← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

وقال الأصمعيُّ (١) يقال جُعْشوشٌ بالشين المُعجمة وجُعْسوس بالسين المهملة، ويقال هم من جعاسيس الناسِ بالمهملة، ولا يقال بالشين المعجمة قال ابن جنيّ (٢) فضِيقُ الشيِّن معَ سَعَة السين يُؤذِنُ بأن الشينَ بدلٌ (٣) وكأنه اشتُقَّ من الجَعْس، وذلك أنه شبّه الساقطَ الهيِّن من الرجال بالخَرء لذِلّه ونَتْنِه. ومن ذلك قولُهم فُسطاطٌ وفُستاط وفُسَّاط بضم الفاء وكسرها في الجميع فذلك ستُّ لغاتٍ، فإذا صاروا إلى الجمع قالوا فَساطيط وفَساسيط، ولم يقولوا فساتيط بالتاء فهذي بدل على أنَّ التاء بدلٌ من الطاء أو السين ونحوُ هذا كثير. وقال ابنُ جنّي في الخصائص (٤) أيضًا إن كلَّ لفظين وُجد فيهما تقديمٌ وتأخيرٌ فأمكن أن يكونا جميعًا أصلين ليس أحدُهما مقلوبًا عن صاحبه فهو القياسُ الذي لا يجوز غيرُه، وإن لم يكن ذلك حكمْتَ أن أحدَهما مقلوبٌ عن صاحبه ثم نظرتَ أيُّهما الأصلُ وأيُّهما الفرعُ فممّا هما أصلانِ لا قلبَ فيهما قولُهم جَذَب وجَبَذَ ليس أحدُهما مقلوبًا عن صاحبه وذلك أنهما جميعًا يتصرفان تصرُّفًا واحدًا يقول جَذَبَ جذْبًا فهو جاذِبٌ و [المفعول] (٥) مجذوبٌ وجبَذ يجبِذ جبْذًا فهو جابِذٌ و [المفعول] (٦) مجبوذ. فإن جعلْتَ مع هذا أحدَهما أصلاً لصاحبه فسَدَ ... ذلك لأنك لو فعلْتَه لم يكن أحدُهما أسعدَ بهذه الحالِ من الآخر، فإنْ قصُرَ أحدُهما عن تصرُّف صاحبِه ولم يساوِه فيه كان أوسعُهما تصرُّفًا أصلاً لصاحبه، ونحوُ هذه الألفاظِ كثيرٌ والمعيارُ أن تنظُرَ هل يجمعُهما اشتقاقٌ من أصلٍ أمْ لا فإن جَمَعَهما كان ما فيه حروف الأصلِ أصلاً للآخر الذي فيه تبديلُ بعضِ الحروفِ بحرف آخَرَ [٦ب] كما في بَخَر ومخَر من البُخار فهذه فائدةً من فوائد الاشتقاقِ. وإذا لم يكونا مشتقَّين من أصل كان الأوسعُ تصرفًا واستعمالاً منهما أصلاً للأضيق. [تداخل الأصول الثلاثية] (٧) وقال في الخصائص (٨): اعلم أنَّ الثلاثيَّ على ضربين أحدُهما ما يصفو ذوقُه ويسقُط عنه التشكّكُ في حروف أصلِه، كضرب وقتل وما تصرف منهما فهذا ما لا يُرتاب به في جميع تصرُّفِه نحو ضارب ويضرِب ومضروب، وقاتل وقِتال واقتتل القومُ ونحوُ ذلك فما كان هكذا مجردًا واضحَ الحالِ من الأصول فإنه يحمي نفسَه وينفي الظنَّ عنه. والآخر أن تَجدَ الثلاثيَّ على أصلين متقاربين والمعنى واحدٌ فهاهنا يتداخلان ويُوهِم كلُّ واحدٍ منهما كثيرًا من الناس أنه مِن أصل صاحبِه وهو علي الحقيقة من أصل غيره، وذلك كقولهم رِخْوٌ ورخْوَدّ فهما كما ترى شديدَا التداخلِ لفظًا، وكذلك هما بمعنى واحد وإنما تركيبُ رِخْو وتركيبُ رِخْوَدّ من ر خ د، وواو رِخْوا زائدةٌ فالفاءُ والعينُ من رِخْو ورِخْوَدّ متفقتان لكن لاماهما مختلفان والرِّخْو الضعيف والرِّخْوَدُّ المتثنّي، والتثنّي عائدٌ إلى معنى الضعف فلما كانا كذلك أوقعا الشكَّ (٩) ومن ذلك قولهم رجلٌ ضيّاطٌ وضَيْطار فقد ترى تشابُهَ الحروفِ والمعنى مع ذلك واحدٌ فهو أشدُّ لالتباسه (١٠). وإنما ضيّاط من تركيب ض يَ ط وضيطار [من تركيب] (١١) ض ط ر.

стр. 4832

ومن ذلك لُوقةٌ وأَلوقةٌ (١) وصوصٌ وأَصوصٌ (٢) ويَنْجوج وألنَجْوج ويَلَنْجوج (٣) وضيفٌ وضيَفنٌ وسَبِطٌ وسِبَطْرٌ. [تقارب الحروف لتقارب المعاني] (٤) قال صاحب الخصائص (٥) إنها تتقارَبَ الحروفُ لتقارُب المعاني. قال وهذا بابٌ واسعٌ من ذلك قولُ الله سبحانه ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] أي تُزْعِجُهم وتُقلِقُهم فهذا في معنى تهزّهم هزًّا, والهمْزَةُ أهتُ الهاءِ فتقارَبَ اللفظانِ لتقارُب المعنيين فكأنهم خصُّوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء وهذا المعنى أعظمُ في النفوس من الهزّ, لأنك قد تُهزّ [مالا حَركَ به] (٦) كالجِذْع وساقِ الشجرة ونحو ذلك, فقد ترى أيضًا تصاقُبَ اللفظين لتصاقُب المعنيين. (٧). ومنه القَرْمةُ وهى [ما] (٨) تُحزّ من أنف البعير, وقريبٌ منه قلَّمْتُ أظفاري لأنَّ هذا

стр. 4833

[٧أ] انتفاصُ الظُّفْرِ وتلك انتفاصُ الجلد. قالوا فالراء أختُ اللام والعَملانِ متقاربان. وعليه قالوا (فيها) (١) الجَرْفةُ وهى من ج ر ف وهى أختُ جلَفْتَ القلمَ أخذتُ جِلْفَته, وهذا من ج ل ف وقريبٌ منه الجَنَفُ, وهو الميلُ, وإذا جَلَفْتَ الشيء أو جرَفْتَه فقد أَمَلْتَه عما كان عليه وهذا من ج ن ف. ومنه العَسَْف والآسَف وتاعينُ أختُ الهمزة كأنّ الأسَفَ يعسِف النفسَ وينال منها والهمزةُ أقوى من العين كما أنَّ أسَفَ النفسِ أغلظُ من التودُد والعسْفِ (٢) فقد ترى تعاقب اللفظين. لتعاقب المعنيين ومثله تركيب ع ل م في العلامة والعَلَم وقالوا مع ذلك بَيضةٌ عَرْماءُ وقطيعٌ أعْرمُ، إذا كان فيها سوادٌ وبياضٌ وإذا وقع ذلك بأن أحدُ اللونَيْنِ من صاحبه، فكان كلُّ واحدٍ منهما علمًا لصاحبه وهو من ع ر م. ومن ذلك تركيبُ ح م س. وح ب س قالوا: حبستُ الشيءَ وحَمسَ الشرٌّ أي اشتدّ. والتقاؤُهما أن الشيئين إذا حبَس أحدُهما صاحبَه تمانعا وتعارّا فكان ذلك كالشر يقع بينهما. ومنه العَلْبُ الأثرُ والعلْمُ الشقٌّ في الشَّفة العُلْيا فهذا من ع ل ب والباءُ أختُ الميم. ومنه تركيبُ ق ر د وتركيبُ ق ر ت قالوا: قرِدَ الشيءُ إذا تجمّع وقالوا قرَتَ الدمُ إذا جمَدَ والتاءُ أختُ الدال. ومن ذلك العَلَزُ للخِفّة والطَّيش، والقَلَق، والعَلَصُ لوجع في الجوف يلتوي منه ويَقْلَق والزاي أختُ الصاد. ومنه الغَرْبُ وهي الدلْوُ العظيمةُ، وذلك أنها تغرِف من الماء، والفاء أختُ الباء. واستعملوا تركيبَ ج ب ل وتركيب ج ب ن وتركيب ج ب ر لتقاربها في موضع

