الحكيمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها».
ومن أدبه مع أستاذه: الصمت الكثير، والاستماع الشديد، والتسليم، والصبر، وعدم تكرار شيء فهمه عنده، وعدم الإكثار من الأسئلة التي قد فهم جوابها، فقد قال الحسن بن علي ﵄ لابنه مؤدباً إياه: يا بني! إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ولا تقطع على أحد حديثاً وإن طال حتى يمسك (١).
قال مالك: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعال فالبس ثياب العلم، فألبستني مسمرة، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن.
وكانت تقول: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.
стр. 37
الهمم العالية
يقول ابن الجوزي متحدثاً عن الأئمة أصحاب العزائم والهمم:
كانت همم القدماء من العلماء علية، تدل عليها تصانيفهم التي هي زبدة أعمارهم. إلا أن أكثر تصانيفهم دثرت، لأن همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطلبون المختصرات، ولا ينشطون للمطولات.
ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها، فدثرت الكتب ولم تنسخ. فسبيل طالب الكمال في طلب، العلم الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة؛ فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة.
وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا نرى فيهم ذا همة عالية فيقتدي بها المبتدي، ولا صاحب ورع فيستفيد منه الزاهد (١).
رحم الله ابن الجوزي وهو يعتب على أهل زمانه، فكيف به لو رأى أهل زماننا، وقد تيسرت لهم أبواب العلم ولكنهم عزفوا عنها؟ ! هي بين أيديهم وتحت متناولهم، ولكن أصحاب الهمم قلائل، وأهل العزائم نوادر.
هاك أيها الحبيب نبذاً عن صبرهم، وكيف كانوا يطلبون العلم؟
стр. 38
وماذا يجدون من صعوبات في سبيل الحصول عليه؟ لترى الفرق والبون بين أهل ذاك الزمان وبين ما نحن فيه مع الأسف الشديد! !
أراد عبد الله بن القاسم العتكي المصري، السفر من القاهرة إلى المدينة لطلب العلم عند الإمام مالك، وكانت زوجة عبد الله آنذاك حاملاً، فقال لها: إني قد عزمت على الرحلة في طلب العلم، وما أراني عائداً إلى مصر إلا بعد مدة طويلة، فإن شئت أن أطلقك طلقتك فتنكحين من شئت، وإن أردت أبقيك في عصمتي فعلت ولكن لا أدري متى سأرجع إليك، فاختارت البقاء زوجة له، ورحل ابن القاسم إلى مالك، وبقي عنده سبع عشرة سنة ملازماً لمالك لا يبيع ولا يشتري، بل همته مصروفة إلى طلب العلم، وفي هذه المدة ولدت زوجته غلاماً وكبر، ولم يكن يعلم ابن القاسم بولادة ولده؛ لأن أخباره قد انقطعت عن زوجته منذ رحيله. قال ابن القاسم: فبينا أنا ذات يوم عند مالك في مجلسه، إذ أقبل علينا حاج مصري شاب ملثم فسلم على مالك ثم قال: أفيكم ابن القاسم؟ فأشاروا إلي، فأقبل علي يعتنقني ويقبل ما بين عيني، ووجدت منه رائحة الولد، فإذا هو ابني الذي تركت زوجتي حاملاً به وقد شب وكبر.
والجد والتعب ليس في تحصيل العلم وتقييده فحسب، بل إن من أنار الله له طريق العلم فعليه واجب نشره والجلوس لطلبة العلم والمتعلمين والعامة.
إنها زكاة العلم وواجب تعليمه. رحم الله وكيع بن الجراح فقد كان يومه كله في طاعة؛ كان يصوم الدهر، وكان يبكر فيجلس لأصحاب الحديث إلى ارتفاع النهار ثم ينصرف فيقيل إلى وقت صلاة الظهر، ثم
стр. 39
يخرج فيصلي الظهر ويقصد طريق المشرعة التي كان يصعد منها أصحاب الروايا فيريحون نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلي العصر، ثم يجلس فيدرس القرآن ويذكر الله إلى آخر النهار، ثم يدخل إلى منزله فيقدم إليه إفطاره (١).
وكان الإمام الطبري لا يعدم في الصيف الحيس (٢)، والريحان واللينوفر (٣)، فإذا أكل نام في الخيش (٤)، في قميص قصير الأكمام، مصبوغ بالصندل وماء الورد.
ثم يقوم فيصلي الظهر في بيته، ويكتب في تصنيفه إلى العصر، ثم يخرج فيصلي العصر، ويجلس للناس يقرأ عليه إلى المغرب، ثم يجلس للفقه والدرس بين يديه إلى العشاء الآخرة، ثم يدخل منزله. وقد قسم ليله ونهاره في مصلحة نفسه، ودينه، والخلق، كما وفقه الله .
لقد أمسكوا الصبر بزمامه، والعزم بخطامه، يحدوهم أمل عظيم ورجاء واسع وفضل من الله كبير.
سمع الخطيب البغدادي على إسماعيل بن أحمد الحيري بمكة
صحيح البخاري في ثلاثة مجالس: اثنان منها في ليلتين؛ كان يبتدئ
стр. 40
بالقراءة وقت المغرب ويختم عند صلاة الفجر، والثلاث من ضحوة النهار إلى طلوع الفجر. قال الذهبي: وهذا شيء لا أعلم أحداً في زماننا يستطيعه. ولعل من أسباب تيسير ذلك بركة الزمان في ذلك الوقت (١).
ولا ريب أن ذلك من توفيق الله لهم وإعانته مع صبرهم وجلدهم، فقد كانوا أصحاب همم وعزائم، يقول ابن الجوزي: كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق (٢).
إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل عاصفة سكونا
أما ثني الركب عند العلماء والصبر على طلب العلم الذي نسمع به لا نراه فلعلنا نعرض لبعض من حياة علماء الأمة وصبرهم على طلب العلم والحرص عليه.
قال جرير بن حازم: جلست إلى الحسن سبع سنين لم أخرم منها يوماً واحداً (٣).
نعم سبع سنين متواصلة لم يخرم منها يوماً واحداً. إنها حياة، ومراجعة وحفظ ومذاكرة، يزينها الوقار، ويجملها الصبر على شظف العيش وعلى التكرار والمراجعة والبحث والتنقيب بين السطور وفي بطون الكتب.
ومن أمثلة قراءة الاستعراض ما حدث للإمام الشافعي ﵀ لما
стр. 41
سئل عن دليل مسألة الإجماع؛ فاستعرض القرآن ثلاث مرات في كل ليلة حتى اهتدى إلى الموضع.
