← Сира

Сира · id 36551

يوم في بيت الرسول

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (85 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد لله الذي بعث رسوله بالهدى ودين الحق، والصلاة والسلام على إمام المرسلين المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن غالب الناس في هذا الزمن بين غالٍ وجافٍ، فمنهم من غلا في الرسول ﷺ حتى وصل به الأمر إلى الشرك -والعياذ بالله- من دعا الرسول ﷺ والاستغاثة به، وفيهم من غفل عن اتباع هديه ﷺ وسيرته فلم يتخذها نبراسًا لحياته ومعلمًا لطريقه. ورغبة في تقريب سيرته ودقائق حياته إلى عامة الناس بأسلوب سهل ميسر كانت هذه الورقات القليلة التي لا تفي بكل ذلك. لكنها وقفات ومقتطفات من صفات النبي ﷺ وشمائله، ولم أستقصها، بل اقتصرت على ما أراه قد تفلت من حياة الناس، مكتفيًا عند كل خصلة ومنقبة بحديثين أو ثلاثة، فقد كانت حياته ﷺ حياة أمة وقيام دعوة ومنهاج حياة .. وهو ﵊ أمة في الطاعة والعبادة، وكرم الخلق وحسن المعاملة، وشرف المقام، ويكفي ثناء الله عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وأهل السنة والجماعة ينزلون الرسول ﷺ منزلته التي أنزله الله إياها، فهو عبد الله ورسوله وخليله وصفيه، يحبونه أكثر من أولادهم وآبائهم بل أكثر من أنفسهم لكنهم لا يغلون فيه ولا يطرونه وحسبه تلك المنزلة.

стр. 2

ونحن على هذا الأمر سائرون فلا نبتدع الموالد ولا نقيم الاحتفالات، بل نحبه كما أمر ونطيعه فيما أمر، ونجتنب ما نهى عنه وزجر. فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم أغر عليه للنبوة خاتم ... من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا أحمد وإن فاتنا في هذه الدنيا رؤية الحبيب ﷺ وتباعدت بيننا الأيام .. فأدعو الله أن نكون ممن قال فيهم الرسول ﷺ : «وددت أنا قد رأينا إخواننا» قالوا: ألسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد» فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: «أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض ... » (١).

стр. 3

أدعو الله أن يجعلنا ممن يتلمس أثره ﷺ ويقتفي سيرته وينهل من سنته كما أدعو الله أن يجمعنا معه في جنات عدن، وأن يجزيه الجزاء الأوفى جزاء ما قدم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم

стр. 4

الزيارة سنعود قرونًا خلت ونقلب صفحات مضت، نقرأ فيها ونتأمل سطورها، ونقوم بزيارة لرسول الله ﷺ في بيته عبر الحروف والكلمات .. سندخل بيته ونرى حاله وواقعه ونسمع حديثه، نعيش في البيت النبوي يومًا واحدًا فحسب، نستلهم الدروس والعبر ونستنير بالقول والفعل. لقد تفتحت معارف الناس وكثرت قراءتهم وأخذوا يزورون الشرق والغرب عبر الكتب والرسائل وعبر الأفلام والوثائق، ونحن أحق منهم بزيارة شرعية لبيت الرسول ﷺ نطل على واقعه جادين في تطبيق ما نراه ونعرفه، ولضيق المقام نعرج على مواقف معينة في بيته، علنا نربي أنفسنا ونطبق ذلك في بيوتنا. أخي المسلم: نحن لا نعود سنوات مضت وقرونًا خلت لنستمتع بما غاب عن أعيننا ونرى حال من سبقنا فحسب، بل نحن نتعبد لله بقراءة سيرته ﷺ واتباع سنته والسير على نهجه وطريقه، امتثالاً لأمر الله لنا بوجوب محبة رسوله الكريم، ومن أهم علامات محبته ﷺ طاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر. يقول الله عن وجوب طاعته وامتثال أمره ﷺ وجعله إمامًا وقدوة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).

