العامل يبيع بالسعر الحاضر؛ فإن ربه يقومه كل عام ويزكي رأس ماله وقدر حصته من الربح فقط ويكون إخراج الزكاة من غير مال القراض لئلا ينقص، والربح يجبره ففيه نقص على العامل إلا أن يرضى العامل بذلك، ولا زكاة في حصة العامل على واحد منهما إلا بعد المفاصلة فيزكيها العامل لسنة واحدة كما في الخرشي وغيره.
(ما قولكم) في الدنانير المسكوكة أو الفضة المسكوكة إذا اتخذتها المرأة حليًا، هل تجب فيها الزكاة أم لا؟
(الجواب)
في المجموع تجب فيها الزكاة؛ لأن المسكوك لا يكون حليًا كما في حاشية الخرشي وغيرها. اهـ بتوضيح وأما ما في فتاوى عج من أن المرأة إن أعدتها لعاقبة زكيت بلا كلام وإن لم تعدها لذلك فهل تجب فيها الزكاة لشمول قوله، وفي مائتي درهم أو مائتي دينار ربع العشر أو لا تجب لأنه من لباسها، وهو الظاهر فهو ضعيف.
(ما قولكم) فيمن عزل زكاة ماله ثم صار فقيرا قبل أن يدفعها للفقراء، فهل يأخذ منها شيئًا أم لا؟
(الجواب)
في حاشية الخرشي من باب الوقف أن من وقف وقفًا مؤبدا على جهة، ثم انقطعت تلك الجهة فإن الوقف يرجع لأقرب فقراء عصبة المحبس، فإذا افتقر الواقف فلا يدخل فيهم كما قالوه في الزكاة إذا عزلها وصار فقيرا قبل أن يدفعها للفقراء فلا شيء له منها كما في كبير الخرشي.
[مسألة]
المكاس تارة يأخذ من التجار عند قدوم أموالهم من الهند ونحوه أعيان بعض السلع في المكوس، وتارة يلجئهم على بيع البعض ليدفعوا ثمنه في المكوس، فهل تحسب على أرباب السلع وتجب فيها الزكاة، أو تسقط عنهم في ذلك.
(أجاب) الشيخ الحطاب بأن المكاس إن أخذ سلعا فلا يلزم ربها أن يقومها لأجل أن يزكي تلك القيمة، وأما إن ألزم ربها بيعها وقبض ثمنها ودفعه في المكس؛ فيلزمه أن يزكي عن ذلك ويحث الشيخ القرافي في هذا الجواب بأن جبر أربابها على البيع وقبض الثمن كجبرها على أخذ السلع؛ لأن الإكراه على سبب البيع كالإكراه على البيع كما صرحوا به هنا، والبيع الواقع على وجه الإكراه بمنزل العدم؛ فالجبر على بيع السلع على وجه المذكور بمنزله أخذها بأعيانها. اهـ أقول والنفس أميل لبحث الشيخ القرافي، فلا زكاة في الصورتين.
(قال) الشيخ القرافي وقع السؤال عما يدفع من جانب السلطنة من الفضة ليؤخذ بدله ذهبًا، وفي التبديل زيادة، فهل تحسب الزيادة التي في الذهب لربها من الزكاة التي عليه؛ فأجبت بعدم حساب ذلك من الزكاة، وبالله التوفيق انتهى، فقال عج: قلت: وهو ظاهر، وإنما المتوهم هل يزكي الدافع الزيادة أو تسقط زكاتها، وظاهر فتوى الناصر والحطاب الأول لكن في شرح السوداني ما نصه كل ما يأخذه الظالم لا زكاة فيه، لأنه كالجائحة. اهـ وقال في اختصار البرزلي، وأما ما يأخذه المستوهب فإن دفعه ربه لخوف منه مثل: لأن يكون من خدمة الأمراء أو العرب فهو بمنزلة الجائحة لا زكاة فيه وإلا زكى انتهى ببعض تصرف وتوضيح، وهذا موافق لبحث الشيخ
стр. 72
القرافي المتقدم ويخالف لجواب الحطاب انظر شرح عج على خليل.
[مسألة]
المسافر إذا حال على ماله الحول وبعضه معه وبعضه الآخر في بلده فإنه يزكي ما معه اتفاقا لاجتماع المال وربه، وإن لم يكن نصابًا حيث كان ما معه وما غاب نصابًا فأكثر ويزكي أيضًا بقية ماله الذي تركه في بلده ولا يؤخر إلى أن يرجع اعتبارًا بموضع المالك قال مالك وهو أحب إلي وظاهر هذا، ولو لم يعلم ما بقي من ماله الغائب، وللأجهوري فتوى بأنه يصبر حيث لم يعلم قدرها في غيبته، ولمالك قول آخر وهو أنه يؤخر حتى يرجع إلى بلده اعتبارًا بموضع المال وعلى قول مالك الأول يزكي عن ماله الغائب عنه بشرطين. الأول: إن لم يكن هناك من يخرج عنه بتوكيل، أو لم يأخذها الإمام ببلده، والثاني: أن لا يكون عليه ضرورة من نفقة ونحوها، فإن احتاج للزكاة التي يخرجها عن الغائب في نفقته أو فيما يوصله لوطنه؛ فإنه يخرج عن ما معه فقط، ولا يخرج عن ما غاب عنه حتى يرجع لبلده إلا أن يجد مسلفًا يسلفه ما يحتاج إليه فإنه يزكي ما غاب على ما رجحه اللخمي، ومقتضى كلام المواق عن المدونة ترجيح أنه لا يزكي حتى يرجع إلى بلده ولو وجد مسلفًا انظر عدوي ودس.
[مسألة]
هل ما يأخذه الحكام في زماننا من العشور يجزئ في الزكاة أم لا؟
(الجواب)
قال في توضيحه وعبر المصنف في المشهور بالإجزاء وهو بين إذا أخذها ليصرفها في مصارفها، وأما لو علم أنه إنما أخذها لنفسه فلا انتهى، وقال الشيخ الحطاب وظاهر كلام أبي الحسن أن الخلاف جار، واو إخذها وأكلها ونقله عن أبي إسحاق التونسي انتهى قال عج، قلت: فما يقع لحكام زماننا من أخذهم العشور من التجار لأنفسهم يجزئ أربابه عن الزكاة لأنه من باب أخذ القيمة ولا يضر أخذهم له لأنفسهم على ما عند التونسي إلا أن يقال إن الكلام فيما يأخذه الجائر باسم الزكاة وحكام الزمان لا يأخذون إلا باسم الموجب ويلتزم بذلك عمال اليهود غالبًا بمال معلوم على أن الزيادة لهم والخسارة عليهم فحينئذ يبعد الإجزاء تأمل انتهى، قال عج، قلت: اعلم أن الواجب على المزكي في إخراج الزكاة أن ينويها، وأن يصرفها لمستحقها فإن نواها وأكره على صرفها لغير مستحقها فإنها تجزئه ومن صرفها لغير مستحقها أخذ الظالم المكره إياها لنفسه، ولا يعتبر كونه يأخذها على وجه المكس أو على وجه كونها زيادة وحينئذ فإذا نواها فأكره على إعطائها للظالم فإنها تجزئ، قلت: ومما يدل على هذا ما ذكره القرافي فإنه قال أفتى ابن اللباد بإجزاء ما يأخذه بنو عبيد من الزكاة، وإن كان بنو عبيد لا يقرون بفرضية الزكاة لأنا إن قلنا لا تجزئ لم يؤد الناس من الزكاة شيئًا، فإذا هم يؤدون بتأويل خير من تركها عامدين انظر شرح عج على خليل.
(فصل) في مصرف الزكاة .
[مسألة]
يجوز إعطاء الفقير أو المسكين من الزكاة ما يكفيه سنة ولو كان أكثر من نصاب لا يجوز إعطاؤه أكثر من كفاية سنة
стр. 73
ولو أقل من نصاب. اهـ. من أقرب المسالك. (ما قولكم) في شخص عنده مركب في البحر وأجرتها لا تكفيه سنة، ولكن إذا بيعت يكفيه ثمنها قوت عامه هل يعد غنيًا فلا يجوز له قبول الزكاة أم يعد فقيرًا فيجوز له قبولها؟
(أجاب) العلامة الشيخ محمد عليش مفتي مصر بقوله: هو غني فلا يجوز له قبول الزكاة بوصف الفقر؛ لأن المركب المذكورة تباع على المفلس في الدين بالأولى من فضل دار السكنى ورق الخدمة، قال في المدونة: وإن كان فيها فضل فلا يعطى، قال أبو الحسن: يريد فضلا يغنيه لو باعها واشترى غيرهما، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. اهـ.
(وأجاب المحقق) الشيخ حسن العدوي بقوله: (الحمد الله) وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
(قاعدة)
الفقير والمسكين إذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا، وقد افترقا في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ فالفقير عند مالك هو الذي لا يملك قوت عامه، والمسكين من التصقت يده بالتراب، والملكية صادقة بأي شيء يملكه فاضلا عما يترك للمفلس، وحينئذ فوجود الملك لهذا المركب مع كونها لو بيعت يكفيه ثمنها قوت عامه، مسقط لكونه فقيرًا، ألا ترى ما أورد على مذهب مالك من قوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ يعني فكيف يقال فيهم إنهم مساكين مع وجود السفينة لهم؟ وأجاب العلامة الخرشي وغيره من شراح المذهب بأن المراد مساكين الذل والغلبة، أو كانوا عمالا فيها فقط والله أعلم. اهـ ببعض توضيح.
(ما قولكم) في شخص عزل زكاة ماله ثم صار فقيرا قبل أن يدفعها للفقراء فهل يأخذ منها شيئًا أم لا؟
(الجواب)
في حاشية الخرشي من باب الوقف، أن من وقف وقفًا مؤبدًا على جهة، ثم انقطعت تلك الجهة؛ فإن الوقف يرجع لأقرب فقراء عصبة المحبس، فإذا افتقر الواقف فلا يدخل فيهم كما قالوه في الزكاة إذا عزلها وصار فقيرًا قبل أن يدفعها للفقراء فلا شيء له منها كما في كبير الخرشي. اهـ.
[مسألة]
زوجة الغني إذا سافر عنها سفرًا بعيدًا ولم تجد مسلفًا، تعطى ما تحتاج إليه من الزكاة، وأما زوجة الفقير فتعطى من الزكاة ولو وجدت مسلفًا؛ لعسر زوجها عن الإنفاق عليها، والولد الصغير إذا عجز والده عن نفقته يعطى من الزكاة ما يكفيه، ومن كان له ما ينفق عليه ويكسوه وجوبا واحتاج إلى ضروريات لا يقوم بها المنفق، يعطى من الزكاة ما يسد ضرورياته الشرعية على الظاهر، أفاده في حاشية الخرشي، وأما إن كان ينفق عليه تطوعًا فله الأخذ من الزكاة سواء كان المنفق قريبا أو أجنبيًا؛ لأن له أن يقطع النفقة عنه كما في دس عن ح.
[مسألة]
تحل صدقة التطوع والفريضة لآله ﵊ وبه الفتيا في هذا الزمان لمنعهم حقهم من بيت المال.
[مسألة]
إذا حسب دينه الذي على عديم بأن يقول له: أسقط عنك الدين الذي في ذمتك من
стр. 74
زكاة مالي لا يجزئه على المشهور، وقال أشهب: يجزئه، وأما إذا كان على مليء وأسقطه عنه من الزكاة فقيل: يجزئه، وقيل: لا يجزئه، ورجح كل منهما كما في دس.
[مسألة]
يجوز دفع الزكاة لقادر على التكسب ولو تركة اختيارا على المشهور كما في دس.
[مسألة]
يجوز دفع الزكاة للمدين ثم أخذها منه في الدين إذا لم يتواطآ على ذلك على المعتمد، وأما إذا تواطآ فلا تجزئ اتفاقا كما في الحطاب. اهـ من دس.
[مسألة]
يجوز إعطاء الزكاة للعالم، ولو كثرت كتبه حيث كان فيه قابلية، وإن لم يكن فيه قابلية لم يعط إلا أن تكون كتبه على قدر فهمه كما في حاشية الخرشي.