стр. 4834

واحد وهو الالتئامُ والتماسكُ ومنه الجبلُ لشدّته وقوّته وجَبُن إذا استمسك وتوقّف، ومنه جَبَرْتُ العظمَ أي قوَّيْتُه. وقد تقع المضارعَةُ في الأصل الواحدِ بالحرفين نحوُ السَّحِيل والصَّهِيْل فهذا من س ح ل وهذا من ص هـ ل والصاد أخت السين، كما أنَّ الهاء أختُ الحاء ونحوُ قولِهم سحَلَ في الصوت وزَحَر فالسين أختُ الزاي كما أنَّ اللامَ أختُ الراء. وقالوا: جَرَف وجَلَم فهذا للتقشير وهذا للقطع وهما متقارِبان معنًي ومتقاربان لفظًا، لأنَّ هذا من ج ل ف [٧ب] وهذا من ج ل م نعم. وتجاوزوا ذلك إلي أن ضارعوا بالأصول الثلاثةَ. الفاء والعينِ واللام فقالوا عصرَ الشيءَ وقالوا أزَلَهُ إذا حبَسه. والعصْرُ ضربٌ من الحبس فهذا من ع ص ر وهذا من أزَل والعينُ أختُ الهمزةِ والصاد أختُ الزاي، والراء أختُ اللام. وقالوا الأَزْمُ المنعُ والعصْبُ الشدُّ فالمعنَيانِ متقاربان، والهمزةُ أختُ العين، والزاي أختُ الصادِ والميم أختُ الباءِ، وهذا من أزَم وهذا من عصب (١). وقالوا السلْبُ والصَّرفُ فإذا سُلِبَ الشيء فقد صُرِف (٢) والسين أختُ الصاد واللام أختُ الواو والباء أختُ الفاء. وقالوا الغَدْرُ كما قالوا الختْلُ والمعنَيان متقاربان واللفظانِ متراسلا فهذا من غ د ر وهذا من خ ت ل فالعين أختُ الخاء والدال أختُ التاء والراء أختُ اللام. وقالوا زأَر الأسدُ كما قالوا سعَل لتقاربُ اللفظ والمعنى. وقالوا: عَدَنَ بالمكان كما قالوا: [تأطَّر] (٣) أي أقام وثبت وقالوا ضرب كما قالوا جَلَفَ لأن شارب الماء مغن له كالجالف للشيء وقالوا: صَهَلَ كما قالوا: زأَر، وقالوا تجعَّد

стр. 4835

كما قالوا تشحّط وذلك أنّ الشيءَ إذا تجعَّد وتَقَبَّض عن غيره شحَطَ وبُعَد عنه. وهذا من تركيب ج ع د وهذا من تركيب ش ح ط والجيم أختُ الشين والعين أختُ الحاء والدال أختُ الطاء. وقالوا السيفُ والصَّوبُ، وذلك أن السيفَ يوصَفُ بأنه يَرْسُب في الضَّرِيبة لِحدّته، ولذلك قالوا سيفٌ رَسوبٌ وهذا هو معني صاب يصوب إذا انحدر، فهذا من س ي ف وهذا من ص وب والسين أختُ الصاد، والباء أختُ الواو، والفاء أختُ الباء. وقالوا جاع يجوع وشاء يشاءُ فالجائع مريدٌ للطعام لا محالة، ولهذا يقول المدْعوُّ إلى الطعام إذا لم يُجبْ لا أُريده ولست أشتهي ونحوَ ذلكن والإرادةُ هي المشيئةُ وهذا من ج وع وهذا من ش ي أ فالجيم أختُ الشين والواو أختُ الياء والعين أختُ الهمزة. وقالوا هو حِلْسُ بيتِه إذا لازمه. وقالوا: أرَز الشيءُ إذا اجتمع نحوَه وتقبّض إليه ومنه: «إن الإسلامَ لَيأرِزُ إلى المدينة» (١) فهذا من ح ل س وهذا من أرَز، والحاء أختُ الهمزة [٨أ] واللام أختُ الراء والسين الزاي وقالوا أَفَلَ كما قالوا غَبرَ لأن أَفَلَ غاب والغابرُ آفِل أيضًا فهذه من أ ف ل وهذا من غ ب ر فالهمزة أختُ الغين والفاء أخت الباء واللام أختُ الراء. قال ابنُ جني (٢) وهذا (٣) موجود في أكثر الكلام وإنما بقيَ من يُثيره ويبحث عن مكنونه، بل من إذا أوضح (٤) له وكُشِفَ عنده حقيقتُه أطاع طبعُه له فوعاه، وهيهاتَ ذلك مطلبًا، وعَزّض فيهم مذهبًا. وقد قال أبو بكر: مَن عَرَفَ ألِفَ ومن جهلِ استوحش، ونحن نُتْبع هذا الباب بابًا أغربَ منه وأدلَّ علي حكمة اللهِ سبحانه تقدستْ

стр. 4836

أسماؤُه فتأمَّلْه تحْظَ به (١). [إمساس الألفاظ أشباه المعاني] (٢) وقد نبّه عليه الخليلُ وسِيبَويهِ وتلقَتْه الجماعةُ بالقَبول والاعتراف بصِحتّه. قال الخليلُ كأنهم توهّموا في صَوْت الجُنْدُبِ استطالةً [ومدّا] (٣) فقالوا: صرَّ وتوهّموا في صوت البازي تقطيعًا صَرْصَر. وقال سيبويه (٤) في المصادر التي جاءت على الفَعَلان إنها تأتي للاضطراب والحركة نحو [النفزان] (٥) والغَلَيان والغَثيان فقابلوا بتوالي الحركاتِ في المثال تواليَ الحركَاتِ في الأفعال. قال ابنُ جني (٦) ووجدْتُ أنا من هذا الحديثِ أشياءَ كثيرةٌ على سَمْتِ ما حَدّاه وِمنهاجِ ما مثَّلاه، وذلك أنك تجد المصادرَ الرُّباعية المضعَّفة تأتي للتكرير والزعْزعةِ نحو القلْقلة والصَّلْصَلة والصَّعْصَعة والجَرْجرة والقَهْقَرة، ووجدتُ أيضًا (الفَعَلَى) من الصفات والمصادرِ إنما تأتي للسًّرعة نحوُ: البَشَكَى والجَمَزَى والوَقَلَى والحيدَى (٧) فجعلوا