وهو قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).
وقال الزهري وكأنه يتحدث عن حالهم ويرى صنيعهم: منهومان لا يشبعان: طالب العلم وطالب الدنيا.
فطالب الدنيا ثار غباره وعلمنا خبره عياناً، أما طالب العلم فهو في بطون الكتب سيرة وذكرى، ولعل الله يحفظ البقية الباقية من علمائنا وطلبة العلم في زماننا.
قرأ ابن حجر ﵀ السنن لابن ماجه في أربعة مجالس، وقرأ صحيح مسلم في أربعة مجالس سوى مجلس الختم، وذلك في نحو يومين وشيء؛ فإنه كان الجلوس من بكرة النهار إلى الظهر، وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس، كل مجلس منها أربع ساعات، وأسرع شيء وقع له أنه قرأ معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر؛ وهذا الكتاب في مجلد يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث، وحدث بالبخاري في عشرة مجالس، كل مجلس منها أربع ساعات (٢).
стр. 42
يا طالب العلم:
إن للقلوب شهوة وإدباراً؛ فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها (١).
ولأصحب الهمم العالية والعزائم الصادقة وقفات جادة في طلب العلم والسعي له.
قال أبو الدرداء ﵁: لو أعيتني آية من كتاب الله فلم أجد أحدًا يفتحها علي إلا رجلاً ببرك الغماد (٢) لرحلت إليه (٣).
وجاء في ترجمة الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ أنه كان يقول: أنا برجال الحديث أعرف مني برجال الدرعية (٤).
أما جهودهم ومصنفاتهم فهي ما يعجز عنه المقصرون ويتأخر عنه المتأخرون. فما أبرك ساعات الطلب عندهم وما أوسعها عند زكاتها! إنها أوقات عمروها طلباً للعلم ثم تبليغاً له.
أين نحن من هؤلاء؟
حسبت تلامذة أبي جعفر محمد بن جرير منذ احتلم إلى أن مات فقسموا على المدة مصنفاته فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة (٥).
وما تعلموا من عمل إلا سعوا إلى تطبيقه والعمل به، فقد كان الشيخ أبو عمر المقدسي لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه ودعا به، ولا
стр. 43
يسمع ذكر صلاة إلا صلاها، ولا يسمع حديثاً إلا عمل به، ومات وهو عاقد على أصابعه ليسبح (١).
وهذا ابن جرير ينشط لكتابة التاريخ ويقول لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم؟ قالوا: كم يجيء؟ فذكر نحواً من ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما يفني الأعمار قبل تمامه. قال: إنا لله، ماتت الهمم (٢).
وقال ابن الجوزي محدثاً عن نفسه: كتبت بأصبعي ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألفاً (٣).
يا طالب العلم:
ومن لم يذق مر التعلم ساعة ... تجرع ذل الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابه ... فكبر عليه أربعاً لوفاته
وألق سمعك إلى مقالة تحكي واقعنا، وقد قل العلماء وندر طلبة العلم، واتجهت الأمة إلى العلوم العصرية، وتركوا التفقه في الدين وما يجب معرفته من الدين بالضرورة.
فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه: فقهاً وحكمة وعلماً وضياءً ونوراً وهداية ورشداً،
стр. 44
فقد أصبح من بين الخلق مطوياً وصار نسياً منسياً (١).
قال ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ: ومن العلوم علوم لو علمها كثير من الناس لضرهم ذلك، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وليس إطلاع كثير من الناس بل أكثرهم على حكمة الله في كل شيء نافعاً لهم، بل قد يكون ضاراً قال تعالى: ﴿لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
أيها الحبيب:
أليس هذا هو واقعنا وما نراه ونشاهده؟ حتى أنك ترى جهلاً بأمور العقيدة، وخللاً في صلاة كثير من المصلين، وجهلاً بأصول الدين دون فروعه التي لا يعرفها إلا قلة على عدد الأصابع في كل مدينة. فالله المستعان! !
стр. 45
التخطيط لتحصيل العلوم النافعة
قال ابن الجوزي: رأيت الشره في تحصيل الأشياء يفوت الشره عليه مقصوده.
وقد رأينا من كان شرهاً في جمع المال فحصل له الكثير منه، وهو مع ذلك حريص على الازدياد.
ولو فهم، علم أن المراد من المال إنفاقه في العمر، فإذا أنفق العمر في تحصيله فات المقصودان جميعاً.
وكم رأينا من جمع المال ولم يتمتع به فأبقاه لغيره وأفنى نفسه.
قدم المهم؛ فإن العاقل من قدر عمره وعمل بمقتضاه، وإن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر، غير أنه يبني على الأغلب.
فإن وصل فقد أعد لكل مرحلة زاداً، وإن مات قبل الوصول فنيته تسلك به.
فإذا علم العاقل أن العمر قصير، وإن العلم كثير، فقبيح بالعاقل الطالب لكمال الفضائل أن يتشاغل مثلاً بسماع الحديث ونسخه ليحصل كل طريق، وكل رواية، وكل غريب.
ومن أريد وفق. وإن لله أقواماً تولى تربيتهم ويبعث إليهم في زمن الطفولية مؤدباً، ويسمى العقل. ومقوماً، ويقال له الفهم، ويتولى تأديبهم وتثقيفهم، ويهيئ لهم أسباب القرب منه.
فإن لاح قاطع قطعهم عنه حماهم منه، وإن تعرضت بهم فتنة دفعها عنهم.
فنسأل الله أن يجعلنا منهم، ونعوذ به من خذلان لا ينفع معه اجتهاد.
стр. 46
الرحلة في طلب العلم
العلم مواطن يرتحل إليها ويبذل للوصول إليها الغالي والنفيس؛ فكم من المشاق واجهت طلبة العلم، وكم من الصعوبات اعترضت طريقهم.
هذا الإمام الحاكم يصف الرحالين لطلب العلم فيقول: آثروا قطع المفاوز والقفاز على التنعم في الدمن والأوطان، وتنعموا بالبؤس في الأسفار مع مساكنة أهل العلم والأخبار، جعلوا المساجد بيوتهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة، استرواحهم المذاكرة، وخلوقهم المداد، ونومهم السهاد، وتوسدهم الحصى. فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء، ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس! فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تعلم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم (١).
وقد بين ﷺ فضل الخروج في طلب العلم فقال: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» (٢).
стр. 47
ولهذا كانت رحلتهم في طلب العلم عبادة يحتسبون فيها الأجر والمثوبة.
عن كثير بن قيس قال: كنت جالساً عند أبي الدرداء في مسجد دمشق. فأتاه رجل، فقال: يا أبا الدرداء! أتيتك من مدينة رسول الله ﷺ لحديث بلغني أنك تحدث به، عن النبي ﷺ ، قال: فما جاء بك تجارة؟ قال: لا، ولا جاء بك غيره؟ قال: لا، قال: فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً على الجنة» (١) الحديث.
ورحل عقبة بن الحارث من مكة إلى المدينة ليسأل الرسول ﷺ عن مسألة واحدة:
فعن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله ﷺ : «كيف وقد قيل؟ » ففارقها عقبة ونكحت زوجاً غيره (٢).
وسأل رجل من أهل خراسان الإمام عامر الشعبي عمن يعتق أمته ثم يتزوجها، فروى الحديث الذي رواه أبو بردة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد ﷺ ، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده
стр. 48
أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها؛ فله أجران».
ثم قال للسائل: أعطيتكها بغير شيء، قد كان يركب فيما دونها إلى المدينة.
وعن بسر بن عبيد الله: قال: إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد.
وعن أبي العالية قال: كنا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم (١).
يا طالب العلم:
تغرب عن الأوطان تكتسب العلا ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرج هم واكتساب معيشة ... وعلم، وآداب، وصحبة ماجد
وها هو أحد العلماء: (منصور بن عمار) يصف حال الرحلة في طلب العلم وأهلها فيقول عنهم: هم يرحلون من بلد إلى بلد، خائضين في العلم كل واد، فلو رايتهم في ليلهم وقد انتصبوا لنسخ
ما سمعوا، وتصحيح ما جمعوا، هاجرين الفرش الوطئ والمضجع الشهي، غشيهم النعاس فأنامهم، وتساقطت من أكفهم أقلامهم،
فانتبهوا مذعورين، ودلكوا بأيديهم عيونهم، ثم عادوا إلى الكتابة
حرصاً عليها، لعلمت أنهم حراس الإسلام وخزان الملك العلام، فإذا
стр. 49
قضوا من بعض ما راموا أوطارهم انصرفوا قاصدين ديارهم، فلزموا المساجد وعمروا المشاهد.
وقد قيل للإمام أحمد: أيرحل الرجل في طلب العلم؟ فقال: بلى والله شديداً، لقد كان علقمة بن قيس النخعي والأسود بن يزيد النخعي وهما من أهل الكوفة، كانا إذا بلغهما الحديث عن عمر ﵁ لم يقنعا حتى يرحلا إلى المدينة فيسمعا الحديث منه.
ورحلاتهم ليست يوماً أو يومين فحسب، بل سنوات طويلة وأشهر متتابعة، مع ما فيها من مشقة وجهد، وجوع وعطش، وخطر الطريق وآفات المسير.
فقد رحل الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده لطلب العلم وعمره عشرون سنة، ورجع إلى بلده وعمره خمسة وستون عاماً، وكانت مدة رحلته خمسة وأربعين عاماً، وسمع فيها العلم وتلقاه عن ألف وسبعمائة شيخ، فلما رجع إلى بلده تزوج وهو ابن خمسة وستين عاماً، ورزق الأولاد، وحدث الناس وعلمهم (١).
وقال ابن المقرئ يحدث عن نفسه: طفت المشرق والمغرب أربع مرات.
وقال: مشيت بسبب نسخة «المفضل بن فضالة» سبعين مرحلة، ولو عرضت على خباز برغيف لم يقبلها (٢).
وقال عبد الله بن بريدة: إن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى
стр. 50
فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه وهو يمد لناقة له، فقال: مرحباً، قال: أما إني لم آتك زائراً، ولكن سمعت أنا وأنت حديثاً من رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك منه علم. قال: ما هو؟ قال: كذا وكذا (١).
وجابر بن عبد الله الصحابي الجليل يروي قصة رحلته فيقول:
بلغني حديث عن رسول الله ﷺ لم أسمعه، فابتعت بعيراً فشددت عليه رحلي، وسرت شهراً، حتى قدمت الشام، فأتيت عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فأتاه، فقال له: جابر بن عبد الله؟ فأتاني فقال لي، فقلت: نعم. فرجع فأخبره، فقام يطأطئ ثوبه حتى لقيني فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص لم أسمعه، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول .... فذكر الحديث (٢).
أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبئك عن تفصيلها ببيان
ذكاء، وحرص، واجتهاد، وبلغة ... وصحبة أستاذ، وطول زمان (٣)
والإمام البخاري رحل إلى محدثي الأمصار، وكتب بخراسان
стр. 51
والجبال ومدن العراق كلها والحجاز والشام ومصر، وورد بغداد دفعات (١).
وقال ﵀ محدثاً عن نفسه: كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث إلا أذكر إسناده (٢).
وهذا أبو حاتم الرازي كان يرتحل في طلب أحاديث رسول الله ﷺ ماشياً على أقدامه، وقال وهو يتحدث عن نفسه:
مشيت على قدمي ألف فرسخ (٣)، ثم تركت العدد (٤).
نعم يا أهل الهمم، مشى على قدمه أكثر من خمسة آلاف كيلو متر.
وقد سافر من البحرين إلى مصر، ومن مصر إلى الرملة، ومن الرملة إلى طرسوس على أقدامه، وضاقت عليه النفقات مرة في البصرة فباع ثيابه حتى نفدت، وجاع يومين، فأعلم رفيقه، فساعده وخدمه (٥).
والمكتبات اليوم عامرة بالكتب وعلى بعد خطوات، ولكن أين المجدون وأين المشمرون؟ !
دببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم ... وعانق من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا (٦)
стр. 52
قال أبو العلاء الهمداني: رحلت إلى بغداد لطلب العلم، فكنت أبيت الليل في المساجد وآكل خبز الذرة.
وكان يمشي في اليوم الواحد ثلاثين فرسخاً (١) وهو حامل كتبه على ظهره لأجل طلب العلم.
ورحل عمر بن عبد الكريم الرواسي في طلب العلم، وسمع العلم من ثلاثة آلاف وستمائة شيخ، وفي إحدى رحلاته سقطت بعض أصابعه من شدة البرد والثلج، ولم يكن معه آنذاك ما يتدفأ به (٢).
وقال أبو العالية: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله ﷺ فما نرضى حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم (٣).
وتأمل ما يجدون من التعب والنصب ومجاهدة الأخطار وصعوبة الأسفار.
قال عبد الرحمن بن خراش المروزي: شربت بولي في السفر لطلب علم الحديث خمس مرات (٤).
ومقصوده ﵀ أنه كان يسافر الأسفار البعيدة
ويقطع المسافات الطويلة لطلب العلم، فربما في بعض رحلاته نفد عليه
стр. 53
الماء فشرب بعض بوله ليدفع عن نفسه الموت.
وقال محمد بن أبي حاتم أيضاً: خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتخلفت عني نفقتي حتى جعلت أتناول الحشيش ولا أخبر بذلك أحداً، فلما كان اليوم الثالث أتاني آت لم أعرفه فناولني صرة دنانير، وقال: أنفق على نفسك (١).
أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟ !
رحل الإمام الحافظ محمد بن طاهر المقدسي في طلب العلم، وكان ما قال واصفاً حاله أثناء رحلته: بلت الدم في طلبي للحديث مرتين: مرة ببغداد ومرة بمكة؛ وذلك أني كنت أمشي حافياً في سفري لطلب العلم في شدة الحر وعلى الرمضاء المحرقة، فأثر ذلك في جسدي فبلت دماً، وما ركبت دابة قط في طلب الحديث إلا مرة واحدة، وكنت دائماً أحمل كتبي على ظهري في أثناء سفري، حتى استوطنت البلاد وما سألت في حال طلبي للعلم أحداً من الناس مالاً، وكنت أعيش على ما يأتيني الله به من رزق من غير سؤال (٢).
ورحل مسروق بن الأجدع من أجل حرف واحد، ورحل أبو سعيد في حرف واحد (٣).
وقال سعد بن المسيب ﵀: كنت أرحل الأيام والليالي في طلب حديث واحد (٤).
стр. 54
وسافر عامر بن شراحبيل من الكوفة إلى مكة، لأجل ثلاثة أحاديث ذكرت له فقال: أسافر إلى مكة لعلي ألقى رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ فأسمعها منه.
وكان إسحاق بن منصور المروزي من تلاميذ الإمام أحمد، وقد كتب عن الإمام أحمد مجموعة من المسائل الفقهية ثم رجع إلى بلده نيسابور، ثم إنه بلغه أن الإمام أحمد قد رجع عن تلك المسائل وصار يفتي بغيرها، فوضع إسحاق صحفه وكتبه التي فيها تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره، وخرج راحلاً على قدميه من نيسابور (١) إلى بغداد، حتى لقي الإمام أحمد وسأله عن تلك المسائل فأقر له أحمد بما أفتاه به أولاً، وأعجب الإمام أحمد به (٢).
ولما خرج أحمد إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئاً (٣).
وقال أحمد بن سنان الواسطي: بلغني أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز على طعام أخذه منه، عند خروجه من اليمن.
وسرقت ثيابه وهو باليمن، فجلس في بيته ورد عليه الباب، وفقده أصحابه، فجاءوا إليه فسألوه فأخبرهم، فعرضوا عليه ذهباً فلم يقبله، ولم يأخذ منهم إلا ديناراً واحداً، ليكتب لهم به ـ أي أخذ الدينار على
стр. 55
أن يكون أجرة لما ينسخه لهم من الكتب ـ فكتب لهم بالأجر، رحمه الله تعالى (١).
نعم هذه حال إمام أهل السنة، قدس الله روحه وأمطر عليه شآبيب رحمته.
وأما ما أصابه أيام المحنة مع صبره وثباته فهو عجيب يطيب سماعه.
لله يعلم ما قبلت سيرتهم ... يوماً فأخطأ دمع العين مجراه
أما بقي بن مخلد فقد قام برحلتين إلى الشام والحجاز؛ الأولى استغرقت أربعة عشر عاماً والثانية استمرت عشرين عاماً، وكلها كانت على الأقدام ماشياً كما صرح هو بذلك حيث قال: كل من رحلت إليه فماشياً على قدمي (٢).
وقال عبدان الجواليقي: رحلت إلى البصرة ثماني عشرة مرة من أجل حديث أيوب السختياني كلما ذكر لي حديث من أحاديثه يوجد فيها رحلت إليها لأسمعه.
وهذه الرحلة وهذا الصبر في طلب العلم لا يتم إلا كما أجاب الشعبي عندما سئل: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاغتمام، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمام، وبكور كبكور الغراب (٣).
وصدق والله. إنما يقطع السفر بلزوم الجادة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق، ونام الليل كله، فمتى يصل إلى مقصده؟ ! (٤).
стр. 56
الجد بالجد والحرمان في الكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
إليك صبر وهمة أحدهم، ولعل قلبك يتحرك وأنت تتخيل المخاطر والأهوال التي يلاقيها والمصاعب التي يواجهها؛ فقد سافر الخطيب التبريزي من تبريز إلى معرة النعمان، وأخذ معه كتاب تهذيب اللغة للأزهري ليقرأه على عالم مشهور في معرة النعمان، ووضع الكتاب في جراب له وحمله على ظهره، وكان ﵀ فقيراً لا مال له، فلم يقدر على استئجار دابة ليركبها، فقطع المسافة ماشياً على رجليه في شدة الحر والقيظ والرمضاء، حتى أنه من كثرة العرق الذي تصبب منه في شدة الحر في هذه الرحلة تسرب البلل من ظهره إلى ثيابه ومن ثيابه إلى الجراب الذي فيه الكتاب، ووصل البلل إلى الكتاب فأثر في الخبر وأفسد بعض الكلمات حتى أن من رأى الكتاب يظنه قد غمس في ماء، وما هو إلا عرق الخطيب التبريزي (١).
والسؤال نحو القارئ الحبيب: كم قطرة عرق نزلت من على جبينك طوال سنوات تحصيلك العلمي؟ ! بل وكم سنة تغربت في طلب حديث أو تفسير آية؟ !
هذا إمام أهل السنة الإمام أحمد قد طلب الحديث وهو ابن ست عشرة سنة، وخرج إلى الكوفة سنة ثلاث وثمانين ومائة، وهو أول
سفر له، وخرج إلى البصرة سنة ست وثمانين، وخرج إلى سفيان
ابن عيينة إلى قلة سنة سبع وثمانين، وهي أول سنة حج فيها الإمام أحمد،
стр. 57
وخرج إلى عبد الرزاق بصنعاء اليمن سنة سبع وتسعين، ورافق يحيى بن معين في رحلته إليه.
ورحل هشام بن عمار إلى الإمام مالك بن أنس، وهو بالمدينة، ليسمع عنه العلم، قال: فدخلت على مالك وأخبرته خبري، وقلت له: بحديث بحيث رسول الله ﷺ فقال: لا بل اقرأ أنت علي، فقلت: لا، بل حدثني، فقال: اقرأ، فلما راجعته وراددته في الكلام قال لبعض خدمه: يا غلام! اذهب بهذا واضربه خمسة عشر سوطاً، قال هشام: فذهب بي وضربني ثم ردني إلى مالك، فقلت لمالك: لقد ظلمني؛ ضربتني بغير ذنب اقترفته، ولا أجعلك في حل، فقال مالك: فما كفارة هذا الظلم؟ فقلت: كفارته أن تحدثني بخمسة عشر حديثاً، قال هشام: فحدثني بخمسة عشر حديثاً، فلما فرغ قلت له: زد من الضرب وزد في الحديث، فضحك مالك وقال لي: انصرف (١).
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ (٢)، لم أزل أحصي حتى لما زاد على الألف فرسخ تركته، ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة، ومن
مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحرين من قرب مدينة
صلا إلى مصر ماشياً، ومن مصر إلى الرملة ماشياً، ومن الرملة
إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن
стр. 58
طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طرسوس، ثم رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بقي علي شيء من حديث أبي اليمان فسمعت، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشياً، كل هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة أجول سبع سنين، خرجت من الري سنة ثلاث عشرة ومائتين، قدمنا الكوفة في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة والمقرئ حي بمكة وجاءنا نعيه ونحن بالكوفة، ورجعت سنة إحدى وعشرين ومائتين.
وخرجت المرة الثانية سنة اثنتين وأربعين ورجعت سنة خمس وأربعين، أقمت ثلاث سنين، وقدمت طرسوس سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة (١).
ومع ما في رحلتهم من حفظ للعلم ونشره فإن إبراهيم بن أدهم يذكرنا بأمر مهم يجلب الخير ويدفع البلاء وهو عبادة الله ، والتقرب إليه بالأعمال الصالحة؛ ومن أهمها حفظ هذا الدين بالعلم الشرعي: إن الله يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أهل الحديث (٢).
وقال ابن الجوزي: لقد طاف الإمام أحمد بن حنبل الدنيا مرتين حتى جمع كتابه المسند (٣).
стр. 59
وانظر إلى علو الهمة وطول الصبر فقد قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حججت خمس حجج، منها ثلاث حجج راجلاً (من بغداد) أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهماً (١).
وقال محمد بن إسحاق الأرغياني: ما أعلم منبراً من منابر الإسلام بقي علي لم أدخله لسماع الحديث.
وأما محمود بن عمر الزمخشري فقد سافر لطلب العلم، فلما كان ببعض أسفاره في بلاد خوارزم، أصابه برد شديد وثلج كثير في الطريق، فسقطت إحدى رجليه من شدة البرد، وكان الزمخشري بعد ذلك معه محضر فيه شهادة خلق كثير، أن رجله سقطت من البرد، لئلا يظن أحد أنها قطعت في حد من الحدود الشرعية (٢).
وقال يحيى بن معين: خرجت إلى صنعاء أنا وأحمد بن حنبل، لنسمع الحديث عن إمام أهل اليمن عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وفي طريقنا من بغداد إلى اليمن مررنا بمكة فحججنا مع الناس، فبينا أنا في الطواف إذ لقيت عبد الرزاق بن همام وهو يطوف بالبيت، وكان قد حج في ذلك العام، فسلمت عليه وأخبرته أن معي في سفري أحمد بن حنبل، فدعا لأحمد وأثنى عليه خيراً.
قال ابن معين: فرجعت إلى أحمد وقلت له: قد قرب الله
خطانا، ووفر علينا النفقة، وأراحنا من السير مسيرة شهر، وهذا عبد الرزاق هاهنا فلنسمع الحديث منه هنا بمكة، فقال أحمد: إني نويت وأنا
стр. 60
ببغداد أن أسمع من عبد الرزاق بصنعاء، ولا والله لا أغير نيتي أبداً، فلما قضينا حجنا ارتحلنا إلى صنعاء، ثم نفذت نفقة أحمد ونحن بصنعاء، فعرض عليه عبد الرزاق مالاً فرفضه، ولم يقبل مساعدة أحد، وكان يعمل التكك ويقتات من ثمنها (١).
عن أبان بن أبي عياش قال: قال لي أبو معشر الكوفي: خرجت من الكوفة إليك ـ إلى البصرة ـ في حديث بلغني عنك، قال: فحدثته به (٢). (والمسافة بين الكوفة والبصرة أكثر من ٣٥٠ كيلومتراً).
ورحل بقي بن مخلد من الأندلس إلى بغداد، على قدميه ماشياً، وقطع القفار والبحار والجبال وكان عمره آنذاك عشرين سنة، وكان مقصوده لقاء الإمام أحمد بن حنبل وسماع الحديث منه، ولما اقترب من بغداد جاءه خبر محنة لإمام أحمد في فتنة القول بخلق القرآن، وبلغه أن الإمام أحمد قد منع من التدريس وإقامة الحلقات، وأنه مقيم في بيته رهن الإقامة الجبرية، قال بقي: فاغتممت لذلك أشد الهم والاغتمام، ولكنه أصر على مواصلة رحلته، فلما وصل بغداد وضع متاعه
ثم ذهب إلى الجامع الكبير بها، ثم خرج باحثاً عن منزل أحمد، فدل عليه، فطرق الباب ففتح له أحمد، فقال له بقي: أنا رجل غريب الدار
وطالب حديث، وما كانت رحلتي إلا إليك، فقال: وأين بلدك؟ قلت: المغرب الأقصى، أجوز من بلدي البحر إلى إفريقية (أي
من الأندلس) فقال: إن موضعك لبعيد، ووددت مساعدتك ولكني في
стр. 61
حيني هذا ممتحن ومحبوس في داري، فقال بقي: يا أبا عبد الله! أنا رجل غريب لا يعرفني أحد من أهل بغداد، فإن أذنت لي أن آتيك كل يوم في زي السؤال، فأطرق الباب وأسال الصدقة، فتخرج إلي فتحدثني ولو بحديث واحد كل يوم، فقال أحمد: نعم بشرط ألا تظهر في الحلق وعند أصحاب الحديث، قال بقي: فكنت آخذ عوداً بيدي وألف رأسي بخرقة، وأجعل ورقي ومحبرتي في كمي، ثم آتي باب الدار فأصيح: الأجر رحمكم الله، فيخرج إلي أحمد، ويغلق باب الدار، ويحدثني بالحديثين والثلاثة حتى اجتمع لي نحو ثلاثمائة حديث، ثم إن الله رفع المحنة عن الإمام أحمد وسمح له بعقد الدروس والحلقات، فكنت إذا جئته وهو في حلقته أفسح لي المكان وأجلسني بجواره، وقال لتلاميذه: هذا يصدق عليه اسم طالب العلم، ثم يقص عليهم قصتي معه، ثم مرة مرضت فأتاني أحمد يعودني ومعه أصحابه ومعهم أقلامهم يكتبون كلام شيخهم (١).
وقال الإمام أحمد: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً (٢).
وقال أبو حامد الإسفراييني: لو رحل رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب «التفسير» لمحمد بن جرير لم يكن ذلك كثيراً (٣).
وتفسير ابن كثير الآن بين أيدينا فكم من المسلمين من يقرأه؟ !
стр. 62
طواه النسيان، واعتلاه عند أصحاب المكتبات الغبار. أما أولئك فإنهم أصحاب جهاد وصبر.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١).
قال الفضيل: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به (٢).
وتأمل سيرة الأئمة الأعلام كيف يسر الله لهم هذا الطريق وفتح لهم مغاليق الأبواب.
عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄: لما قبض رسول الله ﷺ وأنا شاب، قلت لشاب من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ ولنتعلم منهم فإنهم اليوم كثير، فقال لي: يا عجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم؟ قال ابن عباس: فتركت ذلك الرجل وأقبلت أنا على المسألة، وجعلت أتبع الصحابة وأسألهم، فإن كنت لآتي الرجل في طلب حديث واحد يبلغني أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، فأجده قائلاً فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح على وجهي التراب (أي تنثره) حتى يخرج، فإذا خرج قال: ابن عم رسول الله ﷺ ؟ ! ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك، فأقول: لا أنا
أحق أن آتيك، بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ فأحببت أن أسمعه منك. قال ابن عباس: فكان ذاك الفتى الأنصاري يراني بعد
стр. 63
ذلك وقد اجتمع الناس حولي يسألونني فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني (١).
وهذا يعقوب بن سفيان يتحدث عن طلبه للعلم وصبره على ذلك ومجاهدته النفس حتى رزقه الله العلم والفقه فيقول: أقمت في الرحل ثلاثين عاماً، ففي إحدى رحلاتي قلت نفقتي، فكنت أعمل بنسخ الكتب ليلاً، وأطلب العلم بالنهار، وفي ذات ليلة بينا أنا جالس أكتب وأنسخ على ضوء السراج، وكان الوقت شتاءً، إذ نزل الماء في عيني، وما عدت أبصر شيئاً فبكيت أسفاً على ذهاب بصري لما سيفوتني من قراءة العلم وكتابته، فغلبتني عيناي فنمت وأنا على تلك الحال، فرأيت رسول الله ﷺ في المنام، فناداني وقال: لم بكيت؟ فقلت: ذهب بصري فتحصرت على ما فاتني من العلم، فقال لي: ادن مني، فدنوت منه، فأمر يده على عيني كأنه يقرأ عليها ثم استيقظت فأبصرت، فأخذت نسختي وواصلت الكتابة (٢).
وذكر القاضي عياض أن أبا الوليد الباجي كان أصله من «بطليوس» ثم انتقل إلى «باجة الأندلس» فقيراً حتى احتاج أثناء سفره إلى أن يؤجر نفسه لحراسة درب من الدروب، فكان يستعين بأجره الحراسة على النفقة لطلب العلم، وبضوء مصابيح الدرب على
القراءة والمطالعة، ثم إنه تولى ضرب صفائح الذهب وطرقها ودقها
لتكون خيوطاً توضح في النسيج والقماش، فكان يخرج إلى بعض تلاميذه
стр. 64
القلائل وفي يديه أثر المطرقة وصدأ العمل، ثم بعد ذلك فشا علمه واشتهر صيته وذاعت شهرته فأغناه الله من فضله (١).
أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماشٍ على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم
أما عبد الله بن حمود الزبيدي فقد طلب العلم على يد أبي علي الفارسي، ففي ذات مرة نام في بيت الدواب الذي كان خارج دار أبي علي الفارسي، وكانت فيه دابة أبي علي، وإنما فعل الزبيدي ذلك لأجل أن يسبق الطلبة إلى أبي علي الفارسي قبل أن يزدحموا عليه، ففي ذات مرة خرج أبو علي من بيته لصلاة الفجر مبكراً قبل طلوع الفجر، فشعر به الزبيدي فتبعه في الظلام، فخاف أبو علي وظنه لصاً وقال: ويحك من تكون؟ قال أنا تلميذك عبد الله الزبيدي، فصاح فيه: إلى متى تتبعني؟ والله ما على الأرض أحد أعلم بالنحو منك.
وحكى أبو الحسن يوسف بن أبي ذر البخاري أن محمد بن إسماعيل البخاري مرض، فعرضوا ماءه على الأطباء، فقالوا: إن هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النصارى فإنهم لا يأتدمون، فصدقهم محمد بن إسماعيل وقال: لم آتدم منذ أربعين سنة، فسألوا عن علاجه؟ فقالوا: علاجه الإدام، فامتنع حتى ألح عليه المشايخ وأهل العلم فأجابهم إلى أن يأكل مع الخبز سكرة (٢).
стр. 65
بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي
تروم العز ثم تنام ليلاً ... يغوص البحر من طلب اللآلي
أخي القارئ:
لعلك تسير بين السطور لترى رحلة أولئك بين هجير الشمس وزمهرير الشتاء وضيق العيش وكرب السفر.
رحل عبد الله بن فروخ القيرواني إلى أبي حنيفة ليطلب عنده العلم، فبينا عبد الله جالس ذات يوم في منزل أبي حنيفة إذ سقطت آجرة على رأس عبد الله بن فروخ فشجت رأسه وسال دمه، فقال له أبو حنيفة: اختر إما الدية أو ثلاثمائة حديث، فقال عبد الله: بل أختار ثلاثمائة حديث، قال: فحدثني بها (١).
وقال الإمام أحمد ﵀: كنت ربما أردت البكور في طلب الحديث، فتأخذ أمي بثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا (٢).