[مسألة]
إن أخرج عن زكاة العين عرضا أو طعاما أجزأ مع الكراهة وما مشى عليه الشيخ خليل في المختصر من عدم الإجزاء خلاف ما اعتمده في التوضيح، قال أبو علي المسناوي: ظاهر كلامهم أن ما في التوضيح وابن عبد السلام هو الراجح، ويدل له اختيار ابن رشد حيث قال: الإجزاء أظهر الأقوال وتصويب ابن يونس له كما نقله الشيخ أحمد الزرقاني، انظر الدسوقي وكذا يجزئ إخراج العين عن الحرث والماشية مع الكراهة على المشهور كما في الخرشي.
[مسألة]
يجوز إخراج الفلوس عن أحد النقدين في الزكاة مع الكراهة كما في الخرشي وغيره.
[مسألة]
لا يأخذ العالم والمفتي والقاضي من الزكاة إلا أن يمنعوا حقهم من بيت المال فيأخذون منها بصفة الفقر، ورجحه بعض الأشياخ، وعن اللخمي وابن رشد أخذهم مطلقًا ولو أغنياء، ففي حاشية الخرشي، وقد أجاب سيدي محمد الصالح ابن سليم الأوجلي حين سئل عن إعطاء الزكاة للعالم الغني والقاضي والمدرس ومن في معناهم ممن نفعه عام للمسلمين بما نصه: الحمد لله، يجوز إعطاء الزكاة للقارئ والعالم والمعلم ومن فيه منفعة للمسلمين، ولو كانوا أغنياء لعموم نفعهم ولبقاء الدين كما نص على جوازه ابن رشد واللخمي وقد عدهم الله تعالى في الأصناف الثمانية التي تعطى لهم الزكاة حيث قال: ﴿وفي سبيل الله﴾ يعني المجاهد لإعلاء كلمة الله، وإنما ذلك لعموم نفعهم للمسلمين فيعطى المجاهد، ولو كان غنيًا كما ذكرناه في عموم النفع، وفي هذا المعنى العالم والقارئ والمعلم والمؤذن؛ لأن في ذلك بقاء الإسلام وشهرته وتعظيمه وإراحة القلوب عليه فينخرط ذلك في سلك قوله تعالى ﴿وفي سبيل الله﴾ قاله محمد الصالح ابن سليم الأوجلي، وقال اللخمي: العلماء أولى بالزكاة ولو كانوا أغنياء، ذكره الشيخ محمد الفاسي في حاشيته على المختصر، قال شيخنا السيد: محمل هذا كله ما لم يكن لهم راتب في بيت المال، وفي أسئلة محمد بن سلام لمحمد بن سحنون أن الزكاة تجوز للعلماء الفقراء وهى رواية ابن وهب عن مالك انتهى، أي: تقيد بالفقراء ورجحه بعض شيوخنا. اهـ.
[مسألة]
إذا كان عند الغني شخص فقير ينفق عليه مع عياله تطوعا وأراد إعطاءه من زكاة ماله، فروى الشيخ أنه لا يعطيها لذلك الفقير فإن فعل جهلا أساء، وأجزأته إن بقي في نفقته
стр. 75
وقال ابن حبيب: إن تطوع بذلك لم يجزه، ونقله الباجي ولم يقيد إجزاء إعطائه بجهله، ذكره الدسوقي، وفي المعيار عن ابن عرفة رحمه الله تعالى أن كافل اليتيمة التي تخدمه وهو يطعمها يعطيها من الزكاة ما يصلحها من ضروريات النكاح، والأمر الذي يراه القاضي في حق المحجور، وقيل: إن قابل شيء من الزكاة خدمتها فلا تجزي؛ لأنه قد صان بها ماله، وكذا إن لم يصن ويعلم أنها لو لم تخدمه لم يعطها شيئا فلا يعطها أيضًا والله الموفق.
(فصل في زكاة الفطر)
زكاة الفطر صاع مما غلب اقتياته من قمح أو شعير أو سلت أو زبيب أو تمر أو ذرة أو أرز أو دخن أو أقط.
[مسألة]
يجزئ إخراج الدقيق بريعه، أي: إخراج دقيق الصاع من الحب مع الزيادة التي يزيدها بعد الطحن، وأما بغير ريعه فلا يجزئ قطعًا. اهـ دس عن ابن حبيب.
[مسألة]
إذا اقتيت غير التسعة المذكورة تخرج منه الزكاة، ولو وجد شيء من التسعة إن كان عيشهم، وهل يقدر نحو اللحم بجرم الصاع أو شبعه وصوب كما في ح أو وزنه؟ خلاف، فإذا اقتاتوا اللحم مثلا وكان عيشهم فيخرجون منه قدر عيش الصاع، فإن كان الصاع من الحنطة يغذي إنسانا ويعيشه أعطى من اللحم ما يغذيه ويعيشه على الصواب كما في دس والمجموع.
[مسألة]
سئل عياض عمن يأكل بدينه فيظهر الصلاح ليعطى؛ فأجاب: هو كأحد الغاصبين لا سيما إن كان يظهر خلاف ما يبطن كالمرائي بالصلاح وليس من الصالحين ليأكل بذلك ما لا يحل (١) فهو من الآكلين للسحت، وفي تبصرة ابن محرز عن القصار إن كان معه ما يقوم به لأدنى عيشه لم يجز له أن يسأل، وإن لم يكن معه ما يقوم به فالمسألة له حلال، والله الموفق. اهـ من المعيار.
[مسألة]
إن أخرج قيمة الصاع دراهم أو ذهباً فإنه يجزئ مع الكراهة، كما قال الدردير في فصل مصرف الزكاة من أقرب المسالك إلا العين عن حرث وماشية بالقيمة فتجزئ بكره، وهذا شامل لزكاة الفطر. اهـ وفي حاشية الصاوي في فصل زكاة الفطر نقلا عن تقرير الدردير أنه إن أخرج قيمة الصاع عينا فالأظهر الإجزاء؛ لأنه يسهل بالعين سد خلته في ذلك اليوم. اهـ.
[مسألة]
إن لم يقدر إلا على بعض الصاع، إن كان منفردًا أو على بعض ما وجب عليه، إن وجب عليه أكثر أخرجه وجوبًا، فإن وجب عليه آصع، ولم يجد إلا البعض بدأ بنفسه ثم بزوجته، والأظهر تقديم الوالد على الولد انتهى من أقرب المسالك.
[مسألة]
يأثم من يؤخر عن وقت الأداء وهو اليوم كله، ولا تسقط عن الغني بمضي ذلك اليوم، وأما من كان معسرًا في ذلك اليوم ثم زال فقره، أو رقه فيه فإنه يندب له إخراجها، فإن زال فقره قبل فجر ذلك اليوم فإنه يجب، وأما لو مضى يومها وهو معسر فإنه يسقط ندب إخراجها. اهـ من أقرب المسالك
стр. 76
وص والخرشي.
[مسألة]
يجوز له أن يخرجها من قوته الأدون من قوت البلد إن كان يقتات ذلك الدون لفقر اتفاقًا بأن كان أهل البلد يقتاتون القمح وهو يقتات الشعير لفقره، وأما إذا كان يقتاته لشح أو كسر نفس أو عادة فلا يجزئ على المعتمد. اهـ من المجموع بتوضيح.
باب الصوم
[مسألة]
يثبت رمضان وغيره من المواسم كيوم عرفة وكل ما يتعلق برؤيته حكم شرعي برؤية عدلين للهلال، أي لصوب واحد أولا ولكنهما متقاربان ولو ادعيا لرؤيته في الجهة التي وقع الطلب فيها من غيرهما، ولكن إذا كانت السماء مغيمة أو حصلت شهادتهما في بلد صغير فإنه يثبت بهما اتفاقًا، وأما إذا كانت السماء مصحية وكانت شهادتهما في المصر الكبير؛ فإنه يثبت بهما على الظاهر من قول مالك وأصحابه خلافًا لسحنون، ويجب الصوم على كل من سمع منهما، ولا يشترط التصديق حيث كانت عدالتهما ثابتة على المعتمد، وأما السامع ممن سمع منهما فلا يجب عليه الصوم إلا إذا حكم حاكم برؤيتهما، والحاصل أن الأشخاص ثلاثة، إما راء أو سامع من الرائي، أو سامع من السامع من الرائي، فالأولان يجب عليهما الصوم، ولا يجب على الثالث، إلا إذا حكم حاكم. اهـ ملخصًا من الخرشي والعدوي، وفي الدردير أن قوله ولا يجب على الثالث مما لا وجه له، والمصنف ظاهر في أن النقل عن رؤية العدلين بشرطه يعم كل من بلغه ذلك، وهو مقتضى القواعد وهو ظاهر ابن عبد السلام، وكيف يصح لمن بلغه من أربعة عدول كل اثنين منهم ناقلان عن عدل من الشاهدين اللذين رأيا الهلال أو من عدلين نقلا عن كل من العدلين عدم لزوم الصوم وفي المجموع ما يوافقه.
[مسألة]
يحرم تأخير الشهادة إلى النهار، وإذا شهد في النهار ترد شهادته؛ لأنه صار فاسقًا لما قالوا في باب الشهادات: إنه يجب المبادرة بالشهادة في محض حق الله، ذكره السيد عن البدر كما في الأمير على عبق.
[مسألة]
قال بعض الحفاظ: صام ﷺ تسع رمضانات اثنان ثلاثون ثلاثون، وسبعة تسعة وعشرون، وذلك لأنه فرض في السنة الثانية من الهجرة لليلتين من شعبان كما في السيد، ولم يجب قبله صوم وقيل: عاشوراء، وقيل: ثلاثة من كل شهر. اهـ ملخصًا من عب والأمير.
(ما قولكم) في شاهدين شهدا بهلال رمضان فمضى ثلاثون يومًا بعد ذلك، ولم ير غيرهما الهلال ليلة الحادي والثلاثين فهل تبطل شهادتهما برؤية الهلال، ويجب على الناس صوم يوم بدل اليوم الأول؟
(الجواب)
نعم تبطل شهادتهما لتبين كذبهما، ولا يجوز فطر الحادي والثلاثين بل يجب صومه بدلاً عن اليوم الأول؛ إذا كانت السماء ليلة الحادي والثلاثين صحوًا، وأما إذا كانت مغيمة فلا تبطل شهادتهما، قال الزرقاني: انظر لو وقع الصوم في أول الشهر بنية واحدة، وحكمنا بتكذيبهما هل يجزئ
стр. 77
الصوم الواقع بالنية المذكورة أو لا يجزئ؛ لأن النية وقعت في غير محلها، وأجاب بعض شيوخنا بالإجزاء للمشقة. اهـ ملخصًا من خرشي وعدوي.
[مسألة]
إذا حكم الحاكم بالصوم بشهادة شاهدين ولم ير الهلال ليلة إحدى وثلاثين؛ فإن كان مالكيًا كذب الشاهدين، ووجب على المالكي صيام الواحد والثلاثين، وإن كان الحاكم شافعيًا مثلاً لا يرى تكذيبهما؛ فإنه يجب على المالكي الفطر وأما إن حكم المخالف بوجوب صوم رمضان بشهادة شاهد واحد ففي لزوم الصوم قولان، وفي در ترجيح عدم اللزوم، وإذا قيل بلزوم الصوم للمالكي فصام الناس ثلاثين يومًا ولم يروا الهلال، وحكم الشافعي بالفطر فالذي يظهر أنه لا يجوز للمالكي الفطر؛ لأن الخروج من العبادات أضعف من الدخول فيها كما قاله الشيخ سالم السنهوري. اهـ من دس.