стр. 4837

المثالَ المكرّر أعنى بابَ القلقلة، والمثالَ الذي توالت حركاتُه للأفعال التي توالت الحركاتُ فيها. ومن ذلك ـ وهو أصنَعُ منه ـ أنهم جعلوا (استفعل) في أكثر الأمرِ للطلب، نحو استسْقَي واستطعَمَ واستوهَب واستمنَحَ [واستودَعَ عَمْرًا] (١) واستصرخ جعفرًا. فرُتّبتْ في هذا البابِ الحروفُ على ترتيب الأفعالِ، وتفسيرُ ذلك أن الأفعالَ المُحَدَّثَ عنها أنها وقعتْ عن غير طلبٍ إنما تَفجَأُ حروفُها الأصولَ أو ضارَعَ بالصنعةَ الأصولَ. فالأصولُ نحوُ قولِهم طَعِم ووهَب [٨ب] ودخل وخرج وصعد ونزل، فهذا إخبارٌ بأصول فاجَأتْ عن أفعالٍ وقعتْ، ولم يكن معها دِلالة تدل على طلب لها ولا إعمالَ فيها، وكذلك ما تقدمت الزيادةُ فيه على سَمْت الأصلِ نحوُ أحسَنَ وأكرم وأعطى وأوْلى، فهذا من طريق الصنعةِ بوزن الأصل نحو دحْرجَ وسرْهَفَ وقَوْفَى وزَوْزَي وذلك أنهم جعلوا هذا الكلامَ عباراتٍ عن المعاني وكلما ازدادتْ العبارةُ شبَهًا بالمعني كانت أدلَّ عليه وأشهَرَ بالعَرَض فيه، فلما كانت إذا فاجَأت الأفعالَ فاجَأتْ أصول المثلِ الدّالةِ عليها أو ما جرَى مَجْرى أصولِها نحوُ وهَب ومنَح وأكرَم وأحسَنَ كذلك إذا أخبْرتَ أنك سعَيتَ فيها وتسبَّبتَ لها وجب أن تَقدِّمَ أمامَ حروفِها في مُثُلها الدالةِ عليها أحرُفًا زائدةً على تلك الأصولِ تكونُ كالمقدِّمة لها والمؤدّيةِ إليها. وذلك نحو استفعل فجاءتِ الهمزةُ والسين والتاء زوائد، ثم وردَتْ بعدَها الأصولُ: الفاءُ والعينُ واللامُ، فهذا من اللفظ وفْقَ المعنى الموجودِ هنالك، وذلك أن الطلبَ للفعل والتماسَه والسعْيَ في والتأتِّيَ لوقوعه تقدَّمه ثم وقعت الإجابةُ إليه فتبع الفعلُ السؤالَ فيه

стр. 4838

والتسبيبَ لوقوعه. فكما تبِعَتْ أفعالُ الإجابةِ الطلبَ كذلك تبِعَتْ حروفُ الأصلِ الحروفَ الزائدةَ التي وُضعت للالتماس والمسألة. وذلك نحوُ استخراج واستقدم واستوهب واستمنَحَ واستعطى واستَدْني فهذا على سَمْت الصنْعةِ التي تقدّمت في رأي الخليل وسيبَويه إلاَّ أنّ هذه أغمضُ من تلك غيرَ أنها وإن كانت كذلك فإنها منْقولةٌ عنها ومعقودةٌ عليها ومَنْ وجَد مقالاً قال به وإن لم يَسبِقْ إليه غيرُه. فكيف به إذا تبِعَ العلماءَ فيه وتلاهم على [تمثيل] (١) معانيه. ومن ذلك جعلوا تكريرَ العينِ في المثال دليلاً على تكرير الفعل فقالوا: كَسَّرَ وقطَّع وفتَّح وغلَّق وذلك أنهم إذا جعلوا الألفاظَ دليلةَ المعاني [فأقوى] (٢) اللفظِ ينبغي أن تقابَلَ به قوةُ الفعلِ والعينُ أقوى من الفاء واللام، وذلك أنها واسطةٌ لهما ومكنوفَةٌ لهما فصارا كأنهما سياجٌ لها ومبذولان للعوارض دونها. (٣) فأما حذفُ الفاءِ ففي المصادر من باب وعد نحو العِدَة والزِّنة والهِبَه. وأما اللام فنحو اليد والدم والفم والأب والأخ والسَّنَة، وقَلّما تجد الحذفَ في العين. فلَّما كانت الأفعالُ دليلةَ المعاني كرّروا أقواها وجعلوه دليلاً على قوة المعنى المحدَّثِ به وهو تكريرُ الفعل، كما جعلوا تقطيعَه نحو صَرْصَرَ دليلاً على تقطيعه ولم يكونوا ليضعّفوا الفاءَ ولا اللامَ لكراهية [المضعَّفِ أن يجيءَ في آخرها] (٤) وهو مكانُ الحذفِ وموضعُ الإعلال، وهم قد أرادوا تحصينَ الحرفِ [٩أ] الدالِّ على قوة الفعلِِ، فهذا أيضًا من مساوقة الصنْعةِ للمعاني. وقد أتبعوا اللامَ في باب المبالغة العينَ وذلك إذا كُرّرت العين معها في نحو دَمَكْمَك

стр. 4839

وصَمَحْمَح وعَرَكْرَك وعصَبْصَب وغَشَمْشَم، والموضعُ في ذلك للعين، وإنما ضامَّتْها اللامُ هنا تبعًا لها ولاحقةً بها، ألا ترى إلى ما جاء عنهم للمبالغة من نحو اخلَوْلق واعشَوْشب واغدَوْدَنَ واحْمَوْمي واذْلَولي وكذلك في الاسم نحوُ عَثَوثل وغدَوْدَن وعَقَنْقَلٍ وهَجَنْجَل، وكلُّ واحدٍ من هذه المُثُل قد فُصِل بين عينيه بالزائد (١)، فعلمتَ أن تكريرَ العينِ في باب صَمَحْمَح إنما هو للعين وإن كانت اللامُ فيه أقوى من الزائد في باب افعَوعَل وفَعَوعَل وفَعَيعَل وفَعَنْعل لأنّ العينَ باللام أشبهُ من الزائد بها، ولهذا ضاعفوها أيضًا كما ضاعفوا العينَ للمبالغة نحو عُتُلٍّ وصُمُلٍّ وحُزُقٍّ ألاَّ ترى أنَّ العينَ [أقعدُ] (٢) في ذلك من اللام، فإنّ الفعلَ الذي هو موضوعٌ للمعاني لا يُضعَّف ولا يؤكد تكرير إلاَّ بالعين. هذا هو الباب. فأما اقعنسَسَ واسْحَنكَكَ فليس الغرضُ فيه [التوكيد و] (٣) التكريرَ لأنّ ذا إنما ضُعِّف للإلحاق، فهذا طريقٌ صناعيةٌ وبابُ تكريرِ العينِ هو طريقٌ معنْويّةٌ، ألا ترى أنهم لمّا اعتزموا إفادةَ المعنى توفّروا عليه وتحامَوا [طريق] (٤) زيادة من الخصائص (٢/ ١٥٦). الصَّنعةَ والإلحاقَ فيه، فقالوا قطّع وكسّرَ تقطيعًا وتكسيرًا ولم يجيئوا بمصدره على مثال الفَعْلَلَة فيقولون قطعة ولا كَسَّرةً كما قالوا في الملحق: يبطَرَ بيْطرةً وحَوْقَل حَوْقلةً وجَهْوَرَ جَهْورةً. ويدلُّك على أن افعَوعَلَ لما ضُعّفت عينه للمعني انصرف به عن طريق الإلحاق تغليبًا للمعنى على اللفظ وإعلامًا أنَّ قدْرَ المعنى عندهم أعلى وأشرفُ من قدْر اللفظِ أنهم قالوا في افعوعَل من رَدَدْتُ: ارْدَوَدَّ، ولم يقولوا اردَوْدَدَ فيظهَرَ التضعيفُ للإلحاق كما أظهروه في نحو اسحَنْكَكَ لما كان للإلحاق باحْرَنجمَ واخرنطم ولا تجد في بُنات الأربعةِ نحو احْرَوْجَمَ حتى يقال إن افعوعل من رَدْدتَ فيقال اردَوْدَدَ لأنه لا مثالَ له رباعيًا فيُلْحقَ هذا به، فهذا طريقُ المُثُل واحتياطاتُهم فيها بالصنعة ودَلالاتُهم منها على الإرادة والبُغْية.

