← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36550

ورثة الأنبياء

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (132 стр.). Показаны 106–132 · переход к 111.

стр. 106

وإذا رأى العوام أحد العلماء مترخصاً في أمر مباح هان عندهم. فالواجب عليه صيانة علمه وإقامة قدر العلم عندهم. فقد قال بعض السلف: كنا نمزح ونضحك، فإذا صرنا يقتدى بنا فما أراه يسعنا ذلك. وقال سفيان الثوري: تعلموا هذا العلم واكظموا عليه، ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب. فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر. وقد قال ﷺ لعائشة: «لولا حدثان قومك في الكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين». وقال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب: رأيت الناس يكرهونهما فتركتها. ولا تسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء، إنما هذه صيانة للعلم. وبيان هذا أنه لو خرج العالم إلى الناس مكشوف الرأس أو في يده كسرة يأكلها قل عندهم وإن كان مباحاً، فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية. فلا ينبغي للعالم أن ينبسط عند العوام حفظاً لهم، ومتى أراد مباحاً فليستتر به عنهم. وهذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب ﵁ قد قدم الشام راكباً على حمار ورجلاه من جانب، فقال: يا أمير المؤمنين! يتلقاك عظماء الناس. فما أحسن ما لاحظ! إلا أن عمر ﵁ أراد تأديب أبي عبيدة بحفظ الأصل

стр. 107

فقال: إن الله أعزكم بالإسلام، فمهما طلبتم العز في غيره أذلكم. والمعنى: ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين لا بصور الأفعال، وإن كانت الصور تلاحظ؛ فإن الإنسان يخلو في بيته عرياناً، فإذا خرج إلى الناس لبس ثوبين وعمامة ورداء. ومثل هذا لا يكون تصنعاً ولا ينسب إلى كبر. وقد كان مالك بن أنس يغتسل ويتطيب ويقعد للحديث. ولا تلتفت يا هذا إلى ما ترى من بذل العلماء على أبواب السلاطين، فإن العزلة أصون للعالم والعلم، وما يخسره العلماء في ذلك أضعاف ما يربحونه. وقد كان سيد الفقهاء سعيد بن المسيب لا يغشى الولاة، وعن قول هذا سكتوا عنه، وهذا فعل الحازم. فإن أردت اللذة والراحة فعليك أيها العالم بقعر بيتك، وكن معتزلاً عن أهلك يطب لك عيشك، واجعل للقاء الأهل وقتاً، فإذا عرفوه تصنعوا للقائك، فكانت المعاشرة بذلك أجود. وليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه، وتحادث سطور كتبك، وتجري في حلبات فكرك. واحترس من لقاء الخلق وخصوصاً العوام. واجتهد في كسب يعفك عن الطمع، فهذه نهاية لذة العالم في الدنيا. وقد قيل لابن المبارك: ما لك لا تجالسنا؟ فقال: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين، وأشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه. ومتى رزق العالم الغني عن الناس والخلوة، فإن كان له فهم يجلب

стр. 108

التصانيف فقد تكاملت لذته، وإن رزق فهماً يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات. نسأل الله همة عالية تسمو إلى الكمال، وتوفيقاً لصالح الأعمال، فالسالكون طريق الحق أفراد (١). قال ابن مسعود: لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله؛ فإنه يبقى ويذوب ما سواه (٢). أيها المسلم: لقد كان همهم من هذا العلم إيصال الحق ونشره، فلا حظوظ للنفس، ولا مباهاة بالعلم، ولا جدالاً ومراء، ولا استعلاء وزهواً. قال الشافعي: ما نظرت أحداً فأحببت أن يخطئ (٣). كان مالك يقول: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل (٤). وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: المراء في الدين يقسي القلب، ويورث الضغائن.

