يصح فيها حرف واحد.
وقال الشيخ علاء الدين القونوي في شرح التعرف، قال أبو محمد بن حزم: لا يصح في هذا الباب شيء، ولو ورد لكنا أول قائل به، وكلما ورد فيه فموضوع، ثم حلف على ذلك وقال: والله لو أسند واحد حديثًا واحدًا فأكثر من طريق الثقات فهو إلى غير رسول الله ﵌، ولا حجة في أحد دونه. كما روي عن ابن عباس وابن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ (١) أنهما
стр. 4207
فسرا لهو الحديث بالغناء.
قال ابن حزم (١) ونص الآية يبطل احتجاجهم بها لقوله تعالى: ﴿ليضل عن سبيل الله﴾ (٢)، وهذه صفة من فعلها كان كافرًا، ولو أن شخصًا اشترى مصحفًا ليضل عن سبيل الله، ويتخذها هزوًا لكان كافرًا، فهذا هو الذي ذم الله تعالى، وما ذم من اشترى لهو الحديث ليروح به نفسه، لا ليضل به عن سبيل الله قال: واحتجوا فقالوا: من الحق الغناء أم من غير الحق، ولا ثالث لهما. وقد قال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ (٣) وجوابنا قوله ﵌: "إنما الأعمال بالنيات" (٤) فمن نوى بالغناء عونًا على معصية، فهو فاسق، وكذا بكل شيء غير الغناء، ومن نوى به
стр. 4208
ترويح النفس ليقوى به على الطاعات، ويبسط نفسه بتلك على البر فهو محسن، وفعله هذا من الحق، ومن لم ينو لا طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه كخروج الإنسان إلى بستانه، وقعوده على بابه متفرجًا، ومد ساقه، وقبضها وغير ذلك (١).
وقال العلامة مفتي العرب أبو القاسم عيسى بن العلامة ناجي التنوخي المالكي في شرح رسالة أبي يزيد، قال الفاكهاني: لم أعلم في كتاب الله، ولا في السنة حديثًَا صحيحًا صريحًا في تحريم الملاهي، وإنما هي ظواهر وعمومات يتأنس بها لا أدلة قطعية (٢).
واستدل ابن رشد بقوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ (٣) وأي دليل في ذلك على تحريم الملاهي والغناء وللمفسرين فيها أربعة أقوال:
الأول: أنها نزلت في قوم من اليهود. أسلموا فكان اليهود يلقونهم بالسب والشتم،
стр. 4209
فيعرضون عنهم.
الثاني: أن اليهود أسلموا فكانوا إذا سمعوا ما غيره اليهود وبدلوا من بعث النبي ﵌ وصفته أعرضوا عنه، وذكروا الحق.
الثالث: أنهم المسلمون إذا سمعوا الباطل لم يلتفتوا إليه.
الرابع: أنهم ناس من أهل الكتاب لم يكونوا يهود ولا نصارى، وكانوا على دين الله كانوا ينتظرون بعث محمد ﵌، فلما سمعوا به بمكة فعرض عليهم القرآن [٩] فأسلموا، وكان الكفار من قريش يقولون لهم: أف لكم اتبعتم غلامًا كرهه قومه، وهم أعلم به منكم، وهذا الأخير قاله ابن العربي في أحكامه (١).
وليت شعري كيف يقوم الدليل من هذه الآية على تحريم الملاهي! واستدل بقوله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ (٢) وهذا لا صراحة فيه كما تقدم.
واستدل أيضًا بقوله ﵌: "كل لهو يلهو به المؤمن هو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه" (٣).
стр. 4210
قال الغزالي (١) قلنا: قوله ﵌: فهو باطل، لا يدل على تحريها، بل يدل على عدم الفائدة. وقد سلم ذلك على أن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في مسجده ﵌ كما ثبت في الصحيح (٢) خارج عن تلك الأمور الثلاثة (٣).
والجواب الجواب، وقد سلم الإمام حجة الإسلام الغزالي (٤) عدم قيام دليل يدل على تحريم سماع الغناء والدف والشبابة، وانتصر للقول بإباحتها.
وقال: القياس: تحليل العود، وسائر الملاهي، ولكن ورد ما يقتضي التحريم. قال ابن النحوي في العمدة بعد أن نقل عنه ذلك.
стр. 4211
قلت: لا يصح يعني ما يقتضي تحريم العود، وسائر الملاهي، وجملته ما استدل به القائلون بتحريم آلات الملاهي ما أخرجه أبو داود (١) أن ابن عمر سمع مزمارًا فوضع أصبعه في أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال: يا نافع هل تسمع شيئًا قال: لا، فوضع أصبعه، وقال: كنت مع النبي ﵌ فسمع مثل هذا.
والجواب: أولاً: بأن الحديث ضعيف (٢)، قال اللؤلؤي، قال أبو داود: هذا الحديث منكر. وقال أبو محمد بن حزم: خرجه أبو داود وأنكره.
