ودارتْ عليه الخيلُ [طوقين] (١) والظُّبا ... وحامتْ عليه الطيرُ ثم تدلَّتِ
فصكَّتْ جبينا كالهِلال إذا بدا ... وقالتْ لك الويلات ثم توَّلتِ
[والذي] (٢) ينبغي أن يسميّ المقابلة بما يستلزم المفاضلة:
[لو كنتُ من مازنٍ لم تستبحْ إبلي ... بنو اللَّقيطةِ من ذُهْلِ بن شيبانا
قومٌ إذا الشر أبد ناجذيه لهم ... طاروا إليه جماعاتٍ ووحْدانا
يَجزون من ظلم أهل الظلمِ مغفرةً ... ومن إساءة أهلِ السوء إحسانا
إذًا لقامَ بنصري معشرٌ خُشُنٌ ... عند الكريهةِ إن ذلوا ببرهان
لكنَّ قومي وإن كانوا ذوي عددٍ ... ليسوا من الشرِّ في شيء وإن هانا
كأنَّ ربَّك لم يخلقْ لخشيته ... سواهُم من جميع الخلقِ إنسانا [١ب] (٣).
[والذي] (٤) ينبغي أن يسمّى الكلامَ المادح مع التفاوت القادح:
كنّا الأَيْمنينِ إذا التقينا ... وكان الأيسرَين بنو أبينا
فأبوا بالنِّهاب بالسَّبايا ... وأُبْنَا بالملوك مُصفَّدينا (٥)
[والذي] ينبغي أن يسمّى الأزْرى بمن ارتكب بما هو بالإثم أحرْى.
стр. 4867
سقوني وقالوا لا تُغنِّ ولو تسقى ... جبالُ حُنين ما سَقوني لغنّتِ
معتّقةً كانت قريشٌ [تعافُها] (١) ... فلما استحلُّوا قتلَ عثمانَ حلّتِ
[والذي] (٢) ينبغي أن يسمّى استدراك ما فرَطَ بما يُنبَّه على الغَلَط:
رمتْني على عمَدٍ بثينةُ بعدما ... تولَّى شبابي وارجَحَنّ شبابُها
ولكنما تَرْمَيْنَ نفسًا مريضة ... لعزة منها صفْوُها ولُبابُها
[والذي] (٣) ينبغي أن يسمّى الإرشاد إلى ترك الشرّ بالتخويف بما يتعقَّبُه من الضَرّ.
لا تهتِكَنْ من مساوي الناس ما ستَروا ... فيهتِكَ الناسُ سِترًا من مساويكا
واذكر محاسنَ ما فيهم إذا ذُكِروا ... ولا تعِبْ أحدًا منهم بما فيكا
[٣] [والذي] (٤) ينبغي أن يسمَّى الإرشاد إلى تيسُّر الانقياد:
هو السَّيلُ إنْ واجَهْتَه انقدْتَ طَوْعَهُ ... ويقْتادُه من جانبيه فيتْبَعُ
ومثلُه:
هو السيفُ إنْ لاينْتَه لان لمسُه ... وحَّداه إنْ خاشَنْتَه خَشِنانِ
[والذي] (٥) ينبغي أن يسمي التهديد بالمعنى القريب والبعيد:
وعلى عدوك يا بن بنت محمدٍ ... رصد إن ظنّوا الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلَّتْ عليه سيوفَك الأحلامُ
[والذي] (٦) ينبغي أن يسمى التآلفُ على التكافف:
بنفسيَ مَن لو مرَّ بَرْدُ بنانِه ... على كبدي كانت شفاءً أناملُهْ
ومن هابني في كل شيء وهبْتُه ... فلا هوَ يعطيني ولا أنا سائلُهْ
[والذي] (٧) ينبغي أن يسمّى تنزيلَ الإشارة بمنزلة العبارة:
[له لحظات من خفايا سريره ... أُذاكِرُها فيها عِقابٌ ونائلٌ
стр. 4868
فأمَّا الذي أمَّنتُ أمَنَ الرَّدى ... وأما الذي أوعدْتُ بالثكل ثاكل
كريمٌ له وجهان: وجْهٌ لدى الرضا ... أسِيلٌ ووجهٌ في الكريهة باسلُ
وليس بمعطي العفْو عن غير قدرةٍ ... ويعفو إذا أمْكنَتْه المقاتِلُ [٢أ] (١)
[والذي] (٢) ينبغي أن يسمّى الامتحان لمحاسن الإنسان:
تُقلِّبُُهُ لِنخْبَرَ حالتيه ... فتَخْبَرَ منهما كَرمًا وطِيبًا
نميلُ على جوانبه كأنّا ... إذا ملنا نميل على أبينا
[والذي] (٣) أن يسمى الاستدلالَ على الكرم بالقُرب في الغنى والبعد في العدم
أسَدٌ ضارٍ إذا هِجْتَه ... وأبٌ برٌّ إذا ما قدرَا
يعرِف الأبعدَ إن أثرى ولا ... يعرِف الأقربَ إمَّا افتقرا
[والذي] (٤) ينبغي أن يسمى ربْطَ الاستحسان بما يُفيد الاطمئنان:
إذا بلغ الرأيُ المشورةَ فاستعنْ ... برأي نصيحِ أو نصيحةِ حازمِ
ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً ... فإن الخوافي قوّةٌ للقوادم
[والذي] (٥) ينبغي أن يسمّى دفعَ الضَّعف ببعض العُنفُ:
تراهم يغمزون من اشتركوا ... ويجتبون من صدَق المصاعا
ومثلُه [قول القائل] (٦):
لا يسْلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى ... حتى يُراقَ على جوانبه الدمُ
стр. 4869
ومثلهُ أيضًا:
وإنما الناسُ لا تصفو مودّتُهم ... حتّى تُذيقَهُم كاسًا من الألمِ
ومثلُه أيضًا:
مَن ظلم الناسَ تحامَوا ظُلمَه ... وعز فيهم جانباه وأحظا (١)
ومثلُه أيضًا:
ومَن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدَّم ومن لا يظلم الناسَ يُظلمِ (٢)
ومثلُه أيضًا:
وفي الشر نجاة حين لا يُنجيك إحسانُ ... وبعضُ الحِلْمِ عند الجهلِ للذّلَة إذعانُ (٣)
[والذي] (٤) ينبغي أن يُسمّى التحذير بما يستلزم التكثير:
ولا تُفشِ سِرَّكَ إلاَّ إليكَ ... فإن لكل نصيح نصيحًا
فإني رأتي غواة الرجال ... لا يتركون إذْ نما صحيحًا
ومثله أيضًا:
إذا ضاق صدر المرئ عن سر نفسه ... فسر الذي مستودع السر أضيق
[والذي] (٥) ينبغي أن يسمّي المنذِرَ من المبادئ الحسن مع العواقب الخشنِة:
الحربُ أولَ ما يكون فتيّةٌ ... تسْعى لريبتها لكل جَهولِ
سمطًا حوَتْ رأسها وسكرت ... مكروهةٌ للشمّ والتقبيل
حتى إذا حمَلَتْ وشبّ ضِرامُها ... عادت عجوزًا غير ذات خليل
стр. 4870
[والذي] (١) ينبغي أن يسمّي المكافة للآفة بالآفة:
ولا أتمنى الشر [لو كان] (٢) تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب (٣)
[والذي] (٤) ينبغي أن يسمّي التصير لنيل الشرف الكبير:
أبت لي همتي وأبى إبائي ... وأخذ المجدَ بالثمن الربيحِ
وقولي كلما جشأت وجاشت ... ويدَك تُحْمدي أو تستريحي
