كثرة ذكر الله تعالى
للمربي الأول نبي هذه الأمة شأن عظيم مع العبادة ومواصلة القلب بالله ، فهو لا يدع وقتًا يمر دون ذكر لله وحمده وشكره والاستغفار والإنابة، ومع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو العبد الشكور والنبي الشاكر والرسول الحامد، عرف قدر ربه فحمده ودعاه وأناب إليه وعلم قيمة زمنه فاستفاد منه وحرص أن يكون عامرًا بالطاعة والعبادة.
عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه» (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» (٢).
قال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٣).
وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة «رب اغفر لي، وتب علي إنك أنت
стр. 72
التواب الرحيم» (١).
وتقول أم المؤمنين أم سلمة عن أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندها: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (٢).
стр. 73
الجار
أكرم به جوار رسول الله ﷺ فقد كان الجار له منزلة عظيمة في نفس الرسول ﵊، فقد قال ﵊: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (١).
وأوصى ﷺ أبا ذر ﵁ بقوله: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك» (٢).
وحذر من أذية الجار فقال ﵊: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (٣).
وهنيئًا لجار قال عنه النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره» (٤).
стр. 74
حسن المعاشرة
عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام كذا وكذا؟ » (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً دخل على رسول الله ﷺ وعليه أثر صفرة، وكان رسول الله ﷺ قل ما يواجه رجلاً في وجهه شيء يكرهه، فلما خرج قال: "لو أمرتم هذا أن يغسل ذا عنه» (٢).
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ ترحم على كل قريب هين لين سهل» (٣).
стр. 75
أداء الحقوق
الحقوق على الإنسان كثيرة، فهذا حق لله وآخر للأهل وثالث للنفس وهناك حقوق للعباد فكيف يا ترى قسم الرسول ﷺ وقته واستفاد من يومه؟
عن أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت النبي ﷺ يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١).
стр. 76
شجاعته وصبره ﷺ -
لرسول الله ﷺ السهم الوافر والقدح المعلى في الشجاعة نصرة لهذا الدين وإعلاء لكلمة الله ، وجعل ما أنعم الله عليه من نعم في مكانها الصحيح فهذه عائشة ﵂ تقول: «ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا ضرب خادمًا ولا امرأة» (١).
ومن شجاعته ﷺ وقوفه وحيدًا يدعو لهذا الدين أمام كفار قريش وصناديدها وثباته على هذا الدين حتى نصره الله ولم يقل ليس معي أحد، والقوم كلهم ضدي، بل اعتمد على الله واتكل عليه وصدع بأمر الدعوة، وكان ﷺ أشجع الناس وأمضاهم عزمًا وإقدامًا، كان الناس يفرون وهو ثابت.
كان النبي ﷺ يتعبد في غار حراء ولم ينله أذى ولم تحاربه قريش ولم ترم أمم الكفر بسهم واحد من كنانتها إلا عندما صدع رسول الله ﷺ بأمر التوحيد ووجوب إفراد العبادة لله وتعجب الكفار بقولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فهم يتخذون الأوثان وسائط بينهم وبين الله عزوجل كما قال تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وإلا فهم مقرون بتوحيد الربوبية ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
стр. 77
وتأمل أخي المسلم في الشرك الذي عم وطم في بلاد المسلمين من دعاء الأموات والتوسل بهم والنذر لهم والخوف والرجاء حتى تقطعت حبالهم مع الله بسبب شركهم وإنزال الأموات منزلة الحي الذي لا يموت ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾.
ونطل من بيته إلى الجبل المقابل من الجهة الشمالية: إنه جبل أحد حيث الموقعة العظيمة التي تبدت فيها شجاعة الرسول ﷺ وثباته وصبره على الجراح التي أصابته في تلك الموقعة العظيمة حيث أدمي وجهه الشريف وكسرت رباعيته وشج رأسه ﵊.
يحدثنا سهل بن سعد ﵁ عن جرح رسول الله ﷺ فيقول: «أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ ، ومن كان يسكب الماء وبما دووي، قال: كانت فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ تغسله وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعًا من حصير وأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم وكسرت رباعيته وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه» (١).
والعباس بن عبد المطلب ﵁ يقول عن رسول الله ﷺ في معركة حنين: لما انطلق المسلمون مدبرين طفق رسول الله ﷺ
стр. 78
يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة ألا
تسرع، وكان يقول حينئذ: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد
المطلب» (١).
أما الفارس الشجاع صاحب المواقف المشهورة والوقائع المعروفة علي بن أبي طالب ﵁ فهو يقول عن رسول
الله ﷺ : «كنا إذا احمر البأس، ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه» (٢).
