التشبيهِ، فيكسوها وصفُ المشبَّه به من غ ير تعبيرٍ فيه، وأما قوله: ومن البيِّنِ فقد بيَّنا أنه خيالٌ فاسدٌ لا يلتبسُ على من له قدَمُ صِدْقٍ في القواعد البيانية.
واعلم أن الفاضل اليمني توهَّم اجتماعَ التبعيةِ والتمثيليةِ من عبارة المفتاحِ، لكنه لم يصرحْ بأن طرفي تلك التمثيليةِ يكونان منتزعيْنِ من أمور عدَّةٍ فخفى الفسادُ في كلامه، والشارحُ قلَّده في ذلك، وزاده ما أظهر فسادَه، فتثبتْ أنت في رعايةِ القوانينِ، ولا تكن من المقلِّدين الذين يحسبونَ أنهم يحسنون صُنعًا.
أقول: لا يخفى على ذي فهم سليمٍ، وقدمٍ في العلوم قويمٍ أنَّ كلام السعد هذا في غاية [٢٣] المتانةِ والرصانةِ والمطابقةِ لأساليبِ الجدلِ، والمناسبةِ لقواعدِ المناظرةِ، فإنه قال لا يُقالُ: الاستعارةُ التبعية الحرفيةُ لا تكون تمثيليةً، لأنها تلتزمُ كونَ كلٍّ من الطرفينِ مركبًا، ومتعلَّقُ معنى الحرف لا يكون إلا مفردًا، لأنا نقول: كلتا المقدمتينِ في حيِّز المنع فهذا الكلام لا يشكُّ مَنْ نظَرَ فيه أنه قد جرى من مسالك الإنصاف في أوضح مسلكٍ، وأبينِ طريقٍ، لأنه حاصلُ ما اعترضَ الشريفُ عليه، فإنه بنى اعتراضَهُ على دعوى كون متعلَّق معنى الحرف مفردًا، وعلى دعوى كون كلٍّ من طرفي الاستعارةِ التمثيليةِ مركَّبًا، ولا يشكُّ عارفٌ أنه يصدُقُ على كلِّ منهما اسمُ الدعوى في مصطلح علم المناظرةِ، فأجابه السعد بالمنعِ الذي هو بمعنى طلب الدليل فلم يأت الشريف في هذا الكلام الطويل الذي كتبناه وتعقبناه بشيء يكون دليلاً. ولا نَقَلَ عن أهل الفنِّ ما يشهُدُ لما ادَّعاه حتى يُحمَلَ كلامُهُ علمًا على تقليد أهل فنِّ البيان.
وغايةُ ما ساقه في هذه الأبحاثِ هو مجرَّدُ الدعاوى، كما بينه في كل موضع، ولم يأتِ هنا في جواب المنعين إلا باتهام المقصرينَ أنهما من [ .... ] (١) ثم زعم أنه قد أسلفَ ما يجب العلم بسقوط هذين المنعينِ سقوطًا لا مريةَ فيه ولا خفاء، ولست أدري كيفَ وقعَ هذا المحققُ الكبير والعلامةُ النِّحرير في مثل هذه التعسُّفات الخارجة عن الأساليب المعتبرة!
стр. 4937
وأسعدُ الناس بالحقِّ في مثل فنِّ البيان هو من وافق القواعدَ المعتبرةَ عند أئمته، وإنَّ من أعلاهم كَعْبًا، وأرفعِهم فهمًا، وأحقَّهم بالاقتداء به، والمشي على طريقتهِ، والتقيدِ بأقواله ... إلى تقريره الإمام السكاكي، والإمام الزمخشري. وقد حكيناه لك عنهما ما هو شاهدُ صدقٍ على أن السعد هو أسعدُ الرجلين بالحق، وأولاهما بمصطلح أهل الفن، فإن كان الاعتبارُ في فن البيان بالأكابر من أئمته فلا أكبر من هذين الإمامين فقد وقع الاتفاق على أنهما قد عضّا على دقائقِه وحقائقِه بأقوى لِحْيَيْن، وإن كان [٢٤] الاعتبار بموافقةِ علمِ اللغةِ لكون موضوعِ هذا الفنِّ هو دقائق العربيةِ وأسرارُها فقد عرفتَ من جميع ما سلفَ أنه لم يأتِ الشريفُ في مباحثته هذه بشيء منها تقومُ به الحجةُ على خَصْمِه، وإن كان الاعتبارُ بالاصطلاحِ الواقع لأهل الفنِّ في الكتب المدوَّنة فيه.
فانظر هل تجدُ فيها شيئًا يشهدُ لما ذكره، ويدلُّ عليه! ومع هذا فالفاضلُ اليمني المعروفُ في هذه الديار بالعلويِّ قد صرَّح بما قدمنا ذِكْرَهُ من أنه قد دلَّ الاستقراءُ على أنَّ الاستعارةَ التبعيةَ تمثيليةٌ، وهو غيرُ متَّهم فيما ينقلُه عن أهل الفنِّ، فإنه من أئمته ...
فلو فرضنا أنه لم يكن في المقام شيء من هذه الأمور الشاهدةِ لما قاله السعد بالصحةِ لكان قيامُهُ قيامَ المنعِ يرتضيهِ المنصفُ على فرض عجز المانعِ عن نقض ذلك الدليل أو معارضتهِ. ثم انظر كيف صنع المحققُ الشريفُ ﵀ في كلامه هذا، فإنه لما جعل سقوط المنعينِ أمرًا معلومًا لا مريةَ فيه ولا خفاء كرّ على مناقشة العبارةِ بما لو كان صحيحًا لم يغنِ عنه شيئًا في محل النزاعِ، مع أن هذه العبارةَ المناقشةَ لا فرقَ بينهما، وبين عبارة السكاكي، فإن لفظ عبارة السكاكي هكذا، ومن الأمثلة استعارةُ وصفِ إحدى صورتينِ منتزعتينِ لوصف صورةٍ أخرى ... انتهى.
وهذه العبارة مثلُ عبارة السعدِ، وقد اعترفَ الشريفُ في كلامه هذه بعبارةِ وصفٍ، لكنه حذفَ لفظَ صورةٍ. ثم اعتذرَ عن نقل السعد لعبارة صاحب المفتاح بأنه خيالٌ فاسدٌ ولو كان بمثل هذه المراوغاتِ يُؤْكَلُ الكتِفُ لَدَفَعَ من شاء ما شاءَ، وتزلزلتِ المعارفُ
стр. 4938
العلميةُ، ولم ينفعُ محقٌّ بما في يده من الحقِّ، ولا افتضحَ مبطلٌ بما يزخرفه فيه من الباطلِ. فعليك أيُّها الناظر في هذا المقام بتدبُّر ما اشتملتْ عليه هذه المباحثةُ بين هذين الإمامينِ، فقد أسفر الصبحُ لذي عينين. (١)
стр. 4939
فرغ من تحريره مؤلّفه محمد بن علي الشوكاني ـ غفر الله لهما ـ في ليلة الأحد لسبع وعشرين خلتْ من شهر رجب سنة ١٢٢١. حامدًا لله، ومصليًا مسلمًا على رسوله وآله.
стр. 4940
(٢٠٨) ٢٩/ ٣
جيد النقد بعبارة الكشاف والسعد
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4941
وصف المخطوط:
١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: جيد النقد بعبارة الكشاف والسعد.
٢ ـ موضوع الرسالة: لغة العربية.
٣ ـ أول الرسالة: سيدي المالك القدير العلامة الأوحد عزَّ الإسلام وزينه الأنام محمد بن علي حفظه الله، وأمتع بحياته وعليه أفضل السلام ورحمة الله وبركاته ...
٤ ـ آخر الرسالة: بما لا يبقي بعده ريبٌ لمرتاب إن شاء الله.
حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله له في صباح يوم الأربعاء من ربيع الآخر سنة ١٢٢٤هـ.
٥ ـ نوع الخط: خط نسخي عادي.