وإقدامي على المكروه نفسي ... وضَرْبي هامةَ البطلَ المُشيحِ (٥)
فإما رُحتُ بالشرف المعلى ... وإمّا رُحتُ بالموتُ المريح [٢ب]
ومثلُه [يعني التصبير] (٦) قولُ الآخر:
أقول لها وقد طارتْ شعاعًا ... من الأبطال وَيْحكِ لا تُراعي
فإنَّك لو سألتِ بقاءَ يومٍ ... على الأجل الذي لك لم تُطاعي
ومثلُه أيضًا:
فتًى مات بين الطعنِ والضربِ ميتةً ... تقوم مقامَ النصرِ إنْ فُقِد النصرُ
فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رِجْلَه ... وقال لها من تحت أخْمصِكِ الحشرُ
تردى ثياب الموتِ حُمرًا فما أتى ... لها الليلُ إلاَّ وهي من سندسٍ خُضْرُ
ومثلُه أيضًا:
لا بدّ أن أركَبَها صَعْبةً ... وقاحةً تحت عَلامٍ وَقاحْ
أُجهِدُها أن تنثني بالرَّدى ... دون الذي أمَّلتُ أو بالنّجاحْ
стр. 4871
إما فتًى نال المُنى فاشتقى ... أو بطلٌ ذاق الرَّدى فاستراحْ
[والذي] (١) ينبغي أن يسمّى تنزيهَ الحبيب عن التشريك للجَنيب:
وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها ... سواها وما طهرَّتَها بالمدامعِ
وتلتذّ منها بالحديث وقد جرى ... حديثُ سِواها في خروت المسامعِ
أجَلَّكِ يا ليلى عن العين أنما ... أراكِ بقلبٍ خاشعٍ لك خاضع
ومثلُ ذلك:
إذا كان هذا الدمعُ يجري صبابةً ... على غير ليلى فهو دمْعٌ مُضيَّعٌ
[والذي] (٢) ينبغي أن يسمّى تحذير الرفيع عن عداوة الوضيع:
بلاءٌ ليس يُشْبِهُه بلاءُ ... عداوةُ غير ذي حسَبٍ ودينِ
يُبيحُك منه عرضًا لم يصُنْه ... [ويُوقِعُ] (٣) منك في عِرْض مَصونِ
[والذي] (٤) ينبغي أن يسمّى الترغيبَ في البداية ببيان حالِ النهاية:
لا تبْخَلَنَّ بدُنيا وهي مقبلةٌ ... فليس ينقُصُها التبذيرُ والسَّرَفُ
فإن تولَّيتْ [فأجْري أن [عود بها] (٥)] (٦) ... فالحمدُ منها إذا ما أدبَرَتْ خَلَقُ
[٦] [[والذي] (٧) ينبغي أن يسمى التنفير بذكر النظير:
لا تُضعْ من عظيم قدْرٍ وإن كنـ ... ـت مُشارًا إليه بالتعظيمِ
ولعُ الخمرِ بالعقول وفي الخمر ... يتخذها وبالتحريم (٨)] (٩)
والذي ينبغي أن يسمّى تحمُّلَ الثقيل لنيل الثناء الجزيل:
стр. 4872
إذا المرءُ لم يدْنَسْ من اللؤُم عرِضُه ... فكلُّ رداءٍ يرتديه جميلُ
إذا المرء أعيتْه السيادةُ ناشئًا ... فمطلَبُها كهلاً عليه شديد
وإن هو لم يحمِلْ على النفس ضيمَها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل [٣أ] (١)
[والذي] (٢) ينبغي أن يسمى شهادةَ الجماد لمن كان من الأجواد:
يا أكرمَ الناسِ من عُجْمٍ ومن عرَبٍ ... بعد الخليقةِ يا ضِرغامَةَ العربِ
أفنيتَ مالكَ تُعطيه وتنهبُه ... يا آفة الفَضّةِ البيضاء والذهَبِ
إن السِّنانَ وحدَّ السيفِ لو نطقا ... لأخبرا عنك في الهيجاء بالعجب
[والذي] (٣) ينبغي أن يسمّى تجويدَ الحِلية للظَّفر بالعَطايا الجليلة:
وامرأةٍ بالبخل قلنا لها اقصِري ... فليس إلى ما تأمُرين سبيلُ
فِعالي فِعالُ المُكْثرين تجمُّلاً ... ومالي كما قد تعلمينَ قليل
وكيف أخافُ الفقْرَ أو أُحرَمُ الغنى ... ورأيُ أميرِ المؤمنين جميلُ
ومثلُه قولُ الآخر:
إليك عني فقد كلَّفتني شطَطًا ... حَمْلَ السلاحِ وقولَ الدّراعين قِفِ
أمِنْ رجال المنايا خلْتَني رجلاً ... أو أن قلبي في جَنْبيْ أبي دُلَفِ
[والذي] (٤) ينبغي أن يسمّى الهجْوَ المَهين بمدح القَرين:
لشتّان ما بين البزيدين في الندا ... بزيد سُليمٍ والأغرّ ابن حاتمِ
فَهَمُّ الفتى الأزْديّ إنفاقُ مالِه ... وهمُّ الفتى القيسيِّ جمعُ الدراهم
فلا يحسَبِ التَّمتامُ أني هجَوْتُه ... ولكنَّني فضَّلْتُ أهلَ المكارم
стр. 4873
يُعَدّ الناسبون إلى تميمٍ ... بيوتَ المجدِ أربعَةَ كِبارا
يَعُدّون وآل سعدٍ وعمرًا ... وعَمرًا ثم حنظلةَ الخيارا
ويذهبُ بينهما المُريُّ لغْوًا ... [كما ألغيتَ في الديَّة] (١) الحُوارا
ومن هذا قول الآخر:
بين [الغربونين] (٢) بون في فعالهما ... هذا يُعطي وهذا يأخذ الصَّدَقهْ
[والذي] (٣) ينبغي أن يسمَّى تحبيب ما به الإيجاع لما فيه من الارتفاع:
لو كان يقْعُد فوق النجمِ من شرَفٍ ... قومٌ بأولهم أو مجْدِهم قعَدوا
مُحَسَّدون على ما كان من نِعَمٍ ... لا ينزعْ اللهُ عنهم ما به حُسِدوا
[٧] ومن هذا:
يجود بالنفس أن ضنَّ الجبان بها ... والجودُ بالنفس أقصى غاية الجودِ
ومنه:
لولا المشقةُ ساد الناسُ كلُّهُمُ ... الجودُ [يفقر] (٤) والإقدامُ قتَّالُ
[والذي ينبغي] (٥) تنشيط المقصودِ إليه بأنه لا كريمَ إلاَّ مَن يدُلّ عليه:
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجدْ ... أحدًا سواكَ للمكارم ينُسبُ
وإكرامًا ما ندري إذا ما فاتنا ... طلبٌ إليك من الذي نتطلّبُ
فاصبِرْ لعادتك التي عوَّدْتَنا ... أوْلاً فأرشدنا إلى من نتقرَّبُ [٣ب] (٦)
стр. 4874
[والذي] (١) ينبغي أن يسمَّى المدح بجميع الأوصاف التي يتنافس فيها الأشراف:
هم القوم إن قالوا أصابوا وإنْ دُعُوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأنزلوا
وما يستطيع الفاعلون فِعالَهم ... وإن أحسنوا في الثنيات وأجملوا
[والذي] (٢) ينبغي أن يسمَّى القول الفصْل المبنيّ عن الثناء الجزْل:
عجبتُ لحرّاقهَ بنِ الحسيـ ... ـن كيف تسير ولا تغْرَقُ
وبحرانِ: من تحتها واحدٌ ... وآخَرُ من فوقها مُطْبِقُ
وأعجَبُ من ذاك عيدانُها ... وقد مسّها الكفُ لا تورق
[والذي] (٣) ينبغي أن يسمَّى حسن الاعتذار مع تعظيمِ المقْدار:
أتاني أبيتَ اللعْنَ أنك لمتني ... وتلك التي تصطك منها المسامعُ
فبتُ كأني ساوَرَتني ضئيلةٌ ... من الرُّقش في أنيابها السمُّ ناقِعُ
أكلَّفْتَه ذنبَ امرئٍ وتركْتَه ... كذا الغِرُّ يكْوي غيرَه وهو راتِعُ
فإنك كالليل الذي هو مدْركي ... وإن خلْتُ أن المنتأى عنك واسعُ
ومثل هذا [قوله] (٤) وقد سمّاه بعضُ أهلِ البيان باسم آخرَ ولا تزاحم بين المُقتضيات:
[ولست بمستبقٍ أخًا لا تلمُّهُ ... على شعثٍ أي الرِّجالِ المهذّبُ؟
فإن أكُ مظلومًا فعبدٌ ظلمته ... وإن تك ذا عُتبي فمثلك يُعْتِبُ
حَلَفْتُ فلم تتركْ لنفسكِ ريبةً ... وليس وراء اللهِ للمرء مذهَبُ
لئن كنتَ قد بُلِّغتَ عني جناية ... لمُبْلِغُكَ الواشي أغَشُّ وأكذبُ
ألم تر أن الله أعطاك سورةً ... ترى كلَّ مَلْكٍ دونها يتذَبْذبُ
стр. 4875
فإنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعتْ لم يبقَ منهم كوكبُ] [٨] (١)
[والذي] (٢) ينبغي أن يسمَّى تأثير إطلاق اسم الجواد في حصول المراد:
[يهز] (٣) حديثُ الجودِ ساكنُ عِطْفِه ... كما هزّ شرْبَ الحيِّ صهباءُ قرْقَفُ
إذا قيل عونُ الدين حيّا تألُّقُ كا ... لغمامِ وماسَ السَّمْهَريُّ المثقَّفُ [٤أ]
[والذي] (٤) ينبغي أن يسمَّى الاستدلال على الحب مما تجدُه في تيسير الزيارة من البعد والقرب:
يا ليلُ ما جئتكُمُ زائرًا ... إلاَّ رأيتُ الأرضَ تُطْوى ليا
ولا ثنيتُ العزْمَ عن بابكم ... إلاَّ تعثَّرْتُ بأذياليا
والذي ينبغي أن يسمى التمويه على الرقيب السفيه:
أبكي إلى الشرق إن كانتْ منازلُها ... مما يلي الغرْبَ خوفَ القيلِ والقالِ
أقول في الخدّ خالٌ حين أنْعَتُها ... خوفَ الوشاةِ وما بالخدّ منْ خالِ
وفي هذا المقدار كفايةٌ، فليس المرادُ إلا رفعَ التحجير ودفعَ الحصْرِ بإيراد هذه الأبياتِ التي هي من فائق الشعرِ ورائعِ [رائق] النظم ومن زاد زاد اللهُ في حسناته [حرره مؤلف غفر الله له]. (٥)
[انتهى من كلام مؤلِّفِه أمد الله بحياته وتولى إعانته ومكافأتَه بتاريخ خمسٍ من شهر شوال سنة ١٢٤٣ بعناية سيدي العلامة المحقق الفهامة الصفيّ أحمدَ بن زيد بنِ عبد الله الكبسي، أمتَعَنا الله بطول حياتِه وكان معه في جميع حالاتِه، وأسكنه بعد العمرِ الطويل
(٢٠٥) ٤٨/ ٤
بحث في الرد على الزمخشري في استحسان المُرِبَّةَ
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّ عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4878
وصف المخطوط:
١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في الرد على الزمخشري في استحسان المُرِبَّة.
٢ ـ موضوع الرسالة: لغة العربية.
٣ ـ أول الرسالة: الحمد لله وصلى الله على رسوله وآله وسلم.
قد عجبت كثيرًا من استحسان الزمخشري يرحمه الله لقول الشاعر.
٤ ـ آخر الرسالة: إذا تدبرها المتدبر وجدها من تقليد الأصاغر للأكابر بدون تفكّر ولا تدبُّر. قاله كاتبُه غفر الله له.
٥ ـ نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ ـ عدد الصفحات: ٣ صفحات.
٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة الأولى: ١٢ سطرًا.
الثانية: ٣٠ سطرًا.
الثالثة: ١٠ أسطر.
٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ٩ كلمات.
٩ ـ الرسالة من المجد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4879
: الحمد لله وصلى الله على رسوله وآله وسلم ـ.
قد عجبت كثيرًا من استحسان الزمخشري (١) يرحمه الله لقول الشاعر:
стр. 4880
فلا وأبى الطير المُرِبّة في الضُّحى ... على خالدٍ لقد وقعت على لحمِ
حتى كان يقول: ما أبلغَك يا بيتُ المُرِبَّة! وغاية ما في هذا البيت دلالةُ اللحم على عِظَمِ حال الرجلِ، وكِبَرِ شأنِه، فكنَّى عن ذلك باللحم، ونكَّره تنكيرُ التفخيم، فمن أين جاء هذا التعجُّبُ من بلاغته، والاستعظام لشأنه! من هذا الذي بلغ من معرفة لغة العرب ودقائقِها وأسرارِها ما لا يقعُ في مثله اختلافٌ، وليس فيه إلاَّ معنى كنائيُّ مطروقٌ معروفٌ. ألا قال مثلَ هذه المقالةِ في مثل قولِ القائل (١):
إن السماحةَ والمروءةَ والندى ... في قبةٍ ضُرِبَتْ على ابن الحشرج (٢)
فإن هذا قد بلغ من فصاحة اللفظِ، وبلاغة المعنى، وجودةِ الكنايةِ، وتعدَّد المعاني ما هو فوقُ ذلك بمسافات بعيدةٍ، وإن كان تعجبه واستحسانُه باعتبار ذكرِ الطير [١ب] وكونِها مرَّتْ بهِ في ذلك الوقتِ على ذلك القتيل فأعجبُ من هذا، وأغرب، وأحسن،
стр. 4881
وأفخم، وأجود قولُ القائل (١):
وقد ظُلِّلت عُقْبَانُ راياته ضُحًا ... تعفيانِ طيرَ الدني نواهل
أقامت على الرايات حتى كأنَّها ... من الجيش إلاَّ أنها لم تقاتلِ
فهاهنا جعل الطير لكثرة نصرِ صاحب الرايات واثقةً بنصره لاعتيادِها لذلك، واستمرارها عليه، حتى كأنها عند الغزو واثقةٌ ستأكلُ من لحوم أعدائِه، فأثبت لها هذا العلم المفيدَ لاستمرار النصر، وأنه للممدوح عادةٌ جاريةٌ، مع كونها متراكمةً على راياته حتى ظللتَها.
ومع ما ذكر العقبانِ على العقيانِ من الحسن البالغ، والجناس الفائقِ. ثم ألا قال الزمخشري ﵀ هذه المقالةَ فيما هو أحق بها وأولى، وهو قول القائل:
وقائلةٍ يا راكبَ الخيل هل ترى ... أبا ولدي عنه المنيةُ ذلَّتِ
فقلت لهاك لا علمَ لي غيرَ أنني ... رأيتُ عليه المشرفيةُ سُلَّتِ
ودارت عليه الخيلُ دورينِ بالقَنَا ... وحامتْ عليه الطيرُ ثم تدلَّتِ
فصكَّت جبينًا كالهلالِِ إذا بدا ... وقالت لك الويلاتُ ثم تولَّتِ
فهاهنا قد قوله: وحامت عليه الطيرُ ثم تدلَّتِ أحسنَ موقعٍ من الدلالة على أنه قتيلٌ يأكل من لحمه الطيرُ، مع أن أكلَ لحومِ القتلى عادةٌ للطيور، فليس في قوله: على لحم ما قدمنا في العقبانِ المظلِّلَةِ للرايات من حصول العلمِ لها المستفادِ من العادة الجاريةِ العائدة على الممدوح بأكبرِ مدح، وأفخمِ ثناءٍ. وغايةُ ما في بيت المربَّةِ أنه لحمُ رجلٍ عظيم، فقايس بين هذا المدح العائدِ إلى صاحب اللحمِ، وبين المدح العائد إلى صاحب الراياتِ، فإنك تجده ما بين الثَّرا والثُّريَّا، ومطلعِ الشمس ومغربِها.
ومثلُه قول القائل (٢):
стр. 4882
وترى الطيرَ على راياتِنا ... عاكفاتٍ ثقةً أن ستَمُار
فإنه يفيد ذلك المعنى مع التصريح بلازم المعنى، وهو أنها ستدرك الميرة، وأنها واثقةٌ بذلك.
نعم. قد صار التقليد للأكابر عادة مستمرةً، وطريقة مسلوكة، انظر قول عمرَ بن الخطاب ﵁ لما قال له قائل: من أشعرُ الناس؟ فقال: الذي يقول:
ربما أوفيتُ في عَلَمٍ ... ترفعنَ ثوبي شمالاتِ (١)
فانظر أي معن يوجب تفصيل قول هذا الشاعر، فإن غاية ما هناك أنه طلعَ جبلاً، فهبتِ الريحُ فرفعتْ ثيابَه. فهذا بيت سمجٌ خالٍ عن كل محسِّنٍ [٢أ]، بل ليس فيه معنى يستحق أن يُنظَمَ.
стр. 4883
انظر لو أخبرك مخبرٌ أنه طلع جبلاً فرفعتِ الريحُ ثيابه فإنك لا تقول له بعد سماع هذا منه إلاَّ سخنْت عينُك، فكان ماذا؟ فهلا قال هذا القولَ في قول الخنساء (١):
وإنَّ صخرًا لتأتمُّ الهداةُ به ... كأنه علمٌ في رأسه نارٌ (٢)
فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا البيتُ من المدح الفائق البالغ إلى أعلا منزلٍ من منازل الفصاحة والجَوْدَةِ والمِدْحَةِ الرائقةِ الفائقةِ، وانظر أين يقعُ قولُ ذاك البائس من ول هذه المرأةِ!، وكم لهذه الأمور من أخواتٍ إذا تدبَّرها المتدبِّر وجدها من تقليد الأصاغرِ للأكابر بدون تفكُّر ولا تدبُّر.
قاله كاتبه ـ غفر الله له ـ. [٢ب].
стр. 4884
(٢٠٦) ٢/ ٤
فتح القدير في الفرق بين المعذرة والتعذير
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّ عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4885
وصف المخطوط:
١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: فتح القدير في الفرق بين المعذرة والتعذير.
٢ ـ موضوع الرسالة: لغة عربية.
٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وبعد، فإنه وصل سؤال من سيدي العلامة جمال الإسلام علي بن يحيى أحيا الله به معاهد العلوم، ولفظه ....
٤ ـ آخر الرسالة: لأن سؤال السائل كثر الله فوائده قد تعلق بالآيتين من تلك الحيثية فكان في التعرُّض لتفسيرهما تكميلٌ للفائدة والله أعلم.
حرره في ليلة الاثنين من ليالي شهر ربيع الآخر سنة ١٢١٤هـ.
٥ ـ نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ ـ عدد الصفحات: ١٥ صفحة.
٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ١٨ ـ ١٩ سطرًا.
٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ٩ ـ ١٢ كلمة.
٩ ـ الرسالة من المجد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4886
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله.
وبعد:
فإنه وصل سؤال من سيدي العلامة جمال الإسلام علي بن يحيى (١) ـ أحيا الله به معاهد العلوم ـ. ولفظه:
أشكل على المحب قولُ الزمخشري (٢) في سورة الأنفال (٣) على قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ولكنها تعمُّكم، وهذا كما يحكي أن علماء بني إسرائيل نُهُوا عن المنكرِ تعذيرًا، فعمهم الله بالعذاب (٤) مع قوله فيما تقدم في سورة الأعراف على قوله تعالي: ﴿(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ .... إلخ﴾ (٥).
فإن قلت: الأمة الذين قالوا: (لما تعظون) من أي الفريقين هم؟ أمن فريق الناجين؟ أم من المعذبين؟ قلت: من فريق الناجينَ، لأنَّهم من فريق الناهين. انتهى.
فظهر من هذا أَن الذين نُهوا وقالوا: (معذرةً) لم يعمَّهم العذابُ ... وهل أشار في القصة الأولى أعنى قوله كما (يحكى ... إلخ) إلى هذا أم لا؟ وهل بين المعذرة والتعذير فرقٌ؟ انتهى.
أقول ـ وبالله الثقة، وعليه التوكل ـ: إن الجواب عن هذا السؤال ينحصر في أبحاث ثلاثة:
стр. 4887
الأول: الفرق بين المعذرة والتعذيرِ ـ وبه يندفع الإشكالُ، ويتضح مرادُ ذي الجلال ـ إذ هذا الأمرُ هو الحامل على السؤال.
البحث [١أ] الثاني: في تقرير معنى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١)
البحث الثالث: في تقرير معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ... ﴾ (٢) الآية.
الفتح ٣
من ٦١٢٣ إلي آخر ص٦٢٧٧
стр. 4888
[البحث الأول
الفرق بين المعذرة والتعذير]
أما البحث الأول: فاعلم أن التعذير مصدرُ عذَّر بتشديد الذالِ المعجمة، ومعناه عند أهل اللغة عدمُ ثبوتِ العذرِ.
قال في القاموس: (١) (عذَر تعذيرًا لم يثبتْ له عذْرٌ) انتهى.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ (٢) أي المقصرون الذين لا عُذْر لهم، كما صرح بذلك أئمة التفسير، (٣) ومصدره (التعذير)، فمراد العلامة الزمخشري (٤) بقوله: (إن بني إسرائيل نهوا عن المنكر تعذيرًا) أي أَنهم لم يُنْهَوْا عن المنكر لقصد القيامِ
стр. 4889
بما أوجبه الله عليهم، ولأجل إبلاء العذرِ، بل نهوا عنه لقصد التعذير مع قيام الحجة عليهم، وقدرتِهم على دفع المنكرِ، وعدمِ وجود عذرٍ لهم مسوِّغٍ لما وقع منهم من التعذير، وذلك كما يفعله من كان قادرًا على دفع ما يراه من المنكر بالفعل من التكلُّم باللسان مع ضعف عزيمةٍ، وانكسار شكيمةٍ في المواقف التي لا تأثير للكلام فيها معتِقدًا أن مجر تكلُّمِهِ بلسانِه في غير مواطن النفعِ ينفعُه ويقومُ بإسقاط ما أوجبه الله عليه من إنكار المنكرِ، وهو يعلم يقينًا أنه قادرٌ على دفع المنكر بالفعل، والأخذِ بيد الظالم، والحيلولة بينه وبين انتهاك الحرمِ المحرَّمةِ فمن كان بهذه المثابةِ، وله هذه المنزلة والمكانة ففرضُه تغييرُ المنكر بيده لا تبرأُ ذمتُه ويسقطُ فرضُه بدون ذلك [١ب] فإذا ترك المنكر وتعلَّل بمجرد توجُّعه وتحسُّره وتَلَهُّفِه في مواقف الخلواتِ بين أحبابِه وأترابه ومعارفه، فلم يأت بشيء مما أمره الله به، بل هو التعذيرُ بعينه، وإن لوى شِدْقَهُ وعَصَر جفْنَه، وقطَّبَ وجهَهُ فهو عن الأمر الذي أوجبه الله عليه وتعبَّد به بمراحلَ ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) وهكذا استروح إلى مجرد الإنكار بقلبه، وهو قادر على التكلم بلسانه فهو أيضًا لم يأت بما أمره الله به، ولا قام بما هو فرضُه.
بل ما فعل إلا مجرَّدَ التعذيرِ فقطْ، لأن الله ـ سبحانه ـ أوجب على عباده إِنكارَ المنكر بالقول مع الاستطاعةِ، ولم يسوغِ العدولَ إلى القول إلا مع عدم الاستطاعةِ للفعل، ولا سوّغ العدولَ إلى مجرد الإنكار بالقلب إلا مع عدم الاستطاعةِ للقول.
وقد صح عن رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيرْهُ بيده، فإِنْ لم يستطعْ فبلسانِه، فإِن لم يستطعْ فبقلبِه، وذلك أضعفُ الإيمانِ» (٢) وهذا الحديث قد اتفق الناسُ على صِحَّتِه، ولم يخالف في ذلك مخالفٌ. فانظر
стр. 4890
كيف جعل مراتبَ الإنكار هاهنا ثلاثةَ أقسام:
القسم الأَول: مرتبةُ من كان قادرًا على تغيير المنكر بيده، فإِنه جعل فَرْضَهُ التغييرِ باليد، ولم يسوغ له الانتقالَ عن هذه الرتبةِ التي بعدها إِلا بشرط عدمِ الاستطاعةِ ثم لم يسوغْ له الانتقالَ إلى الرتبة الثالثةِ وهي الإنكارِ بالقلب ـ إلا بشرط عدم الاستطاعةِ على الرتبة الثانيةِ، فمن كان مستطيعًا لتغيير المنكرِ بيده فعدلَ إِلى الإنكار بلسانه فهو إِنَّما جاء بالتعذير، وكذا من [٢أ] كان قادرًا على الإنكار بلسانه فعدلَ إلى الإنكار بقلبه فهو إِنما فعل مجرَّد التعذيرِ، ولا يصدقُ عليه القيامُ بما افترضه الله عليه من إِنكار المنكر، ولا يقال له: إِنه أَنكر المنكر، ولهذا عمَّ الله بني إسرائيلَ بالعذاب، مع أَنهم قد أَنكروا في الصورةِ، ولكنهم عدلُوا عن الذي أَوجبه الله عليهم إِلى غيره بغير عذرٍ كما قال العلاَّمةُ: (إنهم نُهُوا عن المنكر تعذيرًا).
إذا تقرر لك معنى التعذير فاعلم أَن معنى المعذرة إِبداءُ العذْرِ بفعل ما يجب، وهي مصدر عَذَرَ مخفَّفُ الذال وأعْذَرَ، قال في القاموس (١): (عذر يعذُرُ ـ عذرًا ومعذِرةً ومعذُرة وأعذره، والاسم المعذَرة مثلثةُ الذال.
قال: وأعذر أبْد عذرًا، وأحدث، وثبت له عذرٌ) انتهى.
وقال: الرازي في مفاتيح الغيب (٢): (المعذرةُ مصدرٌ كالعُذْرِ) وقال أبو زيد (٣) عذرتُه أعذرَ عذرًا ومعذرةً) ومعنى عذره في اللغة (٤): إذا أقام بعذره (وقيل عذره يقال: من يعذرُني، أي من يقوم بعذري، وعذرتُ فلانًا فيما صنع أي قمتُ بعذرِه،
стр. 4891
فعلى هذا معنى قوله: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي قيامٌ منا بعذرِ أنفسِنا إلى الله تعالى، فإذا طُوْلِبْنَا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا، فنكون بذلك معذورينَ.
وقال الأزهري (١): (المعذرة اسمٌ على مَفعُلَة) من تعذَّر وأقيمَ مقامَ الاعتذار، كأنهم قالوا: موعظتُنا اعتذرٌ إلى ربنا، فأقيم الاسم مقامَ الاعتذار. يقال: (اعتذر فلان اعتذارًا وعذرًا ومعذرةً من ذنبِه [٢ب] (انتهى كلام الرازي في مفاتيح الغيب (٢).
فعرفتَ أن معنى المعذرةِ القيامُ بما أوجبه الله من نهي المنكر، وفعل ما يقوم بالعذر عند الله على وجه لا يكون للفاعل بعده خطابٌ من الله، لأنه قد أبدى عذرَه، وفعل ما يجب عليه، بخلاف التعذير، فإنه فِعْلُ ما لا يثبتُ به العذرُ، ولا يسقطُ به الغرضُ كما تقدم تحقيقُه وحينئذ يتبين أنه لا مخالفةَ بين الآيتينِ الكريمتينِ، ولا بين ما ذكره العلامة الزمخشريُّ (٣) في تفسيرهما، ويظهر أنه لم يشرْ بما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٤) حيث قال: (نُهُوا عن المنكر تعذيرًا إلى الآية الأخرى ـ أَعني ـ قوله تعالي: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لما قدمنا من التخالف بين معنى التعذير والمعذرةِ: بل هما ضدَّا لما عرفت من أن معنى المعذرة ثبوتُ العذر، ومعنى التعذيرِ عدمُ ثبوت العذر. (٥)
стр. 4892
البحث الثاني: [عدم اقتصار الفتنة على الظالم ... ]
في تقرير معنى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١) قال أبو السعود (٢): (أي لا تختصُّ إصابتُها من يباشرُ الظلم منكم، بل تعمُّه وغَيْرَهُ كإقرار المنكر بين أَظهرِهم، والمداهنةِ في الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكرِ، وافتراقِ الكلمة، وظهورِ البدعِ، والتكاسُلِ في الجهاد، وقوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ إما جوابُ الشرطِ مقدرٌ على معنى: (إن أصابتْكم لا تصيبنَّ) وفيه أن جوابَ الشرط مترددُ، فلا تليقُ به النونُ المؤكدةُ، لكنه لما تضمن معنى النهي [٣أ] ساق فيه، كقوله تعالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ وإما صفة لفته و (لا) للنفي، وفيه شذوذ، لأن النون لا تدخلُ المنفي في غير القسمِ أو للنهي، على إرادة القول، كقول من قال:
حتى إذا جنَّ الظلامُ واختلطْ ... جاؤوا بمِذقٍ هل رأيتَ الذئبَ قطْ
وإِما جواب قسم محذوفٍ كقراءة من قرأ: (لَتُصِيْبَنَّ) (٣)
стр. 4893
والظاهر أَن (لا) للنفي (١)، بل هو الوجه الذي لا يحمل النظمُ القرآني سواهُ، وتكون هي وما دخلت عليه إما جوابَ شرط محذوفٍ أو صفةًً لفتنة ... ويقال في توجيه النونِ المؤكدةِ مثلُ ما سلف، وقد اقتصر على ذلك جماعةٌ من أئمة التفسير، وقال صاحب مدارك التنزيل أبو البركات عبدُ الله بن أحمد بن محمود النسفي (٢): إن قوله تعالى: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جوابٌ، وبين المعنى بقول: و (لكنَّها تعمُّكم) ـ، وقال محمد بن جزء الكلبي ـ في التسهيل لمعالم التنزيل (٣) ما لفظه: (أي لا تصيب الظالمين وحدَهم، بل تصيبُ معهم من لم يغيِّر المنكرَ، ولم يَنْهَ عن الظلم، وإن كان لم يظلم)، وقال الرازي في مفاتيح الغيب (٤): (والمعنى: [٣ب] واحذروا فتنةً إن نزلت بكم لم تقتصرْ على الظالم خاصَّةً، بل تتعدي إليكم جميعًا، وتصل إلى الصالح والطالح).
وقد ذكر الطبري (٥)، والبغوي (٦)، والرازي، (٧) وغيرهم (٨) أَنها نزلت في جماعة من الصحابة وأن الفتنةَ هي ما جرى يومَ الجمل، ولا يخفى على ذي لُبٍّ أن الجزْمَ بكون الفتنةِ المذكورة في الآية هي فتنةُ يوم الجملِ محتاجًا إلى دليل، فإن الله ذكر الفتنةََ منكرةً، ثم القولُ بنزولها في المباشرين للقتال في ذلك اليوم لا يصحُّ، لأن الفتنة يومَ الجمل وقعت بَعْدَ موت النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ وانقطاع الوحي بزيادة على عشرين سنةً، بل الآية تحذير لجمع من يصلحُ للخطاب وقتَ النزول أن يقع أحدٌ منهم في فتنة
стр. 4894
كذلك، كذلك هي خطابٌ لمن وجد من المسلمين بعد انقراض عصر الموجودين وقتَ النزول كسائر الآيات القرآنية (١) والخطابُ وإن كان لا يصلح لمن كان معدومًا لكن قد قرَّر أئمة الأصول الكلامَ في ذلك فيما يعرفه من يعرف علمَ الأصول. (٢)
وبالجملة فالمخاطب بهذه الآية بهذه الآية هو المخاطبُ بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣)، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤)، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٥)، والتعبُّد بما اشتملت عليه شاملٌ لكل من تعبَّده الله بما اشتملت عليه هذه الآيات الواردةُ في الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكل طائفةٍ من طوائف المسلمين مأمورةٌ باتقاءِ الفتنة [٤أ] التي هذا شأنُها. بل كل فرد من أفراد المسلمين مأمور بذلك ... ولا يصح تعيينُ فتنةٍ من الفتن الواقعة في الإسلام بأنها هي المرادةُ دونَ غيرها، ولا أنَّ الآية نزلتْ في بعض أَفراد الصحابة دون بعض إلا بدليل، ولا دليلَ فيما أعلم. بل قد ورد في أحاديثِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يدل على عدم التعيينِ، من ذلك ما أورده البغويُّ (٦) بإسناده في تفسير هذه الآية ولفظه: عن سيف بن أبي سليمان قال:
стр. 4895
سمعت عديًا الكندي قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسولَ الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ يقول: «إن الله لا يعذِّب العامَّة بعمل الخاصَّة حتَّى يروا المنكرَ بين ظهرانِيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذَّب الله العامَّة والخاصَّة» انتهى.
ولا شك أَن كثيرًا من الفتن الواقعة في أيام الصحابةِ هي من هذا القبيلِ، فإن فتنةَ يوم الجمل لم يُصَبْ بها الباغي وحدَه، بل قُتِلَ فيها جماعة من المحقِّينَ، وكذلك أيامُ صفِّينَ فإِنه قتل فيها من المحقينَ ألوف مؤلَّفة منهم عمار بن ياسر، ولكن الشأن في كون الفتنةِ التي هي سببُ النزول هي فتنة معينة، فإن ذلك لم يثبتْ. وقد أورد الرازي في تفسير هذه الآية من مفاتيح الغيب (١) سؤالاَ وأَجاب عنه فقال: (فإن قيل) (حاصل) الكلام في الآية أَنه تعالى يخوِّفهم بعذابٍ لو نزل [٤ب] لعمَّ المذنبَ وغيره، وكيف يليق برحمة الرحيم الحكيمِ أن يوصلَ الفتنة والعذابَ إِلى من لم يذنبْ: ـ؟ قلنا: إنه تعالى قد ينزل الموتَ والفقر والعمى وإنزاله بعبيده ابتداء، لأَنه يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكيةِ، ولأنه تعالى علم اشتمالَ ذلك على نوع من أنواع الصلاح على اختلاف المذهبينِ، وإِذا جاز ذلك لأجل هذين الوجهين فكذا هاهنا والله أعلم بمراده) انتهى.
وأقول: هذا إنما يكون مشكلاً إِذا كانت الفتنةُ المذكورة تصيب من لم يكن له ذنبٌ قطُّ، وأَما إِذا قيل إِنها تصيب الذين ظلموا ـ أَي باشروا المعصيةَ الموجبة لاتصَّافهم بالظلمِ، والذين لم ينكروا المنكرَ مع وجوب ذلك عليهم كما تقدم، لم يكن ما في الآية مشكلاً، لأن الذين ظلموا أصيبوا أيضًا بذنوبهم ـ وهي ترك إنكارًا المنكرِ مع التمكُّن منه، لكنه يشكل على هذا أن الذين تركوا إِنكار مع وجوبه قد صاروا من جملة الظلمةِ، لأنهم اقترفوا ذنبًا ـ وهو ترك الإنكار الواجبِ، اللَّهم إلا أن يقالَ: إِن المرادَ بالذين ظلموا في الآية هم الفاعلون للمعصية التي يجب
стр. 4896
إنكارُها كما يدلُّ على هذا كلام محمد بن جزيّ المتقدَّم ذكْرُه. فإنه فسر الآيةَ بما تقدم من قوله: (إنها لا تصيبُ الظالمين وحدَهم، بل تصيب معهم من لم يغيرِ المنكرَ، ولم ينه عن الظلمِ، وإن كان لم يظلم). انتهى.
فهذا فيه تصريح بما ذكرناه [٥أ]، ومثلُه كلامُ أَبي السعود (١) المتقدِّمُ نقلُه ... وإِذا صح هذا اندفع السؤالُ الذي أورده الرازي من أَصله، فإِنه إِنما نشأ من قوله في تفسير الآية: (أن الفتنة تتعدَّى إِلي الجميع كما تقدم نقله) ولكنه يقدحُ في تخصيص إصابة الفتنةِ لفاعل المعصية، ولمن لم ينكر عليه مع وجوب الإِنكارِ ما قدمنا من دخول بعض الفتنِ الواقعةِ بين الصحابة تحت الآية: إذ من أَصابتْه الفتنةُ من المحقينَ منهم لم تصبْه لأجل تركهِ لإنكارِ ما وجب عليه من المنكرِ, لأنهم قد قاموا بواجب الإِنكار, وسلُّو سيوفَهم في وجوه المبطلينَ من أهل الشام والخوارجِ ونحوِهم, وربما يجاب عن هذا بأن ترك الإنكار الذي هو سببُ الوقوع في الفتنة مع الظلمة لا يختصُّ بالتَّرك في نفس تلك الفتنةِ الثائرة لإمكان أن يكون قد وقع التَّرك لما يجب من الإنكار في أُمور آخرةٍ بمقدمةٍ على ثوراِنها فتسببتْ عن تلك الأسباب.
وبعدَ هذا فالأنسبُ بالعموم المستفاد من المفهوم القرآني هو ما ذكره الرازي (٢) من تعدى الفتنةِ إلى من لم يكن له ذنبٌ قطٌ, لا بمباشرته للظلمِ, ولا بترك إنكار, لأن مفهوم الآية الكريمة هكذا: (بل تصيبهم وغيرهم) والغيرُ يعمٌ المذنبَ بترك الإنكارِ وغَيْرَهَُ, ويؤيد هذا ما يتفق في كل عصر, ويشاهدُ من حلول محنِ الفتنِ [٥ب] بمثل النساءِ والصبيانِ, ومن لا قدرة له على إنكار المنكر, بل ومن كان من القائمينَ بواجب الإنكار, وهذا يعرفهُ كلُّ إنسان بالمشاهدةِ والتواتُرِ. وقد اشتملت كتبُ التاريخ من ذلك على عجائب وغرائبَ, فإن فتنة التتار (٣) طحنتْ غالبَ البلاد الإسلاميةِ, وكان من
стр. 4897
عادتهم أنهم إِذا دخلوا مدينةً من مدائن الإسلام قتلُوا جميع من فيها من كبير وصغير, وذكرٍ وأنثى, وصالح وطالحِ, وعالم وجاهل, وكذا فتنةُ (تيمورلَنْكْ) فإنه فعل في البلاد الإِسلاميةِ ما يقارب فعل التتار ... وكذا لشاهُ إسماعيل وأمثالُهم من رءوس الفتنِ, فما ذكره الرازي (١) أنسب بالمفهوم القرآني, وبما يقع في الخارج, ويشاهد ويتواتَرُ, وإن كان ما ذكره غيره من التخصيص أَنسبَ بعدل الله وحكمتِه في حلول نقمته بمن يستحقُّها دون من لا يستحقُّها, فإنه ﷻ لا يظلم الناس شيئًا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ويؤيدُ هذا الحديثُ الذي ذكرناه من رواية البغوي, (٢) وفي معناه أَحاديثُ كثيرة (٣) وبالجملةِ فالمقام من المعارك, وعلى فرض إمكان التخلُّ عن بعض الصور كما يكون من أفعال العبادِ من الفتن بأن يقال: إن المصابينَ من غير المذنبينَ, ومن النساء والصبيان والمجانين مظلمون, وليس إلى الله من ظلم العباد بعضِهم لعضًا شيء, ولا [٦أ] يردُّ به الإشكال على ما في الآية الكريمة من التعميم, فقد لا يمكن التخلُّص عن العقوبات التي هى من أفعال الله كالخسفِ, والمسخِ, والجدْسِ, والعاهاتِ, وسائر الأمورُ السماويةِ إلا بمثل ما ذكَرَ الرازي.
стр. 4898
البحث الثالث
[مصير الفرق الثلاث من بني إسرائيل]
في تقرير معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾. [الأعراف:١٦٤]
قال أبو السعود: (١) إن المراد بقوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ جماعة من صلحائهم الذين ركبوا في وعظهم كل صعب وذلول حاى يئسوا عن احتمال القبول لأخرين, والمقول لهم جماعة آخرون لا يقلعون عن التذكير رجاء للنفع والتأثير, مبالغة في الإعذار, وطمعا في فائدة الإنذار, والقول هو: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أي مخترمهم بالكلية, ومطهر الأرض منهم ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ دون الاستئصال بالمرة, وقيل مخزيهم في الدنيا أو معذبهم في الآخرة, لعدم إقلاعهم عما كانوا عليه من الفسق والطغيان, والترديد لنتع الخلو دون منع الجمع, فإنهم مهلكون في الدنيا ومعذبون في الآخرة, وإيثار صيغة اسم الفاعل مع أن كلا من الإهلاك والتعذيب مترقب ـ للدلالة على تحققهما وتقررهما البتة, كأنهما واقعان, وإنما قالوه مبالغة في أن قالوه بمحضر من القوم حثا لهم على الاتعاظ, فإن بت القول بهلاكهم وعذابهم مما يلقي [٦ب] في قلوبهم الخوف والخشية, وقيل المراد طائفة من الفرقة الهالكة أجابوا به وعاظهم ردا عليهم, وتهكما بهم, وليس بذاك.
وجواب القول المتقدم هو قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي قال الواعظ: نعظهم معذرة إلى الله على أنه مفعول له ـ وهو الأنسب بظاهر قولهم: لم تعظون, أو
стр. 4899
نعتذر معذرة على أنه مصدرٌ محذوفٍ, وقرئ بالرفع على أنَه خبرٌ لمبتدأ محذوف ـ أي موعظتُنا معذرةٌ إليه تعالى, بحيث لا ننسب إلى نوع تفريطٍ في النهي عن المنكرِ, وفي إضافة الربِّ إلى ضمير المخاطبينَ نوعُ تعريضٍ بالسائلين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ عطفٌ على مقدَّر ـ أي ورجاءٍ لأَن يتَّقوا بعضَ التقاةِ, وهذا صريح في أَن القائلين ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ ليسوا من الفرق الهالكةِ ... ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي تركوا ما ذَكَّرَهم صلحاؤُهم تَرْكَ الناسي للشيء, وأعرضوا عنه إعراضًا كليًا لم يخطُرْ بباله شيءٌ من تلك المواعظِ أصلاٍ ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ ومن الفريقان المذكورانِ, وتصدير الجواب بإنجائِهم للمسارعة إِلى بيان نجاتِهم من أول الأمر, ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [٧أ] بالاعتداءِ ومخالفةِ الأَمر ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ أي شديد.
وصرح صاحب مدارك التنزيل (١) بأن المقولَ لهم هم الوعاظُ القائلينَ هم الصلحاء. وقال في تفسير: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أَنهم الراكبون للمنكرِ, وجزَمَ بـ (لأن) الذين قالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ هم من الناجينَ, وروى عن الحسن أَنه قال: نجت فرقتانِ, وهلكت فرقةٌ, وهم الذين اتخذوا الحيتانَ.
وقال محمد بن جُزيّ في التسهيل (٢) في تفسير الآية: (افترقتْ بنو إسرائيلَ ثلاثَ فِرَق: ـ فرقةً عصتْ بالصيدِ يومَ السبت، وفرقةٌ نهتْ عن ذلك، وفرقةً سكتتْ واعتزلتْ لم تنهَ، ولم تعص، ـ وإن هذه الفرقةَ لما رأت مجاهرةَ الناهيةِ، وطغيانَ العاصيةِ قالوا للفرقة الناهية: (لم تعظونَ قومًا يريدُ الله أن يُهْلِكَهم أو يعذّبهم).
فقالتِ الناهيةُ: ننهاهم معذرةً إِلى الله، ولعلهم يتقون، فهلكتِ الفرقةُ العاصِيةُ،
стр. 4900
ونجت الناهيةُ. واخْتُلِفَ في الثالثةِ هل هلكت لسكوتِها أو نجتْ لاعتزالها وبترك العصيان؟).
وبالجملة فكلام أهل التفسير مختلفٌ في الفرقة الثالثة (١): هل نجت أو هلكتْ؟ ولا حاجة بنا إلى التطويل باستيفاءِ كلامهم [٧ب] لأَن محلَّ السؤال هو في الذين قالوا ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ والاتفاقُ كائن أنهم ناجونَ، وأَن ذلك ليس من التعذير الذي لا يُسْقِطُ الواجبَ، وقد وقع الجواب عن سؤال السائلِ ـ عافاه الله ـ في البحث الأول من الثلاثةِ، وإنما ذكرنا البحثين الآخرينِ ليتضحَ بهما ما حررناه في البحث الأول، لأن سؤال السائل كثر الله فوائده قد تعلق بالآيتين من تلك الحيثية فكان في التعرُّض لتفسيرهما تكميلٌ للفائدة والله أعلم.
حرر في ليلة الاثنينِ من ليالي شهر ربيع الآخر سنة: ١٢١٤هـ.
стр. 4901
الطود المنيف في ترجيح ما قاله السعد
على ما قاله الشريف من اجتماع الاستعارة
التمثيلية والتبعية في قوله تعالى:
﴿(أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ...
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقته وعلَّقت عليه وخرَّجت أحاديثه
محفوظة بنت علي شرف الدين
أم الحسن
стр. 4902
وصف المخطوط:
١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: الطود المنيف في ترجيح ما قاله السعد على ما قاله الشريف من اجتماع الاستعارة التمثيلية والتبعية في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
٢ ـ موضوع الرسالة: لغة عربية.
٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه أستعين والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عن صحبه الراشدين، وبعد ...
٤ ـ آخر الرسالة: فرغ من تحريره مؤلّفه محمد بن علي الشوكاني ـ غفر الله لهما ـ في ليلة الأحد لسبع وعشرين خلتْ من شهر رجب سنة ١٢٢١. حامدًا لله، ومصليًا مسلمًا على رسوله وآله.
٥ ـ نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ ـ عدد الصفحات: ٢٥ + عنوان الرسالة. ٧ ت عدد الأسطر في الصفحة: ٢٥ سطرًا.
٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٣ ـ ١٤ كلمة.
٩ ـ الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4903
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
على صفحة العنوان هذه الأبيات الشعرية في وصف الكتاب:
تسرّت وجوهُ الاستعاراتِ بالبدرِ ... وذلك شأن البدرِ في هتكِه السِّتر
وأدركَ ثأرَ السعدِ ممن أذَّله ... فيا لكَ من دركٍ، ويا لك من نَصْرِ
ولا شكَّ أنَّ الحقَّ فيما زبرتُه ... بكاشفُ الأمراضُ من علل الدهر
وسمَّيْتهُ طوْدًا منيفًا وإنّما ... مصنِّفه أولى بذلكم الذكر
فيا ليت شعري هل عقودٌ تنضَّدتْ ... على صحفاتِ التِّبْرِ في لبةِ النحرِ
أم الغادةْ الحَسْنَا أبانتْ أقاحِيَا ... فأسْفَرَ نورُ الفجرِ من ذاك الثغر
وما الروضةُ الغنَّاءُ غطَّ عبيرُها ... وفاح عطرها بمختلف الزهر
بأنصعَ نَشْرٍ من سطورٍ تضمنت ... إقامةَ سوقِ الحقِّ في خافي الأمرِ
стр. 4904
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعينُ والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلامُ على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عن صحبه الراشدين، وبعدُ:
فإنه لما بلغ بنا الدرسُ في الكشاف (١) مع جماعةٍ من نبلاء الطلبةِ، وأذكياء العلماء العارفين بالفنون إلى كلام الزمخشري، وأهل الحواشي على قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢).
ومن جملةِ ما اشتمل عليه هذا المقامُ المباحثةُ المشهورةُ بين سعد الدين التفتازاني (٣)، والسيِّد الشريفِ (٤)، وقد اشْتُهِرَ ما وقع بينَهما في ذلك اشتهارَ النهار، حتى قيل: إن موتَ سعد الدين كان بهذا السببِ. (٥)
стр. 4905
والذي لاح لي أن الحقَّ في جانب السعدِ، وأن الصوابَ بيده، ولما كان هذا قد خفي على غالب المحصلينَ لكون الشريفَ قد أطالَ ذيلَ المقالِ، وتنوع في مسالك الجدالِ، واستكثر من الدفع والإبطالِ خصوصًا في حاشيتِه على المطوَّل، فإنه حكى هذه المباحثةَ، وأطنبَ إطنابًا لا يحتملُهُ المقامُ، ولا يقتضيه البحثُ. وليس للسعد في هذا البحثِ إلا ما تكلم به في حاشيته على الكشاف من تلك الكلماتِ المختصرةِ، وما نقله عنه خصمهُ في غضون كلامه.
وبعد الجواب الموجز طلبَ مني أولئك الأعلامُ إيضاحَ الكلامِ في هذا المقام، بل منهم من حرر سؤالاً نفيسًا، وبحثًا شريفًا، وهو سيدي العلامة يحيى بن المطهر بن إسماعيلَ (١) ـ كثر الله فوائده ـ.
وها أنا أجلُو عليك ما أفوّض أمرَهُ إليك في الترجيح والتجريح، والإبطال والتصحيح مبتديًا بنقل كلام الزمخشري، وإيضاحِ معناه، ثم كلام السعد في حاشيته على الكشاف، ثم كلامِ الشريفِ في حاشيته على الكشاف أيضًا، ثم كلامِه الطويلِ في حاشيتهِ على المطوَّلِن مبينًا لك ما ينبغي بيانُه، متعقِّبًا ما يستحقُّ التعقيبَ. ولولا الثقةُ مني بإنصاف أولئك الأعلام، وما عرفته من رسوخهم في المعارفِ، وثبوتِ أقدامهم في التحقيق، وما تحققتُه من أنهم ممن ينظر إلى القول لا إلى قائِله لم أتعرَّضْ للدخول بين هذينِ الفحلينِ، ولا سلكتُ هذا المضيقُ بين ذينكِ الجبلينِ.
فأقول: قال العلامة الزمخشري في كشافه (٢) ما لفظه: ومعنى الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى هُدًى﴾ مثلٌ لتمكُّنهم من الهدى، واستقرارِهم عليه، وتمسُّكِهم به، شُبِّهَتْ حالُهم بحال منِ اعتلى الشيءَ وركبَه ونحوِه. هو على الحقِّ وعلى الباطل.