← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

الإسلام وما يلتحق بها من كتب السنة المطهرة. قد علم كل من له علم أنها كثيرة جدا بحيث لا يحيط بأكثرها إلا مؤلف بسيط ومصنف حافل (١) وفيها تارة استجلاب الخير وفي أخرى استدفاع الشر، وتارة متعلقة بأمور الدنيا وتارة بأمور الآخرة. ومن ذلك تعليمه ﵌ لأمته ما يدعون به في صلواتهم [٣ب] وعقب صلواتهم وفي صباحهم ومسائهم وفي ليلهم ونهارهم وعند نزول الشدائد بهم وعند حصول نعم الله إليهم. هل كان هذا كل منه ﵌ لفائدة عائدة عليه، وعلى أمته بالخير خالية لما فيه من مصلحة دافعة لما فيه مفسدة؟ فإن قالوا نعم، قلنا لهم فحينئذ لا خلاف بيننا وبينكم، فإن هذا الاعتراف يدفع عنا وعنكم معرة الاختلاف، ويريحنا ويريحكم من التطويل بالكلام على ما أوردتموه وأوردناه. وإن قالوا ليس ذلك لفائدة عائدة عليه وعلى أمته بالخير، جالبة لما فيه مصلحة، دافعة لما فيه مفسدة، فهم أجهل من دوابهم، وليس للمحاجة لهم فائدة، ولا في المناظرة معهم نفع. يا عجبا كل العجب! أما بلغهم ما كان عليه أمر رسول الله ﵌ من أول نبوءته إلى أن قبضه الله إليه من الدعاء لربه، والإلحاح عليه، ورفع يديه عند الدعاء حتى يبدو بياض إبطيه (٢)، وحتى يسقط رداؤه كما وقع منه في يوم بدر (٣)! فهل يقول عاقل فضلا عن عالم، إن هذا الدعاء منه فعله رسول الله ﵌ وهو يعلم أنه لا فائدة فيه، وأنه قد سبق العلم بما هو كائن، وأن هذا السبق

стр. 4272

يرفع فائدة ذلك، ويقتضي عدم النفع به؟ ومعلوم أنه ﵌ أعلم بربه، وبقضائه وقدره، وبأزليته وسبق علمه بما يكون في بريته. فلو كان الدعاء منه ومن أمته لا يفيد شيئا ولا ينفع نفعا لم يفعله، ولا أرشد الناس إليه وأمرهم به، فإن ذلك نوع من العبث الذي يتنزه عنه كل عاقل فضلا عن خير البشر وسيد ولد آدم. ثم يقال لهم: إذا كان القضاء واقعا لا محالة، وإنه لا يدفعه شيء من الدعاء والالتجاء والإلحاح والاستغاثة، فكيف لم يتأدب رسول الله ﵌ مع ربه! فإنه قد صح عنه أنه استعاذ بالله - سبحانه - من سوء القضاء كما عرفناك، وقال: "وقني شر ما قضيت" (١). فكيف يقول هؤلاء الغلاة في الجواب عن هذا! أو على أي محمل يحملونه!. ثم ليت شعري علام يحملون أمره لعباده بدعائه بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) ثم عقب ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٣)

стр. 4273

أي عن دعائي كما صرح بذلك أئمة .............................

стр. 4274

التفسير (١). فكيف يأمر عباده أولا؟ ثم يجعل تركه استكبارا منهم ثم يرغبهم إلى الدعاء، ويخبرهم أنه قريب من الداعي، مجيب لدعوته بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٢)، ثم يقول معنوناُ لكلامه الكريم بحرف يدل على الاستفهام الإنكاري والتقريع [٤أ] والتوبيخ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٣) ثم يأمرهم بسؤاله من فضله بقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤) فإن قالوا: إن هذا الدعاء الذي أمرنا الله به، وأرشدنا إليه، وجعل تركه استكبارا وتوعد عليه بدخول النار مع الذل، ورغب عباده إلى دعائه، وعرفهم أنه قريب وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وأنكر عليهم أن يعتقدوا أن غيره يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف ما نزل به من السوء وأمرهم أن يسألوه من فضله، ويطلبوا ما عنده من الخير أن كل ذلك لا فائدة فيه للعبد، وأنه لا ينال إلا ما قد جرى به القضاء وسبق به العلم. فقد نسبوا إلى الرب ما لا يجوز عليه، ولا يحل نسبته إليه، فإنه لا يأمر العبد إلا بما فيه فائدة يعتد بها، ولا يرغبه إلا إلى ما يحصل له به الخير، ولا يرهبه إلا عما يكون به عليه الضير (٥)، ولا يعده إلا بما هو حق يترتب عليه فائدة فهو صادق الوعد