[مسألة]
إذا أفطر في الصوم النفل عمدًا حرامًا لزمه القضاء، وهل يجب الإمساك أم لا؟ قولان، والأرجح لا يجب الإمساك وفي أبي الحسن على الرسالة هل يستحب إمساك بقية يومه أم لا؟ قولان، وفي حاشية العدوي عليه الراجح لا يستحب إمساك بقية يومه كما يفيده عج، وخرج بالعمد النسيان، فإن من أفطر في النفل ناسيًا ومثله المكره يجب عليه إمساك بقية اليوم؛ لأن صومه لم يبطل فلا قضاء عليه وجوبًا بلا خلاف، واختلف في قضائه استحبابًا على قولين، سماع ابن القاسم منها: الاستحباب كما في أبي الحسن على الرسالة، وخرج بالحرام غيره كالفطر لحيض أو نفاس أو لشدة جوع أو عطش أو إكراه، لأنه وإن كان عمدًا فهو غير حرام فلا قضاء أيضًا فيما ذكر، وحاصل فقه المسألة أنه لا يجب الإمساك بعد الفطر العمد لغير عذر، إلا إذا كان الزمن معينًا كرمضان الحاضر والنذر المعين، وما عدا هذين لا يجب الإمساك بعد الفطر العمد كصوم النفل أو كفارة الظهار أو القتل أو اليمين أو صوم الفدية أو جزاء الصيد أو النذر المضمون أو قضاء رمضان وأما لو أفطر سهوًا فما يجب قضاؤه لا يجب الإمساك فيه، وذلك كقضاء رمضان والنذر المضمون وكفارة اليمين والفدية والجزاء لأنه يجب عليه العوض في الجميع وكفارة الظهار والقتل بناء على قطع النسيان التابع ويستثنى من ذلك رمضان الحاضر ففطره سهوًا يوجب الإمساك وإن كان عليه القضاء والأيام المعينة المنذورة يفطر فيها سهوًا فإنه يجب عليه الإمساك وعليه القضاء على المشهور. اهـ ملخصًا من در ودس والمجموع وعدوي على أبي الحسن.
[مسألة]
إن اضطر الصائم للشرب فله أن يأكل أيضًا على المعتمد وفي الحطاب تخريجه على من اضطر لأكل الميتة، والمعتمد أنه يجوز له الشبع بل والتزود خلافًا لمن قال: لا يأكل إلا على قدر الضرورة، ولا يستحب له أن يمسك بقية اليوم وكذا لا يستحب الإمساك لزوال كل عذر مبيح للفطر مع العلم برمضان كالحيض يزول أثناء رمضان أو ينقطع السفر
стр. 78
أو يبلغ الصبي نهارًا، ويباح لهؤلاء التمادي على الفطر ولو بالجماع فلقادم من سفره نهارًا مفطرًا أن يطأ زوجته التي طهرت من حيض أو نفاس نهارًا وأورد على منطوق قوله مع العلم برمضان المكره على الفطر، فإنه لا يباح له الفطر بعد زوال الإكراه وأورد على مفهومه المجنون، فإنه يباح له الفطر إذا أفاق مع أنه لم يعلم برمضان وأجيب بأن فعلهما قبل زوال العذر لا يتصف بإباحة ولا غيرها لم يدخلا في كلامه. اهـ ملخصًا من المجموع والخرشي ودر.
[مسألة]
إذا أراد أن يسافر في رمضان مسافة قصر وشرع في السفر قبل طلوع الفجر، ولم يبيت نية الصوم فيه يجوز له الفطر، بمعنى يكره ولو أقام أثناء سفره يومين أو ثلاثة وأما إذا نوى إقامة أربعة أيام فإنه يجب عليه الصوم كما يجب عليه إتمام الصلاة كما صرح به في النوادر، ونقله ابن عرفة، وأما إن شرع بعد الفجر أو بيت الصوم في السفر فلا يجوز له الفطر. اهـ ملخصًا من در ودس.
(سئل عج) هل ما يقطع حكم القصر يقطع حكم الفطر وما لا فلا أم لا؟ (فأجاب) الحمد لله حكم الفطر حكم القصر وفاقًا وخلافًا، فما يقطع حكم القصر يمنع الفطر في رمضان كنية إقامة أربعة أيام صحاح وما لا فلا والله أعلم.
[مسألة]
إذا حلف بطلاق امرأته وهو صائم أن لا يفطر على حار ولا بارد فإنه يحنث لأننا نعتبر المقاصد ومقصود الحالف المطعومات وبهذا أفتى أبو نصر بن الصباغ من الشافعية، وأفتى أبو إسحاق الشيرازي بعدم حنثة قائلاً لأنه يفطر على غيرهما وهو دخول الليل لقوله ﷺ : "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم" والليل ليس بحار ولا بارد وفتواه صريح في مذهب الشافعي الذي يعتبر الألفاظ، قال بعضهم: واستدلاله بالحديث بعيد لأنه ليس بمراد فيه الفطر الحسي ولا الحكمي بل معناه فقد حصل للصائم الفطر، وإلا لم ينعقد صوم الوصال، وقد قال ﷺ يواصل، أفاده في المعيار، والوصال في حقه ﷺ مباح، وفي غيره مكروه كما هو مذكور في باب الخصائص.
[مسألة]
من عليه قضاء رمضانين يبدأ بأولهما ويجزئ العكس كذا في المواق. اهـ دسوقي.
[مسألة]
نبش الأذن بكعود لا يفطر.
[مسألة]
الكحل لا يفطر الصائم إلا إذا تحقق وصوله للحلق أو شك. اهـ من دس.
[مسألة]
دخان الحطب لا يفطر ولو تعمد استنشاقه.
[مسألة]
مسافر صام في رمضان فعطش فقربت له سفرة ليفطر فأهوى بيده ليشرب فقيل له: لا ماء معك. فكف قال ابن عبدوس: أحب له القضاء، وصوب اللخمي سقوطه، وقال: إنه غالب الروايات عن مالك. اهـ دس.
باب اليمين
(ما قولكم) إذا قال: والله لا أدخل على فلان بيته فدخل عليه في دار استعارها المحلوف عليه أو دخل عليه في بيت جاره هل يحنث أم لا؟
(الجواب)
إذا دخل عليه في بيت
стр. 79
يسكنه فإنه يحنث سواء ملك فلان الرقبة أو المنفعة فقط بكراء أو إعارة إذ البيوت تنسب لسكانها والظاهر عدم الحنث إذا دخل عليه في بيت جاره، لأنه لا يقال: الآن لبيت جارك بيتك وإنما يقال: بيتك الذي تملك ذاته أو منفعته والأيمان مبناها العرف خلافًا لما قاله سيدي خليل من الحنث، قال في المجموع: ولا حنث في زماننا بالحمام ومثله القهوة والفندق، وبيت الشعر في حلفه لا أسكن بيتًا، ولا باجتماع بمسجد في حلفه لا يجتمع معه، ولا ببيت الجار في حلفه لا أدخل بيته. اهـ بتوضيح.
(ما قولكم) إذا قال: لا أدخل منزل فلان فأكرى فلان ذلك المنزل لشخص آخر فدخل الحالف على ذلك الشخص هل يحنث أم لا؟
(الجواب)
لا يحنث بدخول ذلك المنزل لأنه ينسب الآن لمن استكراه لا لمن يملكه كما يؤخذ من قولهم: إن البيوت تنسب لسكانها كما في حاشية الخرشي.
(ما قولكم) في شخص قال: إن فعلت كذا فلله علي طلاق زوجي؟
(الجواب)
قال الأمير على عب: لا يلزمه؛ لأن الطلاق ليس مما يتقرب به لله تعالى بخلاف إن فعلت فهي طالق كذا في الحطاب نقلاً عن ابن رشد، وفي النفس منه شيء مع لزوم الطلاق بأي لفظ، والفروج يحتاط فيها، وقوله: لله علي لا ينبغي لزوم الطلاق عنه فإنه حكم لله عليه على أن الطلاق قد يتقرب به فإنه تعتريه الأحكام وقد رأيت التوقف فيه في كتاب لابن مرزوق سماه "اغتنام الفرصة" وغاية ما وجهه فيه من كلام طويل مع عالم قفصة من تلامذة ابن عرفة أنه جعله من باب الوعد والتزام ما لا يلزم والتعليق لا يوجبه غايته يؤكده وأما إن فعلت كذا فهي طالق، فقد علق نفس الإنشاء فلينظر. اهـ.
(ما قولكم) في شخص قال: بالله لأفعلن كذا ولم يفعله، ثم قال: أردت بقولي بالله وثقت بالله واعتصمت بالله ثم ابتدأت بقولي: لأفعلن ولم أقصد اليمين هل يصدق أم لا؟
(الجواب)
يصدق بلا يمين وأما إن قال: سبقني لساني يعني اعتاد لساني الحلف بالله ولم أقصد اليمين فلا يصدق، ويلزمه اليمين ولو تحقق سبق لسانه، خلافًا للشافعية فإنهم يقولون: لا يلزمه يمين ويفسرون به قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ وأما إذا قال: أردت النطق بغير اليمين فالتفت لساني وسبقني إلي اليمين فلا شيء عليه ويدين. اهـ ملخصًا من در ودس والمجموع.
[مسألة]
اليمين الغموس أن يحلف بلا قوة ظن بأن يشك في مجيء زيد أمس أو يظنه ظنًا غير قوي ويحلف أنه قد جاء فهو آثم ولا كفارة لها؛ إن تعلقت بماض كالمثال المذكور، وكفارتها ـ إن لم يغفر الله ـ جهنم فهو مغموس في الإثم وإن تعلقت بمستقبل أو حال كفرت فالمستقبل نحو: لآتينك غدًا مع جزمه أو تردده في عدم المجيء، والحال نحو: والله إن زيدًا لمنطلق في هذا الوقت مع التردد أو الجزم بعدم ذلك، وقوله: فهو مغموس في الإثم أي ولو تبين صدقه بعد حلفه لجرأته على الحلف كاذبًا لكن مع تبين الصدق لا يستمر الإثم وهذا معني قولهم:
стр. 80
إن تبين الصدق فلا إثم واليمين اللغو أن يحلف معتقدًا حصول شيء ثم تبين خلافه، ولا كفارة لها إن تعلقت بماض أو حال كقوله: والله لقد فعل زيد كذا أمس، أو إنه لمنطلق الآن مع جزمه بذلك، فتبين خلافه، وإما إن تعلقت بمستقبل نحو: والله لأفعلن كذا في غد مع الجزم بفعله، فلم يفعله فإنها تكفر والحاصل أن اليمين المتعلقة بالماضي لا تكفر لأنها إما لغو أو غموس أو صادقة والمتعلقة بالمستقبل تكفر ولو لغوًا أو غموسًا، وأما المتعلقة بالحال فتكفر إن كانت غموسًا ولا تكفر إن كانت لغوًا وما أحسن قول عج:
كفر غموسًا بلا ماض تكون كذا ... لغو بمستقبل لا غير فامتثلا
ثم إن اللغو لا يفيد إلا في اليمين بالله والنذر المبهم كالاستثناء بأن شاء الله، وإلا أن يريد الله فإنه لا يفيد إلا فيهما ولكن نفع الاستثناء المذكور بشروط أربعة:
الأول: أن يقصد حل اليمين وهل معنى حلها جعلها كالعدم أو رفع الكفارة، وعليه ابن القاسم.
والثاني: أن يتصل الاستثناء بالمستثنى منه ولو بعد الفراغ من غير فصل كما يقع لمن يقول للحالف: قل: إن شاء الله فيوصل النطق بها عقب فراغه من المحلوف عليه؛ امتثالاً للأمر فينفعه فإن حصل فصل ضر إلا لعارض كسعال أو عطاس فلا يضر.
والثالث: أن ينطق به وإن سرًا بحركة لسان لا إن أجراه على قلبه بلا نطق فلا يفيده.
والرابع: أن يكون حلفه في غير توثق بحق وأما إذا كان في توثق بحق كما إذا حلفه على أن يأتي بالثمن أو الدين في وقت كذا، فحلف وقال: إن شاء الله لم يفده؛ لأن اليمين على نية المحلف لا الحالف ولا ينفع اللغو في الطلاق والعتق والصدقة والمشي إلى مكة وكذلك لا ينفع في هذه المذكورات الاستثناء بنحو: إن شاء، وأما الاستثناء بإلا أو إحدى أخواتها فإنه يفيد في اليمين بالله، والطلاق وغيرهما بالشروط المتقدمة من القصد وما بعده. اهـ ملخصًا من در ودس وعدوي والمجموع.
(ما قولكم) فيمن قال لصاحبه: الله ورسوله تأكل فلم يأكل هل هذا يمين أم لا؟
(الجواب)
ليس بيمين لأنهم يقصدون به شبه الشفاعة كما في المجموع.
[مسألة]
إن قال: الله لأفعلن كذا بحذف حرف القسم ثم لم يفعله يلزمه اليمين فإنه ينعقد ولو حذف حرف القسم سواء نطق بلفظ الجلالة منصوبًا أو مجرورًا؛ لأنه عهد في العربية كذلك بل ولو رفع وهو ينوي خبرًا يفيد الحلف كالله محلوف به كما في المجموع.
[مسألة]
إن نطق بلفظ الجلالة بغير هاء أو بغير مد طبيعي لا ينعقد اليمين قال في المجموع: ولا بد من الهاء والمد قبلها طبيعيًا.