стр. 5

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١). وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو من أربعين موضعًا في القرآن (٢) ولا سعادة للعباد، ولا نجاة في المعاد إلا باتباع رسوله، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وجعل الرسول ﷺ حبه من أسباب الحصول على حلاوة الإيمان فقال ﵊: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ... » (٣). وقال ﵊: «فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده» (٤). وسيرة الرسول ﷺ سيرة عطرة زكية منها نتعلم وعلى هديها نسير.

стр. 6

الرحلة الرحلة إلى حيث بيت الرسول ﷺ ورؤية دقائق حياته وأسلوب معاملته أمر مشوق للغاية كيف إذا احتسبنا فيه الأجر والمثوبة. إنها عظة وعبرة، وسيرة وقدوة، واتباع واقتداء، وهذه الرحلة رحلة بين الكتب ورواية على ألسنة الصحابة، وإلا فلا يجوز شد الرحال إلى قبر ولا بيت الرسول ﷺ ولا إلى غيره، سوى لثلاثة مساجد ذكرها الرسول ﷺ بقوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (١). ويجب أن نمتثل أمر الرسول ﷺ فلا نشد الرحال إلا لهذه المساجد الثلاثة والله يقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. ونحن لا نتتبع آثار النبي ﷺ ، قال ابن وضاح: «أمر عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة» (٢). وقال ابن تيمية ﵀ عن غار حراء: وكان النبي ﷺ قبل النبوة يتحنث فيه، وفيه نزل عليه الوحي أولاً، لكن من حين نزل عليه الوحي ما صعد إليه بعد ذلك، ولا قربه، لا هو ولا أصحابه،

стр. 7

وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة لم يزره ولم يصعد إليه، وكذلك المؤمنون معه بمكة، وبعد الهجرة أتى مكة مرارًا في عمرة الحديبية، وعام الفتح، وأقام بها قريبًا من عشرين يومًا وفي عمرة الجعرانة، ولم يأت غار حراء ولا زاره .. » (١). ها نحن نطل على المدينة النبوية وهذا أكبر معالمها البارزة بدأ يظهر أمامنا، إنه جبل أحد الذي قال عنه الرسول ﷺ : «هذا جبل يحبنا ونحبه» (٢). وقبل أن نلج بيت الرسول ﷺ ونرى بناءه وهيكله، لا نتعجب إن رأينا المسكن الصغير والفراش المتواضع فإن الرسول ﷺ أزهد الناس في الدنيا وكان متقللاً منها، لا ينظر إلى زخارفها وأموالها: «بل جعلت قرة عينه في الصلاة» (٣). وقد قال ﷺ عن الدنيا: «مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها» (٤). وقد أقبلنا على بيت الرسول ﷺ ونحن نستحث الخطى سائرين في طرق المدينة، هاهي قد بدت حجر أزواج رسول الله ﷺ

стр. 8

مبنية من جريد عليه طين، بعضها من حجارة مرضومة (١) وسقوفها كلها من جريد. وكان الحسن يقول: كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان بن عفان فأتناول سقفها بيدي (٢). إنه بيت متواضع وحجر صغيرة لكنها عامرة بالإيمان والطاعة وبالوحي والرسالة! ***

стр. 9

صفة الرسول ﷺ - ونحن نقترب من بيت النبوة ونطرق بابه استئذانًا .. لندع الخيال يسير مع من رأى النبي ﷺ يصفه لنا كأننا نراه، لكي نتعرف على طلعته الشريفة ومحياه الباسم. عن البراء بن عازب ﵁ قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير» (١). وعنه ﵁ قال: «كان النبي ﷺ مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئًا قط أحسن منه» (٢). وعن أبي إسحاق السبيعي قال: «سأل رجل البراء بن عازب: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا بل مثل القمر» (٣). وعن أنس ﵁ قال: «ما مسست بيدي ديباجًا ولا حريرًا، ولا شيئًا ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة أطيب من ريح رسول الله ﷺ » (٤). ومن صفاته ﵊ الحياء حتى قال عنه أبو

стр. 10

سعيد الخدري ﵁: «كان ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه» (١). إنها صفات موجزة في وصف خلقة الرسول ﷺ وخلقه وقد أكمل له الله الخلق والخلق بأبي هو وأمي ﷺ .