стр. 4840

وهذا مما يوضح لك سِرَّ ما أسلفنا في الاشتقاق، وتبيّن لك أن العربَ لا يجعلون فعلاً من الأفعال أو اسمًا من الأسماء موافقًا لفعل أو اسم آخرَ على الصفة التى قدمنا [٩ب] إلاَّ وقد راعَوا معنًي يجمعُهما قريبًا أو بعيدًا فإنهم قد راعَوا ذلك في الألفاظ التي ليس بينها من الاتصال والعلاقةِ ما بين ما يصدُق عليه مسمَّى الاشتقاقِ من الألفاظ كما قدمنا الإشارةَ إليه بل لقد وقعت المُراعاةُ منهم لما هو دون ما ذكرنا فإنهم قد قابلوا الألفاظَ بما يشاكل أصواتَها من الأحداث [فيجعلون كثيرًا] (١) أصواتَ الحروفِ على سمْت الأحداثِ المعبَّرِ بها [عنها فيجد قوّتَها بها] (٢) كقولهم خَضم وقَضِم فالخضْمُ لأكل الشيء الصُّلْب اليابسِ نحوُ قضِمَت الدابّةُ شعيرَها، ومنه قولُهم (قد يُدْرك الخَضْمُ بالقضْم) أي قد يُدرك الرخاءُ بالشدة واللينُ بالشظف، ومنه قول أبي الدرداء يخْضِمون ونقْضَم، والموعِدُ الله (٣) فاختاروا الخاءَ لرَخاوتها للرَّطْب والقافَ لصلابتها لليابس فحَذَوا بمسموع الأصواتِ على خَذْو محْسوسِ الأحداث. ومن ذلك قولُهم النضْحُ بالمهملة للماء الخفيف لدقّةِ الحاء المُهْمَلة وجَعلوا النضْخَ بالخاء المُعجمة لما هو أقوى منه لِغِلَظ الخاء المُعْجمة.

стр. 4841

ومن ذلك قولُهم القَدُّ طُولاً والقَطّ عَرْضًا وذلك لأنّ الطاء أخصَرُ للصوت وأسرعُ قطْعًا له من الدال فجعلوا الطاءَ المتأخِّرة لقطع العَرْض لقُربه وسُرعتِه والدالَ لِما طَالَ من الأثَر وهو قطْعُه طولاً. ومنه قولُهم قَرَتَ الدمُ وقَرِدَ الشيءُ وتقرَّد، وقرَط يقرُط فالتاء أخفّ الثلاثةِ فاستعملوها في الدم إذا جفّ لأنه قَصْدٌ ومستخَفٌّ في الحِس (١) وقرِد من القَردَ لما يُخفى صوتَه، ويقال من القرْد وذلك لأنه موصوفٌ بالقِلّة والذِّلة. قال الله سبحانه: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٢) [وجعلوا الطاءَ وهي أعلى الثلاثةِ صَوْتًا للقَرْط الذي يُسمع]. (٣) ومن ذلك قولُهم الوسيلةُ والوَصيلة، فالصاد أقوى من السين لِما فيها من الاستعلاء فكانت الوصيلةُ أقوى من الوسيلة وذلك أن التوسّلَ ليست له عِصْمة الوصْلِ والصِّلة، لأن الصِّلةَ أصلها من اتصال الشيء بالشيء ومُماسّتِه له وكونِه في أكثرِ الأحوال بعضًا له، كاتصال الأعضاءِ بالإنسان، وهي أبعاضُه، ونحوُ ذلكِ، والتوسُّلُ معنًى يضعُفُ ويصْغُر أن يكونَ المُتوسَّل إليه، وهذا واضح، فجعلوا الصادَ لقوتها للمعنى الأقوى والسينَ لضَعْفها عنها للمعنى الأضعفِ. ومن ذلك قولهم خذا يخْذو بالواو لاسترخاء الأُذُن وخذأَ يخْذَأ بالهمزة للذل، والواو أضعفُ من الهمزة، واسترخاءُ الأُذنِ دون الذلِّ لأنّ الاسترخاء ليس من العيوب التي يُسَبُّ بها بخلان الذل (٤).

стр. 4842

ومن ذلك جفأ الوادي يجفُو بالواو وجفَأ [١٠أ] بالهمزة فإنّ فيهما معنى الجفا لارتفاعهما، يقال جفا الشيءُ يجفو وجفأ الوادي يجفأ ولكنهم استعملوا الهمزة في الوادي لقوة دفْعِه. ومن ذلك سِعِدَ وصَعِدَ فالصاد لما كانت أقوى لِما سلف من كونها من حروف الاستعلاء جعلوها لِما فيه أثَرٌ مشاهَدٌ يُرى وهو الصعود في الجبل والحائط ونحوِ ذلك وجعلوا السين لما فيها من الضَّعف لما لا يظهر ولا يشاهد حِسًّا إلاَّ أنه مع ذلك فيه صُعودُ الجَدِّ لا صعودُ الجسْمِ، ألاَّ تراهم يقولون هو سعيدٌ وهو عالي الجَدِّ، وقد ارتفع أمرُه وعلا قدره. (١) ومن ذلك قولهم سَدَّ وصَدَّ فالسدّ دون الصّدِّ، لأنّ السدِّ للباب والمنْظَرَة والصَّدَّ جانبُ الجبَل والوادي والشِّعب، وهذا أقوى من السدّ الذي يكون لثُقْب الكُوَّة ورأسِ القارورة. ونحو ذلك. ومن ذلك القَسْمُ والقَصْمُ فالقصْمُ أقوى فعلاً من القسم، لأنّ القصْمَ يكون معه الدقُّ، وقد يُقسم بين الشيئين فلا يُنكأ أحدُهما فلذلك خُصَّت بالأقوى الصاد، وبالأضعف السين. ومن ذلك تركيبُ ق ط ر وتركيبُ ق د ر وتركيب ق ت ر فالتاءُ خافيةٌ مستقلة والطاء ساميةٌ متَصَعَّدةٌ فاستُعمِلَتا لعاديهما في الطرفين كقولهم: قَطْر الشيءِ وقَتْرهُ،

стр. 4843

والدال بينهما ليس لها صعودُ الطاءِ، ولا نُزول التاءِ فلذلك كانت واسطةً بينهما فَعُبّر بها عن معظم الأمرِ ومُقابلتِه فقيل قدرُ الشيء لجُماعه. وينبغي أن يكون قولُهم قطرَ الإناءُ الماءَ إنما هو فَعَلٌ من لفظ القُطْر ومعناه ذلك لأنه [إنما ينقط] (١) الماء من صفحته الخارجةِ وهو قُطْرُه، فاعرِف ذلك فهذا ونحوُه إذا أنت أَتيتَه من بابه وأصلحْتَ فكرَك لتناوُله وتأمُّله أعطاك مَقادَه وأركبك ذُروتَه، وجلّي عليك [بهجاتُه] (٢) ومحاسنة وإنْ أنت تناكَرْتَه، وقلت هذا أمرٌ منتشرٌ ومذهبٌ صَعْبٌ مُوعرٌ حرمْتَ نفسَك لذَّته وسددْت عليها باب الحُظْوَةَ به. ووراءَ هذا ما اللُّطفُ فيه أظهرُ والحكمةُ أعلى وأصنَعُ. وذلك أنهم قد يُضيفون إلى اختيار الحروفِ وتشبيهَ أصواتِها بالأحداث المعبَّرِ عنها (٣) وتقديمَ ما يُضاهي أوّلَ الحدثِ وتأخيرَ ما يُضاهي آخرَه (٤) سَوقًا للحروف على سمْت المعنى المقصودِ والغرضِ المطلوب. ومن ذلك قولُهم شدَّ الحبْلَ فالشينُ لِما فيها من التفشّي تَشبَّهُ بالصوت أولَ انجذابِ الحبلِ قبل استحكام العَقْد، ثم يليها إحكامُ الشدِّ والجذْبِ فَيُعبّر [عنه] (٥) بالدال [١٠ب] التي هي أقوى من الشين لا سيما وهي مُدْغَمةٌ فهي أقوى لصنعتها وأدَلَُ على المعنى الذي أُريد بها. فأما الشِّدةُ في الأمر فإنها مستعارةٌ من شدّ الحبل. ومن ذلك قولُهم جرَّ الشيءَ يجُرُّه، قدموا الجيمَ لأنها حرفٌ شديدٌ وأولُ الجرِّ المشقّةُ على الجارّ والمجرورِ جميعًا، ثم عقّبوا ذلك بالراء وهي حرف مكرَّرٌ، وكرَّروها مع ذلك في نفسها، وذلك لأن الشيءَ إذا جُرَّ على الأرض في غالب الأمرِ اضطربَ صاعدًا عنها ونازلاً، وتكرّر ذلك منه على ما فيه من التعْتعَة والقَلَق فكانت الراءُ لِما فيها من