[مسألة]
إن قال: إن فعل كذا أو إن لم يفعل كذا فهو يهودي أو نصراني أو علي غير دين الإسلام أو مرتد فهو حرام ولا يرتد إن فعله أو لم يفعله وليستغفر الله مطلقًا فعله، أو لم يفعله لأنه ارتكب ذنبًا، وأما إن قال: ما ذكر في غير يمين فيرتد لأنه في هذه الحالة يخبر عن نفسه بأنه على هذه الحالة ولا هازلاً أو جاهلاً كما في در ودس والمجموع.
[مسألة]
стр. 81
إن قال: إن فعلت كذا فعلي كفارة أو فلله علي كفارة، ثم فعل المحلوف عليه فإنه يلزمه كفارة يمين، وكذا يلزمه كفارة يمين إن قال: لله علي كفارة من غير تعليق على فعل شيء وكذا يلزمه كفارة يمين في النذر المبهم بأن قال: لله علي نذر أو إن شفى الله مريضي فعلي نذر، وأما إذا سمى مخرجًا نحو: لله علي نذر دينار فإنه يلزمه ما سماه. اهـ من أقرب المسالك.
[مسألة]
إن قال: لله علي يمين أو إن فعلت كذا فعلي يمين ثم فعله يلزمه كفارة يمين وفي دس ومحل لزوم كفارة اليمين ما لم يكن العرف في اليمين الطلاق وإلا لزمه طلقة رجعية كما في البناني عن الونشريسي وغيره، والحق أنه يرجع لعرف البلدان الذين تعارفوه في الطلاق فإن كان عرفهم البتات لزمه الثلاث، وإن كان عرفهم استعماله في الطلاق فقط حمل على الرجعي وعرف مصر إذا قال: يمين سفه كان طلاقًا. انتهى ملخصًا من در وص.
[مسألة]
إن قال عليه كفارات بعدد شعر رأسه فإن عجز صام عن الباقي كذا في السيد عن فتاوى عج، أقول: هذا العدد لا يضبط والغالب أن يقصد به المبالغة في الكثرة. انتهى أمير على عبد الباقي.
[مسألة]
تتكرر الكفارة إن دل اللفظ على التكرار ولا يلتفت للقصد كقوله: لله علي أيمان فيلزمه أقل الجمع وهو ثلاث ما لم ينو أكثر فيلزمه كما في المجموع وأقرب المسالك وغيرهما، قال الصاوي: وفي المواق قول باتحادها كتكرر اليمين، وعلى الأول إن قال: أردت بقولي: علي أيمان يمينًا واحدة لم يقبل؛ لأن الجمع نص وإن أراد اثنين فتردد باعتبار أقل الجمع.
[مسألة]
في أقرب المسالك وغيره إن قال: لله علي يمين أو كفارة وقال: أردت الإخبار بأن في ذمتي يمين أو كفارة ولم أرد الإنشاء صدق ولا شيء عليه وأما في مسائل التعليق بأن قال: إن فعلت كذا فعلي يمين أو كفارة ثم فعله فلا يقبل منه دعوى الإخبار ويلزمه كفارة يمين.
[مسألة]
في أقرب المسالك وغيره تكرر الكفارة على الحالف إن قصد في صيغة البر تكرر الحنث نحو والله لا أكلم زيدًا وقصد أنه كلما كلمه فعليه يمين.
[مسألة]
إن قال: والله لا أكلم زيدًا ثم قال ولو في مجلس آخر والله لا أكلمه، والله لا أكلمه، ونوى لكل يمين كفارة فتكرر ويلزمه ثلاث كفارات لا إن لم ينو التكرار فلا يلزمه إلا كفارة واحدة كما في أقرب المسالك والخرشي.
[مسألة]
قال: لا أشرب لك ماء أو لا آكل لك خبزًا أو لا أقرئك سلامًا أو لا أجلس معك في مجلس فإنه يتكرر عليه الحنث كلما شرب له ماء أو كلما أكل له خبزًا أو كلما أقرأه سلامًا أو كلما جلس معه في مجلس؛ لأن العرف يقتضي ذلك ويستفاد منه التكرار لا من مجرد اللفظ، وهو ظاهر كما في أقرب المسالك وغيره، وكذا إذا قال: والله لا أترك الوتر فإنه يحنث كلما تركه؛ لأن العرف يقتضي لوم نفسه والتشديد عليها فكلما تركه لزمه كفارة كما في أقرب المسالك وغيره.
[مسألة]
إن قال: والله لا أكلم زيدًا والله لا أحنث فكلمه فعليه كفارتان؛ كفارة ليمينه الأصلي وكفارة للحنث فيه. اهـ من أقرب المسالك.
[مسألة]
تتكرر الكفارة بتكرر الفعل إذا اشتمل
стр. 82
اليمين على أداة تدل وضعًا على التكرار كقوله: كلما كلمته فعلي يمين أو كفارة أو مهما دخلت الدار فعلي يمين أو كفارة وأما متى ما فليست من صيغ التكرار، بل من صيغ التعليق فإذا قال: متى ما كلمته فعلي يمين أو كفارة فلا يلزمه كفارة إلا في المرة الأولى إلا أن ينوي التكرار فتتعدد الكفارة على حسب ما نوى، وأما متى بدون ما فلا تقتضي التكرار قطعًا كأن لو إذا. اهـ ملخصًا من أقرب المسالك وص.
[مسألة]
إن قال: والله ثم والله لا أفعل كذا ففعله كذا فتكرر الكفارة ولو قصد بتكرار اليمين التأسيس لتداخل الأسباب عند اتحاد الموجب، والحاصل أنه إن نوى التأكيد فكفارة واحدة اتفاقًا، وإن نوى تعدد الكفارات لزمه على حسب ما نوى اتفاقًا، وإن نوى إنشاء يمين ثانية بلا قصد كفارات فالمشهور كفارة واحدة ولو في مجلسين، ومثل اليمين النذر المبهم والكفارة وأما العتق والطلاق فتتكرر إن قصد التأسيس، لا إن قصد التأكيد فلا يتكرر الطلاق، أما لزوم الطلاق عند قصد التأسيس فللاحتياط في الفروج، وأما العتق فلتشوف الشارع للحرية. اهـ ملخصًا من أقرب المسالك وص وحاشية الخرشي.
[مسألة]
في المدونة من قال: والله لا أكلم فلانًا ولا أدخل دار فلان ولا أضرب فلانًا ثم فعل ذلك أو بعضه فإنما عليه كفارة واحدة، وكأنه قال: والله لا أقرب شيئًا من هذه الأشياء، ولو قال: والله لا أكلم فلانًا ولا أدخل دار فلان، ولا أضرب فلانًا ثم فعل ذلك أو بعضه فإنما عليه كفارة واحدة وكأنه قال: والله لا أقرب شيئا من هذه الأشياء، ولو قال: والله لا أكلم فلانًا، والله لا أدخل دار فلان، والله لا أضرب فلانًا فعليه هنا لكل صنف فعله كفارة؛ لأن هذه ثلاثة أيمان بالله على أشياء مختلفة نقله المواق. اهـ من دس.
[مسألة]
إن قال: أيمان المسلمين تلزمني إن فعلت كذا ففعله يلزمه طلاق من في عصمته، ثلاثًا وعتق من يملك رقبته من الرقيق، وصدقة بثلث ماله من عين أو عرض أو عقار حين يمينه، ومشي لحج لا عمرة وصوم عام، وكفارة يمين ومحل هذا إذا اعتيد الحلف بما ذكر من الطلاق، وما عطف عليه؛ لأن الأيمان تجري على عرف الناس وعادتهم فإن لم يجر عرف بحلف بعتق كما في بعض البلاد، أو لم يجر عرف يحلف بمشي لحج أو صدقة بثلث كما في مصر لم يلزم الحالف غير المعتاد والعبرة بعادة أهل بلده سواء اعتاد هو خلافهم أو لم يعتد شيئًا أو بعادته هو إن لم يعتادوا شيئًا؛ فإن لم تكن لهم ولا له عادة بشيء فلا يلزمه شيء سوى كفارة يمين، وكل هذا إن لم ينو شيئًا، وإلا عمل بنيته ولو في القضاء، فإذا جرى العرف بالحلف بكل مما تقدم، وحلف بأيمان المسلمين ونوى غير الطلاق أو غير العتق أو غيرهما، أو غير المشي عمل بنيته إذا كانت تلك النية قبل تمام الحلف بأن كانت أولاً أو في أثناء الحلف، وأما إذا نوى ذلك بعد الحلف فلا بد من إخراجه بأداة الاستثناء متصلاً باليمين. اهـ ملخصًا من در ودس وفي الأمير على عبد الباقي قال الطرطوشي: ليس لمالك في أيمان المسلمين كلام، وإنما اختلف المتأخرون، قال الأبهري: يلزمه الاستغفار فقط، وقيل: كفارة يمين، وقيل: ثلاث
стр. 83
كفارات، نقله السيد عن البدر والمواق. اهـ أي والمشهور ما تقدم.
[مسألة]
إن قال: أقسمت عليك بالله فهي يمين لأنه فعل صريح في القسم فلم يبطله قوله عليك. اهـ عبد الباقي وفي الأمير لكن في حديث تعبير أبي بكر ﵁ ما يقتضي عدم اللزوم، أي حديث تعبير أبي بكر الرؤيا بحضرته ﷺ فقال ﵇ لأبي بكر: "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا" فقال أبو بكر: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني، فقال: "لا تقسم" ولم يخبره، فإنه لم يأمره بكفارة. اهـ بتوضيح.
[مسألة]
في الحطاب فرع قال في الكتاب: إذا حلفت على رجل ليفعلن كذا فامتنع فلا شيء عليهما، وقاله الشافعي، ثم نقل الحطاب بعد ذلك الحنث عن ابن يونس وغيره، قلت: وهذا هو المشهور بيمين الاستشفاع عند الشافعية، ويندب إجابته له كما في الحطاب، وهو خاص بالباء الموحدة من بين حروف القسم فإنها هي التي تستعمل في القسم الاستعطافي، وهي التي يصرح معها بفعل القسم. اهـ من الأمير على عبد الباقي.
[مسألة]
إن قال: والله لأطلقنك وأطلق في يمينه فلا يجبر على الكفارة، ولا يمنع من وطئها ولا يحنث إلا بموتها، ما دام ناويًا طلاقها، فالمنع في صيغة الحنث من وطئها محله إذا كان الحلف بطلاقها. اهـ من ضوء الشموع ودس.
[مسألة]
إن قال: والله لا أبيع سلعتي من زيد فقال له عمرو: وأنا، فقال: والله ولا أنت فباعها لهما أو لأحدهما فردها عليه فباعها للآخر فكفارتان، بخلاف ما لو قال: والله لا أبيعها من فلان ولا من فلان فباعها لهما أو باعها لأحدهما فردت له فباعها للآخر فكفارة واحدة، وإنما لزمه كفارتان في المسألة الأولى وكفارة واحدة في الثانية؛ لأن الأولى تعدد القسم واختلف المقسم عليه فيها، بخلاف الثانية فإن القسم فيها غير متعدد. اهـ ملخصًا من در ودس.
[مسألة]
إن قال: والله لا آكل لفلان طعامًا ونوى قطع كل ما جاء من جهته لمنة ثم قبل منه هدية، فإنه يحنث؛ لأن نيته تفيد تعميم كل ما فيه منة كما في ص.
[مسألة]
إن حلف لزوجته بالله أو بالطلاق لا أتزوج عليك في حياتك ثم طلقها وتزوج بعد طلاقها وقال: نويت بقولي في حياتها مدة كونها في عصمتي، وهي الآن ليست في عصمتي؛ فإنه يصدق، وكذا إذا قال لها: إن تزوجت في حياتك فالتي أتزوجها طالق أو فعبدي حر، أو فعلي المشي إلى مكة ثم تزوج بعد طلاقها، وقال: نويت بقولي في حياتها مدة كونها في عصمتي فإنه يصدق في الجميع في الفتوى والقضاء لمساواة نيته لظاهر لفظه بلا ترجيح، لظاهر لفظه على نيته عرفًا، وقال عج: ثم إنه يعتبر في المساواة أن يحتمل اللفظ ما نواه الحالف وغيره على السواء لغة وعرفًا، فلو احتمل ذلك لغة وكان احتماله في العرف للمعني المنوي مرجوحًا كانت النية كالمخالفة مخالفة قريبة فتقبل إلا في القضاء في الطلاق والعتق المعين كمن حلف لا يطأ أمته ونوى برجله، فإن استعمال اللفظ في هذا مرجوح عرفًا، والراجح
стр. 84
استعماله في الجماع، وإن كان استعمال اللفظ فيهما لغة على حد سواء، وكذا إذا حلف بالله أو بالطلاق أو بشيء مما ذكر لا آكل لحمًا فأكل لحم طير وقال: أردت أني لا آكل لحم غير الطير فيصدق في الفتوى والقضاء، لأنه تقييد للمطلق؛ لأن لفظ اللحم يصدق بأي نوع من اللحم على سبيل البدل، وقصره على غير لحم الطير تقييد له. اهـ ملخصًا من در وص وعدوي.