٦ ـ عدد الصفحات: ٨ صفحات.
٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٢٧ سطرًا.
٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٠ ـ ١٣ كلمة.
٩ ـ الناسخ: محمد بن علي الشوكاني للجواب، وعلى هاجر للسؤال.
١٠ ـ الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4942
[السؤال]
الحمد لله .. سيدي المالك القدير العلامةَ الأوحدَ، عزَّ الإسلام، وزينةَ الأنام، محمدَ بن علي ـ حفظه الله ـ وأمتع بحياته وعليه أفضل السلام ورحمة الله وبركاتهُ، أشكلَ على المحبِّ على هاجر قولُ صاحب الكشاف (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) فقال: ما تركنا وما أغُفلنا في الكتاب في اللوحِ المحفوظِ من شيء من ذلك لم نكتُبْهُ، ولم نُثْبِتْ ما وجبَ أن يَثْبِتُ مما يختصُّ به.
وقال سعد الدين في الحاشية عليه: قولُه نختصُّ به (بالنون)، وضير (به) لما، ويروى بالياء، والمستكِنُّ (لما)، وضميرُ بهِ للكتابِ، وكيف ما كان فهو بيانٌ لما وجب فيه احترازٌ عما يتعلَّق بقدرة العباد وإرادتِهم، فإنها لا تكون من هذا القبيلِ، وإنما تُعْلَمُ تِبْعًا لما يقع ... انتهى.
فالمحبُّ ـ مع قصوره في علم الكلام، وعدمِ وجودِ كتاب فيه لديه ـ، أشكلَ عليه هذا التخصيصُ، فإنه ظهر عنه أن ما يتعلَّق بقدرةِ العبادِ وإرادِتهم فهو غيرُ مكتوبٍ في اللوح، ولا معلومٍ في الأزل، وإنما يُعْلَمُ بعد وقوعِه، فهذا ما فهمه الحقيرُ، وما أظن ذلك مرادَ صاحبِ الكشافِ، ولا مرادَ المحشِّي. ولعل الحقيرَ إنما أتى من قِبَلِ سوء فهمه للمرادِ.
فالمطلوبُ إزالة الإشكالِ في ذلك. وما المراد بهذا التخصيص؟ وما الملجئ إليه؟ وما المراد أيضًا بما يتعلق بقدرة العباد وإرادتهم فإنه إن كان المراد بذلك أفعالهم ونحوَها فقولُه صلي الله عليه وسلم في الحديث المشهور: «ثم يرسلُ الملَكُ، فيؤمر بأربعٍ: بكتب رزقِه، وعملِه، وأجلِه، وشقيٌّ أم
...........................................................
стр. 4943
سعيدٌ» (١) يفيدُ أن جميعَ أفعال العبادِ معلومةٌ قبل وقوعِها، وكذلك عمومُ قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ دليلٌ على ذلك ... ولما كان معتقدُ الحقيرِ في غير نظرٍ في كتب علمِ الكلامِ أن الله يعلم بعلمِه السابقِ كلِّ شيء مما يختصُّ به، مما يتعلَّق بقدرةِ العبادِ من أفعالِهم وأقوالِهم وإرادتِهم وخطَراتِ قلوبِهم ولحظاتِ أعينِهم ووساوسَ نفوسِهم أشكلَ عليه هذا التخصيصُ غايةَ الإشكالِ، فالمراد إراحةُ الحقير عن هذا الإشكال، وتبيين الحق في هذه المسألةِ، وتبيين ما أراده المصنِّفُ والمحشِّي، وتوضيحُ المسألة ـ أجزل الله جزاءكم، وتولنا، ولا أخلَّ الوجود عن مثلكم ـ ولم أقل مثلك أعني به سواكَ يا بدرُ بلا مشبهةٍ، وفي حماية الله وحسن رعايته آمين [١].
стр. 4944
[الجواب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمينِ، وآله الطاهرينَ وبعدُ:
فإنه ورد السؤالُ الملصقُ بظاهر هذه الورقةِ من السائل ـ كثر الله فوائده ـ، وقد كنت أمرتُ العلامة محمد بن علي العمراني (١) ـ عافاه الله ـ بالجواب عنه، فأجاب بجواب مفيدٍ جدًّا، ذكر فيه ما ورد في إثبات القدَرِ على الوجهِ الذي وردت بهِ الشريعةُ، وما ورد في السنة المطهرةِ من أن الله يأمر الملَكَ بكتْب رزقِ المولودِ، وأجلِهِ، وعمَلِهِ، وكونهِ شقيًّا أم سعيدًا، وذكر أيضًا ما ورد في ذمِّ القدريةِ، وأوضح أنهم من قال أنَّ الأمر أنفٌ (٢) كما ثبت تعيينُهم عن السلفِ الصالحِ، وكثير من العلماء المنصفينَ، ثم تكلم بعد ذلك في خصوصِ ما سأل عنه السائل، وقرر ما فهمهُ، وأن كلام السعد غيرُ صحيح، وأن منشأَ الوهْم منه كونُه حَمَلَ الصفةَ ـ أعني قول الزمخشريِّ ـ مما يختصُّ به على التقييدِ ولو حملها على الكشفِ لم يقعْ فيما وقعَ فيه من الغلط. هذا حاصلُ جوابِه.
وقد تقدَّم من العلامةِ المقبليِّ في الأبحاثِ المسدَّدة (٣) في هذا البحثِ بخصوصِه كلامٌ هذا لفظه: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال في الكشاف: ما أغْفلنا في الكتاب في اللوح المحفوظِ من شيء لم نكتبْه، ولم نُثْبِتْ ما وجبَ أن يَثْبُتَ مما يختصُّ به أي مما يختصُّ به ذلك الشيءُ، لأنه فسَّر ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ بقوله: مكتوبةٌ أرزاقُها وآجالُها وأعمالُها كما كُتِبَتْ أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم، فأراد هاهنا أي أرزاقَ كلِّ شيء في كل فردٍ، وجميعِ أحوالِه المختصةِ بهِ، وهذا أمرٌ أوضحُ من أن يُشْرَحَ.
стр. 4945
لكن سعدَ الدينِ قال: هو نختصُّ (بالنون) ـ ويروى (بالياء). قال: وكيف ما كان فهو بيانٌ لما وجب. ثم قال: وفيه احترازٌ عما يتعلَّق بقدرةِ العباد وإرادتِهم، فإنَّها لا تكون من هذا القبيلِ، وإنما تعلم تبعًا لما يقعُ. انتهى كلامُهُ.
وأراد بقوله: تعلمُ تِبْعًا لما يقعُ يعني مذهبَ القدريةِ الذين قالوا: الأمرُ أنفٌ، ولا شكَّ أنه مذهبُهم، فإما أن يكون قال ذلك بهتًا للمعتزلةِ ليحقِّق فيهم اسمَ القدرِ اغتنامًا لفرصةِ التلبيسِ، لأن عدمَ قولِ المعتزلة (١) لذلك معلومٌ عند كل باحث. وقد صرَّحتْ به الأشعرية (٢) فضلاً عن غيرهم كابن حجرٍ في شرح الأربعين، واللقاني في شرح الجواهرِ [٢]، ومن لا يُحْصَى، وإما أن يكون مثلَ أقوال بعض المغفلينَ الذين أخَذَ اسمَ القدرِ من أفواه الأشعريةِ واصطلاحِهم، ثم أخذ معناهُ من الأحاديث، فيكون السببُ عمى التعصُّبِ هو الذي أوقعَه في ذلك مع ذكائِه واطَّلاعه.
وعلى كل تقدير فقد بُهِتَ شطرُ أهل البسيطةِ، بل كل موفَّق سلَّمه الله من بدعةِ الجبْرِ فبهتَهم بأعظمِ ذنبٍ، وما عسى أن تقعَ وُرَيْقاتُهُ التي صنَّفها في جنبِ ذلك! نسأل الله العافيةَ والسلامةَ، وروايتهُ نختصُّ (بالنون) غيرُ مقبولةٍ، وحاله ما ذكر. ولو جاءت من غيرهِ لم يكن فيها شبهةٌ أيضًا ... انتهى كلامُ المقبليِّ (٣) ...
وأقول: ينبغي أن نقرِّر أولاً معنى عبارةِ الزمخشري (٤) تقريرًا يتضحُ به المرادُ إيضاحًا لا يبقي فيه إشكالٌ، وبيان ذلك أنه فسَّر قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ بقوله: (ما أغفلنا)، وفسر ﴿الْكِتَابِ﴾ باللوحِ المحفوظِ، ثم قال: من شيء لم نكتبه، ولم نثبتْ ما وجبَ أن يَثْبتَ مما يختصُّ به، أي بل كتبناه وأثبتنا ما وجبَ أن يثبتَ مما نختصُّ به، وتوضيح العبارة هكذا: لم نكتبِ الشيءَ، ولم نُثْبِتِ الذي وجبَ أن يَثْبُتَ من شيء نختصُّ نحن
стр. 4946
بذلك الشيء، أو من شيء يختصُّ ذلك الشيء بالكتاب. فما في قوله ما وجبَ مفعولٌ نثبتُ، وفاعلُ وجب قولُه أن يثْبُتَ، وفاعل أن يَثْبُتَ ضميرٌ مُسْتكنٌّ فيه، عائدٌ إلى ما في قوله: ما وجبَ، فمعنى ما فسرَّ به قولَهُ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما أغْفلنا شيئًا منه بتركِ كتابِته، وتركِ إثباتِ ما يجبُ إثباتُه من الأشياء التي لنا اختصاصٌ بها، أو من الأشياء التي لذلك الكتابِ اختصاصٌ بها، بل أثبتْنا في الكتاب كلَّ شيء من الأشياء التي يجبُ إثباتها، ولنا بها اختصاصٌ، هذا على أن نختصُّ بالنونِ أو من الأشياء التي للكتابِ بها اختصاصٌ، على أن يختصَّ بالياء التحتيةِ، فيحصُلُ من هذا الكلام تقييدُ ما هو ثابتٌ في اللوح المحفوظِ بقيدين:
الأول [٣]: أن يكون مما يجبُ إثباته.
والثاني: أن يكون مما يختصُّ به الله ـ سبحانه ـ على تقدير أن قوله نختصُّ بالنون، أو يكون مما يختصُّ به الكتابُ أي اللوحُ المحفوظُ على تقدير أن قولَه يختصُّ بالياء التحتيةِ، فهذان القيدانِ اللذانِ قيَّد الزمخشري ﵀ كلام الله تعالى بهما لا بد أن ينتهضَ عليهما دليلٌ مرضٍ يدلُّ على أن مرادَه ـ سبحانه ـ بقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي من الأشياء التي يجبُ إثباتها، ولنا بها اختصاصٌ، أو للكتاب بها اختصاصٌ، فإنْ وجَدْنا هذا الدليلَ فبها ونِعْمَتْ، وإن لم نجده فلا خلافَ أن كلامَ الله ـ سبحانه ـ لا يجوز تقييدُهُ لمجرَّدِ الرأي.
فإن قلت: ماذا تقول أنتَ هل لهذا التقييدِ من دليل يتعيَّن علينا قبولُه، ويلزمُنَا تقييدُ كلامِ الله بهِ؟ قلت: أما قيدُ الوجوبِ فهو إما أن يكون الوجوبُ على الله ـ سبحانه ـ أو على ملائكته، أو على سائر عباده لا يصحُّ أن يُرادَ الوجوبُ على عبادِه، لأنهم لا يتَّصلونَ باللوح المحفوظِ، فضلاً عن أن يكتبونَ فيه، فضلاً عن أن يجبَ عليهم إثبات شيء فيه، ولا يصحُّ أن يُرادَ الملائكةُ، لأنهم يفعلُون ما يؤمرون، وليس لهم من الأمرِ شيءٌ، ولا لاختيارِهم مدخلٌ في ذلك.
стр. 4947
إذا تقرر هذا فلم يبق هاهنا إلا أن يكون الوجوبُ على الله ـ سبحانه ـ.
وقد تقرر في علم الكلام أن إثباتَ الواجباتِ على الله تعالى هو مذهبٌ ذهبتْ إليه المعتزلةُ دون مَنْ عَدَاهُم (١)، على أنهم حصروا الواجباتِ على الله سبحانه في ثمانٍ مبيَّنةٍ
стр. 4948
في ذلك العلمِ، وليس هذا الإثباتُ في اللوحِ المحفوظ منها. ثم الظاهِرُ من هذا التقييدِ أعني كونَ تلك الأشياء مما يجبُ إثباتُه أن ثَمَّ أشياءَ لا تتصفُ بالوجوبِ، وأنها لم تثبت في اللوح المحفوظِ، وهذا مدفوع بشيئين
[٤]. الأول: ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وأنَّ وقوعَ النكرةِ في سياق النفي يفيدُ العمومَ لمجرَّدِه، (١) وهو من أقوى صيغِ العموم، فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك التأكيدُ بـ (من) المزيدةِ في قوله: (من شيء)! فكيف إذا كانت هذه النكرةُ الواقعةُ في سياق هذا النفي المؤكَّدةِ بالحرفِ المزيدِ هي لفظُ شيء! فكيف إذا كانت هذه النكرةُ الواقعةُ في سياق هذا النفي المؤكَّدةِ بالحرفِ المزيدِ هي لفظُ شيء! فإنه أعمُّ العامُّ. وقد صرَّح الزمخشريُّ نفسُه في كشَّافه (٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى ................
стр. 4949
شَيْءٍ﴾ (١) فقال: وهذه مبالغةٌ عظيمة، لأن المحالَ والمعدومَ يقعُ عليها اسمُ الشيء، وإذا نُفي إطلاق اسم الشيء عليه، فقد بُولِغَ في تركِ الاعتدادِ به إلى ما ليس بعدَه، وهكذا قولُهم: أقلُّ من لا شيء ... انتهى بحروفه.
فإذا كان الشيءُ يُطلقُ على المحالِ والمعدومُ فضلاً عن الموجودِ عند الزمخشري، كأن حثَّ عليه أن يقولَ في الشيء المذكور في هذه الآية ما قالَه في الشيء المذكور في تلكَ الآية، فكيف يخصَّصُه ببعض الأفرادِ!
والثاني: ما يُستفادُ من الأحاديث الصحيحةِ الثابتة عن جماعة من الصحابة، مرفوعةٍ إلى النبيِّ صلي الله عليه وسلم وموقوفةٍ، فمنها: حديث عبادةَ بن الصامتِ قال: سمعتُ رسولَ الله صلي الله عليه وسلم يقول: «إن أوَّل ما خلقَ الله القلمَ، فقال له: اكتبْ فجرى بما هو كائنٌ إلى الأبدِ ... » أخرجه ابن أبي شيبة، (٢) وأحمدُ، (٣) والترمذيُّ، (٤) وصحَّحَهُ، (٥) وابن مردويهِ. (٦)
ومنها حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إنَّ أوَّل ما خلقَ الله القلمَ، قال: اكتُبْ، قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كائنٌ إلى يوم القيامة» أخرجهُ ابنُ جرير (٧) والطبرانيُّ. (٨)
стр. 4950
ومنها حديثُ معاويةَ بن قُرَّةَ عن أبيه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: «لوحٌ من نور، وقلمٌ من نور يجري بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة» أخرجه ابن جرير. (١)
ومنها حديثُ أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «إن أوَّل شيء خلقه الله القلمِ، ثم خلق النونَ، وهي الدواة، ثم قال له: اكتبْ، قال: وما أكتبُ؟ قال ما كان، وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عملٍ، أو أثرٍ، أو رزقٍ، أو أجلٍ، فكتب ما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة». (٢)
ومنها حديثٌ آخَرةٌ عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «النون السمكةُ التي عليها قرارُ الأرضينَ، والقلمُ الذي خطَّ به ربُّنا القدَر خيرهُ وشرَّه، وضرَّهُ ونَفْعَهُ [٥]» (٣) ومنها عن ابن عباس أيضًا موقوفًا قال: «إن أوَّل شيء خلقَه الله القلمَ، فقال له: اكتبْ، قال: يا ربَّ وما أكتبُ؟ قال: اكتب القدرَ، فجرى من ذلك اليومِ بما هو كائنٌ إلى أن تقوم الساعة، ثم طوى الكتابِ، ورفع القلم» أخرجه عبد الرزاق، (٤) والفريابيُّ، (٥) وسعيد بن منصور، (٦) وعبد بن حميد، (٧) وابن جرير، (٨) ....................
