← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36559

الدنيا ظل زائل

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (88 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أحلام ... سنوات مرت كلمح البصر ذهبت بأفراحها وأحزانها .. وحلوها ومرها .. ولكن -أخي- بقي الحساب! ! لا تغبطن أخا الدنيا لزخرفها ... ولا للذة وقت عجلت فرحًا فالدهر أسرع شيء في تقلبه ... وفعله بين للخلق قد وضحا كم شارب عسلاً فيه منيته ... وكم تقلد سيفًا من به ذبحا (١) قال ضرار بن مرة: قال إبليس، إذا استمكنت من ابن آدم ثلاثًا أصبت منه حاجتي: إذا نسي ذنوبه، واستكثر عمله، وأعجب برأيه (٢). قال بعض السلف: احذروا دار الدنيا، فإنها أسحر من هاروت وماروت، فإنهما يفرقان بين المرء وزوجه، والدنيا تفرق بين العبد وربه (٣). عنت الدنيا لطالبها ... واستراح الزاهد الفطن كل ملك نال زخرفها ... حسبه مما حوى كفن يقتني مالاً ويتركه ... في كلا الحالين مفتتن (٤) حالنا كما يراه أبو الدرداء ﵁ بقوله: ما من أحد إلا وفي عقله نقص عن حلمه وعلمه، وذلك أنه إذا أتته الدنيا بزيادة في مال ظل فرحًا مسرورًا، والليل والنهار دائبان في هدم عمره لا

стр. 37

يحزنه ذلك، ما ينفع مال يزيد وعمر ينقص (١). الكثير يحملهم طلب الدنيا على الهم والغم وتكدر العيش، ولم نر إلا القليل يحزن لذهاب عمره ودنو أجله. ينسى الكثير سنوات عمره التي مضت، وأيامه التي انقضت، ولا ينسى شيئًا من أمور الدنيا .. كأن الهدف جمع الدنيا والتفرغ لها. تفكرت في الدنيا فأبصرت رشدها ... وذلك بالتقوى من الله حدها أسأت بها ظنًا فأخلفت وعدها ... وأصبحت مولاها وقد كنت عبدها (٢) هذا صوت يأخذه العجب من عدم توازن الأمور .. هذا يحيى بن معاذ يقول: عجبت ممن يحزن عن نقصان ماله! ! كيف لا يحزن على نقصان عمره؟ ! لم نر ولم نسمع عمن بات مهمومًا مغمومًا من نقصان عمره .. وذهاب أوقاته .. ولكننا نرى الكثير مهمومًا مغمومًا من نقصان ماله! ! أين هو عن تبدل المنازل بعد فترة يسيرة؟ أين هو عن الحساب والجزاء؟ ! من كان يوحشه تبديل منزله ... وأن يبدل منها منزلاً حسنا ماذا يقول إذا ضمت جوانبها ... عليه واجتمعت من هاهنا وهنا ماذا يقول إذا أمسى بحفرته ... فردًا وقد فارق الأهلين والسكنا

стр. 38

يلقاه من بات باللذات مرتهنا هنالك يعلم قدر الوحشتين وما أخي الحبيب: يا غفلة ورماح الموت شارعة ... والشيب ألقى برأسي نحوه الرسنا ولم أعد مكانًا للنزول ولا ... أعددت زادًا ولكن غرة وقنى (١) من درر الكلام ونفيسه قول الحسن ﵁: من كثر ماله، كثرت ذنوبه، ومن كثر كلامه كثر كذبه. ومن ساء خلقه، عذب نفسه (٢). أخي الحبيب: نجمع المال لندرك السعادة .. ونبني القصور لنسكن الأنس في قلوبنا .. ونسافر لننسى أحزاننا .. نسير في كل الطرق .. وننفق ما في أيدينا لنستمتع بالسعادة .. ولكن هل هذه هي السعادة. هناك من طرق هذه الأبواب قبلنا، وجرب هذه الدروب معنا .. ولكن الجميع يتفق على أن السعادة في طاعة الله والقرب منه، والعمل لدار سعادة لا شقاء فيها ولنعيم لا زوال عنه. وما الدهر والأيام إلا كما ترى ... رزية مال أو فراق حبيب وإن امرءًا قد جرب الدهر ولم يخف ... تقلب حاليه لغير لبيب (٣) قال وهب بن منبه: مثل الدنيا والآخرة مثل ضرتين، إن

стр. 39

أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى (١). والحال -رحمنا الله- قال عنها الحسن البصري: عجبت لأقوام أمروا بالزاد، ونودي فيهم بالرحيل، وهم يلعبون! ! أخي المسلم: ما هو القياس في هذه الدنيا .. وبماذا توزن الأمور .. هذا علي بن أبي طالب يقول: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر عملك ويعظم حلمك، ولا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل أذنب ذنوبًا فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل في تقوى كيف يقل ما يتقبل (٢). عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... وللمشتري دنياه بالدين أعجب وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه فهو من ذين أخيب (٣) ومن أتته الدنيا بخيلها ورجلها وأقبلت إليه بأصفرها وأبيضها .. عليه أن يدرك قول الحسن: والله ما أحد من الناس بسط له دنياه، ولم يخف أن يكون مكر به فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه، وما أمسكها الله عن عبد مسلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه (٤).

стр. 40

أخي الحبيب: اعلم أن أيام الدنيا كأحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا أو أيامًا ساءت أشهرًا وأعوامًا، وإن متعت قليلاً منعت طويلاً، وما حصلت للعبد فيها سرورًا إلا خبأت له أضعاف ذلك شرورًا. قالت: هند بنت النعمان: لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكًا، ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أذل الناس، وأنه حق على الله أن لا يملأ دارًا حبرة إلا ملأت عبرة. وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها، فقالت: أصبحنا ذات صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا، ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا. وبكت أختها حرقة بنت النعمان يومًا وهي في عزها، فقيل لها: ما يبكيك؟ فذكر أنها قالت: رأيت كثرة أهلي وسرورهم، وقلما امتلأت دار سرورًا إلا امتلأت حزنًا، قال إسحاق بن طلحة: دخلت عليها يومًا، فقلت لها: كيف رأيت عبرات الملوك؟ فقالت: ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه بالأمس، إنا نجد في الكتب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في حبرة إلا سيعقبون بعدها عبرة، وأن الدهر لم يظهر بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه (١).

