من سفر، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله ﷺ هتكه وتلون وجهه وقال: «يا عائشة: أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» (١).
فدل هذا على تحريم اتخاذ الصور في البيت إذا كانت بارزة، وأشد منه تحريمًا الصور المعلقة في الجدار أو التماثيل المنصوبة في الأركان وعلى الأرفف والمناضيد، فإن ذلك مع الإثم المترتب عليه يحرم أهل البيت من دخول ملائكة الرحمة في ذلك البيت.
стр. 37
نوم النبي ﷺ -
عن أبي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ داخلة إزاره -أي طرفه- فلينفض بها فراشه وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك اللهم ربي بك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفس فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (١).
وكان من توجيهه ﷺ لكل مسلم ومسلمة: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن» (٢).
وعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يصنع ذلك ثلاث مرات» (٣).
عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا
стр. 38
كافي له ولا مؤوي» (١).
وعن أبي قتادة: «إن النبي ﷺ كان إذا عرس (٢) بليل اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه» (٣).
ومع نعم الله التي أغدقها علينا، تأمل أخي الحبيب في فراش سيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل الخلق أجمعين خير من وطأت قدمه الثرى.
عن عائشة ﵂ قالت: «إنما كان فراش رسول
الله ﷺ الذي ينام عليه من أدم حشوه ليف» (٤).
ودخل عليه نفر من أصحابه ودخل عمر، فانحرف رسول الله ﷺ فلم ير عمر بين جنبيه وبين الشريط ثوبًا، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله ﷺ فبكى عمر، فقال له النبي ﷺ : «ما يبكيك يا عمر»؟ قال: والله إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر، وهما يعبثان في الدنيا فيما يعبثان فيه، وأنت رسول الله بالمكان الذي أرى! فقال النبي ﷺ : «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة»؟ قال عمر: بلى، قال: «فإنه كذلك» (٥).
стр. 39
قيام الليل
قد أقبل ليل المدينة وخيم بسواده عليها، لكن الرسول ﷺ أضاء جوانحه بالصلاة وذكر الله وقام ليله يتهجد ويناجي رب الأرض والسموات ويدعو من بيده مقاليد الأمور استجابة لأمر خالقه وبارئه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ (١).
عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقوم يصلي حتى تنتفخ قدماه، فيقال له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ » (٢).
وعن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل فقالت: «كان ينام أول الليل ثم يقوم فإذا كان له حاجة ألم بأهله، فإذا سمع الأذان وثب، فإن كان جنبًا أفاض عليه من الماء وإلا توضأ وخرج إلى الصلاة» (٣).
وصلاة الرسول ﷺ بالليل فيها من العجب ما يجعلنا نتأمل في طولها ونتخذها قدوة وأسوة.
عن أبي عبد الله حذيفة بن اليمان ﵄ قال:
стр. 40
«صليت مع النبي ﷺ ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، ثم افتتح آل عمران فقرأها، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، يقرأ مترسلاً (١)، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم قام طويلاً قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه» (٢).
***
стр. 41
بعد الفجر
بعد هدوء ليل المدينة ومع إشراقات الفجر حيث تم أداء صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد كان ﵊ يجلس بعد صلاة الفجر لذكر الله حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين،
عن جابر بن سمرة ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسنًا» (١).
وقد حث ﵊ على الإتيان بهذه السنة العظيمة وذكر بما فيها من الأجر والمثوبة.
عن أنس ﵁ قال: قال ﵊: «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة، تامة، تامة، تامة» (٢).
стр. 42
صلاة الضحى
قد انتصف النهار واشتدت حرارة الشمس، وأقبلت السموم الحارقة تلفح الوجوه، إنها فترة الضحى، وقت عمل وقضاء حوائج، ومع كثرة أعباء الرسالة ومقابلة الوفود، وتعليم الصحابة، وحقوق الأهل، فقد كان ﷺ يتعبد الله .
قالت معاذة: قلت لعائشة ﵂: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «نعم أربع ركعات ويزيد ما شاء الله » (١).
وقد أوصى بها ﷺ فعن أبي هريرة ﵁ قال: «أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» (٢).
стр. 43
صلاة النوافل في البيت
هذا البيت العامر بالإيمان، المليء بالعبادة والذكر، يوصي النبي ﷺ أن يكون لبيوتنا مثل ذلك، فيقول ﷺ : «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا» (١).