وثانيًا: أنه لو صح فهو حجة الإباحة لأنه لو كان حرامًا لما أباحه ﷺ لابن عمر، ولا ابن عمر لنافع ولنهي النبي ﷺ عن ذلك وأمر بالسكوت عنه، أو بكسر الآلة، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فإن قيل: فلم سد سمعه عنه؟ قيل: إما لكونه في ذلك الوقت في حال مع ربه لا يجب أن يشتغل عنه فيه بغيره، كما قال لي وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل أو لأنه تجنبه كما تجنب كثيرًا من المباحات، كالأكل متكئًا، وأن يبيت في بيته دينار أو درهم، وأن تعلق الستر على سهوة في البيت، وأمثال ذلك (٣).
стр. 4212
واعلم أنه قد استدل المحرمون بأدلة عقلية:
أحدها: أن الغناء ولا سيما بالآلات المطربة تدعو إلى شرب الخمر، لأن اللذة عند أهل السماع في الغالب إنما تتم بشربه.
الثاني: أنها تذكر غير الشارب لمجالس الشرب، فتنبعث لذلك الشهوة، فيكون الإقدام على الحرام.
الثالث: أن الاجتماع عليها لما صار عادة أهل الفسوق كان محرمًا لحديث: "من تشبه بقوم فهو منهم" (١). وأجيب عن الأول بالمنع، والسند أن اللذة الكاملة تحصل بمجرد السماع من غير احتياج إلى أمر آخر مسكر أو غيره بدليل الحس والوجدان؛ فإن من لا شعور له بشرب المسكر كالبهائم التي هي أغلظ من بني آدم لذلك، فتستحق
стр. 4213
الأحمال الثقال، وتستقصر المسافات الطوال، كما ذلك معلوم من حال الإبل [١٠] عند سماع الحادي المجيد، وربما أفضى ذلك إلى تلفها، وأيضًا لو سلم أن السماع بمجرده ليفضي إلى الشراب في حق قريب العهد به، فإنما يحرم استعمالها في حق من كان كذلك، أما من لم يكن قد شربه أصلا إذا كان قد شربه، ثم تاب وحسنت توبته، وطالت مدته فلا تشمله العلة، وهذا هو الجواب عن الدليل الثاني.
والجواب عن الثالث المنع عن من كون ذلك شعارًا مختصًا بأهل الفسوق، لأن غيرهم من أهل العفة والنزاهة، قديمًا وحديثًا، يقع منهم الاجتماع على السماع كما قدمنا حكاية ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم.
وقد استدل المجوزون على ما ذهبوا إليه بأدلة منها قوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم﴾ (١) ووجه التمسك أن الطيبات جمع محلى باللام فيشمل كل طيب، والطيب يطلق بإزاء المستلذ وهو الأكثر المتبادر إلى الفهم عند التجرد عن القرائن، ويطلق بإزاء الظاهر والحلال، وصيغة العموم كلية تتناول كل فرد من أفراد المعاني الثلاثة كلها، ولو قصرنا العام على بعض أفراده لكان قصره على المتبادر هو الظاهر.
وقد صرح ابن عبد السلام في دلائل الأحكام أن المراد في الآية بالطيبات المستلذات. ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ (٢) وقال: ﴿لتبين الناس ما نزل إليهم﴾ (٣) قالوا: ولم يرد نص من كتاب فيه تفصيل تحريمه، ولا سنة صحيحة، كما سبق ذلك عن حكاية جماعة من العلماء.
ومن الأدلة التي ذكروها الإجماع على تحليل السماع (٤) مطلقًا. قالوا: وذلك لأنه
стр. 4214
اشتهر من فعل (١) عبد الله بن جعفر الهاشمي، وعبد الله بن الزبير وغيرهما. وانتشر ذلك في الصحابة في خلافة علي ﵇ ومعاوية.
ولم ينكر ذلك أحد، ولو كان محرمًا لأنكروه على فاعله، وهذا هو المذهب (٢) السكوتي. وقد استكثر من الاحتجاج به أهل المذاهب، وأيضًا البراءة الأصلية (٣)، وهي الحل وعدم التحريم مستصحبة لا ننتقل عنها إلا بدليل شرعي؛ فمن ادعى أن السماع الذي تلتذ به الأسماع، وتميل إليه الطباع محرم، فعليه إقامة الدليل الذي تنحسم به مادة النزاع، لا سيما كون ذلك جلب نفع خاص خال عن ضرر، فإنه حسن عقلا.
إذا تقرر هذا تبين للمصنف العارف بكيفية الاستدلال، العالم بصفة المناظرة والجدال أن السماع بآلة وبغيرها من مواطن الخلاف بين أئمة العلم.
ومن المسائل التي لا ينبغي التشديد في النكير على فاعلها، وهذا الغرض هو الذي حملنا على جمع هذه الرسالة؛ لأن في الناس من يوهم لقلة عرفانه بعلوم الاستدلال، وتعطل جراية عن الدراية بالأقوال أن تحريم (٤) الغناء بالآلة وغيرها من القطعيات المجمع على تحريمها.