стр. 41

وقيصر والقصور وساكنيها سل الأيام ما فعلت بكسرى أما استدعتهم للبين طرًا ... فلم تدع الحليم ولا السفيها (١) خطب عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فقال: يا أيها الناس إنكم خلقتم لأمر، إن كنتم تصدقون به فإنكم حمقى، وإن كنتم تكذبون به فإنكم هلكى، إنما خلقتكم للأبد ولكنكم من دار إلى دار تنقلون. عباد الله. إنكم في دار لكم فيها من طعامكم غصص، وعن شرابكم شرق، لا تصفو لكم نعمة تسرون بها إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها، فاعلموا لما أنتم صارون إليه وخالدون فيه، ثم غلبه البكاء (٢). إن كنت نلت من الحياة وطيبها ... مع حسن وجهك عفة وشبابًا فاحذر لنفسك أن ترى متمنيًا ... يوم القيامة أن تكون ترابا (٣) أخي الحبيب .. أين نحن من هؤلاء ؟ ! قال الحسن: والذي نفسي بيده، لقد أدركت أقوامًا كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه (٤). رحم الله الحسن .. هذا قوله في زمانه، فماذا لو رأى زماننا، وكيف تكالب الناس على الدنيا لقد قطعت الأرحام، وتباعد الأخوان، وغدًا حديث الناس عن أموال فلان .. وما جمع فلان! !

стр. 42

بل إن هناك مجالس عامرة بحديث الدنيا وأموالها .. لا يذكر فيها اسم الله ولا يتورع فيها عن الغيبة وأكل السحت والحرام. بل سل حديث المجالس عن أرحام تقطعت ووشائج انفصلت بسبب الدنيا .. حديث طويل .. فهذا لم ير أخاه منذ عشر سنوات بسبب حفنة من مال، وذاك لم يردعه دين أو خوف من الله عن أكل أموال الأيتام وآخر همه مصروف كيف يحصل على الأرض الفلانية؟ ولو بالكذب والحلف بالزور. تناسى الجميع حفرة ضيقة .. وأهوالاًَ مقبلة .. ! ! قال الحسن -رحمه الله تعالى-: يا عجبًا من ضاحك ومن ورائه النار، ومن مسرور ومن ورائه الموت (١). أخي .. ألا عودة من قريب .. تمر الليالي والحوادث تنقضي ... كأضغاث أحلام ونحن رقود وأعجب من ذا أنها كل ساعة ... تجد بنا سيرًا ونحن قعود والسؤال يروح ويغدو على ألسنتا .. ألا نعمل لهذه الدنيا؟ ! بلى يا أخي! اعمل وجد فإن الإسلام دين العمل .. ولكن تنبه لوصية تالية .. قال رجل لسفيان الثوري: أوصني؟ قال: اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، وللآخرة بقدر بقائك فيها، والسلام (٢).

стр. 43

قارن أخي بين مدة البقاء في هذه الدنيا وبين الخلود في الدار الآخرة .. أعمار -أمة محمد- ﷺ ما بين الستين والسبعين .. هذا لمن لم يدركه الموت قبل .. ولكن لنرى يومًا واحدًا من أيام الآخرة كم طوله ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. أخي .. ها هي مدة البقاء. قياس بسيط .. اعمل للآخرة .. وللدنيا .. جعلني الله وإياك ممن كان في طاعة الله فبلغه برحمته جنات عدن .. وهيأ لنا من التوفيق ما نصل به إلى رضوانه. أخي الحبيب: من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل وبأي شغل يشغله (١). ولننظر أخي إلى مكانتنا من الله، وبماذا استعملنا؟ إن كان في طاعته وعبادته فتلك والله النجاة، وإن كان غير ذلك فالتوبة من قريب .. ألا نستحي من إلهنا وخالقنا ورازقنا، من أحسن صورنا، وسخر لنا النعم ظاهرة وباطنة. يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فاصنع ما تشاء قال شداد بن عمرو: إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك

стр. 44

قادر، وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإن السامع المطيع لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لا حجة له، ولا تعدوا هذه الدنيا شيئًا فإنها لا تبقي على أحد، ولا ترفضوها مع ذلك فإن الآخرة لا تنال إلا بها. والمرء ما عاش في الدنيا له أمل ... إذا انقضى سفر منها أتى سفر لها حلاوة عيش غير دائمة ... وفي العواقب منها المر والصبر (١) قال عبيد بن عمير يحذرنا من كثرة الدنيا وحسرة إقبالها: ما كثر مال عبد إلا اشتد حسابه، ولا أكثر أتباعه إلا كثر شياطينه، ولا زاد من السلطان قربًا إلا زاد من الله بعدًا. ومن هذا الخوف كان مسروق يقول: إنما تحفة المؤمن حفرته. أخي الحبيب: جعل الله الدنيا عرضًا عاجلاً ومتاع غرور، وجعل الآخرة دار جزاء وثواب، وحف الدنيا بالشهوات وزينها بها، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾ [آل عمران: ١٤]. فأخبر سبحانه أن هذا الذي زين به الدنيا من ملاذها وشهواتها، وما هو غاية أماني طلابها ومؤثريها على الآخرة، هو

стр. 45

سبعة أشياء: النساء اللاتي هن أعظم زينتها وشهواتها وأعظمها فتنة، والبنين اللذان بهم كمال الرجل وفخره وكرمه وعزه، والذهب والفضة اللذان هما مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها، والخيل المسومة التي هي عز أصحابها وفخرهم، وحصونهم. وآلة قهرهم لأعدائهم في طلبهم وهربهم، والأنعام التي منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم، وأمتعتهم وغير ذلك من مصالحهم، والحرث الذي هو مادة قوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم، وفاكهتهم وأدويتهم وغير ذلك. ثم أخبر سبحانه أن ذلك متاع كله: متاع الحياة الدنيا، ثم شوق عباده إلى متاع الآخرة، وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى، فقال: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥]. ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع، ومن هم أهله الذين هم أولى به، فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧] (١). أخي المسلم: لنتأمل قول عمر بن الخطاب ﵁ ويل لمن كانت الدنيا أمله والخطايا عمله، عظيم بطنته، قليل فطنته، عالم

