فلا إصلاح عليه؛ لأنه يبني على التمام، وقال عبد الوهاب: يندب له السجود بعد السلام فقط، ولكن هذا يخالف قولهم سجود السهو سنة إلا أن يقال: إن البغداديين لا يفرقون بين السنة والمستحب، ولا يقال: إذا كان يبني على التمام لا سجود عليه؛ لأن السجود بعد السلام ترغيمًا للشيطان، والشك المستنكح هو أن يعتري المصلي كثيرًا بأن يشك؛ هل زاد أو نقص ولا يتيقن شيئًا يبنى عليه، وهذا يجب عليه أن يلهو عنه، وإذا خالف وأصلح لا تبطل صلاته ولو عمدًا، قال الأجهوري: والذي يظهر لي أنه إذا أتاه يومين متواليين فإنه يكون في اليوم الثاني منهم مستنكحًا إن علم من عادته أنه يأتيه في اليوم الثالث أيضًا، أو ظن ذلك، وأما لو علم أو ظن أو شك أنه لا يأتيه في اليوم الثالث فإنه يكون في اليوم الثاني غير مستنكح قطعًا، والظاهر أنه في اليوم الأول غير مستنكح كاليوم الثاني أفاده العلامة العدوي على الزرقاني بزيادة من حاشيته على الخرشي.
[مسألة]
السهو في السنن والنوافل كالسهو في الفريضة إلا في خمس مسائل: الجهر، والسر، والسورة يسجد لها في الفرض دون السنن والنوافل لندبها فيهما، الرابعة إذا عقد في النافلة ثالثة سهوًا برفع رأسه فيهما كملها أربعًا في غير الفجر والعيدين والكسوف والاستسقاء أي والشفع وذلك؛ لأن الشارع حد ما ذكر بركعتين فيبطل بزيادة مثله، وأما الوتر فلا يبطل بزيادة مثله، وفي مختصر البرزلي: من صلى الشفع ثلاث ركعات سجد أي بعد السلام إن كان ناسيًا، وأجزأه وبطل في العمد والجهل، وقوله: كملها أربعًا أي ويسجد قبل السلام لنقصه السلام بعد الركعتين الأوليين والزيادة واضحة، الخامسة إذا ترك منها ركنًا ساهيًا لا تجب إعادتها هذا حاصل ما في الزرقاني والعدوي من باب السنن وباب السهو.
(ما قولكم) فيمن قرأ من الفاتحة آيتين سرًا في محل الجهر أو جهرًا في محل السر، هل يسجد للسهو أم لا؟ وفيمن قرأ في ركعة واحدة السورة سرًا في محل الجهر أو جهرًا في محل السر هل يسجد أم لا؟
(الجواب) إذا قرأ من الفاتحة الآية والآيتين لا سجود عليه، وأما إذا قرأ أكثر من الآيتين فإن تذكر قبل وضع يديه علي ركبتيه فإنه يعيد أم القرآن والسورة، وإن تذكر بعد وضع يديه على ركبتيه فإنه لا يرجع ويسجد قبل السلام إن كان المتروك الجهر، وبعد السلام إن كان المتروك السر، وأما إذا ترك الجهر أو السر في السورة التي بعد أم القرآن من ركعة واحدة فلا يسجد له؛ لأنه سنة واحدة غير مؤكدة، وأما من ركعتين فيسجد له، واعلم أن من ترك الجهر وأتى بدله بالسر لا يسجد للسهو، إلا إذا اقتصر على حركة اللسان والشفتين، وأما لو أتى فيما ذكر بأعلى السر بأن أسمع نفسه فلا سجود عليه، وأن من ترك السر بدله بالجهر لا يسجد إلا إذا أتى بأعلى الجهر، وهو أن يرفع صوته فوق سماع نفسه ومن يليه بأن كان يسمعه من بعد
стр. 37
عنه بنحو صف فأكثر وأما لو أبدله بأدنى الجهر بأن يسمع نفسه ومن يليه خاصة فلا سجود عليه.
(فائدة) إذا ترك ركنًا من أركان الصلاة سهوًا فإن كان من الركعة الأخيرة ولم يسلم فإنه يتداركه، فإن كان المتروك الفاتحة انتصب قائمًا فيقرؤها ثم يتم ركعته، وإن كان الركوع رجع قائمًا ثم يركع وإن كان الرفع منه رجع محدودبًا فإذا وصل حد الكوع اطمأن، ثم يرفع ويكمل ركعته، وإن كان سجودًا واحدًا سجده وهو جالس، وأعاد التشهد وسلم، وإن كان سجودين وتذكرهما وهو جالس وقد انحط بنية الجلوس فإنه يرجع قائمًا ليأتي بالسجدتين منحطًا لهما منه، فإن لم يفعل وسجدهما من جلوس سهوًا فقد نقض الانحطاط للسجدتين ليس بواجب، إذ لو كان واجبًا لم ينجبر بسجود السهو فإنه لو انحط أولاً للجلوس ثم سجد السجدتين منه؛ فإن صلاته لا تبطل لكنه يكره تعمد ذلك؛ فإن سلم من الأخيرة معتقد الكمال ثم تذكر ترك ركن منها فات التدارك واستأنف ركعة بدلها إن لم يطل، فإن طال بطلت صلاته ويسجد بعد السلام في جميع ما تقدم للزيادة، وإن كان الركن المتروك من غير الأخيرة تداركه إن لم يعقد ركوع الركعة التي بعدها، فإن عقده برفع الرأس من الركوع بطلت ركعة النقص، ورجعت الثانية أولى، فإن كانت ركعة النقص هي الأولى صارت الثانية مكانها، ويأتي بركعة بأم القرآن، وسورة ويتشهد ويسجد بعد السلام وإن كانت ركعة النقص هي الثانية صارت الثانية ثانية، وهي بفاتحة فقط فيتشهد بعدها، ويأتي بركعتين بالفاتحة فقط ويسجد قبل السلام لنقص السورة من التي صارت ثانية مع الزيادة، وإذا كانت ركعة النقص هي الثالثة صارت الرابعة ثالثة، ويسجد بعد السلام، وإذا تذكر وهو في الجلوس الثاني أنه ترك ركنًا من الأولى رجعت الثانية أولى، والثالثة ثانية، والرابعة ثالثة فيأتي بركعة بالفاتحة فقط سرًا، ويسجد قبل السلام لنقص السورة والتشهد الأول؛ لأنه صار ملغي بوقوعه بعد الأولى، والزيادة ظاهرة، وكذا إن تذكر بعد السلام بقرب بلغه فإن طال بطلت وقوله: فإن عقده برفع الرأس من الركوع؛ لأن عقده عند ابن القاسم برفع رأسه مطمئنًا معتدلاً فمن لم يعتدل تدارك ما فاته، وكذا المسبوق إذا كبر للإحرام وانحنى بعد رفع الإمام رأسه وقبل اعتداله فقد أدرك الركعة معه إلا في مسائل، فعقد الركوع فيها بالانحناء عند ابن القاسم وهي ترك الركوع من ركعة فيفوت لمجرد الانحناء من التي تليها، وتقوم هذه الركعة مقام ما قبلها، أو ترك سر الفاتحة أو سورة فيفوت تداركه بالانحناء، فإن خالف وعاد للقراءة على سننها بطلت صلاته، أو ترك جهر كذلك أو ترك تكبير عيد كلا أو بعضا حتى انحنى فكذلك أو ترك سورة بعد فاتحة، أو ترك سجدة تلاوة في فرض أو نفل حتى انحنى ساهيًا عنها، أو ذكر بعض من صلاة أخرى قبل التي هو فيها، والمراد بالبعض المتروك ما يشمل البعض حقيقة أو حكمًا كالسجود القبلي المترتب
стр. 38
عن ثلاث سنن فبالانحناء يفوت التدارك وتبطل الصلاة التي ترك منها البعض الحقيقي أو الحكمي للطول بالركوع هذا حاصل ما في أقرب المسالك مع زيادة من حاشية الخرشي.
(ما قولكم) في إمام ترك سجودًا مترتبًا على ثلاث سنن سهوًا وطال وسجده المأموم هل تبطل صلاتهما أو الإمام فقط.
(الجواب) إذا سجد المأموم صحت صلاته وصلاة الإمام باطلة وتزاد هذه على قولهم كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا في سبق الحدث ونسيانه كذا في الزرقاني.
[مسألة]
يلزم المأموم ولو مسبوقا أدرك ركعة السجود عن سهو الإمام قبليا أو بعديا وإن لم يسه المأموم معه ولا حضر سهوه ويسجد المأموم القبلي معه إذا سجد الإمام قبل السلام فلو أخر الإمام القبلي وسجده بعد السلام هل يفعله المأموم المسبوق بعد إتمام صلاته قبل سلامه أو بعده أو قبل قيامه لإتمام صلاته وقيل غير ذلك والمراد بالقبلي الذي يسجده المأموم مع الإمام ولو في مذهب الإمام الشافعي الذي يرى السجود دائما قبل السلام يفعله المأموم معه ولا يجوز له تأخيره فلو سجد المأموم القبلي في محله وأخره الإمام فصلاة الإمام صحيحة ولو أخر من لحق ركعة مع إمامه السجود القبلي إلى تمام صلاته فسجد صحت صلاته وأما السجود البعدي فيؤخره المسبوق بعد قضاء ما عليه فلو قدم الإمام المالكي البعدي فهل يسجد معه نظرًا لفعله أو لا نظرًا لأصله وعلى كل حال لا تبطل صلاة المأموم بسجوده مع الإمام مراعاة للخلاف في ذلك فلو سجد الإمام البعدي بعد السلام وسجد معه المسبوق قبل قضاء ما عليه بطلت صلاته إن قدمه عمدا وكذا جهلا عند عيسى لا سهوًا فلا تبطل كالجاهل عند ابن القاسم أفاده الزرقاني والعدوي عليه.
[مسألة]
يمكن للساهي تسع تشهدات والصلاة صحيحة بأن سها فصلى الظهر مثلا سبع ركعات وتشهد في كل ركعة وترك السورة في ركعة من الأوليين فاجتمع معه زيادة ونقص فسجد قبل السلام وجلس للتشهد فبعد أن سجد القبلي سها بزيادة فسجد وتشهد فهذه تسع فإن كان دخل مع الإمام في التشهد الأخير كمل له عشر تشهدات فإن سجد مع الإمام سجود سهو ناسيًا وتشهد معه زادت على العشر كأن شك في تشهده هل سجد قبله سجدة أو سجدتين فإنه يسجد واحدة ويعيد تشهده وكذا يمكن اجتماع أكثر من ثلاثين سجدة في الصلاة وهى صحيحة كثمان سجدات في كل ركعة وفي هذا قلت:
يا فقيهًا يدعي لحل الأحاجي ... أصلاة فيها ثلاثون سجدة
بل مزيد وهل تشهد أخرى ... ضبطوه فجاوز العشر العدة
اهـ ملخصًا من المجموع وحاشيته.
[مسألة]
إذا شك هل يسجد من القبلي سجدة أو سجدتين فإنه يأتي بالثانية ولا سجود عليه ثانيًا لهذا الشك؛ لئلا يتسلسل الأمر وتحصل المشقة الكبرى، ولأن المصغر لا يصغر، ولا يقال: التسلسل مستحيل؛ لأن
стр. 39
التسلسل باعتبار المستقبل لا استحالة فيه، وفي الأمير على عب، ولا يصلح قول الكسائي لأبي يوسف المصغر لا يصغر تعليلاً، وإنما هو مجرد مناسبة قالها الكسائي.
[مسألة]
إذا تكلم بعد سجوده القبلي وقبل السلام فإنه يسجد بعد السلام. اهـ ص.
[مسألة]
إذا سجد القبلي ثلاثًا سهوًا ثم تذكر فإنه يسجد بعد السلام، فإن كان بعديًا فلا شيء عليه قاله اللخمي، كذا في عب، وفي الأمير أن غير اللخمي لا يري السجود في القبلي أيضًا، وهذا هو الملائم لقول الشيخ خليل عطفًا على ما لا سجود فيه أو شكه فيه؛ هل سجد اثنتين. اهـ وتبعنا هنا ما لسيدي خليل حيث قلنا: إذا شك هل سجد من القبلي سجدة إلخ، وأما على ما للخمي فإنه يسجد لهذا الشك ونحن خليليون.
[مسألة]
تقديم سجود السهو البعدي قبل السلام حرام، والصلاة صحيحة؛ لأنه لما كان خارجًا عن الصلاة صار تقديمه كالزيادة فيها، وإنما صح تقديمه ولو عمدًا رعيًا لمذهب الشافعي، ولو كان المقدم له المأموم دون إمامه؛ بأن خالفه ولم يسلم معه أولاً وسلم معه بعد السجود، كذا في البناني والظاهر أنه إذا سلم قبل أن يسلم إمامه للسجود البعدي لا يضر، لأن الإمام سبق منه السلام الأصلي، وهو تسليمة التحليل. اهـ من الأمير على عب، وأما تأخير القبلي فمكروه، وفي الأمير أيضًا أن بعض الشافعية قال له معترضًا على المالكية كيف تسجدون بعد السلام مع الزيادة مع أن الجابر للشيء يكون داخلاً فيه كرقعة الثوب فقال له العلامة الأمير هذا إن كان فيه نقص وإلا كان زيادة على زيادة فألجم.
[مسألة]
إذا أدرك مع الإمام ركعة وترتب على الإمام السجود القبلي فأخره بعد السلام، فهل يفعله المأموم معه قبل قيامه للقضاء وضعف، أو بعد تمام القضاء قبل سلام نفسه أو بعده، أو إن كان عن ثلاث سنن فعله قبل القضاء وإلا فبعده تردد، قال شيخنا والقول الأخير هو الظاهر. اهـ من دس.
[مسألة]
من ترك بعضًا من صلاة فرض وتذكر ذلك بعدًا، وترك سجودًا عن ثلاث سنن من فرض أيضًا إن شرع في صلاة فرض أو نفل فإن أطال القراءة من غير ركوع بأن فرغ من الفاتحة أو انحنى للركوع، وإن لم تطل قراءته بل وإن لم يقرأ كأمي ومأموم بطلت الصلاة المتروك منها ما ذكر، وحيث بطلت الصلاة الأولى؛ فإن كان الذي شرع فيه نفلاً فإنه يتمه إن اتسع الوقت لإدراك التي بطلت عقد ركعة أم لا، وإن عقد من النفل المشروع فيه ركعة بسجدتيها أتمه، ولو خرج الوقت، وإن لم يعقد الركعة وضاق الوقت قطع وأحرم بالصلاة الأولى، وإن كان الذي شرع فيه فرضًا قطع فذ وإمام ومأمومه تبعًا له وندب له إذا أتم ركعة بسجدتيها أن يضيف لها أخرى، ويخرج عن شفع إن اتسع الوقت وإلا قطع؛ لأن الفرض يقضى بخلاف النفل فإنه لا يعوض كما تقدم وأما إذا شرع في صلاة أخرى ولم يطل القراءة ولم يركع فإنه يرجع لإصلاح الأولى بلا سلام من الثانية فإن سلم بطلت الأولى وأما إن كان
стр. 40
ذكر القبلي أو البعض من نفل في فرض فأنه يتمادى مطلقا كما أنه يتمادى إن ذكر القبلي أو البعض من نفل في نفل إن أطال القراءة أو ركع وإلا رجع لإصلاح النفل الأول بلا سلام ويتشهد، ويسلم ويسجد بعد السلام ولا يجب قضاء النفل الذي رجع عنه إذ لم يتعمد بطلانه انتهى صاوي بتصرف وتوضيح.
(ما قولكم) في مالكي اقتدى بشافعي في صلاة الصبح فترك الشافعي القنوت سهوًا وسجد قبل السلام فهل يسجد المالكي معه أم لا؟
(الجواب) في حاشية الخرشي: أنه يجب على المالكي اتباع الشافعي في سجوده للقنوت قبل السلام، وإن خالفه فالظاهر عدم البطلان أفاده بعض الشيوخ. اهـ بتصرف.
(فصل) في قضاء الفوائت. (ما قولكم) في شخص ترك صلاة الظهر والعصر إلى أن بقي إلى الغروب قدر ما يسع أربع ركعات، فهل إذا صلى الظهر قبل العصر في هذه الحالة تبطل صلاته أم لا ؟
(الجواب) قولهم إن ترتيب حاضرتي الوقت واجب شرطًا فمن صلى العصر في وقتها الاختياري أو الضروري وعليه صلاة الظهر، أو تذكر الظهر بعد أن شرع في العصر فالعصر باطلة، ومحل البطلان إن كان متذكرًا أن عليه الظهر، أو حدث التذكر في أثناء العصر فإن تذكر بعد التمام ندب إعادة المقدم بوقت كالمكره على ترك الترتيب، ومحله أيضًا إذا بقي من الوقت الضروري ما يسعهما لأنهما لا يكونان حاضرين إلا إذا وسعهما الضروري فإن ضاق بحيث لا يسع إلا قدر أربع ركعات اختصت به العصر، فإذا أوقعت الظهر حينئذ فهي قضاء فيكون حكم الترتيب بين الظهر والعصر في هذه الحالة الوجوب غير الشرطي، فيدخل في قسم الحاضرة مع يسير الفوائت ويسير الفوائت خمس فأقل، فيجب تقديم اليسير على الحاضرة وجوبا غير شرط على المشهور، وقيل: مندوب وعلى المشهور يقدم اليسير وإن خرج وقت الحاضرة، وندب إعادة الحاضرة ولو مغربًا وعشاء بعد وتر إن خالف وقدم الحاضرة على اليسير بوقتها ولو الضروري، فإن كان بالفراغ من الحاضرة يخرج الوقت الضروري فلا إعادة. اهـ ملخصًا من حاشية أبي الحسن وأقرب المسالك وص.