стр. 4215
وقد علمت أن هذه قرية ما فيها مزية، وجهالة بلا محالة، وقصور باع بغير نزاع، فهذا هو الأمر الباعث على جمع هذه المباحث، لما لا يخفى على عارف أن رمي من ذكرنا من الصحابة (١) [١١] والتابعين وتابعيهم وجماعة من أئمة المسلمين بارتكاب محرم قطعًا من أشنع الشنع، وأبدع البدع، وأوحش الجهالات، وأفحش الضلالات، فقصدنا الذب عن أعراضهم الشريفة، والدفع عن هذا الجناب للعقول السخيفة. وقد علم الله أنا لم نقعد في مجلس من مجالس السماع،
ولا لابسنا أهلة في بقعة من البقاع،
ولا عرفنا نوعًا من أنواعه،
ولا أدركنا وضعًا من أوضاعه،
ولكنا تكلمنا بما تقتضيه الأدلة، وأزحنا عن صدر المتكلم بالجهالة كل علة، ليكون في إيراد الإنكار وإصداره على علم، ويتبين له أن هذه المسألة ليست من المواطن التي يحمد القائم في تضليل أهلها، ولكن كيف يهتدي إلى سبيل الإنصاف من زعم أن مسألة السماع ليست من مسائل الخلاف، فيالله العجب لو نظر هذا المسكين إلى مصنف من مصنفات المسلمين، لعلم بطلان دعواه، وفور جهله وهواه. وهب أن هذه المسألة محرمة بالإجماع، أما درى هذا الغافل أن للناس في كون الإجماع حجة قطعية أو ظنية مذهبين:
أحدهما: أنه حجة ظنية (٢) لا يفيد العلم، بل يفيد الظن، وإليه ذهب جمع من المحققين كأبي الحسين البصري (٣)، والإمام فخر الدين الرازي (٤)، وسيف الدين الآمدي (٥) وغيرهم.
стр. 4216
الثاني: أنه حجة قطعية (١)، وإليه ذهب الأكثرون كما قال الأصفهاني (٢)، وذهب جمع من محققي الحنفية كالبزدوي، وصدر الشريعة وأتباعهم إلى أن للإجماع مراتب، فإجماع الصحابة مثل الكتاب والخبر المتواتر، وإجماع من بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث، والإجماع الذي سبق فيه الخلاف في العصر السالف بمنزلة خبر الواحد، ثم القائلون بكونه حجة قطعية اختلفوا في بعض الصور، كالإجماع الذي شذ منه بعض المجتهدين كواحد أو اثنين، وكالإجماع السكوتي؛ وهو ما أتاه بعض المجتهدين قولاً أو فعلاً، وانتشر في أهل الإجماع، وسكتوا عليه، فلم ينكروه، وكالإجماع المسبوق بالخلاف، والمشهور في الأول أنه ليس بإجماع ولا حجة، حكى ذلك أبو بكر الرازي من الحنفية عن الكرخي منهم، وقيل إنه إجماع.
وفي البحر للزركشي (٣) أنه المذهب، ونقله الآمدي (٤) عن ابن جرير، وإليه يميل كلام الجويني (٥)، قال الهندي: والقائلون بأنه إجماع مرادهم أنه ظني لا قطعي.
والمشهور أيضًا في الثاني كما قال الرافعي أنه حجة، وهل هو إجماع؟.
قال الزركشي (٦): الراجح أنه إجماع، وقيل ليس بإجماع، وعزى إلى الشافعي.
قال الزركشي (٧) وليعلم أن المراد هنا بالخلاف أنه ليس بإجماع قطعي، وبذلك صرح
стр. 4217
ابن برهان عن الصيرفي، وكذا ابن الحاجب (١). وإلى كون الإجماع في هاتين الصورتين ظنيًا لا قطعيًا أشار صاحب جمع الجوامع.
وهكذا الإجماع الذي يندر مخالفة إجماع ظني، وإليه يشير كلام إمام الحرمين.
ونقل الزركشي عن صاحب التقويم (٢) من الحنفية أنه أدنى مراتب الإجماع. ونقل عن قوم إحالة وقوعه [١٢]، واختلف القائلون بأن الإجماع حجة قطعية أيضُا في غير ما ذكر من الصور، هل يقبل فيه أخبار الآحاد والظواهر؟ فيه قولان:
قيل: لا يقبل، ونقل عن الجمهور، وصححه القاضي في التقريب، والغزالي في كتبه وعليه فالمنقول بالآحاد إجماع وليس بحجة.
نبه على ذلك الصفي الهندي (٣)، وقيل: يقبل وعليه الفقهاء، وصححه المتأخرون. وقد علم من هذا أن الإجماع إما ظني كله عند قوم، أو بعضه ظني، وبعضه قطعي عند آخرين، وأن القطعي منه عند هؤلاء ما علم بطريق يفيد العلم من سماع أو تواتر صدوره عن جميع المجتهدين من الأمة، بحيث لا يشذ أحد منهم بطريق صريح كقولهم: هذا حلال، أو هذا حرام، أو هذا باطل، أو نحو ذلك، كما ذكره الغزالي (٤)، ونبه عليه ابن أبي شريف في حاشية شرح الجمع (٥).
