Полный текст (84 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ويجمع مع تلك الرداءة سوء الخلق. فيجمع عليها هم الدين وغم التعامل لكن هذا هو مجال الدعوة وركن الصبر وإلا فكيف تكون داعية وزوجها مستقيم يعينها على الطاعة؟ إنه جهاد له ثمن وصبر له نهاية وربما يعجل الله بطريق الهداية أو بفرج من عنده.
стр. 37
يا أبت
الداعي ينقذ المدعو وينقذ أسرته ومن وراءه من عذاب جهنم .. إنه يأخذ بيده ويبعده عن طريق المهالك ومفازات الصحراء، ويبين له طريقًا فيه أجر من واجب أو سنة أو مستحب فله من الأجر مثل ذلك.
للوالدين حقوق كثيرة لا تخفى على عاقل .. والناس تلاحظ ذلك وتراعيه وأذكر أن أحد الشباب قد تقدم لخطبة فتاة فسأل والد الفتاة أباه: كيف بره بك؟ !
ولا شك أن ذلك أكبر منطلق للبر بالأم والزوجة والأخت.
والناس تحت صاحب الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة وتتعاطف مع كبار السن ممن يحتاجون إلى أبنائهم.
وقد ذكر لي أحد الأخوة عن رجل كبير في السن وله منصب وجاه ولم يكن ذا التزام كامل فكان أن مرض وبدأ كبار القوم ووجهاؤهم يزورونه فجعل يثني على أحد أبنائه علانية وأنه بار به لا يفارقه ليلاً ولا نهارًا.
فالتفت القوم إلى الابن البار فإذا عليه سمت الصالحين وسيمًا للخير فكان داعيًا صامتًا. وقد ذكر الشيخ أحمد القطان كيف كانت توبة والده وهي حول هذا الموضوع. وكثير من الشباب الملتزمين ليس لوالديه نصيب من الدعوة بل ولا من التلطف وحسن الأدب وقضاء الحوائج فمن أولى بذلك؟ أتدعو صديقك وتترك أباك وتدع أمك؟ !
стр. 38
لذلك فإن بسط الوجه والإحسان إلى الوالدين وخدمتهما والسهر على راحتهما مفتاح للدعوة إلى الله في قلوبهما.
أخي المسلم:
يغفل كثير عن أمر دعوة من حوله مع أنهم إذا اهتدوا والتزموا يعينون على الطاعة ويثبتون على الحق فهم الأكثر التصاقًا بالمدعو .. بل إن منهم من سيكون له تأثير على تربية أبناء المدعو والمدعوة كالخال مثلاً فهدايته مدعاة إلى المحافظة على صلاح أبنائه؛ إذا رأوا خالهم وأبناءه على حال طيبة .. أما إذا كان الخال على سوء حال والأبناء والأم لا بد أن يذهبوا لأخوالهم قلت أو كثرت تلك الزيارات فإن ذلك له آثار سلبية على الصغار .. وطول مدة الدعوة في هذه العلاقة تجعلها تسير ببطء وبنفس دعوي مركز سيثمر إن شاء الله ..
أخرج مسلم عن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم».
وهذا سعد بن معاذ ﵁ لما أسلم قال لقومه بني الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تسلموا. فأسلموا فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام.
стр. 39
العدو
للدعوة عداء مع اليأس .. فلا يأس مع الدعوة، والدعوة ليست مرة واحدة لنقف بعدها .. بل تكرر المحاولات وتعاد المرات مرة بعد أخرى حتى ينتهي وقت الدعوة وهو نهاية عبادة الله وخروج العبد من الدنيا .. عندها يتوقف أمر الدعوة .. فالرسول ﷺ وقف على رأس عمه وهو في الموت يقول له: «يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» متفق عليه.
لذلك فاليأس داء قاتل ويجب الحذر منه فإنه يؤدي إلى المهالك، وربما قاد إلى الانفعال في النصيحة وهذه ضررها واضح، ولكن يكفي الداعي أنه وضع لبنة أولى ورسم معلمًا واحدًا، فيأتي من يتمم بعده ويكمل الطريق فلا يصادم المدعو ولا يولد عداوة وكرهًا بل يقف عند حد الدعوة وعدم الانتصار للنفس.
стр. 40
وقفات
إن بث الحماس في الناس وتجديد معلوماتهم عن سيرة
الرسول ﷺ وسيرة أصحابه وكذلك التاريخ الإسلامي والمواقع التي جملت جبينه على مر الأيام فيها إذكاء لحماسهم وتقريبهم إلى الأعمال وتحبيبهم إلى حب هذا الدين.
وفي المقابل فإن من أبواب الدعوة غير المباشرة ذكر مآسي المسلمين وما يعانون من فقر وجهل وقتل وتشريد، ويعرض في ذلك شكر للنعم التي نعيش فيها ودفعًا للمدعو إلى التفكر في الفرق بين الأمم وما حل بها من العقوبة لما اقترفوه. وهذا يرسخ في الإنسان المدعو فضيلة التفكر والنظر في مآل ومصير الآخرين وما هو فيه من نعمة وأمن. ثم إن ذلك يحرك كوامن الإسلام في نفسه ويوقظ قلبه من سباته .. وينفخ في نار تحت رماد المعصية فربما يهب من سهوه ويصحو من سباته ويستيقظ من غفلته.
ذكر البشارات المفرحة لكي يطمئن قلب المدعو .. مثلاً ذكر الأحاديث في باب المحافظة على الصلاة «ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه» وحديث: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» وهكذا من البشارات التي تفرح المدعو وتجعل نفسه تطمئن وتنشط.
أيها الداعية:
من مظاهر الدعوة الصامتة الاعتزاز بهذا الدين والتفاخر به وتطبيقه في الحركات والسكنات والمظهر والمخبر على الأبناء
стр. 41
والزوجات .. وعلى نفس الداعي، فتراه ملتزمًا بأمر الله معتزًا بأعمال لا يطأطئ رأسه ولا ينحني إلا لله .. وبعض الأطفال يحرج إذا سئل هل لديكم تلفاز أو دش في البيت؟ ! لكن إذا كان قد ربي على العز والفخار، أجاب: لا بملء فيه.
ولا شك أن في ذلك لفتًا للنظر بل ومدعاة للسؤال وإن أجاد الطفل والإجابة ووضح الأضرار والمساوئ كان قد أدى المقصود والمراد.
لإمام الحي مكانة في النفوس خاصة إذا كان عالمًا أو طالب علم وله نشاط ملموس في الحي، وكلما تقاربت مساكن الحي كانت كلمة الإمام أكثر وأجدى لقربهم من المسجد.
وللإمام طابع رسمي يعين على الاستفادة من مركزه في الزجر والتحذير في حالة عناد ومكابرة المدعو وهي مرحلة متأخرة تأتي بعد الدعوة بالحسنى.
وعن طريق الإمام يكون هناك ترتيب كامل للحي وترتيب للدعوة وتوزيع للكتب عن طريقه وتحدثٍ باسمه.
كما أن زيارته للمدعو لها أثر طيب ووقع حسن في النفس، وقد تكون هذه الزيارة ابتداء من الإمام إذا كان من أهل الدعوة وقد تكون بطلب من أحد الجيران أو الزوجة وغيرها.
ولا شك أن الاستفادة من ممارسات الآخرين وأعمالهم والأخذ من تجاربهم أمر مهم وضروري لأن الداعي مثل البائع الذي يعرض سلعته وبعض البائعين قد تمرس في البيع وعرف المداخل
стр. 42
والمخارج فهكذا الداعية كلما ازداد مسيرًا في طريق الدعوة زاد خبرة ومعرفة بأحوال الناس وأسهل وأيسر المداخل.
في كل مدعو غالبًا نقاط خير متعلق بها فيزداد منها، ويحث على الإكثار منها وينظر إلى نقاط الشر الأقل تعلقًا بها فينهى عنها في بادئ الأمر فإن التزود مما تحبه النفس فيه يسر وكذلك النهي عن بعض المنهيات التي يتعلق بها الشخص تعلقًا يسيرًا أمر فيه سهولة أقل من قطع الصلة بسرعة لما هو متعلق به .. فالتدرج ضروري.
ولا بد من البحث عن أسباب وقوع المعاصي والبحث عن أسباب دواعي الخير فتلك المعلومة تقلل من وقوع المعاصي ومعرفة مداخلها فتغلق أو تضيق وهو أمر مهم أما فعل الخير فيزاد ويستدرك.
توطين النفس وتعويدها على البذل والجود بالمال والوقت والعلم فإن تلك الصفات مما يحبه الناس ويقبلون من صاحبها فالجود سبب لانفتاح القلوب وهي صفة إذا عرفت عن الداعي أصبح محبوبًا ومقبولاً:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
стр. 43
لا تزل قدمك
للداعي خط واضح يكفي أنه سائر على طريق غير مستوحش فيه لأن أقدام الأنبياء والصالحين سارت عليه .. فهو يسير على الخطى ويقتفي الأثر.
وقد جمعتني ببعض الأحبة مناسبة أسلم فيها بعض الأجانب وكان محور الحديث فيها عن الإسلام وكيف أسلم كل فرد
منهم.
وعندما أتى الحديث إلى أحدهم قال: كنت طبيبًا ولا أزال وأعمل مع الموجودين في المجلس وأحمد الله أن منَّ علي بنعمة الإسلام. ثم ذكر بداية معرفته بالإسلام فأشار إلى بعض الحاضرين وقال: هذا دعاني مرة وأخرى وثالثة وأنا معرض عنه حتى أتى يومًا فتحدث لي عن الإسلام وكنت غضبان فنهرته وطردته من مكتبي فلم يعد إلي مرة أخرى ولكن كانت هناك محاولات أخرى مع زوجتي وهي طبيبة في نفس المستشفى فكان أن أتى الإسلام إلى منزلنا عن طريقها فأسلمت ثم أسلمت ولله الحمد. وأنا أعتذر للأخ الذي نهرته ولكني ألومه الآن، لماذا لم يعد عندما نهرته وغضبت عليه؟ ! فالدعوة تحتاج إلى صبر وتضحية ومعاودة مرة ثانية.
وفي أمر الدعوة يجب أن يلاحظ الداعي احتياجات الشخص فمن كان التقرب إليه بالمال دفعنا له مالاً ولا يستعجب من ذلك فهذا الذي قدم على رسول الله ﷺ وأعطاه ما يريد من الدنيا عاد
стр. 44
لقومه ليقول لهم: أتيت من عند من يعطي عطاء من لا يخاف الفقر .. لم ينظر إلا من هذه الزاوية ولذا لم يقل أتيت من عند نبي الله أو هلموا لأكمل الأديان وأتمها. لا بل نظر إلى ذلك من زاوية الدنيا وهي التي لفتت انتباهه وهي التي رغبته في الإسلام .. وبعض المدعوين ينقاد من هذه الزاوية أو من زوايا أخرى فلا يتعجب في البداية من ذلك وليكن الرسول ﷺ القدوة في الدعوة.
في أحايين كثيرة من الدعوة يحسم الموقف عند حد معين خاصة إذا كان المدعو بدأ ينفعل وينتصر لرأيه فربما يكون في ذلك ضرر عليه في دينه إن كان مسلمًا فيجب التوقف والانسحاب فالداعي صاحب دعوة لا صحاب انتقام وتشفي.
فهناك جهلة كثيرون .. وهناك مكابرون ومعاندون ولكن الداعي يسير على نور من ربه في طريق مرسوم ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
والحذر أن يكون للداعي موقف يأخذه الشيطان فيرى أن ينتصر لنفسه ويشفي صدره وهذا ليس بأسلوب الدعاة بل الانتصار لله ولرسوله، وتهان النفس وتذل في سبيل الدعوة. لأنه يستقي علمه ومسير حياته من تعاليم القرآن الكريم وسنة نبيه ﷺ ربما يقف يومًا يحتار فيه حتى يقرأ هذا الآية فتنجلي الحيرة وتتضح الرؤية: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
стр. 45
[السجدة: ٣٤ - ٣٥].
يجب الحرص وعدم التحدث عند الآخرين بأن فلانًا به كذا وكذا وينقصه كذا وكذا، إلا إذا كان في أخبارهم فائدة لدعوة المدعو؛ لأن ذلك ينفر عن الداعي ويجعله غير محبوب. كما أنه يفتح باب الغيبة بين المسلمين.
стр. 46
بحر الجود
ومن أهم الوسائل الدعوة إلى الله الإنفاق في سبيل الدعوة فالمنفق يستطيع أن يطبع ألوفًا من الكتب ويوزع مثلها من الأشرطة ولديه إمكانية تأليف القلوب بالمال والجاه الذي يملكه، ولا شك أن إنفاق المال في الدعوة إلى الله من شكر نعمه، فالغني أتى إلى هذه الدنيا وهو لا يملك نعلاً في قدمه فضلاً عما وراءها.
فالنعم قسمة من الله لعباده مثلما قسم وبسط الأعمار والأجسام والأخلاق، فلا لأحد فيها فخر ولا له فيها جهد ونصب فلا يدعي أحد مثل قول من كفر بنعمة الله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أو إنني إنسان ذكي نهاز للفرص مطلع على الأحوال .. فهذه مكابرة، فليس كل من عمل أو استغل الفرص كثر ماله بل ربما يكون العكس.
فليتق الله أهل الأموال، وغالب الناس اليوم كذلك. فلينفق الجميع مما أعطاهم الله قل أو كثر، فوالله كم رأينا من محروم حرم نعمة المال وكم من محروم حرم نعمة الإنفاق.
ومن تأمل في حال الكثير وجد أن الآخرة لا حظ لها من ماله .. فكم من معلم أو موظف أو تاجر أنفق في عام كامل ألف ريال فقط في سبيل الدعوة وكم من معلمة أو موظفة أنفقت مائة ريال في الشهر!
نعم مائة ريال من مرتب يزيد عن ستة آلاف ريال!
стр. 47
لا تتعجب أيها الحبيب .. بل ريال في كل يوم من كل مسلم يكفي أمة محمد دعوة وتعليمًا وسد حاجة وستر عورة! !
ولكن أين المنفقون؟ !
أما من يسعون للآخرة سعيًا فسأحدثك بطرف من أخبارهم ..
أحدهم جزاه الله خيرًا وحرم وجهه على النار وضع حصالة في صالة منزله يضع فيها يوميًا مبلغًا من المال صباح كل يوم عندما يوزع مصروف أبنائه .. فيكون للحصالة نصيب من المصرف .. ريال أو عشرة أو خمسة أو مائة .. وفي نهاية الشهر أو أكثر يسلمها إلى أصحابها. قال: لم أستطع أن اقتطع شهريًا من مرتبي بصفة مستمرة نسيانًا أو غفلة فوضعت هذه الحصالة لأراها كل يوم فأضع فيها ما يتيسر ولله الحمد ..
أما إحداهن ستر الله وجهها عن النار فكأنها ما خلقت الصدقة إلا لها .. صدقة من حليها ومن ملبسها وإنفاق من مرتبها وكفالة يتيم لمدة عام ومشاركة في أعمال الخير .. تريد أن يكون لها سهم في كل إنفاق! !
أما طفل الإسلام الصغير الذي لم يتجاوز العشر سنوات فهو يأخذ من مرتبه -في مدرسة تحفيظ القرآن- عشرة ريالات فقط والباقي ينفقه في سبيل الله.
стр. 48
أسهل الوسائل
الاتصالات الهاتفية جعلت باب الدعوة سهلاً ميسرًا .. وطرق الدعوة تختلف باختلاف طبائع الأشخاص ونوع المعصية فربما يستنفذ الشخص جميع الوسائل ولا تجدي أي وسيلة وربما ينفع الله بأول وسيلة .. ومن تلك الوسائل التي يسرها الله لنا في هذا العصر .. الهاتف.
وهو وسيلة دعوية سهلة .. فيها صلة الأرحام، وسؤال عن الحال .. وبث نصيحة وإنكار منكر وإعلام بحديث، وحفظ ومراجعة للقرآن .. وبالهاتف يستفتى العلماء ويسأل طلبة العلم وكثير من الاتصالات التي يداوم عليها صاحبها تزرع في نفس المتصل عليه المحبة لهذا الشخص بشرط أن يبتعد عن كثرة الأسئلة وفضول الكلام .. بل يكفي السؤال العابر وإظهار المحبة الصادقة ومع تكرار تلك الاتصالات حتى على فترات متقطعة يستطيع الداعي أن يدعو بسهولة وتدرج.
والهاتف من أسهل أمور الدعوة بالنسبة للمرأة التي لا تستطيع أن تصل رحمها متى ما أرادت، وتدعو أحبتها وقريباتها من خلال الهاتف، ولها في الاتصالات قربة وسلوى.
ولا تغني الاتصالات عن المشاهدة والسؤال عن الحال مباشرة، ولكنها تؤدي غرضها إلى أجل الزيارة. فإذا وقعت الزيارة كانت الدعوة أكثر قبولاً وأوضح محبة للزائرة التي تتفقدها بين حين وآخر.
стр. 49
وللهاتف مجال رحب وواسع في باب النصح خاصة لأصحاب السمت الطيب والحياء الفطري. فبالإمكان الاتصال على المدعو ذكرًا أو أنثى ويسلم عليه ويمدح بما هو أهله ثم يذكر الأمر .. وإن كان في ذلك حرج وصعوبة فبالإمكان شرح الأمر لأحد أصحاب الرفق واللين ممن منحه الله طلاقة في الحديث وحسنًا في اختيار العبارات. فيحدثه الداعي بأن هنا كذا وكذا ولا يخبره إلا بالاسم الأول لعدم الحاجة إلى الاسم الكامل ويدعه يتصل بالمدعو في وقت مناسب ويختصر في الحديث ولا يجادل ولا يعارض .. بل هو حامل رسالة يبلغها. وكثير من تلك الاتصالات خاصة النسائية نفع الله بها لأنها خالصة لوجهه الكريم ويخاطب فيها أصحاب الحياء والفطر الطيبة .. وما كان لله فهو يبقى.
стр. 50
يا بني
الأبناء مرآة تعكس حال المنزل وما بداخله .. والأبناء إذا كانوا على درجة من النظافة والترتيب وحسن الأدب علم الناس حسن تربيتك وتقربوا لك لأنهم رأوا حالك في المنزل .. وقليل من يهتم بجانب تربية أبنائه في هذا الزمن.
ولحسن التعليم والتربية نرى أن من يحفظ القرآن وهو صغير يبرز بين أقرانه ويحدثهم بحفظه للقرآن وكم يحفظ، ومتى يحفظ؛ فيكون داعية لحفظ القرآن بحديثه مع أقرانه .. بل ربما امتد ذلك للآباء والأمهات ليتحدثوا عن حفظه وكم يحفظ. إنها حلق ومدارس مباركة فما أن ينتهي الطالب من المرحلة المتوسطة حتى يكون قد حفظ القرآن كاملاً .. وهذا يحرك شعور النقص في تربية بعض الأسر وسوء اختيارهم وغفلتهم عن أبنائهم.
من وسائل محبة الزائر أن يظهر الداعي محبة أبناء البيت والسلام على أطفالهم والسؤال عن أحوالهم ومستوياتهم الدراسية فإن هذا مما يفرح الوالدين .. أما إظهار عبارات الثناء والمديح للأبناء فإن ذلك قمة السعادة للوالدين لأن الأب يرى أن ذلك امتداد لشخصه فكأنه مدحه من جهة الامتداد ومن جهة حسن التربية والتعليم والعناية بالطفل.
وما دام للأطفال هذا الواقع فإنهم مدخل من مداخل الدعوة من إظهار محبتهم وإهدائهم الهدايا الطيبة وهناك أشرطة جميلة
стр. 51
للأطفال ليس فيها محظور شرعي بل فيها قراءات لصغار الطلاب وأناشيد ومسابقات وهناك أشرطة فيديو في نفس هذا الاتجاه. والإهداء لا يختص بالأطفال فربما أن الوالدين استمعا وشاهدا تلك الأشرطة فتلين قلوبهم لذلك وقد اهتدى الكثير عندما رأوا حالات الدمار والجوع والفقر في الصومال والتشريد والقتل في البوسنة.
للداعية تأثير قوي على من حوله من الأبناء فيحث الأب على العناية بأبنائه وتربيتهم والعناية بهم والسؤال عن عدم حضورهم للصلاة في المسجد .. وكذلك الأم تسأل عن ابنتها وعدم مبالاتها بالمدرسة أو كثرة الهواجس فربما أنها تعاني من مشكلة ولا يجد أحد حلاً لها إلا بتدخل أكثر من طرف.
стр. 52
أصحاب الهمم
من أدب الدعوة إنزال الناس منازلهم وذكر ما بهم من صفات طيبة ولما لوالديهم أو عائلاتهم من مكانة .. وما يتمتع به المدعو من سيرة حسنة .. فإن ذلك أدعى للقبول وراحة للنفس وتقبل للنصيحة. ولا يتعجل في النصيحة إلا بعد طرق المدعو بالعبارات الطيبة والكلمات المختارة وهي كلها كلمات حق وفيها معنى سام للدعوة.
وهذا الأمر مهم جدًا فيفرق بين نصيحة كبير في قومه أو مركزه، أو رجل له فكر ومكانة لعلمه، أو كان من أهل الحسب والنسب، فإن ذلك من باب كسب القلوب وتأليفها وإنزال الناس منازلهم وحال المدعو تستدعي طريقة الحديث ونوعه بل ومكانه أيضًا.
ولا بد من الاهتمام بهؤلاء لمكانتهم ولتأثيرهم في مجتمعهم بل ولتأثر الناس بما هم عليه من صلاح أو فساد. ولا يعني ذلك إغفال الآخرين إنما يدعى كل بحسب حاله وينزل منزلته.
كما أن في ذكر من لهم أثر في رفعة الإسلام من علماء وتجار للمدعو وكيف بذلوا أوقاتهم وأنفسهم وأموالهم .. بل حتى ممن هم دون ذلك ولهم أعمال مشهورة .. مدعاة إلى الحياء من الله وتنقص الحال .. فإن ذكرت سيرة علمائنا المعاصرين وجدت الدرر الكامنة والصور الناصعة ومن يجعل علامة الإسلام في عصره وإمام أهل
стр. 53
السنة في زمانه الشيخ عبد العزيز بن باز وما يبذله من مال في سبيل الدعوة حتى تواتر أنه يكفل ما يزيد عن ستمائة داعية في مشارق الأرض ومغاربها ولا يرد سائلاً أبدًا ويبذل من وقته وماله للإسلام ما استفاضت به الأخبار وسارت به الركبان.
وهناك من المربين والمربيات من حسنت سيرتهم وطار ذكرهم لما لهم من أعمال عظيمة .. فهذه مدرسة لغة إنجليزية استقامت مدرسة كاملة على يديها. وتلك بذلت مالها وحليها في سبيل الله .. وأخرى حرم الله وجهها على النار لا تأخذ من مرتبها ريالاً واحدًا بل تدفعه كله إلى الفقراء والمحتاجين والهيئات الخيرية .. وآخر يذهب لمراكز إصلاح السيارات، وما بسيارته من خلل، وإنما هدفه دعوة العاملين إلى الإسلام وتوزيع كتب الجاليات عليهم. صور كثيرة لا تخلو منها أسر ولا يغيب عن البال كثير من تلك الإشراقات الطيبة.
إن في ذكر ذلك تقوية للعزائم وتحريكًا للهمم وإشاعة لأعمال الخير وثناء على العاملين ودعاء للمخلصين.
стр. 54
تقدموا وتأخرنا
للنصارى والكفار عمومًا دورٌ لا ينكر في كثرة أعمالهم وتتابع جهودهم التي شرقت وغربت، فهم يدعون ويبذلون ويجاهدون ولا ييأسون .. وذكر أعمالهم وصبرهم فيه إذكاء للتحدي وتحريك لنفس المدعو وضرب للأمثال وقياس للواقع .. فهؤلاء النصارى بذلوا جميع ما يملكون من إمكانات مادية وبشرية وغيرها في سبيل دعوتهم الباطلة ودينهم المحرف.
وقد حدثني أحد العاملين بمستشفى للعيون فذكر لي أن لديهم طبيبًا ماهرًا نابغًا في عمله ويعد من الأطباء القلائل في مجال تخصصه. وله مرتب ضخم وسكن مريح وسيارة فارهة. ولما تقدم بطلب إجازة سئل أين ستقضيها؟
فأجاب: في أفغانستان! ! مع جماعة أطباء بلا حدود .. وهي جمعية تنصيرية اتخذت العلاج لعملها الخبيث.
فتعجب الكثير من تضحيته بالمسكن المريح والمكان الجميل والإجازة السنوية يقضيها بين القنابل والرصاص في خيام لا تقي الحر ولا البرد.
أما ذلك المنصر الآخر فقد أقام في كوخ تنقصه وسائل الراحة مدة أربعين سنة كاملة .. نعم أربعين سنة في أدغال أفريقيا ووسيلة اتصاله بالعالم طائرة مروحية صغيرة تأتيه بين حين وآخر محملة بالأدوية والهدايا.
стр. 55
فذكر تلك القصص وتلك الإمكانات المالية الضخمة في التنصير تدمي القلب وتحرك المشاعر الكامنة في النفوس كما أنها تلقي ظلالاً على أعمال الكفار في سبيل تنصير وإفساد عقائد المسلمين.
стр. 56
أنت تحت المجهر
الناس يتعاطفون مع الضعيف والصغير .. ويتشوق الكثير إلى معرفة حال الداعية في منزله مع زوجته وأبنائه؛ هل هو حسن الخلق لين الجانب أم عكس ذلك؟ وتلك الأخبار تتجاوز الأسر والأقارب إلى الجيران والمعارف وكلها مقدمات لقبول الدعوة وربما تكون بابًا للصد بل وأحيانًا للاستهزاء إذا تلقفتها ألسنة الفساق .. فهذا لا يكرم زوجته وربما رفع صوته عليها وهكذا.
ثم إن الناس إذا رأوا حسن تعامل وخلق الأخيار أحبوهم وأحبوا تزويجهم والعكس ربما يقع.
وأذكر هنا قصة خاصة ليست من القصص العامة ولا تنطبق إلا على أفراد قلائل من بعض الشباب.
فقد كان لامرأة عجوز قريب غير ملتزم ولكنه حسن الخلق بار بوالديه وأقاربه صاحب كرم وسخاء وهدايا وعطايا فأحبته قريبته رغم علمها بمعاصيه الظاهرة. وكان لها قريبة تزوجت بمن ظهر عليه علامات الصلاح ولكنه كان يسوم زوجته العذاب لسوء خلقه، ومنعها من زيارتها وإعانتها وهكذا حتى كرهته النساء وكان صورة كريهة للملتزمين. فإذا تقدم للمرأة العجوز خاطب ردت وعارضت قبول الملتزم وإذا تقدم صاحب الفسق الظاهر وربما التارك للصلاة رحبت به قياسًا على الآخر.
стр. 57
وهكذا كان هذا الأخ الملتزم مع جهل المرأة سببًا في كره الملتزمين لسوء خلقه وعشرته مع زوجته .. فهذا لا تقبل دعوته في وسطه لأن تلك المعاملة السيئة سبقت دعوته فكرهه المدعو وكأني به يقول: أصلح نفسك أولاً! !
стр. 58
الصدقة الجارية
في الساحة الآن مجلات إسلامية ذات منهج طيب وعلى الرغم من الحاجة إلى أضعاف هذا العدد من المجلات الموجودة إلا أن العدد الموجود على قلته يعتبر من وسائل الدعوة وذلك بتقديم اشتراك في المجلة للمدعو سواء علم من الشخص الذي دفع بقيمة الاشتراك نيابة عنه أم لا .. بحسب الحال فقد يكون هناك مناسبة طيبة ويخبر المدعو بذلك وقد لا تتهيأ الفرصة المناسبة ويتحرج الداعي من إخبار المدعو ولكنه يقدم اشتراكًا باسمه ويدفع قيمة الاشتراك.
وهناك مناسبات الأولى تنوع الهدية فيها مثل الهدايا التي تقدم إلى المرأة بعد ولادتها فغالبها تتراوح بين ثلاثة وأربعة أنواع من هدايا متكررة منذ سنوات .. فما المانع أن تخبر الزائرة صاحبة المنزل أنها ستزورها كل أسبوع مثلاً على سبيل الدعابة فإذا تعجبت من ذلك قالت لها .. إنني أقدم لك هدية مختلفة عن الهدايا المعروفة وسأقدم لك اشتراكًا في مجلة تصلك كل أسبوع .. تنوب عني في زيارتك ..
وهكذا ستجد المدعوة أن وسيلة دعوية ستطرق بابها كل أسبوع أو كل شهر وستقرأها على مهل وتتأمل ما فيها .. وتطلع على الفتاوى الشرعية وأقوال العلماء وغيرها مما فيه فائدة عظيمة.
وفي هذا الاشتراك إعانة للمجلات الإسلامية على الاستمرار والبقاء في جو سيطرت عليه المجلات الخليعة والفاسدة.
стр. 59
ثم الأمر الثالث في هذه الهدية هو أن وقت قراءة هذه المجلة ربما يكون في قراءة مجلات سيئة مادة ومحتوى. ومن ناحية مادية فإن قيمة الاشتراك ربما يقل كثيرًا عن قيمة الهدايا الأخرى التي تقدم.
стр. 60
تنفيس الكرب
لا بد من خدمة المجتمع والجماعة والقيام على شئونهم وتلمس حاجاتهم حتى يكسب الداعي عطف ومحبة الجميع .. فيكون محبوبًا عندهم .. ومن أعظم الخدمات التي تقدم للمدعو كشف الكرب.
فإن كشف الكرب عن الناس وقضاء حوائجهم وتيسير أمورهم أمر تحبه النفوس وتتعلق بفاعله. فالنفوس مجبولة على حب من أحسن إليها وفي الحديث: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة .. » (١) فالكثير يضرب أخماسًا بأسداس لأمر يسير إذا سدت في وجهه مفاتيح الطلب والرزق .. فتراه يقلب الطرف ويبحث عن أحد يعينه ويساعده ..
فكن أول من يهب لخدمته بالمال والجاه وبذل النفس، وأذكر أن أحد الإخوة حدثني عن أحد العلماء الأجلاء ﵀ ممن لهم مكانة ومنزلة فقال: حدثت الشيخ برغبتي في النقل من مكاني ووظيفتي إلى إدارة أخرى وكان هذا الطلب عرضًا فهب الشيخ ﵀ من المجلس إلى داخل منزله فظننت أن الشيخ سيحادثهم بالهاتف فإذا بالشيخ قد أقبل وعليه آثار الوضوء ويحمل عباءته في يده وقال: هيا نذهب الآن، فقلت له: يا شيخ، ما قصدت ذلك الآن، أردت توصية أو خطابًا فقاطعني الشيخ وقال: هيا. стр. 61
فكان أن ذهب معه وفرج كربته ولا يزال الرجل يدعو للشيخ إلى اليوم وكلما سنحت فرصة أو مناسبة أعاد هذه القصة على مسامع الجميع. وقد يظن البعض أن قضاء حوائج الناس والشفاعة لهم مختصة بطبقة معينة ليس هو من أهلها، ولكن هذا ليس بصحيح .. فمثلاً التوسط لإدخال ابن المدعو مدرسة أمر ميسور للكثير حتى لو ذهب بنفسه للمدرسة .. وإعانة المرضى للحصول على العلاج في المستشفيات يقارب الأولى وكذلك التوسط للكثير في إنجاز أعمال صغيرة فيه فرح وتفريج كربة.
وأذكر أن شابًا في أحد الأحياء، فرغ نفسه لخدمة الأرامل والأيتام ومتابعة أبنائهم في المدارس وإنهاء معاملاتهم لدى الدوائر الرسمية وهي لا تأخذ من وقته مع حسن النية كثيرًا وتعني شيئًا عظيمًا لتلك الأسر.
وتفريج الكرب وإزالة الهموم لا حد له من الأعمال بل ربما بكلمة عن الصبر والاحتساب تجعل المدعو تهدأ نفسه وتقر عينه. وأعرف من بذلت نفسها للرد على مكالمات النساء لحل مشاكلهن وأكثر حلولها تطييب خاطر ودعاء وإعانة على الصبر والاحتساب وذكر بعض القصص والعبر .. فسبحان من سخرهم لخدمة المسلمين وتفريج كربهم وهمومهم.
стр. 62
الصحبة
أصدق وصف وأوضحه في أمر الصحبة حديث نافخ الكير قال ﷺ : «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا منتنة» متفق عليه.
بل رفع الله ذكر الكلب برفقته للصالحين قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.
والصحبة في مجال الدعوة تكون في خطوتين؛ الأولى منهما الدعوة إلى الالتزام، والثانية الإعانة والتثبيت على الالتزام.
وإن كانت المرحلة الأولى تختلف مدتها إلا أن الثانية مستمرة حتى مراحل متقدمة من ثبات الالتزام ووضوحه .. بل إنها مستمرة حتى الموت.
والصحبة تكون غالبًا من خارج وسط المدعو، وحتى يكون لها قبول عند المدعو. يجب أن يودها ويحترمها ويقدرها وعندها يبدأ أمر الدعوة أما إذا كان هناك تنافر وعدم انسجام فربما يكون العائد من الدعوة قليلاً جدًا. ولذا يفضل أن تعرف حال المدعو وما هي هواياته ورغباته وماذا يحب وكيف هي شخصيته.
وأذكر أن امرأة صالحة أرادات لزوجها الالتزام وسلوك جادة الحق فهاتفت بعض أقاربها وبعض العلماء وبعد مشاورات قالت
стр. 63
لإحدى صديقاتها: زوجي يحب الرحلات البرية والصيد فابحثوا له عن رفقه طيبة لها تلك الرغبات وتحب تلك الرحلات.
فكان أن تم التعارف بينه وبين تلك الصحبة والرفقة وبدأ يذهب معهم في رحلاتهم البرية فأنس بهم والتزم على أيديهم.
وهذا يعطي مثلاً لمن أراد الدعوة أن يلتمس جانبًا يتفق فيه المدعو مع الصحبة حتى يكون منطلقًا لتلك الصحبة. وهذه الوسيلة تطرقها الأمهات والزوجات لأبنائهن وأزواجهن إذا لم يرين تأثر المدعو بطريقتهن وكذلك تشيع بين أوساط الطلبة والطالبات وفي مجتمعات الأحياء. وهي وسيلة فيها من الدعوة والصبر الشيء الكثير.
وعند البحث عن الصحبة الطيبة يجب الحرص على اختيار أفضل تلك الصحبة وأنفعها علمًا وأكثرها قربًا إلى الله فإن هناك من هم على خير وصلاح في أنفسهم ولكنهم مضيعون للأوقات في أحاديث عن الدنيا وربما بعضها في الغيبة .. فهذا وإن كان له في الدعوة نصيب فإن ضرره حاصل على نفسه وعلى المدعو.
وهناك أمور تعين على الصحبة ييسرها الله مثل صحبة مدرسة أو رحلة جماعية أو لقاء في مكان عام وهكذا.
وللداعي أن يتلطف مع المدعو ويتصرف بلباقة وحسن أدب وبشاشة وسرعة خدمة حتى يكسب قلب المدعو ويجعله يتقبل ما يطلب منه من ترك معصية أو فعل خير .. وعليه بذلك الجهد
стр. 64
والنفس وربما المال والوقت في سبيل ذلك ولا يتكبر ولا يتعالى .. بل يتواضع ويتلاين حتى تبلغ محبته قلب المدعو.
الخلق الحسن إلهام من الله ومنحة لمن وفقه الله، ومن يتحلى بذلك قلائل ولكن يجب أن نوطن أنفسنا على حسن الخلق فما الحلم إلا بالتحلم والكرم إلا بالبذل. ويعجب المرء من أصحاب الدعوات الباطلة والعقائد المنحرفة كيف وطنوا أنفسهم على حسن الخلق والصبر على أذى الناس إن الكثير يلمز ويغمز بحسن خلقهم مقارنة بالآخرين وما علموا أن الله قال فيهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾.
стр. 65
الجليس الصامت
للكتاب الإسلامي انتشار واسع في مشارق الأرض ومغاربها وهو من أقوى وسائل الدعوة إلى الله وأكثرها شيوعًا وانتشارًا وقد ساعد على ذلك صغر حجمه وخفة وزنه وتدني سعره فلا يتجاوز البعض منها ريالاً واحدًا. كما أن لجمال العرض وتصميم الأغلفة عوامل جذب أيضًا.
ولقد تنوعت عناوين الكتب واختلفت المعالجات فيها وللداعي أن يختار من الكتب ما يناسب من المادة والموضوع.
ولا شك أن أهم تلك الكتب كتب العقيدة الصحيحة التي ألفها علماؤنا الأفاضل ولنرى أثر الكتاب واضحًا سأروي قصة أحد الإخوة ممن عملوا في توزيع الكتب على حجاج بيت الله الحرام في مطار جدة فحدثني قائلاً:
إنه في حج ١٤١٥ هـ، وأثناء توزيع الكتب على حجاج رحلة قادمة من السودان لفت نظري رجل يحمل كتابًا أصفر تمزقت أطرافه وقد تقادم به الزمن فسألت صاحبه أن يعطيني إياه فرفض وقال: هذا الكتاب له عندنا في القرية سبع عشرة سنة وكلما حج شخص من قريتنا حمل هذا الكتاب. قال المتحدث: فنظرت إلى الكتاب فإذا به «دليل الحاج والمعتمر» للشيخ عبد العزيز بن باز. فقلت له: هاتان نسختان من كتاب التحقيق والإيضاح لنفس المؤلف وتعطيني النسخة الموجودة لديك؟ فوافق بعد مشقة.
стр. 66
وأذكر أيضًا أن إحدى المؤسسات الخيرية التي تقوم بإرسال كتب لخارج المملكة وصلتها رسالة من أخت مغربية أوضحت فيها حالتها المادية الجيدة وكيف أنها تلقت الكتب قبل رمضان بستة أشهر ولم تلق لها بالاً .. حتى جاء شهر رمضان فتناولتها وقرأتها وتابت من أمور كثيرة ذكرتها.
والبعض أرسل يقول أن لديهم أحد الكتيبات الصغيرة محجوز لمدة شهر كامل يتناوبون قراءته واحد إثر الآخر.
ولا شك أن ندرة الكتاب الإسلامي في الخارج يدعو إلى بذل وإرسال المزيد دعوة إلى الله ورفعًا للجهل وإنارة للبصائر.
هذا بالنسبة للبعيد .. أما بالنسبة للقريب من ديارنا فحدثني من أثق به أن هناك مناطق لم تر الكتيبات وقد استظرف أحدهم كتابًا ذا غلاف جميل وحسبه من الروايات الغربية وتعجب من حسن غلافه وتصميمه ومادته.
والكثير ولا شك ربما قرأ كتبًا لكن موضوع النصيحة لم يقرأ عنه كتابًا.
فمثلاً المبذرون لم تصلهم كتب عن التبذير، وأهل الفسق والمعاصي لم تصلهم كتب عن التوبة، وأهل النوم عن الصلاة لم يروا كتبًا عن حكم تأخير الصلاة وهكذا.