стр. 46

بأمر دنياه، جاهل بأمر آخرته (١). وكتب عمر إلى أبي موسى: إنك لن تنال عمل الآخرة بشيء أفضل من الزهد في الدنيا. أخي: دع الحرص على الدنيا ... وفي العيش فلا تطمع فلا تجمع من المال ... فما تدري لمن تجمع فإن الرزق مقسوم ... وسوء الظن لا ينفع فقير كل ذي حرص ... وغني كل من يقنع (٢) روي عن أبي حازم أنه قال: لو كانت الدنيا لا يدخلها أحد إلا بترك جميع ما يحب من الدنيا لكان يسيرًا في جانبها، فكيف وقد تدخل الجنة بترك جزء من ألف جزء مما تحب، وقد تنجو من النار بتحمل جزء من ألف جزء مما تكره (٣). أخي الحبيب: درر من الحكم تنثر .. ولكن تبقى الهمة العالية .. والمسارعة المستمرة. ويبقى دومًا تذكر يوم المعاد. قال الفضيل بن عياض: رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله، وزهادته في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة (٤). قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع

стр. 47

وجامع بددت ما يجمع (١) كم واثق بالعمر أنفيته ولنتأمل في قول الحسن ﵁: إن أيسر الناس حسابًا يوم القيامة الذين حاسبوا أنفسهم لله في الدنيا، فوقفوا عند همومهم وأعمالهم؛ فإن كان الذي هموا به لله، مضوا فيه، وإن كان عليها أمسكوا، وإنما يثقل الحساب يوم القيامة على الذين جازفوا الأمور في الدنيا، أخذوها على غير محاسبة، فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر، ثم قرأ: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. ومن تأمل في مزرعة الدنيا ووقت الحصاد رأى أن الأمر جد لا هزل فيه، وتشمير لا هوادة فيه. فمن قدم بين يديه اليوم رآه غدًا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة .. يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت .. وتضع كل ذات حمل حملها .. يوم تتطاير فيه الصحف. قال سلمان بن دينار: ما أحببت أن يكون معك في الآخرة فقدمه اليوم. وما كرهت أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم (٢). فهذه الدنيا دار العمل، وغدًا هناك حين تغيب شمس الدنيا،

стр. 48

ويشرق يوم القيامة، هناك دار الحساب والجزاء، فعلينا أن نجزم الأمر ونعد العدة. أخي الحبيب: هذا يحيى بن معاذ في وصيته يقول: الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار نقي فلا تدنسه بآثامك: وكن في الدنيا عابر سبيل نرى الرحيل أسرع من البقاء والنقلة أسرع من المهلة. قال شميط بن عجلان: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا ولا بسعتها (١). يا غافلاً وله في الدهر موعظة ... إن كنت في سنة فالدهر يقظان (٢) قال محمد بن سوقة: أمران لو لم نعذب إلا بهما لكنا مستحقين بهما العذاب، أحدنا يزداد في دنياه فيفرح فرحًا، ما علم الله منه قط أنه فرح بشيء قط زيد في دينه مثله، وأحدنا ينقص من دنياه فيحزن حزنًا ما علم الله منه قط أنه حزن على شيء نقصه من دينه مثله (٣). وحالنا اليوم هم وغم وتكدر عيش إذا غلبنا في دريهمات أو نقص من مالنا شيء يسير .. ولا نغتم ولا نحزن بفوت صلاة الجماعة عنا؛ بل الأمر لا يعدو تحريك الرءوس ونسيان الأمر.

стр. 49

قال محمد بن واسع: إذا رأيت في الجنة رجلاً يبكي ألست تعجب من بكائه؟ قيل: بلى، قال: فالذي يضحك في الدنيا ولا يدري إلى ماذا يصير هو أعجب منه! ! (١). وحال الكثير اليوم ينطبق عليه قول سعيد بن مسعود: إذا رأيت العبد تزداد دنياه وتنقص آخرته وهو به راض، فذلك المغبون الذي يلعب بوجهه وهو لا يشعر (٢). أخي الحبيب: تزود من الدنيا فإنك لا تدري ... إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر فكم من فتى أضحى وأمسى ضاحكًا ... وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري وكم من صغار يرتجى طول عمرهم ... وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر وكم من عروس زينوها لزوجها ... وقد قبضت أرواحهم ليلة العرس ها هي الدنيا دار أماني وغرور فاحذرها، فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصوفها كدر، وأنت منها على خطر، إما نعمة زائلة وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما ميتة قاضية (٣). وقد أصاب أبو هريرة في وصف حالنا بقوله: ما صدقتكم أنفسكم؛ تأملون ما لا تبلغون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون.

стр. 50

وحال الكثير اليوم: جمع ما لا يأكل، وبني ما لا يسكن .. وحتى إن أكل وسكن سنوات معدودة وأزمنة محدودة. قال أبو حازم: إن عوفينا من شر ما أعطينا؛ لم يضرنا فقد ما زوي عنا (١). هي القناعة لا تبغي بها بديلاً ... فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن (٢) قال أبو محرز الطفاوي: شكوت إلى جارية لنا ضيق الكسب عليَّ وأنا شاب، فقالت لي: يا بني استعن بعز القناعة عن ذل المطالب. فكثيرًا ما رأيت القليل عاد سليمًا، قال أبو محرز: ما زلت أعرف بركة كلامها في قنوعي. أخي الحبيب: كل من لاقيت يشكو دهره ... ليت شعري هذه الدنيا لمن؟ ! (٣) هل رأيت أخي غير ذلك؟ ! ولكن القناعة: مكسب وعز، والنفس خير مركب .. وقد قال شعيب بن حرب: من أراد الدنيا فليتهيأ للذل، ومن تهيأ للذل، أطلق عنانه، ولم يمسك بلجامه .. يتساوى لديه: الحلال والحرام، والرد والصد .. يجري خلف المادة، ويلهث وراء الدنيا .. وكان أبو حازم يرى هذا الجري وذاك اللهث، فقال: لوددت أن