وإذا علم أن الإجماع منه قطعي، ومنه ظني فمنكر حكم الإجماع الظني، ومعتقد خلافه لا يكفر باتفاق العلماء، وقد نقل إجماعهم على ذلك غير واحد من المحققين، منهم سيف الدين الآمدي (٦)، والصفي الهندي في .........................
стр. 4218
النهاية (١)، والقاضي عضد الدين في شرح المختصر (٢)، وأبو العباس القرطبي فيما نقله عنه الزركشي في البحر (٣). وممن جزم بنفي التكفير في منكر حكم الإجماع الظني السعد في شرح التوضيح، والشريف الجرجاني في شرح المواقف، والمحقق ابن الهمام.
وأما منكر حكم الإجماعي القطعي فحكى فيه الآمدي (٤)، وابن الحاجب (٥) في أصولهما ثلاثة مذاهب، فقال الآمدي (٦): اختلفوا في تكفير جاحد المجمع عليه، فأثبته بعض الفقهاء، وأنكره الباقون مع اتفاقهم على أن إنكار حكم الإجماع الظني غير موجب تكفيرًا، هذا والمختار إنما هو التفصيل بين أن يكون داخلاً في مفهوم اسم الإيمان كالعبادات الخمس، ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة؛ فيكون جاحده كافرًا أو لا يكون داخلاً كالحكم بحل البيع، وصحة الإجارة، ونحوه؛ فلا يكون جاحده كافرًا انتهى.
وقال ابن الحاجب في مختصره (٧): إنكار حكم الإجماع القطعي.
ثالثها: المختار أن نحو العبادات الخمس تكفر انتهى.
وقال العلامة زيد الدين - المدخل في الملخص -: لا يكفر منكر إجماع سكوتي أو أكثري، أو ظني منقول بالآحاد. قيل: وكذا ما لم يبلغ المجمعون فيه عدد التواتر، ولا يكفر منكر إجماع قطعي على الأصح، إلا إذا كان الحكم ضروريًا، لأن العلم بحجية الإجماع ليس داخلاً في الإيمان، لأنه نظري انتهى.
وقال العلامة ابن القيم (٨): الإجماع الذي تقوم به الحجة، وتنقطع معه المعذرة،
стр. 4219
وتحرم معه المخالفة هو الإجماع القطعي المعلوم انتهى.
وقال النووي (١) ليس تكفير جاحد الإجماع على إطلاقه، بل من جحد مجمعًا عليه فيه نص، وهو من الأمور الظاهرة الذي يشترك في معرفتها الخاص والعام [١٣]، كالصلاة، وتحريم الخمر ونحوهما، فهو كافر، ومن جحد مجمعًا عليه ظاهرًا لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف. وقد أشار ابن أبي شريف في حاشية شرح المجمع إلى أن ما لم يبلغ حد الضرورة فلا كفر به، وإن كان مشهورًا.
وقال السعد في شرحه: العقائد: إن من استحل محرمًا لعينه، وقد ثبت بدليل قطعي يكفر، وإلا فلا. بأن كانت حرمته لغيره، أو ثبت بدليل ظني (٢) انتهى.
وقال الهندي في النهاية (٣) جاحد المجمع عليه من حيث إنه مجمع عليه بإجماع قطعي لا يكفر عند الجماهير، خلافًا لبعض الفقهاء، وإنما قيدنا بقولنا: من حيث هو مجمع عليه، لأن من أنكر وجوب الصلوات الخمس ونحوها يكفر، وهو مجمع عليه، لكن لا لأنه جاحد حكم الإجماع قال: وجاحد الظني لا يكفر وفاقًا انتهى.
وقال شمس الدين القرافي (٤) المالكي بعد أن ذكر قول إمام الحرمين: كيف يكفر من جحد حكم الإجماع، ولا يكفر من رد أصل الإجماع، ولا يكون الفرع أقوى من أصله! فقال: جوابه أنا لا نكفر برد المجمع عليه من حيث إنه مجمع عليه؛ بل من حيث الشهرة المحصلة للعلم، فمتى انضافت هذه الشهرة إلى الإجماع كفر جاحده، فإذا لم تنضف لم يكفر، فليس الفرع أقوى من أصله على هذا، وإنما يلزم لو كفرنا به من حيث إنه مجمع عليه، لا من حيث الشهرة انتهى.
стр. 4220
وقال القرطبي (١) من المالكية: الحق في هذه المسألة التفصيل، فمن قال: إن أدله الإجماع ظنية فلا شك في نفي التكفير، لأن المسائل الظنية اجتهادية، ولا تكفير فيها بالاتفاق، ومن قال أنها قطعية فهؤلاء هم المختلفون في تكفيره، والصواب أنه لا يكفر، وإن قلنا أن تلك الأدلة قطعية متواترة، لأن هذا لا يعم كل أحد بخلاف من جحد سائر المتواترات، والتوقف عن التكفير أولى من الهجوم عليه؛ فقد قال ﵌: "من قال لأخيه يا كافر فقد باءها بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا حار عليه" (٢) انتهى.