وحينما سئل أبو القاسم الطبراني عن سبب كثرة حفظه وكتابته للأحاديث فقال: كنت أنام على البواري (أي الحصر التي في المساجد) ثلاثين سنة (٣).
стр. 66
أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟
قال أبو الفضل بن بنيمان: رأيت أبا العلاء الهمذاني في مسجد من مساجد بغداد يكتب وهو قائم لأن السراج كان عالياً (١).
وقال عمر بن حفص: فقدنا البخاري أياماً من كتابة الحديث بالبصرة، فطلبناه فوجدناه في بيته وهو عريان، وقد نفد ما عنده من مال ولم يبق معه شيء، فجمعنا له دراهم واشترينا له ثوباً، فكسوناه إياه (٢).
نعم هذه حال جامع صحيح البخاري ﵀، وأجزل مثوبته، وجزاه عن الإسلام خير الجزاء.
وتأمل أخي القارئ في طول الصبر والمصابرة والجهد والمجاهدة ..
قال مالك: كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه.
العلم يحيي أناساً في قبورهم ... والجهل يلحق أحياءً بأموات
قال مصعب الزبيري: أوصى يحيى بن زكريا إلي بكتب سليمان بن بلال التي كانت عنده، فأخذ كتب سليمان وخبأتها عندي، فجاء الفأر فبال عليها، فكنت أقرأ ما استبان لي من الكلمات وأدع ما طمسه بول الفأر.
وقال الإمام أحمد: رحلت في طلب العلم والسنة إلى
الثغور، والشامات، والسواحل، والمغرب، والجزائر، ومكة، والمدينة،
стр. 67
والحجاز، واليمن، والعراقيين جميعاً، وفارس، وخراسان، والجبال، والأطراف، ثم عدت إلى بغداد.
وخرجت إلى الكوفة، فكنت في بيت تحت رأسي لبنة! فحممت!
فرجعت إلى أمي رحمها الله ولم أكن استأذنتها، ولو كان عندي تسعون درهماً كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الري (١)، وخرج بعض أصحابنا ولم يمكني الخروج، لأنه لم يكن عندي شيء! (٢).
وقال الوراق عن الإمام البخاري:
كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ، فكنت أراه يقوم في الليلة الواحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري ناراً بيده ويسرج ويخرج أحاديث فيعلم عليها ثم يضع رأسه، فقلت له: إنك تحمل على نفسك كل هذا ولا توقظني، قال: أنت شاب فلا أحب أن أفسد عليك نومك (٣).
﵏ وأجزل مثوبتهم، ورزقنا من صبرهم وأفاض علينا من علمهم، وجمعنا وإياهم ووالدينا في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.
стр. 68
حفظ الوقت
رأس مال الإنسان هو وقته، وحال العلماء ومحافظتهم على أوقاتهم يجب الوقوف عندها والتأمل فيها؛ فإن في مراجعتها إحياء للهمم، وتقوية للعزائم، وطرداً للكسل، وإبعاداً للخمول.
ها هو الصحابي الجليل معاذ بن جبل ﵁ عندما حضرته الوفاة قال لجاريته: ويحك! هل أصبحنا؟ قالت: لا، ثم تركها ساعة، ثم قال: انظري، فقالت: نعم، فقال: أعوذ بالله من صباح إلى النار، ثم قال: مرحباً بالموت، مرحباً بزائرٍ جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، ولظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر (١).
وهذا الإمام البخاري ﵀ يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى، حتى كان يتعدد ذلك منه في الليلة الواحدة قريباً من عشرين مرة (٢).
وذكر في ترجمة سليمان بن إبراهيم العلوي أنه أتى على البخاري
стр. 69
نحواً من مائتين وثمانين مرة قراءة وسماعاً وإقراءً.
وقال أحمد بن حنبل: قال أبو أسامة ﵀: كتبت بيدي هذه مائة ألف حديث.
وقال يحيى بن معين ﵀ كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث (١).
ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليساً
ليس شيء أعز عندي من العلم ... فلم أبتغ سواه أنيساً
إنما الذل في مخالطة الناس ... فدعهم وعش عزيزاً رئيساً (٢)
وذكر عن عباس بن الوليد الفارسي أن بعض إخوانه وجدوا مكتوباً في آخر بعض كتبه: درست هذا الكتاب ألف مرة.
وذكر في ترجمة ابن التبان أنه أخذ العلم عن ابن اللباد وغيره، ودرس كتاب «المدونة» نحو ألف مرة.
وقال محمد بن عبد الله الأبهري: قرأت مختصر ابن عبد الحكم خمسمائة مرة، وكتاب الأسدية خمساً وسبعين مرة، والموطأ خمساً وأربعين مرة، ومختصر البرقي سبعين مرة، والمبسوط ثلاثين مرة.
قال بعض السلف: إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت
стр. 70
على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (١).
وقال سعيد بن فيروز: لأن أكون في قوم أتعلم منهم، أحب إلي من أن أكون في قوم أنا أعلمهم (٢).
وعندما سئل ابن المبارك: إلى كم تكتب الحديث؟ قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أسمعها بعد.
وقال محمد بن إسماعيل الصائغ: مر بنا أحمد بن حنبل ونعلاه في يديه وهو يركض في دروب بغداد ينتقل من حلقة لأخرى، فقام أبي وأخذ بمجامع ثوبه وقال له: يا أبا عبد الله! إلى متى تطلب العلم؟ قال: إلى الموت (٣).
يا طالب العلم:
من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل للفضائل، وأنه كلما علت مرتبته في علم وعمل وزادت المرتبة في دار الجزاء، انتهب الزمان ولم يضيع لحظةً، ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حصلها (٤).
قال عبد الله بن محمد البغوي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر (٥).
أما أبو سعد السمعاني فقد رحل إلى بغداد وعمره ستة عشر عاماً، ليدرك
стр. 71
أبا نصر الزيني، ليسمع منه حديث علي بن الجعد عن شعبة، فلما وصل بغداد تلقاه نبأ وفاة أبي نصر الزيني، فبكى أبو سعد وجعل يقول: من أين لي علي بن الجعد عن شعبة؟
وكتب أبو علي الفارسي مجموعة من كتب العلم بيده، ثم إنه جاء حريق فالتهم تلك الكتب، فبقي أبو علي شهرين كاملين لا يكلم أحداً، من شدة الهم والحزن على هذه المصيبة، وبقي مدة ذاهلاً متحيراً من هذه الصدمة، ثم صبره الله وعاد إلى رشده.