стр. 109

وقال الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم -يعني كتبه- على أن لا ينسب إلي منه شيء (١). وهذه الصفات الحميدة والأخلاق السامية تزينها وتجملها صفات عملية في مجالسهم، فهي وإن كانت طاعة لله أولاً فإنها تربية عملية لتلاميذهم وطلابهم. قال مسلم بن جنادة: جالست وكيعاً (ابن الجراح) سبع سنين فما رأيته بزق ولا مس حصاة، ولا جلس مجلسه فتحرك، ولا رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله (٢). وقال الحسن: اطلبوا العلم، وزينوه بالوقار والحلم (٣). وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: ضحكت مرة وأنا من النادمين على ذلك، وذك أني ناظرت عمرو بن عبيد القدري، فلما أحسست بالظفر ضحكت، فقال لي: تتكلم في العلم وتضحك، فلا أكلمك أبداً. وأنا من النادمين على ذلك، إذ لو لم يكن ضحكي لرددته إلى قولي، فكان في ذلك صلاح العلم (٤). وإذا كان الله بمنه وتوفيقه قد جمع للعالم علماً وخلقاً، فهل يليق به أن يتنكر لذلك ويترك الناس على جهلهم وقلة علمهم، أم أنه من ورثة الأنبياء الذين يبلغون الرسالة ويؤدون الأمانة؟ !

стр. 110

قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه (١). أخي الحبيب: كم لدينا ممن معهم من العلم ما يكفي لإلقاء الدروس والمواعظ؟ بل كم لدينا ممن يحسنون قراءة الفاتحة وقصار السور ونرى حولهم من كبار السن من يجهلون أم الكتاب؟ ! ولكن أين هم؟ ! وهل يعذرون أمام الله ؟ ! قال أبو بكر بن عياش: الدخول في العلم سهل، ولكن الخروج منه إلى الله شديد (٢). وعندما سئل يحيى بن معين: أيفتي الرجل إذا كان حافظاً لمائة ألف حديث؟ قال: لا، قلت: ومن مائتي ألف حديث؟ قال: لا، قلت: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قلت: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو، أي إذا كان حافظاً خمسمائة ألف حديث يفقهها وأحكامها فهذا هو العالم حقاً الذي ينبغي أن يعتد بقوله ويعمل بفتواه. وروى ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد عن عبد الرحمن البغوي قال: مر علي أحمد بن حنبل جائياً من الكوفة ومعه كيس فيه كتب فقلت له: إلى متى وأنت تطلب العلم؟ إذا كتب الرجل ثلاثين ألف حديث ألا يكفيه ذلك؟ فسكت عني، فقلت: ستين ألف؟ فسكت عني، فقلت: مائة ألف حديث؟ فقال أحمد: إذا كتب مائة ألف حديث

стр. 111

فحينئذ يكون قد عرف شيئاً من العلم. هذه هي بعض صفات العلماء فقل لي بربك: كم شخصاً في هذا الزمان يستحق أن يلقب بالعالم؟ وإذا أردت أن تعرف من هم العلماء؟ فاستمع إلى الشعبي ﵀ وهو يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء قط إلا حفظته، وما سمعت من رجل حديثاً فأردت أن يعيده علي، وإني الآن لكأني أنظر إلى أكثر من سبعين ألف حديث في كتابي (١). هؤلاء حقاً هم العلماء وهم الحفاظ! ثم تأمل قلة عدد العلماء من بين سائر أفراد الأمة ثم هؤلاء العلماء، ما أقل العاملين فيهم بعلمهم الذين يرى عليهم! استمع إلى مكانة أهل العلم في قلوب الناس يحدثك عنها الإمام أبو هلال العسكري فيقول: إذا كنت أخي ترغب في سمو القدر ونباهة الذكر، وارتفاع المنزلة بين الخلق، وتلتمس عزاً لا تثلمه الأيام والليالي، وإذا كنت تلتمس هيبة من غير سلطان، وغنى من غير مال، ومنعة بغير سلاح، وعلاء من غير عشيرة، وأعواناً بغير أجر، وجنداً بلا ديوان وفرض «أي راتب» فعليك بالعلم، فاطلبه في مظانه تأتيك المنافع عفواً، وتلق ما يعتمد منها صفواً، واجتهد في تحصيله ليالي قلائل، ثم تذوق حلاوة الكرامة مدة عمرك. واستمع إلى هذه القصة العجيبة التي تروى عن الوزير نظام الملك، فقد كان يملي الحديث على الناس في الري مع كونه وزيراً، فلما فرغ قال: إني أعلم أني لست أهلاً لما أقوم به من إملاء حديث رسول الله

стр. 112

- ﷺ ، لكني أريد أن أربط نفسي على قطا نقلة حديث رسول الله ﷺ . ولقد بلغ من إجلال الناس لأهل العلم، أن أولاد الخليفة كانوا يقدمون للعالم حذاءه إذا أراد الانصراف؛ فقد كان الفراء يعلم ويؤدب ولدي الخليفة المأمون، فلما كان ذات يوم قام الفراء لينصرف، فاستبق ولدا الخليفة إلى نعليه، كل منهما يريد أن يقدمها له، فتنازعا أيهما يقدمها له، ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهم فردة، فقدماها. ووصل الخبر إلى الخليفة المأمون، فاستعدى الفراء، فلما دخل عليه قال له المأمون: من أعز الناس؟ فقال: ما أعرف أحداً أعز من أمير المؤمنين، فقال المأمون: بلى، من إذا نهض تقاتل ولياً عهد المسلمين على تقديم نعليه إليه، حتى رضي كل منهما أن يقدم فردة، فقال الفراء: لقد أردت منعهما من ذلك، فقال المأمون: لو منعتهما لغضبت عليك، ولقد زاد ما فعلاه من شرفهما عندي (١). وهذا أسد بن الفرات ﵀ أحد القادة الفاتحين رحل وهو في الثامنة عشرة من عمره إلى المدينة، وسمع كتاب الموطأ على الإمام مالك، ثم رحل إلى العراق ودرس عند محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، ثم رحل إلى مصر، ثم رجع إلى بلدة القيروان وتولى منصب القضاء، وفي عام ٢١٢ هـ ولاه الأمير قيادة الجيش الإسلامي المتوجه لغزو صقلية، فلما خرج الجيش خرج الناس يودعونه في موكب عظيم، فلما رأى أسد بن الفرات الناس أمامه وخلفه يودعونه خطبهم فحمد الله ثم قال: يا معشر الناس! لا

стр. 113

إله إلا الله وحده لا شريك له والله ما ولي لي أب ولا جد ولاية قط، ولا أحد من سلفي رأى هذا قط (يعني الاحترام والتكريم) وما رأيت ما ترون إلا بالأقلام، فأجهدوا أنفسكم، وأتبعوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه، واصبروا على شدته؛ فإنكم تنالون به خيري الدنيا والآخرة. واستمع إلى الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه «مفتاح دار السعادة» وهو يحدثك عن سلطان العلم وهيبته وعزته في النفوس والقلوب فيقول: سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد، فإن الحجة تنقاد لها القلوب، وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده، بل سلطان الجاه إذا لم يكن معه علم يساس به فهو بمنزلة سلطان السباع والأسود ونحوها، قدرة بلا علم ولا رحمة، بخلاف سلطان الحجة فإنه قدرة بعلم ورحمه وحكمة. وسلطان العلم نراه واقعاً ملموساً في حياتنا لا يحتاج إلى بسط وإيضاح، فمن يذهب للعلماء للسلام عليهم أكثر بكثير ممن يذهب إلى الوزراء والحكام وغيرهم من أهل الدنيا! ! قال سالم ابن أبي الجسد: اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم وأعتقني فقلت: بأي شيء أحترف؟ فاحترفت العلم، فما تمت لي سنة حتى أتاني أمير المدينة زائراً فلم آذن له (١). وقال حماد بن سليمان: دخلت على حماد بن سلمة، فإذا ليس في

стр. 114

البيت إلا حصير، وهو جالس وفي يده مصحف يقرأ فيه وجراب فيه علمه، ومطهرة يتوضأ منها، فبينما أنا جالس إذ دق الباب، فقال حماد: يا حبيبة! اخرجي فانظري من هذا؟ فقالت: رسول محمد بن سليمان إلى حماد بن سلمة، فأذن له فدخل، فقال بعد أن سلم: أما بعد، فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، وقعت مسألة، فأتنا نسألك عنها والسلام، فقال: يا حبيبة! هلم الدواة، ثم قال لي: اقلب كتابه واكتب: أما بعد، فأنت صبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحداً، فإن وقعت لك مسألة فأتنا وسل ما بدا لك، فإن أتيتني فلا تأتني بخيلك ورجالك، فلا أنصح لك ولا أنصح إلا نفسي، والسلام. فبينما أنا جالس إذ دق الباب، فقال: يا حبيبة! اخرجي فانظري من هذا؟ قالت: محمد بن سليمان. قال: قولي له يدخل وحده، فدخل وجلس بين يديه ثم ابتدأ فقال: ما لي إذا نظرت إليك امتلأت منك رعباً؟ قال حماد: حدثني ثابت البناني قال: سمعت أنساً يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، وإذا أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء». فقال: ما تقول رحمك الله في رجل له ابنان وهو عن أحدهما أرضى، فأراد أن يجعل له في حياته ثلثي ماله؟ فقال حماد: لا يفعل رحمك الله، فإني سمعت أنساً يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله أن يعذب عبداً من عباده في حياته وفقه إلى وصية جائرة» فعرض عليه مالاً فلم يقبل وخرج.

стр. 115

وقال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح عشرين سنة! وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم خيل إلينا أنه مؤيد. وكان أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمي! ففي جسمه ستة عيوب، ولكنه كان ركناً من أركان العلم والدين والصلاح والقدوة، وكان ثقة فقيهاً، حج نيفا على سبعين حجة (١). قال الزبير بن أبي بكر: كتب إلي أبي وهو بالعراق يقول لي: عليك بالعلم؛ فإنه إن افتقرت كان لك مالاً، وإن استغنيت كان لك جمالاً. وقد جمع معاذ بن جبل ﵁ فضائل العلم فقال: تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، ألا إن العلم سبيل منازل أهل الجنة، وهو المؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء، والمعين على الضراء، والزين عند الأخلاء، والسلام على الأعداء، يرفع الله له أقواماً فيجعلهم في الخير قادة أئمة، تقتفى آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسهم، ويصلي عليهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوام الأرض وسباع البر والبحر والأنعام، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، ويبلغ بالعبد منازل الأخيار والأبرار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه

стр. 116

يعدل بالصيام، ومذاكرته تعدل بالقيام، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام والعمل تابعه، ويلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء (١). وقال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك (٢). وكان سليمان بن حرب أحد شيوخ الإمام البخاري، قد وضع له منبر خاص في بغداد على مقربة من قصر الخلافة، في مكان مرتفع، لكي يجلس عليه، ويملي الأحاديث، وكان أمير المؤمنين مأمون الرشيد وجميع أفراد الخلافة يحضرون مجلسه، وكل كلمة كانت تخرج من فم سليمان بن حرب يكتبها أمير المؤمنين بيده، وقد عد الحاضرون فكان أربعين ألف نسمة (٣). أما أهمية العلم والعلماء وحاجة الناس إليهما فهو كما ذكره الإمام أحمد بن حنبل: الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبز والماء؛ لأن العلم يحتاج إليه في كل ساعة، والخبز والماء في كل يوم مرة أو مرتين (٤). ولذلك قال ابن القيم في مدح الفقهاء والعلماء: فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال من الحرام،

стр. 117

فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدى في الظلماء، حاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄ في إحدى الروايتين عنه، وجابر بن عبد الله، والحسن البصري وأبو العالية، وعطاء والضحاك، ومجاهد في إحدى الروايتين عنه: أولو الأمر هم العلماء. وقال أبو هريرة ﵁: هم الأمراء. وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس. والتحقيق: أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء (١). إذا كانت هذه منزلتهم وهذه مكانتهم فإن الأمر في طاعتهم ومحبتهم كما قال علي ﵁: ومحبة العالم دين يدان بها. وكثير من جهلة الناس اليوم يثنون أبناءهم عن دراسة العلوم الشرعية وأنها لا فائدة منها، وما علموا أنها أساس الفلاح والصلاح! ! ولو رأوا حال أصحاب العلوم الأخرى لما فعلوا. فهذا الوزير، وذاك القائد، وكأن على رؤوسهم الطير إذا دخل في المجلس عالم. فالناس تتجه له وتسأله وتنسى الوزير والكبير. أليس كذلك؟ ! ! قال سهل التستري: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم سكارى إلا العاملون بالعلم، والعاملون مغرورون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر. قال الإمام الآجري: فما ظنكم -رحمكم الله- بطريق فيه آفات

стр. 118

كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس، لابد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبد به خلقه إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحير الناس، ودرس العلم بموتهم، وظهر الجهل (١). واستمع إلى أبي الوفاء ابن عقيل وهو يصف ما لأهل العلم عند الله تعالى فيقول: حاشا المبدئ الخالق لهم على تلك الأشكال والعلوم، أن يرضى لهم بتلك الأيام اليسيرة، لا والله لا رضي لهم إلا بضيافة تجمعهم على مائدة تليق بكرمه سبحانه، نعيم بلا ثبور، وبقاء بلا موت، واجتماع بلا فرقة، ولذات بغير نغصة. بل لقد بلغ من شرف العلم عند الناس أن ملوك الأرض وسلاطينها كانوا يتمنون أن يكونوا من أهل العلم، فمن ذلك ما رواه ابن عساكر عن محمد بن سلام الجمحي قال: قيل للخليفة المنصور: هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تحصله؟ فقال: بقيت خصلة أن أقعد على سرير المدرس وحولي طلاب الحديث فيقول المستملي: حدثنا، فأقول: حدثنا فلان عن فلان ..... عن رسول الله ﷺ ، قال محمد بن سلام: فلما كان الصباح غدا الوزراء وأبناؤهم، ومعهم المحابر والدفاتر، ودخلوا

стр. 119

على المنصور ليكتبوا عنه الحديث ويحققوا له ما تمناه، فلما رآهم المنصور قال: لستم بأصحاب الحديث الذين أريدهم إنما هم الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الرحالون في البلدان (١). قال الأعمش: إذا رأيت الشيخ لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث فاصفع له (أي الطمه)، فإنه من شيوخ القمراء، قيل: وما شيوخ القمراء؟ قال أبو جعفر: هم شيوخ دهريون، يجتمعون في ليالي القمر، يتذاكرون أيام الناس ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ للصلاة (٢). وقال مبيناً قدر نفسه وقدر العلم الذي يحمله والذي رفع قدره وأنزله منزلة عالية: لولا القرآن وهذا العلم عندي لكنت من بقالي الكوفة (٣). قال المزني: كان الشافعي ﵀ إذا رأى شيخاً (أي كبير السن) سأله عن الحديث والفقه، فإن كان عنده شيء من العلم سكت عنه وإلا قال له: لا جزاك الله خيراً عن نفسك ولا عن الإسلام، قد ضيعت نفسك وضيعت الإسلام (٤). والعلماء لهم سهام من حديث الرسول ﷺ ، يجري لهم الخير حتى بعد موتهم لما نشروه من العلم وما بينوه للناس. قال رسول الله ﷺ : «إذا مات الإنسان (وفي رواية ابن آدم) انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.

стр. 120

قال كميل النخعي: خرجت مع علي بن أبي طالب ﵁ إلى الجبانة (أي الخلاء) فقال لي: يا كميل! الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وسائر الناس همج رعاع؛ أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح. العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. وكان الإمام البخاري كلما حل مدينة أو نزل أرضاً كان المسلمون يزدحمون حوله حيث يفوق الوصف والبيان. وكان الناس بعد ما سمعوا تلك الأوصاف الخارقة التي وهبها الله لهذا الإمام الجليل؛ من فقه عديم النظير، وذاكرة خارقة، وتبحر في العلم، كانوا يتمنون رؤيته. فإذا نزل مكاناً تجمعوا حوله بحيث لا يكاد يوجد موضع قدم من شدة الزحام وكثرة الناس. ولما رجع إلى بخارى عائداً من رحلته الدراسية نصبت له القباب على فرسخ من البلد واستقبله عامة أهل البلد، حتى لم يبق مذكور إلا ونشر عليه الدراهم والدنانير. وجرى معه مثل هذا في نيسابور. قال الإمام مسلم: لما قدم محمد بن إسماعيل (البخاري) نيسابور ما رأيت والياً ولا عالماً فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث (١). وكان الإمام عاصم بن علي يجلس على سطح في رحبة النخل

стр. 121

خارج بغداد، وكان مستميله هارون يركب نخلة معوجة، وذات مرة أرسل الخليفة المعتصم بالله من يحرز له عدد الحاضرين في مجلسه، فكان عددهم عشرين ومائة ألف (١). وكانت طريقة إيصال العلم عن طريق الشيخ بوجود من يبلغ ما قال حتى ينقطع الصوت، ويقوم بهذا العمل عدد من المستملين. ولما قدم أبو مسلم الكجي بغداد أملى في رحبة غسان، فكان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد منهم الآخر، ويكتب الناس عنه قياماً، ثم مسحت الرحبة، وحسب من حضر بمحبرة، فبلغ ذلك نيفاً وأربعين ألف خبرة سوى النظارة. وأما الذين كانوا يسمعون فقط ولا يكتبون، كانوا خارجين من عدادهم (٢). قال الفربري: إن تسعين ألف رجل أخذ من البخاري صحيحه في حياته واستجازوه روايته. نعم تسعون ألفاً أخذوا إجازة في الحديث من الإمام البخاري ﵀، واليوم كم لدينا من قرأ صحيح البخاري نظراً ... بل جزءاً منه؟ ! قال يحيى بن جعفر: إن مجلس علي بن عاصم كان يحضره ثلاثون ألف نسمة (٣).

стр. 122

ولما جاء يزيد بن هارون ودرس في بغداد قدر عدد الحاضرين بسبعين ألف نسمة. وعندما عقد الفريابي أحد شيوخ الإمام البخاري مجلس إملائه في بغداد كان عدد المستملين ثلاثمائة وستة عشر الذين كانوا يبلغون لفظ الشيخ للناس، وقدر عدد الحاضرين بثلاثين ألفاً (١). قال الله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ فهل يستوي العالم والجاهل؟ ! وكل ضرر يصيب العبد في دنياه أو أخراه سببه الجهل، ولذا أخبر الله تعالى أن الجهال هم شر الدواب فقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ بل جعل الله الجهال بمنزلة العميان الذين لا يبصرون فقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَّعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ فالجهل أصل الأخلاق الرديئة من الكبر والفخر والظلم والفساد في الأرض. وقد توعد الله من أعرض عن العلم الواجب عليه وعن تعلمه بوعيد شديد فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال ابن القيم ﵀ والمعنى أن من نسي ربه أنساه الله ذاته ونفسه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، فصار معطلاً مهملاً بمنزلة الأنعام

стр. 123

السائبة، بل ربما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه. ونسيان الإنسان لربه بمعنى إعراضه عن دينه وتركه لتعلم شرعه وأوامره. واستمع إلى الإمام ابن القيم وهو يبين لك حال الجاهل فيقول: العلم حياة ونور، والجهل موت وظلمة، والإنسان إنما يتميز عن غيره من الحيوانات بفضيلة العلم والبيان، وإلا فغيره من الدواب والسباع أكثر أكلاً منه وأقوى بطشاً، وإنما ميز على الحيوانات بعلمه، فإذا عدم العلم بقي معه القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب وهي الحيوانية المحضة فلا يبقى فيه فضل عليهم. والمقصود أن الإنسان إذا لم يكن له علم بما يصلحه في معاشه ومعاده كان الحيوان البهيم خيراً منه لسلامته في المعاد مما يهلكه دون الإنسان الجاهل. ورحم الله من قال: فليجتهد رجل في العلم يطلبه ... كيلا يكون شبيه الشاء والبقر قال عمر بن الخطاب: إن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة، فإذا سمع العالم خاف، واسترجع عن ذنوبه، وانصرف إلى منزله وليس عليه ذنب. فلا تفارقوا مجالس العلماء؛ فإن الله لم يخلف على وجه الأرض تربة أكرم من مجالس العلماء (١). قال الإمام أحمد: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ وذلك لأن الرجل قد يحتاج إلى الطعام والشراب مرة أو

стр. 124

مرتين، أما حاجته للعلم فهي بعدد أنفاسه (١). قال الحسن ﵀: لولا العلماء لصار الناس كالبهائم (٢). يا طلاب العلم: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في السماء وتخفون على أهل الأرض. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يا أبي! أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال لي: يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو منهما عوض؟ (٣). وقال كعب الأحبار: لو أن ثواب مجالس العلماء بدا للناس لاقتتلوا عليه حتى يترك كل ذي إمارة إمارته وكل ذي سوق سوقه (٤). وقال سفيان الثوري: العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين، فإذا اجتر الطبيب الداء إلى نفسه، فمتى يداوي غيره؟ (٥). ونحن نسير في رحاب العلماء، وهم ملء السمع والبصر ماضياً وحاضراً، نسترشد بقول الإمام أبي حنيفة ﵀: الحكايات عن

стр. 125

العلماء ومحاسنهم أحب إلي من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم (١). وقد حدد وضح العلماء منهج الطلب وسير المجد فقال سفيان الثوري: أول العبادة الصمت، ثم طلب العلم، ثم العمل به، ثم حفظه، ثم نشره (٢). ثم بعد كل هذا انظر وتأمل واعتبر في قول أحدهم. قال أبو عمرو بن العلاء: ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن له في الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم، وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون فيها، وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم، وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس (٣).

стр. 126

توقير العلماء واحترامهم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا جلوساً في المسجد إذ خرج رسول الله ﷺ فجلس إلينا فكأن على رؤوسنا الطير لا يتكلم أحد منا (١). وهذا عبد الله بن عباس ﵄، مع جلالته ومنزلته، كان يأخذ بركاب دابة زيد بن ثابت الأنصاري ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا (٢). وكان كثير من السلف يقول: ما صليت إلا ودعيت لوالدي ولمشايخي جميعاً (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا كان الرجل قد علمه أستاذ؛ عرف قدر إحسانه إليه وشكره (٤). فلا يجتمع التعلم مع الكبر، ولا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٥). قال الغزالي: ومعنى كونه ذا قلب أن يكون قابلاً للعلم والفهم، ثم

стр. 127

لا تعنيه القدرة على الفهم حتى يلقي السمع وهو شهيد حاضر القلب؛ ليستقبل كل ما ألقي إليه بحسن الإصغاء والضراعة والشكر والفرح وقبول المنة. وليكن المتعلم لمعلمه كأرض دمثة ـ أي لينة سهلة ـ نالت مطراً غزيراً فتشربت جميع أجزائها وأذعنت لقبوله، ومهما أشار إليه المعلم بطريق في التعلم فليتبعه، وليترك رأيه، إذ التجربة تطلع على دقائق يستغرب سماعها مع أنه يعظم نفعها. فكم من مريض محرور يعالجه الطبيب في بعض أوقاته بالحرارة ليزيد في قوته إلى حد يحتمل صدمة العلاج فيعجب منه من لا خبرة له به (١). وهذا الإمام مالك ﵀ قال لفتى من قريش: يا ابن أخي! تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم (٢). وهذا الليث بن سعد لما أشرف على أصحاب الحديث فرأى منهم شيئاً فقال: ما هذا؟ ! أنتم إلى يسير من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم (٣). وقد قال الإمام الشافعي: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح (٤). اصبر على مر الجفا من معلم ... فإن رسوب العلم في نفراته ومن لم يذق مر التعلم ساعة

стр. 128

تجرع ذل الجهل طول حياته ومن فاته التعليم وقت شبابه ... فكبر عليه أربعاً لوفاته (١) قال الربيع بن سليمان صاحب الشافعي وتلميذه المشهور: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له. قال أحمد بن حنبل: لزمت هشيماً (ابن بشير) أربع سنين ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له (٢). ولذا ينبغي للمستفتي أن يحفظ الأدب مع المفتي، ويبجله في خطابه وسؤاله، ونحو ذلك، ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يقول له: ما تحفظ في كذا وكذا؟ وما مذهب إمامك الشافعي في كذا وكذا؟ ولا يقل إذا أجابه: هكذا قلت أنا أو كذا وقع لي، ولا يقل له: أفتاني فلان، أو أفتاني غيرك بكذا وكذا، ولا يقل إذا استفتى في رقعة: إن كان جوابك موفقاً لما أجاب فيها فاكتبه، وإلا فلا تكتب (٣). وما ذاك إلا لمعرفة قدرهم وجمع شملهم، والاستفادة من علمهم بحسن الأدب والتلطف في السؤال. بل لقد كان الشافعي يقول: إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث كأني رأيت رسول الله ﷺ (٤).

стр. 129

العلم ميراث النبي كما أتى ... في النص والعلماء هم ورثه ما خلف المختار غير حديثه فينا ... فذاك متاعه وأثاثه والهدى الصالح قبس ونور من مشكاة النبوة، فقد روى عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال: «إن الهدى الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة» (١). قال يحيى بن معاذ: العلماء أرحم بأمة محمد ﷺ من آبائهم وأمهاتهم، قيل: كيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، وهم يحفظونهم من نار الآخرة (٢). وعندما مر أعرابي وابن مسعود يعلم ويحدث طلابه وهم حوله مجتمعون قال الأعرابي: علام اجتمع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: على ميراث محمد ﷺ يقتسمونه بينهم (٣). وقال أبو داود الطيالسي: لولا هذه العصابة (أي الفئة والجماعة وهم أهل العلم) لا ندرس الإسلام. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: وينبغي للمتعلم أن يحسن الأدب مع معلمه، ويحمد الله إذ يسر له من يعلمه من جهله، ويحييه من موته، ويوقظه من سنته، وينتهز الفرصة كل وقت في الأخذ عنه، ويكثر من الدعاء له حاضراً وغائباً؛

стр. 130

فإن النبي ﷺ قال: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم كافأتموه». وأي معروف أعظم من معروف العلم والنصح والإرشاد؟ ! فكل مسألة استفيدت عن الإنسان فما فوقها حصل بها نفع لمتعلمها وغيره فإنه معروف وحسنات تجري لصاحبها، وقد أخبرني صاحب لي كان قد أفتى في مسألة في الفرائض، وكان شيخه قد توفي، أنه رآه في المنام يقرأ في قبره، فقال: المسألة الفلانية التي أفتيت فيها وصلني أجرها (١). وهذا أمر معروف في الشرع، «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». أخي المسلم: طلب العلم متيسر وقريب المنال. ومن تلك السبل: ١ - الالتحاق بالكليات الشرعية. ٢ - حضور الدورات الشرعية التي تعقد بين حين وآخر. ٣ - المداومة على دروس العلماء فهي بلسم للجروح ودواء للمرضى. ٤ - سؤال العلماء مقابلة أو مهاتفة. ٥ - مصاحبة الأخيار والصالحين. ٦ - زيارة العلماء والاستماع إلى علمهم ونصحهم. ٧ - قراءة مؤلفات السلف الصالح والسؤال عما أشكل عليك فيها. ٨ - الاستماع إلى أشرطة الدروس العلمية لعلمائنا الأجلاء. ولا تكن كمن قيل له:

стр. 131

جهلت فعاديت العلوم وأهلها ... كذا يعادي العلم من هو جاهله ومن كان يهوى أن يرى متصدرا ... ويكره «لا أدري» أصيبت مقاتله (١) ذكر أن إبراهيم بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه، فقال: يا عم، ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، شغلونا في الصغر، واشتغلنا في الكبر، فقال: لم لا تتعلمه اليوم؟ قال: أويحسن بمثلي طلب العلم؟ قال: نعم، والله لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تعيش قانعاً بالجهل (٢). أخي الحبيب: قال سهل بن عبد الله: اجهدوا أن لا تلقوا الله إلا ومعكم المحابر (٣). وعليكم بقول ابن المبارك عندما سئل: لو أوحي إليك أنك ميت العشية، ما أنت صانع اليوم؟ قال: أطلب فيه العلم (٤). وحينما رأى بعض الحكماء رجلاً قد جلس على كتاب، فقال: سبحان الله! يصون ثيابه ولا يصون كتابه، لصون الكتاب أولى من صون الثياب (٥).

стр. 132

كان أيوب السختياني إذا بلغه موت رجل من أصحاب الحديث، حزن لذلك حتى يرى أثره فيه، وإذا بلغه موت عابد لم ير ذلك فيه (١). ويقال: العلماء سراج الأزمنة، فكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره. فكن سراج زمانك، بل وسراج بيتك، وسراج نفسك (٢). وقال أبو الدرداء: وكأنه يطل على كثير من الناس في زماننا هذا: اطلبوا العلم فإن لم تطلبوه فحبوا أهله، فإن لم تحبوهم فلا تبغضوهم (٣). قال علي بن أبي طالب: العالم أفضل من الصائم القائم الساجد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه (٤). ومع كل هذه المنزلة والمكانة للعالم فإن ذلك لم يتم له إلا بعد تيسير الله له وتوفيقه عليه كما قال الشافعي: ينبغي للفقيه أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله، وشكراً له (٥).