[مسألة]
إن حلف لا آكل لحمًا أو لا آكل سمنًا فأكل لحم الضأن وسمن البقر، وقال: نويت لا آكل لحم بقر وأنا قد أكلت لحم ضأن، أو نويت لا آكل سمن ضأن وأنا قد أكلت سمن بقر، قبلت نيته في الفتوى مطلقًا في اليمين بالله وغيره، وفي الطلاق والعتق المعين؛ لأن نيته قربت في نفسها للمساواة، وإن كانت ضعيفة بالنسبة لظاهر لفظه، فلهذا إذا رفع للقاضي، وكان حلفه بالطلاق أو بعتق عبده المعين فادّعى النية السابقة فلا يقبل ويقع عليه الطلاق وعتق عبده المعين بخلاف المسألة التي قبل هذه فإنه تقبل نيته مطلقًا عند المفتي والقاضي في الطلاق والعتق المعين؛ لمساواة نيته لظاهر لفظه، كما تقدم والحاصل أنه تقبل نيته في هذا الموضوع عند المفتي مطلقًا، وعند القاضي في اليمين بالله وغيره إلا الطلاق والعتق المعين.
[مسألة]
إن حلف لا أكلم زيدًا أو لا أدخل داره ثم كلمه أو دخل داره، وقال: نويت لا أكلمه أو لا أدخل داره في شهر رجب مثلاً وقد مضى فيقبل في الفتوى لقرب هذه النية من اللفظ، ولا يقبل عند الرفع للقاضي في طلاق ولا عتق عبد معين فلو ذهب للقاضي من غير أن يرفعه أحد، وذكر ذلك له كان من قبيل الفتوى كما في التوضيح.
(تنبيه)
مما يقبل في الفتوى أن يقول الشخص: حلفت بالطلاق أني لا أفعل كذا ثم يزعم أنه كاذب في ذلك القول، وأنه لم يحلف ولا يقبل منه ذلك في القضاء إلا أن يشهد قبل الإخبار أنه يستخلص بذلك كما في الحطاب. اهـ من دس بتصرف ومن الأمير على عبق.
[مسألة]
لو حلف بالله لأعتقن عبيدي وقال: أردت بعضهم على سبيل التخصيص أو أردت بعبيدي دوابي أو أردت بالعتق البيع فتقبل نيته في الفتيا مطلقًا وفي القضاء إلا بطلاق وعتق معين. اهـ من عبق وفي الأمير أن قوله أردت بعبيدي دوابي معترض بأن هذا مجاز والمجاز إن قامت عليه قرينة قبل مطلقًا، وإلا رد مطلقًا فكيف يمثل به لما يقبل في الفتوى دون القضاء إلا أن يتكلف أن هناك قرينة خفيفة فليتأمل. اهـ ومن ذلك ما لو حلف بالله لأعتقن من عبيدي ثلاثة وقال: نويت بيع ثلاثة دواب من دوابي، أو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا، وقال: أردت أنها طلقت ثلاث مرات في الولادة، أو قال: نسائي طوالق وله أربع، وقال: لم أرد الرابعة فينوي في جميع ذلك مستفتيًا لا في مرافعة مع بينة أو إقرار، ولو قال: جميع نسائي طوالق طلق الجميع إلا أن يقول: استثنيت أو نويت فينفعه مستفتيًا فقط، ومثله لو قال: هي طالق البتة إن راجعتها ثم أراد نكاحها بعد العدة وقال: نويت ما دامت في العدة صدق مستفتيًا ومثله لو
стр. 85
قال: حليمة طالق، وله زوجة وجارية يسميان بذلك، وقال: نويت بالطلاق عتق جاريتي صدق مستفتيًا. اهـ عبق بتوضيح من الأمير.
[مسألة]
إن شرطت الزوجة على زوجها عند العقد أن لا يخرجها من بلدها أو لا يتزوج عليها، وحلفته بل ولو حلف متبرعا على أنه إن تزوج عليها أو أخرجها فالتي يتزوجها طالق أو فأمرها بيدها، ثم فعل المحلوف عليه، وأدعى أنه نوى أنه لا يتزوج عليها أو يخرجها من بلدها في شهر رجب مثلا، وقد مضى، لم تفده نيته؛ لأن اليمين على نية المحلف لأنه كأنه جعل هذا اليمين عوض حقه، ومن أمثلة ذلك إذا ادعى شخص على آخر بوديعة فأنكرها وحلف بالطلاق أنها ليست عنده وأراد طلقة واحدة، وأراد رب الحق البتات فيلزمه الثلاث، ولا عبرة بإرادته طلقت طلقة واحدة؛ لأن اليمين على نية المحلف، ولكن يحمل على هذا على ما إذا صرح باشتراط الثلاث رب الحق تشديدًا على الحالف؛ لأن رب الحق يقول لا يبالي بالرجعية؛ فاندفع قول البناني إن الواحدة هي مقتضى لفظه فتقبل نيته. اهـ ملخصًا من عب والأمير وأقرب المسالك وص.
[مسألة]
إن عدمت نية الحالف الصريحة اعتبر بساط اليمين أي السبب الحامل عليها غالبًا وإلا فهو المعبر عنه في علم المعاني بالمقام وقرينة السياق، وإنما قال غالبًا؛ لأن البساط قد لا يكون سببًا كما يأتي في قوله: ومن ذلك ما لو حلف بطلاق زوجته لا يأكل بيضًا إلخ، وبساط اليمين يجري في جميع الأيمان كانت بالله أو بطلاق أو بعتق كما قال بعضهم:
يجري البساط في جميع الحلف ... وهو المشير لليمين فاعرف
إن لم يكن نوى وزال السبب ... وليس ذا لحالف ينتسب
فقوله في النظم وهو المشير لليمين، أي أن البساط هو السبب الحامل عليها، وقوله: إن لم يكن نوى وأما لو نوى شيئًا فالعبرة بنيته، وقوله: وزال السبب كما إذا حلف لا أشتري لحمًا من السوق وكان السبب الحامل له على هذا اليمين وجود زحمة في السوق أو وجود ظالم فإذا زالت الزحمة، أو الظالم جاز له الشراء من السوق لأنه كأنه قال في حلفه: لا أشتري من السوق ما دامت هذه الزحمة أو الظالم، ولا يحنث لا في الفتوى ولا في القضاء وظاهر كلامهم اعتبار البساط ولو مع مرافعة في طلاق أو عتق إلا أن المفتي يدين الحالف في دعواه، وأما في القضاء فلا بد من ثبوت كون الحلف عند وجود البساط يعني بأن تشهد البينة عند المرافعة بالبساط فيحمل عليه حينئذ كان يمينه مما ينوي فيها أم لا، وأما إن شهدت البينة باليمين ثم ادعى الحالف البساط فلا يعمل به عند المرافعة وقد صرح ابن رشد بهذا التفصيل ونقله عنه الرماصي وأما إذا لم تزل هذه الزحمة، واشترى من السوق فيلزمه ما حلف به، وهذا مفهوم قوله في النظم، وزال السبب، وقوله: وليس ذا لحالف ينتسب أي أنه يشترط في نفع البساط أن لا يكون للحالف مدخل في السبب الحامل على
стр. 86
اليمين كما لو تنازع مع ولده أو زوجته أو أجنبي فحلف أنه لا يدخل على من تنازع معه دارًا مثلاً، ثم زال السبب الحامل له على اليمين بأن اصطلح الحالف والمحلوف عليه، فإنه يحنث بدخوله عليه؛ لأن الحالف له مدخل في السبب، فالبساط هنا غير نافع. اهـ ملخصًا من در ودس بتوضيح.
[مسألة]
إن قال لزوجته: إن دخلت هذا المكان فأنت طالق وكان السبب في حلفه بالطلاق وجود فاسق بذلك المكان، فإذا زال الفاسق منه، ودخلت الزوجة لم يحنث، لأنه في قوة قوله ما دام هذا الفاسق موجودًا في ذلك المكان. اهـ من أقرب المسالك.
[مسألة]
من حلف ليشترين دار فلان فلم يرض بثمن مثلها فأقوى القولين عدم الحنث، كما في الحطاب وكذا إذا حلف ليبيعن داره فأعطى دون ثمن المثل؛ فلا يحنث لأنه في قوة قوله لأشترين دار فلان إن باع بثمن المثل أو لأبيعن داري إن أعطوني ثمن المثل فالبساط نافع لما علمت أنه نية حكمية. اهـ مجموع بتوضيح.
[مسألة]
من سمع الطبيب يقول لحم البقر دار فحلف لا يأكل لحمًا ولم يقصد تعميمًا ولا تخصيصًا فلا يحنث بأكل لحم الضأن والطير ونحوهما؛ لأن البساط يدل على ذلك ومن ذلك ما إذا حلف أن زوجته لا تعتنق أمتها، وكانت أعتقتها قبل فلا يحنث لأنه لو علم ذلك ولم يحلف كما في البدر.
(ومن ذلك) ما إذا قالت امرأة لزوجها: إن كنت تحبني فاحلف بالطلاق الثلاث أنك تنطق بمثل ما أنطق به فحلف كما قالت: فقالت: أنت طالق بالثلاث فلا يقول مثل قولها ولا شيء عليه لأنه لو علم لم يحلف.
(ومن ذلك) ما إذا حلفت امرأة أمير بالله العظيم لا تسكن بعد موته دار الإمارة ثم تزوجت أميرًا آخر فأسكنها بتلك الدار، فلا تحنث؛ لأن بساط يمينها انحطاط درجتها بعد موته وقد زال الانحطاط بتزوجها بالأمير الآخر.
(ومن ذلك) ما لو حلف بطلاق زوجته أنه لا يأكل بيضًا ثم وجد في حجرها شيئًا مستورًا فقالت: لا أريكه حتى تحلف بالطلاق لتأكلن منه فحلف فإنه لا شيء عليه إذا كان الذي في حجرها بيضًا، ولا يلزمه الأكل منه؛ لأن بساط يمينه أنه يأكل منه ما لم يمنع من أكله مانع، ولأن علمه باليمين الأول يتضمن نية إخراج البيض فلا يقال: إن المانع الشرعي يحنث معد فتدبر.
(ومن ذلك) من ضاعت حجة بيته أو تمسكه وقال لكتبة الحاكم مثلاً: اكتبوا لي غيره امرأته طالق لا يعلمه في موضع ولا هو في بيته ثم وجده في بيته فلا حنث عليه؛ عملاً بمقتضى لفظه بل هذا من البساط على المشهور هذه المسائل ملخصة من در ودس بتوضيح وزيادة من الأمير على عبق.
[مسألة]
إذا حلف ولم تكن له نية تخصيص ولا تعميم ولم يوجد بساط فالمعتبر العرف القولي وكذا الفعلي على الراجح فالعرف القولي كما إذا حلف لا يشتري مملوكًا، وكان عرفهم أن المملوك لا يطلق إلا على الأبيض فلا يحنث إذا اشترى عبدًا أسودًا وقس ما أشبه ذلك والعرف
стр. 87
الفعلي كما إذا حلف: لا آكل خبزًا وكان عرفهم لا يأكلون إلا خبز القمح فقط، فإذا أكل خبز الشعير لا يحنث على الراجح لتخصيص عرفهم الخبز بخبز القمح كما علمت، وإنما رجح اعتبار الفعلي لأنه لا يضعف أن يكون قرينة. اهـ ملخصًا من عبق والأمير.