стр. 11

كلام الرسول ﷺ - أما وقد رأينا الرسول ﷺ وبعض صفاته، لنرا حديثه وكلامه، وما هي صفته وكيف هي طريقته لنستمع قبل أن يتحدث ﵊. عن عائشة ﵂ قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بين، فصل، يحفظه من جلس إليه» (١). وكان هينًا لينًا يحب أن يفهم كلمه، ومن حرصه على أمته كان يراعي الفوارق بين الناس، ودرجات فهمهم واستيعابهم، وهذا يستوجب أن يكون حليمًا صبورًا. عن عائشة ﵂ قالت: «كان كلام رسول الله ﷺ كلامًا فصلاً يفهمه كل من يسمعه» (٢). وتأمل رفق الرسول وسعة صدره ورحابته وهو يعيد كلامه ليُفهم. عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعيد الكلمة ثلاثًا لتعقل عنه» (٣). وكان ﷺ يلاطف الناس ويهدئ من روعهم، فالبعض تأخذه

стр. 12

المهابة والخوف. عن ابن مسعود ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل فكلمه فجعل يرعد فرائصه فقال له ﷺ : «هون عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد» (١). ***

стр. 13

داخل البيت أذن لنا واستقر بنا المقام في وسط بيت نبي هذه الأمة ﵊، لنجيل النظر وينقل لنا الصحابة واقع هذا البيت من فرش وأثاث وأدوات وغيرها. ونحن نعلم أن لا ينبغي إطلاق النظر في الحجر والدور، ولكن للتأسي والقدوة نرى بعضًا مما في هذا البيت الشريف، إنه بيت أساسه التواضع ورأس ماله الإيمان، ألا ترى أن جدرانه تخلو من صور ذوات الأرواح التي يعلقها كثير من الناس اليوم؟ فقد قال ﵊: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تصاوير» (١)، ثم أطلق بصرك لترى بعضًا مما كان الرسول ﷺ يستعمله في حياته اليومية. عن ثابت قال: أخرج إلينا أنس بن مالك قدح خشب، غليظًا مضببًا بحديد (٢) فقال: يا ثابت هذا قدح رسول الله ﷺ (٣). وكان ﷺ يشرب فيه الماء والنبيذ (٤) والعسل واللبن (٥). وعن أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يتنفس في

стр. 14

الشراب ثلاثًا» (١). يعني: يتنفس خارج الإناء. ونهى ﵊ «أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه» (٢). أما ذلك الدرع الذي كان يلبسه رسول الله ﷺ في جهاده، وفي معاركه الحربية وأيام البأس والشدة، فلربما أنه غير موجود الآن في المنزل، فقد رهنه الرسول ﷺ عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير اقترضها منه كما قالت ذلك عائشة (٣) ومات الرسول ﷺ والدرع عند اليهودي. ولم يكن ﷺ ليفجأ أهله بغتة يتخونهم، ولكن كان يدخل على أهله على علم منهم بدخوله، وكان يسلم عليهم (٤). وتأمل بعين فاحصة وقلب واع حديث الرسول ﷺ : «طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا وقنع» (٥)، وألق بسمعك نحو الحديث الآخر العظيم «من أصبح آمنًا في سربه (٦) معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (٧).

стр. 15

الأقارب لنبي الأمة ﷺ من الوفاء في صلة الرحم ما لا يفي عنه الحديث؛ فهو أكمل البشر وأتمهم في ذلك، حتى مدحه كفار قريش وأثنوا عليه ووصفوه بالصادق الأمين قبل بعثته ﵊، ووصفته خديجة ﵂ بقولها: «إنك لتصل الرحم وتصدق ... » الحديث. هاهو ﵊ يقوم بحق من أعظم الحقوق وبواجب من أعلى الواجبات، إنه يزور أمه التي ماتت عنه وهو ابن سبع سنين. قال أبو هريرة ﵁: زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت» (١). وتأمل محبته ﵊ لقرابته وحرصه على دعوتهم وهدايتهم وإنقاذهم من النار .. وتحمل المشاق والمصاعب في سبيل ذلك. عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢)، دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا فعمَّ وخصَّ، وقال: «يا بني عبد شمس، يا بني كعب بن لؤي

стр. 16

أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها (١)» (٢). وها هو الحبيب ﷺ لم يمل ولم يكل من دعوة عمه أبي طالب فعاود دعوته المرة بعد الأخرى، حتى إنه أتى إليه وهو في سياق الموت: «لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال: «أي عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله »، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ قال: فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به، على ملة عبد المطلب». فقال النبي ﷺ : «لأستغفرن لك مالم أنه عنك» فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٣) قال: ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٤)» (٥).

стр. 17

لقد دعاه الرسول ﷺ في حياته مرات ومرات، وفي اللحظات الأخيرة عند موته، ثم أتبعه الاستغفار له برًا به ورحمة حتى نزلت الآية، فسمع وأطاع ﵊ وتوقف عن الدعاء للمشركين من قراباته، وهذه صورة عظيمة من صور الرحمة للأمة ثم هي في النهاية صورة من صور الولاء لهذا الدين والبراء من الكفار والمشركين حتى وإن كانوا قرابة وذوى رحم. نبي أتانا بعد يأس وفترة ... من الرسل، والأوثان في الأرض تعبد فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا ... يلوح كما لاح الصقيل المهند وأنذرنا نارًا وبشر جنة ... وعلمنا الإسلام فلله نحمد

стр. 18

الرسول ﷺ في بيته بيت الإنسان هو محكه الحقيقي الذي يبين حسن خلقه، وكمال أدبه، وطيب معشره، وصفاء معدنه، فهو خلف الغرف والجدران لا يراه أحد من البشر وهو مع مملوكه أو خادمه أو زوجته يتصرف على السجية وفي تواضع جم دون تصنع ولا مجاملات مع أنه السيد الآمر الناهي في هذا البيت وكل من تحت يده ضعفاء، لنتأمل في حال رسول هذه الأمة وقائدها ومعلمها ﷺ كيف هو في بيته مع هذه المنزلة العظيمة والدرجة الرفيعة! «قيل لعائشة: ماذا كان يعمل رسول الله ﷺ في بيته؟ قالت: كان بشرًا من البشر: يفلي ثوبه ويحلب شاته، ويخدم نفسه» (١). إنه نموذج للتواضع وعدم الكبر وتكليف الغير، إنه شريف المشاركة ونبيل الإعانة، وصفوة ولد آدم يقوم بكل ذلك، وهو في هذا البيت المبارك الذي شع منه نور هذا الدين لا يجد ما يملأ بطنه ﵊. قال: النعمان بن بشير ﵁ وهو يذكر حال النبي عليه أتم الصلاة وأزكى التسليم: «لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل (٢) ما يملأ بطنه» (٣).

стр. 19

وعن عائشة ﵂ قالت: «إن كنا آل محمد نمكث شهرًا ما نستوقد بنار إن هو إلا التمر والماء» (١). ولم يكن هناك ما يشغل النبي ﷺ عن العبادة والطاعة .. فإذا سمع حي على الصلاة حي على الفلاح لبى النداء مسرعًا وترك الدنيا خلفه. عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة ﵂، ما كان النبي ﷺ يصنع في البيت؟ قالت: «كان يكون في مهن أهله، فإذا سمع بالأذان خرج» (٢). ولم يؤثر عنه ﷺ أنه صلى الفريضة في منزله ألبتة، إلا عندما مرض واشتدت عليه وطأة الحمى، وصعب عليه الخروج وذلك في مرض موته ﷺ . ومع رحمته لأمته وشفقته عليهم إلا أنه أغلظ على من ترك الصلاة مع الجماعة فقال ﷺ : «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً أن يصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم» (٣). وما ذاك إلا من أهمية الصلاة في الجماعة وعظم أمرها. قال ﷺ : «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» (٤)،

стр. 20

والعذر خوف أو مرض. فأين المصلون اليوم؟ بجوار زوجاتهم وقد تركوا المساجد! ! ! أين عذر المرض أو الخوف! ! !