وفقد الكتاب كفقد الصواب ... فيا هول من قد أضاع الكتب
وقديماً قالوا: كتابك الذي تكتبه بيدك هو ولدك المخلد بعد موتك.
وأما هموم الناس اليوم فهي هموم الدنيا وجمع حطامها؛ يصبح الكثير من الناس ويمسي وهو مهموم مغموم من دينار فاته أو درهم خسره.
ونتحدث عن الحماسة لطلب العلم الشرعي، لأننا في زمان ماتت فيه الهمم، وضعفت فيه العزائم، وقلت فيه رغبة الناس في تحصيل العلم الشرعي.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من الكتاب، فأبيت ساهراً الليل كله فرحاً مني بتلك الفائدة.
وبات محمد بن أحمد النسفي ليلة قلقاً حزيناً لما أصابه من الفقر وركبه من الدين، وكانت قد أشكلت عليه مسألة فقهية لم يعرف جوابها، ففكر فيها في ظلام الليل وهو مهموم حزين ففتحها الله
عليه وعرف جوابها، فقام يدور في غرفته ويتمايل طرباً، ويقول: أين
стр. 72
الملوك وأهل الدنيا؟ فتعجب امرأته من حاله، وظنت أنه قد وجد سبيلاً للحصول على مال يسد به فقره، فسألته: ما لك؟ فأخبرها الخبر؛ فتعجبت وحزنت.
وعندما سئل الإمام الشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ فقال: أسمع بالحرف من العلم لم أسمعها من قبل، فتود أعضائي أن لها آذاناً تتنعم بها بهذه الكلمة كما تنعمت بها أذناي، فقيل له: كيف حرصك على تحصيل العلم؟ فقال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال. فقيل له: فكيف طلبك للعلم؟ فقال: كطلب المرأة التي أضاعت ولدها وليس لها ولد سواه.
وقالوا لبعض السلف: من يؤنسك؟ قال: فضرب بيديه على كتبه وقال: هذه، فقالوا: من الناس؟ قال: الناس الذين فيها.
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (١).
стр. 73
قال الخطيب البغدادي:
جمع رسول الله ﷺ في هذا الحديث مراتب الفقهاء والمتفقهين من غير أن يشذ منها شيءٌ؛ فالأرض الطيبة: هي مثل الفقيه الضابط لما روى، الفاهم للمعاني، المحسن لرد ما اختلف فيه إلى الكتاب والسنة، والأجادب الممسكة للماء التي يستقي منها الناس هي مثل الطائفة التي حفظت ما سمعت فقط، وضبطته وأمسكته، حتى أدته إلى غيرها محفوظاً غير مغيرٍ، دون أن يكون لها فقه تتصرف فيه ولا فهمٌ بالرد المذكور وكيفيته، لكن نفع الله بها في التبليغ، فبلغت إلى من لعله أوعى منها كما قال رسول الله ﷺ : «رب مبلغٍ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه».
ومن لم يحفظ ما سمع ولا ضبط فليس مثل الأرض الطيبة ولا مثل الأجادب، بل هو محروم، ومثله مثل القيعان التي لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء.
ومع تيسير السبل وسهولة طلب العلم كم فينا من المحرومين منه والغافلين عنه؟ !
رحل أسد بن الفرات ﵀ إلى محمد بن الحسن الشيباني، ولما حضر عنده، قال له: إني رجل غريب قليل النفقة والسماع منك قليل، والطلبة عندك كثير، فقال له محمد بن الحسن: اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك فتبيته عندي وأحدثك بالعلم، قال أسد: فكنت أبيت الليل في منزل محمد بن الحسن، فينزل إلي ومعه قدح من الماء، ثم يأخذ ويبدأ في القراءة من كتب العلم
وأنا أستمع إليه، فإن طال الليل ونعست ملأ بالماء ونضح به
стр. 74
وجهي فأنتبه، وهكذا عدة مرات في الليل، حتى أنهيت ما أريد سماعه منه، وكان محمد بن الحسن يتعهد أسد بن الفرات بالنفقة حين علم أن نفقته قد انتهت.
﵏. لقد صدق عليهم حديث الرسول ﷺ حيث رفعوا للأمة رأساً وللعلم مناراً.
يا طالب العلم باشر الورعا ... وباين النوم، واهجر الشبعا
ما ضر عبداً صحت إرادته ... أجاع يوماً في الله أو شبعا (١)
قال الحميدي: خرجت مع الشافعي إلى مصر، فكان هو ساكناً في العلو، ونحن في الأوساط، فربما خرجت في بعض الليل فأرى المصباح فأصيح بالغلام فيسمع صوتي فيقول: بحقي عليك ارق، فأرقى فإذا قرطاس وحبر، فأقول: مه يا أبا عبد الله، فيقول: تفكرت في معنى حديث أو في مسألة فخفت أن يذهب علي فأمرت بالمصباح وكتبته (٢).
قال أبو زكريا يحيى بن محمد: دخلت على أبي: محمد بن يحيى الذهلي في الصيف الصائف وقت القائلة، وهو في بيت كتبه، وبين يديه السراج، فقلت: يا أبه! ، هذا وقت الصيف، ودخان هذا السراج بالنهار يضرك! فلو نفست عن نفسك؟ فقال لي: يا بني! تقول لي هذا وأنا مع رسول الله ﷺ ومع أصحابه والتابعين؟ ! (٣).
стр. 75
أيها الحبيب ..
هذه هي مجالسهم وأولئك جلساؤهم.
مجالسهم مثل الرياض أنيقة ... لقد طاب منها الريح واللون والطعم
قال أبو بكر النيسابوري مخبراً عن نفسه: لقد أقمت أربعين سنة لا أنام الليل إلا جاثياً، وصليت الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وهذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، إيش أقول لمن زوجني، ثم قال: ما أراد إلا الخير (١).
وكان هذا السهر والنصب ألذ عند السلف من سائر ملذات الدنيا، ولذا قال قائلهم:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي ... من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طرباً لكل عويصة ... أشهى من النغمات للعشاق
وألذ من نقر الفتاة لدفها ... نقري لألقي الرمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدجى وتبيته ... نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي؟
سأل طلبة العلم ابن برهان أحمد بن على البغدادي أن يخصص لهم وقتاً ليدرسهم فيه أحد الكتب فقال لهم: لا أجد لكم وقتاً، فكانوا
كلما حددوا له وقتاً قال لهم: أنا في هذا الوقت مشغول بمذاكرة