[مسألة]
إذا لم يوجد نية ولا بساط ولا عرف قولي ولا فعلي فالمعتبر العرف الشرعي؛ إن كان المتكلم صاحب شرع فإذا حلف أنه لا يصلي أو لا يتطهر هذا الوقت، ثم دعا الله تعالى أو أزال أوساخه؛ فإنه لا يحنث؛ لأن الشرع لا يطلق الصلاة على الدعاء، ولا التطهير على التنظيف فإذا صلى الظهر أو توضأ مثلاً فإنه يحنث.
[مسألة]
إذا لم يوجد شيء مما ذكر فالمعتبر المقصد اللغوي فمن حلف لا يركب دابة أو لا يلبس ثوبًا، وليس لهم عرف في دابة معينة ولا في ثوب معين، بل لفظ الدابة يطلق عندهم على معناه لغة، وهو كل ما يلبس فإذا ركب تمساحًا أو لبس عمامة، فإنه يحنث لأنه المدلول اللغوي، وكذا من حلف لا يصلي ولفظ الصلاة عندهم إنما يطلق على معنى اللغوي، فإنه يحنث إذا دعا الله تعالى إذ الدعاء صلاة لغة وبهذا تعلم فائدة التقييد بقوله فيما تقدم إن كان المتكلم صاحب شرع. اهـ در بزيادة من دس وتوضيح.
[مسألة]
إذا أطلق في يمينه ولم يوجد بساط ولا عرف قولي، ولا غير ذلك مما تقدم وكانت صيغته صيغة حنث، فإنه يحنث بفوت المحلوف عليه لغير مانع كما إذا حلف ليطأها الليلة فتركه اختيارًا حتى فاتت الليلة بل ولو لمانع شرعي أو عادي، فالمانع الشرعي كمن حلف ليطأن زوجته الليلة؛ فنزل عليها الحيض أو تبين أنها حائض؛ فإنه يحنث إن لم يطأ ولو لم يفرط؛ فإن وطئها حال الحيض ففي بره وحنثه قولان، فالقول بالبر حملاً للفظ على مدلوله لغة، والقول بعدم البر حملاً له على مدلوله شرعًا والمعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا يعني أنه غير معتد به في نحو الإحصان، وتحليل المبتوتة أو غير مأذون فيه وإلا فهو يسمى وطئًا شرعًا ويوجب الغسل والحد والمهر ونحو ذلك، وأما إذا حلف ليطأنها ولم يقيد بالليلة فلا يحنث بحيضها بل ينتظر طهرها في المستقبل ويطؤها هذا هو الصواب كما في بن والرماصي خلافًا لما يفيده كلام عبق من الحنث مطلقًا، ومن أمثلة الشرعي من حلف ليبيعن أمته فتبين أنها حامل منه فإنه يحنث، هذا مذهب المدونة في المسألتين وفرق ابن القاسم وابن دينار في مسألة الحيض بين أن يمضي زمن يمكنه فيه الوطء، فيحنث وبين أن لا يمضي زمن يمكنه فيه الوطء فلا يحنث، وخالف سحنون في مسألة بيع الأمة فقال: إن تبين أنها حامل لا يحنث ولم يعتمدوا كلاً منهما ومن أمثلته أيضًا ما لو حلف إنسان من أولياء المقتول ليقتصن من الجاني فعفى عنه بعض آخر من المستحقين أو تبين أنه عفى عنه قبل الحلف فإنه يحنث في هذه وفي مسألة بيع الأمة المتقدمة مطلقًا أقت بوقت أم لا؟
стр. 88
فرط أم لا والمانع العادي كمن حلف ليلبسن هذا الثوب فسرق قبل أن يلبسه أو غصب أو حلف ليذبحن هذا الحيوان وليأكلن هذا الطعام فسرق أو غصب كل منهما قبل الأكل، وقبل الذبح؛ فإنه يحنث إن تأخرت السرقة أو الغصب عن اليمين مطلقًا أقت أم لا فرط أم لا، وأما إذا تقدمت السرقة أو الغضب أو اليمين فلا حنث مطلقًا أقت أم لا فرط أم لا؟ (١) ومعني أقت أي جعل للمحلوف عليه وقتًا بأن حلف لألبسن الثوب في هذا اليوم مثلاً، وأما إن كان المانع من فعل المحلوف عليه عقليًا، فلا يحنث كما إذا حلف ليذبحن هذه الشاة مثلاً فماتت عقب اليمين أو تأخر موتها، ولم يحصل منه تفريط وإلا بأن فرط مع التأخير حتى ماتت حنث، والحاصل أن المحلوف عليه إذا فات لمانع عقلي، فإما أن يكون الحالف قد عين وقتًا لفعله أم لا فإن كان قد عين وقتًا كقوله: لأذبحنها في هذا الشهر فماتت فيه لم يحنث ما لم يضق الوقت، ويفرط وإلا حنث، وإن كان لم يؤقت فلا حنث إن حصل المانع عقبه، أو تأخر بلا تفريط فإن فرط مع التأخير حتى فات فالحنث وقد نظم ذلك الأجهوري فقال:
إذا فات محلوف عليه لمانع ... فإن كان شرعيًا فحنثه مطلقًا
كعقلي أو عادي إن يتأخرًا ... وفرط حتى فات دام لك البقا
وإن أقت (٢) أو قد كان منه تبادر ... فحنثه بالعادي لا غير مطلقًا
وإن كان كل قد تقدم منهما ... فلا حنث في حال فخذه محققًا
ومن أمثلة العقلي ما إذا حلف ضيف على رب دار أنه لا يذبح له فتبين أنه ذبح له أو حلف ليفتضن زوجته فوجد عذرتها سقطت فلا حنث فيهما؛ لأن رفع الواقع وتحصيل الحاصل محال عقلاً. اهـ ملخصًا من در ودس والخرشي والأمير بتوضيح.
[مسألة]
إن قال: والله لأدخلن الدار في شهر رجب مثلاً ثم عزم على عدم الدخول قبل مضيه لا يحنث؛ لأن صيغة الحنث المؤجل، لا يحنث فيها إلا إذا فات الأجل، وأما صيغة البر فلا يحنث فيها بالعزم على الضد كما إذا قال: والله لا أكلم زيدًا ولا يحنث إلا إذا كلمه بالفعل، وأما صيغة الحنث المطلق كما إذا قال: والله لأدخلن الدار أو إن لم أخل الدار فأنت طالق ثم عزم على عدم دخول الدار فطريقة ابن المواز وابن شاس في الجواهر وابن الحاجب والقرافي الحنث ومشى عليها سيدي خليل، وقال غيرهم غاية ما في المدونة أن الحالف بصيغة الحنث المطلق له تحنيث نفسه بالعزم على الضد ويكفر، ولا يتحتم الحنث إلا بفوات المحلوف عليه، فله أن يرجع ليمينه ويبطل العزم كما لو قال: إن لم أتزوج فعلي كذا ثم عزم
стр. 89
على ترك الزواج فله الرجوع للزواج، وإبطال عزمه ولا يلزمه شيء مما حلف به ما لم يكن المحلوف به طلاقًا وإلا لزمه بمجرد العزم على الضد، وتحنيث نفسه ولا يتأتى له الرجوع انظر حاشية المجموع، واختار الرماصي هذا الطريق كذا في دس، ولكن في حاشية الخرشي أنه لا يحنث بالعزم على الضد في الطلاق فأولى اليمين بالله، ونص الحاشية، والذي في المدونة ومن قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن لم أتزوج عليك فأراد أن لا يتزوج عليها فليطلقها طلقة ثم يرتجعها فيزول يمينه ولو ضرب أجلاً كان على بر وليس له أن يحنث نفسه قبل الأجل وإنما يحنث إذا مضى الأجل، ولم يفعل ما حلف. انتهى ما في المدونة ومقتضاه أنه لا يقع الطلاق بمجرد العزم قاله بعض شيوخنا وإذا كان لا يحنث بالعزم في الطلاق فأولى اليمين بالله. اهـ فالدسوقي اختار ما في المجموع دون ما في حاشية الخرشي ومن حلف لا يتزوجن لا يبر في حلفه إلا إذا نكح امرأة نكاحًا صحيحًا لا يستحق الفسخ وكانت تشبه أن تكون من نسائه ولا يكفي في البر العقد فقط بل لا بد من الوطء فإن كان حلفه ليتزوجن عليها فلا يبر إلا بما تشبه زوجته، فإن تزوج بما يفسخ نكاحها أو بما لا تشبه زوجته أو نساءه وكان حلفه غير مقيد بأجل فيحنث إن عزم على الضد وإن أجل فيحنث إذا مضى الأجل. اهـ من الخرشي بزيادة من عدوي.
[مسألة]
إذا حلف لا يأكل في غد فأكل فيه نسيانًا فإنه يحنث على المعتمد وخلافًا لابن العربي والسيوري وجمع من المتأخرين حيث قالوا: بعدم الحنث بالنسيان وفاقًا للشافعي، ولو حلف بالطلاق ليصومن غدًا فأصبح صائمًا ثم أكل ناسيًا فلا حنث عليه كما في سماع عيسى وذلك لأنه حلف على الصوم وقد وجدوا الذي فعله نسيانًا وهو الأكل لا يبطل صومه؛ لأن الأكل في التطوع لا يبطله، وهذا الصوم تطوع بحسب الأصل فلما لم يبطل صومه لم يحنث، ومثل النسيان الخطأ والغلط، فمثال الخطأ حلف لا يدخل دار فلان فدخلها معتقدا أنها غيرها فإنه يحنث ومن أمثلة الخطأ ما إذا حلف لا يتناول من زيد دراهم فتناول منه ثوبًا تبين أن فيه دراهم فإنه يحنث، وقيل: بعدم الحنث وقيل: يحنث إن كان يظن أن فيه دراهم قياسًا على القطع في السرقة، وإلا فلا حنث. انظر الحطاب ومثال الغلط حلف أنه لا يكلم زيدًا فكلمه معتقدًا أنه عمرو وكحلفه لا أذكر فلانًا فأراد ذكر غيره فجرى ذكره على لسانه غلطًا فلا يحنث؛ لأن الصواب أن الغلط اللساني لا حنث فيه وما وقع في كلامهم من الحنث بالغلط فالمراد به الغلط الجنائي وهو الخطأ لا اللساني. اهـ ملخصًا من در ودس.
[مسألة]
إن قال: والله لأدخلن الدار فأكره على عدم دخولها ومنع منه قهرًا ولو من غير عاقل فإنه يحنث وعليه الكفارة؛ لأن يمينه وقعت على حنث وأما إن وقعت على بر كقوله والله
стр. 90
لا أكلم زيدًا ولا أدخل داره في هذا الشهر فأكره على الفعل فكلمه أو دخل داره قهرًا فإنه لا يحنث لكن بقيود ستة أن لا يعلم بأنه يكره على الفعل قبل الحلف وإلا حنث لأنه داخل عليه في يمينه وأن لا يأمر غيره بالكراهة له، وأن لا يكون الحالف على شخص بأنه لا يأكل مثلاً هو المكره له (١) على الأكل وإلا حنث، لأنه ظاهر أنه طوع في هذين الأخيرين وأن لا يكون الإكراه شرعيًا وإلا حنث؛ لأن الإكراه الشرعي كالطوع كوالله لا أدخل المسجد ثم حبسه فيه القاضي لدعوى توجهت عليه وكحلفه أن لا يدفع ما عليه من الدين في هذا الشهر فأكرهه القاضي على الدفع لكونه موسرًا، وأن لا يفعل ثانيا طوعًا بعد زوال الإكراه وأن لا تكون يمينه لا يفعله طائعًا ولا مكرهًا وإلا حنث، بقي ما لو حلف على زوجته بالطلاق مثلاً أن لا تخرج من الدار فخرجت لسيل أو هدم أو أمر شديد لا يمكنها الفرار معه أو أخرجها صاحب الدار لكون مدة الكرى قد انقضت أو نودي على فتح قذر وهي حامل أو مرضع فخرجت لخوفها على رضيعها أو على ما في بطنها كما يقع في مصر عند إرادة نزح الكنف فينادي شخص ليعلم الناس بذلك لتخرج الحامل ونحوها ففي سماع ابن القاسم عن مالك لا حنث عليه في هذه الفروع واستصوبه بن لخروجه عن نيته حكمًا لو سئل على قاعدة البساط المتقدم وفي عبد الباقي ويحتمل الحنث لأنه كالإكراه الشرعي؛ لأن الخروج واجب شرعًا وفي مثل هذا ورده بن بأنه غير صحيح لمخالفته للنص. اهـ ملخصًا من در ودس بتوضيح.