стр. 21

هديه وسمته ﷺ - حركة الإنسان وسكنته علامة على عقله ومفتاح لمعرفة قلبه. وعائشة أم المؤمنين ابنة الصديق ﵄ خير من يعرف خلق النبي ﷺ ، وأدق من يصف حاله ﵊ فهي القريبة منه في النوم واليقظة والمرض والصحة، والغضب والرضا. تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: «لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح» (١). وهذا خلق نبي الأمة الرحمة المهداة والنعمة المسداة ﵊ يصف لنا سبطه الحسين ﵁ بعضًا من هديه ﷺ حيث قال: سألت أبي عن سير النبي ﷺ في جلسائه، فقال: «كان النبي ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ غليظ ولا صخاب، ولا عياب، ولا مشاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا

стр. 22

له حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: «إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه» (١)، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام» (٢). تأمل في سجايا وخصال نبي هذه الأمة واحدة تلو الأخرى .. وأمسك منها بطرف وجاهد نفسك للأخذ منها بسهم فإنها جماع الخير! وكان من هديه ﷺ تعليم جلسائه أمور دينهم .. ومن ذلك أنه ﷺ قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار» (٣). ومنه قوله ﵊: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (٤). وقوله ﷺ : «بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (٥).

стр. 23

وقوله ﵊: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (١). وعنه ﷺ : أنه قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» (٢). وقال ﷺ : «إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة» (٣). وعن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» (٤). والإطراء: هو مجاوزة الحد في المدح. وعن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٥). وعلى هذا فلا تجوز الصلاة في المساجد التي فيها قبر أو قبور.

стр. 24

بناته ﷺ - كانت ولادة الأنثى في الجاهلية يومًا أسود في حياة الوالدين، بل وفي حياة الأسرة والقبيلة، وسار الحل بهذا المجتمع إلى وأد البنات وهن أحياء خوف العار والفضيحة، وكان الوأد يتم في صور بشعة، قاسية ليس فها للرحمة موطن ولا للمحبة مكان، فكانت البنت تدفن حية، وكانوا يتفننون في تلك الجريمة فمنهم من إذا ولدت له بنت تركها حتى تكون في السادسة من عمرها، ثم يقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها دفعًا ويهيل عليها التراب بوحشية وقسوة. وفي وسط هذا المجتمع الجاهلي خرج الرسول ﷺ بهذا الدين العظيم الذي أكرم المرأة أمًا وزوجة وبنتًا وأختًا وعمة، وقد حظيت البنات بحب رسول الله ﷺ فقد كان إذا دخلت عليه فاطمة ابنته قام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها (١). ومع محبة النبي ﵊ لبناته وإكرامه لهن إلا أنه رضي بطلاق ابنتيه أم كلثوم ورقية صابرًا محتسبًا من عتبة وعتيبة ابني أبي لهب بعد أن أنزل الله فيه ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب﴾، وأبى ﷺ أن يترك أمر الدعوة أو أن يتراجع فإن قريشًا هددت وتوعدت

стр. 25

حتى طلقت بنتي الرسول ﵊ وهو ثابت صابر لا يتزعزع عن الدعوة لهذا الدين. ومن صور الترحيب والبشاشة لابنته ما روته عائشة ﵂ حيث قالت: كن أزواج النبي ﷺ عنده، فأقبلت فاطمة ﵂ تمشي ما تخطيء مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئًا فلما رآها رحب بها وقال: «مرحبًا بابنتي» ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله (١). ومن عطفه ومحبته لبناته زيارتهن وتفقد أحوالهن وحل مشاكلهن .. أتت فاطمة ﵂ النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى وتسأله خادمًا، فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة ﵂ فلما جاء الرسول ﷺ أخبرته قال علي ﵁: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: «مكانكما» فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما، أو أخذتما مضاجعكما، فكبرا أربعًا وثلاثين وسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين فهذا خير لكما من خادم» (٢). ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة في صبره وعدم جزعه فقد توفي جميع أبنائه وبناته في حياته -عدا فاطمة ﵂ ومع

стр. 26

هذا فلم يلطم خدًا ولم يشق ثوبًا ولم يقم المآدب وسرادقات التعزية، بل كان ﵊ صابرًا محتسبًا راضيًا بقضاء الله وقدره. وقد عهد إلينا بوصية عظيمة وأحاديث جليلة هي سلوة للمحزون وتنفيس للمكروب، منها قوله ﷺ : «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها» (١). وقد جعل الله كلمات الاسترجاع وهي قول المصاب: «إنا لله وإنا إليه راجعون» ملاذًا وملجأ لذوي المصائب، واجزل المثوبة للصابرين وبشرهم بثواب من عنده تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ***

стр. 27

معاملة الزوجة في دوحة الأسرة الصغيرة تبقى الزوجة مربط الفرس وجذع النخلة والسكن والقرب. يقول الرسول ﷺ : «الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة» (١). ومن حسن خلقه وطيب معشره ﵊، نجده ينادي أم المؤمنين بترخيم اسمها ويخبرها خبرًا تطير له القلوب والأفئدة! قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ يومًا: «يا عائش! هذا جبريل يقرئك السلام» (٢). بل هذا نبي الأمة ﷺ وأكملها خلقًا وأعظمها منزلة، يضرب صورًا رائعة في حسن العشرة ولين الجانب ومعرفة الرغبات العاطفية والنفسية لزوجته، وينزلها المنزلة التي تحبها كل أنثى وامرأة لكي تكون محظية عند زوجها! قالت عائشة ﵂: «كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي ﷺ ، فيضع فاه على موضع في فيشرب، وأتعرق العرق (٣) فيتناوله ويضع فاه على موضع في» (٤).

стр. 28

ولم يكن ﷺ كما زعم المنافقون واتهمه المستشرقون بتهم زائفة وادعاءات باطلة .. بل ها هو يتلمس أجمل طرق العشر الزوجية وأسهلها. عن عائشة ﵂: «إن النبي ﷺ قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ» (١). والرسول ﷺ في مواطن عدة يوضح بجلاء مكانة المرأة السامية لديه وأن لهن المكانة العظيمة والمنزلة الرفيعة، ها هو ﷺ يجيب على سؤال عمرو بن العاص ﵁ ويعلمه أن محبة الزوجة لا تخجل الرجل الناضج السوي القويم. عن عمرو بن العاص أنه قال لرسول الله ﷺ : أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» (٢). ولمن أراد بعث السعادة الزوجية في حياته عليه أن يتأمل حديث أم المؤمنين ﵂ وكيف كان ﵊ يفعل معها. عن عائشة ﵂ قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد» (٣). ونبي هذه الأمة ﷺ لا يترك مناسبة إلا استفاد منها لإدخال

стр. 29

السرور على زوجته وإسعادها بكل أمر مباح. تقول عائشة ﵂: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: «تقدموا» فتقدموا ثم قال: «تعالي حتى أسابقك» فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى حملت اللحم، وبدنت وسمنت وخرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس «تقدموا» ثم قال: «تعالي أسابقك» فسبقني، فجعل يضحك ويقول: «هذه بتلك» (١). إنها مداعبة لطيفة واهتمام بالغ، يأمر القوم أن يتقدموا لكي يسابق زوجته، ويدخل السرور على قلبها، ثم ها هو يجمع لها دعابة ماضية وأخرى حاضرة، ويقول: «هذه بتلك»! ومن ضرب في أرض الله الواسعة اليوم وتأمل حال علية القوم ليعجب من فعله ﷺ وهو نبي كريم وقائد مظفر وسليل قريش وبني هاشم، في يوم من أيام النصر قافلاً عائدًا منتصرًا يقود جيشًا عظيمًا، ومع هذا فهو الرجل الودود اللين الجانب مع زوجاته أمهات المؤمنين، لم تنسه قيادة الجيش ولا طول الطريق ولا الانتصار في المعركة أن معه زوجات ضعيفات يحتجن منه إلى لمسة حانية وهمسة صادقة تمسح مشقة الطريق وتزيل تعب السفر! روى البخاري أنه ﷺ لما رجع من غزوة خيبر وتزوج صفية بنت حيي ﵂ كان يدير كساء حول البعير الذي تركبه

стр. 30

يسترها به، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب. كان هذا المشهد مؤثرًا يدل على تواضعه ﷺ ، لقد كان ﷺ وهو القائد المنتصر والنبي المرسل يعلم أمته أنه لا ينقص من قدره ومن مكانته أن يوطئ أكنافه لأهله وأن يتواضع لزوجته، وأن يعينها ويسعدها. ومن وصاياه ﵊ لأمته: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا» (١).