стр. 51

أحدكم يتقي على دينه، كما يتقي على نعله. يا غاديًا في غفلة ورائحًا ... إلى متى تستحسن القبائحا وكم إلى كم لا تخاف موقفًا ... يستنطق الله به الجوارحا واعجبًا منك وأنت مبصر ... كيف تجنبت الطريق الواضحا وكيف ترضى أن تكون خاسرًا ... يوم يفوز من كان رابحًا أخي الحبيب: إن رب الأرباب ومسبب الأسباب جعل الآخرة: دار الثواب والعقاب، والدنيا: دار التحمل والاضطراب والتشمر والاكتساب، وليس التشمر في الدنيا مقصورًا على المعاد دون المعاش، بل المعاش ذريعة إلى المعاد ومعين عليه، فالدنيا مزرعة الآخرة ومدرجة إليها (١). قال يحيى بن معاذ: يا ابن آدم طلبت الدنيا طلب من لا بد له منها، وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له بها، والدنيا -أخي- قد كفيتها وإن لم تطلبها، والآخرة بالطلب منك تنالها، فاعقل شأنك (٢). وقد فصل ﵀ في طلب الدنيا وتركها، فقال: ترك الدنيا شديد، وترك الجنة أشد منها، وإن مهر الجنة ترك الدنيا (٣).

стр. 52

فهل قدمنا -أخي- هذا المهر؟ ! بل نحن لاهون ساهون في هذه الدنيا؛ ونحن نعلم أن وراء كل فرح حزنًا، ووراء كل نعيم كدرًا. قال عبد الله بن مسعود ﵁: لكل فرحة ترحة، وما ملئ بيت فرحًا إلا ملئ ترحًا (١). وكان مسعر بن كدام يكثر أن يتمثل بهذه الأبيات في جنازة: ويحدث روعات لدي كل فزعة ... ونسرع نسيانًا ولم يأتنا أمن فإنا ولا كفران لله ربنا ... كما البدن لا تدري مني يومها البدن (٢) قال بعض السلف: ابن آدم، أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة، فزت بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظامًا (٣). وكيف يلذ العيش من هو عالم ... بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه ظلمة لعباده ... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله (٤) وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد: فإن الدنيا: دار ظعن، وليست بدار إقامة، وإنما أنزل آدم إليها عقوبة،

стр. 53

فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها والغنى منها فقرها، لها في كل حين قتيل، تذل من أعزّها، وتفقر من جمعها، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه، فكن كالمداوي جراحته، يحتمي قليلاً، مخافة ما يكره طويلاً، ويصبر على شدة الدواء، مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرارة، الحيالة الخداعة، التي زينت بخدعها وفتنت بغرورها، وختلت بآمالها، وتشرفت لخطابها، فأصبحت كالروس المجلية، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر على الأول مزدجر، ولا العارف بالله حين أخبر عنها مدكر، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته، فاغتبر، وطغى، ونسي المعاد، فشغل فيها لبه حتى زالت عنها قدمه، فعظمت ندامته، وكثرت حسرته، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد، فاحذرها يا أمير المؤمنين، وكن أسر ما تكون فيها؛ احذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور، أشخصه إلى مكروه، وقد وصل الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، فسرورها مشوب بالحزن، لا يرجع منها ما ولى فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فينتظر، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، وابن آدم فيها على خطر، ولقد عرضت على نبيك محمد ﷺ بمفاتيحها وخزائنها، فأبى أن يقبلها، كره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه، فزواها عن الصالحين اختبارًا، وبسطها لأعدائه اغترارًا، وجاءت الرواية أنه ﵎ قال لموسى عليه

стр. 54

السلام: «إذا رأيت الغنى مقبلاً فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل: مرحبًا بشعار الصالحين» (١). أخي الحبيب: لو كنت رائد قوم ظاعنين إلى ... دنياك هذي لما ألفيت كذابًا لقلت تلك بلاء نبتها سقم ... وماؤها العذب سم للفتى ذابا (٢) أخي: والدنيا تطوي من أمامك .. وشمس الآخرة تقيل عليك .. ماذا حالك؟ ! وكيف ترى الأمر؟ ! لنرى حال سلمان ﵁ عندما احتضر فبكى، قيل له: ما يبكيك؟ وأنت صاحب رسول الله ﷺ قال: ما أبكي أسفًا على الدنيا، ولا رغبة فيها، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهدًا، فتركنا ما عهد إلينا، أن تكون بلغة أحدنا كزاد الراكب، ثم نظر فيما ترك، فإذا قيمة ما ترك بضع وعشرون درهمًا أو بضع وثلاثون درهمًا (٣). الدنيا سراب ممتد وليل مظلم .. طالب الدنيا كشارب ماء البحر كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا (٤). فإنه لا حد لها ولا منتهى إلا بالقناعة والزهد والرضى بما قسم

стр. 55

الله .. والاستفادة من مرور الليالي والأيام في طاعة الله جل وعلا. قال مالك بن دينار: خرج أهل الدنيا من الدنيا، ولم يذوقوا أطيب شيء فيها. قيل: وما هو؟ قال: معرفة الله تعالى (١). وانظر - أخي الحبيب - في حال المحتضرين من الصالحين ترى الهدوء والسكينة على النفوس المطمئنة، وترى غير ذلك على أصحاب الحرام، اللاهثين وراء الحطام وزخرف الدنيا. العبد ذو ضجر والرب ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللوم والشوم قال أبو الدرداء: لولا ثلاث لأحببت أن أكون في بطن الأرض لا على ظهرها: لولا إخوة يأتوني ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى طيب الثمر، أو أعفر وجهي ساجدًا لله أو غدوة أو روحة في سبيل الله (٢). هذه الرغبة الصادقة فيما عند الله .. وهذه هي الاستفادة الكاملة من الأوقات وتلك والله الأمنيات الخيرة. قال وهيب بن الورد: الزهد في الدنيا أن لا تأسى على الناس على ما فاتك منها، ولا تفرح بما آتاك منها (٣). أخي الحبيب: إنما الدنيا إذا فكرت فيها: ثلاثة أيام، يوم مضى لا ترجوه،

стр. 56

ويوم أنت فيه ينبغي لك أن تغتنمه، ويوم يأتي لا تدري أنت من أهله أم لا، ولا تدري لعلك تموت قبله، وليكن سعيك في دنياك لآخرتك، فإنه ليس لك من دنياك شيء إلا ما صدرت أمامك، فلا تدخرن عن نفسك مالك، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك، ولكن تزود لبعد المشقة (١). وليكن طلبك الدنيا اضطرارًا، وتذكرك في الأمور اعتبارًا، وسعيك لمعادك ابتدارًا، فاعمل عمل المرتحل، فإن حادي الموت يحدوك ليوم ليس يعدوك (٢). قال الحسن ﵀: إياكم وما شغل من الدنيا، فإن الدنيا كثيرة الأشغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب (٣). صاحب الدنيا الذي يعظمه البعض - حتى وإن كان تاركًا للصلاة ويوسع له في المجلس لننظر إلى الحسن ﵀ كان إذا ذكر صاحب الدنيا يقول: والله ما بقيت له ولا بقي لها، ولا سلم من شرها ولا تبعتها ولا حسابها، ولقد أخرج منها في خرق (٤). وكتب علي بن أبي طالب إلى عبد الله بن عباس: أما بعد فإن المرء يسوءه فوت ما لم يكن يدركه، ويسره درك ما لم يكن ليفوته،

стр. 57

فليكن سرورك بما قلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحًا، وليكن همك فيما بعد الموت. أرى طالب الدنيا وإن طال عمره ... ونال من الدنيا سرور وأنعما كبانٍ بنى بنيانه فأقامه ... فلما استوى ما قد بناه تهدما (١) أخي الحبيب: يقال: غم الأحياء خمسة أشياء، ينبغي للإنسان أن يكون غمه في هذه الخمسة: أولها: غم الذنوب الماضية، لأنه قد أذنب ذنبًا، ولم يتبين له العفو، فينبغي أن يكون مغمومًا بها مشغولاً بها. الثاني: أنه قد عمل الحسنات، ولم يتبين له القبول. الثالث: قد علم حياته فيما مضى كيف مضت؟ ولا يدري كيف يكون الباقي. الرابع: قد علم أن لله تعالى دارين، ولا يدري إلى أية دار به يصير. الخامس: لا يدري أن الله تعالى راض عنه أم ساخط عليه. فمن كان غمه في هذه الأشياء الخمسة في حياته فإنه يمنعه من الضحك (٢). قال إبراهيم التيمي: كم بينكم وبين القوم؟ أقبلت عليهم

стр. 58

الدنيا فهربوا. وأدبرت عنكم فاتبعتوها (١) (٢). كأنك لم تسمع بأخبار من مضى ... ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم ... محاها مجال الريح بعدك والقطر على ذاك مروا أجمعون وهكذا ... يمرون حتى يستردهم الحشر فحتى متى لا تصحو وقد قرب المدى ... وحتى متى لا ينجاب عن قلبك السكر بل سوف تصحو حين ينكشف الغطا ... وتذكر قولي حين لا ينفع الذكر قام أبو ذر الغفاري: عند الكعبة فقال: يا أيها الناس أنا جندب الغفاري، هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق، فاكتنفه الناس، فقال: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرًا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلى، قال: فإن سفر طريق يوم القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا ما يصلحكم، قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يومًا شديدًا حره لطول النشور، وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولها أو كلمة شر تسكت عنها لوقوف يوم عظيم، تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرها، اجعل الدنيا مجلسين، مجلسًا في طلب الحلال، ومجلسًا في طلب الآخرة، الثالث: يضرك ولا ينفعك لا ترده. اجعل المال درهمين: درهمًا تنفقه على عيالك من حله، ودرهما تقدمه لآخرتك.

стр. 59

أخي المسلم: انظر إلى من حوى الدنيا وزينتها ... هل راح منها بغير الكسب والكفن ها هو الحسن البصري: في تباين واضح بين حالنا وحالهم .. يقول: أدركت أقوامًا وصحبت طوائف، ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل، ولا يقبلون على شيء منها أدبر، ولهي كانت في أعينهم أهون من التراب، كان أحدهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يطو له ثوب ولم ينصب له قدر، ولم يجعل بينه وبين الأرض شيئًا، ولا أمر من في بيته بصنعة طعام قط. فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، ينجاون ربهم في فكاك رقابهم، كانوا إذا عملوا الحسنة دأبوا في شكرها وسألوا الله أن يقبلها، وإذا عملوا السيئة أحزنتهم وسأله الله أن يغفرها لهم، فلم يزالوا على ذلك. والله ما سلموا من الذنوب ولا نجوا من الذنوب إلا بالمغفرة -رحمة الله عليهم ورضوانه- (١). أخي الحبيب .. أين نحن من هؤلاء؟ ! تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى ... درج الجنان بها وفوز العابد ونسيت أن الله أخرج آدمًا ... منها إلى الدنيا بذنب واحد ونحن -أخي- نبحث عن المتع والملذات .. نبتعد عن المكدرات والمنغصات. هذه حالنا أما حال أبي الدرداء فهي كما قال: أحب الفقر

стр. 60

تواضعًا لربي وأحب الموت اشتياقًا إلى ربي وأحب المرض تكفيرًا لخطاياي (١). للناس حرص على الدنيا بتدبير ... وصوفها لك ممزوج بتكدير لم يرزقوها بعقل بعدما قسمت ... لكنهم رزقوها بالمقادير كم من أديب لبيب لا تساعده ... وأحمق نال دنياه بتقصير ولو كان عن قوة أو عن مغالبة ... طار البزاة بأرزاق العصافير (٢) والدنيا وإن كانت دنيئة حقيرة .. إلا أنها ممر إلى الدار الآخرة ومعبر إلى إحدى المنزلتين. جنة أو نار .. ولنرى أحد تلك الممرات التي تؤدي إلى الجنة .. وهي من أعمال الدنيا. قال ﷺ : «حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرًا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال الله نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه» رواه البخاري ومسلم واللفظ له. يقول الإمام الشافعي: أشد الأعمال ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف (٣). وقال الحسن: غدًا كل امرئ فيما يهمه، ومن هم بشيء أكثر من ذكره، إنه لا عاجلة لمن لا آخرة له، ومن آثر الدنيا على