[مسألة]
إذا حلف ليصومن غدًا فمرض ولم يقدر على الصوم حنث وأما إن ظهر أنه عيد فإنه لا يحنث؛ لأن بساطه إن كان يصام فكأنه قال: لأصومن غدًا إن كان يصام نقله السيد عن عج عن ابن عرفة. اهـ من حاشية الأمير على عبد الباقي بتوضيح.
[مسألة]
إذا حلف لا آكل هذا الرغيف أو هذا الطعام فأكل بعضه ولو لقمة حنث وهذا في صيغة البر وأما في صيغة الحنث نحو: والله لآكلن هذا الرغيف أو هذا الطعام أو إن لم آكله فهي طالق فلا يبر بفعل البعض ومن حلف أن لا يلبس هذا الثوب حنث بإدخال طوقه في عنقه، ومن حلف لا يصلي حنث بالإحرام، ومن حلف لا يصوم حنث بالأصباح ناويًا، ولو أفسد الصلاة بعد الإحرام أو الصوم بعد الأصباح، ومن حلف لا يركب حنث بوضع رجله في الركاب ولو لم يستقر على الدابة حيث استقل عن الأرض ومن حلف إن وضعت ما في بطنك فأنت طالق فوضعت واحدًا وبقي واحد حنث بوضع أحدهما، ومن حلف لا يطؤها حنث بمغيب الحشفة، وقيل بالإنزال، ولم يلتفتوا في هذا للحنث بالبعض، كأنه لتعويل الشارع في أحكام الوطء على مغيب الحشفة، ومن حلف لا يدخل الدار لم يحنث بإدخال رأسه بخلاف رجله، والأظهر إن اعتمد عليها، ومن حلف ليقرأن
стр. 91
القرآن اليوم أو سورة فقرأ ذلك، ثم إنه أسقط حرفًا فإن علم أنه يسقط مثل ذلك حلف عليه، وله ما نوى وإن جاء بما لا يعرف من الخطأ الكثير، أو ترك سورة فهو حانث، وقال مالك في من حلف ليتزوجن على امرأته امرأة يمسكها سنة فتزوج امرأة أمسكها أحد عشر شهرًا ثم ماتت فإنه يتزوج غيرها ويبتدئ السنة، وقال سحنون: يجزئه أن يمكث مع الثانية بقية السنة، وقال شيخنا وغيره: إذا حلف على شخص إن يأكل فإن كان حلف عليه في آخر الأكل فلا يبر الحالف إلا بثلاث لقم وإن كان في أوله فلا يبر إلا يبر إلا بشبع مثله.
(فرع)
لو حلف ليجلسن في بقعة من الجنة بر بجلوسه في الروضة المشرفة، قلت: وورد في مجالس الذكر أنها رياض الجنة، وقبور المؤمنين، فإن نوى الحقيقة حنث، أفاد هذه المسائل الأمير على عبق.
[مسألة]
إذا حلف شخص لمن عليه دين لا فارقتك أو لا فارقتني حتى تقضيني حقي ففر منه، ولو لم يفرط بأن انفلت منه كرهًا عليه فإنه يحنث، قال العلامة الأمير إن قلت: فراره إكراه في برأي والإكراه في البر لا حنث به قلت هو في المعنى حنث أي لألزمنك. اهـ بتوضيح وكذا يحنث في هذه المسألة إن أحال المدين الحالف فرضي بالحوالة، وترك سبيله فيحنث بمجرد قبولها ولو لم تحصل مفارقة من الغريم؛ لأن القبول بمنزلة المفارقة ولو قبض الحق بحضرة الغريم، وما ذكره المصنف من الحنث بالحوالة، وعدم الاكتفاء بها خلاف عرف مصر الآن من الاكتفاء بالحوالة، ومعلوم أن الأيمان مبنية على العرف. اهـ دس.
[مسألة]
إن حلف لا أكلمه فإنه يحنث بإرسال رسول كلام إن بلغ للمحلوف عليه، وكذا إذا كتب له كتابًا فإنه يحنث إن وصل للمحلوف (١) عليه بأمر الحالف سواء كان عازمًا حين كتابته أو إملائه أو الأمر بكتابته أم لا وإن أوصل بغير أمر الحالف بأن دفعه الحالف للرسول ثم بعد ذلك رده عن إيصاله للمحلوف عليه فعصاه، وأوصله إليه فلا يحنث الحالف لا بإيصاله ولا بقراءته على المحلوف عليه وكذا لا يحنث إذا لم يصل للمحلوف عليه، ولو كان عازمًا عليه حين الكتابة بخلاف الطلاق، فإنه يقع بمجرد الكتابة عازمًا عليه؛ لأن الطلاق يستقل به الزوج بلا مشافهة، فلا يتوقف على حضور الزوجة ولا مشافهتها بخلاف الكلام فإنه يتوقف على ذلك، ثم إنه إذا ادعى أنه نوى لا أكلمه مشافهة ووصول الكتاب وإبلاغ الرسول ليس فيهما مشافهة فتقبل نيته في الرسول مطلقًا في الفتوى والقضاء لموافقة نيته لظاهر لفظه، ولا تقبل في وصول الكتاب في العتق المعين والطلاق؛ لأن نيته مخالفة لظاهر لفظه؛ لأن الكلام شامل للغوي والعرفي بخلاف كلام الرسول فإنه لم يحصل به كلام لا لغة ولا عرفًا
стр. 92
فإذا قال: إن كلمته فهي طالق أو فعبدي حر ثم أرسل له كلامًا مع رسول وبلغه له وادعى أنه نوى المشافهة قبل منه في الفتوى والقضاء، وأما إن أرسل له كتابا ووصله ثم ادعى المشافهة لم يقبل عند الرفع للحاكم في خصوص العتق المعين والطلاق لحق العبد والزوجة. اهـ ملخصًا من در ودس.
[مسألة]
إن حلف أن لا يكلمه ثم رأى شخصًا فسلم عليه معتقدًا أنه غيره فتبين أنه هو فإنه يحنث ولا يقال إن هذا من اللغو، ولا حنث فيما يجري فيه اللغو لأنا نقول إن الاعتقاد هنا ليس متعلقا بالمحلوف عليه حتى يكون لغوا بل بغيره؛ لأن الاعتقاد تعلق بزيد فتبين أنه غيره (١) وزيد ليس محلوفًا عليه بل المحلوف عليه عدم الكلام وقوله معتقدًا أنه غيره وأولى ظانًّا أو شاكًّا أو متوهمًا أنه غيره، وأما عكس هذه المسألة وهو لو كلم رجلا يظنه المحلوف عليه فإذا هو غيره لم يحنث ولو قصده كما ذكره الشارح أي بهرام في كبيره وشامله ولا يقال هذا فيه العزم على الضد وهو يوجب الحنث لأنا نقول العزم على الضد إنما يوجب الحنث في صيغة الحنث فقط ومن هذا يعلم أن الحنث وعدمه منوطان بها تبين لا باعتبار الاعتقاد ومن ذلك لو قال: امرأته طالق ما له مال وقد ورث قبل يمينه ما لا يعلم به فيحنث إلا أن ينوي في يمينه أعلمه فلا حنث. اهـ ويؤخذ منه أن من قال عبد فلان حر وانكشف الأمر أنه ورثه قبل أن يقول هذا القول فإنه يعتق عليه، ولم ير هذا منصوصًا، وكذا يحنث إذا سلم على جماعة فتبين أن المحلوف عليه فيهم، وأولى إن كان عالمًا بذلك إلا أن يحاشيه أي يخرجه منهم بقلبه قبل السلام عليهم، وكذا إن أخرجه بقلبه في أثناء السلام كما تقدم في مسألة أيمان المسلمين تلزمني، وهو المعتمد ومقابله أن الإخراج بالنية حال اليمين لا ينفع. اهـ ملخصًا من در ودس.
[مسألة]
إذا حلف بالطلاق أو بغيره أنها لا تخرج إلا بإذنه فأذن لها وخرجت بعد إذنه لكن قبل علمها بالإذن؛ فإنه يحنث سواء أذن لها وهو حاضر أو في حال سفره أشهد على الإذن أم لا وكذا يحنث بتركها عالمًا بخروجها بغير إذنه؛ لأن مجرد علمه لا يعد إذنًا فلا بد من الإذن الصريح، وأولى أن يعلم ويؤخذ من هذه المسألة ما أفتى به بعض الشيوخ فيمن حلف غريمه أنه لا يسافر من هذه البلد إلا بإذنه فسافر مصاحبًا له من غير إذنه أنه يحنث، لأنه خرج بغير إذنه، وذلك أنه ربما كان له غرض في بقائه، فإن كان البساط خوف هروبه وقد أمن بكونه معه فلا حنث، وأما إذا حلف لا يأذن لها في الخروج إلا لبيت أبيها مثلاً فأذن لها في ذلك فزادت عليه بأن ذهبت لغيره قبله أو بعده، أو اقتصرت على غيره من غير علم حال الزيادة فلا شيء عليه، وأما لو زادت وهو عالم بزيادتها ولم يمنعها فإنه يحنث؛ لأن علمه كإذنه وقد حلف أن لا يأذن لها في ذلك الزائد، وأما علمه بعد فعلها الزيادة فلا
стр. 93
يوجب حنثه وأما لو حلف لا خرجت إلا بإذني فأذن لها في أمر فزادت فالحنث مطلقًا علم بالزيادة أو لم يعلم ثم إنه إذا قال لها: لا تخرجي إلا بإذني وبعد ذلك قال لها: اخرجي حيث شئت فإنه تنحل يمينه إلا أن يقصد التهديد على حد قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ فليس إذنًا فلا تنحل اليمين، وأما إذا قال: لا تخرجي إلى موضع أو إلى موضع من المواضع إلا بإذني فليس قوله لها: اخرجي حيث شئت إذنًا معتبرًا فيهما على المعتمد، لأنه لما قيد بإلى موضع أو إلى موضع من المواضع دل على أن مراده لا بد من إذنه لها في الخروج إذنًا خاصًّا في كل منهما، وأما إذا حلف: لا تخرج إلا بإذنه وأذن لها ثم رجع فخرجت؛ فمذهب ابن القاسم يحنث، ومذهب أشهب لا يحنث، وخرجا على ما إذا شرط لامرأته أن لا يخرجها من بلدها إلا برضاها فرضيت، وأخرجها ثم طلبت الرجوع فإنه لا يلزمه خلاف قول ابن القاسم أنه يلزمه أن يرجعها. اهـ ملخصًا من عبق والأمير وعدوي ودس.
[مسألة]
إذا حلف لا يعير زيدًا فوهبه أو تصدق عليه، أو حلف لا يهبه فتصدق عليه، فإنه يحنث؛ لأن قصده عدم نفعه ولا ينوي في الطلاق والعتق المعين إذا رفع للقاضي مع بينة أو إقرار في هذه الصور الثلاث، وأما إذا حلف لا يتصدق عليه أو لا يهبه فأعاره أو حلف لا يتصدق عليه فوهبه فإنه يحنث ولكن ينوي في هذه الصور الثلاث مطلقًا حتى في الطلاق والعتق المعين مع المرافعة للقاضي، وأما عند المفتي فينوي حتى في الطلاق والعتق المعين في الصور الست. اهـ در بتوضيح.