[مسألة]
إن ذكر المصلي اليسير في فرض قطع فذَّا كان أو إمامًا، ويقطع مأمومه تبعًا له إن لم يركع؛ فإن ركع ندب له أن يخرج عن شفع وإن بصبح أو مغرب، والحاصل أنه إن تذكر اليسير بعد ركعة خرج عن شفع مطلقًا, وبعد ركعتين كمل المغرب وأولى الصبح والجمعة وخرج عن شفع في الرباعية، وبعد ثلاث كمل الرباعية, وأولى المغرب ومحل كونه يشفع إن ركع مقيد بما إذا لم يخش خروج وقت المذكورة، وإلا حرم الشفع وتعين القطع سواء كان الوقت ضروريًا أو اختياريًا، فالضروري كما إذا ذكر الظهر في العصر، وقد بقي للغروب ركعة, والاختياري يتصور في جمع التقديم كما إذا شرع في العصر في وقت الظهر المختار، ثم تذكر الظهر فإنه يقطع
стр. 41
العصر ويصلي الظهر خشية خروج الوقت. اهـ. من أقرب المسالك بزيادة من حاشية الخرشي.
[مسألة]
إن ذكر اليسير في نفل أتمه وجوبًا لوجوبه بالشروع فيه، ولا يعوض إلا إذا خاف خروج وقت حاضرة عليه أيضًا ولم يعقد ركوعًا من النفل، فإذا خاف خروجه ولم يعقد ركعة قطع وصلى الفرض فإن عقدها كمله ولو خرج وقت الحاضرة. اهـ من أقرب المسالك.
باب النافلة
[مسألة]
النفل المحدود كالفجر والعيدين والكسوف والاستسقاء يبطل بزيادة ركعتين، وأما الوتر فلا يبطل بزيادة مثله، والفرق أن كون الصلاة ركعة واحدة أمر غير غالب، والغالب إما ركعتان أو أكثر فلما زاد في الوتر واحدة رجع لما هو الغالب، والركعتان من الغالب فيبطلهما من الزيادة ما يبطل غيرهما من الغالب وإذا لم يبطل بزيادة مثله فيسجد له بعد السلام. اهـ ملخصًا من الخرشي والعدوي في باب السهو.
[مسألة]
النفل غير المحدود لا يبطل بزيادة مثله سهوًا فإذا عقد الثالثة سهوًا برفع رأسه من ركوعها كمل أربعًا وجوبًا، وأما لو قام عامدًا في ثالثة النفل فإن صلاته تبطل لدخوله في قول المصنف، ويتعمد كسجدة كما في حاشية الخرشي وفي الدسوقي أن الشيخ العدوي رجع عن هذا في حاشية عبد الباقي تبعًا للبناني، فقال: بل الصواب الصحة إذا قام عامدًا في ثالثة النفل مراعاة للقول بجواز النفل أربعًا، وغايته الكراهة ومخالفته الأفضل لا تقتضي البطلان انتهى.
[مسألة]
يندب التنفل في غير محل الفرض ويندب له أن يتحول إلي مكان آخر كلما صلى ركعتين كما في حاشية الخرشي عند قول المصنف في باب الإمامة وتنفل بمحرابه.
باب في الجماعة
ما تقول السادات أئمة الإسلام وأمناء الله على الأحكام في الأئمة المقامين بالمسجد الحرام بمكة المشرفة زادها الله تشريفًا وتعظيمًا إلي يوم الدين، وهم إمام الشافعية والمالكية والحنبلية الذين قررهم ولي التقرير على ما هم عليه الآن، وكون بعضهم يتقدم للصلاة أول الوقت ثم يليه الآخر كل واحد يصلي بجماعة في مقامه المتعين له، هل يجوز ذلك ويعد مقام كل واحد منهم كأنه مسجد مستقل بنفسه، ولا تكره الصلاة خلف واحد منهم، وهل يكون السابق أفضل أو يعد المسجد الحرام كالمسجد الواحد فتكره الصلاة خلف الثاني والثالث والرابع، ولو عين السلطان إمامتهم بالسبقية أم كيف الحال أفيدوا الجواب ولكم الأجر والثواب؟
(الجواب) في فتاوي عج: أن الاستفتاء عن الأئمة بالمسجد الحرام وقع في المائة السابعة وأن جماعة من العلماء الأعلام أفتى بأنه لا كراهة في ذلك إذ مقامتهم كمساجد، ثم قال: قال ابن فرحون: ووقفت على تأليف يتضمن خلاف ما أفتى به الجماعة، وأن الإمام الراتب هو إمام مقام إبراهيم ولا أثر لأمر الخليفة في رفع
стр. 42
الكراهة، ثم ذكر عج نقولاً كثيرة تفيد عدم الجواز ورجحها فانظره وفي المعيار: أن الإمام العلامة أبو محمد عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عطاء الله المالكي مؤلف البيان والتقريب في شرح التهذيب أجاب عن هذا بقوله: الصلاة خلف كل من الأئمة الذين أمر بترتبهم إمام المسلمين في مقاماتهم المذكورة تامة لا كراهة فيها، إذ مقاماتهم كمساجد متعددة لأمر الإمام بذلك، وسواء في ذلك الأول ممن بعده، وإذا كان الإمام الأول يصلي في أول الوقت فصلاة غيره ممن يؤخر إلى ربع القامة أفضل في غير الصبح والمغرب والمصلي خلف إمام المقام منها كالمصلي خلف غيره، والله أعلم، وأجاب الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي مؤلف كتاب المفهم، واختصر البخاري ومسلم بما نصه: وكذلك أقول غير أن ترتيب الأئمة في الوقت إن كان بإذن الإمام فلا سبيل إلي مخالفته وإن كان بغير إذنه فكل إمام يحافظ على ما هو الأفضل عند إمامه، ولا يجوز لمتبع إمامه يخالف مذهب إمامه بغير موجب شرعي، وأجاب غيرهما بمثل جوابيهما والله أعلم.
(ما قولكم في الجماعة) هل يفضل بعضها بعضًا أفيدوا الجواب؟ (الجواب) ذكر في المعيار: أن الصلاة تفضل في المسجد الكثير الجماعة على رأي ابن حبيب والشافعي؛ من أجل أن صلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل كما جاء في الحديث، وكذا الصلاة في مسجد إمامه متصف بصفات الفضل والكمال كالأفقه والأورع والأقرأ والمنسوب لقريش أو للعرب، ولا يكون ممن يكرهه المأمومون، وكما تفضل صلاة الصف المتقدم على من بعده من حيث إنه أول لمن بعده إلي آخر الصفوف، وكذا يفضل الوقوف على يمين الإمام على الوقوف على يساره، وكذا إدراك التكبيرة الأولى معه ونحو هذا والله أعلم.
(ما قولكم في إمام الصلاة) إذا فرغ منها هل يدعو ويؤمن المأمومون ويمسحون وجوههم أم لا؟ (الجواب) في المعيار: سئل ابن عرفة عن هذا فأجاب مضى عمل من يقتدى به في العلم والدين من الأئمة على الدعاء بأثر الذكر الوارد إثر تمام الصلاة، وما سمعت من ينكره إلا جاهل غير مقتدى به، وفي نوازل الصلاة منه من الأمور التي هي كالمعلوم بالضرورة استمرار عمل الأئمة في جميع الأقطار على الدعاء أدبار الصلوات في مساجد الجماعات، واستصحاب الحال حجة واجتماع الناس عليه في المشارق والمغارب منذ الأزمنة المتقادمة من غير نكير إلي هذه المدة من الأدلة على جوازه واستحسان الأخذ به، وتأكده عند علماء الملة ورحم الله بعض الأندلسيين فإنه لما انتهى إليه ذلك ألف جزءًا ردًا على منكره، وخرج عبد الرزاق عن النبي ﷺ أي الدعاء أسمع؟ قال: «شطر الليل الأخير، وأدبار المكتوبة» وصححه عبد الحق وابن القطان، وذكر الإمام المحدث أبو الربيع في كتاب مصباح الظلام عن النبي ﷺ أنه قال: «من كانت له إلى الله حاجة فليسئلها دبر صلاة
стр. 43
مكتوبة» اهـ، وفي الإكمال ذكر عبد الحق أماكن قبول الدعاء، وأن منها الدعاء أثر الصلاة، وأنكر الإمام ابن عرفة وجود الخلاف في ذلك، وقال: لا أعرف فيه كراهة، قلت: إن عنى بقوله: لا أعرف فيه كراهة أي لمتقدم فصحيح، وإن عنى به مطلقًا ففيه شيء؛ لأن الشيخ شهاب الدين القرافي رحمه الله تعالى ذكرها في آخر قواعده، وعللها بما يقع بذلك في نفس الإمام من التعاظم، وقال في العتبية: قال مالك: رأيت عامر بن عبد الله يرفع يديه وهو جالس بعد الصلاة، يدعو فقيل لمالك: أترى بهذا بأسًا؟ قال: لا أرى به بأسًا ولا يرفعها جدًا، وقال أيضًا: رفع اليدين إلي الله عند الرغبة على وجه الاستكانة والطلب محمود، قال القاضي أبو محمد بن العربي: اختلفوا في الرفع إلي أين يكون؟ فقيل: إلى الصدر، وقيل: إلى الوجه، وجاء عن النبي ﷺ أنه «كان يرفع يديه في الدعاء حتى يبدو بياض إبطيه»، والدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، وقال ابن عباس وقتادة: فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء أي اتعب ووقوع النصب في الدعاء مؤذن بالإكثار منه، والإلحاح فيه حتى يبلغ الداعي الجهد ومن الصحيح «إذا أمن الإمام فأمّنوا» أي: إذا دعا فالداعي يسمى مؤمنًا كما يقال للمؤمن داع، وفي الحديث الصحيح على ما ذكره الترمذي أن رسول الله ﷺ «كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه» قال الشيخ أبو القاسم البرزلي: وهذا يرد إنكار عز بن عبد السلام المسح والله الموفق للصواب.
(ما قولكم) في حكم التكبير بصوت مرتفع عقب الصلاة بينوا لنا ما ورد فيه وغيره مما يقال عقبها؟
(الجواب) في الصحيح من حديث ابن عباس «كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير»، وفي رواية إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ فكنت أعرف إذا انصرفوا بذلك، قال الطبري: فيه الإبانة عن صحة فعل من كان يفعل ذلك من الأمراء يكبر بعد صلاته ويكبر من خلفه، وفي الواضحة عن ابن حبيب: كانوا يستحبون التكبير في العساكر والبعوث إثر الصبح والعشاء تكبيرًا عاليًا ثلاث مرات، وهو قديم من شأن الناس، وفيه إظهار لشعائر الإسلام، ومن حديث عبد الله بن الزبير أنه ﵇ «كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون»، ومن حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول ﷺ قال: «أوصيك يا معاذ لا تدعن في كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، وعن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ «كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد»،
стр. 44
ومن حديث ثوبان أنه ﵊ «كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، إلى غير ذلك من الأدعية المأثورة والأذكار المشهورة. اهـ من المعيار والله الموفق.
(ما قولكم) في إمام الصلاة إذا أقام شخصًا نائبًا عنه في الوظيفة هل يجوز أم لا وهل يستحق المعلوم أو النائب أفيدوا الجواب ولكم الأجر والثواب؟ (الجواب) تجوز النيابة في الوظيفة على أسهل الأقوال فيستحق المعلوم وهو مع النائب على ما دخلا حيث لم يخالف شرط الواقف كما في حاشية العلامة الأمير على عبق والمجموع، وفي الدسوقي: تجوز النيابة في كأذان وإمامة وقراءة بمكان مخصوصة، حيث لم يشترط الواقف عدم النيابة فيها، واعلم أنه إن شرط الواقف عدم النيابة لم يكن المعلوم للأصلي لتركه ولا للنائب لعدم تقرره في الوظيفة أصلاً، وإن لم يشترط الواقف عدم النيابة فالمعلوم لصاحب الوظيفة المقرر فيها، وهو مع النائب على ما تراضيا عليه من قليل أو كثير كانت الاستنابة لضرورة أم لا، كما قاله القرافي واختاره الأجهوري والبناني وهو أسهل الأقوال (١) وقال المنوفي: إن كانت الاستنابة لضرورة فكذلك وإلا فلا شيء للنائب ولا للمنوب عنه من المعلوم والله أعلم.
[مسألة]
من أدرك الإمام في التشهد فدخل معه فظهر سلام الإمام أنه في التشهد الأخير، فالواجب عليه إتمام فرضه الذي أحرم به، ثم إن أدرك جماعة أعاد معهم إن شاء وكانت الصلاة مما تعاد هذا هو المنصوص في العتبية وغيرها، ولم يذكروا في هذه المسألة أمره لا بقطع ولا بانتقاله إلى نفل، وهو حكم ظاهر؛ لأنه شرع في فرض فلا يبطله لصلاة الجماعة وهي سنة، وإنما يخير بين القطع والانتقال إلى نفل من دخل مع الإمام في صلاة معادة كأن صلاها وحده، ثم وجد الإمام جالسًا فدخل معه معيدًا لفضل الجماعة فظهر بسلام الإمام أنه في التشهد الأخير، وربما التبست المسألتان على من لا يعرف فأجرى التخيير في غير محله. اهـ بناني نقلاً عن المعيار والذي ذكره غيره أن من لم يدرك ركعة، والحال أنه غير معيد ورجا جماعة أخرى جاز له القطع؛ لأنه لم ينسحب عليه حكم المأمومية فلا يستخلفه الإمام بل يجوز
стр. 45
الاقتداء به ومقتضى هذا أنه إن بطلت صلاة الإمام لا يسرى البطلان له وفي الحطاب يعيد احتياطًا ولعله لنية الاقتداء بهذا الإمام أفاده الدسوقي.
(ما قولكم) فيمن يصلي إمامًا ويحفظ الفاتحة والسورة ولا يميز فرضًا ولا سنة وإذا حصل له في الصلاة خلل لا يقدر على إصلاحه فهل تصح صلاة المؤتم به أم لا؟
(أجاب) عن هذا عج بقوله: بحيث كان يأتي بالصلاة على وجهها، ولم يميز بين ما فيها من الفرائض وما فيها من غير الفرائض فصلاته صحيحة، وصلاة من خلفه صحيحة.
[مسألة]
قول الشيخ خليل وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام، ظاهره العموم لقول صاحب الطراز إذا أحرم بما أحرم به إمامه، قال أشهب: يجزئه ويكون كالناسي ويعيد استحبابًا وقال بعضهم: هو مخصوص بمسألتين الأولى إذا لم يدر هل الإمام مقيم أو مسافر، والأخرى إذا لم يدر هل الإمام في الجمعة أو الظهر لا مطلقًا كما هو ظاهر كلام المصنف، قلت: وهذا هو الأولى انتهى من فتاوى عج، وأما لو دخل على تعيين الجمعة أو الظهر والحال أنه لا يدري أحرم الإمام بجمعة أو ظهر ثم تبين له مخالفة الإمام؛ فإن كان نوى الجمعة ظانًّا أن الإمام محرمًا بها فتبين أنه محرم بالظهر صحت صلاته على المعتمد؛ لأن شروط الجمعة أخص من شروط الظهر بخلاف ما إذا ظن أن الإمام محرمًا بظهر فتبين أنه محرم بجمعة؛ فتبطل وأما لو كان مسافرًا، ومر بجماعة يصلون فظنهم مسافرين فدخل معهم على ذلك فتبين أنهم مقيمون؛ فإنه يعيد أبدًا وأما لو كان هذا الداخل مع من ظنهم مسافرين مقيمًا؛ فإنه يتم معهم صلاته، ولا يضره ظن المخالفة،؛ لأن الإتمام واجب عليه سواء ظهر أن إمامه مسافر أو مقيم، وكذلك يعيد أبدًا من ظنهم مقيمين والحال أنه مسافر فنوى الإتمام فتبين أنهم مسافرون، فإن كان هذا الذي ظنهم مقيمين مقيمًا فلا تبطل صلاته؛ لأن غايته أنه مقيم صلى خلف مسافر ثم إنه لا إعادة في الوقت على هذا المقيم سواء ظنهم مسافرين أو ظنهم مقيمين والحاصل أن المسافر ومن ظن أن الإمام في ظهر أو جمعة إذا أحرم كل منهما بما أحرم به الإمام صحت صلاته، فإن عين بطلت إلا من عين الجمعة فتبين أنها الظهر فلا تبطل، وإن المقيم الذي ظن إمامه مسافرًا أو مقيمًا فتبين خلافه فلا إعادة عليه لا أبدًا ولا في الوقت كما صرح بذلك شراح سيدي خليل والله المرشد للصواب.
(ما قولكم) في عالم يصلي مع أصحابه لموضعه البعيد من الصفوف التي خلف الإمام هل يفوتهم فضل الصف أم لا؟
(الجواب) في عبد الباقي والأمير عليه عند قول سيدي خليل: وندب الفرض بالصف الأول.
(فائدة)
قال ابن عرفة: قال ابن حبيب أرخص مالك للعالم أن يصلي مع أصحابه أي مأمومًا للإمام بموضعه البعيد من الصفوف ما لم يكن بها فرج فليسدها، أي ولا يفوته ثواب الصف وإنما فضل الصف الأول لاستماع القرآن، وإرشاد الإمام واحتمال الاستخلاف. اهـ بتلخيص.
(ما قولكم)
стр. 46
في مسجد جرت العادة بالجلوس به، والإمام الراتب يصلي كالأزهر والمسجد الحرام، ولا يحصل طعن في الإمام بجلوس الجالسين الذين سبقت صلاتهم مع جماعة، هل يجب عليهم الخروج من المسجد كما قال سيدي خليل: وإن أقيمت بمسجد على محصل الفضل وهو به خرج أم لا؟ (الجواب) محل وجوب الخروج من المسجد على محصل الفضل إذا وقع الطعن بالفعل، وأما إذا جرت العادة بالجلوس والإمام في الصلاة كالجامع الأزهر، فلا يجب الخروج كذا في الحاشية عن الصغير وفيه ما فيه، نعم لا حرمة عند الشافعية. اهـ من أمير على عبد الباقي.