стр. 61

الآخرة فلا دنيا له ولا آخرة (١). أخي الحبيب: وأنت تسير في هذه الدنيا .. هناك يوم سيتوقف بك المسير وتحط بك القافلة ولكن: إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت من بعد الموت قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا (٢) أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟ ! عن حفص الجعفي قال: ورث داود الطائي من أمه أربعمائة درهم، فمكث يتقوت بها ثلاثين عاما، فلما نفدت جعل ينقض سقوف الدويرة يبيعها (٣). وقال عمر بن أيوب: قال أبو الشعثاء (جابر بن زيد): يا عمر، ما أملك من الدنيا إلا حمارًا (٤). سهل عليه الحساب وخف به المسير .. ونحن ماذا نملك .. وماذا نأمل؟ ! أخي المسلم: عجبًا لمن يعرف أن الموت حق، كيف يفرح؟ وعجبًا لمن يعرف أن النار حق، كيف يضحك؟ وعجبًا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها، كيف يطمئن إليها؟ وعجبًا لمن يعلم أن القدر حق، كيف

стр. 62

ينصب؟ (١). رأيت الدهر مختلفًا يدور ... فلا حزن يدوم ولا سرور وقد بنت الملوك به قصورًا ... فلم تبق الملوك ولا القصور (٢) ونحن في هذه الدنيا لاهون ساهون هذا صوت ينادي .. صوت بلال بن سعد يقول: يا أهل التقى إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما تنقلون من دار إلى دار، كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى الخلود في جنة أو نار (٣). مراحل متتابعة .. وأزمنة متتالية، قطعنا منها مراحل عدة .. من الأصلاب إلى الأرحام ومن الأرحام إلى الدنيا .. ها نحن نسير عليها، ننتظر النقلة التالية إلى القبور .. ووالله نحن في غفلة وإلا كيف تحلو الحياة، ويطيب العيش، ووراءنا القبور والموقف .. ثم الخلود .. أهوال وأهوال. قال أبو بكر المروذي: دخلت على أحمد بن حنبل يومًا فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرض، ونبيه يطالبه بأداء السنة، والملكان يطالبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يطالبه

стр. 63

بقبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة (١). هذه الدنيا التي نحن نتكالب عليها .. ونتقاتل عليها .. لننظر الوجه المشرق لمن عرف قيمة الوقت في هذه الدنيا .. يحدثنا أبو ضمرة عن صفوان بن سليم فيقول: رأيته ولو قيل له الساعة غدًا، ما كان عنده مزيد عمل (٢). أرى حللاً تصان على أناس ... وأعراضًا تنال ولا تصان يقولون الزمان زمان سوء ... وهم فسدوا وما فسد الزمان (٣) قال بعض السلف: من ادعى بغض الدنيا فهو عندي كذاب إلى أن يثبت صدقه، فإذا ثبت صدقه، فهو مجنون (٤). لأن هذه الدنيا مزرعة الآخرة .. يتزود فيها بالطاعات والصالحات. وهو أحد رجلين طالب دنيا، فكيف يبغضها وهو يسير في ركبها، ورجل آخر يطلب الآخرة، فأنى له أن يبغض زمن الزرع ووقت العمل؟ ! قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته (٥).

стр. 64

وقال الفضيل بن عياض: العجب كل العجب لمن عرف الله ثم عصاه بعد المعرفة (١). أهون بداركم الدنيا وأهليها ... واضرب بها صفحات من محبيها الله يعلم أني لست وامقها ... ولا أريد بقاء ساعة فيها لكن تمرغت في أدناسها حقبا ... وبت أنشرها حينًا وأطويها أيام أسحب ذيلي في ملاعبها ... جعلاً وأهدمُ من ديني وأنبيها وكم تحملت فيها غير مكترث ... من شامخات ذنوب لست أحصيها فقلت أبقي لعلي أهدم ما ... بنيت منها وأدناسي أنقيها من ورائي عقاب لست أقطعها ... حتى أخفف أحمالي وألقيها يا ويلتي وبحار العفو زاخرة ... إن لم تصبني برش في تثنيها (٢) إخواني: تفكروا ما في الحشر والميعاد، ودعوا طول النوم والرقاد، وتفقدوا أعمالكم، فالمناقش ذو انتقام، إن في القيامة لحسرات، وإن عند الميزان لزفرات، فريق في الجنة وفريق في السعير، ففريق يرتقون إلى الدرجات، وفريق يهبطون إلى الدركات، وما بينك وبين هذا الأمر إلا أن يقال فلان قد مات، يا من كان له قلب فمات، يا من كان له وقت ففات، أشرف الأشياء قلبك ووقتك، فإن أنت ضيعت وقتك، وأهملت قلبك، فقد ذهب منك الفوائد، إن كنت تبكي على ما فات، فابك على فرقتك، وإن كنت تبكي

стр. 65

على ما مات، فابك على قلبك (١). ونحن -أخي الحبيب- في هذه الدنيا على قدم وساق سائرون، ولا يأمن مضيعون، نفوت أوقاتنا، ونضيع أيامنا .. ونلهث في سير حثيث وراء حطام الدنيا كأنها تفوت .. قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك في التوكل؟ قال: على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فأطمأنت به نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتي بغتة، فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله فأنا مستحي منه (٢). إن إلهي لغني حميد ... في كل يوم منه رزق جديد الحمد لله الذي لم يزل ... يفعل بي أكثر مما أريد (٣) أخي المسلم: همة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء فهمته شغله، ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة، رأيت البزاز ينظر إلى الفرش، ويحرز قيمته. والنجار إلى السقف، والبناء إلى الحيطان، والحائك إلى النسيج المخيط، والمؤمن إذا رأى ظلمة، ذكر ظلمة القبر، وإذا رأى

стр. 66

مؤلمًا، ذكر العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا، ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا، ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذة، ذكر الجنة فهمته متعلقة بما ثم، وذلك يشغله عن كل ما تم (١). ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له ... من الله في دار المقام نصيب فإن تعجب الدنيا رجالاً فإنه ... متاع قليل والزوال قريب قال عبد الله بن مسعود: في درر من الكلام: إنكم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، من زرع خيرًا يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرًا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع، لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، فمن أعطي خيرًا فالله أعطاه، ومن وقي شرًا فالله وقاه، المتقون السادة، والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة (٢). وقيل لعلي ﵁: يا أبا الحسن صف لنا الدنيا؟ قال: أطيل أم أقصر؟ قالوا: بل أقصر، قال: حلالها حساب، وحرامها النار (٣). كلمات تغني عن مواعظ لمن كان له قلب. ألا وإن الدنيا دار ابتلاء وحزن ونصب وشقاء.

