Полный текст (381 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قويت للسارق، خفية بإخراجه من حرز غير مأذون في دخوله، ولو لم يدخل هو الحرز، كما إذا أخرج النصاب من الحرز بعصا وهو خارجه، أو لم يخرج إذا دخله، كما إذا رمى لغيره النصاب وهو داخل الحرز بقصد واحد، فإذا سرق أقل من نصاب وكرر الأخذ بقصد واحد، كما إذا أدخل يده في صندوق وصار يأخذ نصفا بعد نصف حتى كمل النصاب، فإن كان قصده من أول الأمر تكميل النصاب قطع وإلا فلا، كما في سماع أشهب، ولا يعلم هذا القصد إلا منه، أو حرا لا يميز لصغر أو جنون بإخراجه من بيته إن كان لا يخرج منه وإلا فمن البلد، أو بسرقته من كبير حافظ له كان الحر المسروق ذكرا أو أنثى، وحدها قطع اليد اليمنى من الكوع إلا لشلل بها، أو قطع بسماوي أو قصاص سابق أو نقص أكثر أصابعها كثلاثة فرجله اليسرى، وتكون ثانية المراتب، ثم إن سرق بعد قطع رجله اليسرى فيدق اليسرى، ثم إن سرق فرجله اليمنى، ثم إن سرق سالم الأعضاء بعد الرابعة أو سرق الأشل مرة رابعة عزر باجتهاد الحاكم، وحبس إلى أن تظهر توبته، ولا يقتل على المشهور، فلو تعمد الإمام أو مأموره قطع يسراه أولا بدون عذر أجزأ على الراجح، وأما لو قطعها الأجنبي فلا يجزئ والحد باق، ويلزمه القصاص في العمد والدية في الخطأ.
والنصاب ربع دينار شرعي وزنا لا قيمة وهو أكبر من المصري، أو ثلاثة دراهم شرعية كاملة، ولو على حسب اختلاف الموازين، خالصة من الغش أو ناقصة راجت ككاملة، والدرهم الشرعي خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، أو مجمع منهما أو من أحدهما مع عرض أو ما يساويهما من العرض، والحيوان رقيقا أو غيره، بالبلد التي بها السرقة إن كان بها أحد النقدين، وإلا فبأقرب بلد يوجد بها أحد النقدين، ولو تعدد مالك النصاب، والعبرة بكون المنفعة المقومة شرعية وإن كان المسروق محقرا كماء أو حطب أو تبن مما أصله مباح؛ خلافا لأبي حنيفة والشافعي في عدم القطع في مباح الأصل المملوك بوضع اليد عليه، وكذلك لو كان فاكهة رطبة، خلافا لأبي حنيفة فقط -رضي الله عن الجميع- أو كان كجارح من الطير يساوي -لتعليمه الصيد- ثلاثة دراهم، وإن لم يساوها بالنظر للحمه وريشه، وكذا إذا ساواها للحمه فقط أو ريشه معا، ومثل تعليم الجارح الصيد تعليم الطير حمل الكتب للبلدان، أو كان كسبع لجلده بعد ذبحه، أو جلد ميتة إن زاده الدبغ على قيمة أصله نصابا، كما لو كانت قيمته قبل الدبغ درهمين على تقدير جواز بيعه وبعد الدبغ خمسة دراهم، لا إن كانت قيمته بعد الدبغ أقل من ذلك، أو سرقة قبل الدبغ ولو على فرض أن قيمته نصاب.
ويكفي في التقويم واحد إن كان موجها من طرف القاضي، فلا بد من اثنين، ويعمل بشهادتهما وإن خولفا بأن قال غيرهما: لا يساويهما كما هو مذهب المدونة، وإن كان مقتضى درء الحدود بالشبهات عدم القطع إذا خولفا؛ لأن النص متبع، ولأن المثبت مقدم
стр. 282
على النافي كما في أقرب المسالك وشرحه وحاشيته، وما أحسن قول بعضهم:
يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
وقوله في جوابه:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ... ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
والله أعلم.
باب الحرابة
[مسألة]
المحارب قاطع الطريق لمنع سلوكها ولو لم يقصد أخذ مال المارين، كانت الطريق في فلاة أو عمران، أو أخذ مال محترم من مسلم أو ذمي أو معاهد ولو لم يبلغ نصابا والبضع أحرى على وجه يتعذر معه الغوث، أو مذهب عقل ولو انفرد ببلد وقصد أذية بعض الناس، كمسقي نحو سيكران لأخذ المال، ومخادع مميز لأخذ ما معه يتعذر غوث، كان المميز صغيرا أو بالغا، وكداخل زقاق أو دار ليلا أو نهارا لأخذ مال بقتال، كما في أقرب المسالك وشرحه.
[مسألة]
قال الدردير على خليل جبابرة: أمراء مصر ونحوها يسلبون أموال المسلمين ويمنعوهم أرزاقهم ويغيرون على بلادهم، ولا تتيسر استغاثة منهم بعلماء ولا بغيرهم. اهـ؛ أي فهم محاربون لا غصاب كما في الصاوي.
[مسألة]
يجب على من كان دافعا عن نفسه القتل أو الجرح أو عن أهله القتل أو الجرح أو الفاحشة قتل المحارب، ويجوز قتله لمن لم يكن كذلك، ويندب أن يكون قتاله بعد المناشدة بأن يقول له ثلاثا: ناشدتك الله إلا ما خليت سبيلي، إن لم يعاجل بالقتال وإلا عوجل بالقتال بالسيف ونحوه، قال في غاية الأماني: فلو قتل المحارب أحد ورثته فقيل: يرثه، وقيل: لا، واستظهر عب الأول وقاسه على ما تقدم في الباغية من قول خليل: وكره للرجل قتل أبيه وورثه. اهـ من أقرب المسالك وشرحه وحاشيته.
[مسألة]
يتعين على الإمام قتل المحارب إن قتل ولو غير مكافئ أو أعان على قتله ولو بجاهه؛ فيقتل للحرابة بلا صلب أو مع صلب ما لم تكن المصلحة في إبقائه، بأن يخشى بقتله فساد أعظم من قبيلته المتفرقين مثلا، بل يطلق ارتكابا لأخف الضررين كما أفتى به الشبيبي وأبو مهدي وابن ناجي كما في عب، ولا يجوز قطعه ولا نفيه، وليس لولي الدم عفو عنه قبل مجيئه تائبا، فإن جاء تائبا فللولي العفو عنه، فإن لم يعف عنه قتل إن قتل مكافئا وإن لم يقتل المحارب أحد أو قدر عليه وجب على الإمام أن لا يخرج عن الحدود الأربعة مخيرة:
الأول: قتله بدون صلب، الثاني: الصلب على نحو جذع غير منكس فقتله مصلوبا، ثم إذا خيف تغيره بعد القتل والصلب أنزل وصلي عليه غير فاضل، الثالث: قطع يده اليمنى من الكوع ورجله اليسرى من مفصل الكعب ولاء، ولو خيف عليه الموت، فإن كان مقطوع اليد اليمنى أو أشلها قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، فإن لم يكن إلا يد أو رجل
стр. 283
قطعت، فإن كان له يدان فقط أو رجلان قطعت اليد اليمنى فقط أو الرجل اليسرى فقط، الرابع: نفي الذكر الحر -كالزنا- إلى مثل فدك وخيبر من المدينة، ويجلس للأقصى من السنة وظهور التوبة؛ بمعنى أنه إن ظهرت توبته قبل السنة كمل بحبسه السنة، وإن مضت السنة ولم تظهر توبته بقي حتى تظهر توبته أو يموت، ولا بد أن يكون ظهور التوبة بينا لا مجرد كثرة صومه وصلاته، وضرب قبل النفي اجتهادا بحسب ما يراه الحاكم، ولا يتعين على الإمام واحد من هذه الحدود الأربعة، إلا أنه يندب له ما هو الأصلح واللائق بحال ذلك المحارب؛ فإن ظهر له ما هو اللائق ندب له ما فعله، فإن خالف وفعل غير ما ظهر له أصلحيته أجزأ مع الكراهة.
ولما كان يفعله الإمام بالمحارب ليس إلا لأجل الحرابة لم يكن لمن قطعت يده مثلا كلام مع الإمام، بل كان التخيير بين الأربعة للإمام لكن في حق المحارب الذكر، أما المرأة فإنما حدها القتل أو القطع من خلاف فلا تصلب ولا تنفى؛ لما في الصلب من الفضيحة، ولما في النفي من زيادة مفاسد، وأما حد الرقيق فما عدا النفي، وأما الصبي فلا يفعل معه شيء من هذه الحدود ولو حارب بالسيف، بل يعاقب كما في أقرب المسالك وشرحه وحاشيته.
[مسألة]
لا يدفع المال الذي بأيدي المحاربين لمدعيه إذا لم يثبته بالبينة، إلا بشروط ثلاثة: بعد الاستيفاء، وبعد اليمين، وبعد وصفه كاللقطة، ومحل أخذ المدعي له بتلك الشروط -كما قال ابن شاس نقلا عن أشهب- إذا أقر اللصوص أن ذلك المتاع مما قطعوا فيه الطريق، فإن قالوا: هو من أموالنا كان لهم وإن كان كثيرا لا يملكون مثله، ونقله ابن عرفة مقتصرا عليه، قال في التوضيح: وظاهر المدونة أن مدعي المال إذا أخذه على الوجه المذكور لا يؤخذ منه حميل، وقال سحنون: بل بحميل، وقال في مختصر الوقار: إن كان من أهل البلد فبحميل، وإن كان من غيرهم فبلا حميل؛ لأنه لا يجد حميلا، كما في ص عن بن.
[مسألة]
يؤمن الإمام المشرك؛ لأنه يقر على حاله إذا أمن ولو كان بيده أموال المسلمين، ولا يؤمن المحارب إن سأله؛ لأنه لا يقر على حاله، فإن امتنع بنحو حصن حتى أمن فهل لا يتم له الأمان؟ خلاف كما في أقرب المسالك وشرحه وحاشيته.
[مسألة]
يثبت الحد المتقدم من قتل إلخ بشهادة عدلين أن هذا الشخص هو المشهور بالحرابة بين الناس، وإن لم يعايناه حالة الحرابة، ويسقط حدها فقط دون حد الزنا والقذف والشرب والقتل بأحد أمرين؛ الأول: بإتيانه الإمام أو نائبه طائعا قبل القدرة عليه فلا يسقط حكمها بتوبة بعد القدرة عليه، كما لا يسقط الضمان بإتيانه طائعا مطلقا، والثاني: بتركه ما هو عليه من الحرابة ولو لم يأت الإمام، كما في أقرب المسالك وشرحه والله أعلم.
باب حد الشارب
[مسألة]
الشارب الذي يجب على ولي الأمر حده هو المسلم المكلف يتناول
стр. 284
بفمه ما يسكر جنسه ويصل لحلقه، ولو لم يصل لجوفه ولو لم يسكر بالفعل لقلته أو لاعتياده، مختارا بلا عذر بأن لم يظنه غير مسكر ولم يكن لغصة وإن قل، أو جهل وجوب الحد مع علم الحرمة، أو جهل الحرمة لقرب عهد بإسلام؛ فيجلد ثمانين جلدة بعد صحوه، ويكفي قبله إن كان عنده شعور بألم الجلد وإلا أعيد، وتشطر بالرق، وإن قل الرق فيجلد أربعين إن أقر بالشرب، لكن يقبل رجوعه ولو لغير شبهة، أو شهد عدلان بشرب أو بشم لرائحته في فمه، أو أحدهما بواحد والثاني بالآخر، أو بتقايئه الخمر، ولا تعتبر شهادة غيرهما بخلاف شهادتهما؛ لأن المثبت متقدم على النافي، ولم يجعلوا المخالفة شبهة تدرأ الحد، ويكون الجلد بسوط من جلد لين بلا رأسين، لا بقضيب ولا شراك ولا درة، وما كانت لسيدنا عمر فهي للتأديب لا للحد، ضربا متوسطا والمحدود قاعد بلا ربط ولا شد يد أو رجل، إلا لعذر ككونه لا يستقر أو يضطرب اضطرابا شديدا بظهره وكتفيه، ويجرد الرجل من كل شيء عليه في جميع بدنه ما سوى ما بين السرة والركبة، والمرأة مما يقي ألم الضرب، وندب جعلها حالة الضرب في كقفة بتراب مبلول للستر عليها، ويوالى الضرب إلا لخوف هلاك، فيفرق كما في أقرب المسالك وشرحه.
باب في الرقيق
(ما قولكم) في رجل يملك أمة وتمتع بوطئها، ثم زوجها لمملوكه أو رجل آخر، فحملت ووضعت بنتا، وقلتم: إن هذه البنت رقيقة تبعا لأمها، فهل يحرم على السيد وطء هذه البنت أم لا؟
(الجواب) متى تلذذ بالأم بنكاح أو ملك يمين، أو شبهة نكاح كتزوج خامسة، أو شبهة ملك كأن يشتري جارية ويتلذذ بها ثم يظهر أنها ملك لغير البائع، فتؤخذ بالاستحقاق من يد المشتري؛ فيحرم عليه جميع بنات النساء المذكورات كما في الخرشي وأبي الحسن على الرسالة.
(باب العتق)
(ما قولكم) في رجل قال لعبده: أنت حر قبل موتي بخمسة أيام، هل له إخراجه لغير حرية من بيع أو هبة أم لا؟
(الجواب) ليس له إخراجه بكبيع أو هبة؛ ففي الخرشي: إن أعتق عبده إلى أجل محقق فإنه يمنع من البيع. انتهى. ومما هو معلوم في المذهب أن المدبر لا يجوز بيعه، فهذا أولى، والله أعلم.
باب التدبير
(ما قولكم) في المدبر؟ هل يجوز لسيده نزع ماله؟ وهل له وطء مدبرته؟
(الجواب) في الخرشي يجوز للسيد أن ينتزع مال مدبره لقوة شبهة السيد؛ ولهذا جاز له وطء من دبرها. انتهى، والله أعلم.
باب الكتابة
[مسألة]
الكتابة لما كانت عقدا فيه غرر كان الأصل عدم جوازها، إلا أن
стр. 285
الله أذن فيها للناس بقوله:﴾ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ﴿؛ فالآية إنما تدل على إباحتها، وندبها إنما أخذ من عموم قوله -تعالى-:﴾ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ﴿؛ قال ابن عرفة: الكتابة عتق على مال مؤجل من الرقيق موقوف على أدائه، وأركانها التي تتوقف عليها أربعة:
الأول: مكاتب -بكسر التاء- وهو المالك للرقبة، فشرطه الرشد، فتبطل من الصبي والسفيه؛ بناء على أنها عتق، وتصح منهما مع توقف لزومها على إجازة الولي؛ بناء على أنها بيع، وكذلك تصح من السكران بحرام إن كان عنده نوع تمييز؛ بناء على أنها عتق لتشوف الشارع للحرية، وتبطل منه بناء على أنها بيع، فهو على العكس من الصبي والسفيه. وتجوز مكاتبة رقيق المحجور صبي أو سفيه أو مجنون لوليه إن كان فيها مصلحة، وإلا فلا كما أنه ليس له عتق رقيقه ناجزا على مال معجل؛ لأنه له أن ينزع ماله للمحجور بدون عتق.
الركن الثاني: مكاتب -بالفتح- وهو الرقيق وإن أمة بالغة برضاها، وصغيرا ذكرا أو أنثى؛ بناء على مقابل المشهور من أن الرقيق يجبر على الكتابة لا على المشهور من رضاه؛ لأن رضا الصغير غير معتبر؛ حيث قدر كل من الأمة والصغير على الكسب، وإن كانا لا مال ولا كسب لهما فالمشهور المأخوذ من المدونة أن الرقيق لا يجبر على قبول الكتابة إلا أن يكون غائبا أدخله حاضر معه فيجبر اتفاقا؛ لقوله في المدونة: ومن كاتب عبده على نفسه وعلى عبد للسيد غائب لزم العبد الغائب وإن كره؛ لأن هذا الحاضر يؤدي عنه، ومقابل المشهور المأخوذ من المدونة أيضا الجبر.
الركن الثالث: الصيغة بكاتبتك بكذا ونحوه، كبعتك نفسك بكذا، أو أنت مكاتب على كذا، أو معتق على كذا، ولو لم يذكر التنجيم لصحتها بدونه قطعا، ويلزمه التنجيم أي التأخير لأجل معلوم ولو نجما واحدا إذا لم يصرح به على المشهور؛ خلافا لابن رشد في عدم لزومه لكنها قطاعة.
الركن الرابع: العوض ولو بغرر لم يشتد، كآبق يملكه المكاتب لا بما تحمل به أمته أو غيرها في المستقبل؛ إذ الأصل في العتق أن يكون بدونه، وتردد الصاوي في بطلان الكتابة بعدم ذكر العوض في صيغتها؛ بناء على أنها بيع وهو يبطل بجهل الثمن وصحتها بعدم ذكره فيها، ويكون على العبد كتابة مثله؛ بناء على أنها عتق والعتق لا يشترط فيه تسمية عوض، وحينئذ فيكون المراد بركنية العوض أن لا يشترط عدمه أعم من أن يذكر أو يسكت عن ذكره، كركنية الصداق مع صحة نكاح التفويض؛ فتأمل كما في أقرب المسالك وشرحه وحاشيته.
باب أم الولد
(ما قولكم) في امرأة ملكت جارية وأذنت ولدها في نومه مع الجارية بفراش واحد، فحملت الجارية من الولد، فهل تصير أم ولد أم لا؟ أفتونا.
(الجواب) في الرهوني على عبق: وترجم الشيخ في نوادره، باب ما تكون به الأمة أم ولد من وطء الشبهة من إحلال أو غلط، فذكر فيها: إن أولد امرؤ أمة بعثها له من أمره
стр. 286
بشراء أمة فبان أنها غير التي اشتراها له فهي له أم ولد. اهـ، وفي الخرشي: من وطئ أمة مكاتبة فحملت فإنه لا حد عليه للشبهة وتصير به أم ولد، ويغرم قيمتها يوم حملت، ومثل أمة المكاتب الأمة المشتركة والمحللة. اهـ، ولا شك أن إذن الأم في نوم جاريتها مع ولدها في فراش واحد يقتضي تحليها له، وحمل المحللة يصيرها أم ولد للواطئ المحلل له، كما هو صريح كلام أهل المذهب المذكور، والله أعلم.
(فصل في الولاء)
[مسألة]
الولاء اصطلاحا: ولاية الإنعام بالعتق وسببه زوال الملك بالحرية، فمن زال ملكه بالحرية عن رقيق فهو مولاه، سواء نجز أو علق أو دبر أو كاتب أو أعتق بعوض أو باعه من نفسه أو أعتق عليه، إلا أن يكون السيد كافرا والعبد مسلم وإلا فلا ولاء له عليه ولو أسلم، وحكمه حكم المعصوبة، كما يفيده قوله ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب"؛ أي الولاء -بفتح الواو ممدود- اتصال بين المعتق بالكسر والمعتق بالفتح كاتصال النسب؛ لأن الشخص في حال اتصافه بالرق كالمعدوم والمعتق صيره بتحريره كالموجود، فكان كالولد المعدوم الذي تسبب أبوه في وجوده، كما أقرب المسالك وشرحه وحاشيته.
باب في الوصايا
(فرع) إذا شهد على كتاب وصيته، ثم كتب تحته: أبطلت وصيتي إلا كذا؛ لم ينفذ لكونه بلا إشهاد. اهـ أمير على عبق.
[مسألة]
إذا قال: فلان وصيي وتبين أن فلانا ميت وله وصي فإن علم بموته كان وصيه وصيا وإلا فلا.
[مسألة]
إذا قال لشخص: أنت وصيي على أولادي، فلان وفلان، وسكت عن باقيهم دخل من لم يسم وكان وصيا على الجميع، وكذا لو قال: عبيدي أحرار وسمى بعضهم عتقوا كلهم.
[مسألة]
إذا أوصى بوصية وذكر فيها أن الوصي على أولاده فلان، ثم غير ما أوصى به وأوصى بوصية أخرى وقال فيها: هذه ناسخة لكل وصية قبلها، لكن لم يتعرض في الثانية للوصي على الأولاد؛ فلا يكون ذلك عزلا له، بل هو وصيي على ما هو عليه، كما في نوازل ابن رشد.
[مسألة]
إذا أوصى لمحجور له ولي، وشرط أن يكون ما أوصى به بغير يد ولي المحجور حتى يرشد المحجور؛ فإنه يعمل بذلك، كما إذا وهب له هبة على ذلك.
[مسألة]
إذا أوصى بشيء على شرط فلم يوف به الموصى له فإنه يرد ما أوصى له به؛ فمن أوصى لأم ولده بوصية على أن لا تتزوج فتزوجت بعد أخذ الوصية فإنها تؤخذ منها، كما في معين الحكام. اهـ أمير.
[مسألة]
إذا قال: إن مت ففلان وكيلي فهذا وصية، صرح بذلك في نوازل سحنون، قال ابن رشد: وهو كما قال؛ لأن الوصي وكيل الميت، أفاد جميع ما ذكر الأمير.
(ما قولكم) دام فضلكم! في شخص مات في سفر، فباع وصية متاعه وعروضه؟ فهل يسوغ له ذلك؟
(الجواب) في الحطاب (فرع) فإن مات فلأوصيائه
стр. 287
بيع متاعه وعروضه؛ لأنه يثقل حمله. قاله في النوادر، بل ذكر البرزالي في كتاب السلم عن أبي عمران في شخص مات في سفر بموضع بعيد من بلد الميت، لا قضاة به ولا عدول، ولم يوص، واجتمع المسافرون وقدموا رجلا باع هناك بتركته، ثم قدموا بلد الميت فأراد الورثة نقض البيع؛ إذ لم يبع بإذن حاكم- أن ما فعله جماعة الرفقة من بيع وغيره جائز، قال: وقد وقع هذا لعيسي بن مسكين وصوب فعله وأمضاه، ونقل عن الداوودي أنه أمر ببيع تركة رجل غريب يذكر أنه من جهات فاس وورثته مجهولون، ودفع الثمن إلى ثقات من أهل المغرب، وأمرهم بالبحث عن ورثته، فإن أيسوا منهم تصدقوا به على الفقراء، وذكر رجل أنه تسلف من ذلك الميت دينارا فأمره بدفعه لأولئك الثقات، ويبريه ذلك إذا أشهد على الدفع، أفاده الأمير.
[مسألة]
الوصي المأمون إذا فوض إليه أمر فليس للحاكم ولا للورثة ولا غيرهم معارضته ولا كشف عنه، ما لم يكن الوصي وارثا، فلبقية الورثة مشاركته والنظر في تصرفه؛ لئلا تكون حيلة على الوصية لوارث، وكذا لهم الكلام إذا تعلق لهم حق بالوصية كالعتق فإنه يثبت لهم الولاء، والوصي محمول على الأمانة حتى يبت خلافها؛ فغير المأمون يكلفه الحاكم البينة على تنفيذها وإلا ضمن إن كان معروفا بالخيانة، فإن لم يبلغ هذه المثابة حلفه ولا يضمن إلا إذا نكل، وإذا كانت الوصية على معينين وأنكر بعضهم الأخذ كلف الوصي البينة عليه، والأمر في غير المعين مفوض له، وكذا ما تعلق بالميت من قضاء دين فمباشرته للوصي. اهـ من الأمير.
[مسألة]
إذا أوص أوصى لرجل بنفقة عمره يعطى تمام سبعين سنة؛ لحديث: "أعمار أمتي ... " إلخ، فإن مات قبل تمامها رد الزائد على الموصي لهم والورثة، فإن عاش أزيد لا يرجع بشيء، وقيل: يرجع على الموصي لهم فيجتهد له أيضا ولا ينفق منه على مؤن تجهيزه، كما في شرح العمدة. اهـ بدر اهـ أمير.
[مسألة]
إذا أوصى بأمر ثم أوصى ثانيا، وقال في الوصية الثانية: لا وصية لي سواها فليس ناسخا للأولى حتى يعينها، كما في المعيار. اهـ من الأمير.
[مسألة]
في الأمير: لو أوصى بأن مدينه مصدق بلا يمين لم يحلف على قول ابن القاسم، وقال غيره: يحلف؛ لأن الحق للوارث. اهـ ما في السيد، قلت: لعل الأوجه عدم الحلف إن لم يزد الدين على الثلث؛ لأنه لو أبرأه منه رأسا مضى، وإن زاد وتعدد الأشخاص تحاصوا في الثلث، واليمين فيما زاد، فليتأمل.
[مسألة]
من المنكر أن يوصي بكتب جواب سؤال القبر وجعله معه في كفنه أو قبره، اللهم إلا أن يجعل في صنوان من نحاس ويجعل في جدار القبر لتناله بركته، قاله المسناوي. اهـ بن نقله الأمير.
(ما قولكم) دام فضلكم! في وصي تسلف على الأيتام حتى يبيع شيئا من مالهم، فتلفت أموالهم؟ فهل يضمن الوصي؟
(الجواب) لا يلزمه أن يغرم من ماله لمن استسلفه منه، وهذا إذا قال: إنما أستلفه للأيتام، وأما إن لم يقل فالضمان لازم له، قاله في الطرر كما في الأمير.
[مسألة]
إذا
стр. 288
تسلف الوصي مالاً للصغير، رجع عليه إن كان مليًا؛ لأنه أنفق عليه ليرجع، ولا يرجع عليه إن كان معدمًا بما أنفقه عليه سلفًا.
[مسألة أخرى]
لو كان للأيتام إخوة فأنفق الوصي على بعضهم من مال بعض ضمن الوصي لمن أنفق من ماله، ورجع بذلك على المنفق عليه.
(فرع)
قال في مختصر النوازل: إقرار الرجل في مرضه ليتيمه بمال يمنع من طلبه بما كان ينفق عليه في حياته، إذ حكم ذلك حكم الإسقاط. اهـ؛ يعني أن لورثة إذا أقر مورثهم بمال ليتيمه فطلبوا اليتيم بما كان مورثهم ينفقه عليه فليس لهم ذلك.
[مسألة]
ذهب مالك وأصحابه إلى أنه يجوز للفقير المحتاج أن يأكل من مال يتيمه بقدر اشتغاله به وخدمته فيه وقيامه عليه، وإلا فلا يسوغ له أن يأكل منه إلا ما لا ثمن له ولا قدر لقيمته، مثل اللبن في الموضع الذي لا ثمن له فيه، ومثل الفاكهة في حائطه، ومن أهل العلم من أجاز له أن يأكل منه على سبيل السلف، ومنهم من أجاز له أن يأكل ويكتسي بقدر حاجته وما تدعو إليه الضرورة، وليس عليه رد ذلك، وأما الغني فإن لم يكن له خدمة ولا عمل سوى أن يتفقده ويشرف عليه، فليس له أن يأكل منه إلا ما لا قدر له ولا بال، مثل اللبن والفاكهة كما تقدم، واختلف إذا كان له فيه خدمة وعمل، فقيل: له أن يأكل منه بقدر عمله فيه وخدمته له، وقيل: ليس له ذلك لقوله :﴾ ومن كان غنيًا فليستعفف ﴿أفاد جميع ذلك الأمير على عبق. (ما قولكم) في الوصي: هل يجوز له أن يسلف من مال الصغير لأحد على وجه المعروف، أو يأخذ من مال الصغير لنفسه سلفًا، وهل له الصلح في مال اليتيم، وإقراره على المحجور؟
(الجواب)
في الأمير ولا يجوز تسلفه لأحد على وجه المعروف، ولو أخذ رهنًا إذ لا مصلحة لليتيم في ذلك، وأما سلف الوصي نفسه فقد قيل بالترخيص فيه إذا كان له مال فيه وفاء، وللوصي الصلح بالنظر، ولا يجوز إقراره على المحجور، ولا إبراؤه عنه العام، وإنما يبرئ في المعينات، نعم يكون شاهدًا لا على فعل نفسه. اهـ.
(فرع) للوصي دفع مال اليتيم لمن يعمل به قراضًا وبضاعة في البر والبحر. اهـ ملخصًا من عبق والأمير.
(فرع)
في السيد عن البدر: لا ينفع الوصي البراءة العامة من المحجور بقرب رشده إلا بعد طول كستة أشهر، وفيه أيضًا للوصي أن يرشد محجوره ولو لغير بينة على رشده، لكن لو قامت بينة باتصال سفهه رد فعله إلى الحجر، لكن إلى وصي آخر، ويعزل الأول، ولكن لا يضمن لأنه فعل اجتهاده، وفي الحطاب جواز نقل اليتيم من بلد لبلد بالمصلحة. اهـ أمير. (ما قولكم) في التبرع بشيء أيام الوباء، هل هو كالوصية في المرض لا تنفذ إلا في الثلث أم لا؟
(الجواب)
التبرع أيام الوباء بشيء من المال ليس كالوصية أيام المرض، فله أن يتبرع بأكثر من الثلث لقول العلامة الأمير في ضوء الشموع عند ذكر أسباب الحجر أو ذي مرض حاصل بالفعل لا صحيح من الطاعون على أظهر القولين. اهـ.
[مسألة]
ليس للوصي أن يعزل نفسه عن الوصية بعد موت الموصي
стр. 289
والقبول، وسواء كان القبول قبل الموت أو بعده إلا أن يطرأ عجز، قال فيها: وله أن يعطي مال اليتيم مضاربة، ولا يعجبني أن يعمل هو بنفسه، قال في حاشية الخرشي: فإن عمل كان الربح له لأن الخسارة عليه.
(ما قولكم) فيمن أوصى شخصا وصية مطلقة، هل تكون غير صحيحة كما قالوه في الوكالة أم لا؟
(الجواب) قال ابن عبد السلام: اتفق مالك والشافعي على عدم إفادة الوكالة المطلقة كما إذا قال له: وكلتك، ولم يقيد، ولم يفوض، واختلفا في الوصية المطلقة، فقال الشافعي: هي مثل الوكالة المطلقة، وقال مالك: هي صحيحة، ويكون للوصي أن يتصرف في كل شيء لليتيم كوكالة التفويض اهـ خرشي.
(ما قولكم) في شخص مات وترك ثلاثمائة دينار وترك أيتاما أقام عليهم وصيا فاتجر في الثلاثمائة دينار حتى صارت ستمائة دينار، ثم إن شخصا أثبت على الميت دينا قدره ستمائة دينار، فهل يستحق صاحب الدين الستمائة دينار أو الثلاثمائة التي تركها الميت فقط، وتكون الثلاثمائة دينار التي هي الربح للأيتام أم كيف الحال؟
(الجواب) إذا اتجر الوصي للأيتام استحق صاحب الدين الستمائة عند ابن القاسم خلافا للمخزومي، وأما إذا اتجر الوصي في الثلاثمائة دينار لنفسه لا للأيتام فإنه يفوز بالربح الذي هو الثلاثمائة، ولا يقال كشف الغيب أن المال للغريم؛ لأنا نقول الوصي المتجر لنفسه أولى ممن غصب مالا واتجر به، فإنهم قالوا: الربح للغاصب كما ذكروه في باب الاستحقاق.
(ما قولكم) في شخص مات عن ولد وترك مالا فأنفقه الوصي على الولد، ثم طرأ دين على الميت يستغرق المال المذكور، ولم يعلم الوصي بذلك الدين، فهل يكون ذلك الدين على الوصي أو الصبي؟
(الجواب) لا شيء على الصبي ولا على الوصي وإن كان موسرا؛ لأنه أنفق بوجه جائز، وهذا بخلاف ما إذا أنفق الورثة البالغون نصيبهم من التركة، فإنهم يضمنون للغريم الطارئ، قال في حاشية الخرشي أي لكشف الغيب أنه لا حق لهم في التركة إلا بعد أداء الدين، ولا يضمنون التلف بأمر من الله تعالى بلا خلاف، والفرق أن التركة في ضمان الورثة بخلاف الوصي، وأما إذا اتجر الوارث لنفسه ثم طرأ دين على الميت فإن الربح له بمنزلة ما إذا اتجر الوصي لنفسه كما ذكروه في باب الاستحقاق.
(ما قولكم) في شخص أوصى بأن عنده مال قراض لفلان، ثم مات فلم يوجد شيء منه، فهل يؤخذ من تركته أم لا؟
(الجواب) ذكروا في باب القراض أن من مات وعنده قراض أو وديعة أو بضاعة ولم يوص بذلك ولم يوجد ذلك في تركته، ولم يعلم أنه رده إلى ربه ولا ادعى تلفه ولا ما يسقطه، فإنه يؤخذ من ماله لاحتمال أن يكون أنفقه أو ضاع منه بتفريط بعد أن يحلف رب المال أنه لم يصل إليه، ولا قبض منه شيئا، وهذا ما لم يتقادم الأمر كعشر سنين من يوم أخذ المال من ربه لوقت الدعوى، وإلا فيحمل على رده لربه، وأما إن أوصى بالقراض أو البضاعة فلا ضمان، بل إن وجدها ربها أخذها، وإن
стр. 290
لم يجدها فلا شيء له؛ لأنه علم من إيصائه بها أنه لم يتلفها، ومن الوصية أن يقول: وضعتها بموضع كذا فلم توجد، والله أعلم.
(ما قولكم) في وصية وجدت بخط الميت بعد موته، وشهدت البينة العادلة أنها خطه هل يعمل بها أم لا، وإذا قلتم لا يعمل بها والورثة فيهم البالغ والقاصر، ولما رأوا خط أبيهم عرفوه وأجازوا ما في الوصية هل إجازتهم صحيحة أم لا؟
(الجواب) إن شهدت البينة أنها خطه والحال أنه لم يشهد في حال حياته أنها وصية ولم يقل أنفذوها بطلت ولا يعمل بها بعد موته إلا إذا أشهدهم حال حياته أن هذه وصيتي أو قال: أنفذوها أو قرأها عليهم وأشهدهم، قال في المجموع: وإن ثبتت بخطه أو قرأها ولم يشهد ولا قال: أنفذوها بطلت لاحتمال التردد اهـ وإجازة الورثة صحيحة من البالغ فقط، فيؤخذ منه ما يخصه لأنها عطية منه، ففي المجموع: وإن أجير فعطية من الوارث تحتاج لحوز والله أعلم.
[مسألة] لا يجوز بيع الوصي عقار محجوره إلا لسبب كالنفقة ووفاء الدين وغير ذلك مما فيه مصلحة لليتيم، ويشهد العدول أنه إنما باعه بكذا ومثل الوصي الحاكم .
[مسألة] استحسن كثير من المتأخرين أن العرف الجاري بين الناس كأهل البوادي والأرياف وغيرهم يموت الواحد منهم ولا يوصي على أولاده اعتمادا على أخ أو جد أو عم لهم يعرف بالشفقة عليهم ينزل منزلة التصريح بإيصائه عليهم، وله البيع في القليل والكثير، فيمضي ولا ينقض، وليس للولد بعد كبره كلام، وهي مسألة نافعة كثيرة الوقوع، لا سيما في هذه الأزمنة، لكن لا يبيع إلا ما دعت إليه الضرورة، ولا بد من إظهار المبيع والمناداة عليه لحصول الرغبة فيه وثبوت أنه الأولى في البيع من غيره، وعدم وجود زائد على الثمن الذي أعطى فيه، وثبوت السداد في الثمن، وأن يكون الثمن عينا حالا كما ذكروه في باب الحجر .
(ما قولكم) في مريض أوصى لزيد بمائة ريال، ولعمرو بشيء تافه ثم مات، فطلب زيد من الوصي المائة الريال فقال: من يشهد لك بها؟ فقال عمرو: فلما حضر قال: أشهد أنه أوصى له بمائة ريال وأوصى لي بثوب قديم، فهل تقبل شهادة عمرو المذكور ويستحق زيد المائة ريال إذا حلف لعدم شاهد آخر أم لا؟ وإذا قلتم: يستحق زيد المائة هل يثبت لعمرو الثوب أم لا؟
(الجواب) نعم تقبل شهادته إن شهد لنفسه بقليل تافه ولزيد بكثير أو قليل، وإذا لم يوجد إلا هذا الشاهد حلف زيد معه واستحق وصيته، ولا يمين على الشاهد لأنه يستحق ما أوصى له به تبعا للحالف، فإن نكل زيد فلا شيء لواحد منهما، وهذا إذا كتب الوصية بكتاب واحد بغير خط الشاهد، فإن كتب بخط الشاهد أو لم تكتب أصلا قبلت شهادته لغيره لا لنفسه، وكذا إن كتبت بكتابين أحدهما للشاهد والثاني للآخر، فلا تصح للشاهد وتصح للآخر لعدم التبعية حينئذ، وأما شهادة الشاهد لنفسه ولغيره في غير
стр. 291
وصية كدين فلا تقبل له ولا لغيره مطلقًا لتهمة جر النفع لنفسه وقوله: لأنه يستحق ما أوصى له به تبعًا للحالف يلغز به، فيقال دعوى أخذت بشاهد بلا يمين، أو يقال شيء أخذ من مال الغير بمجرد الدعوى، أو يقال شهادة للنفس مضت، وأما إن شهد لنفسه بكثير ولغيره بقليل أو بكثير فلا تقبل شهادته. اهـ من أقرب المسالك وص من باب الشهادات.
باب الفرائض
(ما قولكم) في شخص مات عن بنت وجدة لأم وأختين لأب وعم فما يخص كل واحد ممن ذكر؟
(الجواب)
للبنت النصف، وللجدة السدس، وللأختين الباقي، قال في الرحبية:
والأخوات إن يكن بنات ... فهن معهن معصبات
وحينئذ فلا شيء للعم والله أعلم.
(ما قولكم) في معتق بفتح التاء مات وخلف مالاً وله جد من عصبة النسب ولد أخيه ووجد أولاد المعتق بكسر التاء، فهل يأخذ المال ابن أخيه أم أولاد سيده؟
(الجواب)
قال في المختصر: وقدم عاصب النسب ثم المعتق. اهـ. قال الخرشي: يعني أن المعتق بفتح التاء إذا مات وترك مالاً فإنه يرثه عاصب النسب مثل أبيه وأخيه ونحو ذلك، ويقدم على عاصب الولاء، فإن لم يكن له عاصب من جهة النسب فمعتقه، فإن لم يوجد المعتق بكسر التاء فالأحق بالإرث عصبته. اهـ. (ما قولكم) في امرأة ماتت عن زوج وأخوات لأب ثلاث وابن عم، فما يخص كلاً ممن ذكر؟
(الجواب)
ال مسألة من ستة، وتعول لسبعة، فعالت المسألة بواحد، فإن نسبت الواحد للسبعة كان سبعها، فينقص من كل من الزوج والأخوات سبع حصته الأصلية التي كانت له لولا العول، فالزوج له نصف إلا سبعًا، والأخوات لهن ثلثاها إلا سبعًا، ولا شيء لابن العم لاستغراق الفروض التركة والله أعلم.
خاتمة
نسأل الله حسنها في جمل من مسائل شتى، وفيها ثلاثة فصول: الفصل الأول فيما نقل عن المسائل الملقوطة للوانوغي.
[مسألة]
من ادعي عليه بحق فأنكر وحلف عليه، ثم أتى المدعي بشاهد واحد لم يعلم به، وأراد أن يحلف معه ويأخذ الحق لم يكن له ذلك إلا أن يأتي بشاهدين لم يعلم بهما. اهـ.
[مسألة]
يلزم التعزير من سرق شيئًا لا قطع فيه، ويلزم من اختلى بأجنبية، ومن وطء مكاتبته، ومن استمنى بيده أو أتى البهيمة، أو حلف يمينًا، غموسا، أو غش في الأسواق، أو عمل بالربا، أو شهد زورًا، ومن فعل التحليل أو شهد على نكاح السر، وكذا يؤدب الزوجان والولي إلا أن يعذروا بجهل. اهـ منها وعبارة سيدي خليل وعزر الإمام لمعصية الله.
[مسألة]
قال القرافي: إقامة الحدود واجبة على الأئمة، واختلفوا في التعزير: فقال الإمام
стр. 292
مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى: إن كان الحق لله وجد كالحدود إلا أن يغلب على ظن الإمام أن الضرب من الملامة والكلام مصلحة، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: هو غير واجب على الإمام إن شاء أقامه وإن شاء تركه. اهـ منها.
[مسألة]
من قال لرجل: يا شارب الخمر، أو يا آكل الربا، أو يا خائن، أو ثور أو حمار، أو يا ابن الحمار، أو يا يهودي، أو يا نصراني، أو يا مجوسي، فإنه يعزر قاله ابن رشد، وفي جامع الأصول: من قال لرجل: يا يهودي يضرب عشرين. اهـ منها.
[مسألة]
لو قال رجل لرجل: يا سارق ضرب خمسة وعشرين سوطًا أو نحوها، قاله في العتبية، قال ابن راشد: والتحديد في هذا ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، وإنما فيه الاجتهاد بحسب القائل والمقول له. اهـ من المسائل المطولة.
[مسألة]
لو قال رجل لرجل: يا مرائي عوقب بقدر ما يرى الإمام على قدر حال القائل والمقول له. اهـ من البيان لابن رشد. اهـ من المسائل.
[مسألة]
روي عن مالك أن من اتهم بالفاحشة يضرب خمسة وسبعين سوطًا، ولا يبلغ به الحد، وإليه مال أصبغ ونحوه لابن سلمة. اهـ منها.
[مسألة]
من قال لرجل يا كلب يفرق فيه بين ذوي الهيئة وغيره، فإن كان القائل والمقول له من أهل الهيئة جميعًا عوقب القائل عقوبة خفيفة يهان بها، ولا يبلغ به السجن، وإن كان من غير ذوي الهيئة عوقب القائل عقوبة خفيفة أشد من عقوبة القائل الأول المتقدم ذكره يبلغ بها السجن، وإن كان القائل من ذوي الهيئات، والمقول له من غيرهم عوقب بالتوبيخ، ولا يبلغ به الإهانة ولا السجن، وإن كان القائل من غير ذوي الهيئة والمقول له منهم عوقب بالضرب. اهـ من البيان في باب حد القذف. اهـ من المسائل.
[مسألة]
من سل سيفًا على وجه القتال ضرب أربعين وكان السيف فيئا، وقيل: يقتل إذا سله على وجه الحرابة. اهـ منها.
[مسألة]
من سل سكينًا في جماعة على وجه المزاح ضرب عشرة أسواط. اهـ من مفيد الحكام لابن هشام. اهـ منها.
[مسألة]
من استهان بدعوة الحاكم أو القاضي ولم يجب ضرب عشرة أسواط. اهـ من مفيد الحكام لابن هشام. اهـ من المسائل.
[مسألة]
من قال لرجل يا مجرم ضرب خمسة وعشرين، وكذا إذا قال له يا ظالم ولم يكن كذلك يضرب أربعين، ولو قال له يا سارق ضرب خمسة عشر إلى عشرين. اهـ من المفيد. اهـ منها.
[مسألة]
إذا ارتفع الكلام بين الخصمين في مجلس القاضي ضرب كل واحد عشرة أسواط. اهـ منها.
[مسألة]
من تكلم في علم بما لا يجب فيه حد ضرب أربعين سوطًا. اهـ من مفيد الحكام. اهـ منها.
[مسألة]
ومن تغامز مع أجنبية أو تضاحك معها ضربا عشرين عفرين يريد إذا كانت طائعة، فإن قبلها طائعة ضربا خمسين خمسين، وكذلك من حبس امرأة ضرب أربعين، فإن طاوعته ضربت مثله. اهـ من المفيد اهـ منها.
[مسألة]
من قال لرجل يا فاسق ضرب ثمانين سوطًا.
[مسألة]
من سل سيفًا في جماعة على وجه
стр. 293
المزاح يصدرهم به فقد جفى، ويضرب عشرين سوطًا. اهـ منها.
[مسألة]
كل من آذى مسلمًا بلسانه بلفظ يضر به ويقصد به أذاه فعليه الأدب البالغ الرادع له ولمثله بقمع رأسه بالسوط، أو بضرب رأسه بالدرة، أو ظهره بها، وذلك على قدر القائل وسفاهته، وعلى قدر المقول فيه. اهـ من مفيد الحكام اهـ منها.
[مسألة]
إذا شتم أحد الخصمين صاحبه في مجلس الحاكم زجره الحاكم، وقال ابن الماجشون ومطرف: إذا أسرع إليه بغير حجة مثل يا ظالم يا فاجر زجره عنه ويضرب في مثل هذا ما لم تكن فلتة من ذي مروءة، فيتجافى عنه. اهـ منها.
[مسألة]
إذا قال الرجل لصاحبه: الله أكبر عليك فإنه يعزر إلا أن يعفو عنه خصمه. اهـ منها.
[مسألة]
إذا نهى الحاكم أحد الخصمين عن الكلام فلم يفعل، وأتى بالحجج ليخلط على صاحبه ويمنعه من الكلام، ويكثر معارضته أمر القاضي بأدبه. اهـ منها.
[مسألة]
إذا ادعى أحد الخصمين على صاحبه لزم خصمه الجواب بالإقرار أو بالإنكار، فإن امتنع من الجواب أمر القاضي بضربه بالدرة على رأسه حتى يجيب. اهـ منها.
[مسألة]
ذكر في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال:» من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما «وفي رواية في مسلم:» فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه «وغير هذا من الروايات قيل: معناه فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجح حقيقة الكفر، بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كفر نفسه إما لأنه كفر من هو مثله، أو لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان الإسلام قاله النووي في شرح مسلم، وقال المازري: قوله:» وإلا رجعت عليه «محتمل أن يكون ذلك إذا قالها استحلالاً فيكفر باستحلاله، قال النووي: وقيل معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، يعني أنه يخاف على المكثر من ذلك أن يكون عاقبة شؤمها الكفر والمصير إليه، قال ابن عبد البر: والمعنى فيه عند أهل الفقه والأثر والجماعة النهي عن أن يكفر المسلم أخاه بذنب، وقد ورد مثل هذا في قوله ﵇:» سباب المسلم فسق وقتاله كفر «وقوله ﵇:» لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض «فهذه الأحاديث وما أشبهها ليست على ظاهرها عند أهل الحق والعلم بالأصول يدفعها أقوى منها من الكتاب والسنة المجمع عليها والآثار الثابتة، وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين، واحتجوا بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله تعالى:﴾ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴿، وقوله تعالى:﴾ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ﴿ونحو هذا، والحجة عليهم قوله تعالى:﴾ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴿ومعلوم أن هذا قبل الموت لمن لم يتب؛ لأن الشرك من تاب منه وانتهى عنه غفر له، قال الله تعالى:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴿وأجمعوا على أن المذنب وإن مات مصرا يرثه ورثته، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، فهذا كله يشهد أن
стр. 294
من قال لأخيه يا كافر ليس على ظاهره، وقوله:» فقد باء بها أحدهما «أي فقد احتمل الذنب في ذلك القول، والمعنى أن المقول له يا كافر إن كان كذلك فقد احتمل ذنبه، ولا شيء على القائل له ذلك لصدقه في قوله وإن لم يكن كذلك فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم احتمله بقوله ذلك قاله ابن عبد البر في التمهيد من شرح الموطأ. اهـ من المسائل الملقوطة.
[مسألة]
من شتم أحدًا من الصحابة أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عليا أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال: إنهم كانوا على ضلال وكفر فإنه يقتل، ولو شتمهم بغير ذلك نكل نكالاً شديدًا، ومن شتم غير هؤلاء من الصحابة فعليه النكال الشديد، ومن سب عائشة قتل. اهـ من شرح الموطأ للباجي. اهـ منها.
[مسألة]
في أحكام كان ابن سهل وإن ادعى عليه أنه قذفه لم يجب عليه اليمين إلا أن تشهد بينة بمنازعة وتشاجر بينهما فيجب اليمين حينئذ. اهـ منها.
[مسألة]
إذا ثبت عند القاضي أن بعض الشهود يشهد بالزور بأخذ الجعل على شهادته عزره على رءوس الملأ، ولا يحلق له رأسًا ولا لحية ورأى القاضي أبو بكر أن يسود وجهه، قال ابن عبد الحكم: يطاف به ويشهر في المجالس والحلق وحيث يعرف الناس، قال ابن القاسم: يريد مجالس المسجد الجامع ويضربه ضربًا عنيفًا، ويسجل عليه، ويجعل من ذلك نسخًا يودعها عند الناس ممن يثق به، وقال لا أرى أن تقبل شهادته أبدًا إن كان ظاهر العدالة؛ لأن ذلك منه رياء، ولا يكاد تعرف توبته، وفي المتيطية وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه إذا تاب وحسنت حالته قبلت توبته، والأول أصح، ولم يصحب هذه الرواية عمل، واختلفوا في عقوبته إذا جاء تائبًا ولم يظهر عليه، فقال بعض الفقهاء: الأظهر لا يعاقب ولا تجوز شهادته ويغرم ما أتلف بشهادته، واختلفوا في الجراح والقتل فانظره، وفي مختصر الواضحة إن جاء تائبًا قبل الحكم بشهادته فلا عقوبة عليه، وإن كان بعد الحكم فعليه العقوبة، وأما إن ثبت ذلك بالبينة فعليه العقوبة كان ذلك قبل الحكم أو بعده، ويشهر ويفضح، وقال عبد العزيز بن الماجشون: إن كان قبل أن تظهر عليه شهادة الزور مبرزًا في العدالة فهذا لا تقبل شهادته أبدًا، وإن لم يكن مشهورًا بالعدالة ثم تاب وحسنت حالته فهذا تقبل شهادته. اهـ من وثائق ابن الهندي، وحكى ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في تاريخه أن صاحب الشرطة إبراهيم بن حسين بن خالد أقام شاهد زور على الباب الغربي الأوسط، فضربه أربعين سوطًا وحلق لحيته، وسخم وجهه وطاف به إحدى عشرة طوفة بين الصلاتين يصاح عليه هذا جزاء شاهد الزور، وكان صاحب الشرطة هذا فاضلاً خيرًا فقيهًا عالمًا بالتفسير، ولي الشرطة للأمين محمد وكان أدرك مطرف بن عبد الله صاحب مالك، وروى عنه موطأه يريد أن أفعاله يقتدى بها. اهـ من المسائل الملقوطة.
[مسألة]
لا تجوز شهادة ملقن الخصوم فقيهًا كان أو غيره، ويضرب ويشهر في المجالس، ويعرف به ويسجل عليه، وقد فعله بعض القضاة
стр. 295
بقرطبة بكثير من الفقهاء بمشورة أهل العلم عنده. اهـ منها.
[مسألة]
من وقف وقفًا على منافع الجامع صرف في العمارة والحصر والزيت وغير ذلك، ولا يعطى منه الإمام والمؤذن، ذكر ذلك الحفيد في مختصره الصغير. اهـ منها.
[مسألة]
المدارس ليست بجوامع، وإنما الجامع منها المحراب نفسه، وقيل إيوان المحراب خاصة وباقيها ليس بجامع، لأنه يجوز فيها الجماع، والأكل وجميع الصناعات وغير ذلك من المنافع. اهـ منها.
[مسألة]
الذين يصلون على ظهر الدابة المريض الذي لا يقدر على السجود والركوع ويصلي إيماء، والمقاتلون حال الالتحام مع العدو، والمسافر في الطين الخضخاض والخائف من لصوص أو سباع، والمتنفلون في السفر ذكره ابن الجلاب فهؤلاء ليست القبلة شرطًا في حقهم. اهـ منها.
[مسألة]
لا يجوز دفع الوديعة بأمارة المودع أو بكتابة، فإن فعل وجاء المودع فأنكر حلف ما أمره، ولا كتب بذلك إليه، وإنه لا حق له عليه وضمنه مثلها، أو قيمتها، ثم يرجع المودع على القابض منه، ولا يمنعه من ذلك تصديقه فيما أتى به، ولا معرفته بصحة ما جاء به وشهادته بصدقه. اهـ من أحكام ابن سهل في باب الإقرار، ومن وثائق الجزيري. اهـ منها.
[مسألة]
الذين يبيعون في الأسواق مثل الدلالين، والدلالات إذا باعوا شيئًا فاستحق رجع على صاحب المتاع لا عليهم، فإذا ادعوا تلف المتاع أو ضياعه منهم ضمنوا لأصحاب السلعة قيمتها يوم القبض. اهـ من التنبيهات للقاضي عياض. اهـ من المسائل.
[مسألة]
من اشترى أمة وادعى أنها تبول في الفراش، لم تسمع دعواه حتى يثبت أنها كانت تبول عند البائع؛ لأن هذا مما يحدث في ليلة، ويحلف البائع أنه ما علم ذلك بها، ولا يحلف بقول المشتري أنها تبول حتى يعلم ذلك بأن توضع عند امرأة، فإذا تبين ذلك جاز قول المرأة وحدها، وقول الرجل في ذلك عن امرأته لأن هذا ليس على جهة الشهادة، وإنما هو على وجه استخبار القاضي ذلك ممن يطلع عليه ويخبر به. اهـ من تبصرة الحكام.
[مسألة]
من قال لرجل إن فلانًا بعثني إليك لتعيره كذا فأعطاه، فتلفت من يده العارية فإن أقر الباعث ببعثه ضمن، وإن جحد حلف ما بعثه وبرئ وحلف المبعوث لقد بعثه وبرئ. اهـ منها.
[مسألة]
سئل مالك عمن يتسلف من رجل دراهم، ومن رجل آخر دراهم فخلطهما فوجد فيهما زيوفًا أو نقصًا، ولا يدري من أي الدراهم هي قال لا يرد عليهم إلا طيبًا، ويحلفون أنهم لم يعطوه إلا جيادًا قال القاضي أبو الوليد قوله: ويحلفون أنهم لم يعطوه إلا جيادًا معناه أنه يحلف كل واحد منهم على البتات، فإن حلفا جميعًا برئا ولزمه أن يعطيهما جميعًا طيبًا، وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر لزم الناكل ذلك، وإن نكلا جميعًا أبدلاه جميعًا بعد أن يحلف ما يعلمه من دراهم من هو منهما باتفاق، إن ادعى كل واحد منهما عليه أنه يعلمه أنه ليس من دراهمه، وعلى الاختلاف إن لم يحقق عليه الدعوى، وهذا إذا كانت له بينة على أنه وجد فيهما الزائف أو الناقص بعد
стр. 296
أن خلطهما، وقبل أن يغيب عليهما وأما إن ادعى ذلك بعد أن انقلب بهما، وغاب عليهما فليس له أن يحلف واحدًا منهما إلا على القول بلحوق يمين التهمة. اهـ من البيان. اهـ من المسائل.
[مسألة]
التسعير على أهل الأسواق غير جائز، لأن الناس مالكون لأموالهم والتصرف فيها، لا يجبرون على بيعها إلا بما يختارونه. اهـ من الجزولي. اهـ منها.
[مسألة]
قال الجزولي: ورأيت في بعض أجوبة القرويين سئل أبو محمد بن أبي زيد عن رجل دفع إلى مناد ثوبًا ليبيعه، فأعطى فيه عطاء، فشاور المنادي رب الثوب فلم يرض بالبيع وقال له: استقص فقال المنادي: ما يرى لك فيه زيادة، فرده إلى صاحبه، فباعه بهذا الثمن أو بزيادة ربه، فبلغ ذلك المنادي فطلبه بجعله أو أعطاه مناديًا آخر فباعه بهذا الثمن، أو بزيادة، قال أبو محمد: إن باعه بقرب ذلك فللمنادي حقه، وإن أعطى لمناد آخر فباعه فللأول من الأجرة بقدر عنائه فيقسم جعل الثاني بينهما بالاجتهاد، وسئل ابن شبلون عنها فقال: ليس للأول جعل، وإنما الجعل لمن باع السلعة باعها بالثمن أو بزيادة. اهـ منها.
[مسألة]
انهدام الدار لا يخلو من خمسة أوجه، إما أن ينهدم فيها الشيء اليسير فلا مقال للمكتري، وإما أن ينهدم منها الشيء اليسير الذي ينقص من الكرى ويضر به الضرر اليسير فلا كلام له في الفسخ، وله الرجوع بما نقص من الكراء، وإما أن ينهدم منها ما ينقص من الكراء شيئًا، ويضر ضررًا كثيرًا، أو تنهدم كلها أو جلها فله في هذه الوجوه الفسخ إلا أن يبنيها ربها، وهو فيها فلا خروج له، واختلف إذا بناها بعد خروجه بالقرب هل يرجع أم لا؟ فإذا استحق جلها أو كلها فله الفسخ، وإن غصبت فقيل يفسخ الكراء، ومصيبتها من، ربها وقيل بالفرق بين أن تغصب رقبة الدار فمصيبتها من ربها، وإن غصبت المنافع فمصيبتها من المكتري، وقيل إن غصبها الأعلى فمصيبتها من ربها، وإن غصبه الأسفل فمن المكتري. اهـ جزولي اهـ من المسائل.
[مسألة]
مسح الوجه باليدين عقب الدعاء فيه ثلاثة أقوال: الأول يمسح بهما وجهه سواء رفعهما أو لاً، الثاني: لا يمسح بهما وجهه، الثالث: التفرقة إن رفعهما مسح بهما، وإن لم يرفعهما لم يمسح بهما، ونقل في سلاح المؤمن ثلاثة أحاديث تدل على النسخ، ونقل ابن عبد السلام الشافعي في آخر فتاويه: ما يمسح وجهه بيديه إلا جاهل مبتدع، قال في الدر النظيم: وقد ذم الله أقوامًا فقال:﴾ يقبضون أيديهم ﴿فقيل: لا يمدونها في الدعاء ولا في السؤال ذكره في فضل الدعاء وآدابه وأوقاته وفضله في أول سورة آل عمران في الدعاء بالاسم الأعظم، وروى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ » أنه كان إذا ختم القرآن دعا قائمًا باسطًا يديه رافعهما إلى الله تعالى «وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال:» كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه «. اهـ من الترمذي في باب ما جاء في مسح الأيدي في الدعاء. اهـ من المسائل.
[مسألة]
стр. 297
للرجل الرجوع عن وصيته من عتق وغيره، قال عبد الوهاب: لأن الوصية ليست بواجبة عليه، فإن شاء ثبت عليها وإن شاء رجع عنها بالفعل والقول. اهـ منها.
[مسألة]
إذا قطع الخياط الثوب بمحضر ربه وقبضه ليخيطه فادعى ضياعه فقيل: يضمنه صحيحًا، وفي مختصر ما ليس في المختصر: يضمنه مقطوعًا، قال بعض المتأخرين: وهو أحسن منها.
[مسألة]
وإذا دعا الصانع رب المصنوع إلى أخذه وأخبره أنه قد كمل فلا يسقط عنه ذلك ضمانه إلا أن يحضره لربه كامل العمل، ثم يتركه ربه عنده فيسقط ضمانه عن الصانع. اهـ من معين الحكام. اهـ من المسائل.
[مسألة]
اختلف فيما يضمن الضمان إذا ادعى ضياع القمح، فقال ابن القاسم: يضمن دقيقًا بريعه على ما عرف من الريع، وقال مالك وابن المواز: قمحًا يريد إن لم يطحنه بعد ذلك. اهـ من معين الحكام. اهـ منها.
[مسألة]
إذا تمادي المكتري في السكنى بعد انقضاء الوجيبة فقيل: يكون عليه بحساب الكراء الأول، وقيل: يكون عليه كراء المثل، قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية: وكراء المثل أحب إلي. اهـ منها.
[مسألة]
في التنبيهات أنه لا ضمان على السمسار في دعوى ضياع المتاع ولا فيما حدث فيه من عيب، ويحلف إن اتهم ذكره في باب العيوب، وقال الشيخ أبو محمد: الوكلاء إذا لم يشهدوا ضامنون إلا السمسار الطواف في الأسواق إذا قال بعت الثوب من فلان وأنكر فلان الشراء ولم تقم بينة على البيع فالسمسار لا يضمن وهو مصدق في قوله قد بعت؛ لأن عرف الناس أن السمسار لا يشهد حين البيع، وقيل ضامن إذا لم يشهد. اهـ من التنبيهات في باب الوكالة. اهـ منها.
[مسألة]
إذا لم يكن لصبيان الحكام رزق من بيت المال كان جعل الغلام المتصرف بين الخصمين على الطالب إلا أن يلد المطلوب ويختفي ويغيب تعنتًا بالطالب فيكون الجعل في إحضاره على المطلوب. اهـ منها.
[مسألة]
قال القاضي أبو الوليد بن رشد الحكم على الغائب في مذهب مالك على ثلاثة أقسام: أحدها: غائب قريب الغيبة على مسيرة اليومين والثلاثة، والطريق مأمونة هذا يكتب إليه في كل حق إما أن يوكل، وإما أن يقدم، فإن لم يفعل حكم عليه في الدين وبيع عليه ما له من الأصول وغيرها، وفي استحقاق العروض والحيوان والأصول وجميع الأشياء من طلاق وعتق، ولم تجز له حجة في شيء من ذلك لأنه لا عذر له، والثاني غائب بعيد الغيبة على مسيرة عشرة أيام وشبهها، فهذا يحكم عليه فيما عدا الاستحقاق في الرباع والأصول من الديون والحيوان والعروض، وترجى له الحجة في ذلك، وكذلك في اليومين والثلاثة، والطريق غير مأمونة، والثالث غائب منقطع الغيبة مثل مكة من أفريقية، والمدينة من الأندلس وخراسان، فهذا يحكم عليه في كل شيء من الديون والحيوان والعروض والرباع والأصول، وترجى له الحجة في ذلك، ووافق الشافعي مالكًا في الحكم على الغائب، ومنعه أبو حنيفة، وفي البيان والتحصيل أن أهل
стр. 298
العراق لا يرون الحكم على الغائب في شيء من الأشياء، وهو مردود عليهم بنفقة الزوجة وبيع الوكيل ماله. اهـ من المسائل.
[مسألة]
إذا احتلم الغلام ومضى له عام أو نحوه ولم يظهر عليه سفه جازت أفعاله. اهـ منها.
[مسألة]
إذا جلس الرجل في الصلاة على ثوب غيره فقام صاحب الثوب فانقطع ثوبه فقال مطرف وابن الماجشون: لا ضمان على الجالس، وهذا مما لا يجد الناس منه بد في صلاتهم ومجالسهم، قال أصبغ: وعدم تضمينه لأن الجالس لم يحصل منه غير السبب والقطع إنما هو بمباشرة صاحب الثوب، والمباشر أقوى من المتسبب. اهـ منها.
[مسألة]
يؤخذ من الخلاف في المرأة تبيع من زوجها أو من ضرتها اليوم واليومين جواز النزول عن الوظيفة بشيء، ويجوز النزول عن الأقطاع بلا شيء وبعوض لا يصح، وقيل: يصح. اهـ منها.
[مسألة]
من أوصى بشيء معين فاستحق ذلك كله بطلت الوصية.
[مسألة]
الصدقة تخالف الوصية في أحد عشر وجهًا:
يرجع في الوصية دون الصدقة، لا تلزم الوصية بالعقد بخلاف الصدقة، لا توصي المرأة لزوجها وتتصدق عليه، وتجوز وصية السفيه دون صدقته، وتجوز الوصية بالمجهول وفاقًا وفي الصدقة خلاف، لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث بخلاف الصدقة، تجوز الوصية من المحجور دون الصدقة، تجوز وصية الصغير المميز دون صدقته، ونسخت الوصية للقرابة بآية الفرائض وبقية الصدقة على حالها. وقال ﵊:» لا وصية لوارث «ولم يقل لا صدقة لوارث. اهـ. منها.
[مسألة]
يفارق الغصب التعدي في خمسة أوجه: ضمان الغاصب من أول يوم، والمتعدي يوم التعدي، الغاصب يضمن وإن سلمت بخلاف المتعدي، الغاصب يضمن الفساد والمتعدي لا يضمن إلا الكثير الغصب على الكل والتعدي على البعض، لا كراء على الغاصب بخلاف المتعدي. اهـ من التنبيهات للقاضي عياض. اهـ منها.
[مسألة]
ومن أحكام عبد الوهاب: القاضي لا يقبل بعد إنذار الخصم والإعذار إليه، والحكم عليه حجة إلا في ثلاث مسائل الولاء والنسب في الطلاق ومثله في البيان ومنتخب الإحكام، وابن الماجشون لا يرى التعجيز على أحد الخصمين، وبه قال أصبغ. اهـ منها.
[مسألة]
اختلف فيمن تبدل له نعل أو خف في المسجد أو عند اجتماع الناس، أشهب وابن الماجشون: يحل له الخفان، أصبغ وابن وهب: يتصدق بثمنها على المساكين، وقيل: إن كان أجود من الذي كان له فلا يلبسه، ابن المواز: ويتصدق بذلك الخف لا يدري أربه أخذ خفه أم لا. اهـ من مسائل محمد بن ياسين الرجراجي. اهـ من المسائل.
[مسألة]
وسئل الشيخ محمد بن ياسين عن فقير تزوج ولم ينقد شيئًا فقال: لا بأس به والله أعلم. اهـ من المسائل الملقوطة.
[مسألة]
قال الطرطوشي: أخذ الفأل من المصحف وضرب الرمل والقرعة والضرب بالشعير وجميع هذه النوع حرام؛ لأنه من باب الاستقسام بالأزلام، وقد ورد القرآن بتحريم ذلك لأنه إن ظهر له فأل حسن قدم على مراده، وإن ظهر له غير ذلك لم يقدم، وإن لم يظهر له أعاد
стр. 299
الضرب ولم يحك في ذلك خلافًا للفقهاء. اهـ من قواعد القرافي في الفرق الثامن والستين والمائتين. اهـ من المسائل.
[مسألة]
اختلف في كم نزل القرآن من المدة فقيل في خمس وعشرين سنة، قال ابن عباس: في ثلاث وعشرين سنة، وقال أنس: في عشرين سنة. اهـ من القرطبي عند قوله تعالى:﴾ وقرآنًا فرقناه ﴿. اهـ من المسائل.
[مسألة]
كل شيء يأكله الإنسان لغيره فإنه ينتفع بتحليله إلا خمسة أشياء الرشوة في الحكم، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، وإجارة مغن أو نائحة، وجمع حق على أهله، فلا ينتفع بالتحليل في هذه الأشياء حتى يؤديها عن نفسه، قاله ابن محسود -رحمه الله تعالى- يريد -والله أعلم- أن هذه الخمسة لا ترد إلى أهليها، وإنما ترد فتكون في سبيل الخير. اهـ منها.
[مسألة]
المشايخ السبعة قال أبو محمد صالح: من كتب أسماءهم في ورقة وعلقها على من به حمى يبرأ بإذن الله تعالى وهم: (اس س س ع ع خ) المراد أبو بكر بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة، وخارجة بن زيد نفعنا الله بهم. اهـ منها.
[مسألة]
إذا أوصى الميت بأن يقرأ على قبره بأجرة معينة فهو نافذ كالاستئجار للحج وهو رأي شيوخنا، وفي آخر فتاوى ابن رشد في السؤال عن قوله تعالى:﴾ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴿قال: وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذلك وحصل للميت أجره، وما قاله ابن رشد يعضده ما رواه النسائي أنه ﷺ قال:» من دخل مقبرة فقرأ﴾ قل هو الله أحد ﴿إحدى عشرة مرة وأهدى ثواب ذلك لمن دفن بها كان له بعدد ذلك حسنات «وقيل غير ذلك. انظر المسائل.
[مسألة]
صفة العقد مع الوكيل أن يقول الولي للوكيل: زوجت من فلان ولا يقول زوجت منك، وليقل الوكيل: قبلت لفلان، ولو قال: قبلت لكفى إذا نوى بذلك موكله. اهـ منها.
[مسألة]
الوقف على ذكور أولاده دون الإناث مكروه وإن وقع مضى. اهـ منها.
[مسألة]
لم يجز مالك كراء السفينة أو الدابة على النصف مما يكسب عليها، فإن وقع فعلى العامل كراء المثل إن أسلمها ربها، وإن لم يسلمها بل عمل مع العامل فله أجر مثله، وكذلك له أجر مثله إذا قال أكرها ولك نصف الكراء، وإذا دفع إليه السفينة على أن يعمل عليها يومًا لنفسه ويومًا لربها جاز، وإن قال: اعمل بها اليوم فما كسبت فلك وتعمل في غد فما كسبت من شيء فلي كره، قاله ابن المواز. اهـ من وثائق الجزيري. اهـ من المسائل.
[مسألة]
سبع مسائل لا تنقطع فيها حجة العاجز بعجزه، وله أن يقوم بحجته متى وجد وهي الحبس والطلاق والنسب والعتاق والولاء وطريق العامة والدماء. اهـ من الوثائق. اهـ من المسائل.
[مسألة]
لم يكره مالك الطواف بالنعلين والخفين وهو من عمل السلف الصالح، وقد صلى ﵊ في نعله، وأما دخول البيت الحرام ورقي المنبر يعني منبر النبي ﷺ بهما فهو ممنوع لحرمتهما، فإن حرمتهما مؤكدة
стр. 300
فكره مباشرتهما بالنعل تعظيمًا لهما، وأما الحجر فهو كالطواف يجوز دخوله بالنعل قاله ابن القاسم، وقال أشهب: يكره، وكراهته في البيت أشد. اهـ من تسهيل المهمات. اهـ من المسائل.
[مسألة]
لا يلزم القاضي إذا شهد عنده شهود عدول أن يسألهم عن صفة البيع حتى يعرف هل هو صحيح أو فاسد، بل يكتفى من شهادتهما أن هذا باع من هذا داره بيعًا صحيحًا، وإن كان البيع يتنوع إلى صحة وفساد. اهـ من التبصرة، اهـ من المسائل.
(دعاء الحفظ) روي أن ﷺ أنه قال:» من أراد أن يكرمه الله تعالى بالحفظ والفهم والعقل، ويرزقه العلم والحكمة، ويلبسه لباس التقوى فليقرأ كل يوم عشر مرات﴾ ففهمناها سليمان ﴿إلى﴾ فاعلين ﴿يا حي يا قيوم يا رب موسى ويا رب هارون ويا رب عيسى ويا رب إبراهيم ويا رب محمد ﷺ وعليهم أجمعين- أكرمني بالفهم والحفظ والعقل، وارزقني العلم والحكمة، وألبسني لباس التقوى، يا قاضي الحاجات اقض حاجتي، وأكرمني بأنواع الخيرات بحفظك على جميع خلقك، يا قريبًا غير بعيد أعطنا جميع ما سألناك، وزدنا من فضلك الواسع، إني إليك راغب، وأنت ذو فضل عظيم، اغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين والمسلمات برحمتك يا أرحم الراحمين «اهـ من المسائل.
[مسألة]
إذا مر ذكر النبي ﷺ في قراءة الإمام فلا بأس أن يسأل الله الجنة وأن يستعيذ به من النار، ويكون ذلك المرة بعد المرة، وكذلك قول المأموم عند قول الإمام:﴾ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴿بلى إنه على كل شيء قدير، وما أشبه ذلك، وسئل مالك فيمن سمع الإمام يقول﴾ قل هو الله أحد ﴿إلى آخرها فقال المأموم "كذلك الله" هل هذا كلام ينافي الصلاة؟ فقال: ليس بكلام ينافي الصلاة أو ما هذا معناه اهـ من مختصر الواضحة اهـ من المسائل الملقوطة.
[مسألة]
لا وضوء على المجبوب من مس موضع القطع كمس الدبر اهـ منها.
[مسألة]
قال النحاس أبو جعفر وغيره: الاتفاق على كراهية قول الرجل لصاحبه: أطال الله بقاءك، وقال بعضهم: هي تحية الزنادقة، وفي كتاب الاستيعاب لابن عبد البر: أن عمر قال لعلي -رضي الله تعالى عنهما- صدقت أطال الله بقاك، فإن صح بطل ما ذكر من الاتفاق اهـ منها.
[مسألة]
إذا وقف كتابًا على عامة المسلمين وشرط أن لا يعار إلا برهن فلا يصح الرهن لأن الآخذ لها إن كان من أهل الوقف مستحقا للانتفاع فيده يد أمانة، فشرط أخذ الرهن فاسد، وإن أعطاه كان رهنا فاسدًا، ويكون في يد خازن الكتب أمانة؛ لأن فاسد العقود في الضمان كصحيحها، والرهن أمانة، هذا إذا أريد الرهن الشرعي، وأما إن أريد مدلوله لعله أن يكون تذكرة فيصح الشرط، لأنه غرض صحيح، وإذا لم يعلم مراد الواقف فيحتمل أن يقال بالبطلان بالشرط حملا على المعنى الشرعي، ويحتمل أن يقال بالصحة حملا على اللغوي، وهو الأقرب لصحته اهـ من المسائل نقلا عن الشيخ تقي الدين.
[مسألة]
خمس مسائل يفيتها حوالة الأسواق: البيع الفاسد في المكيل والموزون، واختلاف
стр. 301
المتابعين، والعرض بالعرض، والمرابحة، وعرض هبة الثواب. اهـ من المسائل الملقوطة.
[مسألة]
خمس مسائل لا يفيتها حوالة الأسواق: الهبة للثواب، والرد بالعيب، والشيء المغصوب، والإقالة في الطعام، والبيع الفاسد في الرباع والعقار اهـ منها.
[مسألة]
إذا وجد بهوامش الكتب كتابة الوقف فإنه يختلف باختلاف قرائن الأحوال، فإن كانت تلك الكتب مودعة في خزانة في مدرسة وقد مضى عليها مدة طويلة وقد اشتهرت بذلك فلا يشك في كونها وقفًا، وحكمها حكم المدرسة في الوقفية، فإن فقدت كتبها ثم وجدت وعليها تلك الوقفية، وشهرة كتب تلك المدرسة في الوقفية معلومة فيكفي في ذلك الاستفاضة، وأما إذا رأينا كتبًا لا نعلم مقرها ولا نعلم من كتب عليها الوقفية فهذه يجب التوقف في أمرها حتى يتبين حالها، وهو عيب يثبت للمشتري به الرد، فإذا تقرر هذا فينبغي الاعتماد على ما يوجد على أبواب الربط والمدارس والأحجار المكتوب عليها الوقفية، وتخليص شروطها إذا كانت تلك الأحجار قديمة واشتهر ذلك، ويقبل قول المتولي لذلك الوقف في مصرفه إذا لم يوجد كتاب الوقف كما في التبصرة. اهـ من المسائل.
[مسألة]
قال ابن عبد البر في الاستيعاب: المقوقس القبطي صاحب مصر وإسكندرية روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: حدثني المقوقس قال: أهديت إلى رسول الله ﷺ قدح قوارير فكان يشرب فيه الماء. اهـ منها.
[مسألة]
قال مالك: وأكره الصلاة على بساط أو حصير مبتذل يمشي عليه الصبي والخادم ومن لا يتحفظ، وليتخذ الرجل في بيته موضعًا للصلاة يصونه عن ذلك، أو حصيرًا نقيًا، فإن لم يفعل وصلى حيث شاء من البيت ولا يوقن فيه النجاسة لم يعد. اهـ من المسائل الملقوطة.
[مسألة]
نقل أبو محمد عبد الله بن فرحون في شرح مختصر الموطأ له أنه وقف على كتاب من كتب المالكية فيه أن مالكًا ﵁ قيل له: هل الصلاة فيما زيد في مسجده ﵊ كالصلاة في المزيد فيه في الفضل؟ فقال: ما أراه ﵇ أشار بقوله:» صلاة في مسجدي هذا «إلا لما سيكون من مسجده بعد، وأن الله أطلعه على ذلك حتى أشار إليه انتهى. ومذهب الأئمة الثلاثة أن حكم الزيادة حكم المزيد فيه كمذهب مالك والنووي رجع إلى موافقتهم. انظر المسائل.
(الفصل الثاني) فيما نقل من فتاوى العلامة الأمير. (ما قولكم) في ظالم أخذ من رجل ماشية فذهب ذلك الرجل إلى فقير وقال له: اذهب إلى الظالم وتحايل على إخراجها من يده، وإن أخرجتها فلك نصفها، ففعل ذلك فهل له نصفها أو جعل مثله؟
(الجواب)
الحمد لله، إذا تعين ذلك التخليص على الفقير بأن لم يمكن التخليص من الظالم بغيره فلا شيء له لأن تخليص المستهلك في هذه الحالة فرض عين، فلا يؤخذ عليه أجر وإن لم يتعين، فإن كانت الماشية معلومة القدر والصفة للفقير صحت
стр. 302
المعاقدة، وكان له نصفها، وإن كان فيها جهالة فله جعل مثله والله أعلم، كذا في فتاوى الأمير.
(ما قولكم) في رجل اشترى نخلاً وكتب حجة الشراء بخط رجل عدل، ثم فارقه، فإذا بعدلين أطلعهما على تلك الوثيقة فقرآها، وتحققا ما فيها، وخط كاتبها بمعرفتها له سابقا، ووضع المشتري يده على المبيع، ثم ضاعت وثيقة المبيع، ومات الكاتب والبائع فأنكر البيع ورثته، فهل تصح شهادة العدلين اللذين اطلعا على الوثيقة، وعرفا مضمونها وخط كاتبها، إذا ذكرا ذلك ويكون حكم شهادتهما حكم شهادتهما على الوثيقة؟
(الجواب)
الحمد لله المعتمد في المذهب أن الشهادة لا بد فيها من حضور الخط كما ذكره الزرقاني وغيره؛ لأنه إذا عدم كان نقلاً عن الخط، وهو لا يجوز، كيف والشهادة على الخط مختلف فيها من أصلها مع وجود الخط؟ فتزداد بالغيبة ضعفًا، فلا يكتفي بشهادة العدلين في المسألة المذكورة.
(ما قولكم) في دعوى الملكية، هل لا بد أن تصدر في مدة الحيازة كما قال العلامة البناني على الزرقاني، ويسكت المحاز عنه، أو تكفي دعوة الملكية زمن المنازعة؟
(الجواب)
الحمد لله، ظاهر عبارة الزرقاني أن دعوى الملكية المشترط في الحيازة لا بد أن تصدر في مدة الحيازة ولو مرة، ولكن ذكر شيخنا العدوي فيما كتبه أنها تكفي حين المنازعة والله أعلم.
(ما قولكم) في امرأة ماتت وتركت مالاً فهل يلزم زوجها تكفينها وتجهيزها أم لا؟ وما اعتيد بين الناس في فعل السبح والجمع إذا فعله زوجها بإذن باقي الورثة، هل يكون ما صرفه من أصل التركة لإذنهم له فيه أم يكون على الزوج فقط؟
(الجواب)
الحمد لله وحده، تكفين المرأة وتجهيزها الشرعي ليس على الزوج ولو كان موسرًا، وما اعتيد من السبح والجمع كل ذلك مع الكفن ومؤن التجهيز من رأس التركة، لكن إن زاد على الثلث احتاج لإذن الورثة، وعادة الأمثال تخرج من الثلث، والعادة كالوصية والله أعلم.
(ما قولكم) في طين الزراعة بمصر هل يورث؟ وهل يختص به الذكور أو يرثه الذكور والإناث؟ وهل للملتزم أن يزيد في الخراج؟
(الجواب)
الحمد لله وحده أصل نصوص المذهب تقتضي عدم الإرث، وأنه وقف يوضع خراجه في بيت المال لمصالح المسلمين، والناظر عليه السلطان ونائبه يقوم مقامه، والملتزم مكنه نائب السلطان، فله التصرف بالزيادة والنقص في الخراج على ما تقتضيه المصلحة الشرعية، لكن وقعت الفتوى من المشايخ المصريين بالتوريث كالشيخ عبد الباقي والشيخ إبراهيم الشبرخيتي والشيخ يحيى الشاوي، وقد سألت عن ذلك شيخ المشايخ الشيخ عمر الطحلاوي -عليه سحائب الرحمة- ما وجه الإرث في الوقف؟ فقال: إنهم جعلوه ملحقًا بالخلو، قلت: وهذا ظاهر إن حصل من واضع اليد إصلاح للأرض يظهر أثره فيها كإزالة شوكها أو حرثها أو نحو ذلك مما يلحق بالبناء في الأوقاف بإذن الناظر لمصلحة، فيكون خلوًا ينتفع به ويملك، وقد قال بالملك حقيقة والإرث من يقول من العلماء إن مصر فتحت صلحًا لا عنوة وليس
стр. 303
للملتزم الزيادة الفاحشة في الخراج، وأول من رتبه سيدنا عمر ﵁، والملتزم عليه القيام بما تحتاج إليه الأرض من المصالح، وعليه حماية الناحية من المظالم، ومما يضرها ويدفع الخراج لبيت المال ليصرف في جهاته الشرعية، والملتزم الآن يسلب الأموال ويؤذي الفلاحين، فلو وقع أن نائب السلطان مكنه على هذا الوجه فهو فاسد، والسلطان ونائبه وكلاء عن المسلمين في بيت المال، والوكيل لا يتصرف إلا بالمصلحة، فليفت بالإرث في منفعة الطين، والملتزم ليس له إلا الخراج من باب من اشتدت وطأته وجبت طاعته، وليس له إلا الاختصاص بالطين، ولا يجوز منع البنات من الإرث، ولو جرى عرف بمنعهن فهو فاسد لا يعمل به، بل ربما كن أحوج وأحق بما أصله من جهات بيت المال، وسئل أيضا العلامة الأمير عن معنى واحد لا من قلة؟ فأجاب بأن الذي يحضره في معناه أوجه الأول ليست وحدته من أجل قلة من يتصف بالكمالات وصفات الحمد، فإن هذا إنما يكون في الحوادث، وفي الحقيقة الوحدة بهذا المعنى نقص، وأما وحدة الحق فذاتية بكمال لا سبيل لتطرق الاشتراك إليه، وقريب من هذا أن يقال إن معنى واحد لا من قلة أنه ليس له ماهية كلية يمكن تعداد أفرادها لكنها قلت فلم يوجد منها إلا واحد، بل هو منزه عن الماهية الكلية، وعن الجنس ووحدته، وحدته ذاتية لا يمكن فيها تطرق كثرة ولا قلة. الثاني: أن معنى واحد لا من قلة ليست وحدته ناشئة عن تقليل بأن يكون له أنداد وأشباه وشركاء، فسطا عليهم حتى قللهم وأبادهم على عادة الملوك فصار واحدًا انفرد بالملك، بل وحدته أزلية قديمة ذاتية ليست ناشئة عن قلة بمعنى تعليل. الثالث: أن وحدته ليست من حوادث القلة كما يقع في بعض الحوادث، بل هو واحد إليه ترجع جميع الكثرات، وعلى وحدته تدور،﴾ ألا إلى الله تصير الأمور ﴿فهو واحد ظهرت وحدته في جميع المظاهر و﴾ هو الأول والآخر والظاهر والباطن ﴿﴾ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ﴿إلى قوله تعالى:﴾ إنه بكل شيء عليم ﴿وهذا معنى شريف لا يمكن شرحه بالتعبير، إنما يذاق بحسب الفتح والتجلي من الفتاح، الرابع: أنه تعالى لا يوصف بقلة ولا كثرة، فإنها من صفات الحوادث﴾ ليس كمثله شيء ﴿وجميع ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، سبحان من لا يعلم قدره غيره، ولا يبلغ الواصفون صفته.
(ما قولكم) في رجل له أثر فلاحة فغرس فيها نخيلاً وأثمر، فأراد الملتزم أن ينتزع صاحب الأثر من النخل فهل لا يسوغ له ذلك، وعلى صاحب الأثر خراج المثل؟
(الجواب)
لا يسوغ للملتزم نزع الأثر من الذي غرس النخل فيه؛ لأن الطين وإن كان جنسًا على مشهور المذهب في أرض، لكن الأثر ملحق بالخلو الذي لا يملك في الوقف، كذا أفتى به العلامة الطحلاوي في مذاكرتي له -عليه سحائب الرحمة والرضوان-
стр. 304
موجهًا فتوى من أفتى فيه بالإرث كالشيخ إبراهيم الشبرخيتي، والشيخ إبراهيم الشاوي المغربي، وغيرهم ﵀ ورحمنا معهم- وعلى صاحب الأثر خراج المثل والله أعلم.
(ما قولكم) فيما قاله أهل السنة من أن الله تعالى يعلم الأعداد والنعم الأخروية الدائمة وعذاب الكفار الدائم في الآخرة وهي لا نهاية لها، فإن قلتم يعلمها تفصيلاً يلزم أنها متناهية، والغرض أنها لا نهاية لها، وإن قلتم يعلمها إجمالاً لا يلزم منه الجهل بتفصيلها، وهو عليه تعالى محال، وإن قلتم إنه يعلم أنها لا نهاية لها يلزم منه الجهل بما سيوجد منها، وهو عليه تعالى محال ممتنع، اكشفوا لنا اللثام عن ثغر هذا المرام، نفع الله بكم الأنام بالنبي المصطفى وآله الكرام؟
(فأجاب) سيدي العلامة الأمير بما صورته لزوم التناهي للعلم التفصيلي، إنما هو بحسب العلم الحادث، وهو تعالى لا يبلغ الواصفون صفته، ولا يعلم قدره غيره، وسع كل شيء علمًا، فلا يلزم جهل ولا تناهي، والبحث عن كيفية علمه سبحانه لا يجوز، ولا تسعه العقول، بل نقول: يعلم علمًا لا نعلم نحن كيف هو كما نقول موجود بلا كيف وبلا زمان ولا مكان وبلا أول ولا آخر، ومن يكون كذلك لا يبعد عنده علم تفصيل بلا تناهي، سبحان من ليس كمثله شيء وهو بكل شيء عليم، وسئل ﵁ عن النور المحمدي، هل هو جسم أم لا؟ وإذا قلتم بأنه جسم فلا بد له من حيز هناك لأنه أول المخلوقات، فلا سماء ولا أرض ولا غيرهما قبله، فيجاب بأن النور المحمدي لا تطلق عليه الجسمانية، نعم هو جوهر قائم بذاته، وأما الحيز فهو مرفوع موهوم عند أهل السنة لا يحقق، وإنما يتم قول السائل لا بد له من حيز ولا حيز هناك لو كان الحيز أمرًا وجوديًا، وهو خلاف مذهب الجماعة، فعلى مذهبهم لا إشكال، والله أعلم بحقيقة الحال.
(ما قولكم) في رجل وقف ما يملكه من دور وحوانيت على أخيه، ثم بعد موت أخيه يكون لأولاد الواقف، والحال أنه استمر حائزًا له متصرفًا فيها مدة حياته، فهل هذا الوقف باطل؟
(الجواب)
حيث استمر الواقف واضعًا يده على ما وقف إلى أن مات، ولم يحز عنه حيازة صحيحة، كان الوقف باطلاً، ويكون تركة للواقف والله أعلم. اهـ ما تلخص من فتاوى الأمير.
(من فتاوى العلامة الأمير أيضًا) رجل اشترى من آخر نصف دابة على أن يقضيه الثمن من أولادها، فهل هذا البيع فاسد، وإذا قلتم بفساده فهل يمضي بمفوت؟
(الجواب)
البيع فاسد وهو من حبل الحبلة، ويرجع المشتري على البائع بالكلفة، وإذا فات بحوالة سوق أو مكث الحيوان شهرًا ببيت المشتري مضى البيع بالقيمة.
(سؤال) ما يقع من مواساة الرجل صاحبه عند الفرح كزواج أو قدوم من حج هل يقضي بالعوض؟
(الجواب)
يقضى له بالعوض لأنها هبة ثواب، فيدفع له ما فيه وفاء بقيمة الموهوب مما يباع به شرعًا، ولا يلزم الموهوب له
стр. 305
التأخير إلى حدوث عرس مثلا عند الموهب، قاله الأجهوري، وظاهره أنه لا يعمل بعرف التأخير، وفي البرزلي أنه يعمل به، وللموهوب له أن يقاصص الواهب بقيمة ما أكله هو، وبما أكله من حضر الوليمة تبعًا له، ذكره الشيخ عبد الباقي الزرقاني على المختصر، وما يدفع للطبال ونحوه ويقصد به صاحب الفرح فإن كان مأذونًا فيه شرعًا كالكبر في النكاح وهو الطبل الكبير، فإن علم به صاحب الفرح وأقره فحكمه حكم المدفوع له، وأما ما نهي عنه شرعًا فمن دفع فيه شيئًا فهو الذي أتلفه على نقسه، ولا عبرة بقصد صاحب الفرح ولا إذنه.
(ما قولكم) في رجل له بعض أولاد يتكسبون معه، وبعض لا يتكسب، فمات عن الجميع، فهل يختص من يتكسب بشيء ويشارك إخوانه فيما بقي أم لا؟
(الجواب)
العادة محكمة في ذلك، فإن كان عرفهم البناء على المسامحة، فهو تبرع للأب، فذلك الذي يتكسب لا يختص بشيء بعد موت أبيه، وإن كان عرفهم عدم البناء على المسامحة فيحاسب بقدر تكسبه بنظر أهل المعرفة.
(ما قولكم) في رجل أعطى لآخر دابة واشترط كلفتها، وأن له في نظير كلفتها نصفها ونصف نتاجها؟
(الجواب)
هذا بيع فاسد للجهل بالثمن قدرًا وأجلاً.
(ما قولكم) في رجل عيره آخر بكونه كثير القرض، أو كونه كثير السفر، أو كونه فقيرًا، فقال لمن عيره: النبي ﷺ اقترض ومات غريبًا وعاش فقيرًا.
(الجواب)
يشدد في الأدب على قائل هذا بالاجتهاد خصوصًا في مسألة الفقر، وإنما لم يكفر لأنه لم يقصد تنقيص النبي ﷺ وإنما قصد دفع العار عن نفسه كما قال سيدي خليل أو تعيرني بالفقر والنبي ﷺ قد رعى الغنم. اهـ وإنما شدد عليه لأن أحوال الأنبياء ليست كأحوالنا، فإنهم أعرضوا عن أمور الدنيا لخستها عند ربهم، فلا يقاس حالنا بحالهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. اهـ بتوضيح.
(ما قولكم) في رجل أعطى لآخر عرضًا هبة مدعيًا أنه يملكه، ثم جاء رجل آخر وادعى أنه يملك ذلك العرض، فهل إذا حضر الواهب وقال لمن وهب له هبتي لك باطلة لكوني لا أملك ذلك العرض وهو ملك لهذا المدعي؟
(الجواب)
هو كمن أقر بشيء لفلان ثم قال لا بل فلان، والحكم أنه للأول، ويقضي للثاني بقيمة العرض على المقر لأن إقرار الشخص إنما يسري على نفسه فيما يملكه لا فيما تعلق به حق للغير، وقال عيسى بن دينار حيث ادعاه الثاني فله اليمين على الأول، فإن حلف فكما تقدم، وإن نكل حلف الثاني وأخذه، ولا شيء للأول.
(ما قولكم) فيمن له على آخر دين بوثيقة شرعية فقطعت من تلك الوثيقة قطعة لا تتم فائدة تلك الوثيقة إلا بما في تلك القطعة كقدر الدين، فأحضر رب الوثيقة بينة رأت تلك القطعة قبل قطعها، وشهدت أن تلك القطعة بخط ذلك الباقي، وشهدت بما فيها سابقًا، وعينت القدر، فهل يعمل بهذه الشهادة ويجري على القطعة الضائعة من الوثيقة حكم الباقي الموجود؟
(الجواب)
الشهادة على القطعة
стр. 306
الضائعة من الوثيقة يعمل بها، لأنه لا بد من حضور الخط المشهود عليه لضعف الشهادة على الخط، وكثرة الخلاف في العمل به، وحضور البعض الذي لا تتم به الفائدة كالعدم.
(ما قولكم) في أولاد مخالطين لأبيهم في التكسب بعد بلوغهم، ثم بعد مدة من الزمان حصلت منازعة بينهم وبينه، وادعوا الشركة معه في جميع المال، وأصل المال للأب، فهل لا شيء للأولاد أو لهم أجرة المثل؟
(الجواب)
إن لم يتبرع الأولاد بالعمل فلهم أجرة مثلهم، ويحاسبهم بنفقته عليهم.
(ما قولكم) فيمن حلف لا يسكن هذه البلد أو لأنتقلن منها؟
(الجواب)
من حلف لا يسكنها يخرج لأي بلدة غيرها ولا يعود إليها أصلاً حيث أطلق في نيته بخلاف قوله: لأنتقلن فإنه يخرج ويمكث نصف شهر وقد تحقق الانتقال.
(ما قولكم) فيمن حلف لزوجته بالثلاث أنه لا يزني ثم زنى ولزمه الثلاث، ثم جعل له شافعي محللاً فدخل بها ثم طلقها ذلك المحلل، ثم أباحها لزوجها الأول شخص بصيغة المراجعة قبل انقضاء العدة من المحلل، ثم أخبره من راجعها له بعد المحلل أن مراجعته لها لم تصادف الصواب، وأن وطئه لها حرام، وقال له: أنا بريء منك فتساهل في ذلك واستمر عليها حتى ولدت الأولاد، فهل تلحق به الأولاد ويكون وطؤه وطء شبهة أو لا تلحق به حيث تساهل ولم يمتثل ما قيل له؟
(الجواب)
يدين هذا الرجل، فإن قال اعتقدت صحة المراجعة الأولى ووطئت معتمدًا على صحتها ولم أصدق الخبر الثاني، وكل لدينه، وكان وطؤه وطء شبهة، وتلحق به الأولاد لتشوف الشارع للحوق النسب، وإن اعترف بأنه وطئ داخلاً على الزنا لم تلحق به الأولاد، والمرأة تأبد تحريمها لأنه وطئ أولاً بالشبهة في العدة، والله أعلم، كذا في فتاوى الأمير.
الفصل الثالث في فتاوى للمؤلف ولولديه محمد عابد ومحمد علي
(ما قولكم) دام فضلكم فيما إذا رفعت المرأة لعالم بأن زوجها قد غاب عنها إلى نحو السودان وتركها بلا نفقة، ولم يوكل لها وكيلاً لينفق عليها، ولا مال له تنفق منه، وأثبتت دعواها لديه بالبينة حتى ظهر لهذا العالم صدق دعواها فأمرها بالانتظار سنة، وبعد السنة أمرها بتطليق نفسها من زوجها على رجل آخر، فلما حضر الزوج الآخر وجدها متزوجة على الزوج الثاني، فرفع أمره إلى قاضي البلد، فأحضر له القاضي المرأة وزوجها الثاني، والعالم الذي فسخ النكاح وزوجها على الثاني، وحضر مع الجميع عند القاضي رجل مالكي المذهب، فقال ذلك الرجل للعالم المذكور: كيف ساغ لك أن تفرق بين الزوجين بمكة وهي بلدة غاصة بحكام الشرع والسياسة والمفتين، وأطلعه على نصوص المذهب المالكي المعينة عدم جواز رفع المرأة أمرها لجماعة المسلمين إلا عند عدم الحكام أو تعذر الوصول إليه، فأجابه العالم المذكور قائلا: إن بيدي نصوصًا تؤيد أنه يجوز الرفع إلى جماعة المسلمين مع وجود الحكام الشرعيين والسياسيين، فقال الرجل المالكي: لو سلمت هذا القول
стр. 307
١ - ٣٠٨
جدلاً فما أنت بمفردك جماعة المسلمين، وعبارة علماء المذهب فيها مختلفة، فمن قائل: إن جماعة المسلمين أهل البلدة، ومن قائل: المعظم، ومن قائل: أقلهم ثلاثة، وقول ضعيف أنه يكفي الاثنين، وقول أضعف منه أنه يكتفى بالواحد، وقد ادعى الزوج الغائب أنه ترك زوجته حاملاً في ثلاثة أشهر، فهل الحق ما قاله الرجل المالكي، فلا يصح الفسخ ولا العقد المرتب عليه، ويكون الحمل الذي ادعاه الغائب له أو ما قاله العالم المذكور فيصح الفسخ والنكاح المترتب عليه، والأولاد الناشئة منه للزوج الثاني أم كيف الحكم؟ أفتونا مأجورين ولكم الأجر والثواب.
(فأجبت) عنه بقولي: ما قاله الرجل المالكي من أنه لا يجوز الرفع لجماعة المسلمين إلا عند عدم الحكام، أو تعذر الوصول إليهم هو الحق لقول العلامة الشيخ عليش في منح الجليل على سيدي خليل وإن رفعت لجماعة المسلمين مع وجود القاضي لم يصح، وإن رفعت لهم عند عدمه صح لأنهم كالإمام عند عدمه. انتهى، وما قاله الرجل المالكي من أنه لا يكتفى بالواحد ولا بالاثنين فهو الحق أيضًا لقول العلامة الشيخ عليش في المنح أيضًا وتعبير المصنف يعني الشيخ خليل كغيره بجماعة المسلمين يقتضي أن الواحد منهم لا يكفي، وكذا الاثنان، وبه أي بعدم كفاية الواحد والاثنين صرح الشيخ علي الأجهوري. انتهى، وقال العلامة البناني: وقول الشيخ عبد الباقي: والواحد كاف لم أر من ذكره، ولا أظنه يصح، قاله الشيخ أبو علي المسناوي. اهـ فبناء على ما ذكر لم تزل المرأة في عصمة الزوج الأول والولد له، ونكاح الثاني غير صحيح، ويجب على ولي الأمر تعزير العالم التكروري بما يراه رادعًا له ولأمثاله لأمرين: الأول: أنه ارتكب أمرًا محرمًا شرعًا ترتبت عليه من المفاسد ما لا يخفى، والثاني: أنه لم يطع أمر السلطان الذي أوجب عليه الله جل شأنه بقوله تعالى:﴾ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴿فإن السلطان قد صدر منعه من وقوع الفسخ أو الخلع من أحد غير القاضي. اهـ والله أعلم.
(ما قولكم) دام فضلكم في طائفة من المسلمين بدلوا أركان الإسلام الخمسة التي هي قواعد هذا الدين الذي جاء به النبي ﷺ ، وقالوا: إن هذا عتيق لا يوافق مصلحة هذا الزمان، واخترعوا لدينهم الحديث اسم قوم جديد، وزعموا أنهم استنبطوا من الآيات والأحاديث أركانًا خمسة لدينهم وهي: العقل وكلمة الشهادة، والأخلاق الحسنة، والجهاد، والحرب بالمال والبدن، والاتحاد والاتفاق تحت لواء السلطنة التركية العظيمة لتحصيل لوازم الحرب وموهوا على الناس بقولهم: نحن لا ننكر أركان الإسلام الخمسة؛ بل نتمسك بها ونحترمها إلا أننا ننكر كونها من الدين، بل هي من عقائد القوم العتيق لا ينبغي لأهل قوم جديد أن يتقيدوا بها، فهل والحالة هذه يجب على كل مسلم الإنكار عليهم؟ وهل يجب الخروج عليهم إن كانوا حكاما أم لا؟ وهل يقرون على ذلك كالكفار الأصليين أم يعاملون معاملة المرتدين
стр. 308
لا تقبل منهم إلا التوبة أو القتل، وهل ضرر هؤلاء على الإسلام أشد من الكفار أم لا؟ أفتونا بالجواب الشافي والأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، وليكن جوابكم على صفحات القبلة الغراء ليطلع عليه الخاص والعام.
(فأجبت بما نصه) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نعم يجب على كل مسلم وجوبا كفائيا الإنكار عليهم في ذلك، ونهيهم عنه بقدر الاستطاعة إذ هو من أقبح المناكر، حيث إنه من المكفرات شرعا كما سيتضح، وقد أجمع العلماء المقتدى بهم على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشرع، وقال تعالى:﴾ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ﴿الآية، وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:» من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان «قال العلامة الشيخ محمد الأمير: ومعنى ضعفه دلالته على غرابة الإسلام وعدم انتظامه، وإلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ويجب الخروج عليهم حيث كانوا حكاما، ففي المشكاة عن عبادة بن الصامت قال:» بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من الله فيه برهان «متفق عليه، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :» السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة «متفق عليه، وروي في شرح السنة عن ابن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ » لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق «ويعاملون معاملة المرتدين، يقتلون كفرًا إن لم يتوبوا لأنهم جحدوا معلوما من الدين بالضرورة، وهو وجوب الصوم والصلاة والزكاة وحج البيت على قوم جديد، وجحد المعلوم مستلزم لتكذيب النبي ﷺ في إخباره عنه أنه من الدين في حق جميع المكلفين، وفي المشكاة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :» يكون أمتي فرقتين فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق «رواه مسلم، ولا شك أن ضرر هؤلاء أشد من الكافر، إذ الكافر لا يميل له المسلم إلا لمصلحة أو طمع في ماله مع اعتقاده حرمة موالاته، وهؤلاء يغرون المسلمين بظواهر إسلامهم ونطقهم بالشهادتين، فيعتقد المسلم بذلك وجوب موالاتهم وهم يخادعون المسلمين بأنواع خدائعهم وتمويهاتهم المميلة لضعفاء عوام المسلمين عن الملة الحنيفية السمحاء، أعاذنا الله والمسلمين من شرورهم، وطهر الله البقاع من أثر غرورهم بمحمد خاتم الإرسال صلى الله وسلم عليه وعلى جميع الآل.
(ما قولكم دام فضلكم) فيما جرت به عادة الأنام من القيام عند قراءة مولده ﵊ بنية الإكرام، هل هو مستحب أو لا؟ وما دليل الأول الذي يستند له القائل به، وقد أخرج الترمذي عن أنس أنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله -صلى الله عليه
стр. 309
وسلم- وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك، فكيف يصح إكرامه بما يكرهه؟ وهل فرق بين الإكرام حال حياته والإكرام بعد موته؟ وعلى الثاني كيف يفعله العلماء الكرام؟ وهل يجب على والي الأمر أن يمنع منه بمقتضى قاعدة الإسلام؟ أفتونا.
(الجواب)
الحمد لله نص العلامة ابن حجر في فتاويه الحديثية على أن فعل كثير عند ذكر مولده ﷺ ووضع أمه له من القيام بدعة لم يرد فيه شيء على أن الناس إنما يفعلون ذلك تعظيمًا له ﷺ فالعوام معذورون لذلك بخلاف الخواص. اهـ وأقول: قد جرى على استحسان ذلك القيام تعظيمًا له ﷺ عمل من يعتد بعمله في أغلب البلاد الإسلامية، وهو مبني على ما للنووي من جعل القيام لأهل الفضل من قبيل المستحبات إن كان للاحترام لا للرياء، وألف في ذلك جزءًا مستقلاً، وأقوى ما استدل به حديث البيهقي في سننه أن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت أحدًا كان أشبه كلامًا وحديثًا من فاطمة برسول الله ﷺ وكانت إذا دخلت عليه رحب بها وقام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها رحبت به وقامت وأخذت بيده فقبلتها، وتعقبه ابن الحاج في المدخل، وتعقب تعقبه ابن حجر، وألف في ذلك جزءًا سماه رفع الملام عن القائل باستحباب القيام للداخل من أهل الفضل والاحتشام وما قول بعضهم:
فلما بصرنا به مقبلاً ... حللنا الحبى وابتدرنا القيام
فلا تنكرن قيامي له ... فإن الكريم يجل الكرام
كما في حاشية ابن حمدون على مختصر الشيخ ميارة على نظم ابن عاشر، وبالجملة فالقيام عند ذكر مولده ﷺ ووضع أمه له تعظيمًا له ﷺ بدعة حسنة لا ينبغي لأحد من الخواص والعوام تركه، ولا المنع عنه، بل ربما استلزم تركه والمنع عنه اليوم الاستخفاف بالنبي ﷺ وقد نص العلامة خليل في مختصره وشراحه على أن المستخف بنبي أو ملك يقتل كفرًا إن لم يتب، وإلا قتل حدًا، فمن هنا أفتى المولى أبو السعود العمادي الحنفي بكفر من يتركه حين يقوم الناس لإشعاره بضد ذلك كما نقله الشيخ عبد الرحيم السيوطي الجرجاوي المالكي في شرحه على مولد البرزنجي عن مولد الإمام الحلواني والطنطاوي، والله أعلم.
(ما قولكم) دام فضلكم فيمن لاحظ في وضوئه المذاهب الأربعة، وأم بجماعة على غير مذهبه، فهل تصح صلاتهم خلفه أو لا أفتونا؟
(الجواب)
في شرح أقرب المسالك مع المتن وتوضيح من الصاوي عليه، وجاز بمعنى خلاف الأولى إمامة مخالف في الفروع كشافعي وحنفي، وإن علم أنه مسح بعض رأسه، أو لم يتدلك، أو مس ذكره، لأن ما كان شرطًا في صحة الصلاة أي خارجًا عن ماهية الصلاة فالعبرة فيه بمذهب الإمام، ولو كان شرطًا
стр. 310
في صحة الاقتداء، أو ركنًا داخلاً فيها، فالعبرة فيه بمذهب المأموم. اهـ ومنه يعلم صحة صلاة المقتدي بالمخالف في الشروع حيث راعى في نحو الوضوء المذاهب الأربعة بالأولى، والله أعلم.
(ما قولكم) دام فضلكم فيمن اتهم زوجته أنها تشرب الخمر بسبب إلقاء المفسدين له ذلك فقال لها: إما أن تختاريني أو تختاري شرب الخمر، فقالت عند غضبها من كلامه: أختار شرب الخمر ولا أختارك، فقال لها الرجل: إن اخترت شرب الخمر فأنت طالق، وهي لم تشرب الخمر قط، فهل يقع عليه الطلاق أم لا؟
(الجواب)
في شرح أقرب المسالك للعلامة الدردير التخيير جعل إنشاء الطلاق ثلاثًا صريحًا أو حكمًا حقًا لغيره مثال الحكمي اختاريني أو اختاري نفسك أو أمرك، قال: وقال القرافي ما حاصله أن مالكًا -رحمه الله تعالى- بنى ذلك، أي كون التخيير مثلاً عبارة عن جعل نحو اختاريني أو اختاري نفسك إنشاء للطلاق ثلاثًا حكمًا حقا لغيره على عادة كانت في زمانه أوجبت نقل اللفظ عن مسماه اللغوي إلى هذا المفهوم، فصار صريحًا فيه، أي في الطلاق، هذا هو الذي يتجه ويلزم عليه بطلان هذا الحكم اليوم، ووجوب الرجوع إلى اللغة ويكون كناية محضة كما قاله الأئمة الثلاثة؛ لأن العرف قد تغير حتى لم يصر أحد يستعمل هذا اللفظ إلا في غاية الندرة والقاعدة أن اللفظ متى كان الحكم فيه مستندا لحكم عادي، بطل ذلك الحكم عند بطلان تلك العادة، وتغير إلى حكم آخر اهـ. قال الصاوي: ومعنى قوله: ويكون كناية محضة أنه يكون عند الرجوع إلى اللغة كناية خفية. اهـ أي: فيجري على ما نواه به المخير، وسياق كلام السائل دال على أنه لم يقصد به الطلاق، ولا شك أن لفظ التخيير اليوم لم يستعمله أحد في الجعل المذكور إلا في غاية الندور كما كان في زمن القرافي، فبناء على ذلك لم يلزمه السائل إلا طلقة واحدة رجعية بقوله: إن اخترت شرب الخمر فأنت طالق، والله أعلم.
(ما قولكم دام فضلكم) في الجمع بين الأحاديث المتعارضة في تصوير الحيوانات كالحديث الذي روي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- وحديث أبي طلحة وعن المراد بالرقم بالثوب المستثنى في حديث أبي طلحة، وعن المراد بالصورة المجسمة وعن حكم اتخاذ صورة الحيوانات بالفوتوغراف أفتونا؟
(الجواب)
المعتمد عندنا معاشر المالكية أن التمثال إن كان لغير حيوان كالشجر جاز، وإن كان لحيوان فما له ظل ويقيم فهو حرام بإجماع، وكذا إن لم يقم كالعجين خلافًا لأصبغ لما ثبت أن المصورين يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم أحيوا ما كنتم تصورون، وما لا ظل له إن كان غير ممتهن فهو مكروه، وإن كان ممتهنًا فتركه أولى، كما في توضيح الشيخ خليل على مختصر ابن الحاجب، وهو المنصوص عليه في غير ما ديوان، لكن محل تحريم تمثال الحيوان الذي له ظل إذا لم يكن ناقص عضو لا يعيش بدونه ولا مخروق
стр. 311
البطن خرقًا لا يعيش مثله به، وإلا جاز، ونقل الشيخ عبد الباقي الزرقاني عن الحطاب أنه يستثنى من التصوير المحرم تصوير لعبة على هيئة بنت صغيرة تلعب بها البنات الصغار، فإنه جائز ويجوز بيعها وشراؤها لتدريب البنات على تربية الأولاد. اهـ. وفي اشتراط كون اللعبة الجائزة للبنات الصغار ناقصة أو مما لا يبقى، وعدم اشتراط ذلك خلاف رجح بعضهم الأول، والجمع بين الأحاديث المتعارضة على ما ذكر يحمل الحديث الذي لعائشة ونحوه على كراهة التنزيه لا على التحريم، وأن الرقم في الثوب مستثنى من الصور المحرمة، والمراد به تمثال الحيوانات، وجمع الشافعية بأن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت الصورة فيه من غير ذوات الأرواح كصورة الشجر ونحوه كما في النووي على مسلم، قال في الفتح: ويحتمل أن يكون ذلك قبل النهي، كما يدل عليه حديث أبي هريرة الذي أخرجه أصحاب السنن. اهـ. ولفظه في بعض رواياته "أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان على الباب تماثيل، ولفظ رواية الترمذي كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذي في البيت فليقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع، فتجعل منه وسادتين منبوذتين يعنى لطيفتين توطآن، ومر بالكلب فليخرج، ففعل النبي ﷺ وإذا الكلب لحسن أو حسين ﵄ كان تحت نضد أي بنون مفتوحة فمعجمة كذلك سرير لهم، فأمر به فأخرج، وفي رواية النسائي: إما إن تقطع رءوسها أو تجعل بسطًا توطأ، ولا يقال للصورة المأخوذة بالفوتوغراف مجسمة، إذ المجسمة ما كان لها ظل كما علمت، وحكم اتخاذها الكراهة التنزيهية إذا كملت والله أعلم. اهـ ملخصًا من بلوغ القصد والمرام ببيان بعض ما تنفر منه الملائكة الكرام للسيد محمد بن جعفر الكتاني مع زيادة.
(ما قولكم) دام فضلكم في رجل أوقف وقفًا على الفقراء والمساكين عامة بلا قيد وقال: يقدم الأقرب فالأقرب، وتوفي الرجل الواقف إلى رحمة الله تعالى، وجعل ابنه ناظرًا على الوقف المذكور والواقف له أبناء أخر غير الناظر المذكور، وافتقر ابن أخي الناظر وليس معه أحد من الفقراء في درجته في ذاك الزمان، فأعطى الناظر لابن أخي الواقف المذكور غلة الوقف، ثم مات الناظر إلى رحمة الله تعالى، ومات أيضًا إخوته، وافتقر أبناء أبناء الواقف وأبناء إخوته جميعًا غير ابن أخيه الذي أعطاه الناظر المذكور غلة الوقف، فطلب جميع من افتقروا مشاركة ابن الأخ المذكور في غلة الوقف، فامتنع محتجًا عليهم بأنه قد أخذ الغلة بصفة الفقر، ولم تزل عنه الصفة المذكورة، فهل لمن افتقر حق في مشاركة ابن الأخ المذكور في غلة الوقف والحالة هذه؟ أم لا حق لهم في مشاركته؟ أم كيف الحكم؟ أفتونا.
(الجواب)
حيث
стр. 312
إن الواقف أوقف وقفه على الفقراء، وقال: يقدم الأقرب فالأقرب، ظهر أن وقفه مقيد بتحقق أمرين معًا، الفقر والأقربية، وحينئذ فينتفي قيده بانتفاء أحد الأمرين، وبانتفاء قيده عن الذي كان مستقلاً بغلة الوقف بموجب تحقق القيد أولا فيه فقط ينتفي عنه الاستحقاق بغلة الوقف، ويرجح استحقاق الغلة لمن تحقق فيه القيد لقول العلامة الشيخ حجازي والعلامة الشيخ محمد الأمير في حاشيتيهما على المجموع عند قوله: ولا يخرج ساكن استغنى لغيره ما نصه واللفظ للأول إلا أن يكون الوقف مقيدًا بوصف، ففقد فيه كما في الحطاب، أو يمكث نحو عشرة أعوام في طلب العلم، ولم تظهر له نجابة كما في المعيار، أو يشترط الوقف أن من استغنى لا شيء له، أو يرى الناظر ذلك مصلحة. اهـ. ولفظ الأمير: إلا أن يكون الوقف مقيدًا بوصف الحاجة، وشرط الواقف أن من استغنى لا حق له ككل من فقد فيه الوصف الذي قيد به الواقف كما في الحطاب في المعيار إن مكث نحو عشرة أعوام في طلب العلم، ولم تظهر له نجابة لا يستحق فيما قيد بطلبة العلم. اهـ. ولا شك أن ابن أخي الواقف المذكور إنما استحق الاستقلال بغلة الوقف المذكور أولا بموجب تحقق الفقر والأقربية معًا فيه، وبمجرد افتقار أبناء أبناء الواقف قد زالت عنه صفة الأقربية، وبزوالها زال عنه استحقاق غلة الوقف المذكور، وآل استحقاق الغلة المذكورة لأبناء أبناء الواقف بمقتضى تحقق الفقر والأقربية معًا فيهم فقط، واعلم أنا مع قول الواقف يقدم الأقرب فالأقرب، لا نحتاج لقياس الغلة على السكنى في جريان قول الأمير وغيره، ولا يخرج ساكن استغنى لغيره على أن الفرق بينهما باقتضاء الغلة استيلاء الناظر دون المستحق، واقتضاء السكنى العكس كما لا يخفى، وحينئذ فلا يأتي عند عدم قول الواقف يقدم الأقرب فالأقرب، إلا قول العلامة الأمير في مجموعه، وفضل الناظر الأحوج ثم قريب الواقف من غير معينين في غلة وسكنى. اهـ. قال الشيخ حجازي عليه أي ثم إذا استووا في الاحتياج فضل قريب الواقف وأعطي الفضل لمن يليه، فإن لم يكن أقرب ولم يسعهم أكرى عليهم، وقسم كراؤه بينهم بالسواء إلا أن يرضى أحدهم بما يصير لأصحابه من الكراء ويسكن فيها، فله ذلك كما في الحطاب. اهـ. دون قول الأمير المتقدم، ولا يخرج ساكن استغنى لغيره كما لا يخفى، فتأمل بإنصاف، والله أعلم.
(ما قولكم) دام فضلكم في طائفة اختلفوا في صلاة التراويح، فبعضهم أقاموا بعشر ركعات سنينا عديدة واعتقدوا أنها أفضل من العشرين بدعوى أن الذي ثبت عن الرسول ﷺ عشرة وثمانية وثلاثة عشر ركعة مع الوتر، والاتباع خير من الابتداع، وبعضهم قالوا: إن التراويح لغير من بالمدينة عشرون ركعة مع الوتر بإجماع الصحابة عليه، وهو اختيار إمامنا الشافعي، والعمل عليه عند أهل الحرم المكي، فمن فعلها أقل من ذلك فهو زنديق لإنكاره الإجماع، بدليل أنهم لو لم ينكروا الإجماع لما فعلوا أقل من ذلك
стр. 313
فلا تحل ذبيحتهم وطعامهم ومناكحتهم، ولا تجوز الصلاة على جنائزهم، ثم أفتى قوم منهم بأن القائل بكفر الفاعلين أقل من عشرين هو كافر قطعًا لأنه سمى الإسلام كافرًا، وأن صلاة التراويح صحيحة مطلقًا سواء كانت عشرين أو أقل منه أو أكثر، فمن اقتصر على نحو ركعة أو ركعتين أو ثلاثة فقد حصل أصل السنة، ومن أتمها عشرين فقد حاز كمال الفضيلة، أخذًا من الكتاب المسمى ببشرى الكريم، وعبارته: ولو اقتصر على بعض العشرين صح وأثيب عليه ثواب التراويح خلافًا لبعضهم، فقولهم وهي عشرون أي أكثرها، فما الحكم في ادعاء هؤلاء وأقوالهم واعتقادهم؟ أفيدونا بالجواب الشافي، ولكم من الله جزيل الثواب الوافي.
(الجواب)
أما دعوى الفرقة الأولى أن صلاة التراويح بعشرين ركعة من الابتداع فباطلة لقول العلامة ابن رشد في بداية المجتهد: أجمعوا على أن التراويح التي جمع عليها عمر بن الخطاب الناس مرغب فيها، وإن كانوا اختلفوا أي أفضل أهي أو الصلاة آخر الليل التي كانت صلاة رسول الله ﷺ لكن الجمهور على أن الصلاة آخر الليل أفضل لقوله ﵊:» أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة «ولقول عمر بن الخطاب فيها: "والتي تنامون عنها أفضل"، واختلفوا في المختار من عدد الركعات التي يقوم بها الناس في رمضان، فاختار مالك في أحد قوليه وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وداود القيام بعشرين ركعة سوى الوتر، وذكر ابن القاسم عن مالك أنه كان يستحسن ستًا وثلاثين ركعة والوتر ثلاث، وسبب اختلافهم اختلاف النقل في ذلك، وذلك أن مالكًا روى عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة، وخرج ابن أبي شيبة عن داود بن قيس قال: أدركت الناس بالمدينة في زمان عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستًا وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث، وذكر ابن القاسم عن مالك أنه الأمر القديم، يعني القيام بست وثلاثين ركعة. اهـ. وفي شرح عبد الباقي على العزية مع المتن، ومن المستحب متأكدًا قيام رمضان، وهو ثلاث وعشرون ركعة بالشفع والوتر. اهـ. قال الشيخ حسن العدوي عليه: اقتصر على هذا العدد لأنه هو الذي استمر عليه العمل في زمننا شرقًا وغربًا، وإلا ففي أول الأمر كانوا يقيمون بإحدى عشرة ركعة، لكن مع تطويل القراءة، وقد كان ﷺ صلاها مع بعض أصحابه ذات ليلة، فلما أصبح الناس تحدثوا بذلك، ففي الليلة الثانية كثروا، فلما كان في الليلة الثالثة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم ﷺ خشية أن تفرض عليهم. اهـ. وفي الزرقاني على الموطأ عند قوله: قال عبد الرحمن بن عبد القاري: خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع أي جماعات متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد
стр. 314
لكان أمثل، فجمعهم على أُبي بن كعب، قال: أي عبد الرحمن ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نعمت البدعة هذه، ما نصه وصفها بنعمت لأن أصل ما فعله سنة، وإنما البدعة الممنوعة خلاف السنة، وقال ابن عمر في صلاة الضحى: "نعمت البدعة" وقال تعالى:﴾ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ﴿وقال الباجي: وهذا تصريح منه بأنه أي عمر أول من جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد؛ لأن البدعة ما ابتدأ بفعلها المبتدع ولم يتقدمه غيره، فابتدعه عمر وتابعه الصحابة والناس إلى هلم جرًا، وهذا يبين صحة القول بالرأي والاجتهاد. اهـ. فسماها بدعة لأنه ﷺ لم يسن الاجتماع لها، ولا كانت في زمان الصديق، وهي لغة: ما أحدث على غير مثال سبق، وتطلق شرعًا على مقابل السنة، وهي ما لم يكن في عهده ﷺ ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة، وحديث:» كل بدعة ضلالة «عام مخصوص، وقد رغب فيها عمر بقوله: "نعمت البدعة" وهي كلمة تجمع المحاسن كلها، كما أن بئس تجمع المساوئ كلها، وقد قال ﷺ :» اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر «، وإذا أجمع الصحابة على ذلك مع عمر زال عنه اسم البدعة. اهـ. وأما دعوى من أفتى من الفرقة الأولى بأن القائل بكفر الفاعلين أقل من عشرين هو كافر قطعًا فباطلة أيضًا لقوله تعالى:﴾ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴿، وما في الموطأ من أن رسول الله ﷺ قال:» من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما «، وفي رواية في مسلم:» فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه «، وغير هذا من الروايات، قال ابن عبد البر: المعنى فيه عند أهل الفقه والأثر والجماعة النهي عن أن يكفر المسلم أخاه بذنب، وقد ورد مثل هذا في قوله ﵇:» سباب المسلم فسق وقتاله كفر «وقوله ﵇:» لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض «، فهذه الأحاديث وما أشبهها ليست على ظاهرها عند أهل الحق والعلم بالأصول، يدفعها أقوى منها من الكتاب والسنة المجمع عليها والآثار الثابتة، وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين، واحتجوا بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله تعالى:﴾ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴿، وقوله تعالى:﴾ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ﴿، ونحو هذا، والحجة عليهم قوله تعالى:﴾ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴿ومعلوم أن هذا قبل الموت لمن لم يتب لأن الشرك من تاب منه. وانتهى عنه غفر له، قال الله تعالى:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴿، وأجمعوا على أن المذنب وإن مات مصرًا يرثه ورثته، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، فهذا كله يشهد أن من قال لأخيه يا كافر ليس على ظاهره وقوله:» فقد باء بها أحدهما «أي فقد احتمل الذنب في ذلك القول، والمعنى أن المقول له يا كافر إن كان كذلك
стр. 315
فقد احتمل ذنبه ولا شيء على القائل قوله ذلك لصدقه في قوله، وإن لم يكن كذلك فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم احتمله بقوله ذلك. اهـ. كلام ابن عبد البر في التمهيد من شرح الموطأ، أفاده الوالد في فتاويه عن المسائل الملقوطة، وبالجملة فكل من صلاة التراويح بإحدى عشرة ركعة مع الوتر أو بثلاث وعشرين ركعة مع الوتر، أو بأقل أو بأكثر محصل لسنة التراويح بلا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في كون الإحدى عشرة أفضل من الثلاثة والعشرين أو بالعكس، والجمهور على الأول بشرطين: أحدهما: كونها بتطويل القراءة، وثانيهما: كونها آخر الليل لا أوله، ولكن قد جرى العمل بترجيح الثاني لأمرين: أحدهما: أن الناس الآن لم يصلوا التراويح إلا أول الليل؛ لكونه أسهل في حقهم، وثانيهما: أنهم قد جروا على التخفيف في القراءة خوفًا من أن يتركها الأغلب لو طولت، فصار كثرة الركعات عوضًا عن التطويل في القراءة، وقد وقع الخلاف بين العلماء في كون الأفضل كثرة الركعات أو قلتها مع التطويل، وكل من الفرقة الأولى والثانية قد ارتكبت ذنبًا عظيمًا في قولها بما لم يقل به الشرع، أما الثانية: فلدعواها أن من فعل التراويح أقل من عشرين ركعة زنديق لا تحل ذبيحته ... إلخ، وأما الأولى: فلقولها بأن من كفر مسلمًا فقد كفر كما لا يخفى، فيجب على ولي الأمر تعزيرهم بما يراه والله أعلم.
(ثم سئلت بعين السؤال المذكور فأجبت بما نصه): الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، قد تقدم نظير هذا، وأجبت بما حاصله أن كلا من صلاة التراويح بإحدى عشرة ركعة مع الوتر أو بثلاث وعشرين ركعة مع الوتر أو بأقل أو بأكثر محصل لسنة التراويح التي هي عبارة عن قيام الليل بلا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في كون الإحدى عشرة أفضل من الثلاثة والعشرين أو بالعكس؟ والجمهور على الأول بشرطين: أحدهما: كونها بتطويل القراءة، وثانيهما: كونها آخر الليل لا أوله، ولكن قد جرى العمل بترجيح الثاني لأمرين: أحدهما: أن الناس الآن لم يصلوا التراويح إلا أول الليل لكونه أسهل في حقهم، وثانيهما: أنهم قد جروا على التخفيف في القراءة خوفًا من أن يتركها الأغلب لو طولت، فصارت كثرة الركعات عوضًا عن التطويل في القراءة، وقد وقع الخلاف بين العلماء في كون الأفضل كثرة الركعات مع التخفيف أو قلتها مع التطويل، وكون صلاة التراويح بالعدد الأول هي صلاة رسول الله ﷺ لا يقتضي كون صلاتها بالعدد الثاني بدعة ضرورة أن ذلك هو ما أجمع الصحابة عليه مع سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- وقد قال ﷺ :» اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر «فدعوى الفرقة الثانية كفر من صلى التراويح أقل من عشرين لإنكاره الإجماع، فلا تحل ذبيحتهم ولا مناكحتهم باطلة قد ارتكب قائلها ذنبًا عظيمًا في قوله بما لم يقل به الشرع بتكفير المسلم بمجرد وهم الذنب، وكذا دعوى من أفتى من الفرقة
стр. 316
الأولى بأن القائل بكفر الفاعلين أقل من عشرين هو كافر قطعًا باطلة لقوله تعالى:﴾ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴿، قال ابن عبد البر: ومعلوم أن هذا قبل الموت لمن لم يتب؛ لأن الشرك من تاب منه وانتهى عنه غفر له، قال الله تعالى:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴿وأجمعوا على أن المذنب وإن مات مصرًا يرثه ورثته، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، فهذا كله يشهد أن من قال لأخيه: يا كافر ليس على إطلاقه، وقوله ﷺ :» من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما «أي فقد احتمل الذنب في ذلك القول، والمعنى أن المقول له يا كافر إن كان كذلك فقد احتمل ذنبه، ولا شيء على القائل له ذلك لصدقه في قوله، وإن لم يكن كذلك فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم احتمله بقوله ذلك. اهـ المراد من كلام ابن عبد البر في التمهيد من شرح الموطأ والله أعلم.
(ما قولكم دام فضلكم) في امرأة توفيت ولا وارث لها سوى أنها تركت من ذوي رحمها أولاد أختها الشقيقة وأولاد ابن أختها لأب فمن يرثها؟ أفتونا
(الجواب)
أولاد أخت الشقيقة يستحقون النصف، وأولاد ابن الأخت للأب يستحقون السدس، ويرد الباقي عليهم بنسبة ما استحقه كل على ما اعتمده المتأخرون من توريث ذوي الأرحام، وعلى ما هو الأصح في طريقة توريثهم من مذهب أهل التنزيل، ففي شرح أقرب المسالك أن الذي اعتمده المتأخرون توريث ذوي الأرحام، حيث لم يكن ذو سهام، وذكر الشيخ الصاوي في حاشيته: أن ولد الأخوات من جميع الجهات كلها من ذوي الأرحام، وأن أصح المذاهب في توريثهم مذهب أهل التنزيل، وحاصله أننا ننزلهم منزلة من أدلوا به للميت درجة، فيقدم السابق للميت، فإن استووا فاجعل المسألة لمن أدلوا به. اهـ والله أعلم.
(ما قولكم) دام فضلكم فيمن اتهم بتهمة قتل أو سرقة أو ضرب ولم يثبت عليه شيء من ذلك على المنهج الشرعي، بل وجد قرائن وأحوال ظنية توجب الشبهة عليه، فهل والحال ما ذكر للحاكم الشرعي تعزيره بما يراه من حبس أو ضرب بالسوط زاجرًا له أم لا؟ أفتونا مأجورين حال كون ذلك معزيًا إلى مأخذه من كتب المذهب، ولكم الثواب من الملك الوهاب.
(الجواب)
نعم له ذلك اعتمادًا على القرائن والأحوال الموجبة للتهمة، ففي كتاب التبصرة للعلامة ابن فرحون في فصل بيان عمل فقهاء الطوائف الأربعة بالحكم بالقرائن والأمارات، قال ابن العربي: على الناظر أن يلحظ الأمارات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضي بجانب الترجيح وهو قوة التهمة، ولا خلاف في الحكم بها، وقد جاء العمل بها في مسائل اتفقت عليها الطوائف الأربعة، وبعضها قال بها المالكية خاصة، ثم أخذ يعدد شواهد ذلك من المسائل إلى أن قال السابعة والعشرون اعتبار اللوث والاعتماد عليه في الأقدام على القسامة، والأخذ بالقود، وقال: والخامس والثلاثون
стр. 317
وجوب إقامة الحد على المرأة إذا ظهر بها حمل ولم يكن لها زوج، وكذلك الأمة إذا لم يكن لها زوج ولا سيد معترف أنه وطئها، والسادسة والثلاثون: وجوب الحد على من وجدت منه رائحة الخمر أو قاءها، وقال: والتاسعة والثلاثون: أن مالكًا وأصحابه -رحمهم الله تعالى- منعوا سماع الدعوى التي لا تشبه الصدق، غير أن قابل العرف يدل على كذبها كدعوى رجل لدار بيد حائز يتصرف بالهدم والعمارة مدة طويلة نحو عشر سنين، والمدعي ساكت، ولا ثَم مانع من خوف ولا قرابة ولا صهر، فإن ذلك قرينة دالة على كذب الدعوى، وكذلك لو ادعى رجل على رجل أنه سرق متاعه، والمدعى عليه مما لا يتهم، فإن المدعي لا تسمع دعواه لقيام شاهد الحال على كذبه وقصده الأذى، ويؤدب المدعي على خلاف في ذلك، الأربعون: قال أصحابنا: إذا رأينا رجلاً مذبوحًا في دار والدم يجري وليس في الدار أحد ورأينا رجلاً قد خرج من عنده في حالة منكرة علمنا أنه الذي قتله، وكان لوثًا يوجب القسامة والقود للقرينة الظاهرة. اهـ المراد، وفي شرح العلامة الدردير على سيدي خليل: ومن قام له لوث من أولياء المقتول على شخص فادعى به عليه فطلب من المدعي أيمان القسامة أي الخمسون بأن يقول بالله الذي لا إله إلا هو لمن ضربه أو جرحه مات، أو لقد قتله، أو لقد جرحه، أو ضربه ولقد مات منه على تفصيله المذكور في محله، فنكل أي عن أيمان القسامة، وردها على المدعى عليه فحلفها، وأولى إن لم يحلفها، فإن المدعى عليه يجلد مائة ويحبس سنة نظرًا للوث، قال: واللوث بفتح اللام وسكون الواو وهو الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن بوقوع المدعي به ويسمي اللطخ. اهـ المراد، والله أعلم.
(ما قولكم) فيما إذا وكلت المرأة البكر البالغة بالحيض أو السن رجلاً بالولاية العامة، وليس لها ولي مجبر على أن يزوجها بفلان بمهر كذا، هل يصح نكاحها أم لا؟ أفتونا.
(الجواب)
إذا كانت المرأة غير متصفة بواحد من صفات أربع: الجمال، أو المال، أو الحسب، أو النسب صح نكاحها بالولاية العامة مع وليها الغير المجبر كعمها أو كافلها أو الحاكم؛ فلذا نص في المدونة وابن عرفة وابن فتوح وغيرهم على جواز تولي عقد نكاح الدنيئة التي لم تتصف بواحد من الصفات المذكورة لمطلق مسلم مع وجود كعمها أو كافلها أو الحاكم، وإذا اتصفت بصفتين من الصفات المذكورة، بل وبصفة فقط على ما قاله بعضهم، فشريفة لا يصح نكاحها بالولاية العامة مع وجود كعمها أو الحاكم إلا إذا دخل الزوج بها ومضى بعد الدخول زمن تلد فيه الأولاد كثلاث سنين، فلذا لم يجز لمن له الولاية العامة أن يتولى عقد نكاح امرأة شريفة مع وجود كعمها أو الحاكم، كذا في أقرب المسالك وشرحه، والله أعلم.
(ما قولكم دام فضلكم) في بكر بالغة زوجها أبوها على رجل بمهر مسمى قبض بعضه وأجل بعضه، فادعت بعد الدخول أنها لم تقبض شيئًا من المسمى، فهل تسمع دعواها أم لا؟ وهل للأب قبض الصداق أم لا؟
(الجواب)
стр. 318
لا تسمع دعواها، وللأب قبض الصداق، ففي مجموع العلامة الأمير مع شرحه، وضوء الشموع: وقبضه أي الصداق مجبر ووصي على المال، وهو مقدم، وصدق في التلف بيمين، ولا يحتاج لبينة، أي على التلف الذي حلف عليه، أو على القبض من حيث براءة الزوج، ولا يغرمه الزوج ثانية. اهـ والله أعلم.
(ما قولكم دام فضلكم) في قول المؤذنين بين يدي الخطيب في يوم الجمعة: روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال ﵊: "أن يوم الجمعة سيد الأيام وحج الفقراء وعيد المساكين والخطبة فيها مكان الركعتين، فإذا صعد الخطيب المنبر فلا يتكلمن أحدكم، ومن يتكلم فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له" هل هذا الحديث ورد كله في حديث واحد أم لا؟ وهل قوله مكان بالرفع على أنه خبر قوله والخطبة؟ أم بالنصب على أنه ظرف لأن علماء الجاوي اختلفوا فيه فقال بعضهم: بنصبه ولا يجوز رفعه لأن الرفع يقتضي أن الخطبة موضع للركعتين، وليس كذلك بل إنما منزلة منزلة الركعتين، وأيضًا أن الخطبة مؤنثة، والمكان مذكر فكيف يخبر عن المؤنث بالمذكر، وقال بعضهم برفعه لأنه ظرف متصرف وهو الظاهر، وإن كان يجوز نصبه ليعلم المبتدون أنه خبر مرفوع بينوا لنا ذلك بأوضح البيان، ولكم الأجر والثواب من الرحيم الوهاب؟
(الجواب)
لم يرد هذا كله في حديث واحد، وإنما قولهم روي عن أبي هريرة ﵁ إلى الأيام فهو بمعنى ما في الموطأ من حديث طويل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» خير يوم طلعت الشمس يوم الجمعة «، وفي الزرقاني "عليه" ولمسلم من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أنه ﷺ قال:» خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة «الحديث. اهـ. وقولهم: "وحج الفقراء وعيد المساكن" ففي الدر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للعلامة السيوطي حديث الجمعة حج المساكين ابن أبي أسامة في مسنده عن ابن عباس ﵄. اهـ. وقولهم: فإذا صعد ... إلخ ففي الجامع الصغير للعلامة السيوطي بلفظ:» إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت «. اهـ. وفي الزرقاني على الموطأ عند شرحه لهذا الحديث، ولأحمد من حديث علي مرفوعًا:» ومن قال صه فقد تكلم ومن تكلم فلا جمعة له «، ثم قال: وقال الباجي: معناه المنع من الكلام وأكد ذلك بأن من أمر غيره بالصمت حينئذ فهو لاغ؛ لأنه قد أتى من الكلام بما ينهى عنه، كما أن من نهى في الصلاة مصليًا عن الكلام فقد أفسد على نفسه صلاته، وإنما نص على أن الآمر بالصمت لاغ تنبيهًا على أن كل مكلم غيره لاغ، واللغو رديء الكلام، وما لا خير فيه. اهـ. ثم قال: واستدل بالحديث على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور في حق من يسمعها، وكذا الحكم في حق من لا يسمعها عند الأكثر، قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالإشارة، قال: وللشافعي في المسألة
стр. 319
قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟ فعلى الأول يحرم لا على الثاني، وهو الأصح عندهم، فمن ثم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام حتى شنع عليه من شنع من المخالفين. اهـ المراد، ومنه يعلم أن قولهم: والخطبة فيها مكان الركعتين ليس بحديث، وإنما هو توجيه لقوله في الحديث:» فقد لغوت «عند من استدل به على منع جميع أنواع الكلام، وفي العزيزي» فقد لغوت «أي تكلمت بما لا ينبغي؛ لأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين، فلا ينبغي الكلام فيها، فيكره حينئذ تنزيهًا عند الشافعية وتحريمًا عند الثلاثة. اهـ. ومكان إن جعل بمعنى بدل الذي في كلام الزرقاني صح رفعه، ولا وجه لمنعه ضرورة إن بدل لا يؤنث للمؤنث على أن مكان اكتسب التأنيث من المضاف إليه، فيصح رفعه مع بقائه على معناه، ثم اعلم أن قول المؤذنين بين يدي الخطيب يوم الجمعة ما ذكر من الأحاديث بدعة سيئة لوجهين:
(الأول) أنه استظهار على الشارع بزيادة على خطبة على الخطبتين التي طلبها وجعلها بمنزلة الركعتين.
(والثاني) أنه بمنزلة زيادة ركعة في صلاة الجمعة خامسة على الأربع الذي جعلها الشارع، وزيادة ركعة في الصلاة لا شك في منعه، فيكون ما شابهه لا أقل من أن يكون مكروهًا كراهة شديدة، ولم تدع الضرورة له فيتجه، بل من الممكن إدراج الخطيب واحد من هذه الأحاديث في افتتاح خطبته كما لا يخفي على ذي لب، ويشهد لذلك قول تاج الدين السبكي في جمع الجوامع: قال الشيخ أبو محمد الجويني: والمتوضئ يشك أيغسل غسلة ثالثة فيكون مأمورًا بها أم رابعة فيكون منهيًا عنها؟ لا يغسل خوف الوقوع في المنهي عنه. اهـ فافهم، والله أعلم.
(ما قولكم) دام فضلكم في قول صاحب الرسالة ابن أبي زيد: ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل، وقال شارحه أبو الحسن: ويشترط في شاهدي النكاح العدالة لما رواه ابن حبان في صحيحه من قوله ﵊:» لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل «، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل لحديث:» فإن لم يوجد العدول استكثروا من الشهود كالثلاثين والأربعين «. اهـ فما تعريف هذه العدالة المشروطة في شروط النكاح؟ وما تعريف الذين يستكثر منهم؟ ثم هل يوجد قول بالاكتفاء بأقل من ثلاثين كالعشرة ولو على الضعيف أو خارج المذهب؟
(الجواب)
قال العلامة خليل في باب الشهادة: العدل حر مسلم عاقل بالغ بلا فسق وبلا حجر وبدعة، وإن تأول كخارجي وقدري. اهـ. قال العلامة العدوي على الخرشي: ما لم يتب الفاسق وتعرف توبته، ثم قال: العدالة تطلق بمعنى عدالة الشهادة، وهي ما نظر لها المصنف بقوله العدل ... إلخ، وتطلق بمعنى المحافظة الدينية على اجتناب الكبائر والكذب وتوقي الصغائر، وهو ما نظر له عياض وابن شاس، ويوصف بها العبد، فلذلك جعلوا هذه الشروط في الشاهد، وجعلوا من جملة الشروط أن يكون عدلاً. اهـ. والعدالة بالمعنى الأول عرف الفقهاء وبالمعنى
стр. 320
الثاني عرف المحدثين كما يؤخذ من الخرشي، فظهر أن العدالة المشروطة في شهود النكاح هي عدالة الشهادة التي نظرها العلامة خليل بقوله العدل ... إلخ، وقال العلامة العدوي عند قول شارح الرسالة: ويشترط في شاهدي النكاح العدالة ما نصه أي عند تحمل الشهادة، وإن كانت العدالة لا تشترط في غير النكاح إلا وقت أداء الشهادة. اهـ. والذين يستكثر منهم عند عدم العدلين هم غير العدول من المستورين والفاسقين، وفي الدسوقي عند قول الدردير على سيدي خليل: فغير العدول من مستور وفاسق عدم ما نصه هذا عند وجود العدول، وأما عند عدمهم فيكفي اثنان مستور حالهما، وقيل: يستكثر من الشهود. اهـ. وقد نصوا على أن شهادة التواتر لا تحد بعدد، بل المدار على من يؤمن تواطؤهم على الكذب، والله أعلم.
(ما قولكم) دام فضلكم في أكل بقرة ضربت بندقة على قلبها وكبدها ورئتها، فطرحت على الأرض، وبقيت تدب على الأرض أقل من عشر ساعات، فلحقها ربها وهي حية، فذبحها فوجد أثر الضرب في المواضع المذكورة، هل يحل أكلها أم يحرم؟ أفتونا.
(الجواب)
نعم يحل أكلها إن صحب تذكيتها شخب دم أو قوة حركة، ففي شرح أقرب المسالك مع المتن للعلامة الدردير ما حاصله: أن ما أيس قبل تذكيته من حياته بسبب خنق أو وقذ أي ضرب بحجر أو غيره أو ترد من ذي علو، أو نطح لها من غيرها أو غير ذلك من كل ما ينفذ مقتلاً لها إنما يؤكل إذا ذكى بشرطين:
(أحدها) أن لا ينفذ بشيء مما ذكر قبل الذبح مقتلها بواحد من خمسة أمور:
الأول: قطع النخاع. الثاني: قطع الودج، الثالث: نثر الدماغ، الرابع: نثر الحشو وهو ما حوته البطن من قلب، وكبد، وطحال، وكلوة، وأمعاء أي إزالة ما ذكر عن موضعه بحيث لا يمكن عادة رده لموضعه، الخامس: ثقب أي خرق مصران وأولى قطعه.
(وثانيهما) أن يصحب تذكيتها إما قوة حركة كمد رجل وضمها لا مجرد مد أو ضم أو ارتعاش أو فتح عين أو ضمها، وإما شخب دم منها أي خروجه بقوة، وإن لم يتحرك. اهـ والله أعلم.
(ما قولكم) دام فضلكم في رجل من المسلمين حضر بالمحكمة الشرعية مع خصمه، وعند الحكم عليه بالحكم الشرعي نفر وقال: أنا رعية أرفع أمري إلى قنصلي، فخرج ورفع أمره بالفعل، فماذا يحكم عليه بذلك؟ وماذا يستحقه شرعًا؟ أفتونا.
(الجواب)
قال القاضي أبو الوليد ابن رشد -رحمه الله تعالى- في أول كتاب التجارة إلى أرض الحرب من مقدماته: واجب بإجماع المسلمين أي وبالكتاب والسنة على من أسلم بدار الحرب أن لا يقيم بها حيث تجري عليه أحكامهم. اهـ. قال الشيخ عليش: وسوى المتأخرون بين هذه الصورة -أعني طرو الإسلام على الإقامة بدار الحرب وصورة طرو الإقامة على أصالة الإسلام- في وجوب عدم الإقامة بها، حيث تجري عليه أحكام المشركين. اهـ. قال ابن رشد: فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم بدار الحرب
следующие страницы →