وقال ابن دقيق العيد: من قال أن دليل الإجماع ظني فلا سبيل إلى تكفير مخالفه كسائر الظنيات، وأما من قال أن دليله قطعي فالحكم المخالف له إما أن يكون طريق ثبوته قطعيًا أو ظنيًا، فإن كان ظنيًا فلا سبيل إلى التفكير به.
وإن كان قطعيًا فقد اختلف فيه، ولا يتوجب الاختلاف فيما تواتر من ذلك عن صاحب الشرع بالنقل، فإنه يكون تكذيبًا موجبًا للكفر بالضرورة، وإنما يتوجه الخلاف فيما حصل فيه الإجماع بطريق قطعي، أعني أنه ثبت وجود الإجماع به، ولم ينقل الحكم بالتواتر عن صاحب الشرع (٣).
فتلخص أن مسائل الإجماع تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع، فيكون ذلك تكذيبًا موجبًا للكفر بالضرورة، وإنما يتوجه الخلاف فيما حصل فيه الإجماع بطريق قطعي (٤)، أعني أنه ثبت وجود الإجماع به ولم ينقل الحكم بالتواتر عن صاحب
стр. 4221
الشرع [١٤]، لا فيما صحبه التواتر بالنقل عن صاحب الشرع، كوجوب الصلوات الخمس، فإنه ينتفي الخلاف في تكفير جاحده، لمخالفته التواتر، لا لمخالفة الإجماع ... إلى آخر كلامه الذي نقله الزركشي في البحر (١)، وابن أبي شريف في شرح الإرشاد، وغيرهما من المتأخرين. وقد ذكر أبو إسحاق الشيرازي (٢) في الملخص أن الفسق يتعلق لمخالفة الإجماع، والكفر يتعلق برد ما علم من دين الله قطعا ويقينًا:
وقال إمام الحرمين في البرهان (٣) إن الضابط فيه أن من أنكر طريقًا في ثبوت الشرع لم يكفر، ومن اعترف بكون الشيء، من الشرع ثم جحده كان منكرًا للشرع، وإنكار جزئه كإنكار كله انتهى.
ولنقتصر على هذا المقدار من نقل أئمة الأصول من أهل المذاهب الإسلامية، وقد خرجنا عن المقصود إلى غيره، ولكنه أخذ بعض الكلام بحجزة بعض، وأردنا تكميل الفائدة في مسألة الإجماع، وحكم مخالفه، ليتيقن المسارع إلى الحكم بالإجماع من دون بصيرة (٤).
والجزم على مخالفه مطلقًا بالكفر والضلال، مع أنه قد تقرر في الأصول خلاف من خالف في إمكان الإجماع، ووقوعه، ونقله، وحجيته. وذلك معروف عند كل من له إلمام بعلم الأصول، والتفات إلى طرائق العلماء الفحول. ولقد قال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير في كتابه الروض الباسم (٥) إن الضروريات من الإجماع هي الضروريات
стр. 4222
من الدين، قال: وغالب الإجماعات المنقولة في المسائل الاجتهادية من قبيل الإجماع السكوتي انتهى.
وقال الغزالي في المستصفي (١) كل مجتهد مصيب، ولو خالف الإجماع قبل علمه به حتى يطلع عليه انتهى.
وهذا على فرض أن المسألة التي وقع فيها الإنكار مما يدعى في مثلها الإجماع. فكيف بمسألة السماع التي ادعى المجوزون فيها أنه مجمع على الجواز (٢) كما مر تحقيقه (٣).
وبالجملة فهذا كلام مع من ير حجية الإجماع، ولهذا لم نورد إلا كلام الأئمة القائلين بحجيته، وأما من لم يقل بحجية الإجماع إما لعدم وجود دليل يدل على أنه حجة، أو لعدم إمكانه في نفسه، أو إمكان نقله، فترك الإنكار عليه مما ادعى فيه الإجماع أوضح من ترك الإنكار على غيره. والقول بعدم حجية الإجماع هو الذي (٤) أرجحه لأمور لا يتسع لها المقام، وقد استوفيتها في غيره (٥).
وبعد هذا كله فنقول: السماع لا شك بعد ما ذكرنا من اختلاف الأقوال، والأدلة أنه من الأمور المشتبهة، والمؤمنون وقافون عند الشبهات كما ثبت ذلك في الصحيح (٦) عنه ﵌: "فمن ترك المشتبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه. ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه". ولا سيما إذا كان مشتملاً على ذكر القدود والخدود، والدلال والجمال، والهجر والوصال، والفم والرشف، والتهتك والكشف
стр. 4223
[١٥]، ومعاقرة العقار، وخلع العذار والوقار؛ فإن سامع هذه الأنواع في مجامع السماع لا ينجو من بلية، ولا يسلم من مجنة، وإن بلغ من التصلب في ذات الله إلى حد القصر عنه الوصف.
وكم لهذه الوسيلة من قتيل دمه مطول، وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول، ولا سيما إذا المغني حسن الصورة والصوت، كالمرأة الحسناء، والغلام الجميل، وما كان الغناء الواقع في زمن العرب في الغالب إلا بأشعار فيها ذكر الحرب. وصفات الطعن والضرب، ومدح صفات الشجاعة والكرم.
والتشبيب بذكر الديار، ووصف النعم. فليحذر المتحفظ لدينه، الراغب في السلامة؛ فإن للشيطان حبائل ينصب لكل إنسان منها ما يليق به، وربما كان الغناء على الصفة التي وصفناها من أعظم خدائع الخبيث، ولا سيما لمن كان في زمن الشبيبة؛ فإن نفسه تميل إلى المستلذات الدنيوية بالطبع، وأيضًا السماع من أعظم الأسباب الجالبة للفقر المذهبة للأموال، وإن كانت عظيمة القدر.
وقد قال بعض الحكماء: إن السماع من أسباب الموت، فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: لأن الرجل يسمع، فيطرب، فينفق، فيسرف، فيفتقر، فيغتم، فيعتل، فيموت (١).
стр. 4224
كمل من تحرير جامعه القاضي بدر الدين محمد بن علي الشوكاني - حفظه الله تعالى بحق محمد وآله -.
стр. 4225
تم ولله الحمد والمنة المجلد الخامس من كتاب الفتح الرباني
ويليه
المجلد السادس والأخير إن شاء الله
стр. 4226
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4227
كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
المتوفى ١٢٥٠هـ
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
وضبط نصه ورتبه وصنع فهارسه
أبو مصعب محمد صبحي بن حسن حلاق
بقية القسم الرابع: (الفقه وأصوله) (ص ٥٢٧٣ - ص٥٩٦٢)
القسم الخامس: (اللغة العربية وعلومها) (ص٥٩٦٥ - ص٦٣٧٠)
المجلد السادس
стр. 4228
رسائل المجلد السادس
بقية الفقه وأصوله
والقسم الخامس: اللغة العربية وعلومها
١٧٤ - بحث في مؤاخاته ﷺ بين الصحابة. ٤٠/ ٤.
١٧٥ - بحث في المتحابين في الله. ٣٤/ ٥.
١٧٦ - تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل. ٤٣/ ٤.
١٧٧ - زهر النسرين الفائح بفضائل المعمرين. ١٨/ ١.
١٧٨ - بحث في سؤال عن الصبر والحلم هل هما متلازمان أم لا؟ ٢٥/ ٤.
١٧٩ - بحث في الإضرار بالجار. ٣٣/ ١.
١٨٠ - نثر الجوهر على حديث أبي ذر. ١/ ٥٣.
١٨١ - سؤال وجواب في فقراء الغرباء الواصلين إلى مكة من سائر الجهات ومكثهم في المسجد الحرام. ٩/ ٥.
١٨٢ - رفع الريبة فيما يجوز وما لا يجوز من الغيبة. ١٠/ ٤.
١٨٣ - رسالة في حكم القيام لمجرد التعظيم. ٢٠/ ١.
١٨٤ - العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي. ١٧/ ٣.
١٨٥ - هذه مناقشة للبحث السابق لبعض الهنود الساكنين في تهامة تحقيق الرباني للعالم العمراني على رسالة الشوكاني [العرف الندي في جواز لفظ سيدي]. ١٧/ ٣.
١٨٦ - ذيل العرب الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي جوابا على المناقشة السابقة. ١٨/ ٣.
١٨٧ - جواب سؤالات وصلت من كوكبان. ٤١/ ٤.
١٨٨ - الدواء العاجل لدفع العدد الصائل. ١٧/ ٤.
стр. 4229
١٨٩ - الحسن في فضائل أهل اليمن. ٣٣/ ٤.
١٩٠ - مجموعة من الحكم لبعض الحكماء المتقدمين ٢٤/ ٣.
١٩١ - بحث: مشتمل على الكلام فيما يدور بين كثير من الناس هل الامتثال خير من الأدب أو الأدب خير من الامتثال. ٢٨/ ٥.
١٩٢ - بحث في الصلاة على النبي ﷺ . ٢٣/ ٥.
١٩٣ - سؤال وجواب عن الصلاة المأثورة عن رسول الله. ٣٨/ ١.
١٩٤ - طيب الكلام في تحقيق لفظ الصلاة على خير من حملته الأقدام. ٤/ ٥.
١٩٥ - بحث في الأذكار الواردة في التسبيح. ٢٤/ ٤.
١٩٦ - نزهة في التفاضل بين الأذكار. ٢٤/ ٥.
١٩٧ - الاجتماع على الذكر والجهر به. ١٢/ ٥.
١٩٨ - سؤال وجواب عن أذكار النوم. ٣٦/ ١، ٥/ ١.
١٩٩ - جواب الشوكاني على الدماميني ٣٧/ ٤.