стр. 67

قال سيار أبو الحكم: الفرح بالدنيا والحزن بالآخرة لا يجتمعان في قلب عبد، إذا سكن أحدهما القلب فر الآخر (١). أخي الحبيب: حاسب زمانك في حالي تصرفه ... تجده أعطاك أضعاف الذي سلبا نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة ... فكيف أبكي على شيء إذا ذهبا؟ ! (٢) حال أبي الدرداء في الجاهلية والإسلام يرويها بنفسه فيقول: كنت تاجرًا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أخذت التجارة والعبادة، فلم يجتمعا لي، فأقبلت على العبادة، وتركت التجارة. ولا شك أنه ﵁ ضحى بدنيا فانية وأعوام قليلة لينعم برحمة الله في دار كرامته. وليس معنى ذلك ترك العمل وتحصيل المعاش وبذل الأسباب ولكن لا يكن الهم الأول جمع الدنيا واللهث ورائها .. وإلا فالإسلام يحث على العمل، ويعتبره نوع من أنواع الجهاد، إذا خلصت النية، واستوفى الشروط الأخرى من أمانة وإخلاص وغيرهما. قال عبد الله بن مسعود: من أراد الدنيا أضر بالآخرة، ومن أراد الآخرة أضر بالدنيا، يا قوم، فأضروا بالفاني للباقي. لا تأسف على الدنيا وما فيها ... فالموت لا شك يفنينا ويفنيها واعمل لدار البقاء رضوان خازنها ... والجار أحمد والجبار بانيها (٣)

стр. 68

نصيب الدنيا في حياتنا كبيرة وتعلقنا بها شديد .. لا نتحدث إلا فيها ولا نغتم إلا من أجلها .. بل ربما العلاقات الاجتماعية أصبحت المادة أساسًا لها .. ولقد هالني يومًا ما رأيته من قلة زائري أحد جيراننا - وكان مسئولاً كبيرًا فالباب مفتوح كما هو والجار جالس في صدر المجلس في وسط حديقة غناء بعد صلاة العشاء ولم أر حركة ولا زوارًا .. فإذا به تلك الليلة أحيل للتقاعد. زوار الأمس هم زوار الدنيا وأهل الكراسي .. أما زوار الآخرة والمحبة الصادقة فإنهم لا يتجاوزون نصف عدد أصابع اليد الواحدة. هذه هي النظرة المادية .. والمرض الاجتماعي .. ولو تحدث أحدهم لذم الدنيا والتكالب عليها، ولكن ظهر منه حب الدنيا والقرب من المسئولين دون أن يشعر ودون أن يعلم .. يحكى أن حسان بن أبي سنان مر بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه فقال: تسألين عما لا يعنيك؟ لأعاقبنك بصوم سنة، فصامها. كم سنصوم من السنين لو حسبنا حسابه وسلكنا طريقه .. ! قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١]. وقد ارتاح من أفرغ قلبه من هم الدنيا، وأقبل على الله، واستعد ليوم الرحيل .. هذا حماد بن سلمة لو قيل له: إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا (١).

стр. 69

أخي المسلم: من تأمل بعين الفكر: داوم البقاء في الجنة، في صفاء بلا كدر، ولذات بلا انقطاع، وبلوغ كل مطلوب للنفس والزيادة، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من غير تغيير ولا زوال، إذ لا يقال: ألف ألف سنة، ولا مائة ألف ألف، بل ولو أن الإنسان عد الألوف ألوف السنين لا ينقضي عدده، وكان له نهاية. فبقاء الآخرة لا نفاد له، إلا أنه لا يحصل ذلك إلا بنقد هذا العمر، وما مقدار عمر غايته مائة سنة، منها خمسة عشرة صبوة وجهل، وثلاثون بعد السبعين إن حصلت ضعف وعجز، والتوسط نصفه نوم، وبعضه زمان أكل وشرب وكسب، والمنتحل منه للعبادات يسير، أفلا يشتري ذلك الدائم بهذا القليل، إن الإعراض عن المشروع في هذا البيع والشراء لغبن فاحش في العقل، وخلل في الإيمان بالوعد (١). ولولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وربك لم أحفل متى قام عودي سياحة قلبي في رياض أريضة ... من العلم مجتازًا على كل مورد وتسبيحًا لله ﷻ ... عشيًا وبالإبكار في كل مسجد وترتيل آيات الكتاب منورًا ... بها جوف ليل في قيام التهجد (٢) قال الحسن: نعمت الدار الدنيا كانت للمؤمن، وذلك أنه

стр. 70

عمل قليلاً، وأخذ زاده منها للجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده إلى النار (١). أخي الحبيب ... أين نحن من هؤلاء ؟ ! عن أنس بن عياض قال: رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له غدًا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة (٢). نحن في دنيا: أعمارها قصيرة، وفرحها مكدر .. ونعيمها زائل .. ! ! وقد وصفها أبو حازم سلمة بن دينار بقوله: ما مضى من الدنيا فحلم، وما بقي فأماني. يا من تمتع بالدنيا وزينتها ... ولا تنام عن اللذات عيناه شغلت نفسك فيما ليس تدركه ... تقول لله ماذا حين تلقاه (٣) (قال الحكيم): أربعة طلبناها فأخطأنا طرقها: طلبنا الغنى في المال؛ فإذا هو في القناعة، وطلبنا الراحة في الكثرة؛ فإذا هي في القلة، وطلبنا الكرامة في الخلق، فإذا هي في التقوى، وطلبنا النعمة في الطعام واللباس، فإذا هي في الستر والإسلام (٤). أخي .. انظر أين مطلبك من هذه؟ وعلى ماذا تقع عيناك .. وأين تذهب بك المذاهب؟ ! ولعل لنا نصيبًا من قول عطاء الخرساني: إني لا أوصيكم

стр. 71

بدنياكم، أنتم بها مستوصون، وأنتم عليها حراص، وإنما أوصيكم بآخرتكم، فخذوا من دار الفناء لدار البقاء، واجعلوا الدنيا كشيء فارقتموه، فوالله لتفارقنها، واجعلوا الموت كشيء ذقتموه، فوالله لتذوقنه، واجعلوا الآخرة كشيء نزلتموه، فوالله لتنزلنها (١). ننافس في الدنيا ونحن نعيبها ... وقد حذرتناها لعمري خطوبها وما نحسب الأيام تنقضي مدة ... على أنها فينا سريع دبيبها كأني برهط يحملون جنازتي ... إلى حفرة يحثى عليَّ كثيبها وكم ثم من مسترجع متوجع ... ونائحة يعلو على نحيبها وباكية تبكي عليَّ وإنني ... لفي غفلة من صوتها ما أجيبها أيا هادم اللذات ما منك مهرب ... تحاذر نفسي منك ما سيصيبها وإني لمن يكره الموت والبلا ... ويعجبه روح الحياة وطيبها رأيت المنايا قسمت بين أنفس ... ونفسي سيأتي بعدهن نصيبها (٢) ذكر عن شفيق البلخي أنه قال: الناس يقولون ثلاثة أقوال وقد تألفوها في أعمالهم: يقولون: نحن عبيد الله وهم يعملون عمل الأحرار، وهذا خلاف قولهم، ويقولون: إن الله كفيل بأرزاقنا، ولا تطمئن قلوبهم إلا بالدنيا وجمع حطامها، وهذا أيضًا خلاف قولهم، ويقولون: لا بد لنا من الموت وهم يعملون أعمال من لا يموت، وهذا أيضًا خلاف قولهم (٣).

стр. 72

وقال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة، آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا، قال: قلت: فأنت في الأمنية فاعملي: أف للدنيا فليست لي بدار ... إنما الراحة في دار القرار أبت الساعات إلا سرعة ... في بلى جسمي بليل ونهار (١) خطب علي ﵁ فقال: ألا وإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع، ألا وإن المضمار اليوم، والسباق غدًا، ألا وإن السبقة الجنة، والغاية الموت، ألا وإنكم في أيام مهل، ومن ورائه أجل يرثه عجل، فمن عمل في أيام مهلة قبل حضور أجله، نفعه عمله، ولم يضره أمله، ومن لم يعمل في أيام مهلة قبل حضور أجله ضره أمله وساءه عمله (٢). لا تطمئن إلى الدنيا وزخرفها ... وإن توشحت من أثوابها الحسنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا؟ ... أين الذين هم كانوا لنا سكنا؟ سقاهم الدهر كأسًا غير صافية ... فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا (٣) وصف حال الإنسان في هذه الدنيا وما بعدها يحيى بن معاذ فقال: من الدنيا لا ندرك آمالنا، وللآخرة لا نقدم أعمالنا، وفي

стр. 73

القيامة لا ندري ما حالنا (١). ونحن أخي المسلم نفرح بالدنيا، تقبل من كل جانب، وتدخل علينا من كل باب ... لا نلقي بالاً لما أتى، ولا نبالي كيف أتي. لنرى قول أبي حازم سلمة بن دينار في هذه الإقبال من الدنيا. يقول: نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا، أعظم من نعمته علي فيما أعطاني منها، إني رأيته أعطاها قومًا فهلكوا (٢). أترانا نخاف مثله من إقبال الدنيا بأبيضها وأصفرها نحونا، أم ترانا نفرح ولا ندري ما أعد لنا؟ ! قال ذو النون المصري: سقم الجسم في الأوجاع، وسقم القلوب في الذنوب، فكما لا يجد الجسم لذة الطعام عند سقمه، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب. أخي .. هب أن الدنيا أقبلت عليك .. في كل مكان لك نصيب .. وفي كل استثمار لك سهم. كيف سيكون خشوعك في الصلاة؟ ! وكيف ستؤدي السنن الرواتب؟ ! وهل سيكون لسانك رطبًا من ذكر الله؟ ! وانظر حال من زويت عنهم الدنيا، وكانت حياتهم كفافًا، لترى نعم الله في قلة الهم والغم والتفرغ للعبادة والطاعة. قال مضاء بن عيسى: من رجا شيئًا طلبه، ومن خاف من

стр. 74

شيء هرب منه، ومن أحب شيئًا آثره على غيره. أخي الكريم .. من موعظة لأبي بن كعب ﵁ قال: لا تغبط الحي إلا بما تغبط به الميت (١). وبماذا نغبط الميت؟ ! إنه العمل الصالح، وحسن الذكر، وطول العبادة. أخي: هب الدنيا تساق إليك عفوًا ... أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلا مثل فيء ... أظلك ثم آذن بالزوال قال رجل لمعاذ بن جبل: علمني. قال: وهل أنت مطيعي؟ قال: إني على طاعتك حريص، قال: صم وأفطر وصل، ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم (٢). إذا المرء صام عن الدنايا ... فكل شهوره شهر الصيام (٣) قال بشر بن الحارث: ليس أحد يحب الدنيا إلا لم يحب الموت، ومن زهد فيها أحب لقاء مولاه (٤). وقال سلمان الفارسي ﵁: ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني، وثلاث أحزنتني حتى أبكتني، أما الثلاث الأول: فمؤمل

стр. 75

دنيا، والموت يطلبه. وغافل وليس بمغفول عنه. وضاحك ملء فيه، ولا يدري أساخط عليه رب العالمين أم راض عنه. أما الثلاث التي أحزنتني حتى أبكتني: ففراق محمد ﷺ وفراق الأحبة، والوقوف بين يدي الله تعالى، ولا أدري أيؤمر بي إلى الجنة أم إلى النار (١). دنياك غرارة فذرها ... فإنها مركب جموح (٢) قيل لهرم بن حيان أوصي، قال: قد صدقتني نفسي، ومالي ما أوصي به، ولكن أوصيكم بخواتيم سورة النمل (٣). وقال حماد لداود الطائي: يا أبا سليمان لقد رضيت من الدنيا باليسير. قال: أفلا أدلك على من رضي بأقل من ذلك؟ من رضي بالدنيا كلها عوضًا عن الآخرة (٤). أخي الحبيب .. أين نحن من هؤلاء؟ ! قال أبو داود السجستاني: ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط. نامت عيون الآمنين عن الردى ... وعيونه من حرصه تتوقد فاستأمنوا مكر الإله وإنه ... مكر يسل على الدوام ويغمد حتى إذا هتف الهلاك تنبهت ... نفس الضعيف وهالها ما توعد
следующие страницы →