← Фатава

Фатава · id 36569

قرة العين بفتاوى علماء الحرمين

حسين المغربي

Полный текст (381 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الأولى بأن القائل بكفر الفاعلين أقل من عشرين هو كافر قطعًا باطلة لقوله تعالى:﴾ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴿، قال ابن عبد البر: ومعلوم أن هذا قبل الموت لمن لم يتب؛ لأن الشرك من تاب منه وانتهى عنه غفر له، قال الله تعالى:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴿وأجمعوا على أن المذنب وإن مات مصرًا يرثه ورثته، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، فهذا كله يشهد أن من قال لأخيه: يا كافر ليس على إطلاقه، وقوله ﷺ :» من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما «أي فقد احتمل الذنب في ذلك القول، والمعنى أن المقول له يا كافر إن كان كذلك فقد احتمل ذنبه، ولا شيء على القائل له ذلك لصدقه في قوله، وإن لم يكن كذلك فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم احتمله بقوله ذلك. اهـ المراد من كلام ابن عبد البر في التمهيد من شرح الموطأ والله أعلم. (ما قولكم دام فضلكم) في امرأة توفيت ولا وارث لها سوى أنها تركت من ذوي رحمها أولاد أختها الشقيقة وأولاد ابن أختها لأب فمن يرثها؟ أفتونا (الجواب) أولاد أخت الشقيقة يستحقون النصف، وأولاد ابن الأخت للأب يستحقون السدس، ويرد الباقي عليهم بنسبة ما استحقه كل على ما اعتمده المتأخرون من توريث ذوي الأرحام، وعلى ما هو الأصح في طريقة توريثهم من مذهب أهل التنزيل، ففي شرح أقرب المسالك أن الذي اعتمده المتأخرون توريث ذوي الأرحام، حيث لم يكن ذو سهام، وذكر الشيخ الصاوي في حاشيته: أن ولد الأخوات من جميع الجهات كلها من ذوي الأرحام، وأن أصح المذاهب في توريثهم مذهب أهل التنزيل، وحاصله أننا ننزلهم منزلة من أدلوا به للميت درجة، فيقدم السابق للميت، فإن استووا فاجعل المسألة لمن أدلوا به. اهـ والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم فيمن اتهم بتهمة قتل أو سرقة أو ضرب ولم يثبت عليه شيء من ذلك على المنهج الشرعي، بل وجد قرائن وأحوال ظنية توجب الشبهة عليه، فهل والحال ما ذكر للحاكم الشرعي تعزيره بما يراه من حبس أو ضرب بالسوط زاجرًا له أم لا؟ أفتونا مأجورين حال كون ذلك معزيًا إلى مأخذه من كتب المذهب، ولكم الثواب من الملك الوهاب. (الجواب) نعم له ذلك اعتمادًا على القرائن والأحوال الموجبة للتهمة، ففي كتاب التبصرة للعلامة ابن فرحون في فصل بيان عمل فقهاء الطوائف الأربعة بالحكم بالقرائن والأمارات، قال ابن العربي: على الناظر أن يلحظ الأمارات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضي بجانب الترجيح وهو قوة التهمة، ولا خلاف في الحكم بها، وقد جاء العمل بها في مسائل اتفقت عليها الطوائف الأربعة، وبعضها قال بها المالكية خاصة، ثم أخذ يعدد شواهد ذلك من المسائل إلى أن قال السابعة والعشرون اعتبار اللوث والاعتماد عليه في الأقدام على القسامة، والأخذ بالقود، وقال: والخامس والثلاثون

стр. 317

وجوب إقامة الحد على المرأة إذا ظهر بها حمل ولم يكن لها زوج، وكذلك الأمة إذا لم يكن لها زوج ولا سيد معترف أنه وطئها، والسادسة والثلاثون: وجوب الحد على من وجدت منه رائحة الخمر أو قاءها، وقال: والتاسعة والثلاثون: أن مالكًا وأصحابه -رحمهم الله تعالى- منعوا سماع الدعوى التي لا تشبه الصدق، غير أن قابل العرف يدل على كذبها كدعوى رجل لدار بيد حائز يتصرف بالهدم والعمارة مدة طويلة نحو عشر سنين، والمدعي ساكت، ولا ثَم مانع من خوف ولا قرابة ولا صهر، فإن ذلك قرينة دالة على كذب الدعوى، وكذلك لو ادعى رجل على رجل أنه سرق متاعه، والمدعى عليه مما لا يتهم، فإن المدعي لا تسمع دعواه لقيام شاهد الحال على كذبه وقصده الأذى، ويؤدب المدعي على خلاف في ذلك، الأربعون: قال أصحابنا: إذا رأينا رجلاً مذبوحًا في دار والدم يجري وليس في الدار أحد ورأينا رجلاً قد خرج من عنده في حالة منكرة علمنا أنه الذي قتله، وكان لوثًا يوجب القسامة والقود للقرينة الظاهرة. اهـ المراد، وفي شرح العلامة الدردير على سيدي خليل: ومن قام له لوث من أولياء المقتول على شخص فادعى به عليه فطلب من المدعي أيمان القسامة أي الخمسون بأن يقول بالله الذي لا إله إلا هو لمن ضربه أو جرحه مات، أو لقد قتله، أو لقد جرحه، أو ضربه ولقد مات منه على تفصيله المذكور في محله، فنكل أي عن أيمان القسامة، وردها على المدعى عليه فحلفها، وأولى إن لم يحلفها، فإن المدعى عليه يجلد مائة ويحبس سنة نظرًا للوث، قال: واللوث بفتح اللام وسكون الواو وهو الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن بوقوع المدعي به ويسمي اللطخ. اهـ المراد، والله أعلم. (ما قولكم) فيما إذا وكلت المرأة البكر البالغة بالحيض أو السن رجلاً بالولاية العامة، وليس لها ولي مجبر على أن يزوجها بفلان بمهر كذا، هل يصح نكاحها أم لا؟ أفتونا. (الجواب) إذا كانت المرأة غير متصفة بواحد من صفات أربع: الجمال، أو المال، أو الحسب، أو النسب صح نكاحها بالولاية العامة مع وليها الغير المجبر كعمها أو كافلها أو الحاكم؛ فلذا نص في المدونة وابن عرفة وابن فتوح وغيرهم على جواز تولي عقد نكاح الدنيئة التي لم تتصف بواحد من الصفات المذكورة لمطلق مسلم مع وجود كعمها أو كافلها أو الحاكم، وإذا اتصفت بصفتين من الصفات المذكورة، بل وبصفة فقط على ما قاله بعضهم، فشريفة لا يصح نكاحها بالولاية العامة مع وجود كعمها أو الحاكم إلا إذا دخل الزوج بها ومضى بعد الدخول زمن تلد فيه الأولاد كثلاث سنين، فلذا لم يجز لمن له الولاية العامة أن يتولى عقد نكاح امرأة شريفة مع وجود كعمها أو الحاكم، كذا في أقرب المسالك وشرحه، والله أعلم. (ما قولكم دام فضلكم) في بكر بالغة زوجها أبوها على رجل بمهر مسمى قبض بعضه وأجل بعضه، فادعت بعد الدخول أنها لم تقبض شيئًا من المسمى، فهل تسمع دعواها أم لا؟ وهل للأب قبض الصداق أم لا؟ (الجواب)

стр. 318

لا تسمع دعواها، وللأب قبض الصداق، ففي مجموع العلامة الأمير مع شرحه، وضوء الشموع: وقبضه أي الصداق مجبر ووصي على المال، وهو مقدم، وصدق في التلف بيمين، ولا يحتاج لبينة، أي على التلف الذي حلف عليه، أو على القبض من حيث براءة الزوج، ولا يغرمه الزوج ثانية. اهـ والله أعلم. (ما قولكم دام فضلكم) في قول المؤذنين بين يدي الخطيب في يوم الجمعة: روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال ﵊: "أن يوم الجمعة سيد الأيام وحج الفقراء وعيد المساكين والخطبة فيها مكان الركعتين، فإذا صعد الخطيب المنبر فلا يتكلمن أحدكم، ومن يتكلم فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له" هل هذا الحديث ورد كله في حديث واحد أم لا؟ وهل قوله مكان بالرفع على أنه خبر قوله والخطبة؟ أم بالنصب على أنه ظرف لأن علماء الجاوي اختلفوا فيه فقال بعضهم: بنصبه ولا يجوز رفعه لأن الرفع يقتضي أن الخطبة موضع للركعتين، وليس كذلك بل إنما منزلة منزلة الركعتين، وأيضًا أن الخطبة مؤنثة، والمكان مذكر فكيف يخبر عن المؤنث بالمذكر، وقال بعضهم برفعه لأنه ظرف متصرف وهو الظاهر، وإن كان يجوز نصبه ليعلم المبتدون أنه خبر مرفوع بينوا لنا ذلك بأوضح البيان، ولكم الأجر والثواب من الرحيم الوهاب؟ (الجواب) لم يرد هذا كله في حديث واحد، وإنما قولهم روي عن أبي هريرة ﵁ إلى الأيام فهو بمعنى ما في الموطأ من حديث طويل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» خير يوم طلعت الشمس يوم الجمعة «، وفي الزرقاني "عليه" ولمسلم من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أنه ﷺ قال:» خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة «الحديث. اهـ. وقولهم: "وحج الفقراء وعيد المساكن" ففي الدر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للعلامة السيوطي حديث الجمعة حج المساكين ابن أبي أسامة في مسنده عن ابن عباس ﵄. اهـ. وقولهم: فإذا صعد ... إلخ ففي الجامع الصغير للعلامة السيوطي بلفظ:» إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت «. اهـ. وفي الزرقاني على الموطأ عند شرحه لهذا الحديث، ولأحمد من حديث علي مرفوعًا:» ومن قال صه فقد تكلم ومن تكلم فلا جمعة له «، ثم قال: وقال الباجي: معناه المنع من الكلام وأكد ذلك بأن من أمر غيره بالصمت حينئذ فهو لاغ؛ لأنه قد أتى من الكلام بما ينهى عنه، كما أن من نهى في الصلاة مصليًا عن الكلام فقد أفسد على نفسه صلاته، وإنما نص على أن الآمر بالصمت لاغ تنبيهًا على أن كل مكلم غيره لاغ، واللغو رديء الكلام، وما لا خير فيه. اهـ. ثم قال: واستدل بالحديث على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور في حق من يسمعها، وكذا الحكم في حق من لا يسمعها عند الأكثر، قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالإشارة، قال: وللشافعي في المسألة

стр. 319

قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟ فعلى الأول يحرم لا على الثاني، وهو الأصح عندهم، فمن ثم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام حتى شنع عليه من شنع من المخالفين. اهـ المراد، ومنه يعلم أن قولهم: والخطبة فيها مكان الركعتين ليس بحديث، وإنما هو توجيه لقوله في الحديث:» فقد لغوت «عند من استدل به على منع جميع أنواع الكلام، وفي العزيزي» فقد لغوت «أي تكلمت بما لا ينبغي؛ لأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين، فلا ينبغي الكلام فيها، فيكره حينئذ تنزيهًا عند الشافعية وتحريمًا عند الثلاثة. اهـ. ومكان إن جعل بمعنى بدل الذي في كلام الزرقاني صح رفعه، ولا وجه لمنعه ضرورة إن بدل لا يؤنث للمؤنث على أن مكان اكتسب التأنيث من المضاف إليه، فيصح رفعه مع بقائه على معناه، ثم اعلم أن قول المؤذنين بين يدي الخطيب يوم الجمعة ما ذكر من الأحاديث بدعة سيئة لوجهين: (الأول) أنه استظهار على الشارع بزيادة على خطبة على الخطبتين التي طلبها وجعلها بمنزلة الركعتين. (والثاني) أنه بمنزلة زيادة ركعة في صلاة الجمعة خامسة على الأربع الذي جعلها الشارع، وزيادة ركعة في الصلاة لا شك في منعه، فيكون ما شابهه لا أقل من أن يكون مكروهًا كراهة شديدة، ولم تدع الضرورة له فيتجه، بل من الممكن إدراج الخطيب واحد من هذه الأحاديث في افتتاح خطبته كما لا يخفي على ذي لب، ويشهد لذلك قول تاج الدين السبكي في جمع الجوامع: قال الشيخ أبو محمد الجويني: والمتوضئ يشك أيغسل غسلة ثالثة فيكون مأمورًا بها أم رابعة فيكون منهيًا عنها؟ لا يغسل خوف الوقوع في المنهي عنه. اهـ فافهم، والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم في قول صاحب الرسالة ابن أبي زيد: ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل، وقال شارحه أبو الحسن: ويشترط في شاهدي النكاح العدالة لما رواه ابن حبان في صحيحه من قوله ﵊:» لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل «، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل لحديث:» فإن لم يوجد العدول استكثروا من الشهود كالثلاثين والأربعين «. اهـ فما تعريف هذه العدالة المشروطة في شروط النكاح؟ وما تعريف الذين يستكثر منهم؟ ثم هل يوجد قول بالاكتفاء بأقل من ثلاثين كالعشرة ولو على الضعيف أو خارج المذهب؟ (الجواب) قال العلامة خليل في باب الشهادة: العدل حر مسلم عاقل بالغ بلا فسق وبلا حجر وبدعة، وإن تأول كخارجي وقدري. اهـ. قال العلامة العدوي على الخرشي: ما لم يتب الفاسق وتعرف توبته، ثم قال: العدالة تطلق بمعنى عدالة الشهادة، وهي ما نظر لها المصنف بقوله العدل ... إلخ، وتطلق بمعنى المحافظة الدينية على اجتناب الكبائر والكذب وتوقي الصغائر، وهو ما نظر له عياض وابن شاس، ويوصف بها العبد، فلذلك جعلوا هذه الشروط في الشاهد، وجعلوا من جملة الشروط أن يكون عدلاً. اهـ. والعدالة بالمعنى الأول عرف الفقهاء وبالمعنى

