← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

أقول: قال المحقق الشريف (١) وغيره [٦أ]: الكمال ما يكملُ به النوعُ في ذاته، أو في صفاته. والأول هو الكمال الأول ليقدمه على النوع، والثاني هو الكمال الثاني لتأخُّره عنه، ووجه تسميّة ما يكملُ به النوعُ في ذاته كمالاً أو لا، فما يكمل به في صفاته كمالاً ثانيًا أنَّ كمال الشيء في صفاتِه متوقِّفٌ على كماله في ذاته، والصفة متأخرة عن الموصوف، وإذا تقوَّى لك هذا، وعلمتَ أنَّ عدم اجتماعِ اللوازِم يستلزمُ عدمَ اجتماع الملزوماتِ عرفتَ أنَّ النسبةَ بينَهما التبايُنُ، وعرفت أيضًا أنه يصحُّ السؤالُ في كل واحد منهما بأيٍّ إذا كان المطلوبُ شرحَ ماهِيَّتهما، ويصح أيضًا السؤالُ في كل واحد منهما بأيِّ إذا كان المطلوبُ تمييزهَ عن المشاركاتِ له، ثم نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ: هل الكمالُ الأول متَّحدٌ أو متعددٌ؟ وعلى تقدير التعدُّد هل تلك الأمور المتعددةُ متفاوتةٌ أو متوافقةٌ؟ وهل هي من باب التواطؤ أم من قسم التشكيك؟ وهكذا يقال في السؤال عن الكمال الثاني، ثم يقال أيضًا: هل ثَمَّ كمالٌ ثالثٌ خارجٌ عن الكمالين؟ فإنَّ الوهب الذي لا تحصلُه الذات، ولا تكتسبه الصفاتُ لا يصحُّ أن يقال فيه أنه من الكمال الأول، ولا من الكمال الثاني، فإن كان كمالاً ثالثًا فما وجهُ الاقتصار على كمالين؟ وما النسبة بينَه وبين كل واحد من الكمالينِ؟ وإن كان داخلاً فيهما أو في أحدهما فعليكم ببيان تحقيقِ الدخولِ، وإن كان ذلك مما يبعدُ إليه الوصولُ. قال: مسألة: وما شيء لا موجودٌ، ولا معدومٌ، ولا كليَّ، ولا جزئي، [٦ب] ولا خاصٌّ، ولا عام؟ وهل يدخل في مسمَّى الشيء؟ وهل يحسنُ السؤال عنه بأيِّ؟ وهل معنى لا شيء ولا موجود متحدٌ، وهل التلازمُ بين الوجودية والشيئية من الأمور الخارجية أو الذهنية؟ أولا ملازمةَ أصلاً؟ وما بين اللاشيء واللاموجود من التقابل حكمًا؟ أقول: قد أثبت القاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو هاشم المعتزلي وإمام الحرمين

стр. 5007

الجويني واسطةً بين الوجود والعدمِ، وهو الحال، وأوَّل من قام به أبو هاشم. ولذا يقال حالُ البهشمي (١) فالحال على هذا القول لا موجودٌ ولا معدومٌ، وذهب الجمهور إلى أنه لا واسطةَ بين الموجود والمعدوم، لأنَّ الموجود ما له تحقٌّقٌ، والمعدوم ما ليس له كذلكَ، ولا واسطة بين النفي والإثباتِ في شيء من المفهومات ضرورةً واتفاقًا. والبحث في هذا يطول فليرجعِ السائلُ إلى المواقف العضُدية وشرحِها، والمقاصِدِ السعديةِ وشرحها، وإلى التجريد وشرحِهِ، ففي ذلك ما يغني عن التطويلِ، (٢) وأمَّا كون الشيء لا يكون كليًّا ولا جزئيًا فقد تقرر أنَّ الكليةَ والجزئيةً من صفات المفاهيمِ العقليةِ، فالموجوداتُ الخارجية لا تتصف بأحد الوصفينِ، وهكذا يقال في جواب قوله: ولا عامٌّ

стр. 5008

ولا خاصٌّ، فإنَّ العموم والخصوص من خصائص الكلياتِ، وهي التي يكون بينها النسبُ الأربعُ، فالموجودات الخارجية لا تتصفُ بعموم ولا خصوصٍ، ويمكن الجواب عن هذا السؤال بالماهيّةِ، فإنه ذكر الشريف في التعريفات أنها لا موجودةٌ، ولا معدومةٌ، ولا كليةٌ [٧أ]، ولا جزئية، ولا عامةٌ، ولا خاصَّةٌ. ولكنَّ ما قدمنا أقربُ إلى الصواب، وأمَّا قوله: وهل يدخل في مسمَّى الشيء؟ فمن جعل الشيءَ هو الموجودَ لم يدخلْ، ومن جعله المعدومَ وهو الجاحظُ والبصريّةُ من المعتزلةِ صحَّ وصفُه بالشيئية، (١) وأمَّا على قول من قال هو للجسمِ، وقول من قال هو حقيقةٌ في الموجود، ومجازٌ في المعدوم، فالتخريج على هذه الأقوال واضحٌ لا يخفى. وقد يجوز في الكتب الكلامية، وفي علم اللطيف بحث كون المعدومِ شيئًا أم لا، حتى قال المحقق العضُدُ من أمهاتِ المسائل الكلامية، إذ يتفرع عليها أحكام كثيرةٌ جدًّا. وبهذا يعرف جوابَ قولِه: وهل معنى لا شيءَ ولا موجودَ متحدٌ. وأمَّا السؤال عنه بأيٍّ فيصبحُ إذا كان المطلوبُ تمييزَه عن مشاركاتهِ على القول بأنَّ له مشاركاتٍ لا على غيرهِ، وأمَّا قولُه: وهل التلازمُ بين الوجودي والشيئية من الأمور الخارجيةِ، أو الذاتية، أو لا ملازمةَ أصلاً؟ فجوابه أنَّ لفظ الشيء عند الأشاعرةِ (٢) يطلق على الموجود فقط، (٣) فكلُّ شيء عندهم موجود، وكل موجود شيء، هكذا حكى عنهم جماعةٌ من محققيهم، وبهذا يتقرر التلازمُ بين الوجودية والشيئيةِ، وبين الوجود

стр. 5009

والشيء ذاتًا وخارجًا. وأمَّا على قول غيرهم فمن قال أنَّ الشيء هو المعلومُ، فالشيء أعمُّ من الموجود مطلقًا لإطلاقه على الموجودِ والمعدومِ، بل على المستحيل، ومن قال هو للقديم دون الحادث جعلَه أخصَّ من الموجود مطلقًا، وهكذا تكون النسبةُ [٧ب] عند من جعله للحادث وللجسمِ، قال القوشجي في شرح التجريدِ: ولهم تردّد في اتحاد مفهوم الوجودية والشيئية، بل ربما يدعى نفيَه، إذ يقال وجودُ الماهية من الفاعل، ولا يقال بشيئيتها من الفاعل، ويقال هي واجبةُ الوجودِ، وممكنة الوجود، ولا يقال هي واجبةُ الشيئيةِ، وممكنة الشيئيةِ. (١) انتهى. وبهذا تعرف جوابَ قوله: وما بين اللاشيء واللاموجودِ من التقابل. ثم نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ: هل المعدوماتُ متُمايزة أم لا؟ وما الحق في ذلك؟ وما الدليل عليه الذي لا تتطرَّقه الشبهةُ، ولا يَعْتَوِرُهُ التغوُّض؟ ثم على القول بالتمايز هل الأفراد من قسمِ المتواطئِ أو المشككِ، وما النسبة بينَهما؟ وهل يقال في المعدوم أنه ينقسم إلى قسمين: خارجي وذهني كما انقسم الموجودُ إليهما؟ وكيف يصح قولُهم معدوم خارجي، ومعدوم ذهني؟ وما الحق في الوجود الذهني؟ هل إثباته كما قال الحكماء أو نفيه كما قال غيرهم؟ وما النسبة بينه وبين الوجود الخارجي؟ وهل بينهما واسطة أم لا؟ وهل ذلك التمايُزُ الذي قال به من قال في المعدومات بحسب إدراك العقل فقط أم بغيره من الإدراكات؟ وما الأمر الذي كلَّما أدركه العقلُ كان إدراكُه غلَطًا مع كونه من المعقولات؟ وما الأمر الذي لا يتخيَّر ولا غيرُ متخيَّر، ولا يتصف بالصفات

стр. 5010

النفسية، ولا بالصفات المعنوية؟ وما أمر يصحُّ وصفهُ بالوجود تارةً وبالعدم أخرى؟ (١) قال: مسألة: قالوا في قام زيد خمسةُ وعشرونَ وجهًا فأنعموا بالقيد؟ أقول: في كل واحد من [٨أ] الفعل والفاعل مسائلُ، وفي مجموعها كذلك، وبيانه أنَّ قام كلمة موضوع مفرد جزءُ جملةٍ، فعلق ماض، ثلاثي معتل، أجوفُ، مبني، وبناؤه على الفتحِ يدلُّ على الماضي بلفظه، وعلى الحال بقيده وعلى المتقيد بقيده يقدَّم ويؤخَّر، ويحذف جوازًا، ويقتضي الإسنادَ، ويقال له مسندٌ، ويدلُّ على مصدره. وعلى الحدثِ، وعلى النسبةِ، وعلى مطلقِ الزمانِ، وعلى قيامهِ بفاعلِه، وعلى تبعية له في التخييرِ، وعلى كون له به اختصاصٌ ناعتٌ، وعلى أنه لا بدَّ له من مكان يقع فيه، وذاتٌ يقوم بها، ومشتق من المصدر، ويلاقي في الاشتقاق الكبير ما فيه حروفُه غيرَ مترتبةٍ، وفي الاشتقاق الأكبر ما وافقَه في بعضِها، ويجزم بحذف حرف علَّته، ويتكون آخره، ويسند إلى من قام به إسنادًا حقيقيًّا. وإلى من لمْ يقُمْ به إسنادًا مجازيًا، وله معانٍ حقيقيةٌ، ومعانٍ مجازيةٌ. هل المعاني في الفعل يمكن أن يأتي فيه غيرها، فإنَّ إسناده إلى زيدٍ مسألة، وإسناده إلى عمرو مسألة، وإسناده إلى كل فرد أو أفراد مسألة، فيأتي من ذلك ما لا ينحصر من