[مسألة]
إن حلف لزيد لأقضينك حقك في شهر رمضان مثلاً فلما قضاه دينه فيه استحق بعض الدين من يده وأولى كله؛ فإنه يحنث ولو كان البعض الباقي يفي بالدين، وذلك لأنه رضي في حقه إلا بالكل فلما ذهب البعض انتقض الرضا، وهذا في القضاء بغير الجنس، وظاهره الحنث بالاستحقاق ولو أجاز المستحق أخذ رب الحق ذلك الشيء المقتضى به الدين الذين استحقه وهو كذلك، ولكن الحنث مقيد بقيدين، الأول: أن يقوم رب الدين به بعد الاستحقاق، وأن يكون قيامه بعد الأجل الذي حلف المدين ليقضين الدين فيه لربه، وكذا يحنث إذا قضى دينه في ذلك الأجل فظهر به عيب قديم يوجب الرد، ولكن الحنث هنا مقيد بقيود ثلاثة القيدين المتقدمين في مسألة الاستحقاق، وهما أن يقوم رب الدين به بعد وجود العيب، وأن يكون قيامه بعد الأجل، والثالث أن يكون العيب موجبًا للرد؛ فإن سامح رب الدين ولم يقم به لم يحنث الحالف، وإن قام رب الدين به قبل الأجل فلا حنث إن أجاز وكذا إن لم يجز واستوفى حقه قبل مضي الأجل وإلا بأن مضى الأجل حنث وكذا يحنث إذا وهب رب الدين للمدين الحالف ما في ذمته فقبل الهبة ولكن إن دفعه لربه بعد القبول وقبل الأجل ثم يرجع به عليه لا يحنث فقول الدردير تبعًا لعبد الباقي ولا ينفعه دفعه لربه بعد القبول لا يسلم به الحق
стр. 94
أنه ينفعه وكذا يحنث أن دفع قريب المدين مثلا الدين عن المدين الحالف بلا إذنه سواء دفع ذلك القريب من مال نفسه أو من مال الحالف لكن إن علم الحالف قبل مضي الأجل بدفع القريب ورضي بدفعه عنه بر؛ لأن علمه ولرضاه منزل منزلة دفعه لكن الحنث بدفع القريب محمول على قريب غير وكيل أو وكيل تقاضى لدينه الذي على الناس أو وكيل ضيعة (١) أو وكيل بيع أو شراء أما لو كان وكيل قضاء للديون التي عليه أو كان مفوضا فإنه يبر بدفعه أمره أم لا علم بذلك وسكت أم لا، وكذا يحنث إذا تذكر بعد الحلف أن رب الدين قبضه أو قامت له بينة بالقضاء ولا يبر بذلك ولا يبر إلا بدفع الحق لربه ولم يعولوا هنا على البساط وإلا فمقتضاه لا حنث حينئذ وإذا دفعه فإن شاء رجع به وإن شاء لم يرجع فإن دفع الحق لربه فأبى وقال: لا حق لي فاستظهر عج جبر رب الحق على قبوله لأجل أن يبر الحالف. اهـ ملخصًا من در ودس.
[مسألة]
إن حلف لا يأكل شيئًا من طعام زيد ثم إن زيدًا أعطى رغيفًا لولد الحالف فأكل منه ذلك الحالف فإنه يحنث ولو لم يعلم أن ذلك الرغيف من عند زيد خلافا لسحنون القائل بعدم الحنث عند عدم العلم ولكن حنث الحالف مقيد بقيدين الأول إن كانت نفقة الولد على أبيه الحالف، والثاني إن كان المدفوع للولد يسيرًا، ولو الذي لا ينتفع به إلا في الوقت كالسكرة، فإن كان الولد لا نفقة له على أبيه فلا حنث، وإن كان المدفوع للولد كثيرًا فلا حنث إذ ليس للأب رد الكثير أي أنه لا مصلحة في رده فهو ملك للولد بخلاف اليسير فإنه لما كان للأب رده كان باقيًا على ملك ربه، فكان الحالف أكل من الطعام المحلوف عليه، وبذلك يعلم أن كسوة الولد ليست كالطعام، فإذا حلف لا ألبس ما يكسوه لي زيد ثم إن زيدًا كسا ولد الحالف ثوبًا مثلاً فلبسه الأب الحالف فلا يحنث، لأنه من الكثير الذي ليس له رده، كذا قاله عج، والعبد كالولد إلا أن الحالف يحنث بأكله مما دفع لعبده ولو كثيرًا بخلاف الوالدين اللذين تجب نفقتهما على الحالف فلا يحنث بأكله مما دفع لهما سواء كان قليلاً أو كثيرًا لأنه ليس له رده؛ لأن الوالدين ليس محجورًا عليهما للولد، ومثل الوالدين ولد الولد لعدم وجوب نفقته عليه. اهـ ملخصًا من در ودس وعدوي.
[مسألة]
إن حلف لا أكلمه أيامًا لزمه ترك الكلام في ثلاثة من الأيام ولا يحسب يوم الحلف من الأيام الثلاثة حيث سبق بالفجر لكنه لا يكلمه فيه، فإن كلمه فيه حنث وقيل: إن يوم الحلف لا يلغى به يكمل (٢) بقيته من اليوم الذي يلي اليومين
стр. 95
الصحيحين وظاهر ما في كتاب النذور وترجيحه وكلام بعض الشراح يقتضي ترجيح القول الأول وكذا يلزمه ترك الكلام معه في ثلاثة أيام إذا قال: لأهجرنه على الراجح فإنه الهجر الشرعي وقيل: يلزمه شهر رعيًا للعرف. اهـ ملخصًا من در ودس.
[مسألة]
إذا أعلم زيد خالدًا بأمر واستحلفه على كتمانه فحلف خالد ثم إن زيدًا أسره لغيره فأسره ذلك الغير لخالد وأخبره به فقال خالد للمخبر له ما ظننت أن زيدًا قال ذلك الأمر لغيري فإنه يحنث بذلك فتزل، قوله: ما ظننته قال لغيري منزلة الأخبار ولو لم يقصده وينبغي أنه إذا كان البساط عدم الفشو مثلاً، ففشى من غيره أنه لا يحنث، ثم إن ما هنا من الحنث بالمفهوم فيؤخذ منه قوة الحنث في الفرع الذي ذكره الحطاب آخر الباب، وهو حلف لا ألعب معك إلا هذا الدست من الشطرنج فخلطه شخص عليهما فحنثه الشافعية وجماعة بناء على أن الاستثناء من النفي إثبات ولم يحنثه الطرطوشي بناء على أن المستثنى مسكوت عنه، كيف وقد قيل: إنه منطوق، وفي ابن قاسم على جمع الجوامع حلف لا يلبس ثوبًا إلا الكتان لا يحنث بترك اللبس أصلاً إما لأن الأيمان على العرف؛ لأن المراد في العرف إن لبست لا ألبس إلا الكتان، أو معنى الاستثناء من النفي إثبات أنه أخرجه من المنع باليمين وأثبت له الإباحة والتخيير لا الوجوب فلينظر. اهـ من المجموع بزيادة من حاشية عبق وتوضيح وقوله وفي ابن قاسم كالتعقيب والاعتراض على قول الحطاب فحنثه الشافعية، وكأنه يقول: كيف نسبة هذا للشافعية مع ما قاله ابن قاسم على جمع الجوامع من عدم الحنث. انظر ضوء الشموع.
[مسألة]
إذا حلف لزوجته لا أكلمك حتى تفعلي كذا ثم قال عقب حلفه: اذهبي يحنث؛ لأن قوله: اذهبي كلام قبل الفعل، بخلاف ما إذا حلف بطلاق أو غيره، أنه لا يكلم زيدًا إلا أن يبدأه بالكلام فقال له زيد: إذًا والله لا أبالي بك، فإن هذا لا يكون تبدئة معتدًا بها في حل اليمين، فإن كلمه قبل صدور كلام غير هذا حنث، وإنما لم يجعل لا أبالي بك كلامًا ولو كرره لأنه في جانب البر، وهو لا يحصل إلا بكلام معتد به وجعل ابن قاسم قوله: اذهبي كلامًا فحنثه لأنه في جانب الحنث وهو يحصل بأدنى سبب خلافًا لابن لبابة فلم يحنثه، وقد اختصما في ذلك عند مالك كما في السيد. اهـ ملخصًا من عبق والأمير ودس.
[مسألة]
إن قال البائع للمشتري حين البيع أنا حلفت لا أبيع لفلان وأخشى أنك تشترى له بالوكالة فقال: الشراء لي لا لفلان ثم بعد تمام البيع قال المشتري: اشتريت لفلان المحلوف عليه فلا يحنث إلا أن يثبت بالبينة أنه اشتراه لفلان فيحنث والبيع لازم للحالف مع الحنث ما لم يقل الحالف: إن كنت تشتري له فلا بيع بيني وبينك، لم يحنث ولم يلزم البيع على المعتمد وهو قول اللخمي.
стр. 96
والتنوسي، ومقابله أن البيع لازم والشرط باطل، ويحنث إذا علمت أنه إذا قال: الشراء لي، ثم قال: اشتريت لفلان ولم يثبت ذلك لم يحنث أي لكون الوكيل غير مصدق فيما يدعيه، ولا يخفى الورع أو ليس أنه قد قيل كما في الرضاع، ومثله كما نقله شيخنا السيد البليدي عن شيخه سيدي محمد الزرقاني، إذا حلف على زوجته بالطلاق أنها لا تدخل حماما مثلا، فقالت له بعد ذلك: دخلته فلا تصدق ولا يحنث إلا إذا ثبت بالبينة. اهـ ملخصا من در ودس.
[مسألة]
إن حلف بطلاق أو غيره لأقضينك دينك إلى رمضان مثلا، إلا أن تؤخرني فمات رب الحق المحلوف له قبل الأجل، وأجله الوارث أجلا ثانيا فلا يحنث بفراغ الأجل الأول من غير قضاء على المعتمد، ثم إن ما ذكر من عدم الحنث مقيد بما إذا كان الوارث رشيدا وكان الميت ليس عليه دين وإلا حنث، ومن ذلك ما إذا مات المورث المظلوم فلوارثه ثواب أيضا في ذلك الظلم لانتقال الحق له وهو أظهر الأقوال في البدر والسيد. اهـ ملخصا من عبق والأمير.
[مسألة]
حلف لزوجته على قطعة لحم لتأكلنها (١) فخطفتها هرة عند مناولته إياها وابتلعتها، فشقت الزوجة جوف الهرة، وأخرجتها قبل أن يتحلل في جوفها منها شيء وأكلتها، وحصل توان من الزوجة في أخذ القطعة من زوجها حين خطفتها الهرة، والمراد بالتواني أن يمضي زمن بقدر التناول ولا يشترط الزيادة على ذلك، هذا هو الصواب، فالراجح الحنث، فإن لم تتوان في أخذها لم يحنث قطعا، ولو لم تشق الزوجة جوف الهرة، ولم يجروا هذا على المانع العادي حيث حنثوه فيه مطلقا؛ إذا حلف ليأكلن هذا الطعام فسرق قبل الأكل سواء أقت أم لا، فرط أم لا، كما تقدم، ومن حلف على طعام ليأكلنه فأكله بعد فساده؛ قولان إلا أن يتوانى فالحنث على الأظهر. اهـ مجموع بتوضيح.
[مسألة]
حلف لا يكسوها هذين الثوبين، ونيته أنه لا يكسوها الثوبين معا، ففي المدونة أنه يحنث، واستشكل عدم قبول نيته بأنها مساوية للفظه، والنية المساوية للفظ تقبل مطلقا في الفتوى والقضاء، ولو بطلاق وعتق معين مع المرافعة كما تقدم، وأجيب بأنا لا نسلم مساواة نيته للفظه بل نيته مخالفة للفظه؛ لأن قوله لا كسوتها إياهما كما يحتمل لا كسوتها إياهما جميعا يحتمل لا كسوتها بكل واحدة منها على انفرادها، فبهذا الاعتبار صارت النية مخالفة لظاهر اللفظ، والنية إذا كانت كذلك تقبل عند المفتي مطلقا، كانت اليمين بالله أو بغيره، ولا تقبل عند القاضي مع المرافعة إذا كانت اليمين بطلاق أو عتق معين. اهـ من دس.
[مسألة]
إذا وضع مالا في مكان أو دفنه فيه، ثم طلبه فلم يجده لنسيان المكان الذي دفنه أو وضعه فيه فحلف لقد أخذتيه، ثم أمعن النظر ثانيا فوجده في مكانه الذي دفنه فيه، أو أنها أخذته فإن كان حين الحلف معتقدا أنها
стр. 97
أخذته أو ظانا أو شاكا، فلا يحنث سواء كان الحلف بطلاق أو غيره؛ لأن المعنى إن كان ذهب فقد أخذتيه وقد ظهر أنه لم يؤخذ، أو أنها أخذته، وأما إن كان حين اليمين جازما بعدم الأخذ فيقع الطلاق سواء تبين أنه في موضعه أو أنها أخذته، ولا يقع اليمين بالله لأنه غموس لا كفارة فيه في هاتين الصورتين، وأما إن تبين أن غيرها أخذه أو لم يتبين شيء، فإن كان حين الحلف جازما بعدم الأخذ أو ظانا أو شاكا فإنه يقع الطلاق عليه، ولا كفارة في اليمين بالله لكونه غموