← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

[٢]. والكلامُ فيه كالكلام في الوجهِ الذي قبلَه، والجوابُ الجوابُ. الوجه الثامن: إن المراد بالشركِ هاهنا ما تُعرض من الخواطرِ والأحوالِ حالَ الإيمان. قاله الواسطي كما حكاه عنه البِقاعيُّ، (١) وفيه أن هذه الخواطِرَ والأحوالَ إن كانت مما يصدُقُ عليه الشركُ الأكبرُ أو الأصغر فذاك، وإن كانت خارجةً عن ذلك فهو فاسد. الوجه التاسع: إنهم الذين يشبِّهون الله بخلقِه. رواه في الكشاف (٢) عن ابن عباس، وتقريره أنهم آمنوا بالله حالَ تشبيههم له بما يكون شركًا أو يؤولُ إلى الشرك. الوجه العاشر: هو ما تقوله القدريةُ من إثبات القدرةِ للعبد. حكاه النَّسفيُّ في مداركِ التنزيل، (٣) وتقريره أنهم آمنوا بالله حالَ إثباتهم ما هو مختصٌّ به لغيره، وهو شرك أو مُنَزَّلٌ منزلَة الشِّرك. الوجهُ الحادي عَشَرَ: ما قاله محيي الدين بن عربي في تفسيره: إن أكبر الناس إنما يؤمنون بغير اللهِ، ويكفرون بالله دائمًا، ففي بعض الأحيانِ يشركون الله ـ سبحانه ـ مع ذلك الإله الذي هم مؤمنونَ فلا يؤمن أكثرهم بالله إلا حالَ كونه مشركًا. وفيه أن ظاهر النظم القرآني أن الإيمان بالله، والشركَ بتشريكِ غيرِه معَهُ لا بتشريكهِ مع غيرهِ، وبين المعنيينِ فرقٌ. الوجه الثاني عشَرَ: ذكره ابن كثير في تفسيره (٤) وهو أن ثَمَّ شركًا خفيًّا لا يشعر به غالبُ ممن يفعله كما روي عن حذيفةَ أنه دخلَ على مريض يزورهُ فرأى في عضدهِ سيرًا فقطعَه، أو انتزعه ثم قال: وما يؤمنُ أكثرهم بالله إلا وهم مشركونَ). وفي الحديث الذي رواه الترمذيُّ، (٥) .........................

стр. 4972

وحسَّنه (١) عن ابن عمر مرفوعًا: «من حلف بغير الله فقد أشركَ» وأخرج أحمدُ (٢) وأبو داودَ (٣) من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «إنَّ الرّقى والتمائمَ والتولُّةَ شركٌ». وفي لفظ لهما (٤): «الطيرةُ شركٌ» وما منَّا إلاَّ ولكن الله يذهبه بالتوكُّل. وروى أحمد في المسند (٥) عن عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلتُ على عبد الله بن حكيم [٣] وهو مريضٌ فقيل له: لو تعلَّقتَ شيئًا؟ فقال: أتعلَّق شيئًا، وقد قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه». ورواه النَّسائي (٦) عن أبي هريرة. وفي المسند (٧) عن عقبةَ بن عامر قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من علَّ تميمةً فقد أشركَ». وفي صحيح مسلم (٨) عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ يقول: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشركَ فيه غيري تركتُه وشِرْكَهُ». وروى أحمد (٩) نحوَه من حديث غيرِه .....................

стр. 4973

وفي المسند (١) أيضًا «من ردَّته الطِّيرة من حاجة، فقد أشرك». قالوا: يا رسول الله، ما كفارةُ ذلك؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خيرَ إلا خيرُك، ولا طَيْرَ إلا طيرُك، ولا إلهَ غيرُك». وأخرج أحمد (٢) من حديث أبي موسي قال: خطبَنَا رسولُ الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: ذاتَ يوم فقال: «يا أيها الناسُ اتَّقوا هذا الشركَ، فإنه أخفى من دبيبِ النملِ» ثم قالوا له: كيف نتجنَّبهُ وهو أخْفى من دبيب النمل؟ قال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشركَ بك شيئًا نعلمُه، ونستغفرك لما لا نعلمُه». وقد رُويَ من حديث غيرهِِ. (٣) إذا عرفتَ ما تضمنتْه كتبُ التفسير من الوجوهِ التي ذكرناها، وعرفت تقريرها على الوجه الذي قررناه، فاعلم أن هذه الأقوالَ إنما هي اختلافٌ في سبب النزولِ، وأما النظم القرآني فهو صالحٌ لحملهِ على كل ما يصدقُ عليه مسمَّي الإيمان مع وجودِ مسمَّى الشركِ، والاعتبارُ بما يفيده اللفظُ لا بخصوصِ السبب كما هو مقررٌ في موطِنهِ، فيقال مثلاً في أه الشرك أنه ما يؤمنُ أكثرهم بأن الله هو الخالقُ الرازقُ إلا وهو مشركٌ بالله بما يعبدهُ من الأصنام، ويقال في من كان واقعًا في شرك من الشرك الخفي وهو من المسلمينَ إنه ما يؤمن بالله إلا وهو مشركٌ بذلك الشرك الخفي. ويقال مثلاً في سائر الوجوه بنحوه هذا على التقريرِ الذي قررناه سابقًا، وهذا يصلح أن يكون وجهًا مستقلاً، وهو أوجَهُهَا وأرجَحُها فيما أحسبُ [٤].وإن لم يذكرُه أحدٌ من المفسرينَ. فما قاله السائل ـ كثر الله فوائده ـ من أنه يُشكلُ وجوهُ اتَّصافِهم بالإيمان في حالٍ

стр. 4974

تلبُّسِهم بالشركِ استشكالٌ واقعٌ موقعَه، وسؤالٌ حالٌّ من محلِّهِ، وجوابُه قد ظهر مما سبق فإنه يقال مثلاً أن أهلَ الجاهليةِ كان إيمانهم المجامِعَ للشرك هو مجردُ الإقرار بأن الله الخالقَ الرازقَ، وهو لا ينافي ما هم عليه من الشركِ، وكذلك يقال إن أهل الإسلام كان يشرك من وقع منهم في شيء من الشركِ الخفي الأصغرِ غيرُ منافٍ لوجود الإيمان منهم، لأن الشرك الأصغر لا يخرجُ به فاعله عن مسمَّى الإيمان. ولهذا كانت كفارتُهُ أن يتعوَّذ بالله من أن يشركَ به، وأن يقول في الطيرة: «اللهم لا طَيْرَ إلا طيرُك، ولا إله غيرك» فقد صح بهذا أنه اجتمع الإيمان الحقيقيُّ والشركُ الخفيُّ في بعض المؤمنينَ، واجتمع الإيمان بالمعنى الأعمِّ، والشركُ الحقيقيُّ في أهل الجاهليةِ، وكذا يقال في أهل الكتاب أنه اجتمعَ فيهم الإيمان بما أنزلَ الله على أنبيائهم، والإشراكُ بجعْلِ المخلوقينَ أبناءً لله وهكذا في بقيةِ الوجوه.

стр. 4975

قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ ... السؤال الثاني: عن حديثِ: «إنما الأعمالُ بالنيات» هل هو من المتواترِ كما ادَّعاه بعضٌ، أو من الغريب المشهورِ كما قال به آخرون، أو من الغير المشهورِ كما قال به جمعٌ، وهل هو في درجةِ الصحةِ أو درجةِ الضعف؟ أفيدونا ما هو الصحيحُ لديكم فإنا في حاجة إليه. أقول: هذا الحديثُ ثابتٌ في صحيح البخاري (١) ومسلم، (٢) والسننِ الأربعِ، (٣) وقد رواه سائر الأئمة المشهورين (٤) إلا الإمام مالكٍ فلم يَرْوِهِ في الموطَّأ، (٥)، ووهم من زعمَ أنه في الموطأ، (٦) ولكنه أخرجه النسائي (٧) من طريق مالك. وقد جزم الترمذيُّ والنسائي، والبزَّار، وابن السكن وغيرهم (٨) بأنه لم يروهِ عن النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم [٥]ـ إلا عمرَ بن الخطاب ﵁ ولا رواه عن عمرَ إلا علقمةُ بن وقاص الليثي، ولا رواه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولا رواه عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بنُ سعدُ الأنصاري، ثم اشتهر عن يحيى، ورواه الجمعُ الجمُّ، وتلقَّاه الناس بالقَبولِ، فهو في

стр. 4976

اصطلاح أهل علم الحديثِ غريبٌ نسبيٌّ لكونه قد تفرَّد به بعضِ رجالِ السندِ عن بعض، ولكنه لا تنافي بين الغريب والصحيحِ، سواء كان الغريبُ مطلقًا وهو ما رواه الفردُ عن الفردين أول الإسنادِ إلى آخره، أو كان الغريبُ نسبيًّا وهو ما تفرَّد به بعضُ رجال السند دون بعض. وقد قال الخطابي (١) أنه لا يعرفُ إلا بهذا الإسنادِ بلا خلافٍ بين أهلِ الحديثِ. قال ابن حجر (٢): وهو كما قال لكن بقيدينِ: أحدهما: الصحة، لأنه ورد من طرق معلولةٍ ذكرها الدارقطنيُّ، وأبو القاسم بن منده، وغيرهما ... ثانيهما: السياقُ لأنه ورد في معناه عِدَّةُ أحاديثَ صحَّتْ في مطلقِ النيةِ كحديثِ عائشةّ، (٣) وأمِّ سلمةَ عند مسلمٍ: «يبعثون على نيَّاتِهم» (٤) وحديثِ ابن عباس: «ولكنْ جهادٌ ونيَّةٌ»، (٥) وحديث أبي موسى: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٦) متفق عليهما .. وحديثِ ابن مسعود: «رب قتيلٍ بين الصفينِ الله أعلم بنيَّتِه» أخرجه أحمد، (٧) وحديثِ عبادةَ: «من غزى وهو لا ينوي إلا عقالاً فله ما نوى» أخرجه النسائي. (٨)

стр. 4977

إلى غير ذلك مما يتعسَّر حصْرُهُ. وعرف بهذا غلطُ من زعم أن حديثَ عمر متواترٌ إلا أن حُمِلَ على التواتُر المعنوي فيحتمل ... نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد، فقد حكى الحافظ (١) النقاش أنه رواه عن يحيى بن سعيد مئتان وخمسون نفسًا، وسرد أسماؤهم القاسمُ بن منده فجاوزَ عددُهم ثلاثمائةٍ. وروي عن الحافظ الهروي أنه قال: كتبته من حديث سبعمائة من أصحاب يحيى. إذا عرفتَ هذا علمتَ منه جوابَ سؤال السائل ـ عافاه الله ـ فهذا [٦] من قسم الغريبِ الصحيح المشهورِ المتلقَّى بالقبول، لا كما قال أبو جعفر الطبريُّ أن هذا الحديثَ قد يكون على طريقة بعضِ الناسِ مردودًا لكونه فردًا ... انتهى. (٢) فإن هذا إنما هو إشارةٌ منه إلى قول من يقول أنه يعتبرُ في عدد الرواية ما يعتبر في عدد الشهادةِ، فلا يُقبل إلا ما رواه اثنان فصاعدًا عن اثنين فصاعدًا، وليس هذا بمعتبرٍ عن أحد من أئمة الحديثِ المعتبرينَ، وإنما قال به بعضُ أهل الأصول، وهو قول مدفوعٌ. وأما ما رواه جماعةٌ عن البخاري أن شرطَهُ أن يروي الحديثَ عن رسول الله صلي الله عليه وسلم صحابيانِ ويروي عن الصحابيين أربعةٌ، وعن الأربعةِ ثمانيةٌ، فهذا نقلٌ، وروايةٌ مدفوعةٌ، فإن هذا الحديثَ الذي سأل عنه السائل ـ عافاه الله ـ هو أولُ حديث في البخاري. (٣) وقد تفرد به واحدٌ من الصحابة عن رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ وتفرَّد به عن الصحابي الواحدِ واحدٌ من التابعينَ، وتفرد به عن التابعيِّ واحدٌ كما عرفت.

стр. 4978

قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ ... السؤال الثالث: ما يقول القاضي في رجل قال لزوجته: (إن وطِئْتُكِ فأنت طالق) هل تطلُق لمجرد الإيلاجِ، أو بعد الإخراجِ، أو قبلَ الوْطئ؟ وإن قلتُم أنه لمجرد الإيلاجِ هل يحدُّ في إخراجه أو لا يحدُّ؟ أفتونا مأجورينَ. أقول: تعليقُ الطلاق بالوطئ صحيحٌ عند الجمهور، (١) وخالف في ذلك البعضُ ثم اختلف القائلون بالصحةِ بماذا يقعُ الطلاقُ؟ فقيلَ يقعُ بالتقاء الختانين بناءً على أن ذلك قد صار حقيقةً عرفيةً (٢) للوطئ، وقيل بكمال الإيلاج، فإذا وقع الالتقاءُ للختانينِ عند الأولينِ وقعَ الطلاق، فيكف عن الإيلاج، فإن فعل [٧] كان الإيلاج رجعةً في الطلاق الرجعيِّ، وأما في البائن فقيل يجب الحدُّ ... ولا وجه لذلك، فإن الزِّنا هو إيلاج فرجٍ، وتتمةُ الإيلاج ليست بإيلاج، بل جزءُ إيلاج. هذا عند أهل القولِ الأولِ. وأما عند أهل القولِ الثاني وهو المعتبرون للإيلاج، فقيل: يجوزُ له النزعُ، ولا يكون آثمًا ولا زانيًا لأنه لا يمكنه الخروجُ من الحرام إلا بذلك. وقيل: يجبُ عليه الحدُّ وهو فاسدٌ لأن الزنا إيلاج فرجٍ في فرجٍ، والنَّزعُ ليس بإيلاج، والمسألة مبسوطةٌ في علم الفروع، والكلام فيها مقررٌ في مواطنه. وعندي أنه إذا علَّق الطلاقَ بالوطئ جازَ له أن يطأها حتى يُنزلَ، لأنه يصدقُ على ذلك أنه وَطئٌ لغةً وشرعًا، وهو معروف في لغة العرب، وفي لسان الشرع، إلا أن يريدَ وطئًا يوجِبُ الغسلَ فقد ثبتَ عن الشارعِ أنه إذا لاقى الختانُ الختانَ فقد وجب الغسلُ (٣)

стр. 4979

فيقتصر على ذلك، فإن فعل كان آثمًا. وأما أنه يجبُ عليه الحدُّ فلا، وإن طال العملُ والنَّزع والإيلاج حتى ينزلَ، لأن الحدُود تُدْرَأُ بالشبهاتِ كما صحَّ عن الشارع. وجوازُ أولِ الفعلِ شبهةٌ توجبُ سقوطَ الحدِّ في التمام. هذا على فرض أن الطلاقَ ليس برجعيِّ، وإلا كان التمامُ رجعةً. [٨].

стр. 4980

قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ ... السؤال الرابع: هل الصحيحُ عند القاضي جوازُ القرآنِ بالسنةِ أو المنعُ؟ (١) فإذا قلتُم بالجواز يشكُلُ قولُه : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ الآية﴾ فإن السنة ليست بمثلِ القرآنِ ولا خيرًا منه، وإن كانت وحيًا لنسبتِها إلى الرسول، ونسبةُ القرآنِ إلى الله وإذا قلتم بالمنع أشكلَ أيضًا آيةُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ... الآية﴾ (٢) اللهمَّ إلا أن يقالَ: إن هذا من باب تخصيصِ الكتابِ بالسنة، وإلاَّ أشكلَ إبقاؤُها مع قوله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «لا وصية لوارثٍ» (٣) أفتونا بالتحقيق الذي هو إثباتُ المسألةِ بدلائلها؛ فإن الحاجة ماسَّةٌ إلى ذلك. أقول: قد ذهب جمهورُ أهلِ الأصولِ إلى جوازِ نسخِ القرآنِ بالسنةِ المتواترةِ، (٤) وخالف في ذلك الشافعيُّ، (٥) وتابعه على ذلك طائفةٌ، (٦) وبه قال أئمة الزيديةِ.

стр. 4981

واختلف المانعون، فمنهم من منعه عقلاً، كالحارث المحاسبي، وعبد الله بن سعيد القلاسي، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، ومنهم من منعه سمعًا كالشيخ أبي حامد الإسفراييني، واحتج الجمهور بأن التكليف بمتواتر السنة كالتكليف بالآية القرآنية، وبأن ذلك قد وقع في هذه الشريعة المطهرة. واحتج الآخرون بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١) وتقرير الدلالة من وجهين: أحدهما: أن ما ينسخ به القرآن يجب أن يكون خيرًا أو مثلاً، والسنة ليست كذلك. ثانيهما: أنه قال (نأت) والضمير لله ـ سبحانه ـ فيجب أن لا ينسخ إلا بما يأتي به الله، وهو القرآن. وأجاب الأولون عن ذلك بأن المراد بقوله [سبحانه]: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾

стр. 4982

أي بحكم خير منها أو مثلِها في حق المكلَّفِ باعتبارِ الثوابِ، وهذا صحيحٌ، ولا يخالُفه الضميرُ في قوله: ﴿نَأْتِ﴾ فإن القرآنَ والسنةَ جميعًا من عند الله ـ سبحانه [٩]ـ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١) والكلامُ في المسألةِ طويلٌ، وهو مدوّن في الأصول بما لا يتَّسع المقام لبسطِه، الحقُّ عندي الجوازُ. (٢) وأما نسخُ الكتاب بما صحَّ من آحادِ السنةِ فقد منعه الجمهورُ، لأن الآحاد لا تفيد القطعَ، والكتابُ مقطوعٌ به. وذهب جماعةٌ من متأخرين الحنفيةِ إلى جواز نسخ القرآنِ بالخبرِ المشهورِ، وقال في جمع الجوامع (٣): إن نسخَ القرآنِ بالآحاد جائز غيرُ واقع ... وقال أبو بكر الباقلاَّني، (٤) والغزالي، (٥) وأبو عبد الله البصري (٦) أنّه جائزٌ في عصره ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ لا بعدّه ... ووافَقهم الإمامُ يحيى من أئمة الزيدية. وذهب جمعٌ من الظاهرية إلى جواز ووقوعِه ... وأقول: إنَّ النزاعَ إن كان في قطعية المتنِ فلا شك أن القرآن كذلك وما صح من آحاد السنة ليس بقطعي وإن كان النزاعُ في الدلالةِ فإن كان القرآنُ المنسوخ عمومًا أو محتملاً فدلالتُه ظنيةٌ كدلالةِ ما صحَّ من الآحادِ، والذي يصلُح أن يكون محلاًّ للنزاع هنا هو الثاني لا الأولُ، على أنه قد وقع نسخُ القطعيَّ بالظنيِّ، فإن استقبالَ بيتِ المقدسِ ثبت ثبوتًا قطعيًّا متواترًا، ثم إن أهلَ قُباءَ استدارُوا إلى الكعبةِ وهم في الصلاة بخبر واحدٍ ولم ينكر عليهم ذلك النبيُّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم (٧) ـ.

стр. 4983

وكذلك ثبت نسخُ الوصيةِ للوالدين والأقربين بقوله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «لا وصية لوارث»، (١) وكذلك نُسِخَ قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ... ﴾ بقول عائشة ﵂: ما توفي رسولُ الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ حتى أحلَّ الله له أن يتزوجَ من النساء ما شاءَ. ونسخ قولُهُ تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ... الآية﴾ (٢) بنهيهِ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ عن أكل كلِّ ذي ناب، (٣) والكلام في هذا يطولُ، ومحلُّه مطوَّلاتُ كتب الأصولِ، فإن استيفاءَ الكلام في

стр. 4984

هذه المسألة يحتاجُ رسالةً مستقلةً [١٠].

стр. 4985

قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ: السؤال الخامس: ما يقول القاضي في قول النحاة مثلاً هذا في محلِّ رفع، وهذا في محل نصب، وهذا محلِّ جر، وهذا في محل جزم، وهو شيء أخذه متأخِّروهم عن أولِّيهم، هل تساهلوا في ذلك حيثُ جعلُوا الاسم مثلاً أو الفعلَ بمنزلةِ الحركةِ أو الحرفِ أو الحذفِ، وكان القياسُ أن يقولوا في محلِّ مرفوعٍ، وفي محلٍّ منصوب، وفي محل مجرور، وفي محل مجزوم، أو الاعتراضَ؟ .. وكذلك هل وقع منهم تساهلٌ في قولهم مثلاً في أول الأبوابِ حين يأخذون في حدِّ كل باب: المبتدأ: هو الاسمُ المجردُ عن العوامل اللفظيةِ المرفوعُ، أو هو الاسم الصريح أو المؤول به المرفوعُ، أو ما ابتدأَ به مرفوعًا. والحالُ وصفٌ فعله منتصبٌ، حيث جعلوا الرفعَ في المبتدأ، أو النصبَ في الحال جزءًا من الماهية، وهو حكم من الأحكام، وهذا عندهم من جملة المردودِ، إذا إدخالُ الأحكام في الحدودِ منتقد وإن جعلوه جزءًا واحدًا لزمَ فيه الدورُ، سواء كان بمرتبةٍ كتوقُّفِ (أ) على (ب) و (ب) على (أ)، أو بمراتبَ كتوقُّفِ (أ) على (ب) و (ب) على (ج) و (ج) على (أ)، أفتنا على ماذا نعتمدُ عليه ونعوِّل عليه؟ .... أقول: هذا قد اشتمل على سؤالينِ: وجوابُ الأول: أنه من باب التعبيرِ بالمصدرِ عن اسم المفعولِ، وذلك واقع كثيرًا، ومنه الصورةُ التي ضربها أهلُ النحو مثالاً، وهي قولهم: الدرهمُ أو الدينارُ ضربُ الأمير أي مضروبُهُ، ومن ذلك قول النحاة (١): الكلمةُ لفظ وضعَ مفردٍ كما وقع في كافيةِ (٢) ابن الحاجبِ، فإن شُرَّاحِ (٣) كلامِه قالوا في الشروح: إن اللفظ هنا بمعنى الملفوظِ، ومن

стр. 4986

ذلك قولُ ابن الحاجب بالضمةِ رفعًا، والفتحة نصبًا، والكسرة جرًّا، فإن الرَّضيَّ قال في شرحه: إن هذه المصادرَ بمعنى المفعولِ كقولهم: الفاعلُ رفعٌ أي مرفوعٌ، وهذا يقعُ كثيرًا في كلامهم، ومنه ما سألَ عنه [١١] السائل ـ عافاه الله ـ ... قال الرَّضيُّ (١) عند شرح قول ابن الحاجب: وحكمه أن يختلف آخرهُ لاختلافِ العواملِ لفظًا أو تقديرًا ما لفظُه: فلهذا يقال في نحو هؤلاء أنَّه في محلِّ رفع، أي في موضع الاسمِ المرفوعِ ... انتهى. وقد ذكر هذا أهلُ المعاني والبيانِ في مواضعَ، ومثَّلوه بقول الشاعر: فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ ... أي مقبلةٌ ومدبرةٌ ... وجواب السؤال الثاني: إن ما يذكره أهلُ العلم في الأبواب هو من باب الرسول لا من باب الحدودِ، كما حقَّق ذلك جماعةٌ من المحققين، لأن الوقوف على الذاتيات التي مدارُ الحدِّية عليها متعسِّرًا أو متعذِّرًا، وإذا كان ذلك رسمًا لا حدَّا فالمراد تمييزهُ عن مشاركاتهِ في الماهيةِ بالوجهِ لا بالكُنْهِ، ولو كان ذلك بخاصةٍ أو بعرضٍ عامٍّ، وبيانه في مثل الصورةِ التي ذكرها السائلُ ـ عافاه الله ـ إنه لما قيل في حد المبتدأ أنَّه الاسم المجردُ عن العوامل اللفظيةِ بقي كثيرٌ من الأسماء المجردةِ عن العوامل داخلاً في هذا، فلما قال المرفوعُ خرجت تلكَ المشارِكاتِ على زعم من حدَّد المبتدأَ بمثل هذا الحدِّ. وعندي أنها لا تخرجُ جميعُ المشاركاتِ بقوله المرفوعُ، بل يبقي الخبر داخلاً في حدِّ المبتدأ فإنه اسم مجرَّدٌ عن العوامل اللفظية مرفوعٌ، فلا يصح الحدُّ إلا عند من يجعلُ المبتدأ هو العاملُ في الخبرِ كما نقلَه الأندلسيُّ عن سيبويه. وروي عن أبي علي الفارسي وأبي الفتح ابن جنيّ. (٢) وقال الكسائي والفراءُ: هما مترافعانِ. وقال خلف الأحمرُ: إن المبتدأ يرتفع بإسناد الخبر إليه. وقال بعض الكوفيين: المبتدأ مرتفعٌ بالضميرِ العائد إلى الخبرِ. وقال الزمخشريُّ والجزوليُّ: إن الابتداءَ هو العامل

стр. 4987

في الخبر. (١) وإذا تقرر هذا تبيَّن لك أن وقوعَ لفظ المرفوع في حدِّ المبتدأ ليس على ما ينبغي، فالأولى [١٢] في حدِّ المبتدأ ما قاله ابن الحاجب (٢) أنه الاسمُ المجرد عن العوامل اللفظيةِ مسندًا إليه، فإنه بهذا يتميزُ عن الخبرِ، وإن كان الاعتراضُ باقيًا باعتبارِ قول من قال: إن عاملَ المبتدأ لفظيٌّ، لأنه حينئذٍ لا يكون مجرَّدًا عن العوامل اللفظيةِ. وأما ما قاله السائل ـ عافاه الله ـ من كونهم جعلوا الرفْعَ والنصبَ جزءًا من الماهيةِ، وهو حكمٌ من الأحكام. فجوابه أن ذلك إنما يراد إذا كان المذكورُ في الباب حدًّا، وأما إذا كان رسمًا كما ذكرناه فلا، فإن الرسْمَ يكون بالخاصَّةِ، وبالعرضِ العامِّ، إذ المرادُ التمييزُ بالوجه لا بالكُنْهِ، ولهذا قالوا: (إن مدارَ الحدَّيةِ على الفصلِ، ومدارَ الرسميةِ على الخاصةِ. وبهذا تعرف جوابَ ما ذكره السائل ـ عافاه الله ـ من لزوم الدورِ ...

стр. 4988

قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ .... السؤال السادس: ما الفرقُ بين العكسِِ اللغويِّ والعكس الاصطلاحي؟ وذلك في مثل قولِهم: كل بليغٍ فصيحٍ ولا عكسَ، هل المرادُ به ولا عكسَ لغويٌّ أو اصطلاحيُّ؟ أقول: العكس اللغويُّ هو أن يقال مثلاً: كل بليغٍ فصيحٌ وعكسُه ليسَ كلُّ فصيحٍ بليغٍ. وأما العكسُ الاصطلاحيُّ المعروفُ عند أهل المنطقِ فهو ينقسم إلى قسمين: العكسُ المستوي، وعكسُ النقيضِ، ولكل واحد منهما بحثٌ محرر في علم المنطقِ تحريرًا يتبيَّن به كلُّ صورةٍ من صورهِ، ولا يتعلَّق بإيراد ما ذكروه هنا فائدةٌ، لأنه يغني عن ذلك الرجوعُ إلى مختصرٍ من مختصرات علمِ المنطقِ .. فمثلاً قولُه: كل بليغٍ فصيحٌ ينعكسُ بالعكسِ المستوي عند أهل المنطق إلى موجبةِ جزئيةٍ وهي بعض الفصيحِ بليغٌ، وأما عكس النقيض فهو تبديلُ نقيضِ الطرفينِ فاعرفْ هذا.

стр. 4989

قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ .. السؤال السابع: ما يقولُ القاضي في قولهم مثلاً: هذا كلامٌ ساذَجٌ، وهذه عبارةٌ ساذَجَةٌ؟ ماذا يريدون بالسَّاذج؟ فإنا قد طالعنا الصحاحَ والقاموسَ فلم نجد لهذا الحرفِ أصلاً فيهما، فعلى هذا فهل تكون مولَّدةً أو عربيةً؟ أقول: هذه اللفظةُ ليست من لغةِ العرب, (١)، ولكنه استعملَها كثيرٌ من المشتغلينَ بالفنون الآلية، والعلوم العقليةِ، فتارةً يريدون بالساذج ما لا معنى له، وتارة يريدون به ما لا دلالة له، وتارة يريدون به ما لا فائدةَ فيه وقد بيَّن بعضُ أهل العلم معناهُ فقال: هو مأخوذٌ من قولهم ثوبٌ ساذجٌ أي لا علامةَ فيهِ، وهذا التبيينُ ساقطٌ، فإنه إنما يحتاجُ إلى هذا في الألفاظ اللغويةِ. وأما الألفاظُ العجميةُ والمولَّدةُ فلا ضرورةَ تستدعي ذلكَ، وتقتضيه، وما أحسنَ ما قالَهُ بعضُ علماء اللغةِ في بعض الألفاظِ العجمية: (إنه عجميٌّ فالعبْ به كيفَ شِئتَ ... ).

стр. 4990

قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ ... السؤال الثامن: ما يقول القاضي في أخوين: أحدُهما بالمشرقِ والآخَرُ بالمغربِ، فتوفيَّا في يومِ جمعةٍ حين زالت الشمسُ، فهل يحكُم بتوريثِ أحدِهما من الآخَرِ أم لا؟. أقول: إن كلامَ أهل العلم في هذه المسألةِ معروفٌ، والذي عندي أنه إذا علم خروجُ روحَيْهما في لحظةٍ واحدةٍ بدون تقدُّمٍ ولا تأخُّرٍ أصلاً فلا توارُثَ بينَهما، بل ميراثُ كلِ واحد منهما لورثتِهِ الأحياء، وإن لم يُعْلَمْ ذلك، بل الْتَبَسَ فالواجبُ أن يكون العملُ فيهما كالعملِ في الغرقاء والهدماء حسبما هو مذكور في علم المواريثِ، فيجب تقدير موتِ كلِّ واحد منهما عن ورثتِه الأحياء والأمواتِ، ثم عن ورثتهِ الأحياء فقط، ثم يفرضُ موتُ كلِّ واحد منهما عن النصيبِ الذي ورثَه من الآخرِ، هذا أرجحُ ما يقالُ في مثل ذلك، وبه يحصل الوفاءُ بما شرعهُ الله ـ سبحانه ـ من التوريثِ والسلامةِ عن الوقوعِ في الوعيد الواردِ في من قطع ميراث وارثٍ. والكلامُ في مثل هذا فقد استوفاه علماءُ الفراضِ في مؤلَّفاتهم. (١)

стр. 4991

قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ ... السؤال التاسع: ماذا يقول القاضي في قول الصرفيينَ: وأبي يأبي شاذٌ وتقسيمُ الشاذِّ إلى ما هو موافقٌ للاستعمال ومخالفٌ للقياس، كمسجدٍ مقبولٍ، وبفتح الجيم عكسُه [١٤] مقبولٌ، وما خالفهما معًا مردودٌ، هل هذه القاعدةُ محرَّرةٌ أو هي لم تتضحْ إلى الآن ... ؟ أقول: قد ذكر علماءُ الصرف أن الشاذَّ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شاذٌّ مخالفٌ للقياس وهو مقبولٌ وشاذٌّ مخالفٌ للاستعمالِ وهو أيضًا مقبولٌ، وشاذ مخالف لهما وهو مردودٌ وهذه القاعدةُ محرَّرةٌ مقرَّرةٌ، ولها أمثلةٌ معروفةٌ في علم الصرفِ. وقد ذكرهما علماءُ المعاني استطرادًا، والكلام فيها معروفٍ. وقد نظمها بعضُ أهل العلم بأبياتٍ أولُها: يشذُّ ما خالفَ القياسَ وإن ... كان كثيرَ الورودِ في الكَلِمِ

стр. 4992

قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ ... السؤال العاشر: هل الكذب على العلماء العاملينَ كالكذبِ عليه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أم لا؟ أقول: قد ثبتَ عن رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال: «إنَّ كذبًا عليَّ ليس ككذبٍ على أحدكم، إنَّه من كذبَ عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». (١) فأفاد هذا أن الكذبَ على رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ ليس كالكذب على غيره من غيرِ فرقٍ بين العلماء العاملينَ وغيرِهم، فحاصلُهُ أن الكذبَ من أعظم الذنوبِ وأشدِّها، ومن الكبائرِ العظيمةِ، ولكنه على رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم أشدُّ، وعقابه أعظم وفي هذا المقدار كفاية والله وليُّ الهداية .... . حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما.

стр. 4993

(٢١١) ٣٠/ ٥ فَتْحُ الخَلاَّقِ في جواب مسائل الشيخ العلامة عبد الرزاق الهندي تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4994

وصف المخطوط: ١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: فَتْحُ الخَلاَّقِ في جواب مسائل الشيخ العلامة. ٢ ـ موضوع الرسالة: لغة عربية. ٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ...... ٤ ـ آخر الرسالة: سبحانه ربك ربِّ العزة عمِّا يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. ٥ ـ نوع الخط: خط نسخي جيد ٦ ـ عدد الصفحات: ٣١ + صفحة العنوان. ٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٢٠ سطرًا. ٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٠+ ١١ كلمة. ٩ ــ الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4995

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك، سيد الأنام، وعلى آله الكرام، وصحبه الفخام. يا فتاح، يا عليم، افتح لنا أبواب الهداية، وافتح علينا بفهم ما استصعبَ من علوم الدراية والرواية، إنَّه لا خيرَ إلاَّ خيرُك، ولا يهب المعارفَ الحقةَ على الحقيقةِ غيرُك، وبعدُ: فيقول الحقير الجاني محمد بن علي الشوكاني ـ غفر الله له ذنوبه، وستر عن عيون العباد عيوبه ـ وأنه ورد عليَّ، ووفد إلىَّ من الشيخ المحقق العلامة المدقق الفهامة، المتحلِّي من المعارف بما دقَّ وفاق، ورقَّ وراق، الفاضلِ عبد الرزاق، وهو الهنديُّ المستوطن دلّي ـ غفر الله له ولي ـ هذه المسائلُ الرشيقة، والمباحث الأنيقة الدقيقة. وها أنا أذكرها لك بنصِّها، واكتبها بلفظها وفصها، ثم أذكر ما ظهر لي من جوابها مسألةً مسألةً، وبالله الاستعانةُ على فك أقفال كلِّ معضلة ومشكلةِ، قال ـ كثر الله فرائد فوائده ـ ومدَّ على الطُّلاب فوائد فرائده ـ: مسألة: ما قضية نتجتْ غيرَ مكررة الحد الأوسط، وما الشكل الأول ينفي الصغرى فأنتج وإيجابها مشرّط؟ مسألة: وما اقتراني كالاستثناءِ، وهما نقيضان. مسألة: وما قضايا حوتْ ثلاثةَ الآلفِ في الحسبان، وما شكل ثانٍ اتفقت مقدمتاهُ إيجابًا وسلبًا، فأنتج دون ما عداهُ. مسألة: ما بين الصورة الجسمية [١أ]، والصورة النوعيّة من أنواع التقابل الحكمية. مسألة: وما بين العارضِ والعرضِ من النسبِ الأربع قد عرض، فإن قلتم يتساويان قلنا يتغاير الحدَّان، وإنْ قلتم نقيضان، قلنا يرتفعانِ، وإن قلتم غير ذلك فعليكم البيان. مسألة وما بين الكمال الأول والثاني من هذه النسبِ، وهل السؤالُ عنها بما أو بأيّ قد وجب.

стр. 4996

مسألة وما شيءٌ لا من وجود ولا معدوم، ولا كلِّي ولا جزئي، ولا خاصٍّ ولا عامٍّ. وهل يدخل في مسمَّي الشيء؟ وهل يحسن السؤال عنه بأيِّ؟ وهل معنى لا شيء ولا موجود متَّحدٌ؟ وهل التلازم بين الوجود والشيئية من الأمور الخارجيَّة أو الذهنية، أو لا ملازمة أصلاً؟ وما بين اللاشيء واللاموجود من التقابل حكمًا. مسألة: قالوا: في قام زيد خمسةٌ وعشرون وجهًا فانعموا بالقيد. مسألة قول الشاعر: لا يألف الدرهمُ المضروبُ صُرَّتَنا ... لكن يمرُّ عليها وهم منطلقُ لم آثر لفظ يألفُ على غيره من الألفاظ التي تولفُ، وَلِمَ أتى بالدرهم دون الدينارِ؟ وبلا دونَ ما، ولِمَ اختار التعريفَ على التنكير، والإفراد على جمع التكسير؟ ولم وصَفَه بالمضروب؟ هل فائدة أوقع في القلوب؟ ولم أختار لفظ الصَّرة على ما يقوم مقامَها؟ بيِّنوا سرَّهُ. ولم قدَّم لفظ المرور على ما يرادفُه بما على الألسنة يدور؟ ولمَ جاء به مضارعًا دون ماضٍ؟ وهل زمانه الحالُ، أو الاستقبال، أو الاستمرار؟ وما عليها من الاعتراض. وهل المرور الانطلاق؟ فكيف قيَّده به؟ وتقييد الشيء بنفسه منعه الاتفاق، وهل يصح الاستشهاد بهذا البيت للحشو والتطويل والإيماء؟ وأين موضع كُلّ يا نبيلُ [١ب]. مسألة: هل الإعراب والبناء نقيضان؟ فإن قلتم: نعم. قلنا: يرتفعانِ. وإنْ قلتم: لا. فما بينَهما عند ذوي الشأن، وهل لهما عارضان أو عَرَضَان؟ مسألة: أي خبر مشتق استكنَّ فيه ثلاثةُ ضمائرَ وخبرينِ مشتقَّين ليس فيهما إلاَّ ضميرُ دائرة. مسألة: ما مبتدأ رفعتُه حال. مسألة: إذا بنيت من آي على مختال كيف تجمعُه جمعَ السلامةِ. وتصغِّره. وتكسِّره وترخِّمُهُ على القاعدة المقامةِ؟ مسألة: ما حرف ناب عن حرف حذف فنابَ عن ذلك النائبِ اسمٌ ربما عرف

стр. 4997

فعرف؟ مسألة إذا سمَّيتَ بلا كيف تثنيه، وكيف تجمعه، وكيف تكسره، وكيف ترخمه منادي، وتصغره؟ مسألة ما به اسمٌ عوضٌ عن نون التثنية في غير الإضافةِ العادية. مسألة: ما حدُّ علةِ الفرق، وعلة الاستغناء، وعلة التوكيد، وعلَّة النقيض، وعلَّة حمل المعنى على المعنى؟ وما علَّة القرب، وما علَّة الوجوب، وما علة المعادلة، وما علة الجواز، وما علة الأصل، وما علة التعليل، وما علَّة المشاكلة؟. وما مثالِ كلٍّ من هذه العلل عند النحاة؟ فأنعموا بالمثل، وما حدُّ العلَّة، وما رسْمُه، وما مثالُه؟ وهل يجوز التعليلُ بالعلَّة القاصرةِ، وما مثاله، وما فساد الاعتبار في علم العربيّة، ومتى تعارض شاذ ولغة ضعيفةٌ، فهل ارتكابُ الضعيف أولى أو لا؟ والله أعلم. تفضَّلوا بتحرير الجواب، ولكم جزيل الثواب انتهى السؤال. قال المجيب ـ أمدَّ الله أيامه، ونشر بمناهج التحقيق أعلامَه ـ[٢أ] وقبل تحرير الجواب تقدم مقدمةً مشتملةً على فوائدَ يزدادُ بها الواقفُ على هذه الأسئلةِ وأجوبتها بصيرة، وينتفع بها فيها انتفاعًا تامًّا. الفائدة الأولى: اعلم أنَّ المسائل التي يوردها السائل على طريقة التعميةِ والألغاز (١)

стр. 4998

ليس المعتبرُ في حلِّها إلا ما يصلُح أن يكون حلا لها على الوجه المعتبر، سواءً كان ذلك هو الذي قصدَه المورِدُ لها أو غيره، مما يتجلى به إشكالُها، ويتضح عنده إعضالُها، وينفتح لديه مُغْلَقُها. ومن زعم أنه لا يتمُّ الحلُّ، ولا تتضح التعميَّة إلاَّ بالتنصيص على الصورة التي أرادها من جاء بالتعميةِ فقد ركبَ أبعد الشططِ، وغلط أقبحَ الغلطِ. وإذا تقرر لك هذا علمت أنه ليس على المسؤولِ، فالمسائل الواردة على تلك الصورة إلاَّ مجرَّد تخريجها على وجهٍ صحيح، فإن تمَّ له ذلك فقد أصاب في الجواب، وعلى السائل التسليمُ، وإن لم يكنِ الحلُّ بعين تلك الصورة التي قصدها فإن زعم أن ذلك التخريجَ مختلٌّ بوجه من وجوه الاختلال فعليه أولاً إيضاحُ مُعَمَّاهُ، وتقريرُ انطباقهِ على تلك الصورة التي قصدها دون غيرها، وليس له أن يمنعَ منعًا مجردًا، وعليه ثانيًا بيانُ وجه الخللِ في ذلك التخريج الذي جاء به المجيب. الفائدة الثانية: إنَّ عدم فهم المسألة الواردةِ على طريق التعميةِ لا يستلزم عدمَ فهم نفس تلك المسألةِ لو وردتْ بغير ذلك العنوانِ، وعلى غير تلك الصور، بل المعتبرُ في

стр. 4999

تحقيق العلوم، وتدقيق المعارف أن يكون العالمُ عارفًا بالمسائل، [٢ب] قادرًا على استخراج الدلائل، متمكنًا من استحضارها على الوجهِ الذي دُوِّنت عليه في العلوم، ولا يلزمه أنْ يفهمَها إذا غُيِّرتْ تغييرًا خرجت به عن الطريقة المألوفة، وخالفت بسببه المسالكَ المعروفةَ. فإنَّ ذلك لا يقدحُ في علم العالِمِ بلا خلاف. ومن أنكر هذا فقد أنكر الأمرَ الواضح البيِّنَ، وما سبيل هذه المسائل التي أوردَهَا السائل ـ كثر الله فوائده ـ إلاَّ سبيلَ ما أورده أذكياء أهل الفنون في فنونهم على اختلافها من المسائل المعمَّاة في كل فن، بحسب ما يتعارفه أهلُه، ويدور بينهم في مجامعهم، فإنَّ ذلك قد يخفي على أكثرهم تدقيقًا، وأكملِهم تحقيقًا. فإذا انكشف وجهُ التعمية وجد ذلك من أصغر ما يعرفه، وأوضح ما يقومُ بتحريره وتقريره، ويلتحق برياضة أذهانِ الطلبةِ بالتعمية في مسائل العلوم ما يعقدُ من التعمية تارةً بالنظم، وتارةً بالنَّثر في أمور معروفة مألوفة. صارت بإيرادها على ذلك الوجهِ مما يصعُب حلُّه، ويبعدُ فهمُهُ، وكثيرًا ما يقع ذلك بين المشتغلين بالأمور الأدبيَّة، والمحاضرات المجلسيَّة. فإذا ظهر وجهها، وحصل حلُّها ظهر عند ذلك أن ذلك المعمَّى الذي تقاصرت الأذهان عن حلِّه، وتعبت في استخراجه في شيء يعرفُه كلُّ أحدٍ. الفائدة الثالثة: أنَّ مسائل التعمية إذا كان كشفُها وحلُّ ألغازِها بما يشابهها في التغطية. ويناسبها في الوجه الذي وردت عليه، وعلى تلك الصورة التي جاءت بها كان ذلك حَسَنًا مقبولاً، مشتملاً على زيادة فائدةٍ، وهي شَحْذُ ذهن الواقفِ على الجواب [٣أ]، وتحديدُ فهمه، وتقوية إدراكِهن وتصيفة صورة تصوُّره، وربما نسلك في بعض هذه الأجوبةِ هذا المسلكَ، ونمشي على هذه الطريقة التي مشَاها السائل ـ كثر الله فوائده ـ. الفائدة الرابعة: قد كان رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ يكره كثرةَ السائل، ولما أكثروا عليه في بعض المواطن غضبَ، ثم طلب منهم أنْ يسألوه، وتقاضَاهم ذلك غيرَ مرَّة حتى قال بعضُهم: مَنْ أبي يا رسول الله؟ فقال: أبوك فلان، ثم

стр. 5000

كرر الطلبَ لهم مغضَبًا، فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: رضينا بالله ربًّا، والإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولاً، فسكن. والحديث في الصحيح. (١) وقد ورد في حديث صحيح تعليلُ كراهةِ كثرةِ المسائلِ بأنْ يتسبَّبب السائلُ لإيجاب حكم لم يجب وإثبات شرع لم يثبتْ. وأفاد ذلك جوازَ المسائل التي لا تستلزمُ مثلَ ذلك، بل جوازَ ما لم يتعلق بأمر الدين منها، ويؤيد ذلك حديثُ ابن عمر الثابت في الصحيح، الذي ترجم عليه البخاري بقوله: باب طرحِ المسألةِ. وقد كان كثيرٌ من السلف يكرهون المسائلَ التي هي من نوع الأغلوطاتِ، ومن جنس ما لم يكن للناس إليه حاجةٌ. وقد كان كثير منهم لا يجيبُ في مثل ذلك، ولا يلتفت إليه. وأمَّا علماء المعقول فقد استكثروا من ذلك، ووضعوا له مؤلَّفات مستقلةً، فإن أرسطا طاليس (٢) صنَّف كتابًا مستقلاً في بيان الأمور التي يُقْصَدُ بها التمويهُ، وذكر جميع

стр. 5001

ما يوضِّح الأقاويلَ التي يستعملُها المموهون، وبأيِّ الأشياء تُفْتَتَحُ، وكيف يتحرر الإنسان منها، ومن أين تقع المغالطةُ [٣ب] في المطويَّاتِ، وسمَّى هذا الكتابُ سوفسطيقا (١) ومعناه الحكمة المموّهة. وصنف كتابًا آخَرَ في كيفية السؤالِ الجدلي، والجواب الجدلي، وسمَّاه طويبقًا، (٢) ومعناه بالعربية المواضعُ الجدليَّة، وصنف كتابًا ثالثًا في الأقوال التي يمتحى بها، وسمَّاه أنا لوطيقنا، (٣) ومعناه بالعربية كتاب البرهان. بسم الله أشرع الآن في الجواب، مستعينًا بفاتح مُغْلَقَاتِ الأبواب. قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ: ما قضية نتجت غيرَ مكررةِ الحدِّ الأوسط. أقول: القضية هي التي يصحُّ أن يقال لقائلها أنه صادقٌ أو كاذبٌ، كما صرَّح به المحقق الشريفُ في التعريفات، (٤) وهي التي يقول فيها أهلُ النحو والبيانِ أنها ما احتملت الصدقَ والكذبَ، فإن كان المرادُ بالنتيجةِ التي ذكرها السائل هي ما تستلزمهُ تلك القضية

стр. 5002

فقد لزم عنها لذاتِها قولٌ آخَرُ، وهو عكسُها، وعكس نَقِيْضِها. وإن كان المراد النتيجة التي تلزم القولَ المؤلِّف من قضايا فجوابه مبين في القضايا التي قياساتُها معها، وما يشابها. فإنَّ قولنا: الأربعةُ زوجٌ نتجت، ولم يتكرر فيها الأوسط، لأنَّ الأوسط هنا معلومٌ لكل من يعلم أنَّ الأربعة عدد منقسمٌ بمتساويينِ، وكلُّ عدد منقسم بمتساويينِ زوجٌ، فالأربعة زوج. فهذه قضية نتجت غَيْرَ مكررةِ الحدِّ الأوسط، ويمكن الحلُّ بقياس المساواةِ على ما رجَّحهُ صاحب المطالع، ثم نقول له على طريقة المشاكلةِ لسؤاله: والمماثلة لمنواله [٤أ] ما قضية نتجتْ وليس فيها من الشروط المعتبرةِ. وأخرى لم تنتج مع كمال شروطها المعتبرة. ثم نقول له أيضًا: ما قضيّةٌ صحَّ فيها أن تكون موجهةً بجهتين متناقضتينِ، وصدقتا لكن بنوع من العنايةِ ترتفع عنده العماية. وما قضيّةٌ صدقتْ موجبةً وسالبةً، وما قضيّة خبريةٌ ليست بصادقة ولا كاذبة. قال السائل ـ كثر الله فوائده ـ: وما الشكل الأول ينفي الصغرى فأنتج وإيجابها يشترط. أقول: ينظر السائل جوابه في بحث المعدولاتِ، فإنه عند ذلك يظفر بالمطلوب، وفي المشروطة الخاصَّة، والعُرفيَّة الخاصَّة، والوجودية اللاضرورية، والوجودية اللاذعة ما يغني عن التطويل، ويقتضي الاكتفاءَ بالحلِّ في هذا الكلام القليل على أنه إذا جعلَ موضوع الكبرى ما سلبَ عن الأوسط في الصغرى السالبةِ كان الإنتاج متحقِّقًا، والقياس من الشكل الأول كما صرَّح به السعدُ، ثم نقول له: وما شكل أنتج وصغراهُ منفيَّةٌ وكبراه ليست بكليَّةٍ. قال السائل ـ عافاه الله ـ مسألة وما اقترافي كالاستثنائي وهما نقيضان. أقول: إنْ أراد المشابهةَ بينهما في وجهٍ من الوجوه، وعلى حالةٍ من الحالات، ولو بمجرد التألُّف منهما، والصحبة بينهما، فجوابُه مبينٌ في قياس الحلفِ، وإنْ أراد المشابهةَ بينهما في بعض الوجوه ففي مباحث المركَّباتِ ما يرشدُ إلى الحلِّ على بعض الحالات،

стр. 5003

وإن أراد المشابهةَ في كل الوجوه ففي صور الاعتبارات، ووجوه عدم تزاحُمِ المقتضياتِ ما يوضَّحُ له هذه [٤ب] المقامات، ثم نقول: ما وجه الحصر في النوعين؟ وأي دليل على عدم وجود ثالث للقسمين؟ فإن قال: من العقل، فما هو؟ وإن كان من استقراء أقسام الكلام فأين هو؟ قال: مسألة: وما قضايا حوتْ ثلاثةَ الآلفِ في الحسبانِ. أقول: لما أطلق القضايا ولم يبينْ لها عددًا، ولا أوضح لها مدَدًا لم يمتنع أن يقال أنَّ هذه القضايا مساويةٌ لما حوتْ مساواةً يطيحُ عندها الإشكالُ، ويطير ببيانها طائرُ الإعضالِ، أو مساوية لمخرج من مخارجها القريبةِ أو البعيدة، مع تكثُّر وجوه الحاوي وتنوُّعه إلى المقدارِ المساوي، ثم نقول على مقتضى هذا الإهمال، ما قضيةٌ واحدة صحيحة القاعدةِ حوتْ ما لا ينحصرُ في الحسبان؟ وما أخرى حوت بالاجتلابِ ألفَ ألفِ ألفِ ثلاثَ مرَّاتٍ؟ قال: وما شكل ثانٍ اتفقت مقدِّمتاه إيجابًا وسلبًا فأنتج دون ما عداه؟ أقول: جواب هذا السؤال قد أرشدْنا إليه فيما سبق، فإنْ أراد السائل مزيدَ الإيضاح ففي تركيبه من كبرى ممكنةٍ خاصَّة مع صغرى اللاضروريةِ يحصلُ الحلُّ، ويتبيَّن به الدٌّقُّ والجُلُّ، ولكن في قوله دون ما عداهُ تساهلٌ لا يرضاه. ثم نقول له: ما شكل ثانٍ لم يحصلْ ما هو معتبرٌ فيه من دوام صغراهُ، ولا انعكاس سالبة كبراه، أنتج قولاً صحيحًا، واستلزم لذاتِه دليلاً رجيحًا، ثم ما شكل ثالث أنتج مع عدم إيجاب صغراهُ، وما شكل رابع أنتج مع عدم إيجاب كبراه؟ قال: مسألة ما بين الصورة الجسميَّة، والصورة النوعية [٥أ] من أنواع التقابل الحكميَّة. أقول: يتضح الجواب بذكر مفهومي الصورتين، ومفهوم التقابل. أمَّا الصورة الجسميَّةُ فهي جوهر متصلٌ غيرُ بسيط، لا وجودَ لمحلِّه دونَه، قابل للأبعاد الثلاثة، والصورة النوعيَّة جوهر بسيطٌ لا يتمُّ وجودُه بالفعل دون وجود ما حلَّ

стр. 5004

فيه، وأمَّا التقابلاتُ فهما اللَّذان لا يجتمعانِ في شيء واحد من جهة واحدة، وأقسامه أربعة: أحدها: الضدَّان، وهما الموجودانِ غير المتضايقينِ كالسواد والبياض. (١) وثانيهما: المتضايقان وهما موجودان يُعْقَلُ كلٌّ واحد منهما بالنسبة إلى الآخر كالأُبوَّة والنبوَّة. (٢) وثالثها: المتقابلانِ بالعدم والملَكَةِ، وهما أمران يكون أحدُهما وجوديًّا، والآخر عدميًّا، لكن لا مطلقًا بل يعتبرُ منهما موضوعٌ قابلٌ لذلك الموجود، بل الوجودي كالبصرِ والعمى، والعلمِ والجهلِ. (٣) ورابعها: المتقابلانِ بالسَّلْبِ والإيجابِ كالفرسيةِ والأفرسيَّة (٤) إذا عرفت هذا، وتقرَّر لديك قيدُ البساطةِ في إحدى الصورتينِ وعدمِها في الأخرى علمتَ أن تقابُلَ المقام من النوع الأول من تلك الأقسامِ، وعلى تقدير البساطة فيهما كما قاله البعض يكون توقُّفُ المحلِّ على الحال في الأولى، وتوقُّفُ الحال على المحلِّ في الثانية، مماله مدخل في ذلك التقابُلِ لما تقرر من استلزام تنافي اللوازمِ لتنافي الملزوماتِ، ثم نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ: كم عدد ما يطلق عليه اسمُ الصورةِ عند أهل الفنِّ؟ وهل يصحُّ وجود تقابل غيرِ الأربعةِ المذكور لا يصدق عليه مفهومٌ واحد منها؟ فإن قال نعم فما هو؟ وإن قال لا فما وجه الحصر؟ [٥ب] ثم هل تنحصرُ الموجوداتُ في الجواهر والأعراض، أو ثَمَّ

стр. 5005

واسطةٌ بينهما لا يصدقُ عليها مفهوم أحدهما، ولا يندرج تحتَ واحد منهما؟ ولهذا السؤال تعلّق كاملٌ بتحقيق ما سأل عنه السائل. قال: مسالة: وما بين العارض والعَرَضِ من النِّسبِ الأربع قد عرضَ، فإن قلتم يتساويانِ قلنا تغايَرَ الحدَّانِ، وإن قلتما هما نقيضانِ قلنا: يرتفعانِ، وإن قلتم غيرَ ذلك فعليكم البيانُ. أقول: العارض أعمَّ من العَرَضِ، إذ يقال للجوهر عارضٌ كالصورة تعرضُ على للهيولَى، (١) ولا يقال لها عرضٌ، صرَّح بذلك المحققُ الشريف، (٢) فعرفت أنَّ بينهما عمومًا مطلقًا لصدق العارضِ على الصورة، فإنها عارض للهيولى، وليست بعرض، لأنها من قبيل الجوهر، لكن في قوله: وإنْ قلتُم نقيضانِ قلنا يرتفعان تسامحَ في العبارة، فإنَّ التناقُضَ من النسبِ الأربعِ، إلاَّ أن يريد التبايُن على ما فيه من الخلل، فإنَّ الارتفاعَ لا يمنعُ من التباين، والتباين لا يمنع من الارتفاع، ثم نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ: هل يمكن وجود نسبة خامسةٍ؟ فإنْ قال: نعم فما هي؟ وإنْ قال لا فما وجه الحصر؟ ونقول له أيضًا: إذا كان العارض هو المحمولَ على الشيء الخارجَ عنه، فما النسبة بين العارض والمعروض؟ وما النسبة بين العرض الموجود والعرض اللازم؟ وما النسبة بين كل واحد منهما، وبين العرض المفارقِ؟ (٣) قال: مسألة: وما بين الكمال الأول والثاني من هذه النسبِ، وهل السؤال عنها بما أو بأيّ قد وجب؟

стр. 5006

أقول: قال المحقق الشريف (١) وغيره [٦أ]: الكمال ما يكملُ به النوعُ في ذاته، أو في صفاته. والأول هو الكمال الأول ليقدمه على النوع، والثاني هو الكمال الثاني لتأخُّره عنه، ووجه تسميّة ما يكملُ به النوعُ في ذاته كمالاً أو لا، فما يكمل به في صفاته كمالاً ثانيًا أنَّ كمال الشيء في صفاتِه متوقِّفٌ على كماله في ذاته، والصفة متأخرة عن الموصوف، وإذا تقوَّى لك هذا، وعلمتَ أنَّ عدم اجتماعِ اللوازِم يستلزمُ عدمَ اجتماع الملزوماتِ عرفتَ أنَّ النسبةَ بينَهما التبايُنُ، وعرفت أيضًا أنه يصحُّ السؤالُ في كل واحد منهما بأيٍّ إذا كان المطلوبُ شرحَ ماهِيَّتهما، ويصح أيضًا السؤالُ في كل واحد منهما بأيِّ إذا كان المطلوبُ تمييزهَ عن المشاركاتِ له، ثم نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ: هل الكمالُ الأول متَّحدٌ أو متعددٌ؟ وعلى تقدير التعدُّد هل تلك الأمور المتعددةُ متفاوتةٌ أو متوافقةٌ؟ وهل هي من باب التواطؤ أم من قسم التشكيك؟ وهكذا يقال في السؤال عن الكمال الثاني، ثم يقال أيضًا: هل ثَمَّ كمالٌ ثالثٌ خارجٌ عن الكمالين؟ فإنَّ الوهب الذي لا تحصلُه الذات، ولا تكتسبه الصفاتُ لا يصحُّ أن يقال فيه أنه من الكمال الأول، ولا من الكمال الثاني، فإن كان كمالاً ثالثًا فما وجهُ الاقتصار على كمالين؟ وما النسبة بينَه وبين كل واحد من الكمالينِ؟ وإن كان داخلاً فيهما أو في أحدهما فعليكم ببيان تحقيقِ الدخولِ، وإن كان ذلك مما يبعدُ إليه الوصولُ. قال: مسألة: وما شيء لا موجودٌ، ولا معدومٌ، ولا كليَّ، ولا جزئي، [٦ب] ولا خاصٌّ، ولا عام؟ وهل يدخل في مسمَّى الشيء؟ وهل يحسنُ السؤال عنه بأيِّ؟ وهل معنى لا شيء ولا موجود متحدٌ، وهل التلازمُ بين الوجودية والشيئية من الأمور الخارجية أو الذهنية؟ أولا ملازمةَ أصلاً؟ وما بين اللاشيء واللاموجود من التقابل حكمًا؟ أقول: قد أثبت القاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو هاشم المعتزلي وإمام الحرمين

стр. 5007

الجويني واسطةً بين الوجود والعدمِ، وهو الحال، وأوَّل من قام به أبو هاشم. ولذا يقال حالُ البهشمي (١) فالحال على هذا القول لا موجودٌ ولا معدومٌ، وذهب الجمهور إلى أنه لا واسطةَ بين الموجود والمعدوم، لأنَّ الموجود ما له تحقٌّقٌ، والمعدوم ما ليس له كذلكَ، ولا واسطة بين النفي والإثباتِ في شيء من المفهومات ضرورةً واتفاقًا. والبحث في هذا يطول فليرجعِ السائلُ إلى المواقف العضُدية وشرحِها، والمقاصِدِ السعديةِ وشرحها، وإلى التجريد وشرحِهِ، ففي ذلك ما يغني عن التطويلِ، (٢) وأمَّا كون الشيء لا يكون كليًّا ولا جزئيًا فقد تقرر أنَّ الكليةَ والجزئيةً من صفات المفاهيمِ العقليةِ، فالموجوداتُ الخارجية لا تتصف بأحد الوصفينِ، وهكذا يقال في جواب قوله: ولا عامٌّ

стр. 5008

ولا خاصٌّ، فإنَّ العموم والخصوص من خصائص الكلياتِ، وهي التي يكون بينها النسبُ الأربعُ، فالموجودات الخارجية لا تتصفُ بعموم ولا خصوصٍ، ويمكن الجواب عن هذا السؤال بالماهيّةِ، فإنه ذكر الشريف في التعريفات أنها لا موجودةٌ، ولا معدومةٌ، ولا كليةٌ [٧أ]، ولا جزئية، ولا عامةٌ، ولا خاصَّةٌ. ولكنَّ ما قدمنا أقربُ إلى الصواب، وأمَّا قوله: وهل يدخل في مسمَّى الشيء؟ فمن جعل الشيءَ هو الموجودَ لم يدخلْ، ومن جعله المعدومَ وهو الجاحظُ والبصريّةُ من المعتزلةِ صحَّ وصفُه بالشيئية، (١) وأمَّا على قول من قال هو للجسمِ، وقول من قال هو حقيقةٌ في الموجود، ومجازٌ في المعدوم، فالتخريج على هذه الأقوال واضحٌ لا يخفى. وقد يجوز في الكتب الكلامية، وفي علم اللطيف بحث كون المعدومِ شيئًا أم لا، حتى قال المحقق العضُدُ من أمهاتِ المسائل الكلامية، إذ يتفرع عليها أحكام كثيرةٌ جدًّا. وبهذا يعرف جوابَ قولِه: وهل معنى لا شيءَ ولا موجودَ متحدٌ. وأمَّا السؤال عنه بأيٍّ فيصبحُ إذا كان المطلوبُ تمييزَه عن مشاركاتهِ على القول بأنَّ له مشاركاتٍ لا على غيرهِ، وأمَّا قولُه: وهل التلازمُ بين الوجودي والشيئية من الأمور الخارجيةِ، أو الذاتية، أو لا ملازمةَ أصلاً؟ فجوابه أنَّ لفظ الشيء عند الأشاعرةِ (٢) يطلق على الموجود فقط، (٣) فكلُّ شيء عندهم موجود، وكل موجود شيء، هكذا حكى عنهم جماعةٌ من محققيهم، وبهذا يتقرر التلازمُ بين الوجودية والشيئيةِ، وبين الوجود

стр. 5009

والشيء ذاتًا وخارجًا. وأمَّا على قول غيرهم فمن قال أنَّ الشيء هو المعلومُ، فالشيء أعمُّ من الموجود مطلقًا لإطلاقه على الموجودِ والمعدومِ، بل على المستحيل، ومن قال هو للقديم دون الحادث جعلَه أخصَّ من الموجود مطلقًا، وهكذا تكون النسبةُ [٧ب] عند من جعله للحادث وللجسمِ، قال القوشجي في شرح التجريدِ: ولهم تردّد في اتحاد مفهوم الوجودية والشيئية، بل ربما يدعى نفيَه، إذ يقال وجودُ الماهية من الفاعل، ولا يقال بشيئيتها من الفاعل، ويقال هي واجبةُ الوجودِ، وممكنة الوجود، ولا يقال هي واجبةُ الشيئيةِ، وممكنة الشيئيةِ. (١) انتهى. وبهذا تعرف جوابَ قوله: وما بين اللاشيء واللاموجودِ من التقابل. ثم نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ: هل المعدوماتُ متُمايزة أم لا؟ وما الحق في ذلك؟ وما الدليل عليه الذي لا تتطرَّقه الشبهةُ، ولا يَعْتَوِرُهُ التغوُّض؟ ثم على القول بالتمايز هل الأفراد من قسمِ المتواطئِ أو المشككِ، وما النسبة بينَهما؟ وهل يقال في المعدوم أنه ينقسم إلى قسمين: خارجي وذهني كما انقسم الموجودُ إليهما؟ وكيف يصح قولُهم معدوم خارجي، ومعدوم ذهني؟ وما الحق في الوجود الذهني؟ هل إثباته كما قال الحكماء أو نفيه كما قال غيرهم؟ وما النسبة بينه وبين الوجود الخارجي؟ وهل بينهما واسطة أم لا؟ وهل ذلك التمايُزُ الذي قال به من قال في المعدومات بحسب إدراك العقل فقط أم بغيره من الإدراكات؟ وما الأمر الذي كلَّما أدركه العقلُ كان إدراكُه غلَطًا مع كونه من المعقولات؟ وما الأمر الذي لا يتخيَّر ولا غيرُ متخيَّر، ولا يتصف بالصفات

стр. 5010

النفسية، ولا بالصفات المعنوية؟ وما أمر يصحُّ وصفهُ بالوجود تارةً وبالعدم أخرى؟ (١) قال: مسألة: قالوا في قام زيد خمسةُ وعشرونَ وجهًا فأنعموا بالقيد؟ أقول: في كل واحد من [٨أ] الفعل والفاعل مسائلُ، وفي مجموعها كذلك، وبيانه أنَّ قام كلمة موضوع مفرد جزءُ جملةٍ، فعلق ماض، ثلاثي معتل، أجوفُ، مبني، وبناؤه على الفتحِ يدلُّ على الماضي بلفظه، وعلى الحال بقيده وعلى المتقيد بقيده يقدَّم ويؤخَّر، ويحذف جوازًا، ويقتضي الإسنادَ، ويقال له مسندٌ، ويدلُّ على مصدره. وعلى الحدثِ، وعلى النسبةِ، وعلى مطلقِ الزمانِ، وعلى قيامهِ بفاعلِه، وعلى تبعية له في التخييرِ، وعلى كون له به اختصاصٌ ناعتٌ، وعلى أنه لا بدَّ له من مكان يقع فيه، وذاتٌ يقوم بها، ومشتق من المصدر، ويلاقي في الاشتقاق الكبير ما فيه حروفُه غيرَ مترتبةٍ، وفي الاشتقاق الأكبر ما وافقَه في بعضِها، ويجزم بحذف حرف علَّته، ويتكون آخره، ويسند إلى من قام به إسنادًا حقيقيًّا. وإلى من لمْ يقُمْ به إسنادًا مجازيًا، وله معانٍ حقيقيةٌ، ومعانٍ مجازيةٌ. هل المعاني في الفعل يمكن أن يأتي فيه غيرها، فإنَّ إسناده إلى زيدٍ مسألة، وإسناده إلى عمرو مسألة، وإسناده إلى كل فرد أو أفراد مسألة، فيأتي من ذلك ما لا ينحصر من
следующие страницы →