стр. 5011

المسائل، وأمَّا زيد فهو كلمةٌ، موضوعٌ، منقولٌ، مفردٌ، اسم، ثلاثي، معربٌ، متصرَّف، مذكَّر، مرفوع، ممكن، مستوعب فاعلَه على قول مبتدأ على آخره، مسند إليه، جزءُ جملة، قام به الفعل، وصار له به اختصاصٌ ناعت، وتبعَه في التخيير، ويدل على الذاتِ [٨ب] وعلى قابلِيَّتها لما أسند إليها، هذه المعاني في الاسم وحدَه، ويمكن أن يأتيَ فيه غيرُها، وفي مجموع الفعل والفاعل مسائلُ، فهما كلام، وجملة خبريَّة، وجملة فعليَّة، ويحتمل الصدق والكذبَ، ومسندٌ، ومسند إليه، وجملة ابتدائية، ومستأنَفَةٌ، وتقع صلةَ الموصول، وخبرَ المبتدأ، وحالاً بتقدير قد، وجوابًا لسؤال سائلٍ، وحكايةً لقول قائل، وذات محلٍّ تارة، ولا محلَّ لها أخرى، ويدلُّ على الحدوث، وعلى النقص، ووزن قامَ فَعَلَ، ووزن زيدٌ فُعْلٌ، وهو مشتقٌ من الزيادة، ويبني من كل واحد منهما على زنةٍ، فجملة هذه المسائل ستٌّ وسبعونَ مسألةً، مثلَ ما قال السائل أكثر من ثلاثِ مرَّاتٍ، ويمكن الزيادةُ عليها بكثير، وإنما هذا ما جرى به القلم بدون إطالةِ فكرهِ، ولا تروي، ثم يقال للسائل ـ كثر الله فوائده ـ: قال بعض المحققين أنه يتخرَّج من قوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ (١) الآية مائة وخمسونَ نكتةٌ من النكات السَّريةِ المعتبرة عند أرباب المعاني والبيان والبديع، فهل من سبيل إلى سبيل استخراج هذه النكاتِ وتحريرها؟ وقال العلامة جلال الدين السيوطي في الإتقان: إنَّ شرائعَ الإسلام ثلاثُ مائةٍ وخمسَ عشرةَ فأفيدونا بإيضاحِها، فإنَّ حصرها في هذا العدد من أعجب ما يطرقُ الإسماعَ. قال: مسألة: قولُ الشاعر: لا يألفُ الدرهمُ المضروبُ صُرَّتَنَا ... لكن يمرُّ عليها وهو منطلقُ لم آثر لفظ يألفُ على غيره من الألفاظ التي يؤلفُ، ولم أتى بالدرهمِ دون الدينار، وبلا دون ما ولم، ولِمَ اختار التعريفَ على التنكير، والإفرادَ على جمع التكسير، ولمَ

стр. 5012

وصفَه بالمضروب، هل الفائدةُ أوقعَ [٩أ] في القلوب، ولمَ اختار لفظ الصُّرَّة على ما يقوم مقامَها؟ بيّنوا سرَّه، ولم قدَّم لفظ المرورِ على ما يرادفه مما على الألسنة يدورُ، ولم جاء به مضارعًا دون ماضٍ، وهل زمانه الحال، أو الاستقبالُ، أو الاستمرار، وما عليهما من الاعتراض، وهل المرور الانطلاق فكيفَ قيَّده به، وتقييد الشيء بنفسِه منعَه الاتفاقُ، وهل يصح الاستشهاد بهذا البيت للحشوِ والتطويلِ والإيجازِ، وأين موضع كلِّ يا نبيل؟ أقول: ما تأثير لفظ يألفُ فلدلالته على طول مدَّةِ البقاء مع المحبَّة كما هو شأن البخيلِ، فإن دِرْهَمَهُ يألفُ صرَّته إلفًا لا يتفارقان عنده إلاَّ في النادرِ الشاذ، فاثبت للممدوح صفةً تخالف صفةَ البخيل، فإنْ قلتَ: نفي الألف الذي هو طول مدة البقاء مع المحبةِ قد دلَّ على أنَّ ذلك الدرهَم يلبثُ في صرة الممدوح لبثًا ليس بالطويلِ، ومجرَّد اللبث يخالفُ الوصفَ المادحَ. قلت: قد حصل المدح بمجرد عدم الألفِ، وفرقٌ بين من يألفُ الدرهمُ صُرَّتهُ وقتًا يسيرًا ثم يخرج في وجوه الشرفِ، وطرائق المجدِ، وأيضًا قد عقب هذا الذي قلتَ أنه تقيد لبثًا ما بما يقلعُ ذلك الفهمَ من أصله، ويجتثه من مغرسِهِ، فقال لكن يمرُّ عليها وهو منطلقُ فأشْعَرَ هذا بأنه لا لُبْثَ له ظاهر، فاندفع ما فهمتَه تلويحًا بما تعقبَّه تصريحًا. قوله: ولمَ أتي الدرهم دون الدينارِ؟ وجه ذلك لأنه لو جاء بالدينارِ لا نكسرَ الشعرِ، ولا يطلبُ للشاعر نكتةٌ في تجنب اللفظِِ الذي ينكسِرُ به شعرُه، بل في تأثير لفظ على لفظ يفيدُه معناه، ولا ينكسر البيتُ به [٩ب]، ثم لذكر الدرهمِ على تقدير أنه لا ينكسِرُ الشعر بالدينار وجهٌ واضح، وهو كونُه قد تقدم ذكر الدرهم في البيت الذي قبلَه، وهو قوله: كأنَّا إذا اجتمعتْ يومًا دراهِمُنا ... ظلَّت إلى طرقِ الخيرات تستبقُ وقوله: وبلا دون ما ولم يجاب عنه بأنَّ لا موضوعةٌ لنفي المستقبلِ والحالِ، وهو المعنى الذي يتأدّى به المدُح بنا، لأنَّ ذلك يفيد أنه لم يألفْ صرَّتَه الدرهمُ في الحال، ولا

стр. 5013

يألفُها في مستقبل الزمانِ، وأنَّ الكرمَ قد صار له سجيَّةً وطبيعةً لا تفارقه، لا في الزمن الذي هو فيه، ولا في ما بعده من الأزمنة، ولو جاء في هذا النفي بما لم يفدْ هذا المفادَ، لأنها موضوعةٌ لنفي الحال فقط، فيكون ذلك تمدُّحًا بالحالة الحاضرةِ دون ما بعدَها، وليس في ذلك كثيرُ مدْحٍ، ولا عظيمُ فخْرٍ، ولو جاء به في هذا بِلَمْ لكان معناه نفيَ الماضي فقط، وليس في ذلك من المدح ما في نفيه بلا. وأمَّا قوله: ولِمَ اختار التعريفَ على التنكير؟ فيجاب عنه بأنه لو جاء بالدرهم منكَّرًا لا نكسَرَ الشعر، ولا يطلب للعدول عما ينكسِرُ به الشعرُ إلى ما لا ينكسِرُ به نكتةٌ، وأيضًا لو فرضنا عدمَ انكسار الشعرِ بالمنكَّر لكان في تأثير المعرَّفِ نكتةٌ سريةٌ، ومدحةٌ جليلة، لأنَّ تحليتهَ بلام الجنس أو الاستغراقِ أو الحقيقةِ يفيدان هذا شأنُ كلِّ درهم يصلُ إليهن على أيّ صفة كان، وفي أيَّ زمان أو مكان حصلَ، ولو قال لا يألفُ درهم، لأشْعَرَ بأنه لا يألفُها إذا جاء واحدٌ منها عقبَ واحدٍ، ويمكن أن يقال أنَّ هذه النكرة الواقعةَ في سياق النفي يفيدُ العموم كما صرَّح به أئمة الأصول (١) والبيان، فيكون المعرَّفُ كالمنكَّرِ. قلت: هما طريقتان مستويتانِ يسلك الشاعرُ أيَّهما شاء [١٠أ]، مع كون أحدهما ينكسرُ بها الشعر بخلاف الأخرى. وأمَّا قوله: والإفراد على جمع التكسيرِ، فيجاب عنه بأنَّ جمعَ التكسير ينكسر به البيت، فلا يطلب للعدول عنه نكتةٌ، ولو سلمنا أنه لا ينكسر به لكان تأثيرُ الدرهم المعروفِ أكثرَ فائدةً، وأجلَّ مدحًا لما تقرر من أنَّ استغراقَ المفرد أشملُ. وأمَّا قوله: ولم وصفه بالمضروبِ؟ هل الفائدةُ أوقعُ في القلوب؟ أقول: إن كان الدرهم لا يقال إلاَّ على المضروبِ كأنّ ذكر المضروب للكشفِ والبيانِ كما تقول العربُ في وصف الوجهِ الجميلِ كالدرهمِ المنقوشِ، مع أنَّ الدرهم لا

стр. 5014

يكون إلاَّ منقوشًا، وإن كان الدرهم يقع على القطعةِ من الفضةِ المقدرةِ بذلك القَدْرِ ففي وصفه بالمضروبِ فائدةٌ زائدةٌ، فإنَّ النفوس على المضروب منها أحرصُ، وإليه أرغبُ، ومنه قولُهُ: وأصغُر من ضربِ دارِ الملوكِ ... يلوحُ على وجهه جعفرُ وقول الآخر: ووجوهٌ مثلُ الدنانيرُ مُلْسُ ثم لا يعاب الشعرُ بالمجيء بالأوصاف الكاشفة لأجل أن يستقيمَ وزنُه، ويخرجَ عن النثر إلى النظم. وأما قوله: ولِمَ اختار لفظَ الصُّرَّة على ما يقوم مقامَها؟ بينوا سرَّهُ. فيجاب عنه بأنَّ وجه ذلك ما تفيدُه الصّرةُ من كون الدرهمِ يُصَرُّ فيها، ويحفظ على وجه الرَّبط والشدِّ، فإنه لا يكون بهذه المنزلة في المدح بما يخالفُ حالُ البخيل، فإنَّ في ذكره الصُّرَّة إيضاحُ حالةِ البخيل ونفيُها عن الممدوح على أبلغِ وجهٍ، وليس المراد إلاَّ إثباتَ أوصافٍ للممدوح تخالِفُ أوصافَ البخيلِ، على أنَّ صنيع الناس وعملَهم أنْ يحفظوا الدرهم في الصُّرَرِ ويشدُّوها، فالشاعر جاء بما هو المعروف المألوف، فلا يلزمهُ أن يأتيَ بشيء يخالفُ ما هو العادةُ [١٠ب] الجاريةُ، والطريقة المستمرة، وأيضًا إذا كان درهمُه لا يألَفُ الصُّرَّةَ المستوثقَ منها بالشدِّ والرَّبط، فدم إلْفِهِ لما لم يكن كذلك ثابتٌ بفحوى الخطاب كما لا يخفى على الفَطِنِ. وأمَّا قوله: ولم قدَّم المرورَ على ما يرادفه مما على الألسنة يدور؟ فيجاب عنه: بأنَّ هذا الذي يرادُفه إنْ كان مما لا ينكسرُ به الشعر فما هو؟ وإن كان مما ينكسر به كالمضي والسعي والإسراع ونحوِها فلا يطلبُ للعدول عنه نكتةٌ. ثم لا يخفى أنَّ المرور قد دلَّ على وصوله إليها، وخروجه عنها، وذلك أمدح لما جُبِلَتْ عليه النفوسُ من الشُّحِّ بما قد صار في حوزةِ الإنسانِ، ووصل إليه.

