← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36555

ليس عليك وحشة

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (84 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة الحمد لله الذي شرع الشرائع وأنزل الكتب، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين؛ الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده. أما بعد: فإن الدعوة إلى الله من أوجب الواجبات وأهم المهمات وأعظم القربات. وتبرئة للذمة. ولما في هذه العبادة من الثواب العظيم والأجر الجزيل قام بها خيار الأمة، حتى أشرقت الأرض بنور ربها، فذلت لهم الرقاب ودانت لهم البلاد. وتذكيرًا لنفسي -وللأحبة الكرام- بهذا الأمر العظيم، وخاصة في فترة أهمل فيها هذا الجانب أو ضعف، جمعت بعض وسائل ومداخل -هي أقرب إلى الخواطر- تعين على طرق سبل الدعوة فيستأنس بها ويؤخذ منها، وجعلت لها علامات وعليها منارات؛ لكي نسير على الخطى ونقتفي الأثر في طريق غير موحشة؛ لأن أقدام الأنبياء والصالحين وطأته وتغبرت في طرقه. ولم أذكر إلا ما كان في نطاق دعوة الفرد الواحد فحسب؛ لأهميته، وإلا فالمجتمع بعامته له أساليب ووسائل أخر. فها هي أبواب الخير مشرعة: فمن أمر بمعروف فهو داعية، ومن نهى عن منكر فهو داعية، ومن ترجم كلمة إلى لغة أجنبية يستفاد منها دينيًا فهو داعية، ومن أهدى شريطًا إسلاميًا فهو داعية،

стр. 2

ومن تبسم في وجه أخيه المسلم فهو داعية. إنه عقد متكامل إذا أخذت منه جوهرة وطعمتها بالإخلاص نالك الأجر والمثوبة، وانتظمت في سلك الدعاة إلى الله. جعلنا الله ممن سار على الهدى واقتفى الأثر حتى نحطَّ رحالنا برحمة الله وعفوه في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار. عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم

стр. 3

مدخل قال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحدٌ فافعل. وسارعوا قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئًا» رواه مسلم. وقال رسول الله ﷺ : «لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم» رواه البخاري ومسلم. وقال ﵊: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» رواه مسلم. وقد جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث الشهيرة بالحث على الدعوة إلى الله، وبيان وجوبها، وما للداعي فيها من الأجر العظيم. والآيات القرآنية الدالة على الدعوة أكثر من آيات الصوم والحج اللذين هما ركنان من أركان الإسلام الخمسة. فالدعوة إلى الله من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، بها يكمل نظام الشريعة، ويرتفع شأنها.

стр. 4

فإن مهمة الدعوة إلى الله مهمة كبرى، مهمة عظيمة، مهمة فاضلة، مهمة رتب عليها من الأجر العظيم ما الله به عليم، ولذا اختار الله لها أفضل الخلق وأكرم البشر، اختار لها سادات القوم وصفوة الأمة وفضلاءها. فالدعوة عمل الأنبياء والرسل .. ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم. إنها نقاط ووقفات لدعوة شخص بعينه ذكرًا كان أو أنثى. ولم أذكر نقاطًا دعوية جماعية مثل الوعظ في المساجد وإلقاء المحاضرات .. لعلمي أن ذلك معلوم للكثير ويختص بفئة معينة من الدعاة وطلبة العلم وإنما قصدت دعوة شخص بعينه. -أخي الحبيب-: استمر نبي الله نوح ﵇ يدعو قومه سنوات طويلة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾. وقام يوسف ﵇ بأمر الدعوة وهو في السجن فدعا من معه إلى عبادة الله جل وعلا: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. وهذا نبينا محمد ﷺ استمر في الدعوة طوال حياته ولاقى من الجهد والعنت ما حفظه لنا القرآن الكريم وكتب الحديث والسير .. ها هو في الرمق الأخير ولم ينس أمر الدعوة كما قالت أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في مرضه الذي توفي

стр. 5

فيه: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه. [رواه البيهقي في شعب الإيمان وروى أحمد وأبو داود ونحوه عن علي]. وكان من آخر كلماته الدعوة إلى الله: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه الشيخان. وهذا أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ لم يشغله حزن وفاة النبي ﷺ عن أمر الدعوة بل سارع في وسط هذا الحزن إلى تأكيد أمر الدعوة إلى الله وأهميتها فعقد الألوية وسير الجيوش إلى جهات كثيرة لقطع دابر المرتدين. وهذا فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب ﵁ وجرحه يثعب دمًا وهو على فراش الموت لم يترك أمر الدعوة فعلى ضعفه وانحطاط قوى جسمه ينادي شابًا أدبر وإزاره يمس الأرض فيقول: «ردوا علي الغلام» ثم قال له: «يابن أخي، ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك». ومن تتبع سير السلف الصالح وعلماء هذه الأمة يجد منهم الحرص والجلد والمثابرة حتى أصبحت الدعوة إلى الله هي شغلهم الشاغل، وما بقاؤهم في هذه الدنيا إلا للطاعة والعبادة ونصرة هذا الدين. فلا شك أن الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وإرشاد الخلق ونصحهم هي وظيفة المرسلين وأتباعهم المصلحين والدعاة الناصحين.

стр. 6

ومعلوم أنه ما قام دين من الأديان ولا انتشر مذهب من المذاهب ولا نبت مبدأ من المبادئ إلا بالدعوة، ولا هلكت أمة في الأرض إلا بعد أن أعرضت عن الدعوة، أو قصر عقلاؤها في الأخذ على يد سفائها، وما تداعت أركان ملة بعد قيامها ولا درست رسوم طريقة بعد ارتفاع أعلامها إلا بترك الدعوة .. فإذا أهملت الدعوة فشت الضلالة وشاعت الجهالة وخربت البلاد وهلك العباد. أيها الحبيب: إن أثر الدعوة واضح وجلي .. ورسول الله ﷺ دعا أبا بكر ثم تبعه الباقون حتى قامت صروح الدعوة على يديهم وتضاعف العدد حتى عم مكة وامتد النور إلى المدينة النبوية. إنها تشمير إلى المعالي .. اجعل نصب عينك شخصًا بعينه قريبًا أو بعيدًا .. ادعه وارفع درجة التزامه، فإن أخلصت ورزقك الله التوفيق فلك مثل أجر عمله إلى يوم القيامة .. ها هو يقوم الليل وأنت نائم، ويصوم وأنت مفطر، ويحج وأنت مقيم، ويجاهد وأنت جالس .. ولكن يجري لك من الأجر مثل أجره ولا ينقص من أجره شيئًا .. فما ظنك إذا اهتدى على يديه أكثر من واحد ثم أكثر من عشرة وهكذا مضاعفات الأعداد .. إنها فرصة ثمينة وباب من أبواب العبادة. إنها دعوة للخير فربما تدعو شخصًا في اليوم وربما عشرة .. هذا في الورشة وذاك في المنزل وآخر في المسجد ورابع في الشارع العام وخامس عبر مكالمة هاتفية وهكذا .. لكن لكل فرد ما يناسبه

стр. 7

من الوسائل الدعوية. إنها دعوة يسيرة يستطيع أن يقوم بها كل شخص كبر أو صغر متعلم أو عامل بل حتى الأمي .. تقوم بتقديم شريط أو كتيب فقط تكون بهذا داعية .. بل إلقاء كلمة طيبة وأنت سائر تكون أخذت من الدعاة بسهم من عملهم. أخي المسلم: وأنت تسير في الصحراء تتلمس طريقك .. إذا بمن يمسك بمنكبيك بقوة ويرفع صوته: انتبه .. قف أمامك هوة سحيقة .. نظرت فإذا بصدق حديثه .. فرحت ودعوت له .. هذه هي الدعوة المخلصة والنصيحة الصادقة. بعضهم يقول لم أر تلك الهوة! ! أين هي؟ ! لن تعيقنا عن السير .. وآخرون يكابرون ويدعون أنهم رأو الهوة كذبًا .. كيف رأى الهوة السحيقة وهو واضع أولى قدميه في هوة السقوط .. ولكنه يكابر ويقول: كنت منتبهًا فقط أردت أن أجري .. كذب وخاب وخسر .. إنها مواقف ستمر عليك وتلمسها بنفسك وتسمعها بأذنك .. ينالك الخير ويطولك الأذى.

стр. 8

قبل البداية قال جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... ﴾. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في هذه الآية: ذكر الله -سبحانه- مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو: فإنه إما أن يكون طالبًا للحق محبًا له، مؤثرًا له على غيره إذا عرفه .. فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة وجدال، وإما أن يكون مشتغلاً بضد الحق لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب، وإما أن يكون معاندًا معارضًا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجدال إن أمكن. (انتهى كلام ابن القيم). فالداعي أمام إنسان مسلم على الفطرة لكن به بعض المعاصي والمنكرات .. وآخر به من الاستقامة الكثير ولكنه لم يتزود من الطاعات. فالأول يحذر من المعاصي والمهلكات والآخر يحث على زيادة القربات .. وكلها دعوة. وغالب المدعوين من الصنفين إما أن بهم جهلاً لكثير من الأحكام، مثل التهاون في أمر صلاة الجماعة أو حلق اللحية وغيرها، والآخر عنده غفلة وكسل فتراه لا يقوم الليل ولا يتزود من الصدقات والسنن والأذكار وهكذا. وهناك أمة أخرى من غير المسلمين تحتاج إلى دعوة وإيضاح لهذا الدين ومحاسنه وفضائله.

стр. 9

إن تنوع الأساليب وتعدد أوجه الدعوة من ضرورياتها ومتطلباتها، هذا نوح ﵇ ما ترك سبيلاً لدعوة قومه إلا سلكه ولا بابًا إلا طرفه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح الآيات: ٥ - ٩]. والرسول ﷺ كان يأتي إلى مجامع قريش وأسواقها ويدعوهم إلى دين الله، ووقف مناديًا على الصفا، واتخذ من موسم الحج منبرًا للدعوة، وسار إلى الطائف داعيًا ثم هاجر إلى المدينة النبوية .. إنها أساليب متنوعة وطرق متعددة تخدم الدعوة ولم تقف عند حد .. بل كل أسلوب اتبعه الرسول ﷺ أو له ضابط شرعي فنحن نتبعه ونسير عليه .. ثم لا بد أن يوطن الداعي نفسه على تحمل المشقة والأذى وسماع ما يكره فإنه قد سلك طريق الأنبياء والمرسلين وهو طريق محفوف بالمكاره مليء بالأشواك .. إنه طريق الجنة. أيها الحبيب: إن ترتيب الأولويات في الدعوة إلى الله مهم جدًا فالتوحيد قبل الصلاة والصلاة قبل الزكاة .. نبدأ بالأهم فالمهم ونقتفي في ذلك آثار الرسول ﷺ ودعوته. فقد بدأ بالتوحيد ثم تدرج في العبادات وإلا كيف ندعو شخصًا إلى الصلاة وهو يدعو غير الله أو

стр. 10

يطوف بالقبور؟ ولقد جاء الإسلام متدرجًا في تشريعاته .. بدءًا بالتوحيد ثم الأمر بفرائض الإسلام وهكذا، بل كان تحريم الخمر وهي أم الخبائث على مراحل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وانتهاء بآية التحريم لها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ولما بعث النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ... » [الحديث متفق عليه]. أيها الداعية الموفق: إن عمل الدعوة يلزمه الإخلاص لله جل وعلا وصدق النية رجاء ما عند الله، ومحبة للمسلمين وإنقاذًا لهم من مهاوي الردى ومزالق الانحراف، ورفعًا لدرجاتهم تقربًا إلى الله بالعمل الصالح. وهو فوق ذاك إبراء للذمة ونصح للأمة .. فربما تعلق بك المدعو غدًا لو لم تدعه .. وأخذ ينادي: أنت مسئول عني فلم تدعني .. اهتديت فتركتني .. سمعت بخير ما أعلمتني .. علمت بسنة فما دللتني! !

стр. 11

الانطلاقة أعظم دعوة يقوم بها المسلم هي دعوة نفسه .. فيبدأ بها يلزمها الطاعة ويجنبها المعصية .. ويجاهد نفسه في ذلك حتى تستقيم له .. عندها يخلِّص نفسه من عذاب الله -بعفوه ورحمته-. ومن تأمل سير العلماء والدعاة وجد فيها من مجاهدة النفس والصبر على الطاعة الشيء الكثير .. فهذا أثر عنه صيام داود، وذاك يقوم من الليل ساعات طوال، وآخر اشتهر بالعبادة والورع والتقى .. وكلهم يجاهد نفسه في العبادة والوقوف بين يدي الله بذل وانكسار .. وكل تلك الطاعات تقوي الإيمان وترقق القلوب وتعين على دعوة الآخرين. ثم الخطوة التالية أن يبدأ الداعي بأقرب الناس وأحبهم إليه من والد ووالدة وأخ وأخت وزوجة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. أخي الحبيب: الدعاء عبادة عظيمة يشعر فيها المخلوق بعظم شأن الخالق وقدرته على تصريف الأمور .. وهو لجوء إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب .. الدعاء باب ومدخل من أسباب الهداية، فبسبب الدعاء يحصل سكينة في النفس وانشراح في الصدر وصبر يسهل معه احتمال الأذى، وهو منارة للتفاؤل بقبول الدعوة عند المدعو ورجاء أن يقذف الله في قلبه نور الهداية والتقى.

стр. 12

وهناك أناس كثيرون رزقهم الله الهداية بدعوة من الوالدين أو من أخ مشفق ناصح أو صديق مخلص أو زوجة محب. ويتحرى الداعي أوقات الإجابة، ويتأدب بآداب الدعاء المعروفة، ويسأل الله من منه وكرمه ويلح في الدعاء ويتذلل بين يدي الله رجاء قبول دعوته. ولقد كان الأنبياء والصالحين يدعون ربهم لأنفسهم ولذرياتهم ولقومهم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، ﴿رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ وغيرها كثير. كان ﷺ يحب التفاؤل في كل شيء .. وهل هناك صحيفة أنصع من صحيفة الدعوة؟ لذا يجب أن تجمل بالتفاؤل وتزين بالبشارات التي وعدها الله للدعاة وقرب استجابة دعوتهم .. ووالله نرى الفرح هذه الأيام من إقبال الناس على الدين فهذا بالأمس فاسق واليوم تقي ورع، وذاك مجاهر بمعصية واليوم تسبقه دمعة الندم .. وذاك كان متراخيًا متكاسلاً لا يقوم الليل واليوم ها هو يصلي الليل إلا قليلاً .. وذاك بالأمس كافر وهو اليوم مسلم .. فاللهم لك الحمد. والتفاؤل وسيلة دعوية للداعي تعينه على دعوته وللمدعو تفرح قلبه وتسر خاطره. على الداعي الالتزام في النصيحة بما وافق الكتاب والسنة فلا ينصح بأمر إلا وهو عالم به متأكد من ذلك، ولا ينهى عن أمر إلا مثل ذلك ولكن لا يشترط للداعي حفظ الدليل ومعرفته .. بل ما علم من الدين بالضرورة يكفي للداعية العادي.

стр. 13

ولذلك فإن من أهم وسائل الدعوة تعلم العلم النافع للداعي لكي يتسلح الداعي بسلاح قوة فربما يحتاج إلى مناقشة وطرح أفكار فالعلم بالشيء الذي فوق طاقة الداعية يراجعه وينظر فيه لكي تكون دعوته على بصيرة وعلم. أخي المسلم: ينبغي للداعي أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا، فإن تليين القول مما يكسر سورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة .. فالداعي أيًا كانت منزلته وأيًا كان عقله وعلمه ليس بأفضل من موسى وهارون، ومن وجهت إليه الدعوة ليس بأخبث من (فرعون) وقد أمرهما الله جل وعلا (باللين) معه في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. ذلك أن المقصود من الدعوة إلى الله تبليغ شرائع الله إلى الخلق ولا يتم ذلك إلا إذا مالت القلوب إلى الداعي، وسكنت نفوسهم لديه، وذلك إنما يكون إذا كان الداعي رحيمًا كريمًا، يتجاوز عن ذنب المسيء، ويعفو عن زلاته، ويخصه بوجوه البر، والمكرمة والشفقة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: وينبغي أن يكون الداعي حليمًا صبورًا على الأذى، فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح.

стр. 14

خطوة خطوة للمسلم كبوة تبقيه على إسلامه ولكنها تقدح في إيمانه، فكم من مسلم مقيم على منكر، مصر على كبيرة تارك لواجب، متساهل في أمر الخير وغافل عن الفضائل. وهناك أناس غير مسلمين أليس لهم دعوة؟ ! وهناك أهل شرك وخرافة .. أليس لهم دعوة؟ ! ولكن كيف الوصول إلى قلوبهم .. هناك طرق وأساليب وهناك عوامل مساعدة وكلها تصب في هدف واحد ألا وهو محاولة هداية المدعو فالداعي يأخذ بيد المدعو من حال سيئة إلى حال حسنة ومن حالة مفضولة إلى حالة أفضل .. يسد ثغرات الكمال في دينه ويرشده إلى أفضل الأعمال وأتمها وأكملها. وبعض المدعوين يكون لديه قبول للخير والأمر بالمعروف ولكنه ينفر عند نهيه وزجره عن منكر لأنه يرى ذلك تسلطًا وتدخلاً وما ذلك إلا من جهله. فيقدم الداعي له الخير ويدله على طريقه ويؤخر النهي عن المنكر الذي هو واقع فيه إلى حين، فإن النفس إذا أشربت طريق الخير وازدادت تعلقًا به سهل نهيها عن المنكر، بل ربما تكون هي ناهية عن منكرها ومنكرة له فإن الخير يطرد الشر ويبعده ويقلل منه.

стр. 15

أخي المسلم: يدعى كل كافر وكل مشرك وكل عاص درجات وطبقات .. فيها خلل ونقص.

стр. 16

لله الأمر لا بد من اليقين بأن الهداية من الله وأن الداعي سبب سخره الله لهداية هذا الفرد، فالله جل وعلا جعل أمر الهداية بيده « ... ولكن الله يهدي من يشاء». ولذا علينا بذل الأسباب والتعلق بالله جل وعلا لقبول هذا السبب وهداية الفرد على يدي الداعي. فعلى الداعي ألا يستعجل أمر دعوته وليس عليه أمر متاعبة النتائج يكفي أنها دعوة خير مأجور عليها قبل المدعو أم أعرض فهو مأجور على حملها معذور على عدم نجاحها: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. بل الحد في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. والداعي لا يملك من هداية الناس أكثر من نصحهم وإرشادهم وتبيين الحق لهم أما هداية التوفيق فمن الله، وهذه المعرفة هي المحرك لعمل الداعية وتعتبر عاملاً دعويًا مهمًا لا بد أن يتأصل في نفس الداعي حتى يجتاز الوهن والضعف. أيها الداعي: قد يجتمع عامل الزمن وعامل المكان ولكن نفس المدعو لم تنفتح للخير، وربما جرب الداعي أكثر من زمان وأكثر من مكان فاجتمع له ما أراد من الزمان والمكان ولكن الله لم ييسر ذلك الأمر على يديه .. وقد رأيت بعض الشباب المتحمسين لدعوة غير المسلمين يوضحون ذلك للمدعو بقولهم: إن الإسلام نور يقذفه الله في قلب

стр. 17

من يشاء وإلا فالحجج والبراهين الدالة على الله ليست هي كل شيء لإسلامك مع أنها براهين قاطعة واضحة ولو كل من سمع بها أسلم لتغيرت الحال ولكن إذا أراد الله بك خيرًا شرح صدرك للإسلام ربما في هذه اللحظة أو بعد يوم أو سنة .. وإن لم يرد هدايتك فلو بقينا معك أبد الدهر لن تسلم إلا بمشيئة الله جل وعلا.

стр. 18

ما بال أقوام بعض أنواع النصيحة المباشرة في مجتمعنا الحالي لها بعض المحاذير لسوء الأنفس وعدم تعودها للنصح منذ الصغر .. وهذا ملاحظ في كثير من الأفراد حتى بعض الأخيار منهم إذا نصحته مباشرة ربما سببت هذه النصيحة بعض الجفوة بينك وبينه. وأذكر أن أحد الشباب نصح أخًا له عن رائحة كانت تصدر من أبطيه وأشار عليه ببعض المستحضرات التي توقف انتشار هذه الرائحة وأنها موجودة في الصيدليات وقال له .. كنت أعاني ما تعاني منه حتى بدأت أستعمله فاختفت الرائحة .. فكان أن شكره ولكنه بدأ يتثاقل زيارته حتى طالت الوحشة بينهما. والعجيب أمر التربية في هذا الجانب لو رأيت ملاحظة على بعض من تعود النصيحة وهو من الكفار واستدركت عليه أمرًا لشكرك على ملاحظاتك .. وهذا من التعود، فينشأ منذ الصغر على قبول الاستدراك والملاحظة ونحن أولى بهذا منهم. ومن رأى أن النصيحة ربما تجدي في أمر من الأمور فإن من حسن الأدب تقديم ثناء محق على المنصوح بأنه فيه كذا وكذا .. ثم يكمل: غير أنني رأيت فيك خلة عجبت أن لا تتداركها وهي كذا .. فربما أن المنصوح من أصحاب القلوب المفتوحة والصدور السليمة فيقبل شاكرًا داعيًا. والنصيحة المباشرة قد تكون ضرورة لبعض الأفراد الذين لا يمكن طرق الأساليب الأخرى معهم للتعنت الذي يبدونه فينصحهم

стр. 19

مباشرة شخص له مكانته ومنزلته .. ويكون في حالة المكابرة نوع من العقاب والتأديب بل والفرض والإلزام أحيانًا. وبعض الناصحين يتدارك المواقف الحرجة حين النصح ويأتي بعده بنكتة لطيفة أو كلمة تضفي جو الدعابة حتى لا يحرج المنصوح. وهناك مواقف سريعة مثل وجود منكر في السوق للداعي وليس له وسيلة للدعوة إلا الإنكار باللسان مثلاً فلا يتأخر. التعريض في الحديث وسيلة دعوية غير مباشرة قد تجدي كثيرًا مع أصحاب الفطر السليمة ممن يغلب عليهم الحياء وربما يصدمهم النصح المباشر فيكون التعريض أسلوبًا يرفع الحرج عنهم. وقد كان رسول الله ﷺ يعرض في خطبه كثيرًا .. بقوله ﷺ : «ما بال أقوام .. ». وللتعريض أسلوب يطرح فيه بحيث يكون ضمن حديث غير متكلف وهذا يرجع إلى مهارة المتكلم وتسلسل أفكاره .. في وسط الحديث أو في نهايته حسب الحال. فمثلاً يعرض بقوم هم جيران المسجد ولا يصلون ومن عوائل معروفة مع الأسف ولقد تحدث جماعة المسجد عنهم كثيرًا. وهكذا يعرض للمرأة بأن الرجال ينتقدون المرأة الخراجة الولاجة التي لا يهنأ لها بال حتى تطأ قدمها عتبة السوق .. وتعرض الداعية بما رأته كثيرًا في حفلات الزواج من اللباس غير المحتشم، وتستدل بالفتاوى في ذلك .. وهي تقصد المتحدثة إليها ..

стр. 20

أيها الحبيب: للرسائل الشخصية أثر محمود قد لا يتوفر في غيرها من الوسائل ومن أهمها أنها تبقى مدة في يد المرسل إليه يقلبها ويقرأها ويتمعن فيها .. بل ويعاود تفسير معانيها ومراجعة كلماتها مرات عدة بدون حرج، ثم إنه لا يعلم من المرسل لكي يتتبعه إن كان ذو طوية سيئة أو يشتمه أو يعاديه. كما أن في عدم معرفة المرسل الحرية في ذكر كل ما يريد أن ينصح به. وللرسالة شروط النصيحة بشكل عام فلا يفتري عليه أو على أهل بيته بشيء وتجمل الرسالة بكلمات المحبة والأخوة في الله .. ويتلطف في النصح حتى لا يحدث رد فعل ويدعو له بالهداية والتوفيق والفلاح والنجاح. ويبتعد في رسالته عن الأمور الخاصة التي لا يعلمها إلا قلائل حتى لا يظن بأحدهم ثم يكرهه .. بل تكون عموميات وإن كان لا بد من ذكر الأمر الخاص فيضيف له أمورًا أخرى حتى لا يبقى التركيز منصبًا على الأمر الخاص بعينه. وتكتب بخط جميل واضح وإن كان بجهاز الكمبيوتر فهو أولى. وللرسالة الخاصة وقع كبير وأثر محمود يلمسه كل ناصح ومحب ومشفق. والنصيحة كلمة عامة جامعة يعبر بها عن جملة إرادة الخير.

стр. 21

قال الشاعر: تعمدني بنصحك في انفراد ... وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه وإن خالفتني وعصيت قولي ... فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

стр. 22

مفتاح القلوب الابتسامة الصادقة أولى علامات المحبة وإظهار الود .. إنها تزيل الفرقة وتبعد الوحشة .. وهي رغم أنها بسيطة وسهلة فهي صدقة قال ﷺ : «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» (١) فكم من الصدقات أضعنا بعبوسنا وتقطيب جباهنا في وجه إخوتنا المسلمين .. إنها المدخل الأول والعنوان الواضح لما في القلوب. أخي الكريم: المظهر الطيب علامة على ما بداخل الشخص .. فالمظهر الطيب في المجلس والمأكل والمشرب ويتبعه غض الطرف وخفض الصوت وحسن الأدب مع الكبير والعطف على الصغير .. كلها تنعكس على المدعو فهي مظاهر طيبة بادية على الداعي. إفشاء السلام دليل مودة وصدق محبة، فالسلام يزيل ضغن القلوب وحقد النفوس ويسقط الرسميات والحواجز، وللسلام أخوات وهي السؤال عن الحال والأبناء وربما الوالد والوالدة وهكذا تتسع القاعدة يومًا بعد آخر حسب توسع المدعو في الإجابة فربما قال: إن الوالدة مريضة فيبدأ السؤال عنها بصفة خاصة وهكذا يكون السلام قنطرة للسير على دروب الإخاء والمحبة، قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا

стр. 23

أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» [رواه مسلم]. وليعلم الداعي أن كثرة الأسئلة فيما لا يعني مذمة ومنقصة .. وهي منفرة للمدعو. فليسأل الأسئلة العامة ولا يكثر منها .. يكفي سؤال الأدب والمجاملة. يتبع ذلك إظهار التشجيع والفرحة لخصلة طيبة في المدعو حتى يكون ذلك التشجيع حاجزًا له عن النكوص والتكاسل .. فإذا كانت الطالبة تحفظ القرآن تشجعها المدرسة أمام الملأ وتجعلها قدوة للطالبات حتى يكون ذلك دافعًا لها إذا تراخت وكسلت .. والآخر يصلي ولكنه يخشى عليه من التهاون فيذكر أنه -ما شاء الله- من المحافظين على الجماعة ولا تفوته تكبيرة الإحرام فيكون له نوع من الحرج إذا تأخر أو تكاسل .. ويكون هناك نوع من المتابعة الشخصية والمداومة على السؤال عن صلاة الجماعة أو حفظ القرآن .. مقابلة أو مهاتفة. إظهار الفرح والسرور والاستبشار لترك معصية أو فعل طاعة ومحافظة على خير وإعلان ذلك تعريضًا أو تصريحًا حسب الحال. فمن عُلم أنه بدأ يحفظ القرآن يؤازر ويشجع، ويدل على طرق الحفظ ومن هم العلماء المشهود لهم بالقراءات وهكذا. أما الاستبشار بالإقلاع عن منكر، فيكون بطويه وعدم ذكره ونسيانه حتى لا يكون الإنسان في كل يوم يتذكر ما تركه ويسوءه أنه فعله في يوم مضى .. وربما تكون من عوامل انتكاسة المدعو إذا استسلم لها.

стр. 24

خلق الله الناس وجعل بعضهم لبعض سخريًا، فهذا رب متجر وذاك مدير مكتب وآخر مدرس في مدرسة وآخر تحت يده من العمال الكثير .. ولا شك أن حسن الخلق والتلطف مدعاة إلى قبول النصيحة بل والتأثر بالأفعال والتصرفات وذلك نابع من محبة الكبير والمسئول في القلب لحسن تعامله. ولذلك فإن سماحة النفس وعدم الكبر والتغطرس والمعاتبة صفات مهمة فالناس تكره صاحب الرغبات الدنيوية المنتصر لنفسه، وبعض هذه الصفات تظهر في الحياة بوجه عام وأخرى تظهر في حين النقاش ومحاولة الانتصار للنفس واستعلائها، فالداعي مقرب وليس منفر منتصر للحق، إن أخطأ اعتذر وإن لم يطلب منه ذلك؛ لأن هذا من حسن الخلق ومن صفات الداعية الموفق.

стр. 25

استثمار الفرص الفرص الدعوية كثيرة ولكن بعضها قد لا يتكرر مرة أخرى؛ مثل جلوس الداعي بجوار شخص في الطائرة أو في صالة مستشفى أو في غيرها .. قد لا ترى الشخص مرة ثانية. وهناك فرص قد لا تتيسر لك أنت مرة أخرى فالمرور بقرية على الطريق العام وأنت مسافر للحج أو العمرة أو السياحة أو العمل أو غيرها ووضع كتب وأشرطة في صالة المستشفى الصحي أو لدى الإمام المؤذن؛ لتوزيعها قد لا تحصل لك مرة ثانية وإن حصلت فهي على مدى شهور بعيدة. كما أن ذهابك لإصلاح سيارتك قد يكون مرة أو تزيد في العام كاملاً فهنا فرصة التعرف على العاملين في هذا المجال واهدائهم كتبًا وأشرطة بلغتهم. وتتنوع الفرص بحسب الزمان والمكان وبحسب الحالة النفسية للمدعو. ولا شك أن تهيؤ الجو العام للدعوة مدعاة إلى الجد والاجتهاد فالكتاب سعره متوفر والشريط في كل مكان والقبول واسع .. هناك دول لا تعرف الكتيب ولم تر الشريط! ! ربما بريال واحد تشتري به كتابًا، وتهديه يهتدي على يديك فرد أو أسرة، أو مجتمع! ! فكم لك من الأجر والمثوبة مقابل هذا الريال؟ ! أيها الداعي إن من حمل هم الدعوة إلى الله شرعت الأبواب أمامه ووجد حلاوة في الدعوة .. وليس هناك ما يدعو إلى عدم طرق الأبواب ودخولها .. البعض لازمه التقصير وأخذ منه العجز

стр. 26

وإلا فهي دعوة الأنبياء والمرسلين والصالحين. أخي الكريم: لبعض المناسبات أثر في قبول الحق فيحرص على تلك المناسبات مثل الحج والعمرة وغيرها فإن كان المدعو قريبًا أعانه وضيق عليه طريق الأعذار ورتب له كل شيء حتى يوافق للذهاب للعمرة أو الحج. ويوجد بين ظهرانينا من لم يحج وله من العمر أربعون سنة أو تزيد مع سهولة المواصلات وانتشار الأمن وتيسر السبل فالحرص على هؤلاء واجب، حتى يؤدوا فريضتهم لأنه لا يعلم ما في الغيب من مستقبل الأيام إلا الله. وللعمرة في رمضان شعور روحي يتضاعف بأهمية هذا الشهر وقرب الكثير إلى الله ومداومتهم على العبادة فتكون نفوسهم أقرب إلى قبول الحق .. وهناك أمر مهم في هذا الشهر وهو رغبة الكثير في قراءة أي شيء حتى يقطع به ساعات النهار فيهدى له من الكتب ما يجعله ينصرف عن قراءة المجلات غير المفيدة ومشاهدة المسلسلات والأفلام التي تغزو الأمة في هذا الشهر كغزو النار للهشيم. وبمناسبة رمضان يدعى الكثير إلى البذل والإنفاق ويعان على ذلك بذكر أماكن الفقراء وعناوين الهيئات والمؤسسات الخيرية ويدفع إليه بتقارير عن أعمالها ونشاطها. وفي رمضان يتوسع الناس في أمر الزيارات والبعض يجلس في مجالس طويلة تقارب وقت السحور فيجب الاستفادة من هذه

стр. 27

الأوقات في زيارة صحبة طيبة للرجال وصحبة طيبة للنساء ومحاولة الاستفادة من الوقت. وكثير من الشباب في رحلة الحج يذهب معهم من يرون أن يحتاج إلى تثبيت أو دعوة للالتزام ويلحون عليه بشتى الطرق حتى يذهب معهم ويأنس بحديثهم ويرى من خدمتهم له وحسن أدبهم حتى إذا عاد لم يتركهم فيستقيم أمره. وكثير من النساء تصر على أن تذهب للحج رغبة في أن يهدي الله محرمها في تلك الرحلة خاصة مع وجود الحملات وكثرة الدعاة فيها وإقامة برامج دعوية في تلك الأيام، وكثرة الأخيار في الحملة، فربما يأنس بهم، وربما تتفق مع قريبة لها أو صديقة لكي يكون قريبها مرافقًا هذا المحرم فتستمر العلاقة الطيبة ويأخذ بيده في الحج وبعده. في حدوث المصائب والنكبات تنبيه وعظة لبعض الناس وإحياء لقلوبهم فتكون فرصة مناسبة للدعوة لتهيؤ النفوس وقبولها الموعظة والنصيحة .. فيذكر أجر الصبر ويطيب خاطره ويذكر بالله وجنته وناره .. فتكون هذه الحادثة نقطة بداية للمدعو. كما أنه يَعِنُّ للداعي أمور لم يحسب لها حسابًا مثل سفر مع صحبة أو رحلة مع زملاء، والناس تحب صاحب النفس السخية الخفيفة الذي يخدمهم ويكرمهم ويسأل عنهم ويقرب لهم البعيد ويدني لهم القريب .. كل تلك بشائر محبة تدخل قلب المدعو دون أن يشعر وتجعله يكبر فيه خلقه وحسن أدبه وطيب معشره. وهذا مدخل للدعوة بل إنه فتح للقلوب على مصرعيها لما استقر في

стр. 28

النفس من المحبة والمودة للمدعو. في المجالس الخاصة والعامة يكون لإشاعة وذكر المشاريع الإسلامية والدعوية أكثر من هدف فمن دعمها بالدعاء إلى مدها بالمال إضافة إلى معرفة الناس لها وتفاعلهم معها ونشر الحس الدعوي لدى المدعو وأن المسلمين بحاجة إلى ذلك المشروع أو غيره وفي ذكر تلك المشاريع أيضًا إشادة بالعاملين وتثبيت لهم. وكذلك فإنه يجب على الداعي أن يختلق مناسبات الحديث ويوجه المدعو .. ويتحدث عن موضوع معين ابتداء أو يتعرض له أثناء حديث آخر ويشيد بالكتاب الفلاني ويذكر نقاطه المهمة ويعدد بعض مزايا الكتاب حتى يشد المدعو ويجعله في لهفة لقراءة الكتاب .. ثم يعقب الداعي إذا رأى تلك اللهفة: سيكون الكتاب عندك غدًا هدية مني .. أخي الحبيب: لا يعلم ما في مستقبل الأيام إلا الله وحده، فمن غنى إلى فقر ومن صحة إلى سقم ومن حال إلى حال .. غدًا ربما لا يتوفر لك وقت للدعوة بسبب معين .. وربما لا تجد مالاً لتشتري شريطًا أو كتابًا، وإن توفر المال قد لا تجد الكتاب والشريط .. أما وإنك اليوم في صحة .. فالسقم قادم إليك والموت سائر نحوك فأيها الحبيب متى تدعو؟ !

стр. 29

اليوم أنت طالب في مدرسة وغدًا قد لا تجد هذا المجتمع. بل وربما ينأ بك المكان فلا تجد من تدعوه. والساعة الآن كل الأبواب مشرعة فإن أقبلت أقبل عليك الخير وإن أحجمت فقد تغلق الأبواب. إنها براءة للذمة وزيادة في الحسنات ورفع للدرجات .. كن متجردًا في الدعوة رغبتك التقرب إلى الله .. مخلصًا له ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فهذه الآية جمعت الإخلاص وشرط البصيرة والعلم.

стр. 30

تهادوا تحابوا للهدية وقع في النفس فهي تقرب القلوب وتزيل الأحقاد قال رسول الله ﷺ : «تهادوا تحابوا» (١) وليست الهدية مرتبطة بغلاء ثمنها. بل هي للتواصل والتذاكر أرفع من قيمتها المادية. والكثير غفل عن أمر الهدية ولا يذكرها إلا عند المناسبات كالزواج والولادة. والهدية بذاتها مناسبة مستقلة فمن الممكن اختلاق المناسبة ابتداءً. ويفضل أن تكون الهدية فيها فائدة مثل إهداء كتاب أو شريط أو أمهات كتب أو اشتراك في مجلة أو مجموعة من المساويك أو مصحف مجلد عليه اسم المهدى إليه .. وغيرها كثير .. وهناك جانب آخر وهو سد النقص لدى المهدى إليه فإن كان في حاجة إلى مدفأة أو مكتبة أو برداة ماء أو غيرها فهذا أولى؛ لأن في ذلك تلمس لحاجته ولا يمنع الجمع بين أنواع الهدايا على فترات متباعدة خاصة ما رخص ثمنها، ولو جمعنا إهداء من داعية لفرد واحد في عام كامل لما تجاوز ألف ريال. ومن الأمور المعينة على ترك المنكر إهداء ما يعين على تركه مثل إهداء جوارب لستر القدمين بالنسبة للنساء، وكذلك إهداء ما فيه إعانة على الطاعة والستر والحشمة مثل عباءة واسعة وساترة وتكون من نوع جيد.

стр. 31

أيها الحبيب: يهدي الله على يديك مسلمًا بألف ريال؟ رخصت البضاعة فأين المشمرون؟

стр. 32

أبواب مشرعة العمل الفردي عمل لا حدود له ولا قيود .. هذا رسول الله ﷺ في بداية الدعوة وصعوبتها اتصل بالرعيل الأول الذين أسلموا على يده وكونوا نواة لهذا الدين .. فالدعوة الفردية دعوة لا تعرف مواطن الشدة ولا الضيق لأنها في متناول الداعي في كل وقت وحين .. مقابلة أو مهاتفة أو مكاتبة أو بواسطة شريط أو كتاب أو غيرها .. ويعتقد كثير من الناس أن الدعوة الجماعية من على المنابر وفي التجمعات هي الأجدى ولكن بالتجربة والاستقراء فإن الدعوة الفردية تحقق ما لا يمكن تحقيقه على رءوس الملأ ولا شك أن في كل خيرًا. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ شعار رفعه في سبيل تأليف القلوب بين عائلته فإن العداوة والبغضاء تأكل قومه .. حلقت الدين وحصدت الحسنات .. فلك أيها الداعي أجر تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين. ويستفاد منها في الجانب الآخر حب الناس لك وقبول دعوتك وسماع قولك. من وسائل استمرار المدعو تثبيته ومواصلته بالزيارة والسلام عليه وصلته وتفقد أمره وعدم الانقطاع عنه فإن الإنسان ضعيف تتخطفه الشياطين من كل ناحية فهو بإخوانه أقوى وأشد.

стр. 33

بث الأمل في النفوس بأن النصر لهذا الدين وترديد الآيات والأحاديث التي تبشر بذلك فإن ذكر تلك البشارات حث للنفوس وتشمير للهمم وصبر على الأذى واستمرار على الطريق. مشاركة المدعو في اهتماماته حتى وإن خالفت اهتماماتك؛ لكي يركن إليك ويحرص على محادثتك وينشأ بينكم نوع من الود يكون طريقًا للدعوة. وقد قيل: الطيور على أشباهها تقع، وما ذاك إلا من تقارب الاهتمامات وحسن المودة. صلة الرحم من أبواب الدعوة غير المنظورة لما في ذلك من حسن الثناء على الملتزمين والدعاة وذكرهم بصفات تحبب النفوس إليهم وتجعل المدعو يقبل على الاستماع لحديثهم وتقبل دعوتهم. تخصيص وقت دعوي ساعة في الأسبوع إذا كان العمل جماعيًا سواء في المعهد أو المدرسة أو المصنع فإن ذلك أقرب إلى دعوة شخص بعينه .. بحيث لا يتم التركيز عليه إلا في وسط الجماعة لأي سبب كان .. إظهار المحبة في المقابلة والمهاتفة والدعاء للشخص المقابل بأدعية متصلة تؤثر في نفسه وتحرك شجونه مثل حرم الله وجهك على النار .. أسكنك الله الفردوس الأعلى .. رفع درجتك مع النبيين والصديقين والشهداء .. بلغك الله أعلى منازل الجنة .. فإن لتلك الأدعية وقعًا في النفس فهي تفسح المجال لسماع ما بعدها من نصيحة أو توجيه أو حتى كلمة عادية والهدف زرع المحبة وربطه بتلك النظرة البعيدة في الآخرة.

стр. 34

لعامل الوقت أهمية في الدعوة فاختيار الوقت مهم جدًا في الزيارة .. فلا يطرق على المدعو في وقت راحته أو أكله أو نومه .. وهناك أوقات تختار بعناية لتساعد الداعي في الدعوة مثل رجل متكاسل في الصلاة فيزوره الداعي قبل الأذان بدقائق وعندما يؤذن يعرض عليه الذهاب معًا إلى المسجد .. فيكون في تلبية الدعوة بداية تطبيق عملي للقبول. في أحيان كثيرة يكون الزمن عاملاً مهمًّا في الدعوة فمثلاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ربما تكون المدة الزمنية هي مدة رؤية المنكر .. فتلك امرأة متبرجة مرت من أمام رجل لديه فرصة ثوان فقط؛ لإنكار المنكر فإن استفاد منها وإلا احتاج إلى إيجاد فرصة أخرى مثل مرورها ثانية أو اللحاق بها. والفرصة الأولى أدعى للوقار وأسهل في الوصول. فيجب عدم التردد في أمر النصيحة وتوطين النفس عليها وعلى ما سيلاقيه في سبيل ذلك. ويكون التعود على الاستفادة من الفرص وعدم التردد بتعويد النفس ومجاهدتها وإذكاء الغيرة الإسلامية فيها. قد لا يكون للداعي قبول مباشر أو قد يكون استنفد وسائل الدعوة. فهناك إمكانية دعوة المدعو عن طريق طرف خارجي. مثل دعوة البنت عن طريق أمها أو صديقتها أو الزوجة عن طريق أحد الأصدقاء ممن يعتمد على دينهم وصحبتهم .. أو عن طريق أحد الزوجين.

стр. 35

فبين الزوجين حبل مودة ورحمة جعله الله سببًا لاستمرار الحياة بينهما وأحيانًا يكون الزوج هو المدعو والزوجة هي الداعية وأحيانًا العكس. ويختلف أمر دعوة الرجل لزوجته بحكم الولاية والقوامة وسرعة قبول المرأة لفكر وتوجيه زوجها. وأسرع الوسائل من أي من الطرفين هو حسن الخلق وبذلك النفس وحسن العشرة وطلاقة الوجه والتوجيه غير المباشر وله منطلقات عدة ومسارات مختلفة بحسب الداعي ونفسيته والمدعوة ونفسيتها وتربيتها. وللزوجة أن تدعو زوجها بالتي هي أحسن وتجمل له سماع بعض الأشرطة وقراءة بعض الكتيبات وتضع بين يديه ما تريد من الكتب وتدعه يطلع عليها بمفرده. كما أن التأثير ربما يكون من الخارج فتحاول أن تزورها صديقة لها .. زوجها صالح ومستقيم فربما تنشأ بينهم نوع من العلاقة تزداد مع الأيام وتتطور مع مرور الزمن. وقد يضطر الزوج لتجاهل طلب زوجته زيارة أناس يرى أن لهم تأثيرًا سيئًا على دين زوجته وفكرها وله أن يبدلها بتعويض مناسب مثل زيارة عائلة أخرى أو كلمة حانية طيبة حتى تهدأ نفسها. أما الزوجة وهي غالبًا الداعية كما نسمع فإنها ستواجه صعوبات كثيرة خاصة إذا كان الزوج من أصحاب الشبهات

стр. 36

ويجمع مع تلك الرداءة سوء الخلق. فيجمع عليها هم الدين وغم التعامل لكن هذا هو مجال الدعوة وركن الصبر وإلا فكيف تكون داعية وزوجها مستقيم يعينها على الطاعة؟ إنه جهاد له ثمن وصبر له نهاية وربما يعجل الله بطريق الهداية أو بفرج من عنده.

стр. 37

يا أبت الداعي ينقذ المدعو وينقذ أسرته ومن وراءه من عذاب جهنم .. إنه يأخذ بيده ويبعده عن طريق المهالك ومفازات الصحراء، ويبين له طريقًا فيه أجر من واجب أو سنة أو مستحب فله من الأجر مثل ذلك. للوالدين حقوق كثيرة لا تخفى على عاقل .. والناس تلاحظ ذلك وتراعيه وأذكر أن أحد الشباب قد تقدم لخطبة فتاة فسأل والد الفتاة أباه: كيف بره بك؟ ! ولا شك أن ذلك أكبر منطلق للبر بالأم والزوجة والأخت. والناس تحت صاحب الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة وتتعاطف مع كبار السن ممن يحتاجون إلى أبنائهم. وقد ذكر لي أحد الأخوة عن رجل كبير في السن وله منصب وجاه ولم يكن ذا التزام كامل فكان أن مرض وبدأ كبار القوم ووجهاؤهم يزورونه فجعل يثني على أحد أبنائه علانية وأنه بار به لا يفارقه ليلاً ولا نهارًا. فالتفت القوم إلى الابن البار فإذا عليه سمت الصالحين وسيمًا للخير فكان داعيًا صامتًا. وقد ذكر الشيخ أحمد القطان كيف كانت توبة والده وهي حول هذا الموضوع. وكثير من الشباب الملتزمين ليس لوالديه نصيب من الدعوة بل ولا من التلطف وحسن الأدب وقضاء الحوائج فمن أولى بذلك؟ أتدعو صديقك وتترك أباك وتدع أمك؟ !

стр. 38

لذلك فإن بسط الوجه والإحسان إلى الوالدين وخدمتهما والسهر على راحتهما مفتاح للدعوة إلى الله في قلوبهما. أخي المسلم: يغفل كثير عن أمر دعوة من حوله مع أنهم إذا اهتدوا والتزموا يعينون على الطاعة ويثبتون على الحق فهم الأكثر التصاقًا بالمدعو .. بل إن منهم من سيكون له تأثير على تربية أبناء المدعو والمدعوة كالخال مثلاً فهدايته مدعاة إلى المحافظة على صلاح أبنائه؛ إذا رأوا خالهم وأبناءه على حال طيبة .. أما إذا كان الخال على سوء حال والأبناء والأم لا بد أن يذهبوا لأخوالهم قلت أو كثرت تلك الزيارات فإن ذلك له آثار سلبية على الصغار .. وطول مدة الدعوة في هذه العلاقة تجعلها تسير ببطء وبنفس دعوي مركز سيثمر إن شاء الله .. أخرج مسلم عن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم». وهذا سعد بن معاذ ﵁ لما أسلم قال لقومه بني الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تسلموا. فأسلموا فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام.

стр. 39

العدو للدعوة عداء مع اليأس .. فلا يأس مع الدعوة، والدعوة ليست مرة واحدة لنقف بعدها .. بل تكرر المحاولات وتعاد المرات مرة بعد أخرى حتى ينتهي وقت الدعوة وهو نهاية عبادة الله وخروج العبد من الدنيا .. عندها يتوقف أمر الدعوة .. فالرسول ﷺ وقف على رأس عمه وهو في الموت يقول له: «يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» متفق عليه. لذلك فاليأس داء قاتل ويجب الحذر منه فإنه يؤدي إلى المهالك، وربما قاد إلى الانفعال في النصيحة وهذه ضررها واضح، ولكن يكفي الداعي أنه وضع لبنة أولى ورسم معلمًا واحدًا، فيأتي من يتمم بعده ويكمل الطريق فلا يصادم المدعو ولا يولد عداوة وكرهًا بل يقف عند حد الدعوة وعدم الانتصار للنفس.

стр. 40

وقفات إن بث الحماس في الناس وتجديد معلوماتهم عن سيرة الرسول ﷺ وسيرة أصحابه وكذلك التاريخ الإسلامي والمواقع التي جملت جبينه على مر الأيام فيها إذكاء لحماسهم وتقريبهم إلى الأعمال وتحبيبهم إلى حب هذا الدين. وفي المقابل فإن من أبواب الدعوة غير المباشرة ذكر مآسي المسلمين وما يعانون من فقر وجهل وقتل وتشريد، ويعرض في ذلك شكر للنعم التي نعيش فيها ودفعًا للمدعو إلى التفكر في الفرق بين الأمم وما حل بها من العقوبة لما اقترفوه. وهذا يرسخ في الإنسان المدعو فضيلة التفكر والنظر في مآل ومصير الآخرين وما هو فيه من نعمة وأمن. ثم إن ذلك يحرك كوامن الإسلام في نفسه ويوقظ قلبه من سباته .. وينفخ في نار تحت رماد المعصية فربما يهب من سهوه ويصحو من سباته ويستيقظ من غفلته. ذكر البشارات المفرحة لكي يطمئن قلب المدعو .. مثلاً ذكر الأحاديث في باب المحافظة على الصلاة «ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه» وحديث: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» وهكذا من البشارات التي تفرح المدعو وتجعل نفسه تطمئن وتنشط. أيها الداعية: من مظاهر الدعوة الصامتة الاعتزاز بهذا الدين والتفاخر به وتطبيقه في الحركات والسكنات والمظهر والمخبر على الأبناء
следующие страницы →