стр. 4275

لا يخلف الميعاد، ولا يأمرهم بسؤاله من فضله إلا وهناك فائدة تحصل بالدعاء، ويكون بسببه التفضل عليهم، ورفع ما هم فيه من الضرر وكشف ما حل بهم من السوء. هذا معلوم لا يشك فيه إلا من يعقل حجج الله، ولا يفهم كلامه، ولا يدري بخير ولا شر، ولا نفع ولا ضر. ومن بلغ به الجهل إلى هذه الغاية فهو حقيق بألا يخاطب، وقمين بأن لا يناظر. فإن هذا المسكين المتخبط في جهله، المتقلب في ضلاله قد وقع فيما هو أعظم خطرا من هذا، وأكثر ضررا منه، وذلك بأن يقال له: إذا كان دعاء الكفار إلى الإسلام، ومقاتلتهم على الكفر، وغزوهم إلى عقر ديارهم لا يأتي بفائدة، ولا يعود على القائمين به من الرسل وأتباعهم وسائر المجاهدين من العبادة بفائدة، وأنه ليس هناك إلا ما قد سبق من علم الله ، وأنه سيدخل في الإسلام، ويهتدي إلى الدين من قد علم الله - سبحانه - منه ذلك، سواء قوتل أو لم يقاتل، وسواء دعي إلى الحق أو لم يدع إليه كان هذا القتال الصادر من رسل الله وأتباعهم ضائعا ليس فيه إلا تحصيل الحاصل، وتكوين ما هو كائن فعلوا أو تركوا، وحينئذ يكون الأمر بذلك عبثا تعالى الله عن ذلك. وهكذا ما شرعه الله لعباده من الشرائع على لسان أنبيائه، وأنزل بها كتبه يقال فيه مثل هذا، فإنه إذا كان ما قد حصل في سابق علمه كائنا سواء بعث الله إلى عباده رسله وأنزل إليهم كتبه، أو لم يفعل ذلك، كان ذلك عبثا يتعالى الرب - سبحانه - عنه، ويتنزه عن أن ينسب إليه. فإن قالوا: إن الله - سبحانه - قد سبق علمه بكل ذلك، ولكنه قيده بقيود،

стр. 4276

وشرطه بشروط، وعلقه بأسباب فعلم مثلا [٤ب] أن الكافر يسلم ويدخل في الدين بعد دعائه إلى الإسلام، أو مقاتلته على ذلك، وأن العباد يعمل منهم من يعمل بما تعبدهم الله به بعد بعثه رسله إليهم وإنزال كتبه عليهم قلنا لهم: فعليكم أن تقولوا هكذا في الدعاء، وفي أعمال الخير، وفي صلة الرحم، ولا نطلب منكم إلا هذا، ولا نريد منكم غيره. وحينئذ قد دخلتم إلى الوفاق من طريق قريبة، فعلام هذا الجدال الطويل العريض، والحجاج الكثير الكبير؟ فإنا لا نقول إلا أن الله - سبحانه - قد علم في سابق علمه أن فلانا يطول عمره إذا وصل رحمه، وأن فلانا يحصل له من الخير كذا، أو يندفع عنه من الشر كذا إذا دعا ربه، وأن هذه المسببات مترتبة على حصول أسبابها. وهذه الشروطات مقيدة بحصول شروطها. وحينئذ فارجعوا إلى ما قدمنا ذكره من الجمع بين ما تقدم من الأدلة، واستريحوا من التعب، فإنه لم يبق بيننا وبينكم خلاف من هذه الحيثية. وقد كان الصحابة (١) - مثل عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي وائل، وعبد الله بن عمر الذين كانوا يدعون الله بأن يثبتهم في أهل السعادة، إن كانوا قد كتبوا من أهل الشقاوة كما قدمنا، أعلم بالله - سبحانه - وبما يجب له، ويجوز عليه. وقال كعب الأحبار حين طعن عمر وحضرته الوفاة: "والله لو دعا الله عمر أن يؤخر أجله لأخره" (٢). فقيل له: إن الله يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣). فقال: هذا إذا حضر الأجل، فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد، وينقص، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٤).

стр. 4277

ثم قد علمنا من أهل الإسلام سابقهم ولاحقهم سيما الصالحين منهم أنهم يدعون الله فيستجيب لهم ويحصل لهم ما طلبوه من المطالب المختلفة بعد أن كانوا فاقدين لها، ومنهم من يدعو لمريض قد أشرف على الموت بأن يشفيه الله فيعافى في الحال، ومنهم من يدعو على فاجر بأن يهلكه الله فيهلك في الحال (١). ومن شك في شيء من هذا، فليطالع الكتب الصحيحة في أخبار الصالحين كحلية (٢) أبي نعيم، وصفوة الصفوة (٣) لابن الجوزي، ورسالة (٤) القشيري، فإنه يجد من هذا القبيل ما ينشرح له صدره، ويثلج به قلبه، بل كل إنسان إذا حقق حال نفسه، ونظر في دعائه لربه عند عروض الشدائد، وإجابته له، وتفريجه عنه ما يغنيه عن البحث عن حال غيره إذا كان من المعتبرين المتفكرين. وهذا نبي الله المسيح عيسى بن مريم ﵇ كان يحيي الموتى بإذن الله، ويشفي المرض بدعائه، وهذا معلوم عنه [٥أ] حسبما أخبرنا الله - سبحانه - عنه به في كتابه الكريم، وفي الإنجيل من القصص المتضمنة لإحياء الموتى منه، وشفاء المرض بدعائه ما يعرفه من اطلع عليه. وبالجملة فهؤلاء الغلاة الذين قالوا إنه لا يقع من الله إلا ما قد سبق به القلم، وإن ذلك لا يتحول ولا يتبدل، ولا يؤثر فيه دعاء ولا عمل صالح فقد خالفوا ما

стр. 4278

قدمنا من آيات الكتاب العزيز، ومن الأحاديث النبوية الصحيحة من غير ملجئ إلى ذلك فقد أمكن الجمع بما قدمناه، وهو متعين. وتقديم الجمع على الترجيح متفق عليه، وهو الحق. وقد قابل هؤلاء بضد قولهم القدرية، وهم معبد الجهني وأصحابه، فإنهم قالوا: إن الأمر أنف (١) أي مستأنف، وقالوا: إن الله لا يعلم بالجزئيات إلا عند وقوعها، - تعالى الله عن ذلك -، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين. وقد تبرأ من مقالة معبد هذه وأصحابه من أدركهم من الصحابة، منهم ابن عمر كما ثبت ذلك في الصحيح (٢). وقد غلط من نسب مقالتهم هذه إلى المعتزلة (٣)، فإنه لم يقل

стр. 4279

بها أحد منهم قط، وكتبهم مصرحة بهذا، ناطقة به، ولا حاجة لنا إلى نقل مقالات الرجال. فقد قدمنا من أدلة الكتاب والسنة والجمع بينهما ما يكفي المنصف ويريحه من الأبحاث الطويلة العريضة الواقعة في هذه المسألة، ومن الإلزامات التي ألزم بها بعض القائلين البعض الآخر، ودين الله - سبحانه - بين المفرط والمغالي. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق. كتبه مؤلفه محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما -[٥ب]. ... تمت ***

стр. 4280

زهرة النسرين الفائح بفضائل المعمرين تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4281

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: زهرة النسرين الفائح بفضائل المعمرين. ٢ - موضوع الرسالة: آداب. ٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم" الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد الأمين وعلى آله الطاهرين وبعد. فإنه وقع السؤال عن حديث التعمير في الإسلام. ٤ - آخر الرسالة: وكان تاريخ المجمع والتحرير في شطر الليل الأول من ليلة الاثنين المسفرة عن اليوم السادس عشر شهر القعدة الحرام سنة ١٢١٢ اثني عشرة ومائتين وألف. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٨ صفحات ما عدا صفحة العنوان. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٨ كلمة. ٩ - الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4282

زهرة النسرين، الفائح بفضائل المعمرين للمؤلف حفظه الله بعنايته. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله الطاهرين، وبعد: فإنه وقع السؤال عن حديث التعمير في الإسلام. فأجبت بما حاصلة أن هذا الحديث ورد من طرق متعددة: منها: حديث أبي هريرة أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١)، من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "إن العبد إذا بلغ أربعين سنة - وهو العمر - آمنه الله من الخصال الثلاث: من الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين سنة - وهو الدهر - خفف الله عنه الحساب، فإذا بلغ ستين سنة - فهو في إدبار من قوته -، رزقه الله الإنابة إليه فيما يحبه، فإذا بلغ سبعين سنة - وهو الحقب (٢) - أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ثمانين سنة - وهو الخرف (٣) - أثبتت حسناته، ومحيت سيئاته، فإذا بلغ تسعين سنة - وهو

стр. 4283

الفند (١) وقد ذهب عنه العقل - غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفع في أهل بيته، وسماه أهل السماء: أسير الله، وإذا بلغ مائة سنة سمي: حبيب الله (٢)، حق على الله أن لا يعذب حبيبه في الأرض". وأخرجه أيضًا ابن مردويه (٣) بإسناده من حديثه، وزاد في أوله قصة، وهي أنه قال: " بينما النبي ﵌ جالس ذات يوم في عدة من أصحابه، إذا دخل شيخ كبير متوكئ على عكازة له، فسلم على النبي ﵌ وأصحابه، فردوا ﵇، فقال النبي ﷺ :" اجلس يا حماد، فإنك على خير" قال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - بأبي وأمي يا رسول الله، قلت لحماد: " اجلس، فإنك على خير"؟! قال: نعم يا أبا الحسن، إذا بلغ العبد ... " فذكر الحديث. وقال فيه: " وإذا بلغ ستين سنة وهو الوقف إلى الستين في إقبال من قوته، وبعد الستين في إدبار من قوته". وأخرجه أيضًا أبو موسى من طريق ابن مروديه (٤). وقال: " هذا الحديث له طرق غرائب، وهذا الطريق أغربها [وفيها ألفاظ ليست في غيرها وهو كما ....................

стр. 4284

قال] (١). وأخرجه أيضًا الدارقطني في غرائب مالك (٢) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال الدارقطني: " لا يثبت هذا عن مالك". قلت: الطريقة الأولي رواها الحكيم الترمذي (٣) عن داود بن حماد القيسي، حدثنا اليقظان بن عمار بن ياسر، حدثنا بن شهاب الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. والطريقة الثانية: أخرجها أيضًا ابن مروديه (٤) عن داود بن حامد الفرافصة؛ ولعله القيسي المذكور في الطريقة الأولي، ثم ذكر الإسناد السابق. والطريقة الثالثة: أخرجها الدارقطني (٥) عن أبي الحسن علي بن محمد بن أحمد [١] المصري، حدثنا عبد السلام بن محمد بن عبد السلام الأموي، حدثنا الزبير بن أبي بكر، حدثنا مطرف بن عبد الله، حدثنا مالك عن أبي الزناد بذلك الإسناد، وقال عبد السلام (٦): هذا منكر الحديث.

стр. 4285

فالحاصل أن حديث أبي هريرة له طريقتان، إحداهما: أخرجها الحكيم الترمذي، وابن مروديه، وأبو موسى. والثانية: أخرجها الدارقطني كما تقدم (١). ومنها من حديث عثمان بن عفان من طرق: الأولي: أخرجها ابن مروديه في تفسيره (٢)، قال: حدثنا أحمد بن هشام بن حميد، حدثنا يحيى بن أبي طالب، أخبرنا مخلد بن إبراهيم الشامي، حدثنا عبد الله بن واقد عن عبد الكريم بن حرام، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا بلغ المسلم أربعين سنة عافاه الله من البلايا الثلاثة: من الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين سنة حاسبه الله حسابا يسيرا، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه، فإذا بلغ سبعين سنة أحبته الملائكة، فإذا بلغ ثمانين سنة كتبت له الحسنات، ومحيت عنه سيئاته، فإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفع في أهل بيته، وسمته الملائكة أسير الله في الأرض". الطريقة الثانية: أخرجها الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٣) قال: حدثنا عبد الله ابن أبي زياد القطواني، حدثنا سيار بن حاتم العنزي، حدثنا سلام أبو سلمة مولى أم هاني، سمعت شيخا يقول: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﵌: " قال الله جل ذكره: إذا بلغ عبدي أربعين سنة .... " فذكره. قال الحكيم الترمذي: هذا من جيد الحديث، قلت: فيه مجهول؛ فلا يكون مع ذلك جيدا.

стр. 4286

الطريقة الثالثة: أخرجها ابن مروديه (١) أيضا، قال: حدثنا أحمد بن عيسى بن محمد الخفاف، قال: حدثنا أحمد بن يونس الصبي، حدثنا محمد بن موسى الحرشي البصري، حدثنا عبد الله بن الزبير الباهلي، حدثنا خالد الحذاء عن عبد الأعلى بن عبد الله القرشي، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عثمان بن عفان ... فذكر نحوه. الطريقة الرابعة: أخرجها أبو يعلى في مسنده (٢)، والبغوي (٣)، قالا جميعا: حدثنا عبد الله بن عمر القواريري، حدثنا عزرة بن قيس الأزدي، حدثنا أبو الحسن الكوفي عن عمرو بن أوس، قال: قال محمد بن عمرو بن عثمان عن عثمان ... فذكر نحوه. قلت: لعل محمد بن عمرو بن عثمان رواه عن أبيه عن عثمان، فإذا لم يكن ما في السند من سقط القلم فهو منقطع. الطريقة الخامسة: أخرجها أبو محمد بن الأخضر [٢] في كتاب نهج الإصابة (٤) له، من رواته: الشريف أبو عبد الله بن علي العلوي قال: أخبرنا أبو الطيب محمد بن الحسن بن جعفر، أخبرنا علي بن العباس القانعي، حدثنا محمد بن موسى الحرشي بإسناد ابن مروديه السابق ... فذكره. لكن قال: عبد الله بن عامر بن عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل.

стр. 4287

ومنها من حديث أنس بن مالك من طرق، الأولى: أخرجها أحمد في مسنده (١) قال: حدثنا أنس بن عياض، حدثني يوسف بن أبي ذرة عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵌: " ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ الخمسين، لين الله عليه الحساب، فإذا بلغ الستين، رزقه الله الإنابة لما يحب، فإذا بلغ السبعين أحبه الله، وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين يقبل الله حسناته، وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في الأرض". ورواه أبو يعلى أيضًا (٢) قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا أنس بن عياض، .... فساقه بالإسناد السابق، قال: وحدثنا أبو خثيمة زهير بن حرب، حدثنا أنس بن عياض، ... فساقه كذلك. وأخرجه أيضًا ابن مروديه (٣) قال: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا أحمد بن يونس الضبي، حدثنا زهير بن حرب ... فساقه كذلك. وأخرجه أيضًا الدينوري في " المجالسة" (٤) له، قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز بن المبارك، حدثني أبي، حدثني أنس بن عياض .... فساقه كذلك. وأخرجه أيضًا الخلعي في" فوائده" (٥) قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر، حدثنا أنس بن عياض .... فساقه كذلك. ويوسف ابن أبي ذرة قال ابن ...............................

стр. 4288

حبان (١): إنه منكر الحديث جدا. وقال ابن معين: لا شيء. الطريقة الثانية: أخرجها أبو الحسن الخلعي (٢) قال: أخبرني عبد الرحمن بن عمر إملاء، أخبرنا بكر عبد الرحمن الخلال، حدثنا محمد بن علي بن زيد الصانع، حدثنا إبراهيم بن عمرو بن عثمان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵌ فذكر نحوه. والطريقة الثالثة: أخرجها ابن مردويه في تفسيره (٣): حدثنا الحسن بن محمد بن إسحاق السوسي، ومحمد بن أحمد بن إسحاق العسكري قالا: حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب، حدثنا إبراهيم بن المنذر ... فساقه بالإسناد الأول. الطريقة الرابعة: أخرجها أبو يعلى الموصلي في مسنده الكبير (٤) قال: حدثنا يحيى بن أيوب، حدثنا يحيي بن سليم، حدثني رجلان من أهل العلم، من أهل حران، - وكانا عندي ثقة -[٣] عن زفر بن محمد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أنس فذكره بنحوه. الطريقة الخامسة: أخرجها أبو يعلى (٥) أيضًا المدني (٦) عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أنس بمثله. قلت: هكذا رواه هؤلاء عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أنس، وأدخل غيرهم بين محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وبين أنس رجلا. فأخرجه أحمد في .....................................

стр. 4289

مسنده (١) عن أبي النضر هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج بن فضالة، حدثنا محمد بن عامر، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عمرو بن جعفر، عن أنس .... فذكره موقوفا، وهذه هي الطريقة السادسة. ورواه غيره عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعن جعفر بن عمرو، وهذا هو الصواب، وإنما وقع الوهم من فرج بن فضالة فقال: عمرو بن جعفر. الطريقة السابعة: أخرجها ابن مردويه قال في تفسيره (٢): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الموال، حدثني محمد بن موسى بن أبي عبد الله، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أنس فذكر نحوه مرفوعا. الطريقة الثامنة: أخرجها أبو يعلى أيضًا في المسند (٣) له قال: حدثنا أبو عبيده بن

стр. 4290

فضيل بن عياض، حدثنا عبد الملك الجدي، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الموال ... فساقه به. الطريقة السابعة: أخرجها أيضًا أبو الطاهر الحسن بن فيل في "جزئه" (١) المشهور، قال: حدثنا عمرو بن هشام، أخبرنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي، أخبرنا بن أبي الموال ... فساقه به. الطريقة العاشرة: أخرجها البيهقي في كتاب الزهد (٢) له، قال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وغيره، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن محمد بن رمح بن المهاجر، حدثنا ابن وهب عن جعفر بن ميسرة، عن زيد ابن أسلم، عن أنس؛ وهذا الإسناد رجاله ثقات. وقد تكلم النسائي في بكر بن سهل، ولكنه قد توبع، فأخرجه إسماعيل بن الفضل الإخشيد في "فوائده" (٣) قال: حدثنا أبو طاهر بن عبد الرحيم (٤)، حدثنا أبو بكر المقرئ، حدثنا أبو عروبة الحراني، حدثنا مخلد بن مالك، حدثنا حفص بن ميسرة ... فذكره. وهذه هي الطريقة الحادية عشرة. الطريقة الثانية عشرة: أخرجها الحافظ السلفي (٥) قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الطريثيثي، حدثنا فضل الله الميهني، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي، حدثنا يحيى بن صاعد، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا مسروق بن المرزبان الكندي حدثنا خالد بن يزيد بن الزيات عن داود بن سليمان عن عبد الله [٤] بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم الأنصاري، عن أنس بن مالك .... فذكر نحوه.

стр. 4291

الطريقة الثالثة عشرة: أخرجها أيضًا السلفي (١)، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا خالد بن يزيد ... فساقه به. الطريقة الرابعة عشرة: أخرجها ابن مردويه في تفسيره (٢) أيضا، قال: حدثنا عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن، حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا خالد الزيات .... فساقه به. الطريقة الخامسة عشرة: أخرجها أيضًا ابن مردويه (٣)، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا علي بن الحسن، حدثنا خالد الزيات .... فساقه به. الطريقة السادسة عشرة: أخرجها الحكيم الترمذي (٤)، قال: حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا خالد الزيات ... فساقه به. الطريقة السابعة عشرة: أخرجها أبو يعلى الموصلي أيضًا في مسنده (٥)، قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا خالد الزيات ... فساقه به. قلت: وخالد الزيات مجهول، وداود بن سليمان أيضًا مجهول (٦). الطريقة الثامنة عشرة: أخرجها ابن قتيبة في غريب الحديث (٧) له، قال: حدثنا أبو

стр. 4292

سفيان الغنوي، حدثنا معقل بن مالك عن عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن أنس، عن النبي ﵌ قال: "إذا بلغ العبد ثمانين سنة؛ فإنه أسير الله في الأرض، تكتب له الحسنات، وتمحى عنه السيئات " هكذا رواه مختصرا. وقد رواه أبو الشيخ الأصبهاني (١) عن عبد الرحمن المذكور من وجه آخر، وهو مجهول. الطريقة التاسعة عشرة: أخرجها أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج (٢)، قال: حدثنا ثابت بن سعد بن ثابت الأملوكي عن أبيه، عن عمه عبادة بن رافع الأملوكي، عن أنس، فذكر الحديث مطولا. الطريقة المكلمة العشرين: أخرجها البزار في مسنده (٣)، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا عبد الله بن عبد الملك أبو شيبة، حدثنا أبو قتادة، حدثنا ابن أخي الزهري عن عمه، عن أنس، قال: قال رسول الله ﵌ ... فذكره. قال البزار: " لا نعلم رواة عن ابن أخي الزهري إلا أبا قتادة ". قال البزار: كان يغلط. وقال ابن معين: ضعيف، وقال البخاري: تركوه، واسمه عبد الله بن واقد الحراني (٤).

стр. 4293

الطريقة الحادية والعشرون: أخرجها أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١)، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا أحمد بن عمرو بن صبيح، حدثنا الحجاج بن يوسف ابن قتيبة (٢)، حدثنا الصباح بن عاصم الأصبهاني (٣) عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﵌ .... فذكره بطوله، والصباح مجهول، وسائر رواته ثقات. الطريقة الثانية والعشرون [٥]: أخرجها ابن منيع في مسنده (٤)، قال: حدثنا عباد بن عباد المهلبي؛ حدثنا عبد الواحد بن راشد عن أنس ... فذكره، وهذه الطريقة أوردها ابن الجوزي في الموضوعات (٥)، معللا للحديث بعباد المذكور، ورد ذلك الحافظ ابن حجر (٦) فيما علقه على موضوعات ابن الجوزي، وقال: ثقة جليل، من رجال

стр. 4294

الصحيح. وأما شيخه عبد الواحد بن راشد فقال ابن حجر (١): لم أر للمتقدمين فيه جرحا ولا تعديلا. وقد ذكره الذهبي في الميزان (٢) بهذا الحديث. وأخرجه العراقي (٣) في مشيخة ابن البخاري (٤) بإسناده المتصل بأحمد بن منيع المذكور، وقال: إن هذا الحديث روي من طرق؛ هذا أمثلها (٥). ومنها حديث شداد بن أوس، أخرجه ابن حبان في كتاب الضعفاء (٦) له من طريق زيد بن الحباب عن عيسى، عن لاحق بن النعمان، عن علي بن الجهم، عن عبد الله بن شداد بن أوس، عن أبيه ... فذكر نحو حديث عثمان المتقدم. قال ابن حبان: " لا أعرف علي بن الجهم هذا من هو". وليس هو علي بن الجهم (٧) الشاعر المشهور؛ فهو متأخر عن المذكور في أيام المتوكل العباسي، وقد جزم ابن حجر بأن المذكور في الإسناد مجهول.

стр. 4295

ومنها حديث عبد الله بن أبي بكر الصديق، وله طرق. الأولى: أخرجها البغوي في " معجم الصحابة" (١)، قال: حدثنا أحمد بن محمد القاضي، قال: حدثنا عثمان بن الهيثم، حدثنا الهيثم بن الأشعث عن الهيثم أبي محمد السلمي، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله ﵌: " إذا بلغ المرء المسلم أربعين سنة صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين خفف الله عنه ذنوبه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة إليه، فإذا بلغ سبعين أحبته ملائكة السماء، فإذا بلغ ثمانين سنة أثبتت حسناته، ومحيت سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في الأرض، وشفع لأهل بيته " (٢). الطريقة الثانية: أخرجها ابن قانع في "معجم الصحابة" (٣) له، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا عثمان بن الهيثم المؤذن، حدثنا الهيثم بن الأشعث، حدثنا محمد بن الهيثم السلمي عن محمد بن عمار البصري، عن الجهم بن أبي الجهم جهيمة السلمي، عن

стр. 4296

ابن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن أبي بكر ... فذكره. وقد وافق البغوي في إسناده ابن مردوية في تفسيره (١)، فقال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس؛ حدثنا أحمد بن يونس الصبي، حدثنا عثمان بن الهيثم ... فذكر إسناد البغوي، وهذه هي الطريق الرابعة. وأخرجه أيضًا الحافظ أبو محمد الأخضر [٦] في كتاب "نهج الإصابة" (٢) من طريق أبي بكر الشافعي: حدثنا محمد بن غالب، حدثني عثمان بن الهيثم ... فذكره مثل سياق البغوي، وهذه هي الطريقة الخامسة. وفي هؤلاء الرواة لحديث عبد الله بن أبي بكر من لا يعرف حالة، وفيه أيضًا انقطاع، لأن عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدرك عبد الله بن أبي بكر الصديق؛ فإنه مات الثاني قبل مولد الأول. الطريقة السادسة: أخرجها أبو شجاع سعدون بن محمد بن عبد الله في جزء (٣) له، قال: حدثنا أحمد بن خلاد، حدثنا الهيثم بن عثمان الواسطي، حدثني تميم بن الهيثم عن رجل، عن ابن أبي جحيفة، عن أبي ميمونة السلمي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن أبي بكر الصديق ... فذكره، وفي إسناده مجاهيل. قال الدارقطني (٤): فأما عبد الله بن أبي بكر الصديق فأسند عنه حديث في إسناده نظر، يرويه عثمان بن الهيثم عن رجال ضعفاء. ومنها حديث ابن عباس أخرجه الحاكم في "تاريخ نيسابور" (٥). قال: حدثنا أبو

стр. 4297

بكر محمد بن أحمد بن عبدوس، حدثنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد، حدثنا أبو حنيفة محمد بن عمرو، حدثنا أبي عن الحكم بن عبده، عن خالد الحذاء، وعن أبي قلابة، عن ابن عباس، قال، قال رسول الله ﵌: " إذا بلغ العبد أربعين سنة عافاه الله تعالى من أنواع البلاء: من الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين رزقه الله الإنابة إليه، فإذا بلغ الستين حببه الله إلى أهل سمائه وأهل أرضه، فإذا بلغ السبعين سنة استحى الله منه أن يعذبه، فإذا بلغ تسعين كان أسير الله في أرضه، ولم يخط عليه القلم بحرف". ومنها حديث ابن عمر، فأخرجه [أحمد (١) من طريق] (٢) الفرج بن فضالة قال: حدثني محمد بن عبد الله العزرمي عن محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ... فذكر مثل حديث أنس المتقدم. وقد قيل: إنه تخليط من الفرح بن فضالة، وأنه الصواب عن أنس كما تقدم. ومنها عن عائشة أخرجه ابن حبان في"الضعفاء" (٣) من طريق عائذ بن نسير عن عطاء، عن عائشة، عنه ﵌، قال: " من بلغ الثمانين من هذه الأمة لم يعرض، ولم يحاسب". فحصل من مجموع ما تقدم أن هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا؛ فتكون من قسم الحسن لغيره (٤)؛ لأنها مروية من طريق ثمانية من الصحابة، بل لو قيل: إن حديث أنس

стр. 4298

بمجرده من غير نظر إلى بقية الأحاديث لا يقصر عن قسم الحسن لغيره، لكثرة طرقه كما سمعت، لم يكن ذلك بعيدا من الصواب، بل يمكن أن يقال: إن في تلك الطرق المختصة بحديث أنس ما هو من قسم الحسن [٧] لذاته، كما يعرف ذلك من له معرفة بالفن. وقد تقرر عند أئمة الفن أن الحسن بقسيمه لاحق بالصحيح في قيام الحجة به، ووجوب العمل بمضمونه، ولم يخالف في ذلك إلا البخاري، وابن العربي، على أن خلافهما إنما هو بناء على اصطلاح لهما في معنى الحديث الحسن، يخالف ما قاله الجمهور. وعلى ذلك فالأخذ بالحسن لذاته ولغيره مجمع عليه. وقد اختلف علماء الاصطلاح في تحقيق الحسن، فمنهم من قال ما هو أشهر رجاله، وعرف مخرجه كما قاله الترمذي، وتبعه غيره، وهذا يصلح تعريفا للحسن لغيره. وأما الحسن لذاته فحده حد الصحيح إلا في مقدار الضبط، فإنه يعتبر في الصحيح أن يكون كل واحد من رواته تام الضبط، ولا يشترط في الحسن لذاته ذلك، بل يكفي

стр. 4299

كونه متصفا بصفة الضبط من غير اعتبار القيد الزائد، وهو التمام. ولهذا قال جماعة من علماء الاصطلاح في تعريف الصحيح: إنه ما اتصل إسناده بنقل عدل، تام الضبط، من غير شذوذ، ولا علة قادحة. وقالوا: فإن حق الضبط فالحسن لذاته. ومن جملة المصرحين بتمام الضبط في حد الصحيح الحافظ ابن حجر في النخبة (١). وأما ابن الصلاح (٢)، وزين الدين (٣) فقالا: ما اتصل إسناده بنقل عدل ضابط عن مثله، من غير شذوذ، ولا علة قادحة. اللهم اجعلنا من المعمرين في طاعتك، العامرين بأعمارهم بيوت عباداتك، يا عامر القلوب بتقواك، ومثبتها على هداك، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. انتهى من تحرير جامعه، جمع الله له بين خيري الدارين القاضي [المدره] (٤) عز الدين والمسلمين محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما، وتجاوز عنهما، وسامحهما في الدنيا والآخرة، بحق محمد وآله الأمين، وآله الطاهرين. وكان تاريخ الجمع والتحرير في شطر الليل الأول من ليلة الاثنين المسفرة عن اليوم السادس عشر شهر القعدة الحرام سنة ١٢١٢ اثني عشرة ومائتين وألف هـ.

стр. 4300

بحث في جواب سؤال عن الصبر والحلم هل هما متلازمان أم لا ؟ تأليف محمد بن علي الشوكاني حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن

стр. 4301

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في جواب سؤال عن الصبر والحلم هل هما متلازمان أم لا. ٢ - موضوع الرسالة: آداب. ٣ - أول الرسالة: الحمد لله وبعد: فهذا الجواب من العلامة المحقق محمد بن علي الشوكاني كثر الله إفادته لما سألته هل الصبر والحلم متلازمان؟ ٤ - آخر الرسالة: حرره كاتبة محمد بن علي الشوكاني غفر الله له ولوالديهما ووالدينا والمؤمنين أجمعين آمين آمين. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الصفحات: ٤ صفحات. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٨ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات. ٩ - الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4302

الحمد لله وبعد: فهذا الجواب من العلامة المحقق محمد بن علي الشوكاني - كثر الله إفادته - لما سألته: هل الصبر والحلم متلازمان؟ وأيهما أفضل؟ فقال: الجواب - بمعونة الوهاب - أن معنى الصبر لغة نقيض الجزع (١)، وقال الشريف في التعريفات (٢): الصبر هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله إلا إلى الله تعالى، لأن الله أثنى على أيوب بالصبر بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ (٣) مع دعائه في دفع الضر عنه بقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٤) فعلمنا أن العبد إذا دعى الله في كشف الضر عنه لا يقدح في صبره، لئلا يكون كالمقاومة مع الله، ودعوى التحمل لمشاقه، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٥) فإن الرضى بالقضاء لا يقدح فيه الشكوى إلى .............

стр. 4303

الله (١)، ولا إلى غيره، وإنما يقدح في الرضى بالمقتضي ونحو ما خوطبنا بالرضى بالمقضي

стр. 4304

والصبر هو المقضي به إلى آخر كلامه (١). وأما الحلم فهو الأناة والعقل عند أهل اللغة (٢)، وقال الشريف في التعريفات (٣) هو الطمأنينة عند سورة الغضب. وقيل: تأخير مكافأة الظالم انتهى. وأما الصبور (٤) الذي هو من أسماء الله (٥) فقد قال في ...................

стр. 4305

القاموس (١) والنهاية (٢): هو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام، قال في النهاية (٣) وهو من أبنية المبالغة، ومعناه قريب من معنى الحليم، والفرق بينهما أن المذنب لا يأمن العقوبة كما لا يأمنها في صفة الحليم. وفيه: " لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله (٤) أي أشد حلما من فاعل ذلك، وترك العقوبة. انتهى. والحاصل أن الصبر والحلم باعتبار المعنى اللغوي يمكن أن يقال أن بينهما عموما وخصوصا من وجه، لأن الصبر الذي هو ترك الجزع قد يكون اختيارا وقد يكون اضطرارا، فإن الصبر الاضطراري (٥) صبر عند أهل اللغة، لأن صاحبه قد ترك الجزع.

стр. 4306

وقد شاع ذلك في لسان أهل اللغة وذاع. قال الشاعر: ليس لمن له حيلة ... موجود أولى من الصبر وقال آخر: أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب ... فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب هناك بحق الصبر والصبر واجب ... وما كان منه للضرورة أوجب وهكذا يطلق الصبر على من صبر عند سورة الغضب (١)، وعلى من صبر لنزول ما

стр. 4307

يوجب الحزن والجزع، ويطلق الصبر أيضًا على من صبر أناة وسكوتا، وعلى من صبر وهو على غير هذه الصفة. والحلم يقال على من سكن عند سورة، وتلقاها بالسكون والطمأنينة والأناة [١أ]، ويطلق أيضًا على من كان متأنيا في أموره غير مستعجل، وإن لم يكن هناك ما يقتضي الجزع والغضب، ولهذا قال ﵌ للرجل الذي وفد مع قومه على رسول الله، فلما رأوا رسول الله أقبلوا إليه مسرعين، وتأخر الرجل حتى لبس حلته ثم أقبل في سكون وتؤده، فقال رسول الله: " إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة" (١) أو كما قال: والقصة مشهورة (٢).

стр. 4308

ويطلق الحلم أيضًا على ترك الطيش، وتجنب أسباب الحمق على اختلاف أنواعها، وإن لم يكن هناك سبب من الأسباب المقتضية للجزع، فمادة اجتماع الصبر والحلم هي حيث يكون سبب من أسباب الجزع، فيتلقاه الإنسان بالصبر اختيارا، ويكون ذلك على هيئة فيها سكون وأناة وطمأنينة، فإنه يقال لهذا صابر حليم (١).

стр. 4309

ومادة افتراق الصبر هي فيما عدا هذه الصورة من صور الصبر التي قدمنا بها، ومادة افتراق الحلم هي أيضًا فيما عدا هذه الصورة من صور الحلم التي قدمنا بها، ولا ينافى هذا التقرير ما قدمنا عن أهل اللغة في تفسير صبور الذي هو من أسماء الله - سبحانه -، فإن الموجب لتخصيصه بذلك المعنى الخاص هو عدم جواز إطلاقه على الله - سبحانه - بمعنى يخالف هذا المعنى. فإن قلت: إذا كانت النسبة بين الصبر والحلم هي العموم والخصوص من وجه، فهل تصح هذه النسبة بينهما على ما نقله صاحب التعريفات في كلامه السابق من أن الصبر ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله، والحلم الطمأنينة عند سورة الغضب (١)؟ قلت: النسبة التي ذكرناها هي باعتبار المفهوم اللغوي المنقول في كتب اللغة، وكلام التعريفات لا يبعد أن يمكن فيه مثل هذه النسبة، فإن ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله قد يكون الترك مع وجود سبب في البلوى يوجب الغضب، فيكون حلما، وقد يكون مع وجود سبب للشكوى لا يوجب الغضب كالمرض ونحوه فلا يكون حلما، وقد يكون الحلم عند الغضب بترك الشكوى إلى الغير مع وجود سبب يقتضي الجزع، فيكون ذلك صبرا. وقد يكون الحلم بحصول الطمأنينة عند سورة الغضب مع حصول الشكوى على الغير فلا يكون ذلك صبرا، فكان بينهما من هذه الحيثية عموم وخصوص من وجه، فقد كانت هذه النسبة [١ب] بين المعنيين الاصطلاحيين كما كانت بين المعنيين اللغويين (٢). فإن قلت: فما النسبة بين معنى الصبر عند أهل اللغة، وبين معناه على كلام صاحب التعريفات؟ قلت: العموم والخصوص المطلق، فإن الصبر عند أهل اللغة بترك الجزع، سواء كان

стр. 4310

ذلك بترك الشكوى عند ألم البلوى لغير الله أو بترك نوع من أنواع الجزع غير ذلك. فإن قلت: فما النسبة بين معنى الحلم عند أهل اللغة، وبين معناه على كلام صاحب التعريفات؟ قلت: العموم والخصوص المطلق أيضا، فإن الحلم وهو الأناة والعقل قد يكون عند سورة الغضب، وقد يكون عند غيرها، فإن كان المفهوم الذي ذكره صاحب التعريفات للحلم والصبر هو باعتبار الاصطلاح فلا مشاحة فيه، وإن كان باعتبار اللغة فهو غير صحيح ولا مقبول. إذا تقرر هذا فالصور التي يقال لها صبر (١)، ويقال لها حلم لا سؤال عنها، لأنها تتناولها أدلة الثناء على الصبر، وأدلة الثناء على الحلم، كما يصدق عليها أنها حلم، ويصدق عليها أنها صبر. وأما الصور التي هي صبر وليست بحلم، والصور التي هي حلم وليست بصبر فكلها خصال فاضلة قد ورد الثناء عليها وعلى صاحبها في الكتاب (٢) والسنة (٣). وورد الترغيب فيها، وكثرة الثواب لفاعلها. لكن الأدلة الواردة في الترغيب في الصبر أكثر، لا سيما في الكتاب العزيز، فإن الآيات في ذلك كثيرة جدا لو لم يكن منها إلا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤) فإنه لم يرد في جزاء الحلم وأجره ما يدل
следующие страницы →