стр. 5015

وأمَّا قوله: ولم جاء به مضارعًا دون ماضٍ. فيجاب عنه: بما تقرَّر أنَّ المضارعَ يفيدُ الاستمرارَ التجدديَّ. وأمَّا قوله: وهل زمانُه الحالُ، أو الاستقبال، أو الاستمرار، وما عليها من الاعتراض؟ فيجاب عنه: بما في كتب النحو والبيان من الأقوال في ذلك، وقد رجَّح الرضي (١) كونَه حقيقةً في الحال، مجازًا في الاستقبال، والحقُّ أنه حقيقةٌ في الاستقبال، مجاز في الحال، وعليه جمهورُ المحققينَ، ولعلَّه يريد بقوله أو الاستمرارُ الاستمرارَ التجدديَّ، لا الاستمرارَ الذي يساوق، فإنَّ ذلك مدلولُ الجملةِ الاسميةِ. وأمَّا قوله: وما عليهما من الاعتراض فلعلَّه يشيرُ إلى ما وقع من الكلام على حجج الأقوالِ التي أشرنا إليها من أهل المذاهبِ المختلفةِ، وما اعترضِ به بعضهُم على بعض، وما أورد بعضُهم على بعض، أو إلى ما نقله الرضيُّ عن الحكماء، ودفعَه، أو إلى ما حرَّره بعض أهل الحواشي على بعض شروح الكافيةِ، (٢) أو إلى ما نقله بعضُ أهل الحواشي على المطوَّل، أو [١١أ] إلى جميع ذلك، فإنه مشتمل على تطويل المقال في الحال فلا نطوّل بذكرهِ. وأمَّا قوله: وهل المرورُ الانطلاقُ فكيف قيَّده به، وتقييد الشيء بنفسه منعه الاتفاق؟ أقول: في الانطلاق مزيدةُ فائدةٍ لم تكن في المرور، فإنه يشعر بمزيد السرعةِ، فالمعنى أنه مرورٌ لا تُؤَدَةَ فيه، ولا لُبْثَ، ومعلومٌ أنك إذا قلتَ: مررتُ بزيد لمْ ينافي ذلك مشيَه حالَ المرورية مشيًا لطيفًا رفيقًا، بخلاف الانطلاق، فإنه ينافي ذلك في الجملةِ، فتقييد الفتح ٥ من أول ص٦٢٧٨ إلى ص

стр. 5016

المرور بالانطلاقِ لدفع توهُّم ما يستفاد منه مطلقُ المرور، كما ذكرنا على أنَّا لو قدَّرنا أنه لم يأت التقييدُ بالانطلاق بمزيد فائدةٍ، بل معناه معنى المرور، لكان ما يستفادُ من التأكيد فائدةٌ جليلةٌ، وتقويةٌ نبيلة، فإنَّ التقرير معدودٌ في فوائدِ التأكيد كما عدَّ من فوائده دفعُ توهُّم التجوَّزِ، أو السهو، أو عدمُ الشمولِ. هذا على تقديرات الشاعر لم تضْطَرَّه القافية إلى المجيء بقوله منطلقُ، أمَّا لو كان قد اضطرتْه إلى ذلك ولم يحضرْ له غيرُه، ولا تحصَّل له سواهُ فلا يطلب له نكتةٌ، وليس في الإمكان أبدعُ مما كان، وبمجموع ما ذكرناه تعرف أنه لا يصحُّ الاستشهاد بالبيت للحشو والتطويل وذلك ظاهر، ولا للإيجاز أيضًا لأنَّ البيت على ما أوضحناه من قبيل المساواةِ، وأمَّا السؤال عن موضع كل منها فمعروف في علم البيان، محرر في كتبه أحسنَ تحرير، مقررٌ أبلغَ تقرير، موضح بالأمثلة من النظم والنثر. ونقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ: ما عنده في قول المتنبي: (١) كثيرُ حياةِ المرءِ مثلُ قليلها ... يزولُ وباقي عشيِه مثلُ ذاهبِ [١١ب] لِمَ آثر لفظَ الكثيرِ والقليلِ على لفظ الطويلِ والقصيرِ؟ ولم آثر لفظَ يزولُ على لفظ يمرُّ، ولم آثر باقي على آتي؟ ولم آثر ذاهب على غابر؟ وما يفيد مفاده مما يستقيم في النظم والقافية، ولا ينكسر به الشعر؟ قال: مسالة: هل الإعراب: (٢) ..................................

стр. 5017

والبناء (١) نقيضان؟ فإن قلتم نعم. قلنا يرتفعانِ، وإن قلتم لا. فما بينهما عند ذوي الشأن، وهل هما عَرَضَانِ أو عارضانِ؟ أقول: هما متضادانِ عند من يجعل المفرداتِ قبلَ التركيب لا معربةً ولا مبنيةً، ومن جعلها من المبنيَّاتِ، حتى تُرَكَّبَ فَهُما عنده نقيضان، ولما كان الإعراب والبناء مما يبحثُ عنهما في الفنِّ كانا عَرَضَيْنِ، وقد تقدَّم أنَّ العارِضَ للشيء هو ما يكون محمولاً عليه، خارجًا عنه، وأنه أعمُّ من العرضِ، ثم نقول له هذا الإعرابُ لبعض الكلماتِ المنقولةِ عن العرب، والبناءُ لبعض آخَرَ، هل هو منقول عن العرب سماعًا ومشافهةً؟ فما الدليل على ذلك؟ أو إفادة الاستقراء أو التتبعِ ففيه أنَّا نجدُ بعضَ الكلماتِ في النظم والنثر يخرجُ عن ذلك كما يعرفُه كل عارف بلغةِ العربِ، راسخِ القدمِ في كلامِها، كثيرَ الممارسةِ لما جاء عنها من المنظوم والمنثور، ثم ما الوجهُ الذي لأجله جعلَ النحاةُ بعضَ الجمل لها محلٌّ من الإعراب، وبعضها لا محلَّ لها؟ إنْ قيل لكون بعضِها حلَّ محلَّ المفرد، وقام مقامه، وأوِّلَ به، فيقال مضمون كلِّ جملة سواءً كانت معربةً أو مبنيةً مفردٌ، فهلا كانت كلُّها من هذه الحيثية على نمطٍ واحدٍ، إمَّا معربةً أو مبنيةً، ثم ما الفائدة لوصف بعضِها بثبوت المحليةِ من الإعرابِ دون بعضٍ مع كونها كلِّها متفقةً في عدم ظهورِ أثرِه عليها، وهل هذا مجرَّد اصطلاحٍ أو تتعلَّق به فائدةٌ راجعة إلى اللغة؟ قال: مسألة [١٢أ]: أيُّ خبر مشتقٍّ استكنانِ ثلاثةِ ضمائرَ في الخبر المشتقِ، نحو الحسنُ وجهًا إذا وقع بعد ثلاثةٍ، ويجوز أيضًا اعتبار مثلِ ذلك في الخبر المشتقِّ

стр. 5018

المشتركِ. بين ثلاثةِ معانٍ إذا اسْتُعْمِلَ في جميعها على ما ذهب إليه طائفةً من أهل العلم. وقد جوز بعضُ متأخري النحاة أنْ تكون في الخبرينِ المشتقينِ نحو: هذا حلوٌ حامضٌ ضميرٌ دائرٌ راجعٌ إلى المبتدأ، وليس في كل واحد منهما ضميرٌ مستقل، وتعقَّبه بعض المحققينَ مصرِّحًا بمنع ذلك، طالبًا لما يشهدُ له من كلام العرب، مسندًا ذلك المنعَ بما صرَّح به المحقق الرضيُّ (١) من عدم جواز بقاء الصفةِ بلا ضميرٍ إذا لم يرفعْ ظاهرًا لقوةِ شبْهِهَا بالفعل. ثم نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ أيُّ خبر مشتقٍّ استكنَّ فيه ثمانيةُ ضمائرَ وخمسةُ أخبارٍ مشتقةٌ ليس فيها إلا ضميرٌ دائرٌ، وهذا على ما يقتضيه كلامُه، لا على ما هو الراجح عندي؟ قال: مسألة: ما مبتدأُ رفعتَه حالٌ. أقول: يتخرج هذا على بعض المذاهبِ لا على جميعِها، وبيانه أنَّ من قال بأنَّ المبتدأ الخبر يعملُ كلُّ منهما في الآخر فرافعُ المبتدأ هو الخبرُ، ورافع الخبر هو المبتدأُ، فإذا سدَّ مسدَّ الخبرِ حالٌ نحو: ضَربني زيدًا قائمًا كان ذلك الحالُ السادُّ مسدَّ الخبر هو الرافعَ للمبتدأ، لأنه سدَّ مسدَّ ما هو رافعٌ له، وعاملٌ فيه، وبهذا يحصلُ الحلُّ، فإذا تخرَّج في صورة أخرى لم يكن ذلك قادحًا فيما ذكرناه كما قدّمنا في المقدمة. ثّمَّ [١٢ب] نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ: أيُّ حال استحقَّتِ النصب وبيّنت هيئتَه، وكانت في عداد العُمَدِ لا في عداد الفَضَلاتِ؟ وأيُّ صفة رفعتْ ظاهرًا مع كونها متحملةً لضمير مستكنٍّ؟ قال: مسألة: إذا بنيت من آي على وزنِ مختالٍ كيف تجمعُه جمعَ السلامة؟ وتصغره، وتكسِّره، وترخمه على القاعدة المقامة؟ أقول: الكلام في مختال كالكلام في مختارٍ منْ صلاحيتهِ لأنْ يكون اسم الفاعلَ أو اسم

стр. 5019

مفعول، ويتبيّن ذلك بإعلالهِ وردِّه إلى أصلهِ، وهكذا في جمعه وتصغيرِه وتكسيرهِ وترخيمهِ، فإذا بنيتَ آي على زنتهِ جئت من يماثلُه وعاملْتَه معاملتَه، وفي علم الصرف ما يوضِّح ذلك ويبينهُ فالإحالة عليه أولى من المجيء هاهنا برسم يتطرق إليه التغيير الذي يقتضيه التداولُ بين الكتَبَةِ على اختلاف أفهامِهم، وتبايُنِ رسومهم، فإنَّ مثل ذلك يكون منشأً للتغليظِ، وفيما دار بين الأصمعي والجَرْميِّ من الكلام في مثل هذا المقام، ما يتحصلَّ به المرامُ، فليراجعْه السائل ـ دامت فوائده ـ. ثم نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ: إذا بنيتَ من أن أولم على وزن مضْطَرٍّ، كيف تجمعُه وتكسره وترخِّمه وتصغِّرهُ؟ قال: مسألة: ما حرفٌ ناب عن حرفٍ، فناب عن ذلك النائب اسمٌ ربما عُرِفَ فَعُرِفَ؟ أقول: يتخرج هذا في مثل حرفِ القسم إذا نابت عنه الهمزةُ ثم حذفتْ، وبقي الاسم مجرورًا، فإِنَّ الاسم باعتبارٍ عارضٍ من عوارضِه، وهو الجرُّ قد ناب منابَ الهمزة، الهمزة النائبةِ منابِ حرف القسمِ، [١٣أ] والمراد بالنيابةِ الثانيةِ انفهامُ ذلك منه، ودلالته عليه، ويصحُّ تخريج مثلِ هذا في واو رُبَّ إذا اقتضَى المقامُ حذفَ ربَّ، ثم جُرَّ الاسم بالواو، ثم حذفتْ مع بقاء الجرِّ، ويصحُّ تخريجُ هذا في مثل قولهم: اللهم، فإنَّ الميمَ نابتْ عن حرفِ النداء، فيجوز حذفُهما مع بقاء الاسم مقصودًا به النداءُ الذي أفادَهُ حرفُه، فإنْ كان عند السائل ـ دامت إفادته ـ تخريجٌ أوضحُ من هذا التخريجِ فالفائدةُ مطلوبةٌ، وليس هذا الطلب منا خاصًّا بهذه المسألةِ، بل هو عامٌّ في جميع هذه المسائل. ثم نقول له ـ كثر الله فوائده ـ: أيُّ حرف تعيَّن حذفُه وجوبًا، وبقي عملُه؟ وأيُّ حرف حال بينَه وبين معموله حرفٌ فمنعه عن العملِ، وأيُّ حرف حالَ بينَه وبين معموله حرفٌ فعملَ. قال: مسألة: إذا سمِّيتَ بلا كيفَ تثنيهِ، وكيف تجمعُه، وكيف تكسِّره، وكيف ترخِّمه منادي، وكيف تصغِّره؟

стр. 5020

أقول: صرَّح المحقق الرّضي (١) وغيره من المحققينَ أنَّ الكلمةَ المبنيَّةَ إذا جُعِلَتْ علمًا لغير ذلك اللفظِ أعربتْ، (٢) فإنْ كان ثنائيّةً ثانيها حرفُ علَّة ضُعِّفَ حرف العلَّة فتكون تثنيتهُ على وجهينِ، إمَّا ببقاءِ الحرف الآخَرِ أو بقلبه واوًا، وكذا في جمعه وتكسيره، وأمَّا في تصغيرِه فيقلبُ واوً حتمًا. وقال المحقق الرضيُّ (٣) أيضًا ما نصُّه: ولآء زدتَ على الألفِ لا ألفًا آخَرَ، وجعلته همزةً تشبيهًا برداءِ وكساء، وربما وجب التضعيفُ، لأنك [١٣ب] لو أعربتَه بلا زيادة أسقطتَ حرف العلَّة للتنوينِ، فيبقي على حرف واحد ولا يجوزُ. (٤) انتهى. وأمَّا ترخيمُه فإنما يجوز عند من جوَّز بقاءَ المرخَّم على حرفينِ، وهما الأخفشُ والفرَّاء، وجماعةٌ من الكوفيينَ، لا عند من منع من ذلك، وهم مَنْ عدا من ذكرنا. ثم نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ إذا سمَّيْتَ بلا، وهو، وهي، كيف تثنِّيها، وكيف تجمعُها، وكيف تكسِّرها، وكيف ترخِّمها؟

стр. 5021

قال: مسألة: ما اسم عوض عن نون التثنيةِ في غيرِ الإضافة العاديةِ؟ أقول: يتخرَّجُ هذا في الصفات إذا عُرِّفَتْ بالألف واللامِ الموصولةِ، وعملت فيما بعدَها، ثم حذفتْ نونُها تخفيفًا فنقولُ: الضاربا زيدًا، والضاربو زيدًا، ومنه الحافِظُو عورةَ العشيرةِ إلخ. والمسوِّغ للحذفِ هو التعريفٌ بذلك المعرَّف الاسمي، إذا لا يجوز الحذفُ مع عدمِه، فصار كالعوض عن النونِ، ويصح تخريجُ ما ذكره في اثنى عشر، فإنَّ نونَه حذفتْ لتركيب الاسمينِ لا لمجرَّد الإضافيةِ العادية. (١) ثم نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ: ما حرفٌ ناب عن نون التثنيةِ، ونونِ الجمع فحذفتا حَتْمًا تارةً وجوازًا أخرى؟ قال: مسألة: ما حدُّ علَّة الفرق وعلِّة الاستغناءِ، وعلَّة التوكيدِ، وعلِّةِ النقيض، وعلَّة حمل المعنى على المعنى، وما علَّةُ العرب، وما علِّة الوجوبِ، وما علَّة المعادلة، وما علَّة الجواز، وما علَّة الأصل [١٤ب] وما علَّة التعليل، وما علَّة المشاكلة؟ وما مثال كل من هذه العلل عند النحاة؟ فأنعموا بالمثل، وما حدُّ العلة وما رَسْمُه؟ وهل يجوزُ التعليل بالعلَّة القاصرةِ وما مثالُه، وما فساد الاعتبار في علم العربية؟ ومتى تعارضَ شاذٌّ، ولغةٌ ضعيفةٌ، فهلِ ارتكاب الضعيفةِ أولى؟ أو لا تفضَّلوا بتحرير الجوابِ، ولكم جزيلُ الثواب. أقول: سؤالُ السائل ـ كثر الله فوائده ـ اشتمل على اثنتى عَشْرَةَ علَّةً فاقتصر على بعض ما أثبته أهلُ الصناعة في ذلك، فإنهم جعلُوها اربعةً وعشرينَ نوعًا، وبعضهم جعلَها أكثرَ من ذلك.

стр. 5022

والحاصل: أنَّ عللَ النحويينَ (١) صنفانِ: علَّةُ نظرٍ، وعلى كلام العربِ، وتنساق على قانونِ لغتِهم، وعلَّةٌ تكشفُ عن صحةِ أغراضِهم ومقاصدِهم في موضوعاتِهم، وهم للأُولى أكْثَرُ استعمالاً، وأشدُّ تداولاً، وهي وساعةُ الشُّعب إلاَّ أن مدارَ المشهورةِ منها على اربعةٍ وعشرينَ نوعًا، أو ستة وعشرينَ نوعًا، ولنقتصر على بيان ما سأل عنه. فنقول: أمَّا علَّة الفرقِِ (٢) فلبيان الوجهِ في رفع الفاعلِ، ونصبِ المفعولِ، وكسر نونِ المثنى، وفتحِ نون الجمع، وغير ذلك مما يحتاجُ إلى التعليل، وقد صرَّح النحاة بجميع ذلك، كلُّ شيء في بابه، وأمَّا علَّة الاستغناءِ فتكون ببيان وجه استغنائهم بشيء عن شيء كاستغنائهم بتركَ عن ودَعَ. وأمَّا علة التوكيد (٣) فمثل بيانِ وجه إدخالهم النون الخفيفةَ تارةً، والثقيلةَ أخرى في فعل الأمرِ لتأكيد [١٤ب] إيقاعِه، وأمَّا علَّة النقيض فبيانُ الوجهِ في مثل نصْبِهم النكرةَ بلا (حملاً) على المعنى، ومنه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٤) انتهى. فذكَرَ فعلَ

стр. 5023

الموعظةِ مذكَّرًا حملاً لها على الوعْظِ. وأمَّا علة القرب (١) والجواز فبيان الوجهِ في مثل الجرِّ بالقرب والجِوارِ، كقولهم: جِحْرُ ضبٍّ خَرِبٍ، يجر خربٍ لمجاورتِه لضبٍّ وقُرْبهِ منه، وكضمِّ لام الله في الحمد لله، لمجاورتِها للدَّالِ المضمومةِ، وأمَّا علَّة الوجوبِ فيكون بيان وجوب الشيء وتحتُّمه كرفع المبتدأ والخبر والفاعل. وأمَّا علةُ الجواز (٢) فتكون ببيان كون الشيء جائزًا غيرَ لازم، كتعليلِ الإمالة بما ذكروه، فإنه إنما يفيدُ جوازَها لا وجوبَها. وأمَّا علة المعادلةِ فيكون ببيان كونِِ هذا معادلاً لذلك، مثل جرِّهم ما لا ينصرفُ بالفتح حملاً على النصبِ، ثم عادلوا بينهما، فحملُوا النَّصْبَ على الجرِّ في جمع المؤنثِ السالم. (٣) وأمَّا علة الأصل فيكون ببيان كون أصلِ الشيء كذا كتعليلِهم لصرفِ ما لا ينصرف. وأمَّا علَّة التعليل فيكونُ ببيان الوجه في كون هذا الشيء معلِّلاً بكذا، أو ذلك لا يختصُّ بمادة، ولا بمسألة. وأمَّا علة المشاكلةِ (٤) فبيانُ الوجه في كون هذا الشيء مشاكِلاً لهذا، ومحمولاً عليه، كما في قوله سلاسلاً وأغلالاً. وأمَّا قوله: وما حدُّ العلَّة وما رسْمُها ومثالُه؟ فنقول: تصوُّر احتياجِ الشيءِ [١٥أ] إلى غيره ضروريٌّ، فالمحتاج إليه في وجود الشيء يُسمَّى علَّةً له، والمحتاج يسمَّى معلولاً، والعلةَّ إمَّا تامًّةٌ، وأمَّا ناقصةً، والناقصةُ إمَّا

стр. 5024

جزئي الشيء، أو خارجٌ عنه، والأوَّل إن كان به الشيءُ بالفعل كالهيئةِ للسريرِ فهو الصورةُ، وإن كان بالقوة كالخشبِ له فهو المادةُ، والثاني وهو الخارج عنه كالنجارِ للسرير، وهو الذي يقال له العلةُ الفاعليةَ، (١) وأمَّا لأجله الشيء كالجلوسِ عليه، وهو العلةُ الغائيَّةُ. (٢) وأمَّا العلة التامَّة فمنقسمةٌ إلى أقسام يطولُ البحث بذكرها، وهي مقررة في كتب الأصول (٣) محرَّرة بحدودها ورسومِها. وأمَّا السؤال عن حدِّها فنقولُ: العلَّة التامَّةُ هي ما يجبُ وجودُ المعلولِ عنده، وأما جواز التعليل بالعلَّة القاصرة فمنعَ ذلك أهلُ الأصولِ، واختلفَ فيه أهل النحو، قال ابن الأنباري: (٤) اختلفوا في التعليلِ بالعلَّة القاصرةِ، فجوَّزها قومٌ، ولم يشترطوا التعديةَ في صحتِها، وذلك كما علَّلوا به قولَهم: ما جاءتْ حاجتُك، وعسى الغويرُ أَبْؤُسًا، فإنَّ جاءتْ وعسَى أُجْرِيَا مُجْرَى صار في هذين الموضعينِ، ولا يجوز أن يجريا مجراها في غيرهما، والحق منعُ التعليل بالعلةِ القاصرةِ كما صرَّح به جماعةٌ من محققيهم. وأمَّ فسادُ الاعتبارات في علم ا لعربية فهو أن يعلِّل قياسٌ في العربية، ويخالِفَه السماعُ، فإنه لا اعتبار بهذا القياس، بل الاعتبارُ بالسماع. (٥) وأمَّا قوله: ومتى تعارضَ شاذٌّ ولغةٌ ضعيفةٌ، (٦) فهل ارتكابُ الضعيفةِ أولى أولاً؟ فجوابُه أنهم اختلفوا في ذلك، فمنهم من رجَّح اللغةَ الضعيفةَ على الشاذِّ، ومنهم من

стр. 5025

رجَّح الشاذ على اللغة الضعيفةِ، وممن رجَّح الأول [١٥ب] ابنُ عصفور، والحق أنَّ الشاذَّ أرجحُ إن كان مخالفًا للقياسِ فقط، أو مخالِفًا للاستعمال فقط، لا إذا كان مخالفًا لهما جميعًا فليس بأرجَح من اللغة الضعيفةِ، بل هو ضعيف مثلُها. ثم نقول للسائل ـ كثر الله فوائده ـ قد أوضحنا ما سأل عنه من العللِ، فلتوضِحْ لنا ما بقي منها، وهي علَّة السماع، وعلةُ التشبيه، وعلةُ الاستثقالِ، وعلة التعويضِ، وعلة التضمينِ، وعلة التغليبِ، وعلةَُ الأشعارِ، وعلةُ التضادُّ، وعلة الأَوْلى، هذه العللُ باعتبار مصطلحِ النحاةِ، ولأهل الأصولِ أسماءُ العللِ معروفةٌ كثيرةُ العددِ لا معنى للسؤال عنها، لأنها موجودةٌ في الفنِّ، وإنما سألنا السائل ـ كثر الله فوائده ـ عن هذه العلل النحويةِ مشْيًا على منوالِ سؤالهِ، وجريًا على مثاله. انتهى نقل الجواب المنقولِ عن الأصل الذي بخط المجيب ـ حفظ الله أيامه، وأناله مُرَامَهُ ـ آمينَ. وافق الفراغ من التحرير عن القدير ضحوةَ الخميس ثالثَ محرَّم الحرامِ مفتتح سنة ١٢٤١ إحدى وأربعينَ بعد المائتين والألفِ ختَمها الله تعالى ما بعدَها بخير آمين، وغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمناتِ آمينَ اللهم آمينَ. سبحان ربك ربِّ العزة عمِّا يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين [٦أ]

стр. 5026

(٢١٢) ١٨/ ٥ بحث فيما زاده الشوكاني من أبيات شعرية صالحة للاستشهاد بها في المحاورات وعند المخاصمات وأضافها إلى ما يصلح لهذه الأغراض في ديوان ابن سناء الملك تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 5027

وصف المخطوط: ١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: بحث فيما زاده الشوكاني من أبيات شعرية صالحة للاستشهاد بها في المحاورات وعند المخاصمات وأضافها إلى ما يصلح لهذه الأغراض في ديوان ابن سناء الملك ... ٢ ـ موضوع الرسالة: لغة عربية. ٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله الطاهرين وبعد. فإني لما وقفت على المجموع الذي جمعه ابن سناء الملك ٤ ـ آخر الرسالة: إنك إنْ حَمَّلْتني ما لم أطِقْ ... ساءك ما سرَّك مني من خُلق. وإلى هنا انتهى ما أردت جمعه. كتبه جامعه: محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما. ٥ ـ نوع الخط: خط نسخي مقبول. ٦ ـ عدد الصفحات: ١٤ صفحة. ٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٢٤ سطرًا. ٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١١ كلمة. ٩ ــ الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 5028

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله الطاهرين وبعد: فإني لما وقفت على المجموع الذي جمعه ابن سناء الملك (١) الأديب المشهور، الذي قال في حقه القاضي الفاضل عبد الرحيم البياني وزير السلطان صلاح الدين أيوب: نعم الصاحب الذي لا يخلفه الأنام، ولا يعرف له نظير من الأقوام، أمانة سمينة، وعقيدة ودٍّ متينة، ومحاسنُ ليس بواحدة، ومساعٍ في نفع المعارف جاهدة. وكان حافظًا لكتاب الله، مشتغلاً بالعلوم الأدبية، كثيرَ الصدقات نفعه الله، وللأعمال الصالحات عرَّفه الله بركاتها. انتهى. وذلك المجموع مشتملٌ على الأبيات التي اشتملت على الحِكَمِ النفيسة، التي يهتدي بها من حفظها على مكارم الأخلاق، ويستعين بها من عرفها على إصابة الرأي فيما ينويه من الأمور. والحاصل أنَّ غالبها من الشعر الذي قال فيه الصادق المصدوق صلي الله عليه وآله وسلم: «إن من الشعر لحكمة» (٢) وهي أيضًا مما يصلح للاستشهاد بها في المحاورات

стр. 5029

وعند المخاصمات، فيكون بانتزاع الشاهد منها فصلُ الخطاب، وإلقامُ المنازِع حجرًا، ومع ذلك فالمستشهدُ ببيت منها على ما يطابق مقتضى الحال يَنْبُلُ في الأعين، ويكبرُ في الصدور، وهي كلُّها غُرَرٌ، وجميعُها دُرَرٌ، ولكني استحسنتُ أن أنتقي منها في هذه الأوراق ما فاقَ وَرَاقَ، وأضم إليه ما قد حفظته من أشعار العرب ومن يلحق بهم من المخضرمين، ومَنْ بعدهم من الشعراء المفلقين، حتى يصير مجموعُ ذلك نزهةً للناظرين من المتأدبين، وروضةً للراغبين في نتائج عقول فحول المجيدين من الأولين والآخرين [١أ] وقد جعلت عَلامَةَ ما زدته من عندي نقطةً مقابلةً له ليتميز بذلك عن أبيات الكتاب، فأول ما ذكره في مجموعه قولُ الشاعر: الله أنجح ما طلبت به ... والبر حقيبته الرَّحْلُ [خفْض] (١) الجأش واصبري قليلاً ... فالرازيا إذا توالت تولَّتْ * ولا خير فيمن لا يوطّن نفسَه ... على نائباتِ الدهر حين تنوبُ * (٢) فقلت لها يا عَزَّ كلُّ مصيبةٍ ... إذا وُطِّنَتْ يومًا لها النّفسُ ذلَّتِ * (٣) وإذا افتقرت إلى الذخائر ... لم يجد ذخرًا كصالح الأعمال * من يفعل الخير لا يُعدم جوازَيهُ ... لا يذهب العرف بين الله والناس * (٤)

стр. 5030

رُبَّ حُلْمٍ أضاعه عدمُ الما ... ل وجهلٌ غطَّى عليه النعيمُ من راقب الناس مات غمًا ... وفاز باللذة الجسورُ (١) من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... فاز بالطيباتِ الفاتكُ اللَّهجُ * (٢) وجرم جرَّه سَفَهًا قومٌ ... فحلَّ بغير جارمِهِ العقاب * لم أكن من جنُاتِها علم الله ... وإني لحرِّها اليومَ صالي * وإذا تكون كريهةٌ أدعى لها ... وإذا يحاس الحيسُ يدعى جُنْدُبُ ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإنْ خالها تخفي على الناس تُعْلَمِ * (٣) أي خلل الرماد وميض حمر ... ويوشك أن يكون لها اضطرامُ * ...........................................................

стр. 5031

ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلتُ نفسي وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادةُ لي بأني فاضلُ (١) إذا جهلتْ فضلي رعائفُ خندفٍ ... فقد عرفت قدري غطاريفُ همدان [١ب] * إنَّ الذين ترونهم إخوانكُم ... يشفي غليلَ صدورِهم أن تُصْرَعُوا إن جئتَ أرضًا أهلُها كلُهم ... عورٌ فغمِّضْ عينَكَ الواحدة والذي يُظهر في الذليل مودةٌ ... وأودُّ منه لمن يودُّ الأرقم ذلُّها أظهر التودُّدَ منها ... وبها منكم كحرِّ المواسي * ومن يك ذا فم مرٍّ مريضٍ ... يجدْ مُرًّا به الماءَ الزلالا ومن يقل للمسك أين الشذا ... كذَّبه في الحال من شمَّا * ومن ذا الذي تُرضي سجاياه كلُّها ... كفي بالمرء نبلاً أن تعدَّ معايبه إذا أنت لم تُقصر عن الجهل والخَنَا ... أصبتَ حليمًا أو أصابك جاهلُ * (٢) إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأيُّ الناسِ تصفو مشاربه (٣) والشيخ لا تترك أخلاقُه ... حتى يوارى في ثرى رمسه وإذا بدا شرُّ اللبيب فإنه ... لكالدهر لا تمارِ بما فعل الدهر وإنَّ أمير المؤمنين وفعلَه ... فإن عرضتْ أيقنت أن لا أخا ليا وإنَّ حُسيْنَا كان شيئًا مُلفَّقًا ... فمحَّضه التكشيفُ حتى بدا ليا *

стр. 5032

وفتيانٍ حسبتُهم دروعًا ... فكانوها ولكن للأعادي * ويضمر قلبي عُذْرَها فيعِنُّها ... عليَّ فما لي في الفؤاد نصيبُ * وعينُ الرضى عن كل عيب كليلةٌ ... ولكنَّ عينَ السُّخطِ تبدي المساويا (١) فيضاحِكْنَ وقد قُلْنَ لها: ... حسنٌ في كل عينٍ مَنْ تُردْ * أضحى عرابةُ ذا مال وذا ولدٍ من مالٍ جعد وجعدُ غيرُ محمودِ * أُحِبُّ أبا ثروان من أجل تمره ... وأعلم أن الرفقَ بالمرء أوفقا * إن جعتم قلتُم يا عمَّنا ... وإنْ شبعتُم فيا بنَ الأزورِ * إذا حدَّثتْكَ النفس أنك قادرٌ ... على ما حوتْ أيدي الرجال فكذبِّ [٢أ] رُبَّ هجرٍ يكون من خوفِ هجرٍ ... وفراقٍ يكون خوفَ فراقِ ولكم تمنيت الفِراقَ مغالطًا ... واجتلتُ في استثمار عرسِ ودادي* سأطلب بُعْد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا* إذا ما أُهان امرؤٌ نفسَهُ ... فلا أكرمَ اللهُ مَنْ أكْرَمه ومن يغترب يحسب عدوًا صديقه ... ومن لم يكرِّمْ نفسَه لم يُكرَّم * (٢) أكرِم تميمًا بالهوانِ فإنهم إن أُكْرِمُوا فسَدوا من الإكرام * أهِنْ عامِرًا تُكْرَمْ عليه فإنما ... أخو عامر مَنْ مسَّه بهوانِ * لا تؤمل أني أقول لك اخسْأ ... لستُ أسخو بها لكل الكلابِ ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني ... فمضيتُ ثمَّتَ قلت: لا يَعْنِيني * إنَّما يُدَّّخر المالُ ... لحاجات الرجالِ وفي السماء نجومٌ ما لها عددٌ ... وليس يُكْسفُ إلاَّ الشمس والقمرُ

стр. 5033

أتي الزمانَ بنوهُ في شبيته ... فسرَّهم وأتيانه على الكِبَرِ * لا تعتمدْ إلاَّ رئيسًا فاضلاً ... إنَّ الكبارَ أطبُّ للأوجاع ليس إجلالُكَ الأكابرَ ذُلاً ... إنما الذلُّ أن تُجِلُّ الصِّغارا * هنيئًا مريًا غيرَ داء مخامرٍ ... لعزَّةَ من أعراضنا ما استحلَّتِ (١) إذا ضيَّعتَ أوَّلَ كلِّ أمْرٍ ... أبتْ أعجازُهُ إلاَّ التواءَ وعاجزُ الرأي مِضيًا لفرصـ ... ـته حتى إذا فات أمرًا عاتَب القدرا * قد يدركُ المتأني بعضَ حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزَّللُ (٢) وربما فات بعضَ القوم أمرُهم ... مع التأني وكانَ الجرمُ لو عَجِلوا * لا ذا ولا ذاك في الإفراط أَحْمَدُهُ ... وأحمدُ الأمرَ يأتي وهو معتدلُ * أخْلِقْ بذي الصب أن يحظى بحاجته ... ومُدْمِنِ القرع للأبواب أن يَلِجَا وما نزلتُ من المكروهِ منزلةً ... إلاَّ وَثْقْتُ بأنْ ألقى لها فرجَا * وما الحسنُ في وجه اللئيم شرفٌ له ... إذا لم يكن في فعله والخلائقِ [٢ب] إذا كان الفتى ضَخْمَ المعاني ... فليس يضرُّه الجسمُ النحيلُ * ولست بِنَظَّارٍ إلى جانب الغِنا ... إذا كانتِ العليا في جانب الفقرِ يصدُّ عن الدنيا إذا هي أقبلتْ ... وإن برزتْ في زيِّ عذراءَ ناهِب * من عاش أجْلَلَتِ الأيامُ جِدَّتَه ... وفاتَه ثقتاهُ السمعُ والبصرُ إنَّ الثمانينَ وبُلِّغْتُهَا ... قد أحوجت سمعي إلى تُرْجُمان * إذا المرءُ أعيتْه السيادةُ ناشئًا ... فمطلبها كهلاً عليه شديدُ إذا ما أولُ الخطى أخطى ... فلا يُرجي لآخره انتصارُ *

стр. 5034

قد يَجْمَعُ المالُ غيرُ آكله ... ويأكل المالَ غيرُ من جمعَهْ (١) تخيرت من نعمانَ عَوْدَ دِراكهِ ... لهندٍ ولكنْ مَنْ تبلِّغُهُ هند ولله مني جانبٌ لا أضيعُه ... وللَّهْوِ مني والخلافةِ جانبُ إن الناس غطوني تغطيَّن عنهمُ ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحثُ (٢) لا تهتكَنَّ مساوي الناس ما ستروا ... فيَهْتِكُ الناسُ سِتْرًا من مساويكا * ومَنْ دعا الناسَ إلى ذمِّهِ ... ذمُّوه بالحق وبالباطلِ (٣) قد قيل ما قيل إنْ صِدقًا وإن كذبًا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا * (٤) ألا قاتل اللهُ الضرورةَ ... تُكَلِّفُ أعلا الخلقِ أدنى الخلائقِ وإذا لم يكن من الذلِّ بدٌ ... فالْقَ بالذلِّ إن لقيتَ الكبارا * وما ينفع الأصلُ من هاشمٍ ... إذا كانتِ النفس مِنْ باهِلَهْ وما الفخرُ بالعْظمِ الرَّميمِ وإنما ... فخَارُ الذي يبغي الفخارَ بنفسِه * ومن نكد الدنيا على الحرِّ أن يرى ... عدوًا له ما من صداقته بدٌّ وأسرعُ مفعولٍ فعلتَ تغيّرا ... تكَلُّفُ شيء في طباعك ضِدُّه * يُرَادُ مِنَ القلب نسيانُكُم ... وتأبى الطباعُ على الناقلِ * فعاجُوا فأثُنَوْا بالذي أنت أهلُهُ ... ولو سكتوا أثْنَتْ عليكَ الأباعِدُ

стр. 5035

وإني اللَّبونُ إذا ما لذَّ في قرنٍ ... لم يستطعْ صَبْوَهُ البررُ العناعيسُ ومن ظنَّ ممن يلاقي الحروبَ ... بأنْ لا يُصابَ فقد ظنَّ عَجْزَا أرى جَذَعًا إنْ يُثْنَ لم يَقْوَ رائضٌ ... عليه فبادرْ قبل أن ينثني الجذع [٣أ] أُقَلِّبُ طرفي في البلاد فلا أرى ... وجوهَ أحبائي الذين أريدث واحتمالُ الأذى وَدِيَّةُ جانيهِ ... غداءٍ تضْوَى به الأجسامُ وكففت عن أثوابه ولو أنني ... كنتُ المقطَّرَ بزَّني أثوابي شكوتُ وما الشكوى لمثلي عادةٌ ... ولكنْ تغِيضُ العينُ عند امتلائها ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةٍ ... يواسيكَ أو يُسلِيْكَ أو يتوجَّعُ * وما منزلُ اللذاتِ عندي بمنزل ... إذا لم أُبَجَّلْ عنده وأُكَرَّمِ لمن تطْلُبِ الدنيا إذا لم تُرِدْ بها ... سرورَ مُحِبٍّ أو إساءةَ مجرِمٍ ولو أنَّ صدورَ الأمر [ ..... ] (١) ... كأعقابِه لم تُلْفِه يتنَدَّمُ ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يدركُهُ ... تجري الرياح بما لا تشتهي السَّفن (٢) وقد وَفَيْتُمُونا مرةً بعد مرةً ... وعلمُ بيان الأمرِ عندَ المجرَّبِ فإنَّ الحسامَ الخضيبَ الذي ... قتلتمُ به في يد القاتلِ يا عقربَ النعلِ هذي النعلُ حاضرةٌ ... إنْ عُدْتَ عدنا إلى عاداتنا الأُوَلِ * قضى الله في بعضِ المكارِه للفتى ... برُشْدٍ وفي بعض الهوى فيحاذِرُ

стр. 5036

وإذا خفيتْ على الغبيّ فعاذرٌ ... أن لا تراني مقلةً عمياء وليس قولُك من هذا بِضائِرِه ... العُرْبُ تعرف مَنْ أنكرتَ والعجمُ * وكم من عائبٍ قولاً صحيحًا ... وآفتُه من الفهمِ السقيم (١) ليس العطاءُ من الفضول سماحةً ... حتى يجودَ وما لذلك قيل تريدين رُقْيا المعالي رخيصةً ... ولا بُدَّ دونَ الشهدِ من إبَرِ النحل (٢) إذا غامرتَ في شرفٍ مَرْوْمٍ ... فلا تقنعْ بما دونَ النُّجومِ * فطعمُ الموتِ في أمرٍ حقيرٍ (٣) ... كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمٍ * (٤) فإما مكانًا يُضْرَبُ النجمُ دونَه ... سُرَادِقُهُ أو باكيًا لِلجامِ * إذا ما لم تكن مِلَكًا مُطاعًا ... فكن عبدًا لخالِقه مطيعًا * وإنْ لم تملكِ الدنيا جميعًا ... كما تهواهُ فاتركْهَا جميعًا * هما سِيَّانِ من ملكٍ ونُسْكٍ ... ينْبُلانِ الفتى شرَفًا رفيعًا [٣ب] * وضعيفةٍ فإذا أصابتْ قدره فرصةً ... فتكتْ كذلكَ قدرةُ الضعفاءُ يشمّر لِلُجِّ عن ساقِه ... ويغمرُهُ الموجُ في الساحلِ يودُّ الفتى طولَ السلامة والغِنا ... فكيف ترى طولَ السلامةِ تفعلُ *

стр. 5037

مَنْ يسالِ الناسَ يَحْرِمُوهُ ... وسائلُ الله لا يُخيَّبُ أليسَ من الخسرانِ أنَّ لياليًا ... تمرُّ بلا نفعٍ وتُحْسَبُ من عمْري لا أَلْفينَّك بعد الموت تَنْدُبُني ... وفي حياتي ما زوَّدتني زادي ما كان ينفعني مقالُ نسائِهم ... وقُتِلتُ دونَ رجالِهم لا تبعد * تُعَدُّ ذنوبي عند قومي كثيرةٌ ... ولا ذنبَ لي إلاَّ العُلا والفضائل * إنْ سمعوا سبةً طاروا بها فرحًا ... مني وما سمعوا من صالحٍ دفنوا * إنْ يسمعوا الشرَّ يُخْفُوه وإنْ سمعوا ... شرًّا أذاعوا وإن لم يسمعوا أفِكُوا * ولن يبلغَ البنيانُ يومًا تمامَهُ ... إذ كنتَ تبنيهِ وغيرُكَ يهدِمُ أيذهبُ يومٌ واحدٌ إنْ جنيتُه ... بصالحِ أيامي وحسنِ بلائيا متى يُجْمَعِ القلبُ الذكيُّ وصارمًا ... وأنفًا حميًا تَجْتَنْكَ المظالِمُ سأغسلُ عني العارَ بالسيف جالبًا ... عليَّ قضاءُ الله ما كان جالبًا * والنجمُ يستصغرُ الأبصارَ رؤيتَهُ ... والذنبُ للعين لا للنجمِ في الصِّغرِ ما أنت إلاَّ كلحمِ ميِّتٍ ... دعا إلى أكله اضطرار ولولا الضرورةُ ما جئتُكُم ... وعند الضرورة يؤتى الكنيفْ * وإنْ بقومٍ سوَّدوك لحاجةٍ ... إلى سيد لو يظفُرونَ بسيِّدِ ومتى كنت تفعلُ الكثيرَ من الخير ... إذا كنتَ تاركًا لأقلِّهْ وما بقيتْ من اللذاتِ إلاَّ ... محادثةُ الرجال ذوي العقولِ كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بينَ أضلاعي أسَدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ ... فتْخاءُ [تنفر] (١) من صفير الصافر ومَنْ سَرَّه أن لا يرى ما يسؤُهُ ... فلا تتخذِ شيئًا بخافٍ له إذا رأيت نيوبَ الليث بارزةً ... فلا تظنَّنَّ أنَّ الليثَ يبتسمُ [٤أ]

стр. 5038

ينشدُ الشعرَ وإن عاتبتَهُ ... في مُحالٍ قال في هذا لُغَهء كل ما يصلُح للمو ... لى على العبد حرامُ وأحييتَ لي ذكرًا وما كان خاملاً ... ولكنَّ بعضَ الذِّكْرِ أنبهُ من بعضِ إني وقتلى سُلَيْكَا ثمَّ أعْقِلَهُ ... كالثورِ يضربُ لمَّا عافتِ البرةُ وحمَّلتني ذنبَ امرئ وتركَتهُ ... كذي العُرّ يكون غَيْرَهُ وهو راتِعُ * قل للذي يحفر بئر الردى ... هيِّئ لرجليك مراقيها سكتتْ بغابغةُ الزمان ... وأصبح الوطواطُ ناطقْ في الناس إن فتَّشتَهم ... من لا يُعِزُّكَ أو تُذلُّهْ وقد تُخْرَجُ الحاجاتُ يا أمِّ مالك ... كرائمَ من ربٍّ له ضنين إذا صوَّتَ العصفورُ طار فؤادُه ... وليثُ حديدِ النابِ عند الثرائدِ إذا رام التخلقُ جاذبتهُ ... خلائقُه إلى الطبعِ القديمِ إذا كان غيرُ الله للمرءِ عِدَةً ... أتتهُ الرزايا من وجوهِ الفوائدِ يأبى الفتى إلاَّ اتباعَ الهوى ... ومنهجُ الحق له واضحُ كتاركةٍ بيضَها بالعراءِ ... ومُلْبِسَةٍ ثوبَ أخرى جناحًا ولستَ بمأخوذٍ بلغوٍ تقوله ... إذا لم تُعَمَّدْ عاقداتِ العزائمِ والمستجيرُ بعمرو عند كُرْبَتِهِ ... كالمستجيرِ من الرمضاء بالنارِ وأُديمُ نحوَ محدِّثي نظري ... أني قد فهمت وعندكم عقلي تحسَبُه مستمعًا منصتًا ... وعقلُه في آفةٍ أخرى ولا تُكثرنْ في إثر شيء ندامةً ... إذا نزعتْه من يديكَ المقاديرُ ضاع معروفٌ واضعٌ ... العرف في غير أهلهِ من ظنَّ أنْ لا بدَّ منه ... فإنَّ منه ألفَ بُدِّ زعمَ الفرزدق أن سيقتلُ مِرْبَعًا ... أبْشِرْ بطول سلامةٍ يا مِرْبَعُ (١)

стр. 5039

وَلَرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى ... ذَرْعَاً وعند الله منها المخرجُ ولم أرَ كالمعروف أمَّا مذاقُةُ ... فحلوٌ وأما وجهُهُ فجميلُ إذا لم تستطيع شيئًا فدعْهُ ... وجاوِزْهُ إلى ما نستطيعُ [٤ب] وقد يحزنُ المءُ من موتِ ما ... تكونُ السلامة في موتِهِ تفرَّقتِ الطباءُ على خِراشٍ ... فما يدري خراش ا يصيبُ ما عابني إلا اللئامُ ... وتلكَ لي إحدى المناقِبْ إذا محاسني اللاتي أمتُّ بها ... غدت ذنوبًا فقل لي كيفَ أعتذرُ يريكَ البشاشةَ عند اللقاء ... ويبريكَ في الغيب بَرْيَ القلمْ ويحييني إذا لاقيتهُ ... وإذا نحلُو له جسمي رَتَعْ * ألا ربما ضاقَ الفضاءُ بأهلهِ ... وأمكن من بين الأسِنَّةِ مخرجُ كأنك لم تسبق من الدهر ِ ليلةً ... إذا أنت أدركتَ الذي أنت تطلبُ وغير تعني بأمرِ الناس بالنعي ... طبيبٌ يداوي الناسَ وهو عليلُ* وكنّأ نستطشبُّ إذا مرِضْنا ... في الداء من قِبَلِ الطبيبِ* وإنك لنترى طَرْدًَا لحرٍ ... كالصياقِ به طرفُ الهوانِ يهون علينا أن تُصابَ جسومُنَا ... وتسلمَ أعراضٌ لنا وعقولُ* ومستعجبٍ مما يرى من أناتِنا ... ولو زبنتُهُ الحربُ لم يتزمزمِ لم يخلقِ الله مسجونًا تسائلُه ... ما بال سجنِك إلا قال مظلومُ حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهُ ... فالكل أعداءٌ له وخصومُ لولا اشتعالُ النار فيما جاورت ... ما كان يظهرُ طِيْبُ نَشْرِ العودِ* ونُبِّئْتُ قومًا يحسدونَ [محاسنًا] (١) ... وذو الفضلِ لا تلقاه إلا َّ محسَّدا

стр. 5040

وإذا حَذِرْتَ من الأمور مقدَّرًا ... وفررتُ منه فنحوَهُ تتوجهُ توَقَّ ملاحاةَ الرجال وذمَّهم ... فإن لهم علمًا بسوء المثالبش إن النساء متى ينهيْنَ عن خلُقٍ ... فإنه واقع لابدُّ مفعولُ من لم يَعُدْنَا إذا مرِضْنَا ... إن مات لم تشهدِ الجنازهْ ولست بالموجبِ حقًا لمن ... لا يوجِبُ الحقَّ على نفسِهِ* لو بغير الماء حلقي شرَقْ ... كنتُ كالغصَّان بالماء اعتصاري إلى الماء يسعى من يغصُّ بلقمةٍ ... إلى أين يسعى من يغصُ بماء* إذا اعتاد الفتى خوضَ المنايا ... فأهون ما يمر به الوحولُ [٥أ] إنَّا لفي زمن تركُ القبيح به ... من أكثر الناس إحسانًا وإجمالاً لولا المشقةُ ساد الناس كلُّهم ... الجودُ يُفْقِرُ والإقدامُ قتَّالُ وكلٌّ يرى طُرُقَ الشجاعةِ والندى ... ولكنَّ طَبْعَ النفسِ قائدُ* ولست بمستبقٍ لا تلِمُّه ... على شَعَثٍ أيُّ الرجال المهذَّبُ (١) ومن ينفق الساعاتِ في جمع أموالِه ... مخافةَ فقرٍ فما الذي فعلَ الفقرُ ومن يأمنِ الدنيا يكن مثلَ قابضٍ ... على الماء خانتْه فروجُ الأصابعِ وما المرءُ إلا كالشهاب وضوءُهُ ... يعود رمادًا بعد إذ هو صادعُ إذا لم يكن فيْكُنَّ ظِلٌّ ولا جنى ... فأبْعَدَكُنَّ الله من شجراتِ وكنت إذا قومٌ غزوني غزوتُهم ... فهل أنا في ذايالِ همدانَ ظالمُ

стр. 5041

فإنك لم تفخر عليك تفاخُرٌ ... ضعيفٌ ولم تغلِبُكَ مثلُ تَغْلِبِ ولو أني بُليتُ بها شمسي ... خؤُلُتُهُ بنو عبدِ المدانِ * لهانَ عليَّ ما ألقى ولكنْ ... تعالوا فانظروا بمن ابتلاني * لو كما تنقصُ تزدادُ ... إذًا نِلْتَ السماء ومما يقتُلُ الشعراء غمًا ... عداوةُ من يقلُّ عن الهجاء بلاءٌ ليس يشبُهُه بلاءٌ ... عداوةُ غير ذي حسَبٍ ودينِ * يبيحُك منه عِرضًا لم يَصُنْهُ ... ويرتع منك في عِرْضٍ مصونِ * رأيتَ حياةَ المرء تُرْخِصُ قَدْرَهُ ... فإن مات أغلتْهُ المنايا الطوائحُ وما للمرء خيرٌ في حياةٍ ... إذا ما عُدَّ من سَقَطِ المتاعِ يريد المرءُ أن يُعطى مُناه ... ويأبى الله إلا ما يشاءُ وما بقاءً علىَّ تركتماني ... ولكنْ خِفْتُمَا صدَّ النِّبالِ ألم تر أنَّ سيرَ الخير رَبْتٌ ... وإنَّ الشرَّ راكبُه يطيرُ ليس من مات فاستراح بميْتٍ ... إنما الميْتُ ميِّتُ الأحياء فيا ليت حظي من غدانَةَ ... أنها تكون كفافًا لا علىَّ ولا ليا [٥ب] تغطَّى بجلباب لها حُرَّ وجهِهَا ... وتبدي اسْتَهَا هذا الحياءُ المخالفُ كل شيء إذا تناهي تناهى ... وانتقاصُ البدورِ عند التمامِ تُوقَّى البدورُ النقصَ وهي أهلَّةٌ ... ويدركها النقصانُ وهي كواملُ * فإن يكنِ الفعل الذي ساءَ واحدًا ... فأفعالُه اللائي سَرَرْن ألوفا جرى طَلِقًا حتى إذا قيل سابقًا ... تداركه غُرْفُ اللئام فبلَّدا وأكذبُ ما يكون إذا تألَّى ... وشدَّدها بأيمانٍ غلاظِ يَحْلُبُ غيري وأكونُ الذي ... يرضى من العنزِ بقرنينِ نكون حماتَها ونَذُبُّ عنها ... ويأكل خرجَها القومُ اللِّئامُ * معاذَ الله حتى تنتضيها ... عقائِرَ في العَجَاجِ لها انتسامُ *

стр. 5042

إذا المال لم ينفعْكَ إلا تخزنُهُ ... فبَرُّ بلادِ الله مالُكِ والبحرُ أنت للمال إذا أمسكتَهُ ... وإذا أنفقتَه فالمالُ لكْ وأنت كمثلِ الجوز تُمْنَعُ أكلَه ... صحيحًا وتعطي أكلَه حينُ يُكْسرَ ومن يحتفر في الشر بئرًا لغيرِهِ ... يَبِتْ وهو فيها لا محَالَهَ واقعُ وأدركُه حالاتِه فخذلتُهُ ... ألا إن عِرقَ السوء لا بدَّ مدرْكُ وإنَّ كبيرَ القوم لا عِلْمَ عندَه ... صغيرٌ إذا التفتْ عليه المحافلُ * عيُّ الشريفِ يشينُ منصبَه ... وترى الوضيعَ يزيْنُهُ أدبُهْ إذا الشافعُ استقصى لك الجهدَّ كلَّه ... وإن لم تنلْ بِحِجَا فقد وجب الشكرُ وعلىَّ أن أسعى وليس علـ ... ـيَّ إدراكُ النجاحِ وأنت امرؤ منَّا خُلِقْتَ لغيرنا ... حياتُكَ لا نفعٌ وموتُكَ فاجعُ * لا ألفيتُك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوَّدتني زادي* فلا تعتذر بالشُّغل عنَّا فإنما ... تُناطُ بك الآمالُ ما اتَّصل الشُّغْلُ ولا أكون كمن ألقى رِحَالتَهُ ... على الحمارِ وخلَّى صهوةَ الفَرَسِ وإنَّ مقيماتٍ بُمنْعَرَجِ اللِّوي ... لا قربَ من ليلى وهاتيكَ دارُها كالعيسِ في البيداء يتلِفُها الظما ... والماء فوقَ ظهورِهِا محمولُ* أرى ماءً وبي عطشٌ شديدٌ ... ولكنْ لا سبيلَ إلى الورودِ * عسى الهمُّ الذي أمسيتَ فيه ... يكونُ وراءه فرجٌ قريبُ [٦أ] ربما تكره النفوسُ من الأمرِ ... له فُرْجَةٌ كَحَلٌ العِقَالِ * فما بالُنا أمْسى أسدُ العرين ... وما بالُنا اليومَ شاءَ النجفُ هل يستطيعُ جحودَ ذنبٍ قد مضى ... رجلٌ جوارحُهُ عليه شهودُ إنَّ عَمْرًا يكون آخرَه الموتُ ... سواءٌ طويلُه والقصيرُ قليلُ حياة المرء مثلُ كثيرِها ... يزولُ وباقي عيشِه مثلُ ذاهبِ * ومَنْ جهلتْ نفسه قَدْرَهُ ... رأى غيرُهُ منه ما لا يَرَى

стр. 5043

من رامَ ما يعجزُ عنه طوقُه ... تقاصرتْ عنه فسيحاتُ الخطا * وأظلمُ أهلِ الظلمِ من باتَ حاسِدًا ... لمن باتَ في نَعْمائِهِ يتقلَّبُ وكل امرئ: تولي الجميلَ نجيبُ ... وكلُّ مكانٍ يُنْبِتُ العرَّ طيِّبُ أعزُّ مكانٍ في الدنا سرُج سابحٍ ... وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ * أشدُّ الغمِّ عندي في سرور ... تيقنَّ عنه صاحبُهُ انتقالا خلاَ لكِ الجو فبيضي وأصفري ... ونقري ما شئتِ أن تنقري أبا منذر أفنيتَ فاستبقِ بعضَنا ... حنانَيْكَ بعضُ الشرِّ أهونث من بعضِ استرزقِ الله مما في خزائنهِ ... فبينها الجرادُ دارتْ مناشيرُ وحالتْ حياضُ الموت بيني وبينها ... وجادتْ بوصلٍ حيث لا ينفعُ الوصلُ فإنكَ والكتابَ إلى عليٍّ ... ليس بالظنِّ أنه إذا ذلَّ مولى المرء فهو ذليلُ * لك العزُّ إنْ مولاكَ عزَّ ... وإنْ يَهُنْ فأنت فِدَى بُحْبُوبَةِ الهُونِ كائنُ إذا وَتَرْتَ امرءًا فاحذر عدواتَهُ ... من يزرع الشوكَ لا يحصدْ به عِنبًا إن العدوِّ وإن أبدى مسالمةً ... إذا رأى منك يومًا فرصةً وثبا فاليومَ نقنعُ بالسلامةِ منكم ... لا تأخذوا منا ولا تعطُونَا كفاني الله شرَّك يا حبيبي ... فأمَّا الخيرَ منكَ فقد كفاني [٦ب] إذا كنت تبغي (١) العيشَ فابْغِ توسُّطًا ... فعند التناهي يقصرُ المتطاوِلُ ما زدتَ حين وَلِيْتَ إلاَّ خسَّةً ... والكلبُ أنجسُ ما يكون إذا اغتسلْ إذا اجتمع الآفاتُ فالبخلُ شرُّها ... وشرٌّ من البخيل المواعيدُ والمُطْلُ

стр. 5044

يزداد من القلب نسيانُكُم ... وتأتي الطّّباعُ على الناقلِ وأصعبُ مفعولٍ فعلتَ تغيَّرا ... تُكَلَّفُ شيئًا في طباعكَ ضِدَّهُ فما يديمُ سرورًا ما سررتَ به ... ولا يُرَدُّ عليك الفائتَ الحزْنُ إن كان سمَّاكَ شمسًا من ضلالته .... فالخنفساء تسمِّي بنتَها القمرا إذا عبت قومًا بالذي فيك مثلُهُ ... وكيف يُعيبُ العُوْرَ مَنْ هو أعورُ اذْكُرْ محاسنَ ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تُعِبْ أحدًا منهم بما فيكا أزمعتُ يأسًا مبينًا من نوالِكُمُ ... ولن ترى طاردًا للحرِّ كاليأسِ فقد صِرْتَ أُذُنًا للوشاةِ سمعيةً ... ينالون من عِرضي ولولاكَ ما نالوا وقاهم جدُّهم ببني أبيهم ... وبالأشقينَ ما حلَّ العقابُ قد كان في الموت له راحةٌ ... والموتُ ختم في رقابِ العبادِ شقِيتْ بنو أسدٍ بشعر مساورٍ ... إنَّ الشقيَّ بكل حَبْلٍ يُخْنَقُ إنَّ الشقيَّ بالشقاء مولعٌ ... لا يملكُ الردَّ له إذا أتى تعلِّلُني بالموتِ والموتُ دونَه ... إذا متُّ عطشانًا فلا نزلَ القطرُ نحلتْ له نفسي النصيحةَ إنه ... عند الشدائدِ تذهبُ الأحقادُ تهوى حياتي وأهوى موتَها أنفًا ... والموتُ أكرمُ نوَّالِ على الجُرْمِ ولله سرٌّ في علاكَ وإنما ... كلام العدى ضرب من الهذيان إذا أنت أعْطِيت السعادة لم تَبَلْ ... ولو نظرتْ شَرَرًا إليك القبائلُ * وقد يتزيَّا بالهوى غيرُ أهلهِ ... ويستعجبُ الإنسانُ مَنْ لا يلائمهْ لا بأس بالقومِ من طول ومن قِصَرٍ ... جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ [٧أ] وما ذاك بخلا بالسيوفِ وبالقَنَا ... ولكنَّ صَدْمَ الشرِّ بالشرِّ أحْزَمُ عرفتَ الشرَّ لا للشرِّ لكن لتوقيهِ ... ومن لا يعرفُ الخيرَ من الشرِّ يقع فيه ما* وإنما يبلُغ الإنسانُ طاقتَهُ ... كل ماشيةٍ بالرجل شِملالُ ستبدي لك الأيامُ ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تُزَوِّدِ وإنَّ ابنَ عمِّ المرْ فاعلم جناحُهُ ... وهل ينهضُ البازي بغير جناحِ لعلَّ عَتْبَكَ محمودٌ عواقُبهُ ... وربما صحَّ الأجسام بالعلِلِ والهجْرُ أقْتَلُ لي مما أراقبهُ ... أنا الغريقُ فما خوفي من البَللِ فرشتُ منك بغيرِ ما أمَّلْتُهُ ... والمرءُ يِشْرَقُ بالزُّلال الباردِ أنكرتُ طارقهَ الحوادثِ مرَّةً ... حتى اعترفتُ بها فصارتْ ديدنَا وزادني كَلَفًا بالحبِّ أنْ مَنَعَتْ ... وحُبُّ شيء إلى الإنسان ما مُنِعَا وبيننا لو رعيتُم ذاك معرفةٌ ... إنَّ المعارفَ في أهل النُّهى ذِمَمُ وأُغَبطُ من ليلى بما لا أناله ... ألاَّ كلُّ ما قرَّتْ به العينُ صالحُ أعاتبُ نفسي إن تبسمتُ خاليًا ... وقد يضحكُ الموتورُ وهو حزينُ وفي الشك تفريطٌ وفي الحزم قوةٌ ... ويخطي الفتى في حدسه ويصيبُ يجود بالنفسِ إنْ حنَّ الجبان بها ... والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجودِ سيذكرني قومي إذا ضنَّ جِدُّهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقدُ البدرُ (١) لا تعجبنَّ لخير زلَّ عن يدهِ ... فالكوكبُ النحس يسقي الأرضَ أحيانًا ومن مذهبي حبُّ الديارُ وأهلِها ... وللناسِ فيما يعشقون مذاهبُ إني أرى فتنةً تغلي مراجلها ... والملكُ تعداني لعلى لِمَنْ غلبَا وغيظي على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظُ الأسيرُ على القَدِّ أمِنَ المنونِ ورَيْبِها تتوجَّعُ ... والدهرُ ليس بمعتبٍ مَنْ يجزعُ ولاتك فيها مفرطًا أو مفرطًا ... كلا طرَفَيْ قصدُ الأمورِ ذِمَيمْ [٧ب] إذا تضايق أمرٌ فانتظرْ فرجًا ... فأضيقُ الأمرِ أدناهُ إلى الفَرَجِ

стр. 5045

أراها وإن كانت تُجَبُّ فإنَّها ... سحابةُ صيفٍ عن قليل تَقَشَّعُ لعمرُكَ ما المكروهُ إلاَّ ارتعابُهُ ... وأعظمُ مما حل ما يُتوقَّعُ وإني لا أزالُ أخا حروبٍ ... إذا لم أجْنِ كنتُ مجنَّى جاني إني لأُكْثِرُ مما سُمْتَني عجَبًا ... يدٌ تشحُّ وأخرى منك تأسوني تلقى بكلِّ بلادٍ إنْ حَلَلْت بها ... أهلاً بأهل وجيرانًا بجيرانِ يقولون أقوالاً ولا يعملونها ... ولو قيل هاتوا حقَّقوا لم يحقِّقُوا إنك إنْ حَمَّلْتني ما لم أطِقْ ... ساءك ما سرَّك مني من خُلق. وإلى هنا انتهى ما أردت جمعه. كتبه جامعه: محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما.
следующие страницы →