٢٠٠ - سؤال عن الفرق بين الجنس واسم الجنس وبينهما وبين علم الجنس وبين اسم الجنس، واسم الجمع وبين اسم الجمع مع الجواب. ١١/ ١.
٢٠١ - بحث في تبادر اللفظ عند الإطلاق. ٣٣/ ٥.
٢٠٢ - فتح الخلاق في جواب مسائل الشيخ العلامة عبد الرزاق الهندي. ٣٠/ ٥.
٢٠٣ - نزهة الأحداق في علم الاشتقاق ١/ ٥.
٢٠٤ - كلام في فن المعاني والبيان "تعليق من الشوكاني على كلام صاحب الفوائد الغيائية". ١٠/ ٥.
٢٠٥ - الروض الوسيع في الدليل المنيع على عدم انحصار علم البديع. ٢٢/ ٥.
٢٠٦ - فتح القدير في الفرق بين المعذرة والتعذير. ٢/ ٤.
٢٠٧ - بحث في الرد على الزمخشري في استحسان المربة. ٢٨/ ٤.
стр. 4230
٢٠٨ - الطود المنيف في ترجيح ما قاله السعد على ما قاله الشريف من اجتماع الاستعارة التمثيلية والتبعية في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ٢٠/ ٣.
٢٠٩ - جيد النقد بعبارة الكشاف والسعد. ٢٩/ ٣.
٢١٠ - القول الصادق في ترتيب الجزاء عن السابق. ١٥/ ٣.
٢١١ - فائق الكسافي جواب عالم الحسا. ٥/ ٣.
٢١٢ - بحث: فيما زاده الشوكاني من أبيات شعرية صالحة للاستشهاد بها في المحاورات وعند المخاصمات وأضافها إلى ما يصلح لهذه الأغراض. ١٨/ ٥.
٢١٣ - بحث في سيحون وجيحون وما ذكره أئمة اللغة في ذلك ويليه مناقشة لبعض أهل العلم في البحث السابق ثم جواب المناقشة السابقة. ٣/ ٣ (١).
٢١٤ - الحد التام والحد الناقص (بحث في المنطق) ٨/ ٥ (٢).
стр. 4231
بحث في مؤاخاته ﵌ بين الصحابة
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4232
وصف المخطوط:
١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في مؤاخاته ﷺ بين الصحابة.
٢ - موضوع الرسالة: "فقه".
٣ - أول الرسالة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الأكرمين وصحبه الأفضلين. وبعد:
٤ - آخر الرسالة: ومجرد الفعل يصلح لمطلق المشروعية عند وجود السبب وفي هذا المقدار كفاية. وإن كان المقام محتملا للبسط.
كتبه المجيب محمد الشوكاني غفر الله له وتجاوز عنه.
هذا منقول عن خطه نفع الله المسلمين بعلومه آمين.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد الصفحات: ٧ صفحات.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٥ سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ كلمات.
٩ - الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4233
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الأكرمين، وصحبه الأفضلين. وبعد:
فإنه سأل بعض أهل العلم عن الحكمة فيما وقع منه ﵌ من المؤاخاة (١) بين الصحابة بعد الهجرة، وذكر في سؤاله تكميلا لما أشكل عليه أن النبي ﵌ آخى بين غني وغني، وبين مهاجري ومهاجري، حتى
стр. 4234
آخى بينه وبين علي ﵁، وهل الإخاء مرة واحدة أم بحسب التدرج أو الأسباب؟ وما الفرق بين الإخاء والحلف؟ وهل نهى عن الحلف في الإسلام أم لا؟ وهل يجب على الإمام العادل الإخاء بين المسلمين عملا بفعل النبي ﵌ أم لا؟ انتهى.
стр. 4235
وأقول: - حامدا الله سبحانه، ومصليا على رسوله وآله -.
إني لم أقف لأحد من أهل العلم على كلام فيما اشتمل عليه هذا السؤال، وقد تقرر في أصول الشريعة أنه يجب العمل بما ورد عن الشارع، وإن لم نقف على وجه الحكمة فيه، فليس ذلك معتبرا في التعبد بأحكام الشرع، بل يجب علينا قبول ما ورد، والعمل به في العمليات، واعتقاده في الاعتقادات، وإن جهلنا وجهه، ولم نعقل الحكمة (١) فيه.
стр. 4236
وقد ثبت في هذه الشريعة المطهرة من التعبدات ما لا يمكن أن تتعقل فيه الحكمة [١أ] (١) بوجه من الوجوه، ومن زعم أنه يتعقل ذلك ويعرف وجهه فقد ادعى ما ليس له، وأثبت لنفسه ما لا يقوم به، فإن هذه الصلوات الخمس التي هي رأس الأركان الإسلامية، وأساس الأمور الدينية لا يتمكن أحد أن يبين وجه الحكمة في أعداد الركعات وكونها في بعض الصلوات ركعتين، وفي بعضها ثلاثا، وفي بعضها أربعا، وكون أركانها على تلك الصفة، وأذكارها على تلك الهيئة.
ومن زعم أنه يبلغ علمه إلى معرفة ذلك فقد أثبت لنفسه ما ليس لها، وتحمل ما لا يطيقه، وإذا كان هذا في الصلوات التي هي أعظم شعائر الدين وفرائض الإسلام. فما ظنك بغيرها من الفرائض! بل ما ظنك بغير الفرائض من الأمور التي جاء بها الشرع! وهكذا الكلام في سائر أركان الدين، فإنه لو زعم زاعم أنه يعرف وجه الحكمة في مناسك الحج، وكونها على تلك الأعداد بتلك الصفات، أو زعم أنه يعرف وجه
стр. 4237
الحكمة في الصيام وكونه على تلك الصفة في ذلك الوقف المخصوص، أو زعم أنه يعرف وجه الحكمة في كون فرائض الزكاة على تلك الصفة في تلك الأعداد لكان زاعما [١ب] زعما باطلا، ومدعيا دعوى مدفوعة، ومتكلفا (١) ما ليس من شأنه، ومتقولا على الله ما لم يقل، وقد ورد في الزجر عن ذلك في الكتاب العزيز ما ترجف له الأفئدة، وتقشعر له الجلود.
قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، فجعل التقول على الله - سبحانه - قرينا للشرك، وعديلا للفواحش. وكفى هذا زاجرا لكل من: ﴿لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣).
стр. 4238
والحاصل أن في الشريعة المطهرة مما لا يمكن تعقل وجه الحكمة فيه ما لا يأتي عليه الحصر، وانظر هل يدعي مدع، أو يزعم زاعم أنه يعرف وجه الحكمة في كون حد الزنا مائة جلدة، وحد القذف ثمانين جلدة، وحد الشرب أربعين أو ثمانين.
فكل عاقل فضلا عن عالم لا يشك ولا يرتاب في بطلان هذه الدعوى، وكذب هذا الزعم.
ولو ذهب ذاهب يتكلم في ذلك لجاء بما يضحك منه كل سامع، ويسخر منه كل عاقل.
وإذا عرفت هذا وتقرر عندك معناه فاعلم أن وجه الحكمة [٢أ] في المؤاخاة هو ظاهر الوجه، واضح المنزع، بين السبب، جلي الفائدة. وليس القول فيه من التكلف لما لا يعلم، ولا من التقول على الله بما لا حقيقة له؛ فإن كل عاقل فضلا عن عالم يعرف أن تعاضد الرجلين على أمور المعاش، وتحصيل ما يكون به السداد من عوز الحاجة له مزيد تأثير على ما يكون من الواحد الفرد، وهكذا التعاضد على الأمور الدينية، والتعاون على تحصيلها، فإن ذلك من الأثر ما لا يخفي على عاقل، ولهذا أمر الله - سبحانه - به في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) وهكذا كل ما ورد في الكتاب والسنة من الندب للعباد إلى التعاضد والتناصر والتعاون، فإن وجه الحكمة فيه هو من هذا القبيل، بل لذلك تأثير في التعاضد على مجرد إدارة الرأي والتفاوض فيما ينوب من الأمور كما قال شاعر:
ورأيان أحزم من واحد ... ورأي الثلاثة لا ينقض
ومعلوم أن الأخوة (٢) الدينية الكائنة على لسان النبوة المصطفوية الصادرة عن الترجيح المحمدي - عليه أشرف صلاة وأكمل تسليم - يكون لها في قلوب المؤمنين من المواقع ما
стр. 4239
لا يكون لإخوة النسب [٢ب]، فيجهد كل واحد منهما في تحصيل نفع أخيه بما لا يبلغ إليه الشقيق في النسب، ومن ذلك المواساة من كل واحد منهما للآخر بما تملكه يده، والتعاضد في تحصيل مواد العيش.
وقد يتناوبان في أمور الدين والدنيا فيسعى أحدهما في تحصيل علم الشرع يوما، والأخر في تحصيل أمور المعاش يوما، كما ثبت في الصحيح (١) أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يتناوب هو وأخوه الأنصاري في الذهاب إلى حضرة النبوة يوما فيوم، فيأتي من نزل منهما الحضرة المصطفوية بما حدث فيها من الأخبار والشرائع، ويقوم الآخر في ذلك اليوم بما يحتاجان إليه من أمور الدنيا، ومن أعظم الفوائد وأجل المقاصد أنه يحصل بهذه المؤاخاة المودة الخالصة، والتحاب الصحيح، وقد ثبت عنه ﵌: "أن المتحابين في الله على منابر من نور يوم القيامة" (٢) فلو لم يكن من فوائد هذه الأخوة إلا هذه الفائدة فكيف ولها من فوائد الدين والدنيا ما لا يخفى على عاقل! وقد أوضحنا بعضه.
وأما قول السائل - عافاه الله -: وما الفرق بين الإخاء والحلف (٣)؟
стр. 4240
وأقول [٣أ]: الفرق بينهما واضح، فإن التحالف الذي كان في زمن الجاهلية، وأوائل الإسلام هو مشتمل على التوارث، وتنزيل الأخ في الحلف منزلة الأخ في