ويحسن اختيار الكتاب بدقة وعناية وحرص .. وبالإمكان الاستفادة من البريد في إرساله أو يقدم في الحفلات والتجمعات العائلية والأسرية والمدرسية وغيرها على شكل جوائز وهدايا.
стр. 67
وكثير ممن يرسلون رسائل لأشخاص في الخارج يركزون على كتب الرقائق وبعض قصص التوبة ولا يرسلون معها كتبًا عن العقيدة فما الفائدة إذًا إذا تاب المرسل إليه وعاد ورجع عن معصيته ثم قام ليذهب إلى قبر الولي ليدعوه أو ليطوف به؟ ! فالأولى إرسالهما معًا وإن كان ولا بد من كتاب واحد فكتب العقيدة أولى.
والعجيب من تهاون الكثير في مجال الدعوة المتيسرة لديهم، فمن لديه خادمة يقوم شهريًا بإرسال رسالة لأهلها. فلماذا لا يرسل مع هذه الرسالة كتابًا أو أكثر. ولو أردنا أن نعرف تقصيرنا وأحصينا ما لدينا من خادمات أندونيسيات مثلاً لقارب العدد مليون خادمة حسب الإحصاءات المعلنة فلو أرسل مع كل رسالة كتابان فقط وكان معدل الرسائل عشر رسائل سنويًا لأرسل كل شخص عشرين كتابًا ولأرسلنا من هذا البلد المبارك أكثر من عشرين مليون كتابًا لبلد مسلم استوحشته الأمم الكافرة وقامت بحرب شرسة لتنصيره فالله المستعان! !
стр. 68
أصغ بقلبك
من نعم الله على هذه الدعوة في هذا الزمن وجود الشريط الإسلامي وهو وجود متعدي النفع، فمن تعدده وكثرة المحاضرين إلى تيسر حمله وقلة ثمنه واصطحابه في أكثر الأماكن فراغًا وهي السيارة والمنزل. وكذلك انتشار محلات بيعه بل إنه يوجد في كثير من البقالات والدكاكين غير المتخصصة في هذا النشاط وما ذاك إلا دلالة على كثرة الطلب عليه.
وفي تنوع أسماء المحاضرات والمحاضرين فرصة كبيرة للاختيار. فمن دروس علمية إلى شرح للمتون ومحاضرات وعظية وقصائد شعر ترقق القلوب إلى أشرطة تحمل نفسًا إسلاميًا للطفل الصغير. وهذا التعدد والتنوع ربما يوقع الداعي في حيرة من أمره .. ماذا يقدم ويهدي للمدعو؟ !
ولا شك أنه لا بد من حسن تقييم الداعي ومعرفته بالأشرطة الموجودة وحاجة المدعو وطبيعته الشخصية وميوله النفسية، ويمكن سؤال المهتمين بالأشرطة والمتابعين لها من المستمعين أو من العاملين بالتسجيلات.
ويفضل أن تكون الدعوة في البداية بالتمهيد وتعويد الأذن على سماع الشريط الإسلامي هي فاتحة سماع الشريط عند البعض فهناك أشرطة دعوية أدبية وهناك أشرطة عن تربية الأبناء وهناك أشرطة للصغار .. كل هذه تكون نواة للشريط الأول المهدي لشموليتها في المواضيع كشريط عام عن السعادة مثلاً وكذلك لتربية
стр. 69
الأبناء اهتمام لدى الكثير.
ويحسن إهداء شريط واحد فقط حتى يسمع كاملاً ويكون له وقع في النفس. وبعض الأشخاص ربما تكون دعوتهم عن طريق صغارهم فيهدي أشرطة أطفال كإهداء من الداعي إلى أطفال المدعو وغالبًا يحبها الأطفال ويفرحون بها فتكون بداية لدخول الشريط الإسلامي لذلك المنزل.
وقد ذكر لي بعض الإخوة الكرام عن شاب سافر إلى بلدته من الرياض ومعه والدته وعمته فلما ركبت عمته العجوز وبدأ السير رفع الشاب جهاز التسجيل فإذا بصوت غناء أحد المغنين فسألته العمة العجوز: كم المسافة إلى البلدة؟
فأجاب: بأنها تقارب من الساعتين.
فقالت له: وهل سنمضي الساعتين مع هذا الغناء؟
قال لها: نعم، قالت: ليس هذا من حسن العشرة ورفقة الطريق ولكن لك ساعة ولنا ساعة أي أن الطريق مناصفة بيننا.
قال الشاب: فاستلطفت العرض ووافقت على ذلك. فقلت لها: أين شريطك يا عمتي؟ قالت: بل أنت ضع شريطك، فقال لها الشاب: بل أنت يا عمتي أكبر سنًا مني ولك الحق في ذلك .. فناولته شريطًا لأحد الوعاظ مليئًا بالقصص الجميلة عن الحياة ويردد بين حين وآخر بيتًا من الشعر .. فاستمع الشاب إلى الشريط بمتعة عجيبة حتى مضت الساعة كاملة وكأنها دقيقة، وعندها قالت له عمته: هيا، هات شريطي وضع شريطك .. قال لها: يا عمتي حتى ينتهي
стр. 70
الشريط قالت: لا .. المؤمنون عند شروطهم.
فأصر الشاب على عدم تغيير الشريط رغبة في معرفة نهاية إحدى القصص التي ذكرت في الشريط .. عندها قالت له العمة: بشرط أن لا تضع شريطًا لك طوال ذهابنا وعودتنا .. فوافق على ذلك وكانت بداية هدايته على يد ذاك الشريط.
فحسن الاختيار مهم والتوقيت مهم والموضوع الذي يختار مهم أيضًا وكلها عوامل إذا اجتمعت قد تكون سببًا من أسباب هداية المدعو أرادها الله.
стр. 71
لمسات حانية
المدرسة مكان دعوي مهم وأرض خصبة منبتة .. يساعد على ذلك عوامل كثيرة منها طول مدة اليوم الدراسي والسنة الدراسية وكذلك قيمة الدرس وأهميته .. وتتفاوت الدعوة باختلاف الأعمار من مرحلة إلى أخرى.
ومن خلال خمس وأربعين دقيقة يستطيع المعلم والمعلمة إيصال ما يرغبون فيه إلى الطلبة بشكل عام وإلى الطالب المعني بشكل خاص. وهناك التفاتات من المعلم إلى الطلبة النابغين والنابهين ومن لهم وجاهة في المجتمع من علم أو منصب أو جاه فإنهم القدوة في وسط ذاك المجتمع .. وكذلك الالتفات إلى من يحتاج من الطلاب إلى عناية ودعوة، وللمعلم حرية وطول وقت تساعده على اختيار وسائل وطرق الدعوة بل وتنوعها وتعددها.
وسأضرب لذلك مثلين أو أكثر تبين أهمية المدرس في المدرسة وأثره على الطالب وأسرته:
فالأول ذكره لي أحد أئمة المساجد، وكان قادمًا من منطقة بعيدة إلى الرياض للدراسة الجامعية وكان متفوقًا وقد سأل أحد المشايخ طلاب السنة الأولى الجامعية .. من الأوائل في هذا الصف؟ ! ثم بدأ يسأل الأوائل كم تحفظ من كتاب الله ؟ !
قال الإمام -وكان من المتفوقين-: سألني كم تحفظ من كتاب الله؟ ! فأجبته: أربعة أجزاء ..
стр. 72
فقال: هذا لا يليق بك ولا بطالب علم مثلك.
وطلب منه أن يحضر إلى مكتبه بعد المحاضرة.
قال الإمام: فذهبت إليه وأنا كلي رهبة وحياء من الشيخ خاصة أنني قادم من مدينة بعيدة .. ولا أعرف نظام الجامعة ..
وعندما سلمت عليه حثني على حفظ كتاب الله وحفظ المتون الأخرى وطلب أن أوافيه كل أسبوع ليسمع ما حفظت .. ورتب لي جدولاً بذلك. فكان أن بدأت أحفظ وهو على تسميعه لي .. واستمررت بعد ذلك الفصل حتى حفظت القرآن وبدأت أحضر دروس العلماء ودروسه هو بالذات.
فهذا الاهتمام الشخصي له أثر واضح ورعاية طالب بعينه لها وقع في نفسه وشحذ لهمته.
وموقف آخر لمدرسة في مدرسة ثانوية للبنات بدأت تتلطف مع طالباتها حتى أحببنها ثم بدأن يتنافسن لحفظ القرآن في المنزل بمشورة منها .. بل وأصبح الكثير منهن داعيات في وسط أسرهن.
وهناك أمثلة كثيرة تحفل بها كتب التاريخ والتراجم والسير عن بروز ونبوغ أحد العلماء على يد شيخه بل ربما بكلمة منه تغير مجرى حياة الطالب.
وبعض المدرسين يأتي به من جانب آخر كما ذكر لي أحد المدرسين فقال: عندما عينت في إحدى المدارس كان هناك طالب مشاغب ومهمل في دراسته إلى درجة أن يثير الاشمئزاز من تصرفاته فأخذته بمفرده وقلت له: أنت لم تخلق لمثل هذا، ومثلك تنتظره
стр. 73
الأمة، وجعلته عريفًا على الفصل وبدأت أتابع دروسه وقلت له: نريدك قائدًا عسكريًا، فكان أن تغير حاله وصلحت أموره وترك التدخين وأتاني والده وسلم علي ودعا لي.
إنها لمسات حانية وجهد بسيط يغير أمورًا كثيرة ومشاكل متواصلة.
كما أن لشهادات الشكر أثرًا ملموسًا في تهيئة الطالب واهتمامه بمستقبله. والاهتمام بالطالب ربما يؤثر في أسرته بشكل مباشر من حسن تعامل المدرس وحديث الطالب عنه بين والديه وأهله كما أن لوصول الكتب والأشرطة التي تهديها المدرسة إلى منزل الطالب وحسن الاختيار فيها أثرًا واضحًا ملموسًا.
ربما يكون الداعي مدرسًا فيهتدي على يديه أمة.
والمدرس ينفع الله بهدايته فصولاً دراسية كاملة .. بل ربما طالب واحد يكون عالم الأمة غدًا .. كم من الأجر سيكون لهذا الداعي الأول؟ ! لا ينقص من أجرهم شيئًا؟ ! وأذكر أن رجلاً كبيرًا في السن لا يقرأ ولا يكتب قصد شابًا حتى اهتدى على يديه وهذا الرجل الكبير الآن يحضر محاضرات الشاب الذي أصبح داعية معروفًا .. فكم من الأجر لهذا الداعي؟ وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ولكنه كان سببًا في هداية هذا الشاب الذي أصبح داعية الآن ونفع الله به!
وهناك أمور يستفيد منها المدرس أو المدرسة وهي اختيار بحث أو دراسة كتاب للمدعو ويركز على الأمور الإسلامية
стр. 74
وخاصة ذات الطابع الإعلامي حتى لا يكون أمر الدعوة مباشرًا؛ فمثلاً كتابة بحث عن المسلمين في روسيا أو البوسنة أو الصين أو الصومال فإن في ذلك ربطًا لواقع المدعو بالمسلمين وهمومهم وما يصيبهم من نكبات وويلات، وكذلك إدراج بحوث عن التنصير وجهود النصارى.
وهناك نقاط تربوية كثيرة يعرفها المربون ويبذلون في ذلك أوقاتهم وأموالهم ويرهقون أعصابهم محتسبين في ذلك كله الأجر والثواب .. وكم من معلم خرج أجيالاً متعاقبة أثرت في مسير الأمة كلها، وكما أن المعلم يحرص على الطالب النابغ والنبيه فهو يحرص أيضًا على الطالب الذي ظهرت عليه أمارات الانحراف فإن المربي (أو المربية) يضع عينه على بعض الطلاب فيعمد إلى عزل بعض من يرى فيه خيرًا أو توجهًا وقبولاً عن بقية التلاميذ حتى لا ينجرف مع التيار ويكتسب صفات سيئة.
والحديث عن التعليم لا ينقطع وهو سبيل الأمة إلى النهوض والرفعة والسؤدد.
أخي المسلم:
الكثير يلقي كلمة دعوية عابرة ولا يلقي لها بالاً وكثير من المدعوين اهتدوا بكلمة واحدة .. فكثير بدأ يجاهد نفسه على فعل الطاعات بسبب كلمة سمعها .. وكثير استقامت أمورهم لكلمة أثرت في نفسه ووجدت لها في قلبه مدخلاً.
стр. 75
وحدثت أن مدرسة مادة الكيمياء في المختبر بدأت تذيب الحديد وتصهره .. ثم قالت: هذه نار الدنيا فكيف بنار الآخرة؟ فكان أن هبت طالبة من سباتها واستيقظت من غفلتها وبدأت لحفظ ذلك الحديد المذاب وتلك النار تحته. فاعتبرت وفكرت واستقام أمرها وتابت إلى الله من غيها وعبثها .. فالكلمة وسيلة دعوية لها تأثير في نفس المدعو فينتقي من الكلام أطايبه، فربما يقع من الحديث كلمة تكون سببًا في هداية المدعو.
следующие страницы →