стр. 31

تعدد الزوجات تزوج رسول الله ﷺ إحدى عشرة امرأة، تدثرن باسم أمهات المؤمنين، ومات عن تسع نساء وياله من شرف عظيم ومنزلة رفيعة حظيت بها تلك النساء الكريمات، ولقد تزوج الرسول ﷺ المرأة الكبيرة، والأرملة والمطلقة والضعيفة، ولم يكن بين تلك الزوجات بكرًا إلا عائشة ﵂. تزوج الرسول ﷺ أمهات المؤمنين وجمع بينهن فكان مثالاً في العدل والقسمة، فعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول لله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها» (١). ومن صور العدل ما رواه أنس بن مالك ﵁: «كان للنبي ﷺ تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتمي إلى المرأة الأولى إلا في تسع فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها، فكان في بيت عائشة فجاءت زينب فمد يده إليها فقالت عائشة: هذه زينب، فكف النبي ﷺ يده» (٢). وهذا البيت النبوي العظيم لم يكن كذلك لولا ما كان لرسول الله ﷺ من توفيق ربه وإلهامه إياه. وها هو ﷺ يشكر ربه قولاً وفعلاً كان ﷺ يحث نساءه على

стр. 32

العبادة ويعينهن على ذلك امتثالاً لأمر الله : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (١). عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه فإذا أراد أن يوتر أيقظني» (٢). وقد حث النبي ﷺ على أمر قيام الليل وإعانة الزوج والزوجة لبعضهما حتى تأخذ منحى جميلاً في نضح الماء من الزوج أو الزوجة لا فرق. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى فإن أبى نضحت في وجهه الماء» (٣). ومن كمال المسلم والتزامه بدينه، اعتناؤه بمظهره الخارجي إتمامًا لصفاء داخله ونقائه. كان ﵊ طاهر القلب نظيف البدن طيب الرائحة يجب السواك ويأمر به قال ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٤).

стр. 33

وعن حذيفة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من النوم يشوص (١)، فاه بالسواك (٢). وعن شريح بن هاني قال: قلت لعائشة ﵂: بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (٣). فما أجملها من نظافة واستعداد لاستقبال أهل البيت! وكان ﷺ يقول عند دخول المنزل: «بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى ربنا توكلنا، ثم يسلم على أهله» (٤). وليهنأ أهل بيتك بالدخول بالنظافة والبدء بالسلام، ولا تكن أخي المسلم ممن استبدل هذا بالعتاب واللوم والتقريع.

стр. 34

مزاح رسول الله ﷺ - النبي القائد ﷺ مهموم بأمر أمته، وبجيوشه، وقواده، وبأهل بيته، وبالوحي تارة وبالعبادة أخرى، وهناك هموم أخرى، إنها أعمال عظيمة تجعل أي رجل عاجزًا عن الوفاء بمتطلبات الحياة وبث الروح فيها، ولكنه ﵊ أعطى كل ذي حق حقه فلم يقصر في حق على حساب آخر وفي جانب دون غيره، فهو ﷺ مع كثرة أعبائه وأعماله جعل للصغار في قلبه مكانًا، فقد كان ﵊ يداعب الصغار ويمازحهم ويتقرب إلى قلوبهم ويدخل السرور على نفوسهم كما يمازح الكبار أحيانًا. عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا يا رسول الله: إنك تداعبنا (١)، قال: «نعم. غير أني لا أقول إلا حقًا» (٢). ومن مزاحه ﷺ ما رواه أنس بن مالك قال: «إن النبي ﷺ قال له: يا ذا الأذنين» (٣). وعن أنس ﵁ قال: «كان ابن لأم سليم يقال له أبو عمير كان النبي ﷺ ربما مازحه إذا جاء فدخل يومًا يمازحه، فوجده حزينًا، فقال: «مالي أرى أبا عمير حزينًا» فقالوا: يا رسول الله مات نغره الذي كان يلعب به، فجعل يناديه: «يا أبا عمير، ما