ولصبر الرسول ﷺ في أمر الدعوة مضرب المثل والقدوة الحسنة، حتى أقام الله صروح هذا الدين وطفقت خيله تجول الجزيرة وبلاد الشام وما وراء النهر، وحتى لا يدع بيت مدر ولا وبر إلا دخله.
قال رسول الله ﷺ : «لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليل وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواري إبط بلال» (٣).
ورغم ما ورد إليه من الأموال والغنائم وما فتح الله على يديه فإنه ﷺ لم يورث دينارًا ولا درهمًا إنما ورث هذا العلم وهو ميراث
стр. 79
النبوة فمن شاء أن يأخذ من هذا الميراث فليقدم وليهنأ به من ميراث.
عن عائشة ﵂ قالت: «ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا، ولا شاةً، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء» (١).
***
стр. 80
دعاؤه ﷺ -
الدعاء عبادة عظيمة لا يجوز صرفها لغير الله ، والدعاء إظهار الافتقار إلى الله والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله ، وإضافة الجود والكرم إليه ولذلك قال الرسول ﷺ : «الدعاء هو العبادة» (١).
وكان ﵊ كثير الدعاء والتضرع وإظهار الافتقار إلى الله يستحب جوامع الكلم والدعاء.
وكان من دعائه ﵊: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمر، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليه معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر» (٢).
ومن دعائه ﵊: «اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض، رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفس سوءًا أو أجره إلى مسلم» (٣).
وأيضًا من دعائه ﷺ : «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك
стр. 81
وأغنني بفضلك عمن سواك» (١).
ومن دعائه لربه : «اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى» (٢).
وكان ﵊ يدعو ربه كثيرًا في الرخاء والشدة وقد سقط رداءه من على منكبيه وهو يدعو يوم بدر بالنصر للمسلمين والهزيمة للمشركين، وكان ﵊ يدعو لنفسه ولأهل بيته ولأصحابه ولعامة المسلمين.
стр. 82
نهاية الزيارة
بعد أن تعطرت الأسماع بذكر أحاديث الرسول ﷺ وحسن سيرته وجهاده وبلائه، فإن للنبي الكريم ﷺ حقوقًا يجب أن تؤدى له حتى نكون أتممنا الخير وأخذنا الطريق السوي، ومن حقوقه على أمته.:
الإيمان الصادق به قولاً وفعلاً وتصديقه في كل ما جاء به ﷺ ووجوب طاعته والحذر من معصيته ﷺ ، ووجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه، وإنزاله منزلته ﷺ بلا غلو ولا تقصير، واتباعه واتخاذه قدوة وأسوة في جميع الأمور، ومحبته أكثر من الناس والأهل والمال والولد والناس جميعًا، واحترامه وتوقيره ونصرة دينه والذب عن سنته ﷺ وإحياؤها بين المسلمين ومحبة أصحابه الكرام والترضي عنهم والذب عنهم وقراءة سيرتهم، ومن محبته ﷺ الصلاة عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لقوله ﷺ : «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه: خلق آدم، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليَّ» فقال رجل: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني بليت، قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (١).
стр. 83
وعلى أمة محمد ﷺ أن لا تكون بخيلة في حق هذا النبي الكريم فقد قال ﵊: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليَّ» (١).
وقال ﵊: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليه ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» (٢).
стр. 84
الوداع
ونحن نغادر هذا البيت العامر بالإيمان القائم على الطاعة، تبقى لنا سنة رسول الله ﷺ معلمًا لمن أراد النجاة وطريقًا لمن أراد الهداية، ولنا وقفات مع علماء السلف وحرصهم على الاتباع لهذه السنة العظيمة، لعل الله أن يرزقنا حسن التأسي وجميل الاقتداء.
قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀: ما كتبت حديثًا إلا وقد عملت به، حتى مر بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت (١).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان يقول: ما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث قط إلا عملت به ولو مرة.
وعن مسلم بن يسار قال: إني لأصلي في نعلي وخلعهما أهون علي، وما أطالب بذلك إلا السنة (٢).
وللأخ الحبيب في الختام حديث عظيم، قال ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» (٣).
اللهم ارزقنا حب نبيك ﷺ وموافقته على الطريق المستقيم، لا ضالين ولا مضلين اللهم صل على محمد ما تعاقب الليل والنهار،
стр. 85
اللهم صل على محمد ما ذكره الذاكرون الأبرار، اللهم اجمعنا مع نبينا محمد ﷺ في الفردوس الأعلى وأقر أعيننا برؤيته والشرب من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبدًا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.