стр. 4951
وابن المنذر، (١) وابن أبي حاتم، (٢) وأبو الشيخ في العظمة، (٣) والحاكم، (٤) وصححه، وابن مردويه، (٥) والبيهقيُّ في الأسماء والصفاتِ، (٦) والخطيبُ في تاريخه، (٧)، وأيضًا في المختارةِ. (٨)
ومنها عنه أيضًا قال: «إن الله خلق النونَ، وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتبْ، قال: ما أكتُب؟ قال: ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة» أخرجه ابن جرير، (٩) وابن المنذر. (١٠).
ومنها عنه أيضًا قال: «أوَّلُ ما خلقَ اللهُ القلمُ، فأخذه بيمِينه وكلِْتَا يديهِ يمينٌ، وخلق النونَ، وهي الدواءُ، وخلق اللوحَ فكتب فيه، ثم خلق السماوات والأرضَ فكتب ما يكون من حينئذٍ في الدنيا إلى أن تكون الساعةُ من خلقِ مخلوقٍ، أو عملٍ معمول، بَرِّ، أو فجورٍ، وكلَّ رزقٍ حلالٍ أو حرامٍ، رَطْبٍ أو يابسٍ» أخرجه ابن أبي شيبةَ، (١١) وابن المنذر. (١٢)
ومنها عنه أيضًا قال: «خلق اللهُ القلمَ، فقال: أَجْرِهِ فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة» أخرجه عبد بن حميد. (١٣)
стр. 4952
ومنها عنه أيضًا قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما تركنا شيئًا إلا وقد كتبناهُ في أمِّ الكتاب. (١)
ومنها عن عبيدِ الله بن زياد البكري قال: دخلتُ على ابني بشرِ المارِّبيين صاحبي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقلت: يرحمُكُما الله ... الرجلُ يركُبُ منّا الدابةَ فيضربُها بالسوطِ، أو يكبحُها باللّجامِ، فهل سمعتُما من رسول الله صلي الله عليه وسلم في ذلك شيئًا؟ فقالا: لا. قال عبيد الله: فنادتْني امرأة من الداخل فقالتْ: يا هذا، إن الله يقول في كتابه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ فقالا: هذا أختُنا، وهي أكبرُ منَّا، وقد أدركتْ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم. (٢)
وفي الباب عن جماعة من السلف آثارٌ كثيرةٌ. إذا تقرَّر لك هذا عرفتَ أن ما في اللوح المحفوظِ شاملٌ لكل شيء، لا يخرجُ عنه شيء فتقييدُ ذلك بكونه يجبُ إثباتُه إن أرادَ به إخراجَ شيء من الأشياء الداخلةِ في العموم فلا دليلَ عليه، بل هو مدفوعٌ بما ذكرنا من الأدلة، وإن أراد به عدمَ الإخراجِ فهو كلامٌ لا فائدةَ فيه، ولا ثمرةَ له على ما فيه من إثبات واجبٍ على الله ـ سبحانه [٦]ـ لم تقلْ به المعتزلةُ فضلاً عن الأشعرية، فضلاً عن السلفِ الصالحِ.
وأما القيدُ الثاني وهو كونُ ذلك الشيء المثبتِ مما يختصُّ به الله ـ سبحانه ـ أو مما يختصُّ به الكتابُ، فهذا القيدُ يُسْتَفَادُ منه أن الأشياءَ التي يُعَلِّمُ بها الملائكةَ، أو الأنسَ، أو الجنَّ مما أدركوه بعقولِهم، أو بسائرِ حواسِّهم، أو بما علَّمهم الله في كتبه المنزلةِ، أو على ألْسُنِ رسلِهِ المرسلةِ لم تثبتْ في اللوحِ المحفوظِ، لأن الله ـ سبحانه ـ لم يختصَّ بعلمِها، بلْ شاركَه في ذلك بعضُ خلْقِه.
هذا على أن قولَه نختصُّ بالنون، وأما على أنه بالياء التحتيةِ أعني الكتابَ ـ أي اللوح المحفوظَ ـ يختصُّ بذلك، فإن أراد بهذا الاختصاصِ إخراجَ ما خرجَ على تقديرِ أن قولَهُ نختص بالنون فهو مثلُه، وإن أراد إخراجَ أمرٍ أخَرَ فما هو؟ وإن لم يردْ باختصاصِ وإن أرادَ إخراجَ ما ذكرناه مما يدركُهُ الملائكةُ والجِنُّ والإنسُ بعقولهم، أو بحواسِّهم، أو بتعليمِ الله لهم، فأيُّ دليل دلَّ على أن هذه الأمورَ لم تكتب في اللوح المحفوظِ، حتى تجعلَ ذلك مخصَّصًا لعموماتِ الكتاب والسنةِ! ولم أقفْ إلى الآن على مخصِّص يصلحُ للاستدلالِ به على ما ذكرنا، بل أدلةُ الكتابِ والسنةِ تدفعُ ذلك وتبطلُهُ كما عرفتَ.
وإذا تقرر لك هذا وفهمتَه كما ينبغي علمتَ أن ما ذكره المقبليُّ من إرجاع الضميرِ في قوله يختصُّ (بالياء التحتية) إلى الشيء، وزَعْمَهُ أن كلامَ الزمشخريِّ على ذلك واضحٌ لا إشكال فيه، وأن السَّعد أخطأَ وفَعَل فعلاً باطلاً من وجوه:
الأول: أنه قدح في رواية نختصُّ بالنون، بكون السعد راويها، وليس ذلك بشيء، ولا ينبغي لمنصفٍ أن يأتي بمثلِه، والسعد إنما قال بما قاله من تقدُّمِهِ من أهل العلم الذين لهم روايةٌ عن صاحب الكشاف، أو اطلاعٌ على النسخةِ التي بخطِّه، ثم لو فرضنا أنه لم يرو ذلك غيرُ السعدِ لكان أوثقَ من أن يكْذِبَ، وأجلَّ من أن يأتي بما لم يكن تنفيثًا لهؤلاء وتزييفًا لمذهب غيرِه.
الثاني: [٧]: إن المقبليَّ ﵀ قال (٣) ذلك، ولو جاءت من غيرِه لم تكن فيها شبهةٌ أيضًا: وهذه مراوغةٌ ومغالطةٌ وتدليسٌ لا ينفُقُ، وتلبيسٌ لا يُقبل، وهو ﵀ كثيرُ التحذير من هذا وأمثالِه في مصنفاتِه، وكان عليه أن يبيَّن ذلك فهو مقامُ الإشكال ومحلُّ اللَّبسِ، وموطنُ الاشتباهِ. وما أظنُّ وقوع مثل هذهِ المراوغةِ منه إلا لمحبةِ صاحبِ الكشافِ مع ذهوله عند تحرير كلامِه ذلك عن هذا كما يقعُ لغيره كثيرًا مما يكثرُ
стр. 4953
التحذير عنه في مؤلفاته.
الثالث: أنه لا ينحلُّ عقالُ الإشكالِ بما زعمه في روايةِ يختصُّ بالياء التحتيةِ على انفرادِها، وبيانُه أنه إذا كان الثابتُ في اللوح المحفوظِ هو ما يختصُّ به ذلك الشيءُ لزمَ أن يخرج الشيءُ في نفسِه فيكون الثابتُ هو الأمورَ المختصّة به دونه.
ومعلومٌ أنَّ كلَّ شيء هو مكتوبٌ في اللوح المحفوظِ أولاً، ثم يختصُّ به ثانيًا، ثم يلزمُ خروجُ الأمور المشتركةِ بين كلِّ الأشياء أو أكثرِها أو بعضِها، فإنَّه لا يوصَفُ الاختصاصُ بمفرد منها ...
وإذا عرفتَ هذا وتبيَّن لك عدمُ تصحيحِ كلامِ الزمخشري بما قاله المقبليُّ فاعلم أن ما شرَحَهُ به السعدُ لا ينشرحُ به الصدرُ، ولا يقبلُه الفهمُ. وبيانُ ذلك أنه قال (وفيه احترازُ عما يتعلَّق بقدرةِ العبادِ وإرادتِهم، فإنها لا تكون من هذا القبيلِ، وإنما تُعْلَمْ تِبْعًا لما يقع) ولا يخفاكَ أن هذا لا يصحُّ لوجهين:
الأول: تخصيصُ ذلك بقدرةِ العبادِ وإرادتهِم. وقد عرفتَ أن اللازمَ من عبارة الزمخشريِّ ما هو أعمُّ من ذلك وأطمُّ كما أوضحناه.
الثاني: قوله: (وإنما يُعْلَمُ تِبْعًا لما وقعَ) فهذا فاسدٌ، وبيانُه أن النزاعَ إنما هو في المكتوب في اللوح المحفوظِ، فلا فيما هو معلومٌ لله سبحانه، فإن علْمَ الله تعالى أعمُّ وأشملُ بل لا يحيطُ به قلمٌ، ولا يحصرُهُ فمٌ، ولا يتناهى، وغايةُ ما في اللوح المحفوظِ الإحاطةُ بما هو كائن إلى يوم القيامة، كما قيَّدتْهُ الأحاديثُ والآثارُ.
ولا يَشُكُّ أحدٌ أن الله ـ سبحانه ـ قد علم بعلمٍ قديمٍ أزليٍّ ما هو كائنٌ بعد يوم القيامةِ إلى ما لا يتناهى، ولا تحيطُ به العقولُ، ولا تدركُهُ الأفهامُ كما عَلِمَ ما هو كائن إلى يوم القيامةِ، ثم قولُ السعدِ: وإنما يُعْلَمُ تِبْعًا كلامٌ فاسدٌ، وبيانٌ باطلٌ لا يصحُّ أن يكون مرادًا لله، ولا لصاحِب الكشافِ ولا لَهُ.
وإذا تبيَّن لك ما حررناه علمتَ أن كلامَ صاحبِ الكشاف في هذا المحلِّ هو منشأُ الإشكالِ، ومعدنُ الاشتباهِ. وقد أوضحنا ما هو الصوابُ بما لا يبقي بعده ريبٌ لمرتاب
стр. 4954
إن شاء الله.
حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله له في صباح يوم الأربعاء من ربيع الآخر سنة ١٢٢٤هـ.
стр. 4955
(٢٠٩) ١٥/ ٣
القول الصادق في ترتيب الجزاء على السابق
حرره الجاني المتكلم فيما لا يعنيه بلسان التواني لطف الله غُفر ذنبه
فمن وقف على تقصير في هذا أصلحه بقلم البيان ومد ثوب ستره
على العريان وعذرني من التقصير فما يستوي الأعمى والبصير
وصلي الله على محمد البشير النذير وعلى آله وأصحابه
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4956
وصف المخطوط:
١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: القول الصادق في ترتيب الجزاء على السابق.
٢ ـ موضوع الرسالة: لغة العربية.
٣ ـ أول الرسالة: القول الصادق في ترتيب الجزاء على السابق، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي صان كتابه من الخلل وتولى حفظه ......
٤ ـ آخر الرسالة: هذا ما ظهر تحريره عند الاطِّلاع على السؤال بدون مراجعة وبحث فليتأمل. وحسبي الله وكفى ونعم الوكيل.
في أصل المخطوط على صفحة العنوان حاشية بقلم العلامة علي بن عبد الله الجلال جوابًا لسؤال العلامة لطف الله لفظها: بعد الحمد لله قوله.
٥ ـ نوع الخط: خط نسخي جيد
٦ ـ عدد الصفحات: ٥ صفحات.
٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ١٦ سطرًا.
٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٤ كلمة.
٩ ــ الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4957
في أصل المخطوط على صفحة العنوان حاشية بقلم العلامة علي بن عبد الله الجلال جوابًا لسؤال العلامة لطف الله لفظها: بعد الحمد لله قولُه: اطلعتُ على هذا السؤالِ الذي حرره الولدُ العلامةُ النبيهُ لطفُ اللهِ، والولد العلامةُ الحسن بن علي حنش جواباتهم المذكورة, وهو سؤالٌ عظيم مما يستشكلُ مثلُه أولوا الأفهامِ, ووقع في الخاطرِ عند ابتداء النظرِ فيه, قبلَ البحث في كلام المفسرينَ أنه لا بد من التجوُّز في المرجع بأن يُرادَ به غيرُ يوم المعادِ, أو يكون الترتيبُ غيرَ زماني, أو بضربٍ من ضروب المجازِ, ورأيت الكشافَ (١) والبيضاويَّ, (٢) وغيرَهُما قد أطبقوا أن قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ... ﴾ إلى آخر الآية, (٣) تفسيرٌ للحكمِ, لكنهم لم يستشكلوا كزنَ الحكم في القيامة, وعذاب الدنيا متقدمٌ عليه, فكيف يكون تفسيرًا له! وهو محطُّ نظر السائلِ ـ أبقاه الله ـ ثم بحثت حواشي الكشافِ فرأيتُ صاحب الكشاف قد نقلَ الإشكال عن صاحب التحقيق وجواباتِه.
ومثلُه سعد الدين في حواشيه, فإنه قال على قوله في الكشاف تفسيرًا للحكم ما لفظه واعْتُرِضَ بأن الحكمَ مرتَّبٌ على الرجوعِ إلى الله, أعني المعادَ, وذلك في القيامة لا محالةَ, فكيف يصحُّ في تفسيره العذابُ في الدنيا! وأجيبُ بوجوه:
الأول: أن المقصودَ التأبيدُ وعدمُ الانقطاع من غير نظرٍ إلى الدنيا والآخرة, كما في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٤)
стр. 4958
والثاني: أن المراد بالدنيا والآخرةِ مفهومُهُما اللغويُّ، أعني الأولَ والأخِرَ، ويكون ذلك عن الدوام، وهذا أبعدُ من الأول جدًّا.
الثالث: أن المرجعَ أعمُّ من الدنيوي والأخروي، كونُه بعدَ (جَعَل) الفوقيةِ الثابتة إلى يوم القيامةِ لا يوجِبُ كونُه بعدَ ابتداء يوم القيامة.
وعلى هذا فوقيةُ الأجور أيضًا تتناولُ نعيمَ الدارينِ. ولا يخفى أن في لفظ: ﴿كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١) بعضَ نبوَّةِ عن هذا المعنى، وأن المعنى: أحكم بينكم في الآخرة فيما كنتم فيه تختلفونَ فيه فِي الدنيا.
الرابع: أن العذابَ في الدنيا هو الفوقيةُ عليهم، والمعنى: أضمُّ إلى الفوقية السابقةِ عذابَ الآخِرة، وهذا بعيدٌ في اللفظ جدًّا، إذ معنى أعذِّبه في الدنيا والآخرة ليس إلاَّ أني أفعلُ عذابَ الدارينِ. إلاَّ أن يقالَ: إن اتحادَ الكلِّ لا يلزم أن يكون باتحاد كلِّ جزء، فيجوز أن يفعلَ في الآخرةِ عذابَ الدارينِ بأن يفعلَ عذابَ الآخرةِ. وقد فُعِلَ في الدنيا، فيكون تمامُ العذابينِ في الآخرة. انتهى ما أفاده سعدُ الدين ـ قُدس سرُّه ـ.
والمحلُّ محلُّ إشكال. ولا يخفى الراجحُ من تلك الجواباتِ. وقد نقلت كلامَ السعد فقد لا يكونُ لدى السائل نسخةٌ أو لم يكنْ قدِ اطَّلع على البحثِ. والله أعلم.
كتبه عليُّ بن عبد الله الجلال ـ لطف الله به ـ ... انتهى.
стр. 4959
القول الصادق في ترتيب الجزاء على السابق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي صان كتابه من الخلل وتولى حفظَه فما غيَّره بجراءتِه، ولا بدَّل، وصانه عن الزيغ والتحريفِ، وأبدع إتقانَه، وأحكم منه الترصيفَ.
وإن مما قصُرَ عنه فهمي ولم يصل إلى ذروة معناه علمي وتقاعدتْ عنه مُشَمُخِرهِ همَّتي وحسرتْ في محجَّتِه فكرتي ترتيبُ الجزاء على سابقه في قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين (٥٧)﴾ (١).
قال العلامة (٢) ﵀ في تفسيره (٣) ما لفظُه: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٤) يعلونَهم بالحجَّةِ وفي أكثر الأحوال بها، وبالسيف ومتبعوه هم المسلمون لأنَّهم متبعوه في أصل الإسلام، وإن اختلفتِ الشرائعُ دون الذين كذَّبوه، وكذبوا عليه من اليهود والنصارى. وتفسير الحكم قوله: (فأعذِّبهم، فنوفيهم أجورهم ... انتهى بلفظه ...
стр. 4960
فأشكل علينا هذا الكلامُ، وكان قد دار بيني وبين الوالد العلامة درةُ تاجِ الفضلِ والكرامة، مَعيْنُ المعارفِ، سلوةُ المؤلفِ والمخالفِ، الحسن بن علي حنش (١) ـ كثر الله فوائده، ومد على الطلاب موائده [١]ـ فقلت له: أيُّ معنى لتفسير حكم الله في عَرَصاتِ القيامة بين هؤلاء بأنَّه سيعذِّبهم في الدنيا حال كونه يومَ القيامة؟ هل هذا إلا تناقضٌ ظاهرٌ؟ ولو كان سَوْقُ الآية هكذا: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابًا شديدًا في الآخرة) لكان المعنى واضحًا لا غبار عليه، وكان التفسير للحكم ظاهرًا لمن لمح إليه.
فأجاب الوالد العلامة الحسن ـ دامت فوائده ـ بأن قال: المساقُ صحيحٌ، والتفسير في الآية واضح صريحٌ، وأن الله أخبر أن حُكْمَهُ في الكافرين تعذيبُهم في الدنيا والآخرة، وأن كلام العلامة جار الله (٢) لا يحتمل زيادةً على هذا ... وقال ـ عافاه الله ـ لما بشَّر الله عيسى بأنه رافعه ومطهِّرُه، وكذا وكذا رتَّب على تلك البشارةِ بشارةً أخرى لعيسى وغيره فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلخ الآيات. لكنه لم يظْهَرْ لي ما قاله ـ أي قول الوالد العلامة الحسنِ ـ عافاه الله ـ ولا تبيَّن لي صحَّةُ كلام جار الله على إيجازه، وعدم الإطالة.
وكان قد ظهر لي بعد التأمل الطويلِ شيءٌ، وهو أن جَعْلَ الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلي يوم القيامة مجهولٌ، (٣) بيَّن بأن الذين كفروا معذَّبين في الدنيا: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ (٤) والأمرُ كذلك، وفي الآخرة لهم عذابُ النارِ. فهذا معنى جَعْلِ الذين اتبعوه فوقَ الذين كفروا.
وأما الذين آمنوا ففوقيَّتُهم متحققة في الدنيا والآخرة: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
стр. 4961
وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ (٢)، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣)، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥)، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٦).
وفي القيامة كذلك: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ﴾ (٧)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٨)، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (٩) وآياتٌ عديدة.
فإن قلت: هذا الحكم ظاهرُهُ على مقتضي الآية إنما هو إلى يوم القيامة، ولا تدخل (ما) بعد إلى ما في قبلها.
قلت: لا مانعَ من دخولِه، وعلى فرض عدم التسليم فقد جاءت بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١٠) أي معَ المرافق.
فإن قلت: سلَّمنا عذابَ الكافرِ في الدنيا بالذِّلَّةِ، فكيف جوَّزتَ إتيان المؤمن الأجر
стр. 4962
في دار الدنيا؟ ....
قلتُ: هو صحيحٌ لا مانعَ في إتيانهِ فيها، وقد جاء: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) فهذا ما ظهر لي ووضحَ معناه. والآية [٢] مشكلةٌ غايةَ الإشكال فيرفع ذلك الكلامُ، ويحال على مولانا العلامة خاتمةِ المجتهدينِ، جَهْبَذِ السادة المحققينَ، نورِ عينِ الذكاء، نادرةِ الدهرِ من أوضح الله له طريق الدقائقِ مسلكًا، وفتحَ له المغْلق، وأطلَعَهُ على سرِّ المقيِّد والمطلقِ، وهدى به العامَّ والخاصَّ، وجعله مرجعًا لأهل الحَلِّ والعقدِ من الخواصِّ، العالم الربَّاني، المترجم عن السرِّ الصمداني محمد بن علي الشوكاني ـ أدام الله إفادته ـ فليكشفْ عن ما وضح، وينصرُ القولُ الصحيح بالدليل الأصحِّ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
стр. 4963
[جواب القاضي الشوكاني على الرسالة السابقة]
الحمد لله وحدَه. لما وقفَ الحقير على هذا التحرير ظهر له أن قولَه تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ ... ﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ استئنافٌ (١) تقدير السؤالِ، كأنه لما سمعَ السامعُ ذِكْرَ حزبِ الإيمان وحزب الكفرانِ مع ذكر كونِ طائفةِ المؤمنينَ فوقَ طائفةِ الكافرين تشوَّق إلى استيضاحِ الأمرِ، ومعرفةِ جليِّة الحال عن شأن الحزبينِ، فكأنه قال: ما ذاك تكونُ حالُ طائفةِ الكافرينَ، وطائفة المؤمنين، بعد أن أخبر الله أنه جاعل إحدى الطائفتين فوق الأخرى، فإن هذا الجعلَ المجملَ لا ريبَ أنه أعظمُ باعثٍ على أخفاء [٣] السؤال عن أسبابه. فقال ﷻ : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولا يلزمُ انحصارُ الجعل المجمل في هذا البيان، بل يمكن أن يكون بأسباب كثيرةٍ وقعَ البيان لبعضها، وأهمُّها.
فالحاصلُ أن قولَه تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ﴾ استئناف بيانيٌّ جوابٌ لسؤالٍ منشؤُه قولُه تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ وما رجَّحه جار الله ﵀ لا ريب أن فيه إشكالاً، لأن الأفعال إذا انضم إليها ذِكْرُ الأزمنة أو الأمكنة تقيَّدتْ بالمذكور. تقول ضَرَبْتُه يوم الجمعةِ، وفي الدار، فكان الضربُ مطلقًا. فلما قيل يومَ الجمعة، وفي الدار لم يبقَ له صدقٌ على ضربٍ واقعٍ في يوم السبتِ مثلاً، وفي المسجد، وهكذا سائرُ القيودِ والمتعلقاتِ.