стр. 320

الثاني عرف المحدثين كما يؤخذ من الخرشي، فظهر أن العدالة المشروطة في شهود النكاح هي عدالة الشهادة التي نظرها العلامة خليل بقوله العدل ... إلخ، وقال العلامة العدوي عند قول شارح الرسالة: ويشترط في شاهدي النكاح العدالة ما نصه أي عند تحمل الشهادة، وإن كانت العدالة لا تشترط في غير النكاح إلا وقت أداء الشهادة. اهـ. والذين يستكثر منهم عند عدم العدلين هم غير العدول من المستورين والفاسقين، وفي الدسوقي عند قول الدردير على سيدي خليل: فغير العدول من مستور وفاسق عدم ما نصه هذا عند وجود العدول، وأما عند عدمهم فيكفي اثنان مستور حالهما، وقيل: يستكثر من الشهود. اهـ. وقد نصوا على أن شهادة التواتر لا تحد بعدد، بل المدار على من يؤمن تواطؤهم على الكذب، والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم في أكل بقرة ضربت بندقة على قلبها وكبدها ورئتها، فطرحت على الأرض، وبقيت تدب على الأرض أقل من عشر ساعات، فلحقها ربها وهي حية، فذبحها فوجد أثر الضرب في المواضع المذكورة، هل يحل أكلها أم يحرم؟ أفتونا. (الجواب) نعم يحل أكلها إن صحب تذكيتها شخب دم أو قوة حركة، ففي شرح أقرب المسالك مع المتن للعلامة الدردير ما حاصله: أن ما أيس قبل تذكيته من حياته بسبب خنق أو وقذ أي ضرب بحجر أو غيره أو ترد من ذي علو، أو نطح لها من غيرها أو غير ذلك من كل ما ينفذ مقتلاً لها إنما يؤكل إذا ذكى بشرطين: (أحدها) أن لا ينفذ بشيء مما ذكر قبل الذبح مقتلها بواحد من خمسة أمور: الأول: قطع النخاع. الثاني: قطع الودج، الثالث: نثر الدماغ، الرابع: نثر الحشو وهو ما حوته البطن من قلب، وكبد، وطحال، وكلوة، وأمعاء أي إزالة ما ذكر عن موضعه بحيث لا يمكن عادة رده لموضعه، الخامس: ثقب أي خرق مصران وأولى قطعه. (وثانيهما) أن يصحب تذكيتها إما قوة حركة كمد رجل وضمها لا مجرد مد أو ضم أو ارتعاش أو فتح عين أو ضمها، وإما شخب دم منها أي خروجه بقوة، وإن لم يتحرك. اهـ والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم في رجل من المسلمين حضر بالمحكمة الشرعية مع خصمه، وعند الحكم عليه بالحكم الشرعي نفر وقال: أنا رعية أرفع أمري إلى قنصلي، فخرج ورفع أمره بالفعل، فماذا يحكم عليه بذلك؟ وماذا يستحقه شرعًا؟ أفتونا. (الجواب) قال القاضي أبو الوليد ابن رشد -رحمه الله تعالى- في أول كتاب التجارة إلى أرض الحرب من مقدماته: واجب بإجماع المسلمين أي وبالكتاب والسنة على من أسلم بدار الحرب أن لا يقيم بها حيث تجري عليه أحكامهم. اهـ. قال الشيخ عليش: وسوى المتأخرون بين هذه الصورة -أعني طرو الإسلام على الإقامة بدار الحرب وصورة طرو الإقامة على أصالة الإسلام- في وجوب عدم الإقامة بها، حيث تجري عليه أحكام المشركين. اهـ. قال ابن رشد: فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم بدار الحرب

стр. 321

أي وكذا لو طرأت الإقامة بها على أصالة الإسلام أن يهجره ويلحق بدار المسلمين، ولا يثوى بين المشركين ويقيم بين ظهرانيهم؛ لئلا تجري عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم حيث تجري عليه أحكامهم في تجارة أو غيرها. اهـ. وعليه فنفور هذا الرجل المسلم عن الحكم الشرعي وميله لرفع أمره إلى قنصله الكافر ليجري عليه حكم أولى بالتحريم مما ذكره ابن رشد والشيخ عليش ضرورة أن الذي صرح بتحريمه ليس فيه رغبة عن الحكم الشرعي، وميل لحكم الكافر صراحة، بل التزامًا بخلاف هذا الرجل المسئول عنه كما لا يخفى، قال العلامة ابن فرحون في تبصرته: العقوبة تكون على فعل محرم أو ترك واجب أو ترك سنة أو فعل مكروه، ومنها ما هو مقدر، ومنها ما هو غير مقدر، وتختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف الجرائم وكبرها وصغرها، وبحسب حال المجرم في نفسه، وبحسب حال القائل والمقول فيه والقول، قال ابن قيم الجوزية: اتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد بحسب الجناية في العظم والصغر، وبحسب الجاني في الشر وعدمه. اهـ. ولا شك أن هذه الرجل قد ارتكب محرمًا إن لم يكن كفرًا فهو قريب منه، فيجب على الحاكم المبالغة في عقوبته بما يكون رادعًا له ولأمثاله والله أعلم. (ما قولكم دام فضلكم) في عقار أوقفه من يملكه على نفسه، ثم على أولاده، ثم على أولاد أولاده طبقة بعد طبقة، ثم على المعاتيق، ثم على جهة لا تنقطع، وقد انحصر الوقف الآن في أولاد أولاد الواقف، فيتعدى أحدهم على قطعة أرض مسقوية من الوقف وبدلها بأرض عثرية، والحال أنه ليس هو بناظر، ولا بالوقف خراب يجوز استبداله، فرفع المستحقون المستبدل للقاضي فادعى أن الأرض العثرية ملكه بوضع يده عليها، وأنكر كونه أخذها عن قطعة الأرض المسقوية التي هي ضمن الوقف، فطلب القاضي من المستحقين المدعين على المستبدل المذكور بينة تشهد بأن الأرض العثرية بدل عن المسقوية التي من ضمن الوقف المذكور، فأحضروا شاهدين فشهدا بذلك، فطعن في الشاهدين المستبدل بأنهم عصبة، وعنده البينة على ذلك، فأجاب المستحقون المذكورون بأنهم عصبة لا يستحقون في الوقف شيئًا، فهل يكون الطعن المذكور في بينة الوقفية موجبًا لعدم قبولهم أم لا؟ أفتونا. (الجواب) إن الطعن في بينة الوقفية بأنهم عصبة لم تبطل شهادتهم بالوقفية إذا انحصر الوقف فيهم، أو كان معهم مشارك في الوقف، أو كان الوقف يرجع إليهم بعد حين، قال العلامة الدردير في شرحه على أقرب المسالك مع المتن: ولا شهادة لشاهد إن جر بها نفعًا كشهادته بعتق عبديتهم الشاهد في ولائه، كأن يشهد أن أباه مثلاً قد أعتق عبده فلانًا، وفي الورثة من لا حق له في الولاء كالبنات والزوجات، ويشترط أن تكون التهمة حاصلة في الحال بأن يكون العبد لو مات الآن ورثه الشاهد، وأما إذا كان قد يرجع إليه الولاء بعد حين كما لو شهد أن أخاه قد أعتق عبده، وللأخ ابن فتقبل شهادته كما تقبل إذا كان لا وارث معه،

стр. 322

أو معه وارث يشاركه في الولاء لعدم التهمة. اهـ. والله أعلم. (ما قولكم دام فضلكم) في الرجل إذا جعل للمرأة عبده صداقًا، وعقد عليها بعد أن طلقها رجل قبله وانقضت عدتها بالأطهار، ودخل فأتت بولد لخمسة أشهر من وطء الثاني، فاستفتى الرجل بعض علماء التكارنة عن الحمل هل يكون له؟ فأفتاه بأن الحمل للأول وأمره بطلاقها فطلقها، وأخذ العبد الذي جعله صداقًا، فهل العبد له أم لها؟ وهل الفتوى المذكورة صحيحة أم لا؟ أفتونا. (الجواب) إن نكاح الرجل الثاني فاسد لوقوعه في عدة طلاق الأول لقول العلامة خليل في حق غير الحامل والمرتابة وهي التي تعتد بالأقراء كما صرح به شمس الدين التتائي وغيره، وإن أتت بعدها أي العدة بولد لم يزد على أقصى الحمل من وطء الأول، ولم يبلغ أقله من الثاني لحق بالأول إلا أن ينفيه بلعان. اهـ. مع قول الشيخ عليش في فتاويه: الحامل تحيض عندنا، ودلالة الحيض على عدم الحمل ظنية أغلبية اكتفى بها الشارع حيث لم يتحقق ولم يرتب فيه رفقًا بالنساء، فالثاني نكحها وهي في عدة الأول وحامل منه. اهـ. ففتوى بعض علماء التكارنة صحيحة، وقد تأبد تحريم المرأة على الثاني، والعبد المجعول صداقًا للمرأة لا للثاني، قال العلامة خليل: وما فسخ بعده أي بعد البناء فالمسمى واجب للمرأة كان أي المسمي حلالاً. اهـ بتوضيح من شرح الدردير، والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم في امرأة زوجت مرارًا وطلقت، ثم بعد خروجها من عدة الثالث ظهر لها عبد رقيق خطبها ورغبت فيه، وأبوها غير راض، فهل لها أن تتزوج عليه بتوكيل غير أبيها، أو يجبر أبوها على تزويجها عليه؟ أم كيف الحكم؟ أفتونا. (الجواب) حيث كانت المرأة المذكورة متصفة بصفتين من صفات أربع أعني الجمال والمال والنسب والحسب أي الأخلاق الكريمة كالعلم والحلم والتدبير والكرم ونحوها من محاسن الأخلاق لم يجز لمن له الولاية العامة أن يتولى عقد نكاحها مع وجود أبيها ولو على كفؤ، ولا يصح العقد إلا إذا دخل الزوج بها وطال بنحو ثلاث سنين، بل قال بعضهم: الحكم المذكور يجري أيضًا إذا كانت متصفة بصفة واحدة من الصفات الأربع، ولا شك أن المرأة المذكورة ذات نسب، ولا يجبر الأب المذكور على الإجابة لتزويج بنته المذكورة على ذلك الرقيق الذي رغبت فيه لأنه غير كفؤ لها، والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم في رجل قال لزوجته عند المشاجرة: إن لم تقولي يا سيدي طول الدوام فأنت طالق ثلاثًا تحرمي على وتحلي لغيري، فقالت له: لا أقول لك يا سيدي ونادته باسمه، فهل وقع عليه الطلاق أم لا يقع إلا في آخر جزء من حياتها عند تحقيق اليأس من قولها يا سيدي؛ لأن إن لم شرط لما يستقبل من الزمان، وتفيد التراخي، ولا عبرة بقولها لا أقول لك يا سيدي وندائها له باسمه فلا يقع به الطلاق المعلق، ولا بدلالة الحال المقتضية تعظيم الرجل حسب قصده مع تحقيرها له بندائها له باسمه، خصوصًا والعرف يقتضي ذلك

стр. 323

ولا بقوله طول الدوام، أفتونا تفصيلاً مع بيان ما يفيد ذلك من العبائر النحوية والفقهية. (الجواب) يقع عليه الطلاق ثلاثًا في الحال، ولا يتوقف وقوعه على تحقيق اليأس من قولها له يا سيدي لأمرين: الأمر الأول: أن الصيغة التي وقع بها الطلاق صيغة حنث وقع فيها الحلف على فعل شيء ذي أجزاء، والذي يتوقف فيها على تحقيق ذلك الفعل بتمامه الحاصل بآخر جزء من حياتها هو البر لا الحنث، قال الشيخ الدسوقي على شرح الدردير على خليل: إذا كانت الصيغة صيغة حنث وحلف على فعل شيء ذي أجزاء فلا يعبر بفعل البعض، وذكر شيخنا وغيره أن من حلف عليه بالأكل فإن كان أي الحلف عليه في آخر الأكل فلا يبر الحالف إلا بأكل المحلوف عليه ثلاث لقم فأكثر، وإن لم يكن الحلف عليه آخر الأكل فلا يبر الحالف إلا بشبع مثله. اهـ. والأمر الثاني: أن الصيغة التي وقع بها الطلاق صيغة حنث مطلق، وصيغة الحنث المطلق يقع بها الحنث إذا كان المحلوف به طلاقًا بمجرد العزم على الضد وتحنيث نفسه، قال العلامة الدسوقي: إن الحالف بصيغة الحنث المطلق يلزمه الحنث إذا كان المحلوف به طلاقًا نحو: إن لم أفعل فأنت طالق بمجرد العزم على الضد وتحنيث نفسه، ولا يتأتى له الرجوع. اهـ فمن باب أولى يقع الحنث بفعل المحلوف على تركه حيث نادته هنا عقب وقوع الحلف منه باسمه، ألا ترى أنهم قالوا: إن صيغة الحنث المؤجل لا حنث فيها بالعزم على الضد، وإنما الحنث فيها بعدم فعل المحلوف عليه إذا فات الأجل، وبفعل المحلوف على تركه كما في الدسوقي، ومن هنا تعلم أن من يزعم أنه لا يقع عليه إلا في آخر جزء من حياتها عند تحقق اليأس من قولها له يا سيدي قد اشتبه عليه البر بالحنث، هذا ولا فرق في هذا بين كون التعليق بإذا أو إن كما يشهد له قول الشيخ الخرشي عند قول الشيخ خليل في باب الخلع، وإن علق بالإقباض أو الأداء لم يختص بالمجلس إلا لقرينة، يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: إذا أقبضتني كذا فأنت طالق، أو قال لها إن أديتيني كذا فأنت طالق، أو إذا أو متى أديتيني فقد طلقتك، لم يختص إقباضها أو أداؤها بالمجلس الذي قال لها فيه ذلك القول، بل إذا أقبضته أو أتت إليه بما طلبه منها فإنها تطلق منه ولو بعد المجلس ما لم يطل، بحيث يرى أن الزوج لا يجعل التمليك إليه ... إلخ اهـ المراد، وكذا يشهد له قول علماء المعاني: إن كلمة إن للشرط مع الشك، أي لشك المتكلم في حصول الشرط في المستقبل، وإذا للشرط مع القطع، أي قطع المتكلم بحصوله بالوضع له قرائن تصرف معناه إلى الاستقبال دون لفظه، وهي أدوات الشرط كلها إلا لو ولما. اهـ والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (ما قولكم) دام فضلكم في قول الرجل لزوجته إذا تنازلت لي عن جميع ما تستحقه النساء عند الرجال من مصرف وعدة ونحوه، وكتبت لي ورقة بذلك بمهر أبيك تكوني طالقًا ثلاثًا، فأجابته بقولها: نعم، أتنازل عن ذلك كله وأكتب لك

стр. 324

ورقة بذلك بمهر أبي، فهل يتوقف وقوع الطلاق المذكور على إتيانها بالورقة المذكورة أم لا؟ (الجواب) نعم يتوقف وقوع الطلاق المذكور على الإتيان بالورقة المذكورة؛ لأن المعلق عليه الطلاق المذكور هو تنازلها عن ذلك مقيدًا برضا أبيها به، فمتى لم تأت بالورقة المذكورة الدالة على رضا أبيها بالتنازل عما ذكر لم يحصل المعلق عليه الطلاق، وقد قال العلامة الدردير في أقرب المسالك ما معناه: إن قال الرجل لزوجته: إن فعلت كذا فأنت طالق فهو على بر حتى يقع المحلوف عليه. اهـ والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم فيمن أوقف في صحته عقارًا على نفسه، ثم على أولاده، وأجاز لهم بيعه على شرط الحاجة والرشد لهم وتصديقهم في دعوى الاحتياج بلا يمين، فهل يصح الوقف المذكور مع انقطاعه بما ذكر؟ وهل يصح لهم البيع بالشرط المذكور أم لا؟ (الجواب) الوقف صحيح مع الانقطاع بما ذكر، ويصح البيع ويجوز بالشرط المذكور، قال الأمير في شرح مجموعه: واتبع شرطه إن لم يحرم كبيع الموقوف عليه كالواقف إن احتاج. اهـ. قال الشيخ حجازي عليه: والاحتياج شرط في جواز البيع لا صحته إذ يصح شرط البيع بدون قيد الاحتياج، ولا بد من إثبات الحاجة والحلف عليها، وأنه لا مال له ظاهرًا ولا باطنًا، إلا أن يشترط الواقف أنه يصدق فيها بلا يمين، فيعمل بذلك، أفاده عبد الباقي الزرقاني وغيره. اهـ. والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم فيمن يدعي العلم، ويقول إن حقيقة المحمدية قديمة في مرتبة الإله، هل هو فاسق أو كافر أو كيف الحكم؟ أفتونا. (الجواب) من حيث إن القدم يطلق على الحادث بمعنى طول المدة لم يلزم على قول من يدعي العلم أن حقيقة المحمدية قديمة كفر إلا إذا اعتقد أنها قديمة بمعنى أنه لا أول لوجودها كما يوهمه قوله في مرتبة الإله، نعم يمكن حمل هذا على أنها في مرتبة الإله في الجملة، من حيث إن وجودها لم يسبقه وجود مخلوق بشهادة حديث:» أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر «وعلى ذلك فلا سبيل إلى تكفيره بل إلى تفسيقه، فيجب على ولي الأمر تأديبه بما يراه رادعًا له ولأمثاله، والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم في امرأة حربية أعطت بنتها لرجل مسلم في بلاد الحرب في مقابلة دين أخذته منه، فأسلمت البنت وعقد عليها الرجل في بلاد الحرب صورة ليتمكن من السفر بها لبلاد الإسلام، ثم سافر بها وعقد لها في بلاد الإسلام على رجل آخر عقدًا صحيحًا، وأخذ من مهرها في مقابلة دينه الذي له عند أمها الحربية، فهل يجوز له ذلك أم لا؟ أفتونا مأجورين. (الجواب) من حيث إن المسلم المأسور في بلاد الحرب يجوز له إن لم يؤمنه الحربي طائعًا خيانة الحربي إن أمن على نفسه، ويحل له كل ما أخذه من ذلك حتى النساء، ويجوز له وطؤها إذا خرج بها من بلادهم كما في شرح أقرب المسالك للعلامة الدردير، تكون البنت الحربية التي أخذها المسلم في مقابلة ما أعطاه لأمها الحربية في بلاد الحربية ملكًا له، ويكون تزويجه

стр. 325

لها في بلاد الإسلام من قبيل تزويج السيد أمته، وللسيد أخذ صداق أمته لنفسه ولو قبل الدخول كما في أقرب المسالك وشرحه للعلامة الدردير أيضًا والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم في أخذ الربا من الكافر الحربي، هل يجوز أم لا؟ (الجواب) إن مقتضى قول العلامة الصاوي على أقرب المسالك في باب الجهاد: مال الحربي يجوز لنا تناوله بأي وجه. اهـ أنه يجوز أخذ الربا منه والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم في قراءة القرآن والأحاديث كصحيح البخاري ومسلم والصلوات كدلائل الخيرات والأدعية المأثورة، إذا كان ذلك مضبوطًا بالقلم من غير سند من أحد ولا إذن ولا نقل، وأن يعمل بما فهم ويفهم غيره، ويعمل بظهور المعنى، أو بتفهيم الشارح له، ويترك ما لم يفهمه، فهل يجوز ذلك أو لا إلا في كتب الفقه، أو لا يجوز ذلك كله إلا بسند وإذن ونقل من شيخ؟ أفتونا. (الجواب) أما القرآن فلا تجوز تلاوته بغير تلق من عارف متلق لأمرين: أحدهما: حرمة اللحن فيه لقوله تعالى:﴾ قرآنًا عربيًا غير ذي عوج ﴿، والثاني: فرضية تجويده الثابتة بالكتاب وهو قوله تعالى:﴾ ورتل القرآن ترتيلاً ﴿قال البيضاوي: أي جوده تجويدًا، وقد جاء عن علي -كرم الله وجهه- أنه قال: الترتيل أي في الآية المذكورة هو تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف، وبالسنة، أعني قوله ﷺ :» رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه «أي إذا أخل مبانيه أو معانيه أو بالعمل بما فيه، ومن جملة العمل بما فيه ترتيله وتلاوته حق تلاوته؛ لأن الله تعالى أنزله مجودًا مرتلاً ونحو ذلك وبالإجماع، وذلك أنه قد وصل إلينا كذلك من المشايخ العارفين بتحقيقه وتدقيقه المتصل سندهم بالنبي ﷺ عن جبريل عن اللوح المحفوظ عن الله وأما الأحاديث والصلوات كدلائل الخيرات والأدعية المأثورة، فمن أن اللحن فيها يقتضي الكذب في نسبتها معه للنبي ﷺ أو لمن أثرت عنه، والكذب من الكبائر سيما على النبي ﷺ يتوقف جواز قراءتها بلا تلق على أحد أمرين أحدهما كون النسخة صحيحة مضبوطة بضبط عارف بالعربية أو متلق لها من عارف، وثانيهما: كون القارئ ذكيًا فطنًا متقنًا للعربية، ومع هذا فقراءتها بالتلقي ممن ثبت تلقيه بالسند أدعى لحصول بركة المشايخ ونفحاتهم، وأسلم من أن يحوم حول حمى الكذب عليه ﷺ أو على من أثر عنه ذلك فيوشك أن يواقعه فيدخل تحت وعيده، وأما العمل بما فهم وتفهيمه للغير فمحل جوازه في القرآن وخلافه إذا كان اللفظ ظاهر الدلالة عليه، وهو معلوم الصحة لكل أحد لم يخالف أصلاً من أصول الشريعة المطهرة، ومع هذا فالفهم والتفهيم من المتلقي والواقف على أصول الشريعة المطهرة أسلم لكونهما حينئذ رمية من رام، وأما كتب الفقه فمدار جواز قراءتها، والعمل بما يفهم منها وتفهميه للغير على فطنة القارئ والعامل أو وضوح العبارة

стр. 326

ومع هذا فكون القارئ والعامل متلقيًا أولى وأسلم والله أعلم. (ما قولكم) دام فضلكم فيما اعتاده بعض أهلنا الجاويين الآن إذا أريد أن يدفن ميت ينزل في القبر واحد من طلبة العلم الذي يعتقد الناس أنه من الصالحين، فيضطجع في اللحد قبل أن يوضع الميت فيه، ويقرأ ما شاء من الدعاء وغيره ليرفع الله عن ذلك الميت فتنة القبر وعذابه، ويوسع له القبر ببركة جسم المضطجع ودعائه، فبعد أن يقوم من الاضطجاع يوضع الميت في ذلك اللحد، واستدل الفاعل لذلك بما ذكر في بعض كتب الجاوية من أن الحافظ أبا نعيم روى أن النبي ﷺ نزل في قبر فاطمة بنت أسد والدة سيدنا علي -رضي الله تعالى عنه- ونزع ثيابه واضطجع في لحدها قبل دفنها، ثم خرج رسول الله ﷺ فسئل عن ذلك فقال ﷺ :» أريد أن لا تمسها النار أبدًا إن شاء الله وأن يوسع لها قبرها «، فيا علماء الشريعة وحكمائها هل ذلك ثابت عن النبي ﷺ بطريق صحيح أم لا؟ وهل لنا أن نفعل لأمواتنا مثل ذلك؟ وإذا فعلناه فهل يرفع الله عنهم فتنة القبر وعذابه ويوسع لهم قبورهم أم لا؟ فنرجو من فضلكم وإحسانكم أن تزيلوا عنا معاشر الأمة الملايوية الجهل والحماقة والعمى بحسن بيانكم الشافي، ولكم جزيل الأجر والثواب من الملك الوهاب. (الجواب) أقول أما ثبوت ما ذكر عن النبي ﷺ فنعم؛ لأن أبا نعيم والديلمي وأبا عمر بن عبد البر رووا الحديث مرسلا، قالوا: أخبر أبو الفرج بن أبي الرجاء إجازة بإسناده عن أبي بكر بن أبي عاصم حدثنا عبد الله بن شبيب بن خالد القيسي، حدثنا يحيى بن إبراهيم بن هانئ، أخبرنا حسين بن زيد بن علي بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه:» أن رسول الله ﷺ كفن فاطمة بنت أسد في قميصه واضطجع في قبرها وجزاها خيرًا «وقد قال ابن حجر في شرح النخبة ما خلاصته: إن المشهور من قولي أحمد وهو قول المالكيين والكوفيين أن المرسل يقبل مطلقًا، أي سواء اعتضد بمجيئه من وجه آخر أو لم يعتضد بمجيئه، وقال الشافعي: يقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسندًا كان أو مرسلا ليترجح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر، ونقل أبو بكر الرازي من الحنفية وأبو الوليد الباجي من المالكية أن الراوي إذا كان يرسل عن الثقات وغيرهم لا يقبل مرسله اتفاقًا. اهـ. أي إذا عرف من حاله أنه غير ملتزم بأن يرسله عن ثقة فلا يقبل مرسله، وأما إذا لم يعلم حاله فمرسله مقبول اتفاقًا عند الحنفية والمالكية، كما إذا علم بالاستقراء أنه لا يرسل إلا عن ثقة كسعيد بن المسيب كما في حاشية الشيخ حسين العدوي عليه، وهذا الحديث قد رواه أبو عمر بن عبد البر أيضًا من طريق آخر تباين الطريق الأولى مسندًا، فقال: وروى سعد بن أبي الوليد الساتري عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس -رضي الله تعالى

стр. 327

عنهما- نحو هذا، أو زاد فقال: ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه، قال:» إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل أهل الجنة، واضطجعت في قبرها ليهون عليها عذاب القبر «فعلم أن هذا الحديث مقبول في المذاهب الأربعة، أما أولاً فلأنه قد اعتضد بمجيئه من طريق آخر مسند تباين الطريق الأولى، وأما ثانيًا: فلأنه لم يعلم حال راويه فافهم، وأما إنه هل يجوز أن يفعل الآن بميت مثل ذلك فلا؛ لأنه من خصوصيات فاطمة بنت أسد، كما يشهد له وجوه الوجه الأول ما رواه ابن عبد البر في حديث ابن عباس من قوله مخاطبًا للنبي ﷺ ما رأيناك صنعت بأحد ... الخ، الوجه الثاني: ما ذكره الشيخ حسين العدوي الحمزاوي مما خلاصته أنه إذا تؤمل ما أخرجه ابن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: كنت ممن حفر لسعد قبره، فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا، مع ما أخرجه ابن سعد وأبو نعيم من طريق محمد بن المنكدر عن محمد بن شرحبيل قال: قبض إنسان يومئذ بيده من تراب قبره قبضة فذهب بها ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك، قال رسول الله ﷺ :» سبحان الله سبحان الله «حتى عرف ذلك في وجهه فقال» الحمد لله، لو كان أحد ناجيًا من ضمة القبر لنجا منها سعد ضم ضمة ثم فرج الله عنه «قال سيدي محمد الزرقاني: وقوله في الحديث سبحان الله سبحان الله مرتين تعجبًا من كون تراب قبره صار مسكا مع كونه ضم قال: وقوله "حتى عرف ذلك في وجهه" أي التعجب الدال عليه التسبيح، فقال الحمد لله أي شكرًا له على تفريجه عن سعد. اهـ. وما ورد عنه ﷺ » ما عفي لأحد من ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد فقيل: يا رسول الله ولا ابنك القاسم قال: ولا إبراهيم الذي هو أصغرهما «وقول العارف بالله الشعراني في مختصر التذكرة فائدة: لا ينجو من ضمة القبر أحد إلا أربعة: فاطمة بنت محمد ﷺ وفاطمة بنت أسد، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن قرأ قل هو الله أحد في مرضه ولو مرة واحدة مع قوله أيضًا، وروى الحافظ أبو نعيم» أن رسول الله ﷺ تبع جنازة فاطمة بنت أسد وكان مرة يحمل ومرة يتقدم ثم نزل قبرها ونزع قميصه ﷺ وتمسك في لحدها ثم خرج فسألوه عن نزع قميصه وتمسكه في لحدها فقال: أردت أن لا تمسها النار أبدًا إن شاء الله وأن يوسع عليها قبرها «، أخذ من مجموع ذلك أن تلك الضمة لا تستدعي سبق ذنب، وإلا لما حصلت للأصفياء ولولديه ﷺ إبراهيم والقاسم، لا سيما ومثل سعد لا يظن فيه تقصير في البول يؤدي إلى فساد في عبادته، أو مكروه كما قيل، وأن المستثنيات خصوصيات لا تنقض الأمور الكلية، ويؤيد هذا أنه قد ورد أن ضمها للمؤمن الكامل ضم شفقة ورحمة اهـ. (الوجه الثالث) أن ما صنعه ﷺ مع فاطمة بنت أسد لم يجر به عمل أحد لا من السلف ولا من الخلف، وإنما الذي جرى به عمل هو ما رواه البخاري

стр. 328

عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: شهدنا بنتًا للنبي ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر قال: فرأيت عينيه تدمعان قال: فقال:» هل منكم رجل لم يقارف الليلة «قال أبو طلحة: أنا قال:» فانزل «قال: فنزل في قبرها، قال في الفتح: والبنت هي أم كلثوم زوج عثمان، رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد، ولم يقارف بقاف وفاء قيل: أراه يعني الذنب، ذكره البخاري في باب من يدخل قبر المرأة تعليقًا، ووصله الإسماعيلي، وكذا شريح بن النعمان عن فليح أخرجه أحمد عنه، وقيل: معناه لم يجامع تلك الليلة وبه جزم ابن حزم، وقال: معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله ﷺ بأنه لم يذنب تلك الليلة. انتهى ويقويه أن في رواية ثابت المذكورة بلفظ:» لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة فتنحى عثمان «وفي هذا الحديث: جواز البكاء كما ترجم له، وإدخال الرجال المرأة قبرها لكونهم أقوى على ذلك من النساء، وإيثار البعيد العهد عن الملاذ في مواراة الميت، ولو كان امرأة على الأب والزوج، وقيل: إنما آثره بذلك لأنها كانت صنعته، وفيه نظر، فإن ظاهر السياق أنه ﷺ اختاره لذلك لكونه لم يقع منه في تلك الليلة جماع، وعلل ذلك بعضهم بأنه حينئذ يأمن من أن يذكره الشيطان بما كان منه في تلك الليلة، وحكي عن ابن حبيب أن السر في إيثار أبي طلحة على عثمان أنه كان قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة، فتلطف ﷺ في منعه من النزول في قبر زوجته بغير تصريح، ووقع في رواية حماد المذكورة: فلم يدخل عثمان القبر. اهـ المراد من الفتح، ويغني عن ارتكاب ما لم يعمل به ولم يؤذن فيه لغير فاطمة بنت أسد طمعًا في السلامة من ضمة القبر العمل بما أذن فيه وجرى العمل به للسلامة من ضمة القبر من قراءة﴾ قل هو الله أحد ﴿في مرض الموت ولو مرة، والله الهادي إلى سواء السبيل، والله أعلم. [مسألة] قال أبو عمران: يسأل شهود الزنا والسرقة، فإن أبوا أن يبينوا هذه الوجوه أي من أنهم رأوا فرجه في فرجها أو غيب حشفته فيها في وقت واحد، وموضع واحد وصفة واحدة ونحو ذلك سقطت شهادتهم، وإن غابوا قبل السؤال حكم بشهادتهم، وقيل: إن كانوا من أهل العلم بما يوجب الحد وإلا فلا. اهـ. والأول هو الذي درج عليه خليل حيث قال: وندب

стр. 329

سؤالهم كالسرقة ما هي؟ وكيف أخذت ... إلخ، معولاً على ما رجحه الصباغ من أن بيان مستند العلم إنما هو شرط كمال فقط، وهو مختار ابن سهل، والثاني هو المعتمد كما في التسولي على العاصمية حيث قال: وعندي أن هذا خلاف في حال، فابن سهل ومن معه تكلم على ما علم من عدول وقتهم، وغالبهم علماء عارفون، وغيره تكلم على ما غلب في بلده ووقته من الجهل بما تصح به الشهادة، وإلا فكيف يقول منصف بقبول شهادة الجاهل مرسلة، ولذا اقتصر ابن فرحون في فصل مراتب الشهود على أن غير العالم بما تصح به الشهادة لا بد من سؤاله عن مستند علمه ونحوه في الطرر والمعين والمتيطية، وكذا في الوكالات وبيع الوكيل من ابن سلمون، ونقل ابن رحال في الارتفاق نحوه عن كثير، وذكر القشتالي وابن سلمون صدر وثائقهما أن قول الموثق ممن يعرف الإيصاء لا يكفي حتى يقول بإشهاد من الموصي عليه إلا إذا كان من أهل العلم، وعلى أهل العلم يحمل قول ابن سلمون في الشهادات إذا قال الشاهد أشهدتني فلانة، ولم يقل أعرفها بالعين والاسم، فهي شهادة تامة اهـ. وفي ابن عرفة أن الشاهد إذا لم يذكر معرفة ولا تعريفًا، وتعذر سؤاله، سقطت شهادته إن لم يكن من أهل العلم، وذكر في كتاب المأذون من المتيطية ما نصه: وليس لهم تلفيق الشهادة بأن يقولوا: نشهد أنه مأذون له في التجارة، ولا يفسرون الذي علموا به ذلك أي من أنه أذن له سيده بمحضرهم، أو أقر بذلك لديهم، قال: ومن التلفيق أن يشهدوا أن لفلان على فلان كذا وكذا دينارًا، ولا يبينون وجه ذلك، بل لا تقبل حتى يقولوا أسلفه لدينا، أو أقر بمحضرنا، وإن كان الدين من بيع فسروا ذلك أيضًا فيقولون: باع منه بمحضرنا، أو أقر بذلك لدينا، قال: وإنما لم تجز الشهادة إلا مع البيان لأن الشهود أكثرهم جهلة، فقد يتوهمون أنه وجب من حيث لا يجب. اهـ بخ، ونقله القشتالي في باب القضاء مقتصرًا عليه قائلاً: فيجب بيان مستند العلم في جميع الأشياء من دين أو غيره؛ لأن أكثر الشهود لا يفهم ما تصح به الشهادة. اهـ. وقال اللخمي: إن الأربعة إذا شهدوا بالزنا وغابوا، أو بعضهم قبل أن يسألوا عن كيفية الشهادة، فإن الحد يقام إن كان الغائب عالمًا بما يوجب الحد، وإلا سقط، وفي البرزلي: أن الشاهد إذا كان من أهل العدالة والمعرفة فلا يستفسر ففهم منه أنه إذا لم يكن كذلك استفسر، قال: ولم يكن الموثقون يستفسرون إلا في

стр. 330

الحدود والزنا للحرص على الستر، فأنت ترى تعليلهم بكثرة الجهل، وبه يتضح لك أن قول خليل في الشركة ولو لم يشهد بالإقرار بها على الأصح، إنما هو في العالم والله أعلم. اهـ. وبالجملة فبيان الشهود ما تصح به الشهادة شرط كمال من العالم، وشرط صحة من غيره في كل شيء حدًا كان أو غيره على المذهب، ومذهب الإمام أبي حنيفة أن البيان شرط صحة مطلقًا، فشرط القود بالشاهدين مطلقًا عنده: أن يتفقا في الزمان، وفي المكان، وفي الآلة، وفي المعاينة، أو بإقرار القاتل به وقس، ففي شرح الدر مع المتن: وإن اختلف شاهدا قتل في زمان أو في المكان أو في آلته، أو قال أحدهما: قتله بعصا، وقال الآخر: لم أدر بماذا قتله، أو شهد أحدهما على معاينة القتل، والآخر على إقرار القاتل به؛ بطلت لاختلاف المشهود به. اهـ بإصلاح، وفي حاشية ابن عابدين قال في شرح الكافي: ولا ينبغي أن يسأل الشهود أنه مات بذلك أم لا، وكذلك إذا شهدوا أنه ضربه بالسيف حتى مات، وإن لم يذكروا العمد؛ لأن العمد هو القصد بالقلب، وهو أمر باطن لا يوقف عليه، ولكن يعرف بدليله، وهو الضرب بآلة قاتلة عادة، ولو شهدوا أنه قتله عمدًا وأنه مات به فهو أحوط. اهـ إتقاني. (فائدة) نقل الشيخ التنبكتي في تكميل الديباج آخر ترجمة الشيخ أحمد البنا المراكشي عن بعض المغربيين: أن القراءة تصحيح المتن، وتبيين ما أشكل، وتتميم ما نقص أي من القيود، وما زاد عليه فضرره على المتعلم أكثر من نفعه. اهـ قلت: ولا يخالف هذا ما نقله التنبكتي نفسه عن ابن عرفة في ترجمته له أنه كان يقول في حضور مجالس التدريس إنه إن لم يكن فيها التقاط زيادة من الشيخ فلا فائدة في حضور مجلسه، بل الأولى لمن حصلت له معرفة اصطلاح وقدر على فهم ما في الكتب أن ينقطع لنفسه ويلازم النظر، ونظم ذلك في أبيات فقال: إذا لم يكن في مجلس الدرس نكتة ... وتقرير إيضاح لمشكل صورة وعزو غريب النقل أو فتح مقفل ... أو إشكال أبدته نتيجة فكرة فدع سعيه وانظر لنفسك واجتهد ... وإياك تركًا فهو أقبح خلة وأجابه تلميذه الأبي بقوله: يمينًا بمن أولاك أرفع رتبة ... وزان بك الدنيا بأكمل زينة لمجلسك الأعلى كفيل بكلها ... على حين ما عنها المجالس ولت فأبقاك من رقاك للخلق رحمة ... وللدين سيفًا قاطعًا كل فتنة

стр. 331

ثم قال: وإني لبار في قسمي هذا، فلقد كنت أفيد من زوائد إلقائه وفوائد إبدائه في دولة الخميس التي تقرأ في مجلسه من تفسير وحديث، وثلاثة في التهذيب نحو الورقتين كل يوم مما ليس في الكتب قدس الله تعالى سره. اهـ. وذلك لأن الأول بالنسبة إلى المبتدي، والثاني بالنسبة لمن سواه كما يفهم من قول ابن عرفة، فدع سعيه وانظر لنفسك واجتهد، ولله در الشيخ أحمد بن عبد العزيز الهلالي صاحب نور البصر، حيث نظم الأول في بيتين، وحمله على المبتدي، وأن سواه يزاد له بقدره في بيتين آخرين، بقوله: تقرير متن وبيان مشكل ... تتميم ما نقص الأقرأ اجعل وزائد ضرره أعظم من ... نفع به فهو بالترك قمن قلت وذا بنسبة للمبتدي ... أما سواه فبقدره زد عزوا ومبنى وفروعا ناسبت ... إيراد أبحاث عن الفهم أبت [مسألة] قال الشيخ التنبكتي في تكميل الديباج آخر ترجمة العلامة الشيخ إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي أبو إسحاق الشهير بالشاطبي ما نصه: وكان صاحب الترجمة ممن يرى جواز ضرب الخراج على الناس عند ضعفهم وحاجاتهم لضعف بيت المال عن القيام بمصالح الناس، كما وقع للشيخ المالقي في كتاب الورع قال: توظيف الخراج على المسلمين من المصالح المرسلة، ولا شك عندنا في جوازه وظهور مصلحته في بلاد الأندلس في زماننا الآن لكثرة الحاجة لما يأخذه العدو من المسلمين سوى ما يحتاج إليه الناس، وضعف بيت المال الآن عنه، فهذا يقطع بجوازه الآن في الأندلس، وإنما النظر في القدر المحتاج إليه من ذلك، وذلك موكول إلى الإمام، ثم قال أثناء كلامه: ولعلك تقول كما قال القائل لمن أجاز شرب العصير بعد كثرة طبخه، وصار ربا أحللتها والله يا عمر يعني هذا القائل: أحللت الخمر بالاستجرار إلى نقص الطبخ حتى تحل الخمر بمقالك، فإني أقول كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: والله لا أحل شيئًا حرمه الله ولا أحرم شيئًا أحله الله، وإن الحق أحق أن يتبع، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، وكان خراج بناء السور في بعض مواضع الأندلس في زمانه موظفًا على أهل الموضع فسئل عنه إمام الوقت

стр. 332

في الفتيا بالأندلس، الأستاذ الشهير أبو سعيد بن لب، فأفتى أنه لا يجوز ولا يسوغ، وأفتى صاحب الترجمة بسوغه مستندًا فيه إلى المصلحة المرسلة، معتمدًا في ذلك إلى قيام المصلحة التي إن لم يقم بها الناس فيعطونها من عندهم ضاعت، وقد تكلم على المسألة الإمام الغزالي في كتابه، فاستوفى، ووقع لابن الفراء في ذلك مع سلطان وقته وفقهائه كلام مشهور لا نطيل به. اهـ. (فائدة) قال العلامة التنبكتي في تكملة الديباج عقب ترجمته للعلامة محمد بن محمد القرشي التلمساني الشهير بالمقري بفتح الميم وتشديد القاف المفتوحة ما نصه: ومن فوائده أنه قال: سألني السلطان أبو عنان عمن لزمته يمين على نفي العلم، فحلف جهلاً على البت، هل يعيد أم لا؟ فأجبته بإعادتها، وقد أفتاه من حضر من الفقهاء بأن لا تعاد؛ لأنه أتى بأكثر ممن أمر به على وجه يتضمنه، فقلت له: اليمين على وجه الشك غموس، قال ابن يونس: والغموس الحلف على تعمد الكذب، أو على غير يقين، ولا شك أن الغموس محرمة منهي عنها، والنهي يدل على الفساد، ومعناه في العقود عدم ترتب أثره، فلا أثر لهذه اليمين، فوجب أن تعاد، وقد يكون من هذا اختلافهم فيمن إذنها السكوت فتكلمت؛ هل يجتزأ بذلك، والإجزاء هنا أقرب؛ لأنه الأصل، والصمات رخصة لغلبة الحياء، فإن قلت: البت أصل، وإنما يعتبر نفي العلم إذا تعذر، قلت: ليس رخصة كالصمات. اهـ. وقال قبل: ومنها أيضًا قال: تكلم العلامة أبو زيد ابن الإمام في الجلوس على الحرير، فقال له الأستاذ ابن حكم: مقتضى حديث أنس المنع؛ لقوله: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبث، فقال أبو زيد: لا نسلم أن مراده الجلوس لاحتمال أن ذلك الحصير يغطي، وذكر حديثًا فيه تغطية الحصير، وكان الرجل داعية، قلت: وللأستاذ أن يقول: الغالب خلاف ذلك، فيجب العمل عليه حتى ينص على غيره بالدليل على أنه روى نصًا في صحيح البخاري وغيره الجلوس عليه قال: ومنها قال: حدثني القاضي الظريف أبو عبد الله بن عبد الرزاق الجزولي عن الشيخ النخبة ابن قطرال أنه سمعه يقول: سمع يهودي بحديث:» نعم الإدام الخل «، فأنكر ذلك حتى كاد يصرح بالقدح، فبلغ بعض العلماء فأشار على الملك بقطع الخل وأسبابه عن اليهود سنة، قال: فما تمت سنة حتى ظهر فيهم الجذام، قال: ومنها قال: سمعت الأيلي يقول: سمعت أبا عبد الله بن رشيد يقول: إن خطيبًا بتلمسان كان يقول: في خطبته:

стр. 333

من يطع الله ورسوله فقد رشد بالكسر، وكان الطلبة ينكرون عليه فلا يرجع، فلما قفلت من رحلتي تلك دخلت على الأستاذ ابن أبي الربيع بستة فنهاني بالقدوم، وقال لي فيما قال: رشدت يا ابن رشيد، ورشدت لغتان صحيحتان، حكاهما يعقوب في الإصلاح، قال المقري: وهذه كرامة للرجلين أو الثلاثة، قال: ومنها: قال شهدت الشمس بن قيم مقيم الحنابلة بدمشق، وهو أكبر أصحاب ابن تيمية، وقد سئل عن حديث:» من مات له ثلاث من الولد كانوا له حجابًا من النار «، كيف إن أتى بعدها بكبيرة، فقال: موت الولد حجاب، والكبيرة خرق لذلك الحجاب، وإنما يحجب الحجاب إذا لم يخرق، فإذا خرق لم يكن حجابًا؛ بدليل حديث:» الصوم جنة ما لم يخرقها «. اهـ. [مسألة] في شرح الدردير على المختصر وحاشية الدسوقي عليه: الراجح جواز كراء الأفنية سواء كانت أفنية دور أو حوانيت، فيجوز لصاحب الدار أو الحانوت أخذ الأجرة من الباعة الذين يجلسون كثيرًا في فناء داره أو حانوته، ففي المواق: سمع عيسى بن القاسم لأصحاب الأفنية التي انتفاعهم بها لا يضيق على المارة أن يكروها ابن رشد؛ لأن كل ما للرجل أن ينتفع به يجوز أن يكريه. اهـ. وهو يشمل بعمومه فناء الحوانيت وغيرها، وبه يسقط تنظير عبق في فناء الحوانيت. اهـ بناني، والذي يفيده التتائي: منع كرائها، وقد علمت أن النقل عن ابن القاسم خلافه. اهـ. والله أعلم. [مسألة] في حاشية الدسوقي على شرح الدردير على المختصر ما نصه: من سبق غيره بالجلوس في محل من المسجد لأجل صلاة، أو قراءة قرآن، أو علم فإنه يقضى له به، وإذا قام لقضاء حاجة أو تجديد وضوء فهو أحق به، إذا رجع إليه لما في صحيح مسلم عنه ﷺ قال:» إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به «. اهـ بناني، وهل يكفي السبق بالفرش فيه أو لا بد أن يكون بذاته، وأما السبق بالفرش فهو تحجير لا يجوز خلاف ذكره الحطاب. اهـ. قال الدردير: وهذا ما لم يكن غير السابق اعتاد الجلوس فيه لتعليم علم كتدريس، أو تحديث، أو إقراء، أو إفتاء، فإنه يقضى للمعتاد به كما يفيده قول الإمام: فإنه أحق به من غيره، وقال الجمهور: معنى قول الإمام أحق به استحسانًا لا وجوبًا، أي أن الحاكم يقول للسابق الذي نازع المعتاد الأولى لك والأحسن عند الله تعالى أن تنحى عنه لمن اتسم به، فيكون كلام الحاكم للسابق

стр. 334

خارجًا مخرج الفتوى لا الحكم، ولكن رجح القول بالقضاء حقيقة للمشتهر، والظاهر أن اختصاصه به إنما هو في الوقت الذي اعتاد الجلوس فيه لما ذكر لا بوقت آخر ولا بما اعتاده والده، ولا إن سافر سفر انقطع ثم قدم. اهـ بتوضيح وزيادة من الدسوقي والله أعلم. (فائدة) ذكر الشيخ التنبكتي في ترجمة الشيخ عبد الرحمن المعروف بسفين عن الشيخ المنجور أن المترجم له كان ينكر على من يقرأ الفاتحة للناس أو يطلبها، ويقول: إنها بدعة لم ترد في حديث، ورئي بعد موته، فسئل عن ذلك فرجع عنه. اهـ. وقال: قال الشيخ زروق في بعض تآليفه ما اعتاده أهل الحجاز واليمن ومصر ونحوهم من قراءة الفاتحة في كل شيء لا أصل له، لكن قال الغزالي في الانتصاف: فاستنزل ما عند ربك وخالقك من خير، واستجلب ما تؤمله من هداية وبر بقراءة السبع المثاني المأمور بقراءتها في كل صلاة، وتكرارها في كل ركعة، وأخبر الصادق المصدوق أن ليس في التوراة ولا في الإنجيل والفرقان مثلها، وفيه تنبيه بل تصريح أن يكثر منها لما فيها من الفوائد والذخائر. اهـ كلام زروق، أخرج أبو الشيخ في الثواب عن عطاء قال: إذا أردت حاجة فاقرأ بفاتحة الكتاب حتى تختمها تقض إن شاء الله تعالى، نقله الجلال السيوطي رحمه الله تعالى. اهـ. (فائدة) في شرح الدردير على مختصر سيدي خليل مع المتن: وحرم اصطياد مأكول من طير أو غيره لا بنية الذكاة، بل بلا نية شيء أو نية حبسه بقفص ولو لذكر الله، أو لسماع صوته كدرة وقمري، وكروان، أو بنية الفرجة عليه كغزال أو قرد أو نسناس، أو بنية قتله، والظاهر أنه يمنع شراء درة أو قمري أو كروان أو بلبل معلم ليحبسها لذكر الله أو لسماع صوتها كالاصطياد لذلك، ولا يحرم عتقها، وأما اصطياد المأكول بنية الذكاة أو بنية القنية لغرض جائز شرعًا لتعليمه الذهاب لبلد بكتاب يعلق بجناحه، أو لينبه على ما يقع في البيت من مفسدة أو تعليم البازي أو غيره الاصطياد فجائز، وكره الاصطياد للهو، وجاز لتوسعة على نفسه وعياله غير معتادة كأكل الفواكه، وندب لتوسعة معتادة أو سد خلة غير واجبة، وكف وجه عن سؤال، أو صدقة، ووجب لسد خلة واجبة، فتعتريه الأحكام الخمسة، وأما اصطياد ما لا يؤكل كالخنزير والفواسق الخمس فيجوز بنية قتله لا بنية ذكاته، ولا بنية نحو حبسه، أو الفرجة عليه، فلا يجوز، فعلم أنه لا يجوز اصطياد

стр. 335

القرد والدب لأجل التفريج عليه والتمعش به لإمكان التمعش بغيره، ويحرم التفرج عليه، نعم يجوز صيده للتذكية على القول بجواز أكله. اهـ بتوضيح وزيادة من الدسوقي، قال الدسوقي: والذي ذكره شيخنا العدوي أن القرد على القول بجواز أكله يجوز التمعش به بتلعيبه والفرجة عليه، وإن كان يمكن التمعش بغير ذلك، وهو موافق لما في الحطاب مما يفيد جواز اصطياد الصيد بنية الفرجة عليه، حيث لا تعذيب، وأن بعضهم أخذ الجواز من حديث:» يا أبا عمير ما فعل النغير «، كما في شمائل الترمذي وغيرها. اهـ. [مسألة] في مختصر خليل: وإن اختلف الزوجان في قبض ما حل فقبل البناء قولها، وبعده قوله بيمين فيهما عبد الوهاب إلا أن يكون بكتاب وإسماعيل بأن لا يتأخر عن البناء عرفًا. اهـ وعياض بأن لا يدعي الزوج دفعه بعد البناء، وإلا فقولها واللخمي بأن لا يكون بيدها رهن فيه، وإلا فقولها، قال ابن رحال: ويظهر من كلام من قيد بالكتاب أن المراد به كتاب مخالف لكتاب الصداق، وقد بينا ذلك في الشرح، وقال التسولي: والمراد بالكتاب الصك الذي أشهد فيه بتخلده في ذمته كان صك الصداق أو غيره كما في ابن عرفة، قلت: أفتى عياض حسبما في دعاوى المعيار بأن القول للزوج ولو كان الصداق مشهودًا عليه في كتاب، فإنه لما سئل عمن تزوج بعاجل وآجل وأشهد في رسم الصداق أنه لا براءة له في دعوى الدفع إلا ببينة، ثم دخل وادعى الدفع، فأجاب: القول قوله فيما جرت العادة بدفعه من النقد قبل الدخول. اهـ. فشهادة العادة عارضت البينة هاهنا، وهذا هو القياس في مثل هذا؛ لأن العادة إذا عارضت استصحاب الأصل الذي هو استمرار تعمير الذمة فتقدم لأنها كالشاهد بالقضاء، ولعل ابن عاصم لهذا ترك قيد القاضي عبد الوهاب، وأشار لقيدي القاضي إسماعيل والقاضي عياض بقوله: والقول قول الزوج بعد ما بنى ... ويدعي الدفع لها قبل البنا وهو لها فيما ادعى من بعد أن ... بنى بها والعرف رعيه حسن فتأمله، والله أعلم. اهـ بتصرف. [مسألة] إذا خرب المسجد لا يطلب له تحية كما في الحطاب، ومقتضاه زوال أحكام المسجدية، لا أصل الحبس تأمل. اهـ دسوقي والله أعلم. [مسألة] استظهر العلامة العدوي أنه لو تيمم للضرورة عند احتلامه خوفًا من نسبته للواط أو الزنا، وصلى صحت صلاته، ويكون بمنزلة فاقد الماء. اهـ

стр. 336

نقله الشيخ عبد المجيد على العزية، والله أعلم. [مسألة] الصلاة على الجنازة أربع تكبيرات، ثم يقول بعد الأولى: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيي الموتى، وهو على كل شيء قدير، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم إنه عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، وإن كانت امرأة قال: اللهم إنها أمتك وبنت عبدك، وبنت أمتك، كانت تشهد ... إلخ. وهكذا في بقية التكبيرات، ويكون الحمد إثر كل تكبيرة على المعتمد، وفي الطراز يكون الحمد في الأولى فقط، ويدعو في غيرها، ودعا بعد الرابعة إن أحب وإن أحب لم يدع وسلم، وإن كان طفلا قال: اللهم إنه عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، أنت خلقته، ورزقته، وأنت أمته وأنت تحييه، اللهم اجعله لوالديه سلفا وذخرا وفرطا وأجرا، وثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، ولا تحرمنا وإياهما أجره، ولا تفتنا بعده، اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين، وكفالة أبينا إبراهيم، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وعافه من فتنة القبر، ومن عذاب جهنم، كذا وجدته بخط والدي رحمه الله تعالى مع زيادة من ابن تركي، والله أعلم. [مسألة] في الدسوقي على شرح الدردير على سيدي خليل: لو حلف على زوجته بالطلاق مثلا أن لا تخرج من الدار، فخرجت لسيل، أو هدم، أو لأمر لا قرار لها معه، أو أخرجها صاحب الدار، وهي بكراء قد انقضى أو نودي على فتح قذر، وهي حامل أو مرضع فخرجت لخوفها على ما في بطنها أو رضيعها؛ ففي سماع ابن القاسم عن مالك: لا حنث عليه، واستصوبه البناني لخروجه عن نيته حكما، لو سئل على قاعدة البساط، قال عبد الباقي: ويحتمل الحنث؛ لأنه كالإكراه الشرعي؛ لأن الخروج واجب شرعا في مثل هذا، ورده البناني بأنه غير صحيح، لمخالفته النص. اهـ بلفظه، والله أعلم. [مسألة] لا يلزم من بعد عن مكة مقابلة عين الكعبة في نفس الأمر باتفاق؛ لأن في لزوم بلغ ذلك تكليفا بما لا يطاق، وإنما في المسألة قولان: (الأول) لابن رشد: يجتهد في الجهة، وهو الذي مشى عليه خليل، وهو المشهور.

стр. 337

(الثاني) لابن القصار: يجتهد في استقبال السمت، والمراد أن يقدر المقابلة والمحاذاة، وإن لم يكن في الواقع كذلك، وهو مذهب الشافعي قيل: وينبني على القولين لو اجتهد فأخطأ، فعلى المذهب يعيد في الوقت، وعلى مقابله يعيد أبدا، لكن قال البناني: الحق أن هذا الخلاف لا ثمرة له، كما صرح به المازري، وأنه لو اجتهد وأخطأ، فإنما يعيد في الوقت على القولين، كذا يؤخذ من حاشية الصاوي على أقرب المسالك نقلا عن الدسوقي، وفي حاشية الشيخ علي العدوي على الخرشي عند قوله: والمراد بسمت عينها عند ابن القصار أن يقدر أنها بمرأى لهم لو كانت بحيث ترى، وأن الرائي يتوهم المقابلة والمحاذاة، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ... إلخ، ما نصه حاصل كلامه أنه أي ابن القصار، يقول: كل واحد من الصف الطويل يقدر أنه مسامت ومقابل، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة؛ لأنه يستحيل أن يكون الكل مسامتين أقول قضية ذلك أنه على المشهور، لا يقدر المسامتة بل يقول: يكفي أن القبلة في ذلك الجهة، وإن فرض على تقدير جمع الأرض لا يكون مسامتا، ولذا قال شيخنا عبد الله، وأما على المشهور، فالواجب على المصلي اعتقاد أن القبلة هي الجهة التي هي أمامه، ولو لم يقدر أنها مقابلة بدليل صحة الصف الطويل جدا، فإنه يستحيل أن كل واحد مقابلها إلا أنه يرد على ذلك ما قالوه، من أن الجسم الصغير إذا بعد تحصل له مسامتة الجملة الكثيرة، ولو أزيد من ألف. اهـ. قال الأمير في ضوء شموعه على مجموعه: الحق أن ما قالوه: يتوقف على نوع تقويس كالدائرة حول القطب. اهـ، يعني وإذا كان الحق ما ذكر فلا يرد ما قالوه على كلام الشيخ عبد الله شيخ الشيخ العدوي، الذي هو قضيته كلام الخرشي الصريح في أن الخلاف بين القول بالجهة، والقول بالسمت حقيقي له ثمرة لا لفظي، نعم قال الشيخ الأمير في الحاشية المذكورة عقب ما ذكره فإن أريد إمكان الوصل بينهما، أي بين الجسم الصغير والجملة الكثيرة بخط أي مستقيم، ولو تيامن أو تياسر رجع الخلاف أي بين القولين المذكورين لفظيا كما يظهر ذلك عند من له أدنى إلمام بالهندسة. اهـ، أي وهم لم يصرحوا بهذه الإرادة فيبقى الخلاف على حقيقته، والله أعلم. [مسألة] قال الشيخ الصاوي في باب الهبة عند قول الشيخ الدردير في أقرب المسالك وهبة الدين إبراء إن وهب لمن هو عليه فلا بد من القبول؛ لأن الإبراء

стр. 338

يحتاج للقبول، وإلا يهبه لمن هو عليه بل لغيره، فكرهنه يتعين فيه الإشهاد، ما نصه: يؤخذ من قوله فكرهنه صحة التصرف في الوظائف، وهو أن يتجمد لإنسان مال معلوم من وظيفة أو جامكية، فينزل عنها لغيره، إن كان ذلك النزول من غير مقابلة شيء، بل هبة، أما إن كان في مقابلة شيء يؤخذ، فإن سلم من الربا جاز وإلا منع. اهـ، والله أعلم، هذا من جهة الهبة، وأما من جهة البيع فسيأتي حكمه فترقب. [مسألة] ذكر العلامة العطار على جمع الجوامع عند الكلام على الكبائر: أن كلا من بذل المال، وأخذه على الحكم كبيرة، سواء كان بالباطل أو بالحق، وأن بذل مال للمتكلم في جائز مع السلطان مثلا جعالة جائزة عند الشافعية، وغير جائزة عند المالكية؛ لأنه من الأخذ على الجاه، وأما بذل المال للمتكلم في واجب كالمحبوس ظلما، ففي فتاوى القفال أنه لو كان بيد ظالم فقال: إن خلصتني منه فلك كذا، يحتمل أن يقال: يستحقه كرد الآبق، ويحتمل أن يقال: تخليصه من جملة النهي عن المنكر، وهو فرض من فروض الكفاية؛ فيكون بالتخلص مسقطا للفرض عن نفسه، فلا يستحق جعلا. اهـ. وفي الروضة في القضاء: إنه إن كان الطالب للقضاء ممن يتعين عليه ويستحب له، فله بذل المال، والآخذ ظالم بالأخذ، وهذا كما إذا تعذر الأمر بالمعروف إلا ببذل أعماله، وهو جزم بالاحتمال الثاني، فينبغي أن يكون هو المعتمد، فيحل البذل للجاعل، ويحرم على الآخذ، ومحل ذلك إذا علم المجعول له أن الجاعل مظلوم بالحبس، فإن لم يعلم ذلك لم يجب عليه، فلم يمتنع عليه الأخذ. اهـ، والله أعلم. (فائدة) قد نظمت المسائل الست التي لا تفوت الزوجة على حليلها بدخول غيره عليها بقولي: ولا تفوت بالدخول زوجة ... على حليلها بست تثبت من أخبرت بموت غائب قدم ... بعد دخول الثاني وهو ما علم من طلقت لفقد إنفاق حصل ... بشرطه ثم بها الثاني دخل فأثبت الأول ترك ما يفي ... أو الوكيل أو بأن ذا نفي وزوجة المفقود في مفروضة ... تزوجت والفسخ جا للعدة واستبرأت وثالث بها دخل ... فظهرت صحة مفسوخ حصل ومن تزوجت بدعوى الموت ... لزوجها أو بثبوت موت

стр. 339

بغير عدلين ففسخه حصل ... وظهرت صحته وقد دخل ثالث الأزواج بها من طلقت ... من زوجها لكون اسمها ثبت كإسم من عنى طلاقها وقد ... غابت فزوجت بغير من جحد فقدمت من طلقت وقد دخل ... بتلك ثان ثم من بها حصل ظن بأنها تكون خامسه ... فزوجت ودخلت والخامسه خلافها فظهرت من بعد ذا ... فاحفظ هديت صاحبي لا تنبذا [مسألة] من وطئ أمة بإذن سيدها له في الوطء لا حد عليه، ويؤدب مراعاة لقول عطاء بجواز التحليل، فالمحللة من يقول سيدها لغيره: أذنت لك في وطئها، أو أبحته لك. اهـ، من شرح أقرب المسالك، وفي الصاوي مذهب عطاء: جواز نكاح الأمة التي أحل سيدها وطأها للواطئ، وهو صادق بما إذا كان بعوض وبدونه، وحينئذ فالمستأجرة من سيدها محللة، فلا حد فيها نظرا، لهذا المذهب كذا في البناني. وقال أبو حنيفة: لا حد في وطء المستأجرة للواطئ، وظاهره كان المؤجر وليها أو سيدها أو نفسها؛ لأن عقد الإجارة عنده شبهة تدرأ الحد، وإن حرم عنده الإقدام على ذلك. اهـ. (فائدة) ذكر ابن فرحون في تبصرته عن المازري في المعلم أن الدليل على ما ذهب إليه مالك من جواز زيادة العقوبات على الحد، فعل سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه في ضرب الذي نقش خاتمه مائة، ونقل ابن قيم الجوزية أنها ثلاثمائة في ثلاثة أيام، وذكر القرافي أن صاحب القضية معن بن زياد، زوّر كتابا على عمر، ونقش خاتمه فجلده مائة، فشفع فيه قوم فقال: أذكرتموني الطعن، وكنت ناسيا، فجلده مائة أخرى، ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى، ولم يخالفه أحد فكان إجماعا، قال المازري: وضرب عمر رضي الله تعالى عنه ضبيعا أكثر من الحد. اهـ. قلت: ومن هذا يؤخذ حكم من ضرب سكة السلطان، فيكون تأديبه بمثل ما أدب به سيدنا عمر ﵁ من نقش خاتمه، والله أعلم. (فائدة) جملة نسائه ﷺ اللاتي عقد عليهن خمس وعشرون امرأة، المتفق على دخوله بهن إحدى عشرة امرأة: ست من قريش: (١) خديجة بنت خويلد، (٢) عائشة بنت أبي بكر، (٣) حفصة بنت عمر، (٤) أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب (٥) أم سلمة بنت أبي أميمة (٦) سودة بنت زمعة.

стр. 340

وأربع عربيات: (١) زينب بنت جحش. (٢) ميمونة بنت الحارث الهلالية. (٣) زينب بنت خزيمة الهلالية أمّ المساكين. (٤) جويرية بنت الحارث الخزاعية المصطلقية. وواحدة غير عربية من بني إسرائيل، وهي صفية بنت حيي من بني النضير، مات عنده ﷺ منهن ثنتان: (١) خديجة. (٢) زينب أم المساكين. وتوفي ﷺ عن التسعة الباقية المنظومة في قول بعضهم: توفي رسول الله عن تسع نسوة ... إليهن تعزى المكرمات وتنسب فعائشة ميمونة وصفية ... وحفصة تتلوهن هند وزينب جويرية مع رملة ثم سودة ... ثلاث وست نظمهن مهذب وجملة من ذكر أنه ﷺ تزوج بهن وفارقهن اثنتا عشرة امرأة، مات منهن قبل الدخول باتفاق ثنتان: (١) إشراق بنت خليفة أخت دحية الكلبي. (٢) خولة بنت الهذيل، وعلى خلاف في الطلاق أو الموت مع الاتفاق على عدم الدخول ثنتان: (١) مليكة بنت كعب. (٢) سبأ بنت أسماء. وفارق بعد الدخول باتفاق: (١) فاطمة بنت الضحاك. (٢) عالية بنت ظبيان، وقبله باتفاق: (١) عمرة بنت يزيد. (٢) أسماء بنت النعمان. وعلى الخلاف في الفراق قبل، وبعد: (١) أم شريك القرشية. (٢) المستقبلة التي جهل حالها، وهي ليلى بنت الخطيم. ومات ﷺ عن قتيلة بنت قيس، وهو لم يدخل بها، فالمفارقات باتفاق: سبع، وعلى خلف: ثنتان. والميتات في حياته باتفاق: أربع، ومات ﷺ عن عشر، واحدة منهن لم يدخل بها، وخطب ﷺ ثمان نسوة، ولم يعقد عليهن باتفاق. وسراريه ﷺ التي دخل عليهم بالملك أربعة: (١) مارية القبطية. (٢) ريحانة بنت شمعون من بني قريظة، وقيل من بني النضير. (٣) نفيسة التي وهبتها له زينب بنت جحش. (٤) التي أصابها في بعض السبي، ولم يعرف اسمها. أفاده الجمل على الجلالين عن المواهب والله أعلم. وقد نظمت خلاصته في قولي: جملة من طه عليهن عقد ... عشرون مع ثلاثة حقا تعد دخوله أتى على إحدى عشرا ... بالاتفاق خذ فبنت عمرا

стр. 341

حفصة مع خديجة عائشة ... كذاك أما سلمة حبيبة وسودة وهن من قريش ... ميمونة زينب بنت جحش وزينب أمّ المساكين كذا ... جويرة من عرب قد أخذا بنت حيي من بني النضير لا ... من عرب فاعلم وطه انتقلا عما عدا خديجة وزينبا ... أمّ المساكين فقبل غيبا وفارق النبي اثنتي عشر ... ثنتان من قبل الدخول قد قبر إشراق خولة وهل مليكة ... سباكتين أو طلاق يثبت قبل الدخول لهما وفارقا ... بعد الدخول باتفاق حققا فاطمة عالية وقبله ... ذات غفار باتفاق مثله ومثلها عمرة اسما وعلي ... خلافهم هل الفراق حصلا من قبله أو بعده أم شريك ... ليلى ومات عن قتيلة نبيك قبل دخوله بها فسبع ... قد فارق الهادي وقيل تسع وأربع قد متن في حياته ... والعشر أبقين إلى وفاته لكن على واحدة لم يدخلا ... وهو على التسع يقينا دخلا وخطب الهادي ثماني نسوة ... والعقد باتفاقهم لم يثبت ثم سراريه التي بالملك قد ... بنا بهن أربع حقا تعد مارية ريحانة نفيسة ... ومن له في بعض سبي تثبت [مسألة] في الصاوي على أقرب المسالك لا يجوز التعزير بأخذ المال إجماعا، وما روي عن الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من جواز التعزير للسلطان بأخذ المال، فمعناه كما قال البراذعي من أئمة الحنفية أن يمسك المال عنده مدة؛ لينزجر ثم يعيده إليه؛ لا أنه يأخذه لنفسه، أو لبيت المال كما يتوهم الظلمة، إذ لا يجوز أخذ مال مسلم بغير سبب شرعي، وفي نظم العمليات: ولم تجز عقوبة بالمال ... أو فيه عن قول من الأقوال انتهى، والله أعلم. (فائدة) في حاشية الأمير على عبد السلام المنفي في حديث: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن" ... إلخ، الإيمان الكامل المصاحب للمراقبة؛ إذ لولا حجاب الغفلة ما عصى، أو أنه إن استحله، وما يقال: إن الإيمان يرفع ثم

стр. 342

يرجع له يلزمه عدم إيمانه، إن مات في تلك الحالة، وما في البخاري عن ابن عباس، وشرحه عن أبي هريرة يرفعه؛ يحمل على رفع الإيمان الكامل. اهـ، قلت: وبكل من كون المنفي في الحديث المذكور الإيمان الكامل، أو مطلق الإيمان إن استحله، ويحمل الإيمان المنفي في الحديث المذكور، على ذلك تندفع المعارضة بينه وبين حديث: "لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم أتيتني لا تشرك بي شيئا، غفرتها لك ولا أبالي"، أو كما ورد في حديث بطاقة لا إله إلا الله، حيث ترجح في الميزان بسبعين سجلا خطايا. وحديث أبي ذر المشهور ونحوها، ومما يشهد لكون المنفي الإيمان الكامل ما حكى لي أن امرأة جميلة ذات عفة وديانة، جاعت فطلبت من جارها ما تتقوت به، فأبى أن يعطيها شيئا إلا أن تمكنه من نفسها، فامتنعت من ذلك، وصبرت على الجوع ثلاثة أيام حتى اشتد بها، فأتت لجارها وقالت: قوتني وافعل ما تريد، فلما تمكن منها رأى أن جاره ربما اطلع عليه إذا لم يغلق الطاقة، فهم لغلقها فقالت له المرأة: ما تريد؟ فأخبرها بذلك فقالت له: يا مجنون تخشى الجار، ولا تخشى الجبار الذي لا تخفى عليه خافية، تأثر كلامها في قلبه، وامتنع من الزنا وأعطاها مطلوبها، والله أعلم. (فائدة) قال الشيخ القسطلاني على البخاري حديث أنس المروي في الصحيحين وغيرهما، أنه ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض أبطيه مؤول على أنه لا يرفعهما رفعا بليغا، ولذا قال في المستثنى حتى يرى بياض إبطيه، نعم ورد رفع يديه ﵊ في مواضع كرفع يديه حتى رئي عفرة إبطيه حين استعمل ابن اللتبية على الصدقة كما في الصحيحين، ورفعهما أيضا في قصة خالد بن الوليد، قائلا: "إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، رواه البخاري والنسائي ورفعهما على الصفار، رواه مسلم وأبو داود، ورفعهما ثلاثا بالبقيع مستغفرا لأهله رواه البخاري في رفع اليدين، ومسلم، وحين تلا قوله تعالى:﴾ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرا مِنَ النَّاسِ ﴿الآية، قائلا: "اللهم أمتي أمتي" رواه مسلم، ولما بعث جيشا فيهم علي قائلا: "اللهم لا تمتني حتى تريني عليا" رواه الترمذي، ولما جمع أهل بيته وألقى عليهم الكساء قائلا: "اللهم هؤلاء أهل بيتي" رواه الحاكم. انتهى نقله الوالد رحمه الله تعالى رحمة الأبرار. [مسألة] في شرح الدردير على أقرب المسالك، والصاوي عليه القول الذي رجع إليه مالك: هو أن

стр. 343

رب الدين ليس له مطالبة الضامن بالدين إن تيسر الأخذ لرب الدين من مال المدين، بأن كان موسرا غير ملد ولا ظالم، والقول المرجوع عنه هو أن رب الدين مخير في طلب أيهما شاء من المدين، أو الضامن، قال البناني: والقول المرجوع عنه هو الذي جرى العمل بفاس، وهو الأنسب بكون الضمان شغل ذمة أخرى بالحق. اهـ، والله أعلم. [مسألة] اعلم رحمك الله تعالى أن المأخوذ من المدونة هو أن الفلوس ونحوها مما جعل سكة وعينا، وجرى به التعامل بين الناس لا يعطى حكم الدنانير، والدراهم إلا في بابي الصرف والربا بنوعيه، نظرا لكونه صارفا بالسكة من نوع الدنانير والدراهم، وأما في غير هذين البابين كالزكاة فإنما يعطى ما ذكر حكم العروض في جريان زكاته على حسب الإدارة والاحتكار مما هو موضح في كتب الفقه، ففي كتاب الزكاة من المدونة ما نصه قلت: أرأيت لو كانت عند رجل فلوس في قيمتها مائتا درهم، فحال عليها الحول ما قول مالك في ذلك؟ قال: لا زكاة عليه فيها، وهذا مما لا اختلاف فيه، إلا أن يكون ممن يدير فتحمل محمل العروض، قال: وسألت مالكا عن الفلوس تباع بالدنانير أو بالدراهم نظرة، أو تباع الفلس بالفلسين؟ فقال مالك: إني أكره ذلك، وما أراه مثل الذهب والورق في الكراهية. انتهى. وفي كتاب الصرف منها قلت: أرأيت لو اشتريت فلوسا بدراهم، وافترقنا قبل أن نتقابض قال: لا يصلح هذا في قول مالك، وهذا فاسد، قال لي مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة، وعين لكراهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة، قلت: أرأيت إن اشتريت خاتم فضة أو خاتم ذهب، أو تبر ذهب بفلوس، فافترقنا قبل أن نتقابض، أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا يجوز، هذا في قول مالك؛ لأن مالكا قال: لا يجوز فلس بفلسين، ولا تجوز الفلوس بالذهب والفضة، ولا بالدنانير نظرة، ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنه قال: الفلوس بالفلوس بينهما فضل، فهو لا يصلح في عاجل بآجل، ولا يصلح إلا عاجل بعاجل، ولا يصلح بعض ذلك ببعض إلا هاء وهات، قال الليث بن سعد عن يحيي بن سعيد وربيعة: إنهما كرها الفلوس بالفلوس، وبينهما فضل أو نظرة، وقالا: إنها صارت سكة مثل سكة الدنانير والدراهم، الليث عن يزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر قالا: وشيوخنا كلهم أنهم كانوا يكرهون صرف الفلوس بالدنانير والدراهم إلا يدا بيد، وقال يحيي بن أيوب قال:

стр. 344

يحيى بن سعيد إذا صرفت درهما فلوسا، فلا تفارقه حتى تأخذه كله، والله أعلم. اهـ. بحروفه، ومثل هذا في كتاب السلم الأول منها، فعلم أن الورق الذي جرى به التعامل اليوم، المسمى بالنوط إنما يعطى حكم الدراهم والدنانير في باب الصرف والربا بنوعيه، وأما في الزكاة فلا يعطى حكمهما، بل إنما يعطى حكم العروض؛ فيجري فيه حكم الزكاة على حسب الاحتكار والإدارة الموضح في كتب الفقه، ولا يكون حكمه حكم السند على مليء لوجود الفرق بينهما، نعم إن كان منمرا بحيث تضمنه الحكومة؛ إذا ضاع فإنه يكون حكمه حكم السند على مليء، وكذا الورق المسمى بالشيك يكون حكمه حكم السند على مليء لعدم الفارق بينهما من حيث إن كلا لا يصرف إلا بمحل مخصوص ومضمون لو ضاع، فتجب فيه الزكاة في كل سنة، والله أعلم. [مسألة] ذكر العلامة الدردير في شرحه على أقرب المسالك أن القول الذي رجع إليه مالك، وهو المشهور هو: أن لمن استحق بالملك أم ولد ممن أولدها بشبهة، كأن اشتراها من غاصب بلا علم قيمتها وقيمة ولدها يوم الحكم بالاستحقاق لا يوم الوطء ولا يوم الشراء، والولد حر نسيب باتفاق إذا كان واطئها حرا، والقول الذي رجع عنه: هو أن لربها أخذها إن شاء مع قيمة الولد يوم الحكم، ثم رجع عنه أيضا إلى أنه يلزم قيمتها فقط يوم الوطء، وبه حكم عليه لما استحقت أم ولده إبراهيم، وقيل: أم ولده محمد كما في عبارة ابن رشد، وفي كلام الفاكهاني ما يقتضي أنه هو الذي أفتى بذلك لنفسه. اهـ؛ منه في فصل الاستحقاق بزيادة من الصاوي عليه. [مسألة] في أقرب المسالك قول مالك في المدونة، وهو الذي رجع إليه: هو أن الشاهد على خط نفسه بقضية لا يشهد حتى يتذكرها بتمامها، فإن لم يتذكرها أو تذكر بعضها أدى الشهادة على أن هذا خطي، ولكني لم أذكر القضية بلا نفع للطالب، وفائدة الأداء احتمال أن الحاكم يرى نفعها، قال ابن رشد: وكان مالك يقول أولا: إن عرف خطه، ولم يذكر الشهادة ولا شيئا منها، وليس في الكتاب محو ولا ريبة، فليشهد؛ وبه أخذ عامة أصحابه مطرف، وعبد الملك، والمغيرة، وابن أبي حازم، وابن دينار، وابن وهب، وسحنون، وابن حبيب، قال في التوضيح: صوب جماعة أن يشهد إن لم يكن محو ولا ريبة؛ فإنه لا بد للناس من ذلك، ولكثرة نسيان الشاهد المنتصب، ولأنه لو لم يكن يشهد حتى يذكرها لم يكن لوضع خطه فائدة، قال الصاوي: ولذلك نقل عن شيخ

стр. 345

مشايخنا العدوي أنه كان يقول: متى وجدت خطي شهدت عليه؛ لأني لا أكتب إلا على يقين من نفسي. اهـ بزيادة من الصاوي وتصرف. [مسألة] القول الذي رجع إليه ابن القاسم هو: أنه ينقض الحكم إن ثبت كذب الشهود بعد الحكم وقبل الاستيفاء في القتل والقطع والحد؛ لحياة من شهدوا بقتله أوجب من شهدوا بزناه قبل الزنا الذي شهدوا به؛ لحرمة الدم، وحينئذ فلا غرم على الشهود، وعلى هذا القول عامة أصحاب مالك، وقيل: لا ينقض الحكم، وهو الذي رجع إليه ابن القاسم، ومشى عليه خليل. اهـ، من أقرب المسالك، والصاوي عليه، والله أعلم. [مسألة] في الصاوي على أقرب المسالك: القول الذي رجع إليه الإمام مالك هو أن إرث الواجبات من عشر، أو غرة، أو دية، ولو تعددت بتعدد الجنين بالفرض والتعصيب، فللأب الثلثان، وللأم الثلث ما لم يكن له إخوة، وإلا كان للأم السدس، وهذا هو الراجح، والقول الذي رجع عنه الإمام هو أن إرث الواجبات المذكورة للأب والأم على الثلثين، والثلث، ولو كان له إخوة، وبه قال ابن هرمز، وقال ربيعة: إرث الواجبات المذكورة للأم خاصة؛ لأن تلك الواجبات كالعوض عن جزء منها. اهـ، بتصرف، والله أعلم. [مسألة] لا يؤثر الدبغ في جلد الميتة طهارة في ظاهره ولا باطنه على المشهور، وخبر: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" رخوه محمول عندنا في مشهور المذهب على الطهارة اللغوية وهي النظافة، ولذا رخص في جلد الميتة مطلقا سواء كان من جلد مباح الأكل أو محرمه، إلا من خنزير وآدمي بعد دبغه بما يزيل الريح والرطوبة ويحفظه من الاستحالة أي من التلف والتقطيع كما تحفظه الحياة في يابس كالحبوب، وفي الماء، ولا يشترط في الدباغ إزالة الشعر عندنا، وإنما يلزم إزالته عند الشافعية القائلين: إن الشعر نجس، وإن طهارة الجلد بالدبغ لا تتعدى إلى طهارة الشعر؛ لأنه تحله الحياة فلا بد من زواله، وأما عندنا فالشعر طاهر؛ لأن الحياة لا تحله فالفرو إن كان مذكى مجوسي أو مصيد كافر قلد في لبسه في السلاة أبا حنيفة؛ لأن جلد الميتة عنده يطهر بالدباغ، والشعر عنده طاهر، ولا يقلد فيه الشافعي؛ لأنه وإن قال بطهارة الجلد يقول: بنجاسة الشعر ولا مالكا؛ لأنه وإن قال بطهارة الشعر، يقول بنجاسة الجلد. اهـ، أي يلفق ويقلد المذهبين كذا في الدردير على خليل، والدسوقي عليه. [مسألة] في أقرب المسالك ما حاصله أنه لا يجوز الانتفاع بنجس الذات بحال إلا في مسائل مخصوصة

стр. 346

وردت مورد الرخص، فلا تتعدى أحدها جلد الميتة المدبوغ يستعمل في الماء المطلق، وفي غير المائعات كالحبوب والدقيق، والخبز الغير المبلول، وثانيها: أكل لحم الميتة لمضطر وللكلاب، وثالثها: إيقاد النجاسة كعظم الميتة على طوب أو حجارة، ورابعها: وضع النجاسة في الزرع لنفعه، وخامسها: شرب الخمر لإساغة غصة أو لدفع الهلاك بعدم الرطوبة لا للعطش نفسه؛ لأنه يزيده فلا يجوز الدواء به ولو تعين، وفي غيره من النجاسات خلاف إن تعين، وأما المتنجس، وهو ما كان طاهرا في الأصل وطرأت عليه نجاسة؛ فيجوز الانتفاع به في غير آدمي، ومسجد بأن يسقى به الدواب والزرع، ويدهن به نحو العجلة، ويعمل من الزيت المتنجس صابون وغير ذلك، ويحرم على الآدمي، ولو غير مكلف أكله وشربه، وأما تلطخه به فمكروه على الراجح، وتجب إزالته للصلاة والطواف ودخول المسجد، وكذا يحرم الانتفاع بالمتنجس في مسجد، فلا يستصبح به بالزيت المتنجس، نعم إذا كان المصباح خارجه والضوء فيه جاز. اهـ، والله أعلم. [مسألة] في أقرب المسالك مع الشرح في باب الخيار، وجاز لمن ملك شيئا بشراء أو غيره البيع له قبل القبض له من مالكه الأول؛ إلا طعام المعاوضة، وهو ما استحق في نظير عوض، فلا يجوز بيعه قبل قبضه، سواء كان الطعام ربويا أو غير ربوي، ولو كان العوض غير متمول كرزق قاض وجندي، فإنه من بيت المال في نظير حكمه، وحراسته، وغزوه، وكذا رزق عالم، أو إمام، أو مؤذن، أو نحوهم في وقف أو بيت مال في نظير التدريس أو الإمامة، أو الأذان لا يجوز بيعه قبل قبضه من ناظر ونحوه؛ لأنه في نظير عمله وهو عوض بخلاف ما لو رتب شيء لإنسان من بيت المال أو غيره كوقف على وجه الصدقة، فيجوز بيعه قبل قبضه لعدم المعاوضة. اهـ. وفي الصاوي عليه عن عبد الباقي: ويلحق برزق القاضي طعام جعل صداقا وخلعا، فلا يجوز بيعه قبل قبضه لا مأخوذ عن مستهلك عمدا أو خطأ، فيجوز بيعه قبل قبضه. اهـ، وكذا المثلي المبيع فاسدا إذا فات، ووجب مثله كما قال البناني بجامع أن المعاوضة ليست اختيارية بل جر إليها الحال في كل خلافا لعبد الباقي حيث جعله كرزق القاضي. اهـ، والله أعلم. (فائدة) في القسطلاني عن البخاري، والأوجه حمل النهي عن مرتبة الميت، وهي عد محاسنه على ما يظهر فيه تبرم، أي تضجر، أو على فعله مع الاجتماع، أو على الإكثار منه، أو على ما يجدد

стр. 347

الحزن دون ما عدا ذلك، فما زال كثير من الصحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه، وقد قالت فاطمة بنت سيدنا رسول الله ﷺ فيه: ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لو أنها ... صبت على الأيام صرن لياليا اهـ. نقله والدي في تقريراته على البخاري رحمه الله تعالى، والله أعلم. (فائدة) لما كان الوجوب عبارة عن الإذن في الفعل مقيدا بمنع الترك، ويلزم قيده وصف الإذن في الفعل بالطلب الجازم؛ كان نسخه نفيا لمقيد بقيد، فإما أن يصدق بنفي المقيد وقيده معا، فيجعله كأن لم يكن، ويرجع الأمر إلى ما كان قبله من تحريم أو إباحة؛ لكون الفعل مضرة أو منفعة، وهو قول الغزالي، وإما أن يصدق بنفي قيده وهو الأصح، وعليه فإما إن يصدق بنفي قيده الذاتي وهو منع؛ فيبقى الإذن في الفعل بما يقومه وهو الإذن في الترك الذي خلف المنع من الترك، فيحتمل الإباحة أو الندب أو الكراهة، أو خلاف الأولى، وإما أن يصدق بنفي لازمه، وهو الطلب؛ فيثبت التخيير، وإما أن يصدق بنفي قيد لازمه وهو الجازم، فيثبت الطلب غير الجازم، وهو الاستحباب أقوال ثلاثة، كذا يؤخذ من جمع الجوامع، وشرح المحلى عليه. [مسألة] إذا أعتق رجل جارية وزوجها من رجل آخر بعقد صحيح، ومهر معلوم، ثم بعد دخول الزوج بها وإقامته معها نحو سنة ونصف، وولادتها منه، ادعى الزوج أن الجارية ملك لزوجته، وأنه أعتق فزوج ما لا يملك، وأقرته زوجته على دعواه، وهي تعلم بزواجها وحملها ووضعها ومشاهدة له، ولم تنكره، فإنه لا يكون لها ما ادعته بمقتضى إقرارها لزوجها المزوج على ما ادعاه، إلا إذا اشتهر من قبل دعواها عند من له مداخلة معها أن الجارية ملكها، أو أثبتت ذلك ببينة، وحينئذ فيكون وقوع العقد وما معه بمشاهدتها وعلمها، وبذلك إذن في تزويجها، ويكون زوج المالكة للجارية غارا لزوجها بدعواه حريتها؛ فتكون أولاده منها أحرارا، والأرجح عدم فسخ النكاح؛ لأن الدوام ليس كالابتداء في اشتراط خوف العنت، وعدم الطول فعلى الزوج صداق المثل إذا لم يفارق، وإلا فالأقل منه، ومن المسمى وعليه قيمة ولدها منه يوم الحكم لا يوم الولادة، أمسك أو فارق يدفعها لسيدتها كما في شرح خليل. (فائدة) قال ابن سند نظم ابن رشد

стр. 348

المسائل التي تقبل فيها شهادة السماع، لكني لم أجد ما هو صحيح اللفظ والمعنى من أبياته إلا بيتين، فذيلتهما متمما للمسائل المذكورة معتمدا في ذلك على صاحب المختصر، فبيتا ابن رشد: أيا سائلي عما ينفذ حكمه ... ويثبت سمعا دون علم بأصله ففي العزل والتجريح والكفر بعده ... وفي سفه أو ضد ذلك كله وتذييل ابن سند: وفي هبة وقف إباق وصية ... وفي عدق ضمار بأهله وأسر ولوث ثم ملك لحائز ... تصرف أزمانا طوالا بكله وموت ببعد إن يطل زمن له ... حرابة وإيلاد فاظفر بفصله (فائدة) نظم بعض المالكية ما تكون فيه الغلة للمشتري فقال: وللمشتري الغلات إن رد ما اشترى ... بعيب أو البطلان في بيعه ظهر كذا عند تفليس وأخذ بشفعة ... ورد للاستحقاق قد تمت الصور (فائدة) نظم بعض المالكية ما يمتنع فيه شرط النقد، فقال: بيع الخيار وغائب مع عهدة ... أمة مواضعة وجعل يتبع والأرض إن بيعت بزرع ثم من ... يؤجر به إحراز ما هو يزرع بالجزء منه كذاك أرض ريها ... في غير أمن ضف لها ما يسمع من ناطق أو غيره إن عينا ... بإجارة من بعد شهر يشرع في أخذ منفعة فشرط أن يكن ... في النقد من بيع فكل يمنع وكذاك أرض والجنان وحائط ... بيعت لعد النخل حفظا ينفع وزاد بعضهم فقال: سلم الخيار وبيع شيء غائب ... أمة التواضع ثم مضمون الكرى صف عهدة وامنع لنقد مطلقا ... بالشرط أولا فاعرفنه بلا مرى (فائدة) نظم المالكية الجوائح، فقال: إن الجوائح في الأشجار عدتها ... ثلاث عشرة فاحفظها فدونكها النار والريح ثم الثلج مع غرق ... والبرد والطير تعيب يضربها والدود والقحط ثم الفض يتبعها ... مع الجراد قد ألم بها

стр. 349

فاحفظ فداؤك نفسي اليوم عدتها ... وللص فاختم به إتمام عدتها [مسألة] في كون المطلوب من الإمام، والفذ تسليمة واحدة، أو تسليمتين قولان: مشهورهما الأول؛ وسبب الخلاف هل كان ﷺ يقتصر على الواحدة أم لا؟ والذي رأى مالك: العمل عليه الاقتصار على الواحدة، وعند الحنابلة لا بد في صحة الفرض من تسليمتين، فمن الورع مراعاة مذهبهم. اهـ، من النفراوي على الرسالة والأمير. [مسألة] زيادة ورحمة الله في السلام خلاف الأولى إلا لقصد الخروج من خلاف الحنابلة؛ فإنه لا بد في صحة الفرض عندهم من تسليمتين على اليمين، وعلى اليسار، يقول في كل منهما: السلام عليكم ورحمة الله، ولا يشترط ذلك في النفل. اهـ، مجموع وحاشيته. (فائدة) سنن الصلاة المؤكدة التي توجب سجود السهو ثمانية: قراءة ما سوى أم القرآن، والجهر، والإسرار، والتكبير سوى تكبيرة الإحرام، والتحميد، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الأخير، وأما سواها فلا حكم لتركها، ولا فرق بينها وبين الاستحباب إلا في تأكيد فضلها، وإلى هذه الثمان الإشارة، بقول بعضهم تقريبا للحفظ: سينان شينان كذا جيمان ... تاآن عد السنن الثمان فالسينان السورة والسر، والشينان التشهدان، والجيمان الجهر والجلوس للتشهد، والتاآن التحميد والتكبير. اهـ حجازي. (فائدة) السهو في النافلة كالسهو في الفريضة إلا في خمس السر والجهر، والسورة فلا سجود عليه، وكذا فيمن قام للثالثة ففي الفرض لا يرجع، وفي النافلة يرجع ما لم يعقد الركعة الثالثة، وإذا رجع في الفرض أو النفل سجد بعد السلام لزيادة القيام نص عليه في المدونة، فالمخالفة للفرض هنا إنما هي باعتبار الأمر بالرجوع فقط، وكذا من ترك ركنا، وطال فيعيد الفريضة لبطلانها دون النافلة، إذ لا يجب عليه إعادتها ألا يتعمد بطلانها، وهذا معنى قولهم السهو في النافلة كالسهو في الفريضة إلا في خمس مسائل، ولبعضهم في ذلك: وسهو بنفل مثل سهو بفرضة ... سوى خمسة سر وجهر وسورة وعقد ركوع جاء بثالثة ومن ... عن الركن قد يسهو وطال تثبتي اهـ حجازي. [مسألة] في الصاوي على أقرب المسالك في باب العتق: لو مثل بزوجته كان لها الرفع للحاكم؛ فتثبت ذلك وتطلق عليه؛ لأن لها التطليق بالضرر، ولو لم تشهد

стр. 350

البينة بتكراره. اهـ، وقد مثل في أقرب المسالك للمثلة بقوله: كقطع ظفر أو قلع سن، أو بردها بالمبرد حتى أذهب منفعتها، أو قطع بعض أذن أو شرطها، أو قطع بعض جسد من أي موضع أو خرم أنف إلا لزينة، أو وسم بنار بأي عضو، أو بوجه ولو بغير النار، كوسم بإبرة بمداد أو غيره. اهـ بتوضيح من الشرح، والله أعلم. (فائدة) دلالة العام كعبيدي على بعض أفراده، أعني ثلاثة غير معينين مطابقة، وعلى واحد غير معين تضمن، ولا دلالة له على ثلاثة معينين، أو واحد معين لا بالمطابقة، ولا بالتضمن ولا بالالتزام ضرورة أن التعيين خارج عن موضوعه، فلا وجه لإيراده نقضا لحصر الدلالة اللفظية الوضعية في الأقسام الثلاثة، وذلك أن للفرد ماهيتين باعتبارين أحدهما ماهية شخصية باعتبار كونه كلا للعام، فلا يصح صدق العام عليه بهذا الاعتبار ضرورة أن الجزء لا يحمل على الكل، وثانيتهما ماهية كلية باعتبار كونه فردا، وكون العالم تمام ماهيته المتفقة فيه، ومع بقية الأفراد حيث كان نوعا له؛ فيصح صدق العام عليه بهذا الاعتبار ضرورة أن العام تمام ماهيته، حينئذ فافهم، والله أعلم. (فائدة) في فتاوى الشيخ إلياس المدني ما نصه وضع الإبهامين على العينين عند قوله: أشهد أن محمدا رسول الله سنة، قال في المضمرات، وفي المسعودي وصفته أن تضم ظفريك على عينيك، ولا تمدهما كذا نقله فصيح الدين شارح الهداية، وقد ورد في الحديث أنه ﷺ قال: "من قبل ظفري إبهاميه عند سماع: أشهد أن محمدا رسول الله، أنا ناقذه ومدخله في صفوف القيامة"، وقال ﷺ : "من سمع اسمي في الأذان فقبل ظفري إبهاميه لم يعم أبدا"، وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ استمع الأذان، فلما بلغ المؤذن كلمة الشهادة بإرسال رسول الله ﷺ قبل ظفري إبهاميه، ومسح بهما عينيه فقال ﷺ : "لأي شيء صنعت هذا؟ " قال: شرفا لاسمك وتيمنا به يا رسول الله، فقال ﷺ : "ما أحسن هذا، فمن عمل به فقد أمن من الرمد" كذا في مفتاح السعادة، والمحفوظ أن يقول عند التقبيل: اللهم احفظ عيني ونورها، كذا ذكره شيخ زاده في شرحه على الوقاية في باب الأذان. انتهى. (فائدة) في الأمير على عبد السلام ما نصه: ولعظيم ذنب الشرك لم يجز غفرانه، قال الله تعالى:﴾ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴿، قال أستاذنا وولي نعمتنا سيدي علي وفا رضي الله تعالى عنه وعنا به، ومن هنا لم يغتفر

стр. 351

الأشياخ لتلامذتهم ربط قلبهم بغيرهم لسد باب النفع بهم، واغتفروا ما دون ذلك، وسعوا في إصلاحه فقد ورد تخلقوا بأخلاق الله، وهو معنى الخلافة، وفي اليواقيت ما نصه: وقال أي ابن عربي في الباب الأحد والثمانين ومائة: إنما كان المريد لا يفلح قط بين شيخين قياسا على عدم وجود العالم بين إلهين، وعلى عدم وجود المكلف بين رسولين، وعلى عدم وجود امرأة بين زوجين. اهـ. وقد تروحت بما أفاده سيدنا الوفائي تغزلا، فقلت: أيها السيد المدلل ضاعت ... في الهوى ضيعتي وأنسيت نسكي يا لك الله لا تمل لسوائي ... وتحكم ولو بما فيه فتكي وانظر الحق في علو غناه ... كل شيء يمحوه غير الشرك والمدلل من يفعل كما يجب والضيعة الحرفة. اهـ بحروفه، ومن هنا مع ما نقله الشيخ الشرقاوي في شرح الحكم عند القشيري، من أن الشيوخ بمنزلة السفراء للمريدين. اهـ، يعلم مأخذ الرابط المعمول بها عند المشائخ النقشبندية، وهي على قسمين، قسم يتصور المريد نفسه بحضرة شيخه استعانة بذلك على ملكة الحضور، وقسم يفرض المريد نفسه شيخه؛ ليحصل له التشبيه بالشيخ في الحضور، في حال الذكر، وأما مأخذ الأربعينية التي هي اعتزال المريد في خلوة يذكر الله تعالى مواظبا على الأوراد التي يعطيه إياها شيخه، صائما مقلا من الأكل مقتصرا على الخشن منه، ولا يتعاطى فيه ما يخل برقة القلب من الأطعمة كاللحم وما أشبهه، وملازما للصمت عن الكلام لاكتساب ملكة الحضور، وتقليل العلائق فيعلم مما في شرح والدي على الحكم عند قوله: ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة ونصه، يريد أن هذا الدواء لا يساويه غيره من الأدوية في تحصيل برء القلب من أمراضه، وهو كذلك؛ لأن العزلة عن الناس المصحوبة بالفكرة، فيما يترتب على المعاصي من العذاب والوعيد وعلى الطاعة من الثواب، أو في تذكر عهد الله على عبيده، أو جلاله وعظمته، أو بديع صنعه بطاعته تطهر القلب وتنوره؛ لأن من تعلق قلبه بحضرة الحق لا تقنعه صور المحسوسات، ولا يملأ عين قلبه أشباح المخلوقات، وهذه الطريقة هي التي شرعها ﷺ ، فإنه كان يعتزل الخلق ويختلي في غار حراء، حتى نزل عليه الملك. اهـ بتصرف وحذف، ومنه أيضا

стр. 352

يعلم مأخذ المراقبة التي يفعلونها، وهي عبارة عن انتظار الفيض من الله تعالى، ليفيض على القلب المعارف الإلهية المتعلقة بالصفات، وحقائق بعض العبادات؛ ليعرف مقدارها فتحبها النفس وتقبل عليها بالتعشق لها، والمحبة فتنبه، والله أعلم. [مسألة] في شرح المحلى على جمع الجوامع الأصولي: أن الحنفي أبقى للربا في قوله تعالى:﴾ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴿على معناه اللغوي مع إضمار مضاف أي أخذه، وهو الزيادة في بيع درهم بدرهمين مثلا، فإذا أسقطت صح البيع، وارتفع الإثم، وقال غير الحنفي وهو الشافعي ومالك: نقل الربا شرعا على العقد، فهو فاسد، وإن أسقطت الزيادة في الصورة المذكورة مثلا، والإثم فيها باق. اهـ، والله أعلم. [مسألة] اليتيمة متى خيف عليها الفساد في مالها أو في حالها زوجت، ولو لم تبلغ عشرا، ولا رضيت بالنكاح، فيجبرها وليها غير الوصي، والسيد كعمها على التزويج، ووجب مشاورة القاضي إن كان غير ظالم، وإلا كفى جماعة المسلمين؛ ليثبت عنده الخوف عليها، وأنها خلية من زوج، وعدة، وغيرهما من الموانع الشرعية، وأن الزوج كفؤها في الدين والحرية والحال، والمهر إن مهر مثلها، فإن زوجها وليها المذكور من غير مشاورة صح النكاح إن دخل بها، وإن لم يطل، وأما إن لم يخف عليها الفساد وزوجها وليها المذكور صح إن دخل وطال بالسنين كالثلاثة بعد دخولها وبلوغها، كما يصح نكاحها بالولاية العامة مع وجود نحو العم مطلقا، خيف عليها الفساد أم لا، حيث كانت ذا نسب وجمال أو ذات مال وحسب، أو ذات صفة من الصفات الأربع على ما لبعضهم إن دخل وطال بما ذكر، فإن دخل ولم يطل أو لم يدخل طال أم لا، فلعمها أو للحاكم إن غاب عمها غيبة بعيدة على ثلاثة أيام فأكثر، الرد للنكاح وله الإمضاء، وأما إذا كانت دنيئة خالية من الصفات الأربع المذكورة فيصح نكاحها بالولاية العامة مع وجود نحو عمها، حيث خيف عليها الفساد، ولا يفسخ بحال طال زمن العقد أو لا، دخل بها الزوج أو لم يدخل، ويفسخ إن زوجت مع عدم خوف الفساد عليها بالولاية العامة مع وجود من ذكر إن لم يدخل، وبطل بما ذكر كما للمتيطي، وقال غيره: يفسخ مطلقا كذا يؤخذ من الدردير في أقرب المسالك والصاوي عليه. [مسألة] أخذ العلامة الأمير في حاشيته على عبد السلام على جوهرة التوحيد: تحريم ما يحصل من بعض المخرفين

стр. 353

من تغزلهم في المقام المحمدي بما يقال في المعشوق، مما يأنف أحدنا أن يخاطب به، مما فرق به أهل المذهب بين مقام الألوهية، ومقام الرسالة لما رأوا التشديد في المذهب بالنسبة لمقام الرسالة دون التشديد بالنسبة لمقام الألوهية واقعا في مسائل؛ منها: الاتفاق على أن أسماءه ﷺ توقيفية، مع الخلاف في أسمائه تعالى، والراجح أنها توقيفية، ومنها قول أهل المذهب بقتل ساب النبي ولو تاب بخلاف ساب الإله، ومنها ما قيل من تمثل الشيطان في المنام بالإله دون النبي، ومنها قول أهل المذهب يحرم نداؤه ﷺ بمجرد اسمه بخلاف الإله، بنحو قول النفراوي أن النبي ﷺ بشر، فربما تسوهل فيه فسدت الذريعة بالتشديد بالنسبة لمقامه، وأما مقام الألوهية فأجل محترم، وخلاصته حماية مقام النبوة، ومزيد تبجيله قال: ولو كان التغزل المذكور جائزا، ما فات حسان فمن دونه، قال: وما وقع لعارف من نحو هذا إما بتأويل يجده أو بجذب أخرجه عن الفتيا، فليس لمن لم يساوه أن يقتدي به ما دام مميزا بين ما ينافي الجلال وغيره كقول سيدي علي وفا رضي الله تعالى عنه: جنات عدن في جنى وجناته ... ودليله أن المراشف كوثر وليس لأحد أن يقول: ما رأينا أحدا نص على حرمة هذا بخصوصه؛ فإن هذه البدع لم تشع في زمن الأئمة، فلتوزن بالميزان السابق قال، وقد قالوا: إنما لم يفتن به ﷺ مع أنه أعطى كل الحسن، وفتن بيوسف مع إعطائه شطره؛ لأن جماله ﷺ صين بالجلال، كما قال السلطان ابن الفارض: بجمال سترته بجلال ... هام واستعذب العذاب هناك ومن كلام سيدي علي وفا ﵁ في القصيدة التي منها البيت السابق: سبحان من أنشاه من سبحاته ... بشرا بأسرار الغيوب يبشر قاسوه جهلا بالغزال تغزلا ... هيهات يشبهه الغزال الأحور هذا وحقك ما له من مشبه ... وأرى المشبه بالغزالة يكفر يأتي عظيم الجهل في تشبيهه ... لولا لرب جماله يستغفر إلى أن قال: فعلا جمالك بالكمال جلالة ... فيها لأهل الكشف سر مضمر

стр. 354

اهـ بتصرف وتقديم وتأخيره. (فائدة) القاعدة عند المالكية أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ فيدل قوله:﴾ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴿لجواز إطلاق الرب مضافا للعاقل على غير الله، ما لم يرد ناسخ صحيح، والقاعدة عند الشافعية: أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، فلا يدل قوله تعالى:﴾ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴿على جواز ما ذكر، بل ينهى عنه، ومفاد قوله تعالى:﴾ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ﴿يشعر بما للمالكية فتنبه. اهـ من الأمير على عبد السلام بتصرف. [مسألة] العقد على البنات يحرم الأمهات، سواء كن أمهات حال العقد، أو بعده كان العقد صحيحا أو فاسدا مختلفا فيه فتحرم الزوجة على زوجها، إن أرضعت رضيعة عقد عليها زوجها، كما أن التلذذ بالأمهات بنكاح أو ملك أو شبهة يحرم البنات؛ سواء كن بنات حال التلذذ بالأمهات أم بعده كما نص عليه الشيخ علي العدوي في حاشية الخرشي، والشيخ علي الأجهوري في فتاويه أول مسائل الرضاع، والله أعلم، بل صرح به خليل وشراحه في باب الرضاع فتنبه. (فائدة) قال الشيخ محمد الإنباني يظهر الفرق بين الحرام العارض، والحرام الذاتي بالدوران مع العلة وجودا وعدما وعدمه، فالزنا حرام ذاتي لعدم دوران حرمته مع علتها التي هي اختلاط الأنساب وجودا وعدما، ألا ترى أن وطء الرجل صغيرة لا تحل له حرام مع انتفاء العلة، والوضوء بماء مغصوب حرام عارض لدوران حرمته مع علتها التي هي الاستيلاء على حق الغير عدوانا وجودا وعدما، كما لا يخفى وبهذا يفرق بين المكروه العرضي، والمكروه الذاتي. اهـ ملخصا من تقريراته على حاشية الباجوي على السنوسية. [سؤال] ما القول فيمن أمه في نسبة ... تبدي لها سامي السيادة في الحسب فبذاك هل تثبت سيادته إذا ... وينال من شرف السلالة والنسب وكذاك أولاد له هل يدخلو ... ن بضمن سلسلة المعالي والرتب بدليل قول المصطفى وشفيعنا ... (إن ابن بنت القوم منهم) ينتسب أفتوننا يا سيدي لا زلتمو ... تتكرموا منا على من قد طلب (الجواب): الحمد لله وحمدي فضله ... فله الثناء عليه ما صح النسب

стр. 355

وصلاته وسلامه دوما على ... مولى السيادة والرسالة والحسب والآل والأصحاب من نالوا العلا ... بشهود بدر المصطفى فخر العرب فشريف أم سيد لكنه ... دون الذي وافاه شرف من أب في قول جمع وهو مختار الأميـ ... ـر وقال بعض بالتساوي وانتسب لمصاحب النعمان غير محمد ... والفرع يحوي ما لأصل من نسب هذا الذي قد شمت في فتوى الجها ... بذة الكرام عليهم رحمات رب قد قاله المفتي بمذهب مالك ... حالا محمد عابد نال الأرب (فائدة) محل قولهم السلف ينزهون ويفوضون في كل نص أوهم التشبيه؛ فيقولون في الوجه وجها لا كالوجوه، ولا يؤولونه بالذات بخلاف الخلف، إذا لم يضطروا للتأويل وإلا فهم يؤولون كالخلف، فقد ذكر البخاري في صحيحه عند تفسير قوله تعالى من آخر سورة القصص:﴾ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴿أن وجهه بمعنى ذاته، وقال أهل الحديث: إنه تفسير ابن عباس فهذا تأويل وقع من بعض السلف، وهو ابن عباس لداعي اضطراره هنا للتأويل إذ يلزم على عدمه دخول اليد والرجل والعين التي ثبتت لله تعالى بالنص تحت عموم ما قبل، ألا وهو:﴾ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ ﴿وهو بديهي البطلان، أفاده بعض أفاضل العصر. (فائدة) مما يبطل قول البعض بعدم جواز نداء الأموات والاستغاثة بهم ما أخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه بسند رجاله ثقات: أن خالد بن الوليد لما حاصر مسليمة مع بني حنيفة، جعل يعتزي ويقول: وامحمداه. اهـ فتنبه أفاده بعض أفاضل العصر. [مسألة] في المدونة سوق الهدي لغير مكة ضلال، أي لما فيه من تغيير معالم الشريعة، قال الأمير: والبدنة في معنى الهدي، لقوله تعالى:﴾ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴿قال الدسوقي والدردير وبعث حيوان منذور بلفظ بعير أو خروف أو ذبيحة أو استصحابه، أو بعث لحمه لمن نذر له من نحو ولي ليذبح عنده، ويهدي ثوابه له ضلال أيضا على المشهور، ومذهب المدونة قال في التوضيح: لأن في بعثه شبها بسوق الهدي، وقد علمت أن سوق الهدي لغير مكة من الضلال، ومقابل المشهور ما لمالك في الموازية، وبه قال أشهب من جواز بعثه أو استصحابه؛ لأن إطعام المساكين بأي بلد طاعة، قال الدردير: ولا يضر قصد زيارة ولي واستصحاب
следующие страницы →