قال ابن القيم ﵀: وكان ﷺ يصلي عامة السنن والتطوع الذي لا سبب له في بيته، لاسيما سنة المغرب فإنه لم ينقل عنه أنه فعلها في المسجد ألبتة، ولصلاة النوافل في البيت فوائد منها: اتباع سنة النبي ﷺ ، وتعليم النساء والأطفال كيفية الصلاة، وطرد الشياطين منه بسبب الذكر والقراءة وأدعى للإخلاص والبعد عن الرياء.
стр. 44
بكاء النبي ﷺ -
كثير من الرجال والنساء يبكون لكن يا ترى كيف يكون البكاء ولمن يكون؟ ! نبينا ﵊ كان يبكي مع أن الدنيا في يده لو أرادها، والجنة أمامه وهو في أعلى منازلها، نعم كان يبكي ﵊ ولكنه بكاء العباد، كان يبكي وهو يناجي ربه في الصلاة وعند سماع القرآن وما ذاك إلا من رقة القلب وصلاح السريرة، ومعرفة عظمة الله وخشية منه
سبحانه.
عن مطرف -وهو ابن عبد الله بن الشخير- عن أبيه قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء» (١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ علي» فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأت سورة النساء حتى بلغت ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: «فرأيت عيني رسول الله تهملان» (٢).
بل تأمل في شعرات بيض تعلو مفرق رسول الله وما يقارب من ثمانية عشر شيبة في لحيته الشريفة، وارع قلبك لتسمع من لسانه
стр. 45
الشريف سبب تلك الشعيرات البيض: قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله قد شبت! قال ﷺ : «شيبتني هود والواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت (١).
стр. 46
تواضعه ﷺ -
كان ﵊ أحسن الناس خلقًا وأكملهم قدرًا فخلقه القرآن كما قالت عائشة ﵂: «كان خلقه القرآن» (١) ولقد قال ﵊: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٢).
ومن تواضعه ﵊ عدم محبته للمدح والثناء والإطراء.
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣).
وعن أنس ﵁: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » (٤).
وبعض الناس يطري النبي ﷺ غاية الإطراء فيعتقد أنه يعلم الغيب أو أن بيده الضر والنفع ويجيب الحوائج ويشفي المرضى، والله نفى ذلك كله فقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا
стр. 47
ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾.
وهذا النبي المرسل خير من أقلته الغبراء وأظلته الخضراء، دائم الإخبات والإنابة إلى ربه، لا يحب الكبر، بل هو رأس المتواضعين وسيد المنكسرين لربه.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: «لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك» (١).
وألق بطرفك لنبي الأمة ﵊ في تواضع عجيب وحسن خلق نادر يتواضع فيه للمرأة المسكينة ويمنحها من وقته المليء بالأعمال.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت له: إن لي إليك حاجة، فقال: «اجلسي في أي طريق المدينة شئت أجلس إليك» (٢).
يروح بأرواح المحامد حسنها ... فيرقى بها في ساميات المفاخر
وإن فض في الأكوان مسك ختامها ... تعطر منها كل نجد وغائر
стр. 48
وكان ﵇ رأس أهل التواضع وعلمهم، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت» (١).
وللمتكبرين في كل عصر وحين يبقى حديث الرسول ﷺ حاجزًا لهم ورادعًا لكبرهم واستعلائهم.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (٢).
والكبر طريق إلى النار والعياذ بالله، حتى وإن كان مثقال ذرة، وتأمل في عقوبة متكبر يختال في مشيته، كيف سخط الله عليه وأنزل به غضبه وأليم عقابه.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل رأسه (٣) يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل (٤) في الأرض إلى يوم القيامة» (٥).
стр. 49
خادمه ﷺ -
هذا الخادم المسكين الضعيف أنزله الرسول ﷺ منزلة تليق به، قياسًا على دينه وتقواه لا على عمله وضعفه قال ﵇ والصلاة عن الخدم والأجراء: «هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم» (١).
ثم تأمل في خادم يروي عن سيده كلامًا عجيبًا وشهادة مقبولة وثناء عطرًا وهل رأيت خادمًا يثني على سيده مثل ما قال خادم رسول الله ﷺ .
عن أنس بن مالك ﵁ قال: خدمت رسول
الله ﷺ .