стр. 4844

التكرير، ولأنها أيضًا قد كُرِّرتْ في نفسها أوفقَ لهذا المعنى من جميع الحروفِ. فإنْ رأيتَ شيئًا من هذا لا ينقاد لك فيما رسْمناه ولا يتابِعُك على ما أردناه فذلك لأحد أمرين إما أن يكونَ لم تُنْعِم النظرَ فيه فيتَعَدَّ بك فكرُك عنه، أو لأن لهذه اللغةِ أصولاً وأوائلَ قد تخفى عنا وتقصُرُ أسبابُها دوننا. قال ابنُ جني في الخصائص (١): فإن قلتَ فهلا أجَزْتَ أن يكون ما أوردتَه في هذا الموضعِ يعني ما قدّمنا ذكرَه شيئًا اتّفق وأمرًا وقع في صورة المقصودِ من غير أن يُعتَقَدَ قلت: في هذا حُكمٌ بإبطال ما دلتْ الدِّلالةُ عليه من حكمة العربِ التي تشهد بها العقولُ. ثم قال ولو لم يُنبَّه على ذلك إلاَّ بما جاء عنهم من تشبيههم الأشياء بأصواتها كالخاقْ باق لصوت الفرجِ عند الجِماع، وغاق لصوت الغُراب وفي قوله: تداعَيْنَ باسم الشِّيب ... لصوت مَشافرِها. ومنه قولُهم حاحَيْتَ وعافَيْتَ وهاهَيْتَ إذا قلتَ حاءِ وعاءِ وهاءِ، وقولُهم بسْمَلْت وهَيْلَلْت وحَوْقَلْت كلُّ ذلك بأشباهه إنما يرجِعُ في اشتقاقه إلى الأصوات. قال (٢): ومن ظريف ما مرَّ بي في هذه اللغةِ التي لا يُكادُ يُعلم بُعدُها ولا يُحاط بقاصيها ازدحامُ الدال والتاء والطاء والراء واللام إذا ما زَجَتْهن الفاءُ على التقديم والتأخير، فأكثرُ أحوالِها ومجموعِ معانيها أنها للوهْن والضَّعْف ومن ذلك الدالِفُ للشيخ الضعيفِ والشيء التالفِ والطَّليف (٣). والدَّنِفُ المريضُ. ومنه التَّنوفَةُ وذلك لان الفلاةَ إلى الهلاك، ألا تراهم يقولون لها مَهْلكة، وكذلك قالوا بيداء فهى فعْلاء من بادَ يبيد.

стр. 4845

ومنه التُّرْفَهُ لأنها إلى اللّين والضَّعْف، وعليه قالوا الطَّرَف لأن طَرفَ الشيءِ أضعفُ مِن قلبه وأوسطِه. ومنه الفردُ لأن [المفْرَدَ] (١) إلى الضَّعف والهلاكِ ما هو. ومنه الفتورُ للضَّعف. والرَّفْتُ للكَسْر. والرَّديفُ لأنه ليس له تمكُّن الأوْل. ومن ذلك الطِّفْلُ: للصبيُّ لضَعفه. والطَّفْلُ للرّخصْ وهو ضدُّ الشَّثْنِ، والتَّفَلُ: للريحُ المكروهةُ فهي منبوذةٌ مطروحةٌ وينبغي أن تكون الدِّفْليَ من ذلك لضعفه عن صلابة النَّبْعِ. ومنه الفَلْتة لضعف الرأي وفَتْلُ المِغْزل لأنه تَثنٍّ واستدارةٌ، وذاك إلى وهْنٍ وضَعْف. والفَطْرُ الشَّقُّ وهو إلى الوهن. هذا حاصلُ كلامِه (٢) مع اختصار، وفيه ما يَزيدُك بَصيرةً بما ذكرناه سابقًا وجَمَعْنا هذا المختصر له مِنْ أن التوافُقَ في بعض [١١أ] الحروف بين الكلمتين لا يكون إلاَّ لمعنى يجمَعُهما قريبًا أو بعيدًا بحسَب تقاربُ الحروفِ بل مجرّدِ تقارُبِ مخارجِ الحروفِ، ويكون بينها اتصالٌ من وجْهٍ لا يكون إلاّ لجهة جامعةٍ بينهما باعتبار المعاني كما قدَّمنا في تركيب ع ص ر وتركيب أزل وهكذا في تركيب أزم وتركيب ع ص ب وهكذا تركيبُ غ د ر وتركيبُ خ ت ل وسائرُ ما ورد هذا المورِدَ، وقد قدّمنا إيضاحَه، وإذا عرفْتَ ما أوردناه في هذا المختصر حقَّ معرِفَته وتدَبَّرْتَه حقَّ تدبُّرِه اطَّلعْتَ على ما في هذه اللغةِ الشريفةِ من الأسرار السَّرِيّة والنُّكات الفائقةِ، واللطائفِ الرائقةِ، والإحكام البديع، والإتقان البالِغ، وسلامةَ أفهامِهم وأنهم أشرفُ طوائفِ هذا النوع الإنسانيِّ وأكرمُ بني آدمُ وأفضلَ البشرِ عُقولاً وقلوبًا وأفعالاً وأقوالاً وإصْدارًا وإيرادًا هذا على ما هو المذهبُ الحقُّ من أنهم الواضعون له لهذه اللغةِ الفائقةِ البالغةِ في الإتقان إلى حد تتقاصر عنده عقولُ المُرْتاضين بالعلوم

стр. 4846

على اختلاف أنواعِها وتتصاغر لديه إدراكاتُ المشتغلين بالدقائق على تبايُن مراتِبها، وإن علمًا يُوقِف [١١ ب] صاحبَه على هذه الأسرارِ لَعظيمُ الخَطَر، نبيلُ القَدْر، وإنّ فنًّا يُتوصّل به إلى هذا اللطائفِ لَكبيرُ الشأنِ جليلُ المكان، ومع هذا فما أقبحَ بالعالم المستكثِرِ من الفنون المتعلّقةِ بلغة العربِ أن يجهَلَ علمًا معْدودًا من علومها غيرَ مُندرجٍ تحت فنٍّ من فنونها فإن جماعةً من محقّقي العلماءِ جعلوا العلومَ المتعلِّقةَ بلغة العَرَب ستةً: النحوُ والصَّرْفُ والاشتقاقُ والمعاني والبيانُ والبديعُ وجماعةٌ منهم حصَروا فنونَ الأدب في علومٍ منها الاشتقاقُ حتى قال قائلُهم في حصر العلومِ الأدبية أبياتًا منها قولُه: لغةً وصَرْفٌ واشتقاقٌ نحوُها ... علمُ المعاني والبيان بديعُ وبالجملة فحقٌّ لفن مستقلٍّ وعِلْمٍ منفردٍ أن تعظمَ العِنايةُ به وتتوفَّرَ الرَّغْبةُ إليه وإن هذا المختصَرَ قد تكفّل ببيانه واشتمل على ما لا يوجد مجموعًا في غيره ولا يُوقَف عليه كاملاً في سواه. والحمدُ لله أولاً وآخِرًا. حرّره مؤلِّفُه غفر الله له.