إذا تقرر هذا فقولُه تعالى: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ مفيدٌ بكونِه بعد المرجعِ إلى الله، كما تُشْعِرُ به (الفاءُ) الدالةُ على الترتيبِ والتعقيبِ. (٢)
стр. 4964
رجوِعكم إلىَّ أوقعتُ الحكمَ بينكم فيما كنتم فيه تختلفون. فهذا الحكمُ قد تقيَّد بوقتِ الرجوعِ، ولا ريب أن الرجوعَ إلى الله هو بعد المفارقةِ لهذه الدارِ، فلا يصح أن يكون من جملةِ المحكومِ به عذابُ الدنيا الذي قد مضى وانقضى في تلك الحال [٤]، وليس الحكم هو مجرَّد الإخبارِ حتَّى يقال أنه أخبرَ بذلك خبرًا خاليًا عن الحكم، بل المرادُ إيقاعُهُ للحكم حينئذٍ، كما هو المشعورُ به من الصيغة والتركيبِ.
ولا أقول أن المعنى كما ذكره السائلُ ـ كثر الله فوائدِه ـ في هذا السؤالِ، وهو أن قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ﴾ إلخ بيانٌ لقوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ إلخ، لأنَّ البياناتِ لا تجيء على هذه الصيغة، بل لا بد من توسيطِ تقديرِ السؤالِ والحكمِ على الجملة بالاستئنافِ، فتكون منفصلة عن قوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ بخلاف ما لمح إليه السائل ـ عافاه الله ـ فإنه يوجبُ أن تكون متصلةً، وهذا يحتاج إلى مزيدِ تدبُّر لما قُرِّرَ في علمِ المعاني من أحكامِ الوصل (١) والفصل. (٢)
стр. 4965
هذا ما ظهر تحريره عند الاطِّلاع على السؤال بدون مراجعة وبحث فليتأمل. وحسبي الله وكفى ونعم الوكيل [٥].
стр. 4966
فائق الكسا في جواب عالم الحسا
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4967
وصف المخطوط:
١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: فائق الكسا في جواب عالم الحسا.
٢ ـ موضوع الرسالة: لغة عربية.
٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم إياك نعبد وإياك نستعين، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين ......
٤ ـ آخر الرسالة: وعقابه أعظم وفي هذا المقدار كفاية والله وليُّ الهداية ...
حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما.
٥ ـ نوع الخط: خط نسخي مقبول
٦ ـ عدد الصفحات: ١٥صفحة ما عدا صفحة العنوان.
٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٢٥ سطرًا.
٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ٩ كلمات.
٩ـ الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.
١٠ ـ الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4968
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إياك نعبد وإياك نستعين، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وآله الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ: وهو العالم المباركُ عبد الله بن المبارك الوافدُ إلى صنعاءَ من ديارٍ نجدٍ، وأصلهُ من الحسا ـ زاد الله في الرجال من أمثاله ـ.
السؤال الأول:
عن تفسير قوله سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١) فإنه يشْكلُ وجودُ اتِّصافِهم بالإيمان في حالة تلبُّسهم بالشركِ، لأنه يستدعي الجمعَ بين النقيضين في حالة واحدة، وهو باطل فليوضِّحْ لنا السبيلَ في ذلك ـ أوضح الله لنا وله واضح المسالك ـ، فإن الحاجةَ ماسَّةٌ إليه، والخاطر كثيرًا ما يقعُ عليه. انتهى.
أقول ـ مستعينًا بالله ، ومتكلاً عليه ـ أن إيضاح ما تضمنه السؤالُ يتوقف على إيضاح ما ذكره أهلُ التفاسير المعتبرة في تفسير هذه الآيةِ، وينحصر ذلك في وجوه اثني عشر، وينضم إلى ذلك ما ذكرتُه أنا فتكون الوجوهُ ثلاثةَ عَشَرَ.
الأول: إن أهل الجاهليةِ كانوا يقرون بأن الله ـ سبحانه ـ خالقُهم ورازقُهم، ويعبدون غيره من أصنامِهم وطواغيتِهم، فهذا الإقرار الصادرُ منهم بأن الله خالِقُهم ورازقُهم هو يصدُق عليه أنه إيمانٌ بالمعنى الأعمِّ، أي تصديقٌ لا بالمعنى الاخصِّ ـ أعنى إيمانَ المؤمنين ـ فهذا الإيمان الصادرُ منهم واقعٌ في حال الشرك، فقد آمنوا حالَ كونهم مشركينَ وإلى هذا الوجهِ ذهب جمهور المفسرينَ، ولكنهم لم يذكروا ما ذكرناه هاهنا من تقريره بكونِه إيمانًا بالمعنى الأعمِّ، ولا بد من ذلك حتى يستقيمَ الكلامُ، ويصدقَ عليه مُسمَّى الإيمانَ. (٢)
стр. 4969
الوجه الثاني: إن المرادَ بالآية المنافقونَ، لأنهم كانوا يظهرون الإيمان، ويبطنونَ الشركَ، فما كانوا يؤمنون ظاهرًا إلا وهم مشركونَ باطنًا، وروي هذا عن الحسن البصري. (١)
الوجه الثالث: أنهم أهلُ كتابِ يؤمنونَ بكتابهم، ويقلِّدون [١] علماءهم في الكفر بغيره، ويقولون: المسيحُ ابنُ الله، وعزيزٌ ابن الله، فهم يؤمنون بما أنزل الله على أنبيائهم حالَ كونهم مشركينَ. (٢)
الوجه الرابع (٣): إن المقصودَ بذلك ما كان يقع في تلبيةِ العرب من قولهم: (لبيك لا شريكَ لك إلا شريكٌ هو لك) (٤) فقد كانوا في هذه التلبيةِ يؤمنون بالله وهم مشركونَ. روي نحوُ ذلك عن ابن عباس.
الوجه الخامس: إن المراد بهذه الآيةِ المرآؤن من هذه الأمةِ، لأن الرياء هو الشركُ المشارُ إليه بقوله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «الشرك أخْفى في أمتي من دبيب
стр. 4970
النمل» (١) فالمراؤن آمنوا بالله حالَ كونهم مشركينَ بالرياء.
وأخرج الإمام أحمدُ في المسند (٢) من حديث محمود بن لبيدٍ أن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ـ قال: «إن أخوف ما أخافُ عليكم الشركَ الأصغرَ» قالوا: وما الشركُ الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء يقول الله يومَ القيامة إذا جُزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتُم ترآؤن في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ .. ».
الوجه السادس: (٣) إن المراد بالآية من نَسِيَ ربَّه في الرخاء، وذكره عند الشدائدِ .. روي ذلك عن عطاء، وفيه أنه لا يصدقُ على ذلك أنه آمن بالله حالَ كونه مشركًا إلاَّ أن يجعلَ مجرَّدَ نسيانِ الذكرِ والدعاء عند الرخاء شركًا مجازًا، كأنه بنسيانهِ وتركِه للدعاء قد عَبدَ إلهًا آخر، وهو بعيدٌ على أنه لا يمكن اجتماعُ الأمرينِ، لأنه حالَ الذكر والدعاء غير متَّصفٍ بالنسيانِ، وتركِ الذِّكْرِ.
وقد تقرر أن الحالَ قيدٌ في عاملها إلا أن يعتبرَ بما كان عليهِ الشيءُ، فإن ذلك أحدُ العلاقاتِ المصححةِ للتجوَّزِ. ويدل عليه قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. (٤)
الوجه السابع: إن المراد من أسْلَمَ من المشركين، فإنه كان مشركًا قبل إِيمانه. حكى ذلك الحاكمُ في تفسيره وتقريره إنَّه ما يؤمن أحدُهم بالله إلا وقد كان مشركًا قبل إيمانِه
стр. 4971
[٢]. والكلامُ فيه كالكلام في الوجهِ الذي قبلَه، والجوابُ الجوابُ.
الوجه الثامن: إن المراد بالشركِ هاهنا ما تُعرض من الخواطرِ والأحوالِ حالَ الإيمان.
قاله الواسطي كما حكاه عنه البِقاعيُّ، (١) وفيه أن هذه الخواطِرَ والأحوالَ إن كانت مما يصدُقُ عليه الشركُ الأكبرُ أو الأصغر فذاك، وإن كانت خارجةً عن ذلك فهو فاسد.
الوجه التاسع: إنهم الذين يشبِّهون الله بخلقِه. رواه في الكشاف (٢) عن ابن عباس، وتقريره أنهم آمنوا بالله حالَ تشبيههم له بما يكون شركًا أو يؤولُ إلى الشرك.
الوجه العاشر: هو ما تقوله القدريةُ من إثبات القدرةِ للعبد. حكاه النَّسفيُّ في مداركِ التنزيل، (٣) وتقريره أنهم آمنوا بالله حالَ إثباتهم ما هو مختصٌّ به لغيره، وهو شرك أو مُنَزَّلٌ منزلَة الشِّرك.
الوجهُ الحادي عَشَرَ: ما قاله محيي الدين بن عربي في تفسيره: إن أكبر الناس إنما يؤمنون بغير اللهِ، ويكفرون بالله دائمًا، ففي بعض الأحيانِ يشركون الله ـ سبحانه ـ مع ذلك الإله الذي هم مؤمنونَ فلا يؤمن أكثرهم بالله إلا حالَ كونه مشركًا.
وفيه أن ظاهر النظم القرآني أن الإيمان بالله، والشركَ بتشريكِ غيرِه معَهُ لا بتشريكهِ مع غيرهِ، وبين المعنيينِ فرقٌ.
الوجه الثاني عشَرَ: ذكره ابن كثير في تفسيره (٤) وهو أن ثَمَّ شركًا خفيًّا لا يشعر به غالبُ ممن يفعله كما روي عن حذيفةَ أنه دخلَ على مريض يزورهُ فرأى في عضدهِ سيرًا فقطعَه، أو انتزعه ثم قال: وما يؤمنُ أكثرهم بالله إلا وهم مشركونَ).
وفي الحديث الذي رواه الترمذيُّ، (٥) .........................
стр. 4972
وحسَّنه (١) عن ابن عمر مرفوعًا: «من حلف بغير الله فقد أشركَ» وأخرج أحمدُ (٢) وأبو داودَ (٣) من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «إنَّ الرّقى والتمائمَ والتولُّةَ شركٌ». وفي لفظ لهما (٤): «الطيرةُ شركٌ» وما منَّا إلاَّ ولكن الله يذهبه بالتوكُّل.
وروى أحمد في المسند (٥) عن عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلتُ على عبد الله بن حكيم [٣] وهو مريضٌ فقيل له: لو تعلَّقتَ شيئًا؟ فقال: أتعلَّق شيئًا، وقد قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه». ورواه النَّسائي (٦) عن أبي هريرة. وفي المسند (٧) عن عقبةَ بن عامر قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من علَّ تميمةً فقد أشركَ».
وفي صحيح مسلم (٨) عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ يقول: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشركَ فيه غيري تركتُه وشِرْكَهُ». وروى أحمد (٩) نحوَه من حديث غيرِه .....................
стр. 4973
وفي المسند (١) أيضًا «من ردَّته الطِّيرة من حاجة، فقد أشرك». قالوا: يا رسول الله، ما كفارةُ ذلك؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خيرَ إلا خيرُك، ولا طَيْرَ إلا طيرُك، ولا إلهَ غيرُك».
وأخرج أحمد (٢) من حديث أبي موسي قال: خطبَنَا رسولُ الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: ذاتَ يوم فقال: «يا أيها الناسُ اتَّقوا هذا الشركَ، فإنه أخفى من دبيبِ النملِ» ثم قالوا له: كيف نتجنَّبهُ وهو أخْفى من دبيب النمل؟ قال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشركَ بك شيئًا نعلمُه، ونستغفرك لما لا نعلمُه». وقد رُويَ من حديث غيرهِِ. (٣)
إذا عرفتَ ما تضمنتْه كتبُ التفسير من الوجوهِ التي ذكرناها، وعرفت تقريرها على الوجه الذي قررناه، فاعلم أن هذه الأقوالَ إنما هي اختلافٌ في سبب النزولِ، وأما النظم القرآني فهو صالحٌ لحملهِ على كل ما يصدقُ عليه مسمَّي الإيمان مع وجودِ مسمَّى الشركِ، والاعتبارُ بما يفيده اللفظُ لا بخصوصِ السبب كما هو مقررٌ في موطِنهِ، فيقال مثلاً في أه الشرك أنه ما يؤمنُ أكثرهم بأن الله هو الخالقُ الرازقُ إلا وهو مشركٌ بالله بما يعبدهُ من الأصنام، ويقال في من كان واقعًا في شرك من الشرك الخفي وهو من المسلمينَ إنه ما يؤمن بالله إلا وهو مشركٌ بذلك الشرك الخفي. ويقال مثلاً في سائر الوجوه بنحوه هذا على التقريرِ الذي قررناه سابقًا، وهذا يصلح أن يكون وجهًا مستقلاً، وهو أوجَهُهَا وأرجَحُها فيما أحسبُ [٤].وإن لم يذكرُه أحدٌ من المفسرينَ.
فما قاله السائل ـ كثر الله فوائده ـ من أنه يُشكلُ وجوهُ اتَّصافِهم بالإيمان في حالٍ
стр. 4974
تلبُّسِهم بالشركِ استشكالٌ واقعٌ موقعَه، وسؤالٌ حالٌّ من محلِّهِ، وجوابُه قد ظهر مما سبق فإنه يقال مثلاً أن أهلَ الجاهليةِ كان إيمانهم المجامِعَ للشرك هو مجردُ الإقرار بأن الله الخالقَ الرازقَ، وهو لا ينافي ما هم عليه من الشركِ، وكذلك يقال إن أهل الإسلام كان يشرك من وقع منهم في شيء من الشركِ الخفي الأصغرِ غيرُ منافٍ لوجود الإيمان منهم، لأن الشرك الأصغر لا يخرجُ به فاعله عن مسمَّى الإيمان. ولهذا كانت كفارتُهُ أن يتعوَّذ بالله من أن يشركَ به، وأن يقول في الطيرة: «اللهم لا طَيْرَ إلا طيرُك، ولا إله غيرك» فقد صح بهذا أنه اجتمع الإيمان الحقيقيُّ والشركُ الخفيُّ في بعض المؤمنينَ، واجتمع الإيمان بالمعنى الأعمِّ، والشركُ الحقيقيُّ في أهل الجاهليةِ، وكذا يقال في أهل الكتاب أنه اجتمعَ فيهم الإيمان بما أنزلَ الله على أنبيائهم، والإشراكُ بجعْلِ المخلوقينَ أبناءً لله وهكذا في بقيةِ الوجوه.
стр. 4975
قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ ...
السؤال الثاني: عن حديثِ: «إنما الأعمالُ بالنيات» هل هو من المتواترِ كما ادَّعاه بعضٌ، أو من الغريب المشهورِ كما قال به آخرون، أو من الغير المشهورِ كما قال به جمعٌ، وهل هو في درجةِ الصحةِ أو درجةِ الضعف؟ أفيدونا ما هو الصحيحُ لديكم فإنا في حاجة إليه.
أقول: هذا الحديثُ ثابتٌ في صحيح البخاري (١) ومسلم، (٢) والسننِ الأربعِ، (٣) وقد رواه سائر الأئمة المشهورين (٤) إلا الإمام مالكٍ فلم يَرْوِهِ في الموطَّأ، (٥)، ووهم من زعمَ أنه في الموطأ، (٦) ولكنه أخرجه النسائي (٧) من طريق مالك. وقد جزم الترمذيُّ والنسائي، والبزَّار، وابن السكن وغيرهم (٨) بأنه لم يروهِ عن النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم [٥]ـ إلا عمرَ بن الخطاب ﵁ ولا رواه عن عمرَ إلا علقمةُ بن وقاص الليثي، ولا رواه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولا رواه عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بنُ سعدُ الأنصاري، ثم اشتهر عن يحيى، ورواه الجمعُ الجمُّ، وتلقَّاه الناس بالقَبولِ، فهو في