عن أنس بن مالك ﵁ قال: «خدمت رسول
الله ﷺ عشر سنين فما قال لي أف قط، وما قال لي لشيء صنعته [لم صنعته؟ ] ولا لشيء تركته لم تركته؟ » (٢).
عشر سنوات كاملة ليست أيامًا أو شهورًا إنه عمر طويل فيه الفرح والترح، والحزن والغضب وتقلبات النفس واضطرابها وفقرها وغناها، ومع هذا فلم ينهره ولم يأمره -بأبي هو وأمي ﵊ بل ويكافئه ويطيب خاطر خادمه ويلبي حاجته وحاجة
стр. 50
أهله ويدعو لهم.
قال أنس ﵁: قالت أمي: يا رسول الله خادمك ادع الله له، قال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته» (١).
ومع شجاعته ﵊ فإنه لم يهن ولم يضرب إلا في حق، ولم يقس على الضعفاء الذين تحت يده من زوجة وخادم.
عن عائشة ﵂ قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا ضرب خادمًا ولا امرأة» (٢).
بل ها هي أم المؤمنين ﵂ تكرر الشهادة لخير الخلق وصفوة الناس أجمعين وقد سارت الركبان بالحديث عن حسن سيرته ونبل معشره حتى شهد له كفار قريش.
تقول ﵂: «ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرًا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء، فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيء، كان من أشدهم في ذلك غضبًا، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثمًا» (٣).
стр. 51
وكان ﷺ ينادي بالرفق والأناة قال ﵊: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» (١).
стр. 52
الهدية والضيف
في حياة البشر حاجات عاطفية ودخائل نفسية تظهر الحاجة إليها دومًا في المجتمع والأسرة والبيت، ومن الأمور التي تقرب القلوب وتذيب إحن النفوس الهدية، عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها» (١) وهذا الإهداء والشكر من كرم النفوس وصفاء الصدور.
وخلق الكرم من أخلاق الأنبياء وسنن المرسلين، ولرسولنا ﷺ قصب السبق والقدح المعلى في ذلك أليس هو القائل: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه؟ » (٢).
ووالله لم تشهد الغبراء ولا وهادها ولم ير الحجاز ولا الجزيرة، بل ولا الخافقين أنبل أخلاقًا وأكرم صفاتٍ منه ﷺ كحل عينيك -أيها القارئ- لترى موقفاً من مواقفه العظيمة بأبي هو وأمي ﵊! !
عن سهل بن سعد ﵁: أن امرأة جاءت إلى رسول الله ببردة منسوجة فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره فقال فلان: اكسنيها ما
стр. 53
أحسنها فقال: «نعم» فجلس النبي ﷺ في المجلس، ثم رجع فطواها، ثم أرسل بها إليه فقال له القوم: ما أحسنت، لبسها النبي ﷺ محتاجًا إليها، ثم سألته، وعلمت أنه لا يرد سائلاً، فقال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني قال سهل: فكانت كفنه» (١).
ولا تعجب من خلق من اصطفاه الله ورباه على عينه وجعله القدوة، رسول الله ﷺ يضرب أروع الأمثلة في السخاء والجود، عن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: «يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى» (٢).
وصدق الشاعر:
وله كمال الدين أعلى همة ... يعلو ويسمو أن يقاس بثاني
لما أضاء على البرية زانها ... وعلا بها فإذا هو الثقلان
فوجدت كل الصيد في جوف الفرا ... ولقيت كل الناس في إنسان
стр. 54
عن جابر ﵁ قال: ما سئل النبي ﷺ عن شيء قط فقال، لا (١).
ومع هذا العطاء والسخاء في اليد إلا أن سخاءه منقطع النظير في الجود والبذل وطيب النفس وحسن المعاشرة وصدق المحبة.
كان من عادته أن يبش (يبتسم) إلى كل من يجلس إليه، حتى يظن أنه أحب أصحابه إلى قلبه.
عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «ما حجبني رسول الله ﷺ ولا رآني منذ أسلمت إلا تبسم» (٢).
ولك في وصف شاهد كفاية وعبر.
وعن عبد الله بن الحارث قال: «مارأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله ﷺ » (٣).
ولماذا تعجب أيها الحبيب وهو القائل ﵊: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» (٤).
أما خادم رسول الله ﷺ أنس ﵁ فقد وصف رسول الله ﷺ بصفات عظيمة قل أن تجد بعضها في رجل أو أن تجتمع في أناس، كان رسول الله ﷺ أشد الناس لطفًا فما سأله سائل قط إلا أصغى إليه فلا ينصرف رسول الله ﷺ حتى يكون السائل هو
стр. 55
الذي ينصرف وما تناول أحد يده قط إلا ناوله إياها فلا ينزع ﷺ يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها منها» (١).
مع إكرامه ﷺ لضيفه والتطلف معه إلا أنه كان رءوفًا بأمته، ولذا فهو ينكر المنكر ولا يقبله عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» (٢).
стр. 56
الرحمة بالأطفال
أهل القلوب القاسية لا يعرف الرحمة وليس للعاطفة في صدورهم مكان إنهم كالحجارة الصماء، جفاف في العطاء والأخذ، وبخل بأرق المشاعر والعوطف الإنسانية أما من منحه الله قلبًا رقيقًا وحنانًا دافقًا فهو صاحب القلب المثالي الحنون، تكسوه الرحمة وتحركه العاطفة.
عن أنس ﵁: «أن النبي ﷺ أخذ ولده إبراهيم فقبله وشمه» (١).
وهذه الرحمة ليست خاصة لأقاربه فحسب بل عامة لأبناء المسلمين، قالت أسماء بنت عميس زوجة جعفر ﵂: دخل علي رسول الله ﷺ فدعا بني جعفر فرأيته شمهم، وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، أبلغك عن جعفر شيء؟ قال: «نعم، قتل اليوم» فقمنا نبكي ورجع فقال: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا فإنه قد جاء ما يشغلهم» (٢).
ولما كانت عيناه ﷺ تفيض لموتهم سأله سعد بن عبادة ﵁: يا رسول الله ما هذا؟ فيقول ﷺ : «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (٣).
стр. 57
وعندما ذرفت عيناه ﷺ لوفاة ابنه إبراهيم قال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: «وأنت يا رسول الله»؟ فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى» وقال: إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون» (١).
وخلق الرسول العظيم مدعاة إلى الأخذ به والسير على خطاه فنحن في زمن فقدنا فيه الإحساس بمحبة الصغار وإنزالهم منزلتهم فهم الآباء غدا وهم رجال الأمة وفجرها المنتظر بلغ بنا الجهل والكبر وقلة الرأي وقصر النظر إلى أن تركنا مفتاح القلوب مغلقًا ومضيعًا مع الأطفال والناشئة، أما الرسول ﷺ فإن المفتاح بيده وعلى لسانه، هاهو يجعل الصبي يحبه ويجعله ويقدره وهو ﷺ ينزل الناشئ منزلة رفيعة.
كان أنس ﵁ إذا مر على صبيان سلم عليهم وقال: «كان النبي ﷺ يفعله» (٢).
وكما أن للأطفال مشقتهم وتعبهم وكثرة حركتهم إلا أن رسول الله ﷺ لا يغضب ولا ينهر الصغير ولا يعاتبه، كان يأخذ ﷺ بمجامع الرفق وبخطام وزمام السكينة.
عن عائشة ﵂: قالت: «كان النبي ﷺ يؤتى
стр. 58
بالصبيان فيدعو لهم فأتي بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه ولم يغسله» (١).
أما خطر في بالك أيها القارئ وأنت تتشرف بالجلوس في بيت النبوة أن تداعب صغارك وتمازح أبناءك وتسمع ضحكاتهم وجميل عباراتهم؟ كان نبي الأمة يفعل ذلك كله بأبي هو وأمي ﷺ .
عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ليدلع لسانه للحسن بن علي، فيرى الصبي حمرة لسانه، فيهش له» (٢).
وعن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يلاعب زينب بنت أم سلمة، وهو يقول: يا زوينب، يا زوينب، مرارًا» (٣).
ورحمته تطال الصغار حتى وهو في عبادة عظيمة «فقد كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ لأبي العاص بن الربيع، فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها» (٤).
وعن محمود بن الربيع ﵁ قال: «عقلت من رسول الله ﷺ مجة مجها في وجهي من دلو، من بئر كانت في دارنا، وأنا ابن خمس سنين» (٥).
وهو ﵊ يعلم الكبير والصغير عن ابن عباس
стр. 59
رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» (١).
بعد أن عشنا مع بعض شمائله الكريمة وسيرته العطرة لعلنا نحيي بها القلوب ونقتفي خلفها الأثر في مسيرة الحياة، فبيوتنا تزهر بالصغار، والأطفال الذين يحتاجون إلى حنان الأبوة وعاطفة الأمومة وإدخال السرور على قلوبهم الصغيرة، فينشأ سوي العاطفة سوي الخلق يقود الأمة رجلاً صنعه الرجال والأمهات بعد توفيق الله .
стр. 60
الحلم والرفق والصبر
البطش وأخذ الحقوق قهرًا وجبرًا من سمات الظلمة وأهل الجور ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام أرسى قواعد العدل والنصرة لكل صاحب حق حتى ينال حقه ويأخذه، وقد سير ﷺ ما منحه الله من أمر ونهي للخير وفي سبيل الخير، فنحن لا نخشى في بيته ﷺ مظلمة ولا بطشًا، ولا تعديًا ولا نهبًا.
عن عائشة ﵂ قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى» (١).
وعن أنس ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: «يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه، فضحك ثم أمر له بعطاء» (٢).
ولما قفل رسول ﷺ من غزوة حنين تبعه الأعراب يسألونه فالجئوه إلى شجرة فخطفت رداءه، وهو على راحلته، فقال: «ردوا علي ردائي، أتخشون علي البخل؟ فقال: فوالله لو كان لي عدد هذه
стр. 61
العضاة (١) نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جبانًا ولا كذابًا» (٢).
ومن أنصع صور التربية وجميل التعليم، الرفق في جميع الأمور ومعرفة المصالح ودرء المفاسد.
أخذت الغيرة الصحابة وهم يرون من يخطئ وتزل قدمه وسارعوا إلى الإنكار وحق لهم ذلك، ولكن الحليم الرفيق ﷺ منعهم من ذلك لجهل الفاعل وللضرر المترتب فكان الأولى ما فعله
الرسول ﷺ .
عن أبي هريرة ﵁ قال: بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ : «دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» (٣).
وصبر الرسول على أمر الدعوة مدعاة إلى التأسي به والسير على نهجه، وعدم الانتصار للنفس، عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن
стр. 62
الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇ فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك وقد بعثت إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين» (١). فقال النبي ﷺ : «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (٢).
وبعض النفوس اليوم تتعجل أمر الدعوة وتأمل في حصد النتائج سريعًا، والانتصار للنفس قدحًا في الدعوة وإخلاصها ولهذا فشلت بعض الدعوات لفشو هذا الأمر بين أفرادها فأين الصبر والتحمل؟ !
وبعد سنوات طويلة وقع ما أمله الرسول ﷺ بعد معاناة وصبر وطول جهاد.
وكيف يسامى خير من وطيء الثرى ... وفي كل باع عن علاه قصور
وكل شريف عنده متواضع ... وكل عظيم القريتين حقير
عن ابن مسعود ﵁ قال: كأني أنظر إلى رسول الله
стр. 63
- ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (١).
وذات يوم جاء إلى رسول الله ﷺ وهو في جنازة مع أصحابه يهودي اسمه زيد بن سعنة، يتقاضاه دينًا، فأخذ بمجامع قميصه وردائه، ونظر إليه بوجه غليظ، وقال: يا محمد ألا تقضني حقي؟ وأغلظ في القوم، فغضب عمر بن الخطاب ﵁ ونظر إلى زيد وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ثم قال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع، وتفعل ما أرى؟ ! فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر من لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة ثم قال: «يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فأعطه حقه، وزده عشرين صاعًا من تمر».
يقول زيد اليهودي لما زاده عمر عشرين صاعًا من تمر قال: ما هذه الزيادة يا عمر؟ قال عمر: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك مكان نقمتك قال زيد: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا من أنت؟ قال: زيد بن سعنة.
قال: الحبر؟ " قلت: الحبر، قال: فما دعاك أن فعلت برسول
стр. 64
الله ﷺ ما فعلت، وقلت له ما قلت؟ قال زيد: يا عمر لم يكن له من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنين لم أخبرهما منه: هل يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا فقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا وأشهدك أن شطر مالي صدقة على أمة محمد ﷺ فقال عمر ﵁ أو على بعضهم فإنك لا تسعهم، قال زيد: أو على بعضهم فرجع زيد اليهودي إلى رسول الله ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وآمن به وصدقه (١).
ونحن نتأمل الموقف ونهايته والحوار الطويل فيه لعل لنا نصيبًا من التأسي بقدوتنا محمد ﵊، والصبر على الناس ودعوتهم برفق وحلم.
وتشجيعهم إذا أحسنوا وبث روح التفاؤل في نفوسهم عن عائشة رضي لله عنها قالت: «اعتمرت مع النبي ﷺ من المدينة حتى إذا قدمت مكة، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قصرت وأتممت، وأفطرت وصمت، قال: «أحسنت يا عائشة» وما عاب علي» (٢)
стр. 65
طعامه ﷺ -
الموائد والجفان تروح وتغدو في بيوت علية القوم وأهل الأمر والنهي فيها .. ونبي هذه الأمة تحت يده، البلاد والعباد وترد إليه الإبل محملة بالأرزاق ويفيض بين يديه الذهب والفضة، يا ترىكيف مطمعه ومشربه، أعيشة الملوك أم أرفع وأعظم؟ أطعام الأغنياء والموسرين أم أكمل وأتم؟ لا تعجب وأنت تتأمل طعام الرسول ﷺ وقلته وتقشفه يحدثنا أنس ﵁ حيث قال: «إن النبي ﷺ لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف» (١).
والضفف: قلة المأكول وكثرة الأكلة، والمعنى أنه لم يشبع إلا بضيق وشدة، أو ما شبع في زمن من الأزمان إلا إذا نزل به الضيوف، فيشبع حينئذ لضرورة الإيناس والمجابرة.
وعن عائشة ﵂ قالت: «ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ﷺ » (٢).
وفي رواية: «ما شبع آل محمد منذ قام المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض» (٣).
بل كان ﵊ لا يجد ما يأكل وينام طاويًا لا
стр. 66
يدخل جوفه اللقمة، عن ابن عباس ﵄: «كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا هو وأهله، لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير» (١).
وليس الأمر من قلة وندرة، بل كانت تفيض الأموال من تحت يده وتفد إليه النجائب محملة، ولكنه الله اختار
لنبيه ﷺ الحال الأكمل والأقوم.
قال عقبة بن الحارث ﵁: صلى بنا النبي ﷺ العصر فأسرع ثم دخل البيت فلم يلبث أن خرج فقلت أو قيل له فقال: «كنت خلفت في البيت تبرًا -أي ذهبًا- من الصدقة فكرهت أن أبيته فقسمته» (٢).
والسخاء العجيب والعطاء المنقطع النظير هو ما يخرج من يد نبي هذه الأمة، عن أنس ﵁ قال: ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل، فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: «يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر» (٣).
ومع هذا العطاء والسخاء، تأمل حال نبي هذه الأمة عن أنس ﵁ قال: «لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات، وما
стр. 67
أكل خبزًا مرققًا حتى مات» (١).
وذكرت عائشة ﵂ أنه كان يأتيها فيقول: «أعندك غداء»؟ فتقول: لا، فيقول: «إني صائم» (٢).
وثبت عنه ﷺ أنه كان يقيم الشهر والشهرين، لا يعيشه هو وآل بيته إلا الأسودان: التمر والماء (٣).
ومع هذه القلة في الطعام والندرة في المأكولات فإن خلقه الرفيع وأدبه الإسلامي يدعوه إلى شكر نعمة الله ثم شكر من أعدها وعدم تعنيفه إن أخطأ، فقد اجتهد ولم يصب، ولهذا كان ﵊ لا يعيب طعامًا ولا يلوم طابخًا ولا يرد موجودًا ولا يطلب مفقودًا، إنه نبي الأمة لم يكن همه بطنه ومأكله.
عن أبي هريرة ﵁ قال: «ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه» (٤).
وللأحبة الكرام من تأخذهم المآكل والمشارب أسوق قول شيخ الإسلام ابن تيمية مختصرًا:
وأما الأكل واللباس: فخير الهدي هدى محمد ﷺ وكن خلقه في الأكل أن يأكل ما تيسر إذا اشتهاه، ولا يرد موجودًا، ولا يتكلف مفقودًا، فكان إذا حضر خبز ولحم أكله، وإن حضر فاكهة
стр. 68
وخبز ولحم أكله، وإن حضر تمر وحده أو خبز وحده أكله، ولم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين، ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة، وفي الحديث ﷺ : «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني».
وأمر الله بأكل الطيبات والشكر لله فمن حرم الطيبات كان معتديًا، ومن لم يشكر كان مفرطًا مضيعًا لحق الله، وطريق رسول الله ﷺ هي أعدل الطرق وأقومها والانحراف عنها إلى وجهين: قوم يسرفون فيتناولون الشهوات مع إعراضهم عن القيام بالواجبات، وقوم يحرمون الطيبات ويبتدعون رهبانية لم يشرعها الله تعالى، ولا رهبانية في الإسلام.
ثم قال ﵀: وكل حلال طيب، وكل طيب حلال فإن الله أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، لكن جهة طيبه كونه نافعًا لذيذًا، والله حرم علينا كل ما يضرنا، وأباح لنا كل ما ينفعنا.
ثم قال ﵀: والناس تتنوع أحوالهم في الطعام واللباس والجوع والشبع، والشخص الواحد يتنوع حاله، ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع، ولصاحبه أنفع (١).
стр. 69
الذب عن أعراض الآخرين
أكرم المجالس مجالس العلم والذكر، فما بالك إذا توسط صفوة ولد آدم ومعلم الأمة بحديثه وتعليمه وتوجيهه؟ كان من صفاء مجلسه ونقاء سريرته ﵊ أن يرد المخطئ ويعلم الجاهل وينبه الغافل ولا يقبل في مجلسه إلا كل خير، وإن كان ﷺ مستمعًا منصتًا لمحدثه إلا أنه لا يقبل غيبة ولا يرضى بنميمة ولا بهتان ولذا فهو يرد عن أعراض الآخرين.
عن عتبان بن مالك ﵁ قال: قام النبي ﷺ يصلي فقال: «أين مالك بن الدخشم»؟ فقال رجل: ذلك منافق لا يحب الله ولا رسوله، فقال النبي ﷺ : «لا تفعل ذلك، ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله، وإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (١).
وكان ﷺ يحذر من شهادة الزور واقتطاع الحقوق، عن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر»؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور» فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت» (٢).
ومع محبته لأم المؤمنين عائشة ﵂ إلا أنه أنكر
стр. 70
عليها الغيبة، وأوضح لها عظم خطرها.
عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا، قال بعض الرواة: تعني قصرها، فقالت: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» (١).
وقد بشر النبي ﷺ من يذب عن أعراض إخوانه فقال ﷺ : «من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقًا على الله أن يعتقه من النار» (٢).
стр. 71
كثرة ذكر الله تعالى
للمربي الأول نبي هذه الأمة شأن عظيم مع العبادة ومواصلة القلب بالله ، فهو لا يدع وقتًا يمر دون ذكر لله وحمده وشكره والاستغفار والإنابة، ومع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو العبد الشكور والنبي الشاكر والرسول الحامد، عرف قدر ربه فحمده ودعاه وأناب إليه وعلم قيمة زمنه فاستفاد منه وحرص أن يكون عامرًا بالطاعة والعبادة.
عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه» (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» (٢).
قال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٣).
وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة «رب اغفر لي، وتب علي إنك أنت
стр. 72
التواب الرحيم» (١).
وتقول أم المؤمنين أم سلمة عن أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندها: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (٢).
стр. 73
الجار
أكرم به جوار رسول الله ﷺ فقد كان الجار له منزلة عظيمة في نفس الرسول ﵊، فقد قال ﵊: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (١).
وأوصى ﷺ أبا ذر ﵁ بقوله: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك» (٢).
وحذر من أذية الجار فقال ﵊: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (٣).
وهنيئًا لجار قال عنه النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره» (٤).
стр. 74
حسن المعاشرة
عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام كذا وكذا؟ » (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً دخل على رسول الله ﷺ وعليه أثر صفرة، وكان رسول الله ﷺ قل ما يواجه رجلاً في وجهه شيء يكرهه، فلما خرج قال: "لو أمرتم هذا أن يغسل ذا عنه» (٢).
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ ترحم على كل قريب هين لين سهل» (٣).
стр. 75
أداء الحقوق
الحقوق على الإنسان كثيرة، فهذا حق لله وآخر للأهل وثالث للنفس وهناك حقوق للعباد فكيف يا ترى قسم الرسول ﷺ وقته واستفاد من يومه؟
عن أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت النبي ﷺ يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١).