стр. 4847

(٢٠٣) ١٠/ ٥ كلام في فن المعاني والبيان (تعليق من الشوكاني على كلام صاحب الفوائد الغياثية) تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديث محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4848

وصف المخطوط ١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: كلام في فن المعاني (تعليق من الشوكاني على كلام صاحب الفوائد الغياثية). ٢ ـ موضوع الرسالة: لغة عربية. ٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم عبارة صاحب الفوائد الغياثية وشارحها في المقدمة، وإنما احتاج في تطبيق الكلام على مقتضي الحال. ٤ ـ آخر الرسالة: فإن في كلام العرب نظمًا ونثرًا ما مثل ذلك، ويختلف باختلاف المسميات. والله أعلم انتهى من خط محرره سلمه الله تعالي. ٥ ـ نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ ـ عدد الصفحات: ٢ صفحتان. ٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: الأولي: ١٩ سطرًا. الثانية: ١٠ أسطر. ٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٩ ـ ٢٠ كلمة. ٩ ـ الرسالة من المجد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4849

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عبارةُ صاحب الفوائد الغياثيةِ (١) وشارِحها في المقدمة، وإنما احتج في تطبيق الكلام على مقتضي الحال [إلى علم الآن] (٢) المقامات، أعني بها الأقوالَ ليست كلُّها على نهج واحد، حتى يُستغني عن معرفة تفاصيلها، فإنَّ المقاماتِ مختلفةٌ، كالجدِّ مع الهزْلِ، والتواضعِ مع الفخْرِ، والمدح مع الذّم، والشكر مع الشكايةِ، والتهنئة مع التعزية، والترغيب مع الترهيبِ إلى غير ذلكن فيختلف ما يناسبُ كلاًّ من ذلك، وكل يستدعي تركيبًا يفيد ما يناسبه. هذا واضح لكن مقتضياتِ الأحوالِ المذكورة مما لم يضبط بعد فيما رأيناه من كتب الظنِّ، وإنما دوَّنوا الأقوالَ المقتضيةَ للحالات المخصوصة الإسنادَ والمسندَ إليه والمسندَ مثلاً، وهذا لا يغني عن ذلكَ، ولئن ساعدَ التوفيق، ووافق التقدير سأنتهض لذلك بعد الفراغ مما شرعت فيه، والله ـ سبحانه ـ ميسِّر كلَّ عسيرٍ انتهى، والمطلوب منكم تحقيقُ هذه المقاماتِ الخارجة عمَّ دُوِّن. كتب عليه مولانا شيخ الإسلام الحافظ عزُّ الأنامِ محمد بن علي الشوكاني ـ سلمه الله تعالي ـ: اعلم أنَّ فنَّ المعاني (٣) .....................................

стр. 4850

والبيان (١) والعلم الذي به تبين دقائق العربية وأسرارُها، وقد أوعت فيه أئمتُه بحيث لم

стр. 4851

يدعو شيئًا مما يحتاج إليه، وبيان ذلك أنهم أولاً ذكروا حدَّ البلاغة والفصاحةِ، (١) وما ينافيها حتى صارتا معلومتينِ لكل فاهم. ثم بعد ذلك ذكروا حدَّ علم المعاني بحيث ينطبقُ على ما يصدُقُ عليه مفهوم هذا العلم، وأوضحوا ذلك بذكر أحوال الإسناد (٢) والمسندِ (٣) .......................

стр. 4852

والمسندِ إليه، (١) وأحوال متعلِّقاتِ الفعلِ، والقصرَ (٢)، ....................................................

стр. 4853

والإنشاء (١) والفصل (٢)، ..........................................................................

стр. 4854

والوصل (١) ..............................................

стр. 4855

والإيجاز (١) .....................................................

стр. 4856

والإطناب (١) .............................................

стр. 4857

والمساواة, (١) ثم استدلوا على انحصار علم المعاني في هذه الأبواب بما لا يبقى بعده شك ولا ريب لكل عارف, ثم ذكروا حدَّ علم البيان (٢) على وجه يشملُ كل ماله دخْلٌ في هذا العلم, وذكروا الدلالةَ الوضعيةَ والعقليةَ وأقسامَهُما ولوازمَهُما على أتمِّ إيضاح,

стр. 4858

وأبلغ بيان. ومعلوم انحصارُ الدلالات في الدلالتين, فلا يبقى شيء من الدلالات إلاَّ وهو مندرج تحت ذلك مبيَّنٌ أكملَ بيانٍ, فبرهن عليه بأوفى برهان, بحيث لا يخرج عنه شيء, ولا يشذُّ فيه شاذٌّ. فقول صاحب الفوائد الغياثية أن مقتضياتِ الأحوال مما لم يضبطْ فيما رآه من كتب الفنِّ إن أراد لم يضبطْ بأمر كل ما يندرج تحته جميعُ الأفراد فباطلٌ, فقد ضبطت بالقوانين الكلية المنطبقة على جميع الأفراد كما شأن كل فنٍّ من فنون العلم, وإن أراد تعدادَ الأمثلة, وتكرارَ إيراد الصور لمجرَّد الإيضاحِ فمثلُ هذا قد أغنى عنه القانون الكلِّيُّ المنطبقُ على أفراده, والاعتراضُ بمثله غفلةٌ شديدة [١أ]، وذهول عن قواعد الفنونِ العلميةِ بأسْرها، فإنَّ أهل النحو أو الصرف مثلاً لو أرادوا استيعابَ كلِّ الأمثلةِ، وجميعَ الصور لم يتمكَّنوا من ذلك قطٌُ، بل ضبطوا علم الصرف بضابط كليٍّ اندرج تحته جميع الأفراد، وكذلك علماءُ النحو صنعوا كذلك، وكذلك علماء المنطق، وعلماء الأصول، بل العلوم كلُّها هكذا، ومن زعم ما يخالفُ هذا فهو لا يعرف هذه العلومَ لا جملةً ولا تفصيلاً نعم علم اللغة من حيثُ لفظُها هو الذي يحتاج إلى استيعاب ما ورد عن العرب لأنه لم يكن هناك ضابطٌ كليٌّ، بل المتعةُ ذِكْرُ كلِّ لفظٍ للاطلاعِ على هذه اللغةِ العربية. إذا عرفت هذا فاعلم أنَّ الفن الثالثَ من فنون هذا العلم هو علم البديع (١) الذي يعرف به وجوهُ تحسين الكلام، كائنًا ما كان. ولا وجه لاقتصار المصنِّفين في البديع على أنواعٍ مخصوصة، ولا لاقتصار أهل البديعياتِ على تلك الأنواعِ التي أوردوها في نظمِهم،

стр. 4859

بل ما كان له مدخل في التحسين كان من علم البديع، ويسميه مستخرجُه بأي اسم كان مما فيه مناسبة لذلك النوع. وقد جمعتُ كراسةً ذكرتُ فيها أنوعًا غيرَ داخلةٍ في الأنواع التي ذكرها علماء الفن، وشعراءُ البديعياتِ (١) وأخبرنا بعضُ علماء الديار القاصية أنها قد انتهت عندهم إلي سبعِ مائة نوعٍ، (٢) وذلك غير غريب، فإنَّ في كلام العرب نظمًا ونثرًا ما يحملُ مثل ذلك، ويختلف باختلاف المسمَّيات. والله أعلم انتهى من خط محرره ـ سلمه الله تعالى ـ.

стр. 4860

(٢٠٤) ٢٢/ ٥ الروضُ الوسيع في الدليل المنيع على عدم انحصارِ علمِ البديع تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديث محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4861

وصف المخطوط: (أ) ١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: الروض الوسيع في الدليل المنيع على عدم انحصار علم البديع. ٢ ـ موضوع الرسالة: لغة عربية. ٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذي الصنع البديع والشأن الرفيع والفضل الوسيع. ٤ ـ آخر الرسالة: ومن زاد زاد الله في حسناته حرره مؤلفه غفر الله له. ٥ ـ نوع الخط: خط نسخي مقبول. ٦ ـ عدد الصفحات:٨ صفحات + صفحة العنوان. ٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة ٢٢ سطرًا. ٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ٨ ـ ١٠ كلمة. ٩ ـ الرسالة من المجد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4862

وصف المخطوط: (ب) ١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: الروض الوسيع في الدليل المنيع على عدم انحصار علم البديع. ٢ ـ موضوع الرسالة: لغة العربية. ٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذي الصنع البديع والشأن الرفيع والفضل الوسيع، والجود المريع ... ٤ ـ آخر الرسالة: أمتعنا الله بطول حياته وكان معه في جميع حالاته، وأسكنه بعد العمر الطويل فسيح جنّاته آمين الله آمين. ٥ ـ نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ ـ عدد الصفحات:٨ صفحات + صفحة العنوان. ٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة ٢٣ سطرًا. ٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات. ٩ ـ الرسالة من المجد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4863

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله ذي الصُّنِع البديع، والشأن الرفيع، والفضلِ الوسيع، والجود المَريع والصلاة والسلام على الشفيع المشفَّع وعلى آله وصحبِه السُّجَّد الرُّكَّع. وبعد: فإنَّ علمَ البديعِ (١) الذي هو ثالثُ فنونِ البيانِ المشتمل على ما يُعرف به وجوهُ [مجيء] (٢) الكلام [بعد رعاية] (٣) المطابقة ووضوحِ الدِّلالةِ، قد جمع المصنّفون في علم المعاني من ذلك عددًا يسيرًا بالنسبة إلى ما ذكره أهلُ البديعيَّاتِ، والكلُّ بالنسبة إلى ما يحتمله الكلامُ والتحسينُ يسيرٌ غيرُ كثير، حرَّرْتُ هذه النُّبذةِ كالبُرهان على هذه الدعوى فتحًا للباب ورفعًا للحجاب، وتنشيطًا لِهمَم ............................................

стр. 4864

[الطالبين] (١) أهل الفنِّ وترغيبًا للمشتغلين به المتوفِّرين على التوسُّع منه والاستكثارِ من أنواعه، فإن هذا فنٌّ لا حجْرَ [فيه] (٢) ولا منْعَ من الاستزادة منه بل كلُّ ما له مدخلٌ في التحسين فهو بالتنبيه عليه قَمين، والفنُّ في مواضعه واصطلاح أهله فن توسعةٍ وتكثير لا فنُّ حصرٍ وتحجير، فانظُر يا مَن له فهمٌ مُرتاضٌ بلطائف الكلامِ إلى ما اشتملت عليه هذه الأبياتُ التي ذكرتُها في هذا المقام [١]. [فالذي] (٣) ينبغي أن تسمى شهادة الديار بما أفاض عليه من الآثار: آلا إنَّ وادي الجزعْ أضحى ترابُه ... مِن المسّ كافورًا وأعوادُه رَنْدا وما ذاكَ إلاَّ أنَّ هندًا عشيَّةً ... تمشَّت وجرَّتْ في جوانبه بُرْدًا [والذي] (٤) ينبغي أن يسمي التأنيس بالتأسيس: وأذكُرُ أيامَ الحِمى ثم أنثني ... على كبدي مِن خشيةٍ أن تصَدَّعا وليستْ عشيّاتُ الحِمى برواجعٍ ... إليكَ ولكنْ خلِّ عينيكَ تَدْمَعا [والذي] (٥) ينبغي أن يسمّى التهديد مع [التسديد] (٦) وأنتَ وحسبي [قد] (٧) تعلم أنَّ لي ... لسانًا أمامَ المجْدِ يبني ويهدمُ وليس حليمًا مَن تُقَبِّل كَفََّة ... فيرضى ولمنْ مَن يُعضُّ فيحلمُ [١أ] [والذي] (٨) ينبغي أن يُسمَّى قلبَ الوسيلة وإن كانت جليلة: يقولون خبِّرنا فأنت أمينُها ... وما أنا إنْ خبَّرتُهم بأمينِ

стр. 4865

[والذي] (١) ينبغي أن يسمى التعريضَ بالذم لمن كان وجودُه كالعدم: أيا شجَرات بالأباطِح من منًى ... على شط وادي البانِ مُشُتبكاتِ إذا لم يكنْ فيكنّ ظلٌّ ولا جنًى ... فأبعدكُنَّ الله من شَجَرات والذي ينبغي أن يُسمَّى تهوينَ العليل مع القطعِ [بملامة] (٢) الجليل: إذا كنتَ قد أيقنتَ أنك هالكٌ ... فمالَكَ ممَّا دون ذلك تُشْفِقُ ومما [جناه] (٣) المرءُ ذو الحلم أنه ... يرى الأمرَ حتْمًا واقعًا ثم [يعْلق] (٤) [والذي] (٥) ينبغي أن يسمى التجهيل بركوب غير السبيل: وكلُّ امرئ يدري مواقعَ رَشْدِه ... [ولكنما الأعمى] (٦) أسيرُ هواهُ هوى نفسِه يُعميه عن قبح عينِه ... وينظُرُ عن حدْقٍ عيونَ سواهُ [والذي] (٧) ينبغي أن يسمى تهوينِ الخطْب بما لا بد منه من الكرب: أرى الناسَ في الدنيا كراعٍ تنكَّرتْ ... مراعيه حتى ليس فيهنّ مَرْتعُ فماءٌ بلا مرعى ومرعى بغيرها ... وحيث يرى ماءً ومرعً فيتْبعُ [٢] [والذي] ينبغي أن يسمى دفعَ الجحود [بلازم] (٨) الوجود: وقائلةٍ يا راكبَ الخيلِ هل ترى ... أبا ولدي عنه المنيةُ [خلَّتِ] (٩) فقلتُ لها لا علْمَ لي غيرَ أنني ... رأيتُ عليه المشْرفيَّةَ سُلَّتِ

стр. 4866

ودارتْ عليه الخيلُ [طوقين] (١) والظُّبا ... وحامتْ عليه الطيرُ ثم تدلَّتِ فصكَّتْ جبينا كالهِلال إذا بدا ... وقالتْ لك الويلات ثم توَّلتِ [والذي] (٢) ينبغي أن يسميّ المقابلة بما يستلزم المفاضلة: [لو كنتُ من مازنٍ لم تستبحْ إبلي ... بنو اللَّقيطةِ من ذُهْلِ بن شيبانا قومٌ إذا الشر أبد ناجذيه لهم ... طاروا إليه جماعاتٍ ووحْدانا يَجزون من ظلم أهل الظلمِ مغفرةً ... ومن إساءة أهلِ السوء إحسانا إذًا لقامَ بنصري معشرٌ خُشُنٌ ... عند الكريهةِ إن ذلوا ببرهان لكنَّ قومي وإن كانوا ذوي عددٍ ... ليسوا من الشرِّ في شيء وإن هانا كأنَّ ربَّك لم يخلقْ لخشيته ... سواهُم من جميع الخلقِ إنسانا [١ب] (٣). [والذي] (٤) ينبغي أن يسمّى الكلامَ المادح مع التفاوت القادح: كنّا الأَيْمنينِ إذا التقينا ... وكان الأيسرَين بنو أبينا فأبوا بالنِّهاب بالسَّبايا ... وأُبْنَا بالملوك مُصفَّدينا (٥) [والذي] ينبغي أن يسمّى الأزْرى بمن ارتكب بما هو بالإثم أحرْى.

стр. 4867

سقوني وقالوا لا تُغنِّ ولو تسقى ... جبالُ حُنين ما سَقوني لغنّتِ معتّقةً كانت قريشٌ [تعافُها] (١) ... فلما استحلُّوا قتلَ عثمانَ حلّتِ [والذي] (٢) ينبغي أن يسمّى استدراك ما فرَطَ بما يُنبَّه على الغَلَط: رمتْني على عمَدٍ بثينةُ بعدما ... تولَّى شبابي وارجَحَنّ شبابُها ولكنما تَرْمَيْنَ نفسًا مريضة ... لعزة منها صفْوُها ولُبابُها [والذي] (٣) ينبغي أن يسمّى الإرشاد إلى ترك الشرّ بالتخويف بما يتعقَّبُه من الضَرّ. لا تهتِكَنْ من مساوي الناس ما ستَروا ... فيهتِكَ الناسُ سِترًا من مساويكا واذكر محاسنَ ما فيهم إذا ذُكِروا ... ولا تعِبْ أحدًا منهم بما فيكا [٣] [والذي] (٤) ينبغي أن يسمَّى الإرشاد إلى تيسُّر الانقياد: هو السَّيلُ إنْ واجَهْتَه انقدْتَ طَوْعَهُ ... ويقْتادُه من جانبيه فيتْبَعُ ومثلُه: هو السيفُ إنْ لاينْتَه لان لمسُه ... وحَّداه إنْ خاشَنْتَه خَشِنانِ [والذي] (٥) ينبغي أن يسمي التهديد بالمعنى القريب والبعيد: وعلى عدوك يا بن بنت محمدٍ ... رصد إن ظنّوا الصبح والإظلام فإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلَّتْ عليه سيوفَك الأحلامُ [والذي] (٦) ينبغي أن يسمى التآلفُ على التكافف: بنفسيَ مَن لو مرَّ بَرْدُ بنانِه ... على كبدي كانت شفاءً أناملُهْ ومن هابني في كل شيء وهبْتُه ... فلا هوَ يعطيني ولا أنا سائلُهْ [والذي] (٧) ينبغي أن يسمّى تنزيلَ الإشارة بمنزلة العبارة: [له لحظات من خفايا سريره ... أُذاكِرُها فيها عِقابٌ ونائلٌ

стр. 4868

فأمَّا الذي أمَّنتُ أمَنَ الرَّدى ... وأما الذي أوعدْتُ بالثكل ثاكل كريمٌ له وجهان: وجْهٌ لدى الرضا ... أسِيلٌ ووجهٌ في الكريهة باسلُ وليس بمعطي العفْو عن غير قدرةٍ ... ويعفو إذا أمْكنَتْه المقاتِلُ [٢أ] (١) [والذي] (٢) ينبغي أن يسمّى الامتحان لمحاسن الإنسان: تُقلِّبُُهُ لِنخْبَرَ حالتيه ... فتَخْبَرَ منهما كَرمًا وطِيبًا نميلُ على جوانبه كأنّا ... إذا ملنا نميل على أبينا [والذي] (٣) أن يسمى الاستدلالَ على الكرم بالقُرب في الغنى والبعد في العدم أسَدٌ ضارٍ إذا هِجْتَه ... وأبٌ برٌّ إذا ما قدرَا يعرِف الأبعدَ إن أثرى ولا ... يعرِف الأقربَ إمَّا افتقرا [والذي] (٤) ينبغي أن يسمى ربْطَ الاستحسان بما يُفيد الاطمئنان: إذا بلغ الرأيُ المشورةَ فاستعنْ ... برأي نصيحِ أو نصيحةِ حازمِ ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً ... فإن الخوافي قوّةٌ للقوادم [والذي] (٥) ينبغي أن يسمّى دفعَ الضَّعف ببعض العُنفُ: تراهم يغمزون من اشتركوا ... ويجتبون من صدَق المصاعا ومثلُه [قول القائل] (٦): لا يسْلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى ... حتى يُراقَ على جوانبه الدمُ

стр. 4869

ومثلهُ أيضًا: وإنما الناسُ لا تصفو مودّتُهم ... حتّى تُذيقَهُم كاسًا من الألمِ ومثلُه أيضًا: مَن ظلم الناسَ تحامَوا ظُلمَه ... وعز فيهم جانباه وأحظا (١) ومثلُه أيضًا: ومَن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدَّم ومن لا يظلم الناسَ يُظلمِ (٢) ومثلُه أيضًا: وفي الشر نجاة حين لا يُنجيك إحسانُ ... وبعضُ الحِلْمِ عند الجهلِ للذّلَة إذعانُ (٣) [والذي] (٤) ينبغي أن يُسمّى التحذير بما يستلزم التكثير: ولا تُفشِ سِرَّكَ إلاَّ إليكَ ... فإن لكل نصيح نصيحًا فإني رأتي غواة الرجال ... لا يتركون إذْ نما صحيحًا ومثله أيضًا: إذا ضاق صدر المرئ عن سر نفسه ... فسر الذي مستودع السر أضيق [والذي] (٥) ينبغي أن يسمّي المنذِرَ من المبادئ الحسن مع العواقب الخشنِة: الحربُ أولَ ما يكون فتيّةٌ ... تسْعى لريبتها لكل جَهولِ سمطًا حوَتْ رأسها وسكرت ... مكروهةٌ للشمّ والتقبيل حتى إذا حمَلَتْ وشبّ ضِرامُها ... عادت عجوزًا غير ذات خليل

стр. 4870

[والذي] (١) ينبغي أن يسمّي المكافة للآفة بالآفة: ولا أتمنى الشر [لو كان] (٢) تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب (٣) [والذي] (٤) ينبغي أن يسمّي التصير لنيل الشرف الكبير: أبت لي همتي وأبى إبائي ... وأخذ المجدَ بالثمن الربيحِ وقولي كلما جشأت وجاشت ... ويدَك تُحْمدي أو تستريحي وإقدامي على المكروه نفسي ... وضَرْبي هامةَ البطلَ المُشيحِ (٥) فإما رُحتُ بالشرف المعلى ... وإمّا رُحتُ بالموتُ المريح [٢ب] ومثلُه [يعني التصبير] (٦) قولُ الآخر: أقول لها وقد طارتْ شعاعًا ... من الأبطال وَيْحكِ لا تُراعي فإنَّك لو سألتِ بقاءَ يومٍ ... على الأجل الذي لك لم تُطاعي ومثلُه أيضًا: فتًى مات بين الطعنِ والضربِ ميتةً ... تقوم مقامَ النصرِ إنْ فُقِد النصرُ فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رِجْلَه ... وقال لها من تحت أخْمصِكِ الحشرُ تردى ثياب الموتِ حُمرًا فما أتى ... لها الليلُ إلاَّ وهي من سندسٍ خُضْرُ ومثلُه أيضًا: لا بدّ أن أركَبَها صَعْبةً ... وقاحةً تحت عَلامٍ وَقاحْ أُجهِدُها أن تنثني بالرَّدى ... دون الذي أمَّلتُ أو بالنّجاحْ
следующие страницы →