(ما قولكم) في شخص اقتدى بإمام شافعي في مسجد فيه الأئمة متعددة فتبين أنه بحنفي فهل لا يعيد؛ لأنه كمن صلى خلف من ظنه زيدًا فتبين أنه عمرو أم يعيد احتياطًا؟ (الجواب) اتفق للزرقاني شارح سيدي خليل: أنه اقتدى في جامع المؤيد بمصر خلف الشافعي فإذا هو الحنفي فأعاد احتياطًا، وقال ابنه: لا إعادة؛ لأنه كمن ظنه زيدًا فتبين أنه عمرو، وارتضى ما قاله ابنه الأشياخ، ومال العلامة الأمير إلي قول والده فقال: أقول احتياط الشيخ في الإعادة أعلى؛ لأن الأئمة متعددة الأمكنة في جامع المؤيد فقد ظهر أن الذي وجه قصده إليه معدوم بخلاف مسألة زيد فتبين أنه عمرو، فإن الذات واحدة فليتأمل انتهى.
(ما قولكم) في شخص صلى الظهر مثلاً فقال له شخص: لم يدخل الوقت وقال آخر دخل فحصل له شك في صلاته فأراد أن يصلي ثانيًا، وأراد أن يقتدي به أناس لم يصلوا أولاً فهل لا يجوز اقتداؤهم به لاحتمال براءة الشاك بالفعل، وإن وجبت الإعادة ظاهرًا فيكون فرضًا خلف نفل أم كيف الحال؟ (الجواب) اتفق أن العلامة العدوي صلى العصر واقتدى به الشيخ الدردير والشيخ الأمير فقال إنسان: صليتم قبل الوقت وعارضه آخر فحصل لهم شك وأرادوا الإعادة وأراد الدخول معهم أناس لم يصلوا أولاً، فقال العلامة الأمير: قدموا بعض من لم يصل أولًا يصلي بنا إمامًا؛ أي ولا يتقدم واحد منا؛ لأنه لا يجوز اقتداء المتيقن بالشاك واستحسن كلامه الشيخ الدردير وخالفهما العلامة العدوي، وقال: إن إعادتنا واجبة وصلى بالجميع ثانيًا أفاده الأمير في المجموع وغيره والحق مع الأمير والله أعلم.
[مسألة]
إنما يحصل فضل الجماعة بركعة وهل لا بد من إدراكها بسجدتيها قبل سلام الإمام أم لا قولان، فإن زوحم أو نعس عنهما حتى سلم الإمام وفعلهما بعد سلام إمامه فيحصل له فضل الجماعة عند ابن القاسم خلافًا لأشهب أفاده عبد الباقي لكن سيأتي في باب الجماعة بعكس النسبة للشيخين.
[مسألة]
يصح الاقتداء بلاحق في الفاتحة أو غيرها وبغير مميز بين كضاد وظاء بأن يقلب الظاء ضادًا والحاء المهملة هاء والراء لامًا أو الضاد دالاَ على المعتمد فيهما، كذلك أن تقول: الذي يبدل الضاد ظاءً مثلاً إن كان عاجزًا في الحال والمستقبل بأن لا يقبل التعليم بطبعه فينبغي أن يكون كالألكن أي فهو عاجز تصح صلاته وصلاة المقتدي به ضاق
стр. 47
الوقت أم لا ولو وجد من يأتم به غيره خلافًا للحطاب، وبعض الشراح وإن كان قادرًا في الحال على التعليم؛ فينبغي أن لا يختلف في بطلانها؛ لأنه كالمتلاعب، وإن كان عاجزًا في الحال قادرًا في الاستقبال فإن اتسع الوقت للتعليم وجب عليه التعلم وإن لم يتسع وجب عليه أن يأتم بمن يحسن الفاتحة؛ فأين محل الخلاف وجوابه أن محله في من لم يجد من يأتم به، وهو يقبل التعليم ولم يجد معلمًا أو ضاق الوقت عن التعليم وائتم به من هو أعلم منه بأن كان لا يبدل حرفًا بحرف أصلاً، أو كان أقل منه، وإنما ائتم به لعدم وجود غيره، ويقال مثل هذا في اللاحق. اهـ عبد الباقي بتصرف، ثم إن المراد باللحن المذكور اللحن الجلي وهو ما يخل المعنى أو الإعراب كرفع المجرور ونصبه وأما اللحن الخفي: وهو ما لا يخل بالمعنى ولا بالإعراب فلا يبطل الصلاة ففي كبير الخرشي عن الأجهوري: يكره الاقتداء باللاحن لحنًا خفيفًا كمظهر النون الخفيفة والتنوين عند الفاء والواو والميم والنون؛ لأنه خرق الإجماع وقرأ بما لم يقرأ به. قلت: وكذا سائر ما هو من هيئة الأداء من مد المقصور وقصر الممدود كما في عج أيضًا. قال شيخ الإسلام في شرح الجزرية: اللحن الميل الخطأ عن الصواب، وهو خفي وجلي، فالجلي خطأ يعرض للفظ ويخل بالمعني أو الإعراب كرفع المجرور ونصبه، والخفي خطأ يعرض للفظ ولا يخل بالمعنى ولا بالإعراب كترك الإخفاء والإقلاب والغنة. اهـ وقد ذكر الخرشي عن الزرقاني أن مد المقصور وقصر الممدود من اللحن الخفي غير المبطل.
[مسألة]
من صلى في غير المساجد الثلاثة منفردًا يعيد فيها ولو منفردًا أو من صلى فيها منفردًا فلا يعيد في غيرها جماعة ويعيد في أحدها جماعة، ولو كان مفضولاً بالنسبة لما صلى فيه منفردًا، ومن صلى في غيرها جماعة يعيد فيها في جماعة ولا يعيدها منفردًا على الأصح وقيل لمن صلى بغيرها جماعة أن يعيد فيها ولو فذًّا؛ لأن فذها أفضل من جماعة غيرها ورد بأنه لا يلزم من أفضلية شيء الإعادة لأجله، ألا ترى إلى تفاوت الجماعات أفاده در ودس.
[مسألة]
يحصل فضل الجماعة بركعة كاملة بسجدتيها مع الإمام وإنما تدرك الركعة مع الإمام بانحناء المأموم مع الإمام قبل اعتدال الإمام من ركوعه ولو حال رفعه وإن لم يطمئن المأموم في ركوعه إلا بعد اعتدال الإمام مطمئنًا. اهـ من أقرب المسالك للدردير.
[مسألة]
اختلف في المسبوق هل يجب عليه القيام لتكبيرة الإحرام كوجوبه على غيره أو واجب على غيره، وأما هو فلا يجب عليه؛ فإذا فعل بعض تكبيرة الإحرام في حال قيامه وأتمه في حال انحطاطه أو بعده بلا فصل كثير بين أجزائه بأن لا يكون هناك فصل أصلاً أو يكون فصل يسير وفي كل من هذه الأحوال الثلاثة إما أن يكون نوى بتكبيره العقد أي الدخول في الصلاة أو نواه والركوع أوس
стр. 48
لم ينوها فيعتد بالركعة في هذه الصور التسع بناء على القول بأن القيام لتكبيرة الإحرام لا يجب على المسبوق، أو لا يعتد بها بناء على القول الآخر مع الجزم بصحة الصلاة على ما قاله عج؛ لأن الأجهوري ومن تبعه جعلوا ثمرة الخلاف ترجع للاعتداد بالركعة وعدم الاعتداد بها، وأما الحطاب فجعل ثمرة الخلاف ترجع لصحة الصلاة وبطلانها، والذي ذكره عج أقوى مستندًا كما في بن وأما لو نوى مجرد الركوع لبطلت صلاته، وإن كان يتمادى لحق الإمام، وأما إذا ابتدأ تكبيرة الإحرام حال الانحطاط وأتمها فيه أو بعده بلا فصل كثير بأن لم يكن هناك فصل أصلاً أو كان فصل يسير فهذه ثلاثة أحوال، وسواء في هذه الأحوال نوى بالتكبير الإحرام فقط، أو هو والركوع أو لم ينو شيئًا فالركعة باطلة اتفاقًا في هذه الصور التسع وأما الصلاة فصحيحة إذا علمت هذا فجملة الصور ثمانية عشر فإن حصل فصل كثير بطلت الصلاة في ست صور وذلك إما أن يبتدئ التكبير حال القيام أو حال الانحطاط ويتمه بعده مع الفصل الكثير وفي كل من هذين إما أن ينوي بالتكبير الإحرام فقط أو هو والركوع أو لم ينو شيئًا فهذه الستة تضم إلى الثمانية عشر المتقدمة فالجملة أربعة وعشرون صورة هكذا يستفاد من دس في باب فرائض الصلاة.
(فائدة)
في فتاوى الأجهوري أنه سئل عمن فاته إدراك الركعة الأولى مع الإمام تحقيقًا أو شكًا ثم رفع عمدًا أو جهلاً فهل تبطل صلاته أم لا؟ فأجاب إن تحقق قبل أن يخفض عدم الإدراك ثم ركع ورفع عمدًا أو جهلاً بطلت صلاته وكثيرًا ما وقع هذا من العوام، وإن تحقق الإدراك بعد ما رفع فإنه يفصل فيه فإن ركع غير راج الإدراك ثم رفع عمدًا أو جهلاً أيضًا بطلت صلاته وإن ركع راجيًا الإدراك فالذي يفيده كلام صاحب التوضيح وابن عبد السلام والشيخ بهرام أن صلاته لا تبطل بذلك والذي يقتضيه كلام الشيخ زروق وشيخه الثعالبي ومن وافقهما بطلان صلاته بذلك هذا تحرير هذه ال مسألة فعض عليها بالنواجذ واترك ما يقع في بعض الأوهام من غير استناد إلى ما يعتد به من الكلام والله أعلم.
[مسألة]
قال ابن عرفة: إذا وقف القارئ وتعذر من يفتح عليه ركع، ولا ينظر مصحفًا بين يديه قال الباجي: إن كان في الفاتحة نظر فيه قال في سماع ابن القاسم: تخييره بين الركوع وابتداء سورة أخرى قلت: الجاري على القواعد ما قال الباجي. اهـ عج. (ما قولكم) في مأموم انصرف من صلاته ظانًّا أن الإمام سلم ثم لم يعلم حتى سلم إمامه فهل يسجد للسهو أم لا؟
(الجواب)
في فتاوى عج قال ابن القاسم وعلي عن مالك: لو سلم المأموم وانصرف يظن أن الإمام سلم ثم رجع قبل سلامه فإنه يجلس ويسلم معه ولا سجود عليه، فإن لم يعلم حتى سلم الإمام فقال ابن القاسم: لا سجود عليه أيضًا، وقال علي عن مالك: إن يسجد لسهوه أحب إلي.
(ما قولكم) في إعادة الجماعة بعد الراتب هل فيها ثواب أم لا؟
стр. 49
(الجواب)
يثاب من جهة كونها عبادة، ويستدل على هذا بما أفتى به ابن رشد وهو أن من عليه فوائت وتنفل تنفلاً زائدًا عن الفجر والوتر ونحوهما فإنه يثاب من جهة ويأثم من جهة، وإذا كان نهي التحريم لا ينافي الثواب فأولى نهي الكراهة، والنهي الذي ينافي الثواب هو النهي لذات العبادة كالنهي عن صوم زمن الحيض مثلاً وبعضهم قال بالمنافاة. اهـ من فتاوى عج بحذف وتوضيح وفي المجموع، وندب قطع محرم أي داخل في حرمة الصلاة ولو تلاوة أي سجود تلاوة وتعبيري بالقطع المشعر بالانعقاد وقت كراهة بنى عليه بعضهم الثواب أي من جهة كونها عبادة، وقيل لا ينعقد ونقله في حاشية الخرشي عن سيدي يحيي الشاوي والله أعلم.
[مسألة]
لو تعمد ترك الركوع مع الإمام حتى رفع منه معتدلاً فإن كان من الأولى بطلت، وإن تعمد تركه من غير الأولى، فإن استمر على الترك حتى رفع الإمام من الثانية فالراجح صحتها كما في دس.
[مسألة]
لا يجوز للمأموم نية مفارقة إمامه؛ لأن المأمومية تلزم بالشروع وإلا بطلت ومحل منع انتقال المأموم عن إمامه ما لم يضر الإمام بالمأمومين في الطول، وإلا جاز، وعند الشافعية يجوز وإن لم يكن ضرورة كذا في المجموع.
(فصل) في أحكام المساجد .
(ما قولكم) في الوضوء في المسجد هل يجوز أم لا؟ وفي حلق الرأس وقص الأظافر فيه هل يجوز أم لا؟
(الجواب)
الوضوء مكروه، وقيل: جائز ما لم تكن أعضاؤه متنجسة وإلا حرم وتكره المضمضة فيه، وإن غطاها بالحصباء ما لم تؤد للاستقذار، وإلا منعت كما إذا كان يتأذى بها الغير، ويكره حلق الرأس في المسجد، وكذلك الأظافر وقص الشارب، ولو جمع ذلك في ثوبه وألقاه خارجه، وكذلك الاستياك لحرمة المسجد والله أعلم.
(ما قولكم) في حكم الفصادة والحجامة والمخط في المسجد؟
(الجواب)
تحرم الحجامة والفصادة فيه كما في الخرشي وغيره في باب الاعتكاف، وكذلك يحرم المخط كما استظهر في حاشية الخرشي في باب الجماعة، ويجوز بصق لطف، وكذلك التنخم فيه إن لطف أيضًا وهذا إذا كان المسجد مفروشًا بالحصباء، ودفن ما ذكر فيها ويقيد هذا بالمرة والمرتين لا أكثر لتأديته لتقطيع حصره، واستقذاره ويقيد أيضًا بأن لا يتأذى به غيره؛ فإن أدى إلى تقطيع حصره واستقذاره أو تأذى به الغير حرم.
(ما قولكم) في قتل القملة في المسجد وطرحها حية، ورمي قشرها فيه هل يحرم أم لا؟
(الجواب)
قتلها فيه مكروه وطرحها حية قيل بكراهته وقيل بحرمته، ورمي قشرها فيه حرام، قال مالك: أكره قتل البرغوث والقملة في الصلاة وهذا يقوي كراهة قتل القملة فيه.
(ما قولكم) في تعفيش المسجد والمكث بالنجس فيه هل يمنع أم لا؟
(الجواب)
يكره تعفيشه باليابس الطاهر وأما باليابس النجس فحرام
стр. 50
كما يحرم تقذيره بالمائع مطلقًا، وإن طاهرًا، ويحرم المكث بالنجاسة فيه، وهذا لا يخالف ما في المدونة من كراهة قتل القملة في المسجد؛ لأنا نقول كراهة قتلها للضرورة، أو مبني على المكث بالنجس مكروه، وكلام الحطاب يقتضي ترجيحه.
[مسألة]
يجوز إحضار الصبي في المسجد بأحد شرطين أن لا يعبث، أي شأنه ذلك أو يعبث، ولكن يعلم من عادته أنه على تقدير وقوع البعث منه يمتنع إذا نهي عنه، كذا يؤخذ من دس والخرشي وغيرهما في باب الجماعة.
[مسألة]
يجوز للرجل إن يسكن في المسجد لأجل تجرده للعبادة من قيام الليل، وتعليم علم وتعلمه ويكره لغير المتجرد للعبادة؛ لأنه تغيير للمسجد عما حبس له ويحرم على المرأة، وإن تجردت للعبادة؛ لأنها تحيض، ولأنها قد يشتهيها أحد من أهل المسجد فتنقلب العبادة معصية؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة.
[مسألة]
يجوز عقد النكاح في المسجد واستحبه بعضهم للبركة؛ ولأجل شهرته أي مجرد الإيجاب والقبول من غير ذكر شروط، أو نفقة، أو كسوة، أو مهر، أو رفع صوت أو تكثير كلام وإلا كره.
[مسألة]
يجوز قضاء الدين في المسجد إذا كان يسيرًا يخف معه الوزن والعدد وإلا كره ولم يكن على وجه التجر والصرف، فإن كان على وجه التجر بأن دفع المدين بدل دينه عرضًا قاصدًا بذلك التجر لاقتضاء دينه أو أخذ بدل فضة ذهبًا قاصدًا بذلك الصرف كره وأما بدون ذلك القصد بل قصد اقتضاء الدين فلا كراهة.
[مسألة]
يجوز النوم في القائلة للمسافر وللمقيم في أي مسجد كان مسجد بادية أو حاضرة وأما التضييف فيه أو النوم ليلاً لمن لا منزل له أو عسر الوصول إليه فيجوز في مسجد البادية والقرية الصغيرة، ويكره في مسجد الحاضرة، وفي حاشية الخرشي الظاهر أنهم إذا لم يجدوا مأوى ولو بأجرة يسوغ لهم المبيت ولو في مساجد الحاضرة لا خصوص البوادي، والتضييف في مسجد البادية يكون بإطعام الطعام الناشف كالتمر لا إن كان مقذرًا كالطبخ والبطيخ، وإلا حرم إلا بنحو سفرة تجعل تحت الإناء بحيث يغلب على الظن عدم التقذير فالظاهر أنه يقوم مقام الناشف كما في حاشية الخرشي.
[مسألة]
يجوز اتخاذ بيت تحت المسجد ويسكنه ولو بأهله ولا يجوز له أن يتخذ بيتًا فوقه؛ لأن ما فوق المسجد له حرمة المسجد وهذا في مسجد متأخر أعلاه عن مسجديته بأن بنى مسجدًا ابتداء ثم أحدثت السكنى فوقه وأما إن سبق أعلاه على مسجديته فتكره السكنى فوقه.
[مسألة]
لا يجوز الغرس بالمسجد وإن قلع كما في دس.
[مسألة]
يحرم تعمد إخراج الريح في المسجد ولو كان خاليًا من الناس؛ لحرمة المسجد والملائكة، وأما خروج الريح غلبة فإنه لا يحرم، ولابن العربي: يجوز إرسال الريح في المسجد اختيارًا كما يرسله في بيته إذا احتاج لذلك أي بأن كان إبقاؤه من غير إخراج يؤذيه. اهـ. وهو ضعيف ومع ضعفه مقيد بما إذا كان لا يترتب على إخراجه أذية حاضر، وإلا حرم؛ لأن الأذية حرام إجماعًا.
[مسألة]
يحرم
стр. 51
إخراج الريح بصوت بحضرة الناس كما في المجموع.
[مسألة]
يحرم المكث في المسجد بشيء نجس غير معفو عنه، لتنزيه المسجد عن ذلك والمتنجس كالنجس، ولو ستر بطاهر، وقيل: إن ستر المتنجس كالنعال بطاهر جاز المكث والمرور به، والراجح الأول، بل المشهور أنه يحكه، فإذا أزيل عين النجاسة وبقي حكمها فلا يمنع المكث والمرور به فإن لم يحكه حرم.
[مسألة]
يمنع تعليم الصبيان في المساجد قرآنًا أو غيره على المذهب، ولو كانوا لا يعبثون لعدم تحفظهم من النجاسة غالبًا، وذكر القابسي أن ابن القاسم روى إن بلغ الصبي مبلغ الأدب فلا بأس بتعليمه في المسجد، وإن كان صغيرًا يعبث فلا أحب ذلك، ذكر هذه الرواية ص عن بن في باب الإجارة، وفي دس في إحياء الموات أن تفصيل ابن القاسم ضعيف، والمذهب منع تعليم الصبيان فيه مطلقًا كانوا مظنة للعبث والتقذير أم لا؛ لأن الغالب عدم تحفظهم من النجاسة.
[مسألة]
يكره البيع في المسجد ومحل الكراهة إذا جعل المسجد محلاً للبيع بأن أظهر السلعة فيه معرضًا للبيع وأما مجرد العقد فلا يكره ومحل الكراهة أيضًا إذا كان بغير سمسرة؛ بأن جلس صاحب السلعة بها في المسجد وأتى المشتري لها يقلبها وينظر إليها، ويعطي فيها ما يريد، فإن كان البيع بسمسرة أي مناداة على السلعة حرم لجعل المسجد سوقًا.
[مسألة]
يكره سل السيف ونحوه في المسجد لغير إخافة وإلا حرم بل في فتاوى الحنفية أنه ردة.
[مسألة]
لا يجوز الدفن في أرض المسجد لأنه يؤدي إلى نبشه إلا لمصلحة كما في الأمير على عب.
(ما قولكم) في الصدقة والهبة هل يجوز كل منهما في المسجد أم لا؟
(الجواب)
في عبد الباقي وظاهر المص أي الشيخ خليل أن الهبة والصدقة لا يكرهان في المسجد لأنهما فعل معروف مرغب فيهما ومثله في الخرشي وسلمه العدوي والأمير وغيرهما.
[مسألة]
روى ابن حبيب لا يمر في المسجد بلحم ولا تنقر فيه النبل أي لا تدار على الظفر ليعلم مستقيمها من معوجها.
[مسألة]
يكره إنشاد الضالة في المسجد أي تعريفها لملتقطها وكذلك نشدها (١) أي طلب ربها لها وهذا هو الوارد في خبر: "إذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك" وينشد بفتح التحتانية وضم الشين المعجمة أي يطلب ما ضاع منه كما تقدم.
[مسألة]
يكره رفع الصوت في المسجد ولو بذكر أو قرآن إلا التلبية بمسجد مكة ومنى فيجوز رفع الصوت بها فيهما على المشهور، ومحل كراهة رفع الصوت في المسجد ما لم يخلط على مصل وإلا حرم.
[مسألة]
يكره رفع الصوت بالعلم فوق إسماع المخاطب ولو بغير مسجد على المشهور خلافًا لابن مسلمة حيث جوز رفع الصوت به في غير المسجد.
[مسألة]
يكره دخول الخيل والبغال والحمير في المسجد لأجل نقل حجارة
стр. 52
أو غيرها منه أو إليه خوف أن تبول فيه، وأما ما فضلته طاهرة فيجوز إدخاله لذلك لا لغيره، فلا يجوز لأنه استعمال له في غير ما حبس له، ويجاب عن ما ورد من أنه ﷺ طاف على بعير بأنه فعل ذلك ليرتفع للناس فيأخذوا عنه المناسك، كما قالوا، فكان من الأمور الخاصة كذا في الأمير على عب.
[مسألة]
سئل ابن عرفة عن المسجد هل يسوغ اتخاذه طريقًا أم لا؟
فأجاب بجوازه إذا دعت الضرورة إليه، وكان البودري من متأخري التونسيين أحد شيوخ ابن عبد السلام مدرسًا بمدرسة التوفيق، وكانت داره قبالة جامع التوفيق، وكان إذا أتى المدرسة دخل من باب الجامع القبلي ويخرج من الباب الجوفي، فعيب عليه ذلك لما فيه من اتخاذ المسجد طريقًا؛ فاحتج بأن مالكًا أجازه في المدونة حيث قال: ولا بأس أن يمر فيه ويقعد من كان على غير وضوء فيه، أفاده في المعيار.
(ما قولكم) في رجل اشتهر بالجلوس في موضع من المسجد لتعليم علم ونحوه، هل يقضى له به أم لا؟
(الجواب)
يقضى له به على المعتمد، والظاهر اختصاصه به في الوقت الذي اعتاد فيه ما ذكر فقط، لا بوقت غيره، وما غاب عنه غيبة انقطاع ولا ما اعتاده والده، قال ابن ناجي: ومواضع الطلبة عندنا بتونس يقضى لهم بها. أفاده في حاشية الخرشي والله أعلم.
(ما قولكم) في المساجد هل يفضل بعضها بعضًا أم لا أفيدوا الجواب؟
(الجواب)
أجاب في المعيار بأن المساجد كلها متساوية من حيثُ كونُ كلٌّ مسجدًا، ويستثنى من ذلك المساجد الأربعة لشهادة الشرع بزيادة ثوابها، وهي: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء، فركعتان في مسجد قباء كعمرة كما ورد عنه ﷺ ، وفي صحيح البخاري كان رسول الله ﷺ يأتي مسجد قباء راكبًا وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين، والصلاة في مسجد المدينة بألف صلاة كما في الصحيح، ولكن التفضيل مختص بمسجده ﷺ الذي كان في زمنه، كما مال إليه ابن عرفة، وفي كبير الخرشي أن الأبي في شرح مسلم قال عند قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" ما نصه: التفضيل مختص لمسجده الذي كان في زمنه ﷺ دون ما زيد فيه بعد ذاك فينبغي أن يتيقظ لهذا، ذكره الخرشي عند قول المص، والغرض بالصف الأول والصلاة في المسجد الأقصى تعدل ألف صلاة أو سبعمائة أو خمسمائة بسبب اختلاف الروايات ذلك عنه ﵊، والصلاة في المسجد حرام شهد لزيادتها على ألف صلاة روايات متعددة. انتهى التضعيف في بعضها إلى مائة ألف، وما عدا هذه الأربعة فكلها متساوية صلاة المنفرد بعشرة، وفي الجماعة بسبع وعشرين درجة، نعم الصلاة في المسجد البعيد أفضل من القريب باعتبار كثرة الخطأ، ومشقة السعي إليه، وغير ذلك مما يقتضي كثرة الثواب. اهـ بزيادة والله أعلم.
(ما قولكم) فيمن سبق إلى مكان من المسجد هل هو أحق به من غيره أم لا؟ وهل يكفي السبق بالفرش أم لا؟ وإذا قام السابق لحاجة
стр. 53
ونيته العود هل يسقط حقه أم لا، وإذا أعاد مكانه لشخص ثم أراد الرجوع إليه هل يكون الحق له أو للشخص الجالس؟
(الجواب)
من سبق إلى مكان من المسجد فهو أحق به إلا أن يعتاد غير السابق الجلوس بالمحل الذي جلس به السابق لتعليم علم؛ كتدريس أو إفتاء؛ فإنه أحق به من غيره، إذا عرف به، وفي حاشية العلامة الأمير وهل يكفي السبق بالفرش فيه أو تحجير لا يجوز خلاف في الحطاب وغيره، وإذا قام السابق لحاجة أو طهارة ويعود لم يسقط حقه. اهـ وأما إن أعاره لشخص فإن حقه يسقط لاستحقاق جميع الناس ذلك، وذلك من قبيل من له خلوة في مدرسة وأعارها لغيره من المستحقين فإنه يسقط حقه، ويأخذها الغير كما وقع للبرزلي؛ لأن المتقدم أسقط حقه للثاني كذا في حاشية الأمير على عبق من باب العارية والله أعلم.
(ما قولكم) في جار المسجد هل له أن يفتح فيه بابًا أم لا؟
(الجواب)
في حاشية العلامة الأمير علي عبد الباقي أنهم صرحوا بأن جار المسجد لا يجوز له أن يفتح فيه بابًا والله أعلم.
(ما قولكم) في بني شيبة خدمة الكعبة المشرفة هل لغيرهم أن يشاركهم في مصالحها وخدمتها أم لا؟
(الجواب)
منع الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أن يشترك مع خزنة الكعبة غيرهم في القيام بمصالحها وخدمتها والتصرف فيها والحكم عليها، فإن خزنتها هم أصحاب عقدها وحلها، فلا يشركهم غيرهم في ذلك، وفي حاشية الخرشي قال المحب الطبري: ولا يبعد أن يقال: هذا إذا حافظوا على حرمة البيت ولازموا الأدب في خدمته، وإلا جعل عليهم مشرف والله أعلم.
(ما قولكم) في خزنة الكعب هل يسوغ لهم أخذ دراهم لأجل فتح الكعبة المشرفة أم لا؟
(الجواب)
في حاشية العلامة الدسوقي أجمع العلماء على أنه يحرم على الخدمة أن يأخذوا الدراهم لفتح الكعبة خلافًا لما يعتقد بعض الجهلة من أنه لا ولاية عليهم، وأنهم يفعلون بالبيت ما شاءوا، قاله الحطاب والله أعلم.
(ما قولكم) في مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام هل هي خاصة بالفرض أم لا؟
(الجواب)
في حاشية الخرشي أن المضاعفة حاصلة بالفرض والنفل كما نص عليه عبد الملك خلافًا للطحاوي من الحنفية حيث خصها بالفرض والله أعلم.
(ما قولكم) في فناء المسجد هل حكمه حكم المسجد أم لا؟
(الجواب)
في الزرقاني يحرم لبث الجنب في المسجد وإذا حصلت له الجنابة وهو فيه وجب عليه أن يخرج من غير تيمم، وحكم صحنه وسطحه حكمه، وأما فناؤه فلا، والفناء ما كان خلف الباب كمحل الحلاقين بالجامع الأزهر، كما في حاشية العدوي وفي القاموس، وفناء الدار ككساء ما اتسع من أمامها ومنه قول الأمير في باب الشركة فناء الدار ما فضل عن المارة من طريق واسعة نافذة. اهـ وأما منع الشيوخ من صلاة الفجر في فنائه والإمام الراتب يصلي فلا يدل على أن الفناء حكمه حكم المسجد لأنهم منعوا من صلاة الفجر فيه، والإمام يصلي لقربه من المسجد ففيه طعن في الإمام
стр. 54
الراتب، لا لأنه من المسجد والله أعلم. (وسئل) عج عن السؤال في المسجد؟ (فأجاب) بأنه ينهى عنه وينهي عن إعطاء السائل فيه. اهـ.
[مسألة]
إذا خرب المسجد لا يطلب له تحية كتبه السيد عن الحطاب ومقتضاه زوال أحكام المسجدية لا أصل الحبس فلينظر ذكره الأمير على عبد الباقي عند قول سيدي خليل في باب اليمين، ولا إن خربت وصارت طريقًا. (ما قولكم) هل بئر زمزم وكذا حريمها وهو البناء الدائر على فم البئر ليست من المسجد فلا يحرم على الجنب المكث فيه ولا البصاق ولا الغسل ولا غير ذلك مما يحرم فعله في المساجد، أم من المسجد فله حكم المسجد من أنه يجوز فيه الاعتكاف، ويحرم دخوله جنبًا، والمكث فيه واستحباب تقديم اليمين للدخول وركعتي التحية إن أمكن فعلهما فيه أفتونا؟
(الجواب)
أما بالنسبة للمسجد الأصلي الذي كان في زمنه ﷺ واشترط أصحابنا لصحة الطواف أن يكون داخله فقد حكى الحطاب في شرحه على المختصر عند قوله: وجاز أي الطواف بسقائف لزحمة وإلا أعاد ولم يرجع له ولا دم قولين مشهورين، أحدهما في كون بئر زمزم من المسجد الأصلي كالمقام وهو ما لسند في الطراز قال القرافي: قال سند: وخرج بعض المتأخرين يعني اللخمي المنع أي للطواف من وراء زمزم على منع أشهب في السقائف والفرق أن زمزم في بعض الجهات عارض في طريق الطائفين فلا يؤثر كالمقام أو حفر في المطاف. اهـ واختاره ابن عرفة قال: وألحق اللخمي بها أي بالسقائف ما وراء زمزم ورده سند بأن زمزم في جهة واحدة فقط فقول ابن الحاجب من وراء زمزم وشبهه على الأشهر إلا من زحام لا أعرفه. اهـ قال في التوضيح وشبه الزمزم قبة الشراب. وثانيهما في كونه ليس من المسجد الأصلي كالسقائف وهو ما للخمي وغير واحد من أئمة المذهب المتأخرين كابن بشير وابن شاس وجعله ابن الحاجب الأشهر. اهـ وأما بالنسبة للمسجد الحرام في هذا الوقت فهو منه وله حكمه بدون أدنى شك لأمرين: الأمر الأول: أنه قد صار الآن في وسطه والعادة تحيل خروجه وعدم إعطائه حكمه حينئذ سيما وفي المذهب قول مشهور بكونه من المسجد الأصلي كالمقام ويؤيده حديث الزهري أن قريشًا قالت لعبد المطلب لما شرع في حفر بئر زمزم: ما هذا الصنع إنا لم نر بك أن نتهمك بالجهل لم تحفر في مسجدنا؟ كما نقله الكازروني المكي الحنفي في تذكرته عن ابن علان الصديقي الشافعي. الأمر الثاني: إن في تاريخ الخميس عن البحر العميق للقرشي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: إنا لنجد في كتاب الله أن حد المسجد الحرام من الحرورة إلى المسعى، وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: أساس المسجد الذي وضعه إبراهيم ﵇ من الحرورة إلي المسعى. أفاده خاتمة المحققين السيد أحمد بن زيني دحلان عما كتبه العلامة السيد أحمد جمل الليل المدني عن الشيخ إبراهيم الخليل في شرح مولد السيد
стр. 55
الأهدل قال: وفي كلام غيره ما يؤيده. اهـ وأما فتوى أبي السعود بن علي الزين المالكي بأن بئر زمزم مع حريمها ليست من المسجد وعللوه بأن تحبيسها سابق عن تحبيس المسجد فيباح للجنب المكث والغسل ولا تصح الجمعة ولا الاعتكاف لكون المسجد شرطًا فيهما ولا في علوها ويقدم الداخل يسراه ويمناه خروجًا ولا تحية، وأما البصاق فجائز إلا أن إن كان يؤدي إلى تأذي الناس وتعلقه بثيابهم وأرجلهم، وتنكف أنفسهم عند الشرب فيجتنب والله أعلم كما في نشر الآس في فضائل زمزم، وسقاية العباس فهي باطلة من وجوه بأن تحبيسها سابق إلخ إذ كيف تصح وقد قال الشيخ عبق الزرقاني واستثنى من منع بيع العقار الحبس خرب أم لا؟ قوله: إلا أن يباع لتوسيع كمسجد للجماعة كما في النص تقدم عن العقار أو تأخر وطريق ومقبرة فيجوز بيع حبس غير هذه الثلاثة لتوسيع الثلاثة أو واحد منها أي يؤذن فيه ولو جبر أو أمروا أي المحبس عليهم بجعل ثمنه أي الحبس الذي بيع لتوسيع الثلاثة لغيره وجوبًا، أي يشتري بالثمن عقارا مثله ويجعل حبسًا مكانه من غير قضاء على المشهور؛ لأنه لما جاز بيعه اختل حكم الوقفية المتعلقة به، وسكت عن توسيع بعض الثلاثة من بعض، وهي ست صور ويؤخذ الجواز من قول الشارح عند قول المصنف واتبع شرطه إن جاز ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه في بعض. اهـ المراد من كلام عبق الوجه الثاني أن علو بئر زمزم مكان معد للصلاة، والمكان المعد للصلاة مسجد، وإن لم يكن على هيئة المساجد كما في شرح مجموع الأمير، وحجازي عليه، وقد قال قريش لعبد المطلب لما شرع في حفرها لم تحفر في مسجدنا، وقال أبو هريرة وعمرو بن العاص: إن حد المسجد الحرام من الحرورة أي باب الوداع إلى المسعى كما علمت وكيف يصح قوله فيباح للجنب إلي قوله: ولا في علوها، الوجه الثالث: أن تقديم الرجل اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج إنما عدوه من الآداب في نحو الكنيف من كل دنيء، كحمام وفندق وبيت ظالم، وليس منه بئر زمزم حتى على فرض عدم دخوله في المسجد إذ كيف تصح دعوى دناءته وقد قالوا: إن النظر في بئر زمزم عبادة تحط الأوزار والخطايا لخبر: "خمس من العبادات تحط الخطايا النظر إلي المصحف، والنظر إلي الكعبة، والنظر إلي الوالدين، والنظر في بئر زمزم، والنظر إلي وجه العالم" رواه الأزرقي، قال بعضهم: ويختار له النظر فيها ثلاثًا، وقالوا: إذا قصد شرب ماء زمزم استقبل القبلة لأنها أشرف الجهات ثم ذكر الله تعالى، ثم قال: اللهم إنه بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "ماء زمزم لما شرب له" وإني أشربه لكذا، ويسمي حاجته، أو يقول: اللهم فافعل، ثم يسمي الله تعالى ويشرب، وأنه يسن أن يصب على رأسه منه ويغسل وجهه وصدره كما نقل عن الماوردي، وقد قال
стр. 56
الشيخ يحيي الحطاب في مناسكه: وممن صرح بكراهة استعماله في النجاسات ابن بشير، قال: وأهل مكة يحكون: أن رجلاً استنجى به فحدث له الباسور، فكيف يصح مع هذا ونحوه مما هو محرر في كتب الفقه والمناسك أن يدعي أن له حكم الكنيف في الدخول والخروج؟! سبحانك هذا بهتان عظيم، وجهل فاضح سقيم، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلتفت لمثل هذه الفتوى فضلاً على أن يعتمد عليها في فتواه والله الهادي إلى الصواب وإليه المرجع والمآب.
(فصل) في قصر صلاة المسافر .
[مسألة]
يسن لمريد سفر أربعة برد قصر الصلاة الرباعية ولو كان سفره على خلاف العادة، فمتى كان يقطع هذه المسافة قصر، ولو قطعها في لحظة بطيران ونحوه، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، كل ميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة، وقيل: ستة آلاف ذراع بالهاشمي، ومفاد بعضهم أن هذا القول هو الراجح، والذراع الهاشمي ينقص على الذراع الحديد المعروف الآن الثمن، فتكون الستة آلاف خمسة آلاف ومائتين وخمسين ذراعًا بالحديد، وهي باعتبار الزمن مرحلتان أي سير يومين معتدلين، أو يوم وليلة بسير الإبل المثقلة بالأحمال على المعتاد من سير وحط وترحال وأكل وشرب وصلاة معتبرة، ولو كانت هذه المسافة كلها ببحر أو بعضها ببحر وبعضها ببر تقدمت مسافة البحر أو تأخرت وهذا قول عبد الملك، واعتمده العلامة الدردير في تقريره ولا يقصر ما دام في المرسى حيث لم يجزم بالسير، أو كانت المرسى داخل البساتين المسكونة، وإلا قصر، ولو كان بالمرسى، ولا يجوز الإقدام على القصر فيما دون هذه المسافة التي جملة أميالها ثمانية وأربعون ميلاً، وإنما الخلاف فيما إذا وقع منه القصر فيما دون ذلك، هل يعيد أم لا؟ قال ابن رشد: لا إعادة على من قصر فيما بين ثمانية وأربعين إلى أربعين، وإما إذا قصر فيما بين الأربعين إلى ستة وثلاثين بإدخال الغاية ففي الإعادة في الوقت وعدم الإعادة قولان، والراجح عدم الإعادة، وإذا قصر فيما دون الستة والثلاثين يعيد أبدًا. اهـ ملخصًا من الخرشي وحاشية العدوي وحاشية الصاوي والأمير على عبق.
[مسألة]
يقطع حكم السفر نزول مكان نوى فيه إقامة أربعة أيام صحاح، فيلغي يوم الدخول المسبوق بالفجر، ويوم الخروج فلا بد أن تستلزم الأربعة أيام عشرين صلاة بأن دخل قبل فجر السبت ونوى الارتحال بعد عشاء يوم الثلاثاء هذا هو المعتمد خلافًا لسحنون، حيث اعتبر العشرين صلاة فقط سواء كانت في أربعة أيام صحاح أم لا؟ وأما إذا أقام الحاجة فاتفق أنه أقام شهورًا يرجو قضاءها في كل يوم فإنه يقصر.
[مسألة]
إذا نوى إقامة أربعة أيام وبعد تلك الإقامة عزم على السفر فقال سحنون: لا يقصر حتى يعظ كابتداء السفر، وقال ابن حبيب: متى عزم على السفر يقصر رفعًا للنية بالنية، قال ابن ناجي: وبالأول أقول، شاهدت شيخنا يفتي به. اهـ من حاشية الخرشي.
стр. 57
[مسألة]
يجوز للمسافر أن يجمع بين الظهرين جمع تقديم ببر لا ببحر (١) إن زالت عليه الشمس نازلاً بمكان، ونوى عند رحيله قبل وقت العصر النزول بعد الغروب فإن نوى النزول قبل دخول الاصفرار صلى الظهر في وقتها وأخر العصر وجوبًا غير شرط لوقتها الاختياري فإذا قدم العصر مع الظهر في هذه الصورة أجزأ لما علمت أن التأخير واجب غير شرط ولكن يندب لها أن يعيدها إذا دخل وقتها فإن نوى النزول بعد دخول الاصفرار صلى الظهر في وقتها وخير في العصر إن شاء قدمها مع الظهر وإن شاء أخرها للاصفرار وهو الأولى؛ لأن الاصفرار ضروري العصر الأصلي، وأما إذا زالت الشمس عليه وهو سائر ونوى النزول بالاصفرار أو قبله فأنه يجوز له أن يؤخرهما ليجمعهما جمع تأخير ويجوز إيقاع كل صلاة في وقتها ولو جمعًا صوريًا ولا يجوز جمعهما جمع تقديم لكن إن وقع فالظاهر الإجزاء وإعادة الثانية في الوقت وقيل يؤخرهما وجوبًا ويمكن الجمع بين القولين بأن من قال بالوجوب بمعنى أنه لا يقدم العصر فلا ينافي أنه يجوز إيقاع كل صلاة في وقتها والجواز في كلام اللخمي بالمعنى المتقدم. اهـ من أقرب المسالك وحاشيته وحاشية الخرشي.
[مسألة]
قراءة الفاتحة عند وداع المسافر جائزة قال عج عن شيخه ابن الترجمان ورد في الحديث ما يؤخذ منه جواز ذلك وهو قوله في الحديث كان يذكر الله في جميع أحواله ومن الأحوال حالة السفر ومن الذكر القرآن بل هو أفضل الذكر لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ وأما قراءة الفاتحة له ﷺ فذكر الحطاب في باب الحج عن الشافعية قولين أرجحهما عدم الجواز ولا نص في مذهبنا والذي عليه علماء الشافعية الآن جواز ذلك قال عج: وإذا لم يوجد في مذهبنا نص فنرجع لمذهب الشافعية في ذلك، فلا يحرم ذلك والذي يقول بالحرمة يحتج بأنه لم يرد جواز ذلك عنه، ولا أذن فيه، ولا يتهجم على العظيم إلا بما أذن فيه، وهذا لم يأذن فيه. اهـ من حاشية الخرشي.
باب الجمعة
[مسألة]
من علم أن الجمعة فاتته بأن أدرك التشهد فإنه يحرم بنية الظهر مع الإمام، ويجلس معه ثم يأتي بعده بأربع ركعات، ابن عرفة: وفيها من أدرك جلوسها أتمها ظهرًا، ابن رشد: اتفاقًا لأنه بنية الظهر يحرم، قلت: هذا أصح من قول بعض شيوخنا يحرم بنية الجمعة لموافقته نية إمامه. اهـ من كبير الخرشي في مبحث الرعاف.
[مسألة]
من وجد الإمام في تشهد الجمعة فدخل معه بنية الظهر، ثم تذكر الإمام سجدة من الركعة الأولى؛ فقام وأتى بركعة بدلها، فقيل: إنه يصليها معه ويأتي بركعة وتكون له جمعة، وقيل: إنه يعيدها أربعًا من أجل أنه أحرم بنية أربع ثم حولها إلى نية الجمعة قاله الغرياني، فقوله: وقيل: إنه يعيدها أربعًا يقتضي أنه يأتي بركعة بتمامها
стр. 58
وعليه فيتفق القولان على فعلها جمعة ويختلفان هل يعيدها ظهرًا أم لا. اهـ منه أيضًا.
(ما قولكم) فيمن دخل الجامع لصلاة الجمعة فوجد الخطيب في صدر الخطبة فما جلس حتى صلى ركعتين فهل الصلاة مكروهة أم حرام؟
(الجواب)
في فتاوى الأجهوري جوابًا عن هذا السؤال إذا دخل المالكي والإمام يخطب فأحرم بالنافلة ساهيًا؛ فإنه بعد إحرامه على الوجه المذكور؛ لا يقطع النافلة فإذا دخل عامدًا مقلدًا لمن يرى ذلك بشرط التقليد فإنه لا يقطع أيضًا، والتقليد جائز بشرطه وصرح أئمتنا كالقرطبي بأنه لا يجوز الإنكار على من فعل أمرًا مختلفًا فيه، وإنما ينكر على من فعل مجمعًا على تركه أو كان مدرك القائل فيه ضعيفًا كشرب النبيذ. اهـ وفي المجموع أن من أحرم وقت المنع يقطع إلا داخلاً وقت الخطبة أحرم ناسيًا أو جاهلاً فيتم للخلاف في الداخل وزاد عذره بالنسيان أو الجهل والله أعلم.
(ما قولكم) في مالكي صلى الجمعة خلف شافعي يعيدها ظهرًا هل يعيد أم لا؟
(الجواب)
إن كان الإمام أعاد ظهرًا لبطلان صلاته وجبت إعادة صلاة من صلى خلفه إذ كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأمومين إلا ما استثنى وليس هذا منه، وإن أعادها لا لبطلان فإن في إعادة من صلى خلفه خلافًا قياسًا على من صلى خلف إمام صلى الحاضرة قبل الفائتة المشار إليها بقول المصنف فإن خالف ولو عمدًا أعاد بوقت الضرورة، وفي إعادة مأمومه خلاف والراجح منهما الإعادة كذا في فتاوى عج، وفي حاشية الخرشي قوله: والراجح منهما الإعادة ضعيف بل الراجح عدم الإعادة، ثم قال في الفتاوى المذكورة فإن لم يدر أي المأموم هل أعاد إمامه لبطلان الصلاة أو للاحتياط فالظاهر وجوب الإعادة، وسيأتي تحقيق هذه ال مسألة بعد هذا.
[مسألة]
من أدرك ثانية الجمعة مع الإمام ثم بعد سلام الإمام تذكر أنه نسي منها سجدة؛ فإنه يسجدها باتفاق ابن القاسم وأشهب ثم كمل أربعًا عند ابن القاسم وجمعة عند أشهب. اهـ من عبد الباقي.
[مسألة]
يجبر من بجانب المسجد على البيع ولو وقفًا لتوسعة المسجد كما في حاشية الخرشي وكذا يوسع المسجد ولو بالطريق والمقبرة كما في دس.
[مسألة]
الجمعة للعتيق والمراد به ما أقيمت فيه الجمعة أولاً في تلك القرية وإن تأخر بناؤه عن بناء غيره، ما لم يحتاجوا للجديد، وإلا فتصح الجمعة للعتيق والجديد ثم هل المراد بالاحتياج حاجة من تصح منه الجمعة أن لو حضرها ولو كالصبيان والعبيد، واستظهر هذا النفراوي أو حاجة من يغلب حضوره، أو حاجة من يلزمه حضورها، أو حاجة من يحضر بالفعل، وإن لم تلزمه ولا غلب حضوره، وعلى الأخير من الاحتمالات الأربعة تعتبر كل جمعة لما فيها، وهذه الاحتمالات عند الشافعية ولا نص عندنا والمحققون منهم كالرملي والزيادي على الاحتمال الأخير، فيلزم عندهم الإعادة في كل جمعة للشك في السبق فتعاد جمعة إن أمكن، وإلا ظهرًا كما هو الواقع الآن منهم، فإن قلت: ما مشى عليه الزيادي من
стр. 59
الاحتمال الأخير مخالف لما كان عليه من عدم إعادته بالأزهر لأنه أول ما تقام به فيجزم بسبق جمعة الأزهر على غيرها، قلت: كان تلميذه العلامة سالم الشبشيري يرد عليه في غيره وجهه بما معناه حيث وجدت كثرة الجمع وجد الشك، وهو احتمال تأخر جمعة الأزهر عن غيرها، وتقدمها وتساويها فلا وجه لعدم شكه وما اقتصر عليه عج من أن المحققين على الاحتمال الأول ليس كذلك، بل المحققون كالرملي ومن تبعه على الاحتمال الأخير، كما تقدم وعليه فإن تحققنا أن الخطيب لا يعيد لتقليد أو لعدم شك فجمعتنا خلفه صحيحة، وإن تحققنا إعادته وجبت الظهر كما إذا شكينا فيها، أو في أنه هل يعيد ندبًا أو وجوبًا، وإن علمنا أن إعادته للندب فتندب لنا الإعادة وتصح الصلاة خلف من صلى بثوب فيه فضلة مأكول اللحم تقليدًا لمالك، وخطب بخطبة فيها الأركان المعتبرة عند الشافعي؛ لأن العلامة العدوي نقل عن شيخه الصغير وغيره ترجيح القول بالتلفيق وهو الأليق بالحنيفية والرحمة. اهـ ملخصًا من عب والأمير والنفراوي.
[مسألة]
يحرم على الجالسين الكلام حال الخطبة، ولو لم يسمعوا لبعد أو صمم، وإنما حرم الكلام لغير السامع سدًا للذريعة لئلا يسترسل الناس على الكلام حتى يتكلم من يسمع الإمام. اهـ من ص وفي الزرقاني ومثل الكلام تحريك ما له صوت من حديد وثوب جديد وسلام ورده ولو بإشارة، ونهي لاغ بالنطق وحصبه أي رميه بالحصباء وإشارة لمن لغا وكتابة؛ لأنها تشغل، وابتداء صلاة نفل. اهـ ومن ذلك يعلم حرمة الطواف في ذلك الوقت بالأولى إذ فيه تمام الاشتغال عن سماعها والله أعلم.
(فائدة)
قال بعض شراح المدونة أصل معنى الذريعة لغة: جمل يترك هملاً في فلاة يصاد فيها الظباء والحمر الوحشية فتأنس بذلك الجمل الصيد، وتدور معه فإذا ذهبوا للصيد لم يذهب الجمل منهم؛ لإلفه بالناس فإذا وقف وقف الصيد معه فيأخذون منه بسهولة، ثم يسمى به كلما كان سببًا للهلاك، أو سببًا للوقوع في الإثم، فإن الإثم يوقع في الهلاك، ثم إن هذه العبارة إشارة إلى قاعدة وهي يجب دفع كل ما يؤدي إلى فساد في أمر مشروع، وقد ظن كثير أن هذه المسألة مخصوصة بمذهب مالك، وأن العمل بها يجب عنده مطلقًا وليس كذلك، كما قاله العلامة القرافي حيث قال: ليس كل ذريعة فساد يجب سدها مطلقًا، فإن الذرائع ثلاثة أقسام: (فمنها) ما أجمع الناس على وجوب سده كسب الأصنام عند من يسب الله تعالى إذا سبت، وحفر الآبار في طريق المسلمين، (ومنها) ما أجمعوا على عدمه كالمنع من غرس الكروم لئلا يتخذ منها الخمر، (ومنها) ما اختلف فيه كبيوع الآجال، (ومنها) ما يكون خلاف الأولى وقد تكون ذريعة الفساد ذريعة لمصلحة أيضًا فيقدم الأرجح منهما كدفع المال للكفار لافتداء الأسير والحاصل كما نقله بعض المتأخرين من مذهب مالك أن
стр. 60
سد الذريعة في الأصل من باب الورع والاحتياط لا من باب الواجب إذ المفعول بها ليس فسادًا في حد ذاته، والفساد معها مظنون نقل هذا الخفاجي على الشفا.
[مسألة]
من أدرك ثانية الجمعة مع الإمام ثم بعد سلام الإمام تذكر أنه نسي منها سجدة فإنه يسجدها باتفاق ابن القاسم وأشهب، ثم كمل أربعًا عند ابن القاسم، وجمعة عند أشهب، مراعاة لعدم سلام المأموم؛ لأنه المعتبر، وسلام الإمام لا يفيت تداركه عند أشهب، ويفيته عند ابن القاسم. اهـ عب وفي الأمير وكونه يفيت عند ابن القاسم مقتضاه بطلان الركعة فينافي ما سبق له من أنه يسجد سجدة الركعة التي تذكر أنه نسيها يكمل عليها فالأولى أن الخلاف فيما تدرك به الجمعة والجماعة أي فأشهب يقول يدرك فضل الجماعة والجمعة، وابن القاسم يقول: فاته كل منهما لكن سبق لعبد الباقي في فصل الجماعة أن المأموم إن زوحم أو نعس عن السجدتين حتى سلم الإمام وفعلهما بعد سلام الإمام فهل يكون كمن فعلهما معه فيحصل له فضل الجماعة أم لا؟ الأول لابن القاسم. والثاني لأشهب فقد عكس النسبة للشيخين. اهـ بتوضيح.
باب صلاة العيدين
[مسألة]
إذا أدرك المأموم مع الإمام الركعة الثانية فإنه يكبر خمسًا غير تكبيرة الإحرام، حال قراءة الإمام بناء على أن ما أدركه آخر صلاته وحينئذ فيكبر في ركعة القضاء سبعًا بالقيام، هذا ما ارتضاه في المجموع ومقابله أنه يجعل ما أدركه مع الإمام أول صلاته وعليه فيكبر سبعًا بالإحرام ويكبر في الركعة الثانية بعد سلام الإمام خمسًا غير القيام.
[مسألة]
إن جاء المأموم ولم يعلم هل الإمام في الأولى أو الثانية، فقال عج الظاهر أنه يكبر سبعًا بالإحرام احتياطًا، ثم تبين أنها الثانية قضى الأولى بست غير القيام، ولا يحسب ما كبره زيادة عن الخمس من تكبيرة الركعة الثانية. اهـ من المجموع وغيره.
[مسألة]
من فاتته صلاة العيد مع الإمام وأدركه في السجود من الثانية، فإنه يكبر سبعًا بتكبيرة القيام على الأظهر؛ لأن سنة العيد أن يجتمع في إحدى ركعتيه سبعًا موالاة، واليوم يوم تكبير، وقيل: ستًّا، ولا يكبر لقيامه. اهـ من أقرب المسالك بزيادة من الأمير.
[مسألة]
يكره أن يقال: الصلاة جامعة لعدم ورود ذلك في صلاة العيد أو هو خلاف الأولى، بل ما ورد ذلك إلا في صلاة الكسوف، ومحل كونه مكروهًا أو خلاف الأولى إن اعتقد مطلوبية ذلك، وإما مجرد قصد الإعلام فلا بأس به. اهـ من صاوي.
[مسألة]
إنما كانت القراءة في صلاة العيدين جهرًا لأنها صلاة نفل نهارية لها خطبة وكل ما كانت كذلك تكون القراءة فيها جهرًا فلذا كانت صلاة كسوف الشمس، يقرأ فيها سرًا لأنها لا خطبة لها، وما يقال بعدها وعظ كما سيأتي وصلاة الاستسقاء يقرأ فيها جهرًا؛ لأن لها خطبتين كما يأتي.
стр. 61
[مسألة]
يستحسن أن يكبروا جماعة وهم جلوس، قال ابن ناجي: افترق الناس بالقيروان فرقتين بمحضر أبي عمران الفاسي وأبي بكر بن عبد الرحمن، فإذا فرغت إحدى الطائفتين من التكبير كبرت الأخرى، فسئلا عن ذلك فقالا: إنه حسن، وأما في حال خروجه من منزله إلى المصلى فيستحب الانفراد في التكبير. اهـ من ص.
[مسألة]
التكبير في الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام ست وتقديم التكبير على القراءة مندوب وإذا نسي بعض التكبير فتذكره بعد ما أتم قراءته، أو في أثنائها فإنه يبني على ما فعله من التكبير قبلها على الظاهر، ويعيد القراءة ندبًا بعد ما يأتي بما تركه، والتكبير في الثانية خمس بعد تكبيرة القيام ولا يتبع المأموم إمامًا نقص كالحنفي، بل يكمل العدد المذكور ولا يتبعه في تأخير التكبير بعد القراءة في الركعة الثانية على الظاهر خلافًا للحطاب، وإن زاد الشافعي تكبيرة في الركعة الأولى لم يتبع، وإن نسي التكبير أو واحدة منه رجع ما لم يركع، وإذا رجع قبل أن يركع كبر وأعاد القراءة استحبابًا ويسجد بعد السلام؛ لأن الرجوع زيادة، وإن تذكره بعد الركوع تمادى ويسجد قبل السلام، ومن أدرك الإمام يقرأ في الركعة الأولى يكبر ستَّا عقب تكبيرة الإحرام، وكذا مدرك بعض التكبير، ولا يصبر حتى يفرغ الإمام من التكبير ويبتدئ في القراءة بل يكبر ما حصله مع الإمام ثم بعد تكبيرة الإمام كبر ما فاته أفاده الزرقاني والعدوي وغيرهما.
باب كسوف الشمس
يسن له الركعتان بزيادة قيام وركوع على الصلاة المعهودة من حل النافلة للزوال كالعيد إلا أنه يندب صلاة الكسوف بالمسجد لا بالصحراء، ويندب إسرار القراءة فيها كما أخرجه البيهقي؛ لأنها صلاة نفل نهارية لا خطبة لها بل الذي يقال بعدها وعظ، وقيل: القراءة فيها جهرًا واستحسنه اللخمي قال ابن الناجي، وبه عمل بعض شيوخنا بجامع الزيتونة لدفع السآمة ويدل لهذا ما في الصحيحين وأبي داود من أن القراءة فيها جهرًا. اهـ ملخصًا در وص والأمير.
(وندب لخسوف المقر ركعتان) جهرًا بلا جمع كالنوافل الليلية ووقتها الليل كله، والأفضل فعلها في البيوت، وفعلها في المساجد مكروه سواء كانت جماعة أو فرادى. اهـ ص بزيادة من المجموع.
باب الاستسقاء
صلاة الاستسقاء سنة كالعيدين فوقتها من حل النافلة للزوال، والقراءة فيها جهرًا وبعدها خطبتان إلا أن التكبير المطلوب في العيدين لا يطلب فيها ولا يرد الصلاة في يوم عرفة من أنها لها خطبتان والقراءة فيها سرًا؛ لأن الخطبة فيها ليست للصلاة بل لتعليم المناسك. اهـ در بزيادة من ص.
стр. 62
باب الجنائز
(ما قولكم) في كفن الزوجة هل يجب على الزوج أم لا؟
(الجواب)
في شرح الدردير الكبير وهو أي الكفن وما معه من مؤن التجهيز، واجب على المنفق على الميت بقرابة من أب أو ابن أو رق لا زوجية ولو فقيرة لانقطاع العصمة بالموت، وفي الدسوقي إن هذا هو المعتمد، وقيل: إنه لازم له مطلقًا، وقيل: يلزمه إن كانت فقيرة لا إن كانت غنية والله أعلم.
(ما قولكم) خدمة سابع الميت بالقراءة والأمور المعهودة فيه، هل في ذلك أثر أم لا، وهل يصل للميت ثواب القراءة أم لا؟
(الجواب)
سئل الإمام أبو سعيد بن لب رحمه الله تعالى عن ذلك فأجاب: نقل ابن بطال في شرح البخاري عن ابن طاوس عن طاوس قال: كانوا يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام، قال الشافعي: إنما يعني بقوله "كانوا": أصحاب النبي ﷺ وهذا أصل عظيم للسابع الذي يفعله الناس اليوم، ويقتضي الأثر أن لا يفارق الميت ويترك وحده تلك السبعة أيام وقد نقل الناس (١) أن الفسطاط ضرب على قبر أئمة من علماء الإسلام كابن عباس، وما كان ذلك إلا لأجل الملازمة التي ذكرها طاوس وهذا هو الأولى بالاتباع خلافًا لما نقله ابن أبي زمنين عن ابن وضاح من إنكار سابع الميت، وأنه إنما أحدثه الناس فقد علمت ما يرده والأصل في القراءة على الميت عند دفنه الحديث المشهور في سورة يس وهو: "اقرءوها على موتاكم" فخصه قوم بحالة الاحتضار، وأطلقه آخرون، وأفاده في المعيار وفي حاشية الخرشي ونقل ابن الفرات عن القرافي الذي يتجه أن يحصل للأموات بركة القراءة كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم، أو يدفنون عنده، ووصول القراءة للميت، وإن حصل الخلاف فيها فلا ينبغي إهمالها فلعل الحق الوصل، فإن هذه الأمور مغيبة عنا، وليس الخلاف في حكم شرعي إنما هو في أمر هل يقع وكذا التهليل الذي هو لا إله إلا الله سبعين ألفًا لا ينبغي إهماله، ويعتمد في ذلك على فضل الله، وفي حاشية الدسوقي وفي القراءة للميت ثلاثة أقوال: تصل مطلقًا، لا تصل مطلقًا، الثالث: إن كان عند القبر وصلت، وإلا فلا، والذي أفتى به ابن رشد وذهب إليه غير واحد من الأئمة الأندلسيين: أن الميت ينتفع بقراءة القرآن الكريم، ويصل إليه نفعه ويحصل له أجره إذا وهب القارئ ثوابه له، وبه جرى عمل المسلمين شرقًا وغربًا، ووقفوا على ذلك أوقافًا واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة ومن اللطائف أن عز الدين بن عبد السلام الشافعي رؤي في المنام بعد موته فقيل له: ما تقول فيما كنت تنكر من وصول ما يهدى من قراءة القرآن للموتى؟ فقال: هيهات وجدت الأمر
стр. 63
على خلاف ما كنت أظن. اهـ. وقال في باب الحج قال ابن رشد: محل الخلاف ما لم يخرج القارئ القراءة مخرج الدعاء بأن يقول قبل قراءته: اللهم اجعل ثواب ما أقرؤه لفلان، وإلا كان الثواب لفلان قولاً واحد، وجاز من غير خلاف، وفي حاشية الصاوي أن الإجارة على أصل تلاوة القرآن جائزة أي وإذا كانت جائزة فالأجرة لازمة، والله الموفق للصواب.
(ما قولكم) فيما يفعله الناس في جنائزهم حين حملها من جهرهم بالتهليل والصلاة على البشير النذير ونحو ذلك على صوت واحد أمام الجنازة كيف حكم ذلك، وهل يجوز لبعض المأمومين أن يكون أمام الجنازة في الصلاة عليها؟
(الجواب)
في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار فقد خرج ابن المبارك أن النبي ﷺ كان إذا اتبع جنازة أكثر من الصمت، وأكثر حديث النفس، قال: وكانوا يرون أنه يحدث نفسه بأمر الميت وما يرد عليه، والمنقول عن السلف الصالح ﵃ في المشي مع الجنائز هو الصمت، والتفكر في فتنة القبر وسؤاله وشدائده وأهواله، وكان أحدهم إذا قدم من سفره فلقي أحد إخوانه بين يدي الجنازة لم يرد ﵇، والخير كله في اتباعهم وموافقتهم في فعل ما فعلوه وترك ما تركوه، وأما ذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله فهو عمل صالح مرغب فيه، ولكن للشرع توقيت وتحديد في وظائف الأعمال وتخصيص يختلف باختلاف الأحوال فالوظيفة في حمل الجنائز إنما هو الصمت والتفكر والاعتبار وتبديلها بغيرها من البدع، والإحداث في الدين وأما تقدم بعض المأمومين أمام الجنازة فقد وقع في كلا اللخمي نفي الخلاف في منع التقديم عليها حين الصلاة عليها بناء على الشفاعة فالمصلي يشفع فيها كالمشير إليها، أفاده في المعيار، وفي فتاوى عج إذا تقدم المأموم على الإمام وعلى التابوت فصلاته صحيحة، وقد ارتكب مكروهين: تقدمه على الإمام، وتقدمه على الجنازة، وكذا تصح صلاة الإمام إذا تقدم على الجنازة مع كراهة ذلك. اهـ فلعل المنع في كلام اللخمي بمعنى الكراهة والله أعلم.
(ما قولكم) في الطعام الذي يصنع في سابع الميت للقراء وغيرهم، وفاعله ما قصد إلا الترحم على الميت وصلة الأرحام، وبعض الناس يقولون: إنه ممنوع ولا يجوز أكله أفيدوا الجواب؟
(الجواب)
متى صنع الطعام لأجل الترحم وصلة الأرحام من استجلاب النفوس واستنهاض القلوب بالدعاء للميت والترحم عليه فهو مقصد حسن، وإنما الأعمال بالنيات وهذا أصل من الأصول المعتمدة في الأقوال والأفعال ولا يكن بدعة إلا إذا فعل على أنه دين وشرعة، وأنه من حق الميت على أوليائه كما يفعله كثير من الجهلة بهذا القصد فيمنعون منه، وقال المواق: السابع الذي يعمل للميت ويحضره القراء وغيرهم من تركه وفعل خيرًا فهو سابق بالخيرات، ومن تركه ولم يفعل خيرًا منه فهو ظالم لنفسه، وأما ما يتكلفه أهل الميت من أنواع
стр. 64
الأطعمة بقصد الرياء والمباهاة فما أدى إلى الرياء والسمعة فهو من فعل الجاهلية، وقد قال ﵊: "أنا وأمتي براء من التكليف"، والمستحب إنما هو إرسال الأهل والجيران الطعام إلى أهل الميت؛ لاشتغالهم بميتهم فقد روي أنه ﷺ قال لأهله حين جاء خبر موت جعفر بن أبي طالب: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا وابعثوا به إليهم فقد جاءهم ما يشغلهم" لما فيه من إظهار المحبة والاعتناء، والله أعلم كذا في المعيار.
(ما قولكم) في زيارة القبور والتوسل بالشهداء والصالحين هل يسوغ أم لا؟
(الجواب)
تجوز زيارة القبور، وأما نهي النبي ﷺ عن زيارتها فإنما كان في أول الإسلام، حيث كانت الجاهلية تعظم القبور، وربما عبدتها فلما استقر الأمر أباح ﷺ الزيارة ذكر ذلك القاضي أبو الفضل عياض والقرطبي ويجوز التوسل إلى مولانا الكريم بأحبابه الصديقين والشهداء والصالحين، وقد توسل عمر بالعباس ﵄، وكان ذلك بمشهد عظيم من الصحابة والتابعين، وقبل الله وسيلتهم وقضى حاجتهم وسقاهم، وما زال هذا يتكرر في الذين يقتدى بهم ولا ينكرونه وما زالت تظهر العجائب في هذه التوسلات بهؤلاء السادات نفعنا الله بهم وأفاض علينا من بركاتهم وكذا في المعيار، وفي فتاوى عج وأما التوسل إلى الله تعالى ببعض مخلوقاته فجائز، ومنه حديث الصحيح فقد ذكر فيه فضل العباس بن عبد المطلب عن أنس أن عمر رضي الله تعالى عنهما كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا محمد ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون، والله تعالى الموفق للصواب.
(ما قولكم) في الميت هل يعلم بزائره أم لا؟ وهل الوقوف عند رأسه والاستغفار له مشروع أم لا؟
(الجواب)
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: الظاهر أن الميت يعرف زائره، لأنا أمرنا بالسلام عليه، والشرع لا يأمر بخطاب من لا يسمع، ولما وفد رسول الله ﷺ قليب بدر قال: "ما أنتم بأسمع منهم لما أقول" وقد ذهب بعض العلماء إلى أن أرواح الموتى بأفنية القبور والوقوف عند رأس الميت والاستغفار له مشروع كذا في المعيار والله أعلم.
(ما قولكم) في مرض الميت الشديد هل هو من كثرة الذنوب أو له فيه أجر؟
(الجواب)
في المعيار قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لا أكره شدة الموت لأحد بعدما رأيت رسول الله ﷺ ، فرسول الله ﷺ كان أصابه شدة في مرضه الذي توفي منه، ومن يقول: إنه من كثرة الذنوب فهو جاهل يتكلم في العلم بما يظهر له، فيقع على أم رأسه، وقال العلماء: إن الله يشدد المرض على بعض عباده فيكون ذلك كفارة له حتى يلقى الله وقد غفر له، وقال ابن العربي: الباري بقدرته وحكمته يخفف إخراج الروح
стр. 65
من الجسد، ويشددها بحسب ما يكون عنده من أحوال العبد فتارة يشددها عذابًا، وذلك على الكافرين وتارة يشددها كفارة وذلك على المذنب، وتارة يشددها لرفع الدرجات وزيادة الحسنات، وذلك في الولي، وتارة يشددها حجة على الخلق وتسلية وقدوة وأسوة، كما لقي رسول الله ﷺ من شدة الموت والله الموفق.
(ما قولكم) في الإقسام على الله في الدعاء ببعض مخلوقاته نحو قولك: بحق محمد اغفر لنا ونحوه وهل يجوز أم لا؟
(الجواب)
في فتاوى عج منع ذلك عز الدين إلا بالنبي ﷺ ، وخالفه ابن عرفة، واستدل بما لا يدل له، بل إنما يدل لجواز التوسل ببعض المخلوقات وهو غير القسم وقد نبه على ذلك الحطاب فقال: وقال البرزلي في مسائل الصلاة في أسئلة عز الدين هل يقسم على الله تعالى في دعائه بعظم من خلقه كالنبي والولي والملك، أو يكره؟
فأجاب: إن صح ما جاء في بعض الأحاديث فينبغي أن يكون مقصورًا على النبي ﷺ لأنه سيد ولد آدم، ولا يقسم على الله بغيره من الملائكة والأنبياء والأولياء، لأنهم ليسوا في درجته، ويكون من خصائصه تنبيهًا على علو درجته وارتفاع رتبته، وفي حاشية الخرشي من باب اليمين، وأما التوسل ببعض مخلوقاته فجائز، وأما الإقسام على الله تعالى في الدعاء ببعض مخلوقاته كقوله بحق محمد اغفر لنا فخاص به ﷺ والله أعلم.
[مسألة]
إذا أدرك المأموم الإمام يدعو في صلاة الجنازة فإنه يصبر وجوبًا بلا تكبير حتى يفرغ من دعائه، فإذا كبر بعد فراغه من الدعاء كبر معه، وذلك لأن تكبيرات الجنازة بمنزلة ركعات الصلاة، فلو أحرم المسبوق فيها حالة دعاء الإمام كان قاضيًا في صلب الإمام، لكن صلاته صحيحة ولا يعتد بتلك التكبيرة عند الأكثر، وقيل: يكبر ويدخل كصلاة العيد ورواه مطرف، وقال به واختاره ابن حبيب، ومن المتأخرين ابن رشد وسند، وفي سماع أشهب أنه لا يصبر بل يدخل ولا ينتظر الفراغ من الدعاء؛ لأنه لا تفوته كل تكبيرة إلا بالتي بعدها، وأما تكبير العيد فإن المأموم إذا أدرك الإمام في الركعة الأولى، وهو يقرأ فإنه يكبر ستًا عقب تكبيرة الإحرام وكذا مدرك بعض التكبير، لا يصبر حتى يفرغ الإمام من التكبير ويبتدئ في القراءة بل يكبر ما حصله مع الإمام ثم بعد تكبير الإمام كبر ما فاته. اهـ ملخصًا من الزرقاني والخرشي والعدوي ودس.
(ما قولكم) في المشي في المقبرة هل يجوز بنعال أم لا؟
(الجواب)
يكره المشي على القبر إن كان مسنمًا والطريق دونه وإلا جاز ولو بالنعال النجسة، زاد ابن ناجي ويجوز عندنا الجلوس على القبر، وما ورد من النهي عن الجلوس عليه فمحمول على الجلوس لقضاء الحاجة كذا فسره مالك وكان سيدنا علي يتوسدها ويجلس عليها. اهـ ملخصًا من الخرشي وحاشية العدوي.
(ما قولكم) في التكفين بثوب
стр. 66
غسل بماء زمزم هل يجوز أم لا؟
(الجواب)
في دس وذكر ابن عبد السلام أنه لا يكفن بثوب غسل بماء زمزم ورده ابن عرفة بأن ذلك، إنما يجري على قول ابن شعبان وبأن أجزاء الماء قد ذهبت معه انظر الحطاب. اهـ بن، هذا وقد قالوا: إن الميت يغسل بماء زمزم بل هو أولى لما يرجي من بركته وقول ابن شعبان لا يغسل بماء زمزم ميت ضعيف، إذا علمت هذا فتكفين الميت بثوب غسل بماء زمزم لا شيء فيه لما علمت من استحباب غسله به، والله أعلم.
[مسألة]
لا يجوز الشق عن الجنين الذي ماتت أمه ولو رجي خلاصه حيًا على المعتمد وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: يشق عنه، وقد قال بهذا في جنين فعاش وتعلم العلم وكان يفتى بقول أشهب في هذه المسألة وغيرها، ولا يعمل بقول ابن القاسم كذا في فتاوى الأجهوري؛ لأن سلامته مشكوكة فلا تنهتك حرمة أمه الميتة لأجله بل تؤخر لموته، ولو تغيرت كما في المجموع، ومحل الخلاف في جنين الآدمي، وأما جنين غيره فإنه يشق عنه إذا رجي قولاً واحدًا كما في الدسوقي.
[مسألة]
إذا بلع شخص دراهم له أو لغيره ثم مات تشق بطنه إن كانت الدراهم قدر نصاب الزكاة ولو بشاهد، ويمين فإن لو يوجد عزر المدعي والشاهد كما في المجموع.
[مسألة]
يجوز البناء اليسير على القبر للتمييز مطلقًا في أرض مملوكة أو موقوفة أو مباحة ويكره الكثير في المملوكة كما لصاحب المدخل إن لم تقصد مباهاة ولا حراما ويحرم الكثير في الموقوفة مطلقًا وإن لم تقصد مباهاة كما في حاشية الخرشي.
[مسألة]
لا يجوز للشخص إعداد قبر في حياته إذا كان في أرض موقوفة كما في المجموع.
[مسألة]
القيام للحي يحرم لمن يحبه ويتكبر به ويكره لمن لا يحبه ويتأذى منه كما يكره القيام لمن يحبه لدفع الازداء والحقارة ويستحب القيام إن خلا عن المانع الموجب للنهي عن القيام للعالم والصهر والوالدين ولمن نزل به هم فيعزي أو سرور للقادم من السفر، وهذا كله ما لم يترتب على تركه فتنة وإلا وجب وسئل مالك عن قيام المرأة لزوجها فقال: لا تفعله، قيل: هي من أقوم الناس طريقة في أمرها قال: تؤدي حقه في غير هذا ولا أحبه. اهـ خرشي بزيادة من عدوي والأمير على عب قول سيدي خليل وقيام لها أي للجنازة.
[مسألة]
الانحناء بالرأس عند المواجهة لشخص آخر مكروه والسلام بالإشارة من غير نطق مكروه في حق الناطق، ومستحب في حق الأخرس، فإن كان المسلم عليه بعيدًا جمع بين النطق والإشارة وأما السجود الذي يحصل بين الأمراء ونحوهم فحرام شديد التحريم، وقد خرج أنس ﵁ أنه قال: يا رسول الله: الرجل يلقى صاحبه وصديقه أينحني له قال: "لا"، ولم يأت معارض لهذا النهي الصريح عن الانحناء. اهـ من المعيار.
(ما قولكم) في الصلاة على الجنائز في المسجد هل هو جائز
стр. 67
مشروع أم لا؟
(الجواب)
قال الشيخ خليل عطفًا على المكروهات وإدخاله أي الميت بمسجد والصلاة عليه فيه قال في حاشية الخرشي خوف انفجاره، أو لحصول نجاسة منه، وفي حاشية الأمير علي عبد الباقي ورد أنه ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد فقيل لم يصحبه عمل، وفيه أنه صلى على أبي بكر وعمر في المسجد، ومذهب الشافعية والحنابلة الجواز وهو قول عندنا. اهـ. وروى مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها أمرت أن يمر عليها بسعد بن أبي وقاص في المسجد حين مات، لتدعو له، فأنكر ذلك الناس عليها فقالت عائشة: ما أسرع الناس قال ابن عبد البر: أي إلى إنكار ما لا يعلمون، وروي ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد. اهـ وفي رواية لمسلم إلا في جوف المسجد. اهـ. واحتج بعضهم بأن العمل استقر على ترك ذلك؛ لأن المنكرين على عائشة كانوا أصحابه ورد بأنها لما أنكرت عليهم سلموا لها فدل على أنها حفظت ما نسوه، وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: صلي على عمر بن الخطاب في المسجد ووضعت الجنازة تجاه المنبر، قال ابن عبد البر: وذلك بمحضر الصحابة من غير نكير يعني فيكون إجماعا سكوتيًا قال: واحتج بعضهم بأنه ﷺ خرج للصلاة على النجاشي إلى المصلى غفلة إذ ليس في صلاته على الجنازة أو صلاة العيد في موضع دليل على كراهتها في موضع آخر، انظر الزرقاني على الموطأ.
(ما قولكم) في التعزية هل هي قبل الدفن أو بعده.
(الجواب)
في النفراوي تكون التعزية قبل الدفن وبعده وعند القبر وكونها في المنزل وبعد الدفن أحسن، ولا فرق في الميت بين الصغير والكبير ولا بين الحر والعبد ذكرًا أو أنثى مسلمًا أو كافرًا حيث كان الكافر جارًا، ولا تعزي الشابة المسلمة ولا الذي لم يميز، وتنتهي التعزية لثلاث أيام إلا أن يكون المعزي أو المعزى غائبًا وفي المجموع عطفًا على المندوبات، وتعزية ومدتها ثلاث بعد الدفن والأفضل بالبيت.
[مسألة]
في الباجوري على الجوهرة أخرج البزار عن أنس بن مالك مرفوعًا من تلا ﴿قل هو الله أحد﴾ مائة ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله، ونادى مناد من قبل الله تعالى في سماواته وفي أرضه ألا إن فلانا عتيق الله، فمن له قبله تباعة فليأخذها من الله . اهـ. وفي الإرشاد والتطريز في فضل ذكر الله، وتلاوة كتاب الله العزيز عن أبي زيد القرطبي أنه قال: سمعت في بعض الآثار أن من قال: لا إله إلا الله سبعين ألف مرة كانت له فداء من النار. اهـ.
(ما قولكم) في السقط إذا نفخت فيه الروح ووضعته أمه قبل أمد الحمل ولم يستهل صارخًا هل يبعث أم لا؟
(الجواب)
الطفل الذي نفخت فيه الروح يبعث وإن لم يبلغ أمد الحمل. اهـ عج والله أعلم.
(ما قولكم) في الدعاء في صلاة الجنازة هل يجب على المأمومين أم لا؟
(أجاب) عن هذا عج
стр. 68
بقوله يجب الدعاء على المأمومين في صلاة الجنازة وهو ركن من أركانها لا يحمله الإمام عنهم والله أعلم، وسئل عج عن الشخص إذا مات وغسل وكفن في أكفان طاهرة ثم لفوه في شيء متنجس ووضع في النعش على بساط نجس أيضًا فهل الصلاة عليه صحيحة أم باطلة؟
(فأجاب) نعم، الصلاة عليه صحيحة والتكفين بالنجس مكروه.
باب الزكاة
(فائدة)
لا زكاة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأن ما بأيديهم ودائع الله. اهـ. عدوي قال الأمير على عب قلت: فكان عدم إرثهم من هذا القبيل أيضًا ثم هو ذوق حال وجداني خاص بهم فلا يقال كل أحد لا ملك له مع الله تعالى. اهـ.
[مسألة]
لا زكاة على الرقيق في ماله لعدم تمام ملكه ولا على سيده لأن من ملك أن يملك لا يعد مالكا أي من ملك وقدر في الحال على أن يملك مال عبده بالانتزاع لا يعد مالكا نعم إن انتزعه ومضى عليه حول عنده فإنه يزكيه فتحصل أن العبد عندنا يملك لكن ملكا غير تام وقوله تعالى: ﴿عبدًا مملوكا لا يقدر على شيء﴾ الصفة فيه مخصصة كما هو الأصل وهو معنى ما يقال لا يلزم من ضرب المثل بعبد لا يملك أن كل عبد كذلك، وقال ابن عبد السلام: تجب زكاة مال العبد إما عليه وإما على سيده؛ لأنه مملوك لأحدهما قطعًا فكأنه جعل فرض كفاية بالنسبة لهما، وعلى المشهور يمكن أن يهب لعبده ماله ولو لم يعينه له لاغتفار الجهل في التبرع ثم كلما أنفق شيئًا نوى انتزاعه فلا زكاة وأما من ملك ماله قبل الحول لولده أو لعبده ثم ينتزعه منه بعد الحول فلا ينفعه ذلك ولا يسقط عنه الزكاة كذا في الدسوقي، وأعلم أن الحيل الشرعية ورد الإذن فيها كما في حديث بيع الصاعين من رديء التمر بدراهم ثم يشتري بها صاعًا جيدًا لكن مذهبنا أن لا يرسل القياس فيها لأنها خرجت مخرج الرخص التي يقتصر فيها على ما ورد وها هو تحيل أهل السبت وغيرهم أداهم للهلاك فسدت الذرائع أفاده الأمير على عب.
[مسألة]
لا زكاة في الفلوس النحاس ولا في حلي الكعبة والمساجد كما في حاشية الخرشي.
[مسألة]
لا زكاة في الأموال المجموعة تحت أيدي النظار إن كانت للمستحقين وإن كانت لمصالح الوقف زكيت، ولا زكاة على المدين في المال الذي تحت يده لعدم تمام الملك إن لم يكن عنده ما يجعله في نظير الدين ولم يبق بعد الدين ما تجب فيه الزكاة وإلا زكى. اهـ خرشي بزيادة من عدوي.
[مسألة]
يجب على من غصب عشرين دينارًا مثلاً أن يزكيها كل سنة من ماله ما دامت عنده حيث كان عنده ما يجعله في مقابلة تلك العين المغصوبة وإذا قدر ربها على أخذها كارهًا لعام واحد ولا يرجع الغاصب على المالك بما دفعه زكاة عنها وأما الماشية إذا ردت بعد الغصب فإنها تزكى لمل عام مضى إلا إذا أخذ زكاتها السعاة من الغاصب وأما النخل فتزكى ثمرته إذا رد لكل عام مضى بلا خلاف
стр. 69
إن لم يكن زكاها الغاصب وعلم أن فيها كل عام نصابًا. اهـ من دس.
(ما قولكم) في شخص عنده دينارًا قام عنده أحد عشر شهرًا ثم اشترى به سلعة باعها بعد شهر بعشرين دينارا هل تجب عليه الزكاة؟
(الجواب)
نعم يزكي الآن؛ لأن حول الربح مبني على حول أصله كما في الخرشي.
[مسألة]
إذا تسلف شخص دراهم قدر نصاب أو أقل (١) واشترى بها سلعة ثم باعها بزيادة على ما تسلف عشرين دينارا أو أكثر بعد حول من يوم السلف وجبت عليه زكاة ذلك الزائد فقط إن كان ليس عنده ما يجعله عوضًا للدين وإلا زكى الدين وربحه، ويقال مثل هذا فيمن اشترى سلعة بعشرين في ذمته ثم باعها بخمسين مثلا فإن كان عنده عوض العشرين التي اشترى بها السلعة زكى الخمسين وإلا زكى الثلاثين فقط، والحول من يوم الشراء، ومن استفاد فائدة من العين كهبة أو صدقة أو إرث فإن كانت قدر نصاب الزكاة استقبل بها حولا وزكاها بعده وإن استفاد بعدها فائدة أخرى استأنف لها حولا آخر، وإن كانت الفائدة الأولى ناقصة فإنها تضم لفائدة ثانية ويكون الحول من الثانية إن كملت النصاب، وإلا فيضمان لما يكمل النصاب ويكون الحول من الذي كمل النصاب، ولا زكاة على من أخر قبض الفائدة فرارًا من الزكاة كما إذا أخرت المرأة قبض مهرها لذلك فلا زكاة عليها تقبضه وتستقبل به حولا. اهـ من الخرشي ودس.
[مسألة]
من استفاد فائدة قدر نصاب كعشرين دينارًا وحال عليه الحول ثم عرض لها النقص بعد الحول فصارت عشرة دنانير وكان الحول محرمًا مثلا ثم استفاد عشرة في رجب؛ فإنه يزكي كل واحدة لحولها فإذا جاء المحرم زكى عشرته بالنظر لعشرة رجب، وإذا جاء رجب زكى عشرته بالنظر لعشرة المحرم. اهـ من الخرشي.
[مسألة]
المحتكر الذي يرصد الأسواق ولا يبيع بالسعر الحاضر إن كان له دين على أحد وكان أصل الدين عينا أو عرضًا وقبضه عينا وكان نصابًا كاملا ولو قبضه في مرات يزكي ذلك الدين لسنة واحدة من كل حين زكى أصله أو من حين ملك أصله إن لم تجر فيه الزكاة سواء أقام عند المدين سنين أو سنة، ولو أخر قبضه فرارًا من الزكاة، ويستفاد من كلام ابن عرفة ترجيحه وقال ابن القاسم: إن أخره فرارًا من الزكاة زكى لكل عام، وذكر ابن غازي أن المعول عليه كلام ابن القاسم. اهـ ملخصًا من عدوي ودس.
[مسألة]
إذا قضى المحتكر من دينه أقل من نصاب ثم بعد شهر مثلا قبض من المدين ما يكمل النصاب فالحول من ذلك الشهر الذي تم النصاب فيه فيزكيه حينئذ، ثم بعد تزكية النصاب يزكي كلما قبضه ولو قل، ويبقى كل اقتضاء على حوله. اهـ من الخرشي.
[مسألة]
إذا
стр. 70
كان عند المحتكر عروض لا زكاة في عينها ملكت بمعاوضة مالية لا بكهبة وكان ملكها مع نية تجر، أو مع نية غلة أو قنية وباع بعين قدر نصاب فإنه يزكي لسنة واحدة ولو مضت أعوام كثيرة فلا بد أن يبيع بنصاب ولو في مرات وبعد كمال النصاب يزكي ما باع به وإن قل، ولا يجوز أن يتطوع بإخراج الزكاة قبل البيع فإن فعل هل يجزئه؟ قولان؛ والمشهور عدم الإجزاء، ويشترط أن يكون أصل هذا العرض عينا، وإن قل عن نصاب أو عرضًا ملك بمعاوضة أيضَا سواء كان عرض تجارة أو قنية فإذا كان عنده عرض قنية باعه بعرض نوى به التجارة، ثم باعه فإنه يزكي ثمنه لحول أصله الثاني لا الأول. اهـ ملخصًا من در ودس.
[مسألة]
المدير الذي لا يرصد الأسواق، بل يبيع بالسعر الحاضر كأرباب الحوانيت يقوم سلعه كل عام بما يبيع على المفلس العرض بنقد، والنقد بعرض، ثم بنقد ويزكي كل عام ولو بارت السلع سنين ولا يقوم إلا إذا نض له شيء ما ولو درهما، ولا فرق بين أن ينض له في وسط السنة، أو طرفيها ويقوم عروضه لتمام السنة ويزكي ويكون الحول من يوم تقويم الجميع ويخرج عما قومه عينًا لا عرضًا خلافًا لمن أجاز له إخراجه عرضًا بقيمته، والحول الذي يقوم المدير عند تمامه حول الأصل أي ابتداء حوله من يوم ملك الأصل، أو زكاه فإذا ملك نصابًا أو زكاه في محرم وأدار به في رجب فالحول الذي يقوم سلعة عنده محرم على المعتمد، وقيل حول وسط من حول الأصل، ومن حول الإدارة فيكون الحول على هذا ربيعًا الثاني، ويزكي المدير أيضًا كل عام دينه النقد الحال المرجو المعد للنماء، فإن لم يكن حالا قوم بما يباع على المفلس العرض بنقد والنقد بعرض، ثم بنقد وزكى تلك القيمة لأنها هي التي تملك لو قام غرماؤه، وإن لم يكن الدين مرجوًا بأن كان على معدم أو ظالم فإنه لا يزكيه ولا يقومه كل عام ليزكيه إن كان عرضا، وينبغي أن تجب زكاته لعام واحد إذا قبضه كالعين الضائعة والمغصوبة فإن رجاه بنقص عن أصله زكى قدر ما رجى إن كان فيه زكاة وإن لم يكن الدين معدًا للنماء بأن كان قرضًا، فإنه لا يزكيه إلا لعام واحد بعد قبضه ما لم يؤخر قبضه فرارا من الزكاة وإلا فيزكيه لكل عام. اهـ ملخصًا من الخرشي والعدوي ودس.
[مسألة]
إذا باع المدير أو المحتكر العروض بعروض فلا زكاة عليهما إلا أن يفعل كل منهما ذلك فرارا من الزكاة وإلا وجبت عليهما الزكاة اتفاقا؛ حكى الرجراجي الاتفاق على ذلك في المدير وحكاه ابن جزي في المحتكر. اهـ عدوي.
(ما قولكم) في مال القراض هل يزكيه ربه أو العامل وهل تخرج الزكاة منه أو من غيره.
(الجواب)
إذا كان مال القراض غائبًا غيبة ينقطع خبره فيها عن ربه فإن ربه لا يزكيه حتى يرجع إليه فيزكيه حينئذ ولا يزكيه العامل لاحتمال دين ربه أو موته إلا أن يأمره ربه بذلك، وأما إن كان مال القراض حاضرًا أو ما في حكمه مما يعلم تلفه وخسره وبقاؤه وربحه وكان
стр. 71
العامل يبيع بالسعر الحاضر؛ فإن ربه يقومه كل عام ويزكي رأس ماله وقدر حصته من الربح فقط ويكون إخراج الزكاة من غير مال القراض لئلا ينقص، والربح يجبره ففيه نقص على العامل إلا أن يرضى العامل بذلك، ولا زكاة في حصة العامل على واحد منهما إلا بعد المفاصلة فيزكيها العامل لسنة واحدة كما في الخرشي وغيره.
(ما قولكم) في الدنانير المسكوكة أو الفضة المسكوكة إذا اتخذتها المرأة حليًا، هل تجب فيها الزكاة أم لا؟
(الجواب)
في المجموع تجب فيها الزكاة؛ لأن المسكوك لا يكون حليًا كما في حاشية الخرشي وغيرها. اهـ بتوضيح وأما ما في فتاوى عج من أن المرأة إن أعدتها لعاقبة زكيت بلا كلام وإن لم تعدها لذلك فهل تجب فيها الزكاة لشمول قوله، وفي مائتي درهم أو مائتي دينار ربع العشر أو لا تجب لأنه من لباسها، وهو الظاهر فهو ضعيف.
(ما قولكم) فيمن عزل زكاة ماله ثم صار فقيرا قبل أن يدفعها للفقراء، فهل يأخذ منها شيئًا أم لا؟
(الجواب)
في حاشية الخرشي من باب الوقف أن من وقف وقفًا مؤبدا على جهة، ثم انقطعت تلك الجهة فإن الوقف يرجع لأقرب فقراء عصبة المحبس، فإذا افتقر الواقف فلا يدخل فيهم كما قالوه في الزكاة إذا عزلها وصار فقيرا قبل أن يدفعها للفقراء فلا شيء له منها كما في كبير الخرشي.
[مسألة]
المكاس تارة يأخذ من التجار عند قدوم أموالهم من الهند ونحوه أعيان بعض السلع في المكوس، وتارة يلجئهم على بيع البعض ليدفعوا ثمنه في المكوس، فهل تحسب على أرباب السلع وتجب فيها الزكاة، أو تسقط عنهم في ذلك.
(أجاب) الشيخ الحطاب بأن المكاس إن أخذ سلعا فلا يلزم ربها أن يقومها لأجل أن يزكي تلك القيمة، وأما إن ألزم ربها بيعها وقبض ثمنها ودفعه في المكس؛ فيلزمه أن يزكي عن ذلك ويحث الشيخ القرافي في هذا الجواب بأن جبر أربابها على البيع وقبض الثمن كجبرها على أخذ السلع؛ لأن الإكراه على سبب البيع كالإكراه على البيع كما صرحوا به هنا، والبيع الواقع على وجه الإكراه بمنزل العدم؛ فالجبر على بيع السلع على وجه المذكور بمنزله أخذها بأعيانها. اهـ أقول والنفس أميل لبحث الشيخ القرافي، فلا زكاة في الصورتين.
(قال) الشيخ القرافي وقع السؤال عما يدفع من جانب السلطنة من الفضة ليؤخذ بدله ذهبًا، وفي التبديل زيادة، فهل تحسب الزيادة التي في الذهب لربها من الزكاة التي عليه؛ فأجبت بعدم حساب ذلك من الزكاة، وبالله التوفيق انتهى، فقال عج: قلت: وهو ظاهر، وإنما المتوهم هل يزكي الدافع الزيادة أو تسقط زكاتها، وظاهر فتوى الناصر والحطاب الأول لكن في شرح السوداني ما نصه كل ما يأخذه الظالم لا زكاة فيه، لأنه كالجائحة. اهـ وقال في اختصار البرزلي، وأما ما يأخذه المستوهب فإن دفعه ربه لخوف منه مثل: لأن يكون من خدمة الأمراء أو العرب فهو بمنزلة الجائحة لا زكاة فيه وإلا زكى انتهى ببعض تصرف وتوضيح، وهذا موافق لبحث الشيخ
стр. 72
القرافي المتقدم ويخالف لجواب الحطاب انظر شرح عج على خليل.
[مسألة]
المسافر إذا حال على ماله الحول وبعضه معه وبعضه الآخر في بلده فإنه يزكي ما معه اتفاقا لاجتماع المال وربه، وإن لم يكن نصابًا حيث كان ما معه وما غاب نصابًا فأكثر ويزكي أيضًا بقية ماله الذي تركه في بلده ولا يؤخر إلى أن يرجع اعتبارًا بموضع المالك قال مالك وهو أحب إلي وظاهر هذا، ولو لم يعلم ما بقي من ماله الغائب، وللأجهوري فتوى بأنه يصبر حيث لم يعلم قدرها في غيبته، ولمالك قول آخر وهو أنه يؤخر حتى يرجع إلى بلده اعتبارًا بموضع المال وعلى قول مالك الأول يزكي عن ماله الغائب عنه بشرطين. الأول: إن لم يكن هناك من يخرج عنه بتوكيل، أو لم يأخذها الإمام ببلده، والثاني: أن لا يكون عليه ضرورة من نفقة ونحوها، فإن احتاج للزكاة التي يخرجها عن الغائب في نفقته أو فيما يوصله لوطنه؛ فإنه يخرج عن ما معه فقط، ولا يخرج عن ما غاب عنه حتى يرجع لبلده إلا أن يجد مسلفًا يسلفه ما يحتاج إليه فإنه يزكي ما غاب على ما رجحه اللخمي، ومقتضى كلام المواق عن المدونة ترجيح أنه لا يزكي حتى يرجع إلى بلده ولو وجد مسلفًا انظر عدوي ودس.
[مسألة]
هل ما يأخذه الحكام في زماننا من العشور يجزئ في الزكاة أم لا؟
(الجواب)
قال في توضيحه وعبر المصنف في المشهور بالإجزاء وهو بين إذا أخذها ليصرفها في مصارفها، وأما لو علم أنه إنما أخذها لنفسه فلا انتهى، وقال الشيخ الحطاب وظاهر كلام أبي الحسن أن الخلاف جار، واو إخذها وأكلها ونقله عن أبي إسحاق التونسي انتهى قال عج، قلت: فما يقع لحكام زماننا من أخذهم العشور من التجار لأنفسهم يجزئ أربابه عن الزكاة لأنه من باب أخذ القيمة ولا يضر أخذهم له لأنفسهم على ما عند التونسي إلا أن يقال إن الكلام فيما يأخذه الجائر باسم الزكاة وحكام الزمان لا يأخذون إلا باسم الموجب ويلتزم بذلك عمال اليهود غالبًا بمال معلوم على أن الزيادة لهم والخسارة عليهم فحينئذ يبعد الإجزاء تأمل انتهى، قال عج، قلت: اعلم أن الواجب على المزكي في إخراج الزكاة أن ينويها، وأن يصرفها لمستحقها فإن نواها وأكره على صرفها لغير مستحقها فإنها تجزئه ومن صرفها لغير مستحقها أخذ الظالم المكره إياها لنفسه، ولا يعتبر كونه يأخذها على وجه المكس أو على وجه كونها زيادة وحينئذ فإذا نواها فأكره على إعطائها للظالم فإنها تجزئ، قلت: ومما يدل على هذا ما ذكره القرافي فإنه قال أفتى ابن اللباد بإجزاء ما يأخذه بنو عبيد من الزكاة، وإن كان بنو عبيد لا يقرون بفرضية الزكاة لأنا إن قلنا لا تجزئ لم يؤد الناس من الزكاة شيئًا، فإذا هم يؤدون بتأويل خير من تركها عامدين انظر شرح عج على خليل.
(فصل) في مصرف الزكاة .
[مسألة]
يجوز إعطاء الفقير أو المسكين من الزكاة ما يكفيه سنة ولو كان أكثر من نصاب لا يجوز إعطاؤه أكثر من كفاية سنة
стр. 73
ولو أقل من نصاب. اهـ. من أقرب المسالك. (ما قولكم) في شخص عنده مركب في البحر وأجرتها لا تكفيه سنة، ولكن إذا بيعت يكفيه ثمنها قوت عامه هل يعد غنيًا فلا يجوز له قبول الزكاة أم يعد فقيرًا فيجوز له قبولها؟
(أجاب) العلامة الشيخ محمد عليش مفتي مصر بقوله: هو غني فلا يجوز له قبول الزكاة بوصف الفقر؛ لأن المركب المذكورة تباع على المفلس في الدين بالأولى من فضل دار السكنى ورق الخدمة، قال في المدونة: وإن كان فيها فضل فلا يعطى، قال أبو الحسن: يريد فضلا يغنيه لو باعها واشترى غيرهما، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. اهـ.
(وأجاب المحقق) الشيخ حسن العدوي بقوله: (الحمد الله) وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
(قاعدة)
الفقير والمسكين إذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا، وقد افترقا في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ فالفقير عند مالك هو الذي لا يملك قوت عامه، والمسكين من التصقت يده بالتراب، والملكية صادقة بأي شيء يملكه فاضلا عما يترك للمفلس، وحينئذ فوجود الملك لهذا المركب مع كونها لو بيعت يكفيه ثمنها قوت عامه، مسقط لكونه فقيرًا، ألا ترى ما أورد على مذهب مالك من قوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ يعني فكيف يقال فيهم إنهم مساكين مع وجود السفينة لهم؟ وأجاب العلامة الخرشي وغيره من شراح المذهب بأن المراد مساكين الذل والغلبة، أو كانوا عمالا فيها فقط والله أعلم. اهـ ببعض توضيح.
(ما قولكم) في شخص عزل زكاة ماله ثم صار فقيرا قبل أن يدفعها للفقراء فهل يأخذ منها شيئًا أم لا؟
(الجواب)
في حاشية الخرشي من باب الوقف، أن من وقف وقفًا مؤبدًا على جهة، ثم انقطعت تلك الجهة؛ فإن الوقف يرجع لأقرب فقراء عصبة المحبس، فإذا افتقر الواقف فلا يدخل فيهم كما قالوه في الزكاة إذا عزلها وصار فقيرًا قبل أن يدفعها للفقراء فلا شيء له منها كما في كبير الخرشي. اهـ.
[مسألة]
زوجة الغني إذا سافر عنها سفرًا بعيدًا ولم تجد مسلفًا، تعطى ما تحتاج إليه من الزكاة، وأما زوجة الفقير فتعطى من الزكاة ولو وجدت مسلفًا؛ لعسر زوجها عن الإنفاق عليها، والولد الصغير إذا عجز والده عن نفقته يعطى من الزكاة ما يكفيه، ومن كان له ما ينفق عليه ويكسوه وجوبا واحتاج إلى ضروريات لا يقوم بها المنفق، يعطى من الزكاة ما يسد ضرورياته الشرعية على الظاهر، أفاده في حاشية الخرشي، وأما إن كان ينفق عليه تطوعًا فله الأخذ من الزكاة سواء كان المنفق قريبا أو أجنبيًا؛ لأن له أن يقطع النفقة عنه كما في دس عن ح.
[مسألة]
تحل صدقة التطوع والفريضة لآله ﵊ وبه الفتيا في هذا الزمان لمنعهم حقهم من بيت المال.
[مسألة]
إذا حسب دينه الذي على عديم بأن يقول له: أسقط عنك الدين الذي في ذمتك من
стр. 74
زكاة مالي لا يجزئه على المشهور، وقال أشهب: يجزئه، وأما إذا كان على مليء وأسقطه عنه من الزكاة فقيل: يجزئه، وقيل: لا يجزئه، ورجح كل منهما كما في دس.
[مسألة]
يجوز دفع الزكاة لقادر على التكسب ولو تركة اختيارا على المشهور كما في دس.
[مسألة]
يجوز دفع الزكاة للمدين ثم أخذها منه في الدين إذا لم يتواطآ على ذلك على المعتمد، وأما إذا تواطآ فلا تجزئ اتفاقا كما في الحطاب. اهـ من دس.
[مسألة]
يجوز إعطاء الزكاة للعالم، ولو كثرت كتبه حيث كان فيه قابلية، وإن لم يكن فيه قابلية لم يعط إلا أن تكون كتبه على قدر فهمه كما في حاشية الخرشي.
[مسألة]
إن أخرج عن زكاة العين عرضا أو طعاما أجزأ مع الكراهة وما مشى عليه الشيخ خليل في المختصر من عدم الإجزاء خلاف ما اعتمده في التوضيح، قال أبو علي المسناوي: ظاهر كلامهم أن ما في التوضيح وابن عبد السلام هو الراجح، ويدل له اختيار ابن رشد حيث قال: الإجزاء أظهر الأقوال وتصويب ابن يونس له كما نقله الشيخ أحمد الزرقاني، انظر الدسوقي وكذا يجزئ إخراج العين عن الحرث والماشية مع الكراهة على المشهور كما في الخرشي.
[مسألة]
يجوز إخراج الفلوس عن أحد النقدين في الزكاة مع الكراهة كما في الخرشي وغيره.
[مسألة]
لا يأخذ العالم والمفتي والقاضي من الزكاة إلا أن يمنعوا حقهم من بيت المال فيأخذون منها بصفة الفقر، ورجحه بعض الأشياخ، وعن اللخمي وابن رشد أخذهم مطلقًا ولو أغنياء، ففي حاشية الخرشي، وقد أجاب سيدي محمد الصالح ابن سليم الأوجلي حين سئل عن إعطاء الزكاة للعالم الغني والقاضي والمدرس ومن في معناهم ممن نفعه عام للمسلمين بما نصه: الحمد لله، يجوز إعطاء الزكاة للقارئ والعالم والمعلم ومن فيه منفعة للمسلمين، ولو كانوا أغنياء لعموم نفعهم ولبقاء الدين كما نص على جوازه ابن رشد واللخمي وقد عدهم الله تعالى في الأصناف الثمانية التي تعطى لهم الزكاة حيث قال: ﴿وفي سبيل الله﴾ يعني المجاهد لإعلاء كلمة الله، وإنما ذلك لعموم نفعهم للمسلمين فيعطى المجاهد، ولو كان غنيًا كما ذكرناه في عموم النفع، وفي هذا المعنى العالم والقارئ والمعلم والمؤذن؛ لأن في ذلك بقاء الإسلام وشهرته وتعظيمه وإراحة القلوب عليه فينخرط ذلك في سلك قوله تعالى ﴿وفي سبيل الله﴾ قاله محمد الصالح ابن سليم الأوجلي، وقال اللخمي: العلماء أولى بالزكاة ولو كانوا أغنياء، ذكره الشيخ محمد الفاسي في حاشيته على المختصر، قال شيخنا السيد: محمل هذا كله ما لم يكن لهم راتب في بيت المال، وفي أسئلة محمد بن سلام لمحمد بن سحنون أن الزكاة تجوز للعلماء الفقراء وهى رواية ابن وهب عن مالك انتهى، أي: تقيد بالفقراء ورجحه بعض شيوخنا. اهـ.
[مسألة]
إذا كان عند الغني شخص فقير ينفق عليه مع عياله تطوعا وأراد إعطاءه من زكاة ماله، فروى الشيخ أنه لا يعطيها لذلك الفقير فإن فعل جهلا أساء، وأجزأته إن بقي في نفقته
стр. 75
وقال ابن حبيب: إن تطوع بذلك لم يجزه، ونقله الباجي ولم يقيد إجزاء إعطائه بجهله، ذكره الدسوقي، وفي المعيار عن ابن عرفة رحمه الله تعالى أن كافل اليتيمة التي تخدمه وهو يطعمها يعطيها من الزكاة ما يصلحها من ضروريات النكاح، والأمر الذي يراه القاضي في حق المحجور، وقيل: إن قابل شيء من الزكاة خدمتها فلا تجزي؛ لأنه قد صان بها ماله، وكذا إن لم يصن ويعلم أنها لو لم تخدمه لم يعطها شيئا فلا يعطها أيضًا والله الموفق.
(فصل في زكاة الفطر)
زكاة الفطر صاع مما غلب اقتياته من قمح أو شعير أو سلت أو زبيب أو تمر أو ذرة أو أرز أو دخن أو أقط.
[مسألة]
يجزئ إخراج الدقيق بريعه، أي: إخراج دقيق الصاع من الحب مع الزيادة التي يزيدها بعد الطحن، وأما بغير ريعه فلا يجزئ قطعًا. اهـ دس عن ابن حبيب.
[مسألة]
إذا اقتيت غير التسعة المذكورة تخرج منه الزكاة، ولو وجد شيء من التسعة إن كان عيشهم، وهل يقدر نحو اللحم بجرم الصاع أو شبعه وصوب كما في ح أو وزنه؟ خلاف، فإذا اقتاتوا اللحم مثلا وكان عيشهم فيخرجون منه قدر عيش الصاع، فإن كان الصاع من الحنطة يغذي إنسانا ويعيشه أعطى من اللحم ما يغذيه ويعيشه على الصواب كما في دس والمجموع.
[مسألة]
سئل عياض عمن يأكل بدينه فيظهر الصلاح ليعطى؛ فأجاب: هو كأحد الغاصبين لا سيما إن كان يظهر خلاف ما يبطن كالمرائي بالصلاح وليس من الصالحين ليأكل بذلك ما لا يحل (١) فهو من الآكلين للسحت، وفي تبصرة ابن محرز عن القصار إن كان معه ما يقوم به لأدنى عيشه لم يجز له أن يسأل، وإن لم يكن معه ما يقوم به فالمسألة له حلال، والله الموفق. اهـ من المعيار.
[مسألة]
إن أخرج قيمة الصاع دراهم أو ذهباً فإنه يجزئ مع الكراهة، كما قال الدردير في فصل مصرف الزكاة من أقرب المسالك إلا العين عن حرث وماشية بالقيمة فتجزئ بكره، وهذا شامل لزكاة الفطر. اهـ وفي حاشية الصاوي في فصل زكاة الفطر نقلا عن تقرير الدردير أنه إن أخرج قيمة الصاع عينا فالأظهر الإجزاء؛ لأنه يسهل بالعين سد خلته في ذلك اليوم. اهـ.
[مسألة]
إن لم يقدر إلا على بعض الصاع، إن كان منفردًا أو على بعض ما وجب عليه، إن وجب عليه أكثر أخرجه وجوبًا، فإن وجب عليه آصع، ولم يجد إلا البعض بدأ بنفسه ثم بزوجته، والأظهر تقديم الوالد على الولد انتهى من أقرب المسالك.
[مسألة]
يأثم من يؤخر عن وقت الأداء وهو اليوم كله، ولا تسقط عن الغني بمضي ذلك اليوم، وأما من كان معسرًا في ذلك اليوم ثم زال فقره، أو رقه فيه فإنه يندب له إخراجها، فإن زال فقره قبل فجر ذلك اليوم فإنه يجب، وأما لو مضى يومها وهو معسر فإنه يسقط ندب إخراجها. اهـ من أقرب المسالك