стр. 35

فعل النغير؟ » (١). ومع الكبار كان للرسول ﷺ مواقف يروي أحدها أنس بن مالك ﵁ فيقول: إن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، قال: وكان النبي ﷺ يحبه وكان دميمًا، فأتاه النبي ﷺ يومًا يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصر: فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل النبي ﷺ يقول: «من يشتري العبد» فقال: يا رسول الله إذا والله تجدني كاسدًا، فقال النبي: «لكن عند الله أنت غال» (٢). إنه حسن خلق من كريم سجاياه وشريف خصاله ﵊. ومع تبسط الرسول ﷺ مع أهله وقومه فإن لضحكه حدًا فلا تراه إلا مبتسمًا كما قالت عائشة ﵂: «ما رأيت رسول الله مستجمعًا قط ضاحكًا حتى ترى منه لهواته (٣)، وإنما كان يبتسم» (٤). ومع هذه البشاشة وطيب المعشر إلا أنه ﷺ يتمعر وجهه إذا انتهكت محارم الله قالت عائشة ﵂: قدم رسول الله ﷺ

стр. 36

من سفر، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله ﷺ هتكه وتلون وجهه وقال: «يا عائشة: أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» (١). فدل هذا على تحريم اتخاذ الصور في البيت إذا كانت بارزة، وأشد منه تحريمًا الصور المعلقة في الجدار أو التماثيل المنصوبة في الأركان وعلى الأرفف والمناضيد، فإن ذلك مع الإثم المترتب عليه يحرم أهل البيت من دخول ملائكة الرحمة في ذلك البيت.

стр. 37

نوم النبي ﷺ - عن أبي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ داخلة إزاره -أي طرفه- فلينفض بها فراشه وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك اللهم ربي بك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفس فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (١). وكان من توجيهه ﷺ لكل مسلم ومسلمة: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن» (٢). وعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يصنع ذلك ثلاث مرات» (٣). عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا

стр. 38

كافي له ولا مؤوي» (١). وعن أبي قتادة: «إن النبي ﷺ كان إذا عرس (٢) بليل اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه» (٣). ومع نعم الله التي أغدقها علينا، تأمل أخي الحبيب في فراش سيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل الخلق أجمعين خير من وطأت قدمه الثرى. عن عائشة ﵂ قالت: «إنما كان فراش رسول الله ﷺ الذي ينام عليه من أدم حشوه ليف» (٤). ودخل عليه نفر من أصحابه ودخل عمر، فانحرف رسول الله ﷺ فلم ير عمر بين جنبيه وبين الشريط ثوبًا، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله ﷺ فبكى عمر، فقال له النبي ﷺ : «ما يبكيك يا عمر»؟ قال: والله إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر، وهما يعبثان في الدنيا فيما يعبثان فيه، وأنت رسول الله بالمكان الذي أرى! فقال النبي ﷺ : «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة»؟ قال عمر: بلى، قال: «فإنه كذلك» (٥).

стр. 39

قيام الليل قد أقبل ليل المدينة وخيم بسواده عليها، لكن الرسول ﷺ أضاء جوانحه بالصلاة وذكر الله وقام ليله يتهجد ويناجي رب الأرض والسموات ويدعو من بيده مقاليد الأمور استجابة لأمر خالقه وبارئه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ (١). عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقوم يصلي حتى تنتفخ قدماه، فيقال له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ » (٢). وعن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل فقالت: «كان ينام أول الليل ثم يقوم فإذا كان له حاجة ألم بأهله، فإذا سمع الأذان وثب، فإن كان جنبًا أفاض عليه من الماء وإلا توضأ وخرج إلى الصلاة» (٣). وصلاة الرسول ﷺ بالليل فيها من العجب ما يجعلنا نتأمل في طولها ونتخذها قدوة وأسوة. عن أبي عبد الله حذيفة بن اليمان ﵄ قال:

стр. 40

«صليت مع النبي ﷺ ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، ثم افتتح آل عمران فقرأها، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، يقرأ مترسلاً (١)، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم قام طويلاً قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه» (٢). ***
следующие страницы →