أبا نصر الزيني، ليسمع منه حديث علي بن الجعد عن شعبة، فلما وصل بغداد تلقاه نبأ وفاة أبي نصر الزيني، فبكى أبو سعد وجعل يقول: من أين لي علي بن الجعد عن شعبة؟
وكتب أبو علي الفارسي مجموعة من كتب العلم بيده، ثم إنه جاء حريق فالتهم تلك الكتب، فبقي أبو علي شهرين كاملين لا يكلم أحداً، من شدة الهم والحزن على هذه المصيبة، وبقي مدة ذاهلاً متحيراً من هذه الصدمة، ثم صبره الله وعاد إلى رشده.
وفقد الكتاب كفقد الصواب ... فيا هول من قد أضاع الكتب
وقديماً قالوا: كتابك الذي تكتبه بيدك هو ولدك المخلد بعد موتك.
وأما هموم الناس اليوم فهي هموم الدنيا وجمع حطامها؛ يصبح الكثير من الناس ويمسي وهو مهموم مغموم من دينار فاته أو درهم خسره.
ونتحدث عن الحماسة لطلب العلم الشرعي، لأننا في زمان ماتت فيه الهمم، وضعفت فيه العزائم، وقلت فيه رغبة الناس في تحصيل العلم الشرعي.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من الكتاب، فأبيت ساهراً الليل كله فرحاً مني بتلك الفائدة.
وبات محمد بن أحمد النسفي ليلة قلقاً حزيناً لما أصابه من الفقر وركبه من الدين، وكانت قد أشكلت عليه مسألة فقهية لم يعرف جوابها، ففكر فيها في ظلام الليل وهو مهموم حزين ففتحها الله
عليه وعرف جوابها، فقام يدور في غرفته ويتمايل طرباً، ويقول: أين
стр. 72
الملوك وأهل الدنيا؟ فتعجب امرأته من حاله، وظنت أنه قد وجد سبيلاً للحصول على مال يسد به فقره، فسألته: ما لك؟ فأخبرها الخبر؛ فتعجبت وحزنت.
وعندما سئل الإمام الشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ فقال: أسمع بالحرف من العلم لم أسمعها من قبل، فتود أعضائي أن لها آذاناً تتنعم بها بهذه الكلمة كما تنعمت بها أذناي، فقيل له: كيف حرصك على تحصيل العلم؟ فقال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال. فقيل له: فكيف طلبك للعلم؟ فقال: كطلب المرأة التي أضاعت ولدها وليس لها ولد سواه.
وقالوا لبعض السلف: من يؤنسك؟ قال: فضرب بيديه على كتبه وقال: هذه، فقالوا: من الناس؟ قال: الناس الذين فيها.
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (١).
стр. 73
قال الخطيب البغدادي:
جمع رسول الله ﷺ في هذا الحديث مراتب الفقهاء والمتفقهين من غير أن يشذ منها شيءٌ؛ فالأرض الطيبة: هي مثل الفقيه الضابط لما روى، الفاهم للمعاني، المحسن لرد ما اختلف فيه إلى الكتاب والسنة، والأجادب الممسكة للماء التي يستقي منها الناس هي مثل الطائفة التي حفظت ما سمعت فقط، وضبطته وأمسكته، حتى أدته إلى غيرها محفوظاً غير مغيرٍ، دون أن يكون لها فقه تتصرف فيه ولا فهمٌ بالرد المذكور وكيفيته، لكن نفع الله بها في التبليغ، فبلغت إلى من لعله أوعى منها كما قال رسول الله ﷺ : «رب مبلغٍ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه».
ومن لم يحفظ ما سمع ولا ضبط فليس مثل الأرض الطيبة ولا مثل الأجادب، بل هو محروم، ومثله مثل القيعان التي لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء.
ومع تيسير السبل وسهولة طلب العلم كم فينا من المحرومين منه والغافلين عنه؟ !
رحل أسد بن الفرات ﵀ إلى محمد بن الحسن الشيباني، ولما حضر عنده، قال له: إني رجل غريب قليل النفقة والسماع منك قليل، والطلبة عندك كثير، فقال له محمد بن الحسن: اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك فتبيته عندي وأحدثك بالعلم، قال أسد: فكنت أبيت الليل في منزل محمد بن الحسن، فينزل إلي ومعه قدح من الماء، ثم يأخذ ويبدأ في القراءة من كتب العلم
وأنا أستمع إليه، فإن طال الليل ونعست ملأ بالماء ونضح به
стр. 74
وجهي فأنتبه، وهكذا عدة مرات في الليل، حتى أنهيت ما أريد سماعه منه، وكان محمد بن الحسن يتعهد أسد بن الفرات بالنفقة حين علم أن نفقته قد انتهت.
﵏. لقد صدق عليهم حديث الرسول ﷺ حيث رفعوا للأمة رأساً وللعلم مناراً.
يا طالب العلم باشر الورعا ... وباين النوم، واهجر الشبعا
ما ضر عبداً صحت إرادته ... أجاع يوماً في الله أو شبعا (١)
قال الحميدي: خرجت مع الشافعي إلى مصر، فكان هو ساكناً في العلو، ونحن في الأوساط، فربما خرجت في بعض الليل فأرى المصباح فأصيح بالغلام فيسمع صوتي فيقول: بحقي عليك ارق، فأرقى فإذا قرطاس وحبر، فأقول: مه يا أبا عبد الله، فيقول: تفكرت في معنى حديث أو في مسألة فخفت أن يذهب علي فأمرت بالمصباح وكتبته (٢).
قال أبو زكريا يحيى بن محمد: دخلت على أبي: محمد بن يحيى الذهلي في الصيف الصائف وقت القائلة، وهو في بيت كتبه، وبين يديه السراج، فقلت: يا أبه! ، هذا وقت الصيف، ودخان هذا السراج بالنهار يضرك! فلو نفست عن نفسك؟ فقال لي: يا بني! تقول لي هذا وأنا مع رسول الله ﷺ ومع أصحابه والتابعين؟ ! (٣).
стр. 75
أيها الحبيب ..
هذه هي مجالسهم وأولئك جلساؤهم.
مجالسهم مثل الرياض أنيقة ... لقد طاب منها الريح واللون والطعم
قال أبو بكر النيسابوري مخبراً عن نفسه: لقد أقمت أربعين سنة لا أنام الليل إلا جاثياً، وصليت الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وهذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، إيش أقول لمن زوجني، ثم قال: ما أراد إلا الخير (١).
وكان هذا السهر والنصب ألذ عند السلف من سائر ملذات الدنيا، ولذا قال قائلهم:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي ... من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طرباً لكل عويصة ... أشهى من النغمات للعشاق
وألذ من نقر الفتاة لدفها ... نقري لألقي الرمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدجى وتبيته ... نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي؟
سأل طلبة العلم ابن برهان أحمد بن على البغدادي أن يخصص لهم وقتاً ليدرسهم فيه أحد الكتب فقال لهم: لا أجد لكم وقتاً، فكانوا
كلما حددوا له وقتاً قال لهم: أنا في هذا الوقت مشغول بمذاكرة
стр. 76
الدرس الفلاني. فانتهى بهم البحث إلى أن حددوا لهم درساً معه في نصف الليل (١).
قال إبراهيم النخعي: إنه ليطول علي الليل حتى ألقى أصحابي فأذاكرهم (٢).
وكان وكيع بن الجراح إذا صلى العشاء ينصرف معه أحمد بن حنبل، فيقف على الباب فيتذاكران الحديث، فما يزالان يتذاكران حتى تأتي الجارية وتقول: قد طلع الكوكب (٣).
وعن ابن أبي حاتم قال: حضر قتيبة بن سعيد بغداد، وقد جاءه أحمد بن حنبل، فسأله عن أحاديث فمازالا حتى الصبح.
وقال علي بن الحسن بن شقيق: قمت مع ابن المبارك ليلة باردة ليخرج من المسجد، فذاكرني عند الباب بحديث وذاكرته، فمازال يذاكرني حتى جاء المؤذن فأذن الفجر (٤).
لقد كان هذا سهرهم وتلك رغبتهم.
قال يحيى بن أبي كثير في كلمات صادقة وحكمة مجربة: لا يستطاع هذا العلم براحة الجسد.
لا تحسب المجد تمرأ أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
قال أبو داود السجستاني: التقى وكيع وعبد الرحمن (ابن مهدي)
стр. 77
في الحرم بعد العشاء فتواقفا، حتى سمعا أذان الصبح (١).
وذكر أبو بكر محمد بن اللباد أن محمد بن عبدوس صلى الصبح بوضوء العتمة ثلاثين سنة، خمس عشرة سنة من دراسة، وخمس عشرة سنة من عبادة (٢).
أين ليل الساهين اليوم؟ ثلاثون سنة ما بين دراسة وعبادة! !
عن فضيل بن غزوان قال: كنت أجلس أنا ومغيرة بن مقسم الضبي وناس آخرون نتذاكر الفقه بعد العشاء، فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر فنذهب للوضوء.
وعلق على سهر الليل ومكابدة النوم الخطيب البغدادي فقال: وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل، وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك، وكان جماعة منهم يبدأون من العشاء فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح (٣).
قال الشاعر العالم مبيناً حبه وحرصه على الكتب والقراءة:
لمحبرة تجالسني نهاري ... أحب إلي من أنس الصديق
ورزمة كاغدٍ في البيت عندي ... أعز إلي من عدل الرفيق
ولطمة عالمٍ في الخد مني ... ألذ عليَّ من شرب الرحيق
قال بن شميل: لا يجد الرجل لذة العلم حتى يجوع وينسى جوعه (٤).
стр. 78
وقال أبو شهاب الحناط: بعثت أخت سفيان الثوري معي بجراب فيه طعام إلى سفيان، وكان سفيان آنذاك بمكة، فلما قدمت مكة سألت عن مكانه فدلوني عليه فأتيته وكان لي صديقاً، فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يهش في وجهي كالمعتاد، فقلت له: إن أختك قد بعثت إليك بجراب من الطعام، فاستوى سفيان جالساً وقال: عجل به، فلما أكل قلت له: يا أبا عبد الله، أتيتك فسلمت عليك فلم تهش في وجهي وأنا صديقك، ولما أخبرتك أن أختك قد بعثت إليك جراب طعام استويت وكلمتني وأقبلت علي، فقال سفيان: لا تلمني يا أبا شهاب، فإن لي ثلاثة أيام لم أذق فيها طعاماً، قال أبو شهاب: فعذرته (١).
أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟
قال ابن أبي حاتم الرازي: كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، نهارنا ندور على الشيوخ، وبالليل ننسخ، فأتينا يوماً أنا ورفيق لي شيخاً فقالوا: هو عليل، فرأيت سمكة أعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ فمضينا، فلم يزل السمك ثلاثة أيام وكاد ينفني، فأكلناه نياً لم نتفرغ نشويه (٢).
وقال ابن الجوزي في كتابه «صيد الخاطر» مخبراً عن حاله في أيام
стр. 79
طلبه للعلم: ولقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو أحلى عندي من العسل لأجل ما أطلب وأرجو.
ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبب
كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى ببغداد فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء (لقسوتها وصلابتها) فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق، وكنت أصبح وليس لي مأكل وأمسي وليس لي مأكل، ما أذلني الله لمخلوق قط، ولو شرحت أحوالي لطال الشرح.
ويذكر أبو حاتم ﵀ تجربة أخرى له فيقول: بقيت بالبصرة ثمانية أشهر لطلب العلم فانتهت نفقتي، فجعلت أبيع ثياب بدني شيئاً فشيئاً حتى بقيت بلا نفقة، فجعلت أطوف مع صديق لي على المشايخ، نسمع منهم الحديث فإذا جاء المساء رجعت إلى منزلي الخالي فأشرب الماء من شدة الجوع، فإذا أصبح الصبح غدا علي رفيقي وانطلقنا ندور على المشايخ وبي من الجوع ما الله به عليم، وفي ذات مرة غدا علي لننطلق فقلت له: أنا ضعيف القوى لا يمكنني ذلك، فقال: ما لك؟ قلت قد مضى علي يومان ما ذقت فيهما طعاماً، فأعطاني نصف دينار
لأتقوى به (١).
стр. 80
وكان أحمد بن حنبل يصلي بعبد الرزاق يوماً في صلاته فسأله عبد الرزاق عن سبب سهوه، فقال أحمد: ما ذقت طعاماً منذ ثلاثة أيام، وكانت هذه القصة في أثناء رحلة الإمام أحمد إلى اليمن لطلب العلم (١).
قال حجاج ابن الشاعر: جمعت لي أمي مائة رغيف فجعلتها في جراب، وانحدرت إلى شبابة بالمدائن، فأقمت ببابه مائة يوم، أغمس الرغيف في دجلة وآكله، فلما نفذت خرجت (٢).
وكان لمحمد بن سحنون جارية يقال لها أم مدام، فكان عندها يوماً وقد شغل بتأليف كتاب إلى الليل، فلما جاء الليل استمر في الانكباب على التأليف، فلما مضى جزء من الليل جاءت له بالطعام ووضعته عنده، فقال لها: أنا مشغول الساعة عن الطعام، واستمر في تأليفه، فلما طالت عليها المدة جعلت تلقمه الطعام بيدها، وهو منكب على كتبه يؤلف ويكتب، واستمر في الكتابة حتى أذن المؤذن لصلاة الفجر، فانتبه وقال لها: شغلنا عنك الليلة يا أم مدام، هات طعامك، فقالت: قد ألقمته كله لك يا سيدي، فقال لها والله ما شعرت بذلك (٣).
في زماننا هذا: أين نحن من هؤلاء؟
قال أبو المعالي الجويني مخبراً عن حاله وقت طلبه للعلم: أنا لا
أنام ولا أحدد أوقاتاً خاصة للأكل، وإنما أنام إذا غلبتني عيناي على
стр. 81
النوم ليلاً كان أو نهاراً، وآكل الطعام إذا اشتهيت الطعام في أي وقت كان.
وقال بقي بن مخلد القرطبي مخبراً عن نفسه: إني لأعرف رجلاً كانت تمضي عليه الأيام في وقت طلبه للعلم ليس له طعام إلا ورق الكرنب الذي يرمى (١).
وقال إبراهيم بن عمر الجعيري: كنت في أول طلبي للعلم أشتري جزراً بفلس فكان يكفيني ثلاثة أيام.
وحدث الإمام أبو علي البلخي عن رحلته في طلب العلم فقال: لقد كنت بعسقلان أطلب العلم، فقلت نفقتي وبقيت أياماً بلا أكل، فذهبت لأكتب، فعجزت عن الكتابة لما بي من الجوع، فكنت أذهب إلى دكان خباز وأقعد بقربه وأشم رائحة الخبز وأتقوى بها، ثم يسر الله لي مالاً (٢).
وقال أبو العباس الجرجاني: كان أبو إسحاق الشيرازي لا يملك شيئاً من الدنيا، فبلغ به الفقر مبلغه، حتى كان لا يجد قوتاً ولا ملبساً!
ولقد كنا نأتيه وهو ساكن في القطيعة - حي من أحياء بغداد - فيقوم لنا نصف قومة، ليس يعتدل قائماً من العري! كي لا يظهر منه شيء.
وهذا عيسى بن موسى بن محمد المتوكل يقول: مكثت ثلاثين عاماً، أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريسة السوق فلا أقدر على ذلك، لأجل البكور في طلب الحديث.
стр. 82
وقال أبو العباس البكري: جمعت الرحلة في طلب العلم بين محمد بن جرير الطبري ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن هارون الروياني، فنفدت نفقتهم وافتقروا واشتد عليهم الجوع، فاتفقوا على أن يقدموا واحداً منهم ليدعوا الله أن يفرج عنهم، وييسر لهم طعاماً، والبقية يؤمنون، فكل واحد منهم اعتذر وقال: لست لذلك بأهل، احتقاراً منهم لأنفسهم، فاقترعوا فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقال لهم: أمهلوني حتى أصلي ركعتين وبعدها أدعوا لكم، فتوضأ وشرع في الصلاة، فبينا هو في صلاته لم يفرغ منها إذ طرق الباب، ففتح أحدهم فإذا عبد مملوك لوالي مصر يقول: أيكم محمد بن نصر المروزي؟ قالوا: هذا، وأشاروا إليه، فأخرج صرة فيها خمسين ديناراً، وفعل نفس الشيء مع محمد بن جرير ومحمد بن هارون ومحمد بن خزيمة ثم قال: إن الأمير كان قائلاً بالأمس فرأى في المنام رسول الله ﷺ وهو يقول له أدرك المحمدين الأربعة؛ فإنهم جياع في مكان كذا وكذا، ثم قال هذا المملوك: وإن الأمير يقسم عليكم إذا نفذ هذا المال أن تبعثوا إليه ليرسل لكم بمال آخر (١).
وعن علي ﵁ قال: العلم خير من المال، المال تحرسه والعلم يحرسك، والمال تفنيه النفقة والعلم يزكو مع الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة (٢).
стр. 83
يا طالب العلم:
من لم يباشر حر الهجير في طلاب المجد لم يقل في ظلال الشرف (١).
وانظر ماذا فعل إسماعيل بن عياش عندما طلب العلم والمجد والسؤدد حيث قال: ورثت من أبي أربعة آلاف دينار أنفقتها في طلب العلم (٢).
ومثل المحب للعلم مثل العاشق، فإن العشق يهتم بمحبوبه ويهيم به، وكذلك المحب للعلم، فكما أن العاشق يبيع أملاكه وينفقها على معشوقه فيفتقر، وكذلك محب العلم، فإنه يستغرق في طلبه العمر، فيذهب ماله ولا يتفرغ للكسب (٣).
وسئل عبد الله بن المبارك ﵀: من الناس؟ قال: العلماء، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قيل: فمن السفلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين (٤).
أما محبتهم للكتب فهي أكبر من محبة الدينار والدرهم لأهل الدنيا، ومن وجد منهم كتاباً فكأنما وجد كنزاً.
قال طلحة بن مظفر: بيعت كتب ابن الجواليقي في
بغداد، فحضرها أبو العلاء الهمداني، وكان عاشقاً محباً للكتب، فعرضوا مجموعة من الكتب بستين ديناراً فاشتراها الهمداني، ولم يكن لديه
стр. 84
آنذاك مال في جيبه، فانطلق إلى مدينته همدان، فلما وصلها عرض داراً له للبيع فبلغت ستين ديناراً، فقال: بيعوا، فقيل له: لو انتظرت يوماً أو يومين فستبلغ قيمة الدار آلافاً، والدار تساوي أكثر من ستين ديناراً، فرفض وقال: بيعوها، فباعوها بستين ديناراً وهي تساوي آلافاً، ثم رجع إلى بغداد فدفع ثمن الكتب وأخذها إلى بيته وما علم بحاله أحد.
أخي القارئ ..
لقد قدموا غذاء الفكر على غذاء البطن، ولكن إذا لم يجدوا للبطن شيئاً ماذا يفعلون؟ ! وكيف نحن اليوم في ظل رغد العيش وبحبوحة الرزق؟ !
قال محمد بن طاهر: لما رحلت لطلب العلم أقمت بتنيس مدة، ونفذت نفقتي هناك، ولم يبق معي إلا درهم واحد، وكنت محتاجاً إلى خبز لأسد به جوعي، وإلى ورق لأكتب عليه الحديث، فإن صرفته للخبز فاتني ورق الكتابة، وإن صرفته للكتابة فاتني الخبز، فبقيت ثلاثة أيام بلياليهن متردداً لم أذق فيها طعاماً، فلما كان بكرة اليوم الرابع، قلت لنفسي: لو كان معي ورق ما استطعت أن أكتب فيه، لما بي
من الجوع والتعب، فعزمت على أن أشتري به خبزاً، فذهبت إلى السوق وجعلت الدرهم في فمي، فبينا أنا أسير إلى السوق إذ بلعت الدرهم بدون شعور مني، فلما شعرت بذلك جعلت أضحك كثيراً، فلقيني أحد أصدقائي فسألني: ما يضحكك؟ فأبيت أن أخبره،
فألح علي فأخبرته الخبر، فأخذني إلى منزله وأطعمني؛ ثم
стр. 85
دبر له مالاً من بيت المال أغناه الله به (١).
قلت للفقر أين أنت مقيم ... قال لي في محابر العلماء
إن بيني وبينهم الإخاء ... وعزيز علي قطع الإخاء (٢)
وتأمل في مطلب ومقصد أصحاب الهمم الحية والقلوب الصادقة فقد قال الحسن البصري: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة، وقال: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره.
وقال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل (٣).
إنهم أمة جعلوا دنياهم سبيلاً ومعبراً لآخرتهم، فشمروا عن ساعد العلم والعمل، يتعلمون ويعلمون، يعبدون الله على بصيرة، ويدعون إليه على هدى ونور.
قال خلف بن هشام الأزدي: أشكل علي باب من النحو فلم أفهمه، فأنفقت ثلاثين ألف درهم حتى فهمته وأتقنته.
وقال أبو عبد الله بن الضريس: آخر مرة قدمت فيها إلى البصرة، أعطيت الوراقين (وهم الذين ينسخون له الكتب) عشرة آلاف درهم.
وأنفق الإمام هشام بن عبد الله الرازي في طلبه للعلم سبعمائة ألف درهم، وسمع عن ألف وسبعمائة شيخ.
стр. 86
أما محمد بن سلام البيكندي فقد قال: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفًا، وأنفقت في نشره أربعين ألفاً.
وقد رحل ابن جرير الطبري لطلب العلم هو ابن ثنتي عشرة سنة، وكان والده يتعاهده بالنفقة بين حين وآخر، قال ابن جرير: فمرة أبطأت عني نفقة والدي وتأخرت، ففتقت كمي قميصي وبعتها واستعنت بثمنها على طلب العلم (١).
وقال الإمام ابن الجوزي في كتابه «لفتة الكبد في نصيحة الولد»، متحدثاً لولده عن نشأته ومبتدأ حاله:
واعلم يا بني، أن أبي كان موسراً وخلف ألوفاً من المال، فلما بلغت دفعوا لي عشرين ديناراً ودارين، وقالوا لي: هذه التركة كلها، فأخذت الدنانير واشتريت بها كتباً من كتب العلم، وبعت الدارين وأنفقت ثمنها في طلب العلم، ولم يبق لي شيء من المال. وما ذل أبوك في طلب العلم قط، ولا خرج يطوف في البلدان من الوعاظ، ولا بعث رقعةً إلى أحدٍ يطلب منه شيئاً قط، وأموره تجري على السداد: ﴿وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾.
أين شباب الأمة اليوم وأين طلب العلم في حياتهم؟ !
إذا رأيت شباب الحي قد نشأوا ... لا ينقلون قلال الحبر والورقا
ولا تراهم لدى الأشياخ في حلقٍ ... يعون من صالح الأخبار ما اتسقا
فذرهم عنك واعلم أنهم همجٌ ... قد بدلوا بعلو الهمة الحمقا
стр. 87
أين أصحاب الهمم العالية والوجوه المتطلعة؟ ! أكثر الشباب همماً طالما ماتت، وقلوباً طالما نامت. تأمل في من يطلب العلم مع قرب العلماء والمراجع والكتب وسهولة الوصول إليها والحصول عليها تجد عجباً! !
قال عبد الله بن القاسم: انتهى وأفضى طلب العلم بالإمام مالك إلى أن نقض سقف بيته وباع خشبه ثم مالت عليه الدنيا بعد ذلك (١).
قال الإمام مالك: لا ينال هذا الأمر حتى يذاق فيه طعم الفقر (٢).
وكان صالح بن أحمد يملي على الناس الحديث بهمدان، وكانت له أرض فباعها بسبعمائة دينار، فلما استلم الدنانير فرقها ونثرها على محابر تلاميذه من أصحاب الحديث.
قال شعبة بن الحجاج: لقد بعت طست أمي بسبعة دنانير (٣).
وقال الإمام أحمد: أقام شعبة عند الحكم بن عتبة ثمانية عشر شهراً حتى باع جذوع بيته (٤).
الأموال الطائلة أين تصرف؟ ! والذهب والفضة أين يضيع؟ ! سؤال اليوم واضح الجواب، ولكن كيف حال سلفنا وماذا فعلوا بما تحتهم من الأموال؟ !
стр. 88
ورث يحيى بن معين ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفقه كله على الحديث، حتى لم يبق له نعلٌ يلبسه! (١).
زاده الله شرفاً، ورحم أقداماً طالما تغبرت في سبيل الله.
وذكر ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفتري» في ترجمة محمد بن الحسين النيسابوري: أنه كان يعلق دروسه ويطالع كتبه ويقرأها في ضوء القمر، لأنه كان فقيراً لا مال لديه ليشتري به دهناً ليوقد به السراج، ومع ذلك كان لا يأخذ من مال الشبهة شيئاً.
قال الإمام الشافعي ﵀: فقر العلماء فقر اختيار، وفقر الجهلاء فقر اضطرار.
وإليك قصة أحد العلماء قال أبو عبيدة: ضاقت المعيشة على النضر بن شنيل البصري بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيعه من أهل البصرة نحوٌ من ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلا محدثٌ أو نحويٌ أو لغوي أو عروضي أو أخباري، فلما صار بالمربد ـ مربد البصرة ـ جلس وقال: يا أهل البصرة، يعز علي فراقكم والله لو وجدت كل يوم كيلجة باقلي ما فارقتكم، وسار حتى وصل إلى خراسان.
قال النضر: كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت ذات ليلة وعلي ثوبٌ مرقع، فقال: يا نضر، ما هذا التقشف حتى تدخل على
أمير المؤمنين في هذه الخلقان؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ
ضعيف، وحر مروٍ شديدٌ، فأتبرد بهذه الخلقان، قال لا، ولكنك
стр. 89
رجل متقشفٌ، ثم أجرينا الحديث، فأجرى هو ذكر النساء، فقال: حدثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها؛ كان فيه سدادٌ من عورٍ»، فأورده بفتح السين (سداد من عور)، فقلت: صدق هشيم، حدثنا عوف بن أبي جميلة، عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها؛ كان فيها سدادٌ من عورٍ».
قال: وكان المأمون متكئاً، فاستوى جالساً، وقال: يا نضر، كيف قلت: سِدَاد؟ قلت: لأن السَّداد ههنا لحنٌ، قال: أو تلحنني؟ قلت: إنما لحن هشيم، وكان لحانة، فتبع أمير المؤمنين لفظه، قال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد بالفتح: القصد في الدين والسبيل، والسداد بالكسر: البلغة، وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد، قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له! وأطرق ملياً، ثم قال: ما لك يا نضر؟ قلت: أريضة بمرو أتصابها وأتمززها، قال: أفلا نفيدك مالاً معها؟ قلت: إني إلى ذلك لمحتاجٌ، فأخذ القرطاس، وأنا لا أدري ما
يكتب، ثم قال لخادمه: تبلغ معه إلى الفضل بن سهل، فلما قرأ
الفضل القرطاس؛ قال: يا نضر، إن أمير المؤمنين قد أمر لك
بخمسين ألف درهم، فما كان السبب فيه؟ فأخبرته، ولم أكذبه، فأمر
стр. 90
لي بثلاثين ألف درهم، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد
مني" (١).
ورحم الله من قال:
نعم المحدث والرفيق كتاب ... تلهو به إن خانك الأصحاب
لا مفشياً للسر إن أودعته ... وينال منه حكمة وصواب
стр. 91
استغل وقتك في الأنفس من العلوم
ينبغي لطالب العلم أن يكون جل همته مصروفاً إلى الحفظ والإعادة. فلو صح صرف الزمان إلى ذلك كان الأولى، غير أن البدن مطية، وإجهاد السير مظنة الانقطاع.
ولما كانت القوى تكل فتحتاج إلى تجديد، وكان النسخ والمطالعة والتصنيف لابد منه، مع أن المهم الحفظ، وجب تقسيم الزمان على الأمرين، فيكون الحفظ في طرفي النهار وطرفي الليل، ويوزع الباقي بين عمل بالنسخ والمطالعة، وبين راحة للبدن وأخذ لحظه.
ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء، فإنه متى أخذ أحدهم فوق حقه أثر الغبن وبان أثره، وإن النفس لتهرب إلى النسخ والمطالعة والتصنيف عن الإعادة والتكرار؛ لأن ذلك أشهى وأخف عليها.
فليحذر الراكب من إهمال الناقة، ولا يجوز له أن يحمل عليها ما لا تطيق.
ومع العدل والإنصاف يتأتى كل مراد.
ومن انحرف عن الجادة طالت طريقه.
ومن طوى منازل في منزل أوشك أن يفوته ما جد لأجله،
على أن الإنسان إلى التحريض أحوج؛ لأن الفتور ألصق به من الجد.
وبعد، فاللازم في العلم طلب المهم، فرب صاحب حديث حفظ مثلاً لحديث: من أتى الجمعة فليغتسل: عشرين طريقاً، والحديث قد
стр. 92
ثبت من طريق واحد، فشغله ذلك عن معرفة آداب الغسل.
والعمر أقصر وأنفس من أن يفرط منه في نفس.
وكفى بالعقل مرشداً إلى الصواب، وبالله التوفيق (١).
أخي المسلم:
هذا أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن القصري كان يقول: لي أربع وسبعون سنة ما جف لي قلم. وكان ربما باع بعض ثياب فاشترى بثمنها كتاباً.
وعندما وصل أبو جعفر القصري إلى مدينة سوسة لزيارة صديق له، فوجد صديقه هذا قد ألف كتاباً، ولم يكن مع أبي جعفر مال يشتري به ورقاً لينقل فيه هذا الكتاب، فباع أبو بكر قميصه الذي كان عليه واشترى بثمنه ورقاً كتب فيه الكتاب ورجع به معه إلى القيروان.
ورحل عبد الله بن القاسم إلى مالك بن أنس ﵀ بالمدينة، ليطلب العلم على يديه، قال ابن القاسم: فكنت آتي مالكاً غلساً (آخر الليل) فأسأله مسألة أو ثلاثاً أو أربعاً، وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراح صدر، فكنت آتيه في كل سحر، فتوسدت مرة عتبة بابه أنتظر خروجه لصلاة الفجر لأسأله عن مسائل، فغلبتني عيناي فنمت، وخرج الإمام مالك إلى المسجد ولم أشعر به، فجاءت جارية مالك السوداء، فركضتني برجلها وقالت: إن مولاك أيها العبد قد خرج للمسجد، ليس يغفل كما أنت تغفل، له اليوم تسع وأربعون سنة ما صلى الفجر إلا بوضوء العشاء (٢).
стр. 93
قال ابن الجوزي: تأملت عجباً، وهو أن كل شيء نفيس خطير، يطول طريقه ويكثر التعب في تحصيله، فإن العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي أكل الهريسة ولا أقدر؛ لأن وقت بيعها هو وقت سماع الدرس.
وقد أحسن من قال:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال
وقال أبو محمد الثقفي: سمعت جدي يقول:
جالست أبا عبد الله المروذي أربع سنين؛ فلم أسمعه طول تلك المدة يتكلم في غير العلم (١).
قال أبو أحمد نصر بن أحمد السمرقندي: لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته (٢).
قال ابن جماعة معلقاً على هذا الكلام: وهذا كله، وإن كانت فيه مبالغة، فالمقصود به أنه لابد لطلب العلم من جمع القلب واجتماع الفكر (٣).
قال الزبير بن بكار: قالت ابنة أختي لأهلنا: خالي خير رجلٍ
لأهله، لا يتخذ ضرةً ولا يشتري جارية. فقالت المرأة: لهذه الكتب
стр. 94
أشد علي من ثلاث ضرائر وأصعب! (١).
وقال جعفر بن درستويه: كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني، وقت العصر اليوم لمجلس غدٍ، فنقعد في أماكننا طوال الليل، مخافة ألا نلحق من الغد موضعاً نسمع فيه الحديث، فرأيت شيخاً في المجلس يبول في طيلسانه، ويدرج الطيلسان، وذلك مخافة أن يؤخذ مكانه إن قام ليبول (٢).
وقد أقام أبو طاهر في الإسكندرية من عام ٥١١ هـ إلى عام ٥٧٦ هـ لطلب العلم، وكان يقول عن نفسه: لي ستون سنة ما رأيت منارة الإسكندرية (وكانت من عجائب الدنيا) إلا من الطاقة.
وجاء شعبه بن الحجاج إلى خالد الحذاء، فقال شعبة لخالد: حديث بلغني عنك فحدثنيه، وكان خالد آنذاك مريضاً، فقال لشعبة: أنا الآن مريض ولا أستطيع أن أحدثك به، فقال شعبة: إنما هو حديث واحد فحدثني به، فحدثه به خالد الحذاء. فلما فرغ من الحديث قال له شعبة: مت الآن إن شئت.
وحالهم لفقد بعض العلم أو العلماء حال من فقد حبيباً أو عزيزاً.
فهذا شعبة بن الحجاج يقول: إني لأذكر الحديث يفوتني لم أسمعه فأمرض.
وقد ذكر لشعبة حديثٌ لم يسمعه فجعل يقول: واحزناه واحزناه.
ورحل عبد الرحمن بن أحمد البغياني مع أبيه إلى المحدث
стр. 95
المشهور ابن خلف الشيرازي بشيراز، فلما دخلها أحمد ذهب يعدو إلى بيت ابن خلف ليسمع منه الحديث، فلقيه أحد أصدقائه فقال له: تعال أولاً لنتغدى عندي، فلما فرغا من الطعام قال له صديقه: لقد مات ابن خلف قبل فترة وأنا الذي دفنته. قال عبد الرحمن: فلما سمعت بموته كادت مرارتي أن تنشق.
لقد كان العلم همهم الأول وشغلهم الشاغل، قدموه على أمور الدنيا ومحبوباتها، يجالدون لذلك الأيام، ويصبرون على حرها وقرها.
قال عبيد بن يعيش: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي في الليل؛ لأني كنت مشغولاً بكتابة الحديث، فكانت أختي تلقمني الطعام بيدها (١).
وقال يحيى بن البناء: كان الحميدي، من اجتهاده في العلم، ينسخ ويكتب العلم بالليل في شدة الحر، فكان يجلس في طست فيه ماء فيتبرد به ثم يشرع في الكتابة والنسخ (٢).
إذا كنت تؤذى بحر المصيف ... ويبس الخريف وبرد الشتاء
ويلهيك حسن زمان الربيع ... فأخذك للعلم قل لي متى (٣)
عن أحمد بن سلمة قال: عقد للإمام مسلم بن الحجاج صاحب
стр. 96
الصحيح مجلسٌ لمذاكرة الحديث، فذكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله ودخل غرفته وأوقد السراج وقال لأهله: لا يدخلن أحد منكم علي في هذه الغرفة، فقالوا له: قد أهديت لنا سلة بها تمر، فقال: قدموها إلي، فقربوها إليه وانصرفوا، فجعل يبحث عن ذاك الحديث، ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فنى التمر، ووجد الحديث، فكان مرضه من تلك الأكلة ثم مات بسببها (١).
وقد ذكر الإمام الزرقاني أن يحيى بن يحيى الليثي كان تلميذاً عند إمام دار الهجرة مالك بن أنس في مسجد رسول الله ﷺ ، فجاء فيل عظيم بجانب المسجد، فخرج الطلاب لرؤيته ولم يبق إلا يحيى بن يحيى الليثي، فقال له الإمام مالك: لم لم تخرج لترى الفيل وهو لا يكون ببلادك؟ فقال يحيى: جئت من الأندلس لأراك لا لأرى الفيل، إنما رحلت لأتعلم من علمك وهديك، فأعجب به الإمام مالك وقال له: أنت عاقل الأندلس.
وأكثر أهل الدنيا اليوم يشدون الرحال ويفارقون الأوطان لرؤية الفيل والنعام! !
وهذا ابن المكوي القرطبي أحمد بن عبد الملك، وكان قد حبب إليه الدرس مدة عمره، لا يفتر عنه ليله ونهاره، وجعلت فيه لذته، حتى أنه في أحد الأعياد جاءه صديق له ليهنئه، فوجد بابه مفتوحاً
فدخل الدار وأرسل إليه خادمه ليخرج إليه، فأبطأ عليه ابن المكوي
ولم يخرج إليه، فأرسل إليه خادمه مرة أخرى، وبعد قليل خرج إليه
стр. 97
ابن المكوي ومعه كتاب يقرأ فيه، ولم يشعر بصديقه الذي ينتظره حتى اصطدم به، لانشغاله بالقراءة في الكتاب، فانتبه ابن المكوي حينئذ وسلم على صديقه، واعتذر إليه عما حصل بأنه كان مشغولاً ببحث مسألة مهمة، فلم يتركها حتى فتحها الله عليه، فقال له صديقه: أتقرأ في يوم عيد ويوم راحة؟ ! فقال: والله ما لي راحة ولا لذة إلا في طلب العلم والنظر في الكتب.
وكان ابن المبارك يكثر من الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه (١).
قال شقيق البلخي: قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس (٢).
وهذا طالب العلم يتحدث عن نفسه ويدفع التهمة بعيداً عن أرضه:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما
ولم أقض حق العلم إن كنت كلما ... بدا مطمع صيرته لي سلما
وأكرم نفسي أن أضاحك عابساً ... وأن أتلقى بالمديح مذمما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
стр. 98
إذاً فاتبع الجهل كان أحزما
أأشقى به غرساً وأجنيه ذلةً
فإن قلت زند العلم كاب فإنما ... كبا حين لم نحرس حماه وأظلما
قال مكحول: ما عبد الله بشيء أفضل من الفقه.
قال الحسن البصري: يوزن مداد العلماء بدم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء (١).
وعن مسعر بن كدام قال: أتيت أبا حنيفة في مسجده فرأيته يصلي الغداة، ثم يجلس يعلم الناس العلم إلى الظهر، ثم يصلي ويجلس للناس طول نهاره إلى العشاء، فقلت في نفسي: متى يتفرغ هذا للعبادة، لأتعاهدنه الليلة، فتعاهدته، فلما كان الليل انتصب في المسجد قائماً إلى الصباح فصلى الفجر ثم جلس للناس إلى العشاء الآخرة، ثم فعل في الليلة الآتية كفعلة في الماضية، ثم تعاهدته ففعل ذلك أياماً كثيرة، فقلت: لألزمنه حتى أموت. فيقال: إن مسعرًا مات في مسجد أبي حنيفة وهو ساجد (٢).
ولأن طلب العلم عبادة وتعليمه قربة إلى الله فلابد له من آداب وأخلاق.
стр. 99
ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية (١).
وتأمل ذلك في علماء بعض الأمصار تجد أن لديهم علماً شرعياً وافراً ولكن لا ترى أثر ذلك عليهم في مظهرهم ومخبرهم. فذاك مسبل ثيابه، وآخر يجاهر بشرب الدخان، وثالث خالف أمر الرسول ﷺ وحلق لحيته! !
قال ابن المبارك: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا (٢).
وقال الحسن مبيناً أثر العلم على من حمله: قد كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه، وفي لسانه وبصره وبره (٣).
عن أبي عصمة بن عصام البيهقي قال: بت ليلة عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر في الماء فإذا هو كما كان فقال: سبحان الله، رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل (٤).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان يقول: ما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث قط إلا عملت به ولو مرة (٥).
لما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه، لما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بظلمة المعصية (٦).
стр. 100
وقال الإمام أحمد: ما كتبت حديثاً إلا وقد عملت به، حتى مر بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة ديناراً، فأعطيت الحجام ديناراً حين احتجمت (١).
عن أبي سلمة الخزاعي قال: كان مالك إذا أراد أن يخرج يحدث توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أوقر حديث رسول الله ﷺ (٢).
وعن معن بن عيسى قال: كان مالك إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل، وتبخر، وتطيب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه قال: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ فمن رفع صوته عند حديث النبي ﷺ فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله ﷺ (٣).
ويجب على طالب العلم الحذر من المعاصي والابتعاد عن المحرمات؛ فإن هذا العلم نور لا يجتمع مع المعصية، بل إنها تنازعه البقاء في القلب.
قال الإمام مالك: إنما يصلح لهذا الحفظ ترك المعاصي.
وقال الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
стр. 101
وفضل الله لا يؤتاه عاصي (١)
وقال: أعلم بأن العلم فضل
قال وكيع: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به (٢).
قال سعيد بن جبير: ربما أتيت ابن عباس، فكتبت في صحيفتي حتى أملأها، وكتبت في نعلي حتى أملأها، وكتبت في كفي، وربما أتيته فلم أكتب حديثاً حتى أرجع، لا يسأله أحدٌ عن شيء (٣).
وقال سفيان بن عيينة: من عمل بما يعلم كفي ما لم يعلم (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من الله، إذ لو تم خوفه من الله لم يعصه (٥).
كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إلي بالعلم كله: فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازماً لأمر جماعتهم، فافعل (٦).
وكان طلب العلم عندهم طريقاً إلى الآخرة وسلماً إلى الدرجات العلا. ولذا هجروا ما يبعد عن الله والدار الآخرة.
стр. 102
قال عيسى يونس: لم يكن في أسناني أبصر بالنجوم مني، فدخلني منه نخوة فتركته (١).
ولهذا روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال لميمون بن مهران: إياك والنظر في النجوم؛ فإنها تدعو إلى الكهانة، وإياك والقدر، فإنه يدعو إلى الزندقة، وإياك وشتم أحد من أصحاب محمد ﷺ ؛ فيكبك الله في النار على وجهك (٢).
وقال ابن مسعود ﵁: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه للخطيئة يعملها.
وقال وكيع: استعينوا على الحفظ بترك المعصية (٣).
قال وهيب بن الورد: عجباً للعالم كيف تجيبه دواعي قلبه إلى ارتياح الضحك، وقد علم أن له في القيامة روعات ووقفات وفزعات (٤).
وقال الإمام الشافعي: من أحب أن يفتح الله له قلبه أو ينوره فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه، وترك الذنوب واجتناب المعاصي، ويكون له فيما بينه وبين الله خبيةٌ من عمل، فإنه إذا فعل ذلك فتح الله عليه من العلم ما يشغله عن غيره، وإن في الموت لأكثر الشغل (٥).
قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا ويخالطون
стр. 103
الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس (١).
وقال الإمام مالك للشافعي أول ما لقيه: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب سلب الهدى والعلم النافع، كقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، وقال: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣).
عن يزيد بن أبي حبيب ﵁ قال: من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع، وإن وجد من يكفيه فإن في الاستماع سلامة وزيادة في العلم، والمستمع شريك المتكلم في الكلام، إلا من عصم الله، ترمق وتزيد وزيادة ونقصان (٤).
عن أيوب العطار أنه سمع بشراً (ابن الحارث) يقول: حدثنا حماد بن زيد ثم قال: أستغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء (٥).
стр. 104
وقال الإمام سحنون: سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال (١).
وذكر ابن القيم ﵀ في كتابه «مدارج السالكين» في منزلة الخشوع: ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيراً: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء، وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت:
أنا المكدي وابن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدي
وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاماً جيداً.
قدس الله روحه. فهو يرسم صوراً عملية من التواضع، وإلا فهو من أئمة السلف ومن عائلة علم ودين نفع الله بها الإسلام والمسلمين، ولا تزال مؤلفات عائلة ابن تيمية في الأمة، تصدر عنها وترجع إليها؛ لما فيها من علم والتزام بمنهج السلف الصالح القائم على الكتاب والسنة.
روي عن بشر بن الحارث أنه قيل له: ألا تحدث؟ قال: أنا اشتهي أن أحدث، وإذا اشتهيت شيئاً تركته (٢).
وعن أبي داود السجستاني قال: لم يكن أحمد بن حنبل يخوض في شيء يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم.
стр. 105
ولما عزم الإمام مالك على تصنيف «الموطأ» قيل له: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد عمل العلماء الموطآت؟ ! فقال: ما كان لله بقي.
أيها الحبيب:
من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته، وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم.
وعلامات الشقاوة أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه، وكلما زيد في علمه زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه، وكلما زيد في عمره زيد في حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه. وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده فيسعد بها أقوام ويشقى بها أقوام (١).
قال ابن الجوزي مفصلاً الأمر:
ما أعرف للعالم قط لذة ولا عزًا ولا شرفاً ولا راحة ولا سلامة أفضل من العزلة؛ فإنه ينال بها سلامة بدنه ودينه وجاهه عند الله وعند الخلق؛ لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم، ولا يعظم عندهم قدر المخالط لهم، ولهذا عظم قدر الخلفاء لاحتجابهم.
стр. 106
وإذا رأى العوام أحد العلماء مترخصاً في أمر مباح هان عندهم.
فالواجب عليه صيانة علمه وإقامة قدر العلم عندهم.
فقد قال بعض السلف: كنا نمزح ونضحك، فإذا صرنا يقتدى بنا فما أراه يسعنا ذلك.
وقال سفيان الثوري: تعلموا هذا العلم واكظموا عليه، ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب.
فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر.
وقد قال ﷺ لعائشة: «لولا حدثان قومك في الكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين».
وقال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب: رأيت الناس يكرهونهما فتركتها.
ولا تسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء، إنما هذه صيانة للعلم.
وبيان هذا أنه لو خرج العالم إلى الناس مكشوف الرأس أو في يده كسرة يأكلها قل عندهم وإن كان مباحاً، فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية.
فلا ينبغي للعالم أن ينبسط عند العوام حفظاً لهم، ومتى أراد مباحاً فليستتر به عنهم.
وهذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب ﵁ قد قدم الشام راكباً على حمار ورجلاه من جانب، فقال: يا أمير المؤمنين! يتلقاك عظماء الناس. فما أحسن ما لاحظ!
إلا أن عمر ﵁ أراد تأديب أبي عبيدة بحفظ الأصل
стр. 107
فقال: إن الله أعزكم بالإسلام، فمهما طلبتم العز في غيره أذلكم.
والمعنى: ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين لا بصور الأفعال، وإن كانت الصور تلاحظ؛ فإن الإنسان يخلو في بيته عرياناً، فإذا خرج إلى الناس لبس ثوبين وعمامة ورداء. ومثل هذا لا يكون تصنعاً ولا ينسب إلى كبر.
وقد كان مالك بن أنس يغتسل ويتطيب ويقعد للحديث.
ولا تلتفت يا هذا إلى ما ترى من بذل العلماء على أبواب السلاطين، فإن العزلة أصون للعالم والعلم، وما يخسره العلماء في ذلك أضعاف ما يربحونه.
وقد كان سيد الفقهاء سعيد بن المسيب لا يغشى الولاة، وعن قول هذا سكتوا عنه، وهذا فعل الحازم.
فإن أردت اللذة والراحة فعليك أيها العالم بقعر بيتك، وكن معتزلاً عن أهلك يطب لك عيشك، واجعل للقاء الأهل وقتاً، فإذا عرفوه تصنعوا للقائك، فكانت المعاشرة بذلك أجود.
وليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه، وتحادث سطور كتبك، وتجري في حلبات فكرك. واحترس من لقاء الخلق وخصوصاً العوام.
واجتهد في كسب يعفك عن الطمع، فهذه نهاية لذة العالم في الدنيا.
وقد قيل لابن المبارك: ما لك لا تجالسنا؟ فقال: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين، وأشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه.
ومتى رزق العالم الغني عن الناس والخلوة، فإن كان له فهم يجلب
стр. 108
التصانيف فقد تكاملت لذته، وإن رزق فهماً يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات.
نسأل الله همة عالية تسمو إلى الكمال، وتوفيقاً لصالح الأعمال، فالسالكون طريق الحق أفراد (١).
قال ابن مسعود: لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله؛ فإنه يبقى ويذوب ما سواه (٢).
أيها المسلم:
لقد كان همهم من هذا العلم إيصال الحق ونشره، فلا حظوظ للنفس، ولا مباهاة بالعلم، ولا جدالاً ومراء، ولا استعلاء وزهواً.
قال الشافعي: ما نظرت أحداً فأحببت أن يخطئ (٣).
كان مالك يقول: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل (٤).
وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: المراء في الدين يقسي القلب، ويورث الضغائن.
стр. 109
وقال الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم -يعني كتبه- على أن لا ينسب إلي منه شيء (١).
وهذه الصفات الحميدة والأخلاق السامية تزينها وتجملها صفات عملية في مجالسهم، فهي وإن كانت طاعة لله أولاً فإنها تربية عملية لتلاميذهم وطلابهم.
قال مسلم بن جنادة: جالست وكيعاً (ابن الجراح) سبع سنين فما رأيته بزق ولا مس حصاة، ولا جلس مجلسه فتحرك، ولا رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله (٢).
وقال الحسن: اطلبوا العلم، وزينوه بالوقار والحلم (٣).
وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: ضحكت مرة وأنا من النادمين على ذلك، وذك أني ناظرت عمرو بن عبيد القدري، فلما أحسست بالظفر ضحكت، فقال لي: تتكلم في العلم وتضحك، فلا أكلمك أبداً. وأنا من النادمين على ذلك، إذ لو لم يكن ضحكي لرددته إلى قولي، فكان في ذلك صلاح العلم (٤).
وإذا كان الله بمنه وتوفيقه قد جمع للعالم علماً وخلقاً، فهل يليق به أن يتنكر لذلك ويترك الناس على جهلهم وقلة علمهم، أم أنه من ورثة الأنبياء الذين يبلغون الرسالة ويؤدون الأمانة؟ !
стр. 110
قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه (١).
أخي الحبيب:
كم لدينا ممن معهم من العلم ما يكفي لإلقاء الدروس والمواعظ؟ بل كم لدينا ممن يحسنون قراءة الفاتحة وقصار السور ونرى حولهم من كبار السن من يجهلون أم الكتاب؟ ! ولكن أين هم؟ ! وهل يعذرون أمام الله ؟ !
قال أبو بكر بن عياش: الدخول في العلم سهل، ولكن الخروج منه إلى الله شديد (٢).
وعندما سئل يحيى بن معين: أيفتي الرجل إذا كان حافظاً لمائة ألف حديث؟ قال: لا، قلت: ومن مائتي ألف حديث؟ قال: لا، قلت: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قلت: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو، أي إذا كان حافظاً خمسمائة ألف حديث يفقهها وأحكامها فهذا هو العالم حقاً الذي ينبغي أن يعتد بقوله ويعمل بفتواه.
وروى ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد عن عبد الرحمن البغوي قال: مر علي أحمد بن حنبل جائياً من الكوفة ومعه كيس فيه كتب فقلت له: إلى متى وأنت تطلب العلم؟ إذا كتب الرجل ثلاثين ألف حديث ألا يكفيه ذلك؟ فسكت عني، فقلت: ستين ألف؟ فسكت عني، فقلت: مائة ألف حديث؟ فقال أحمد: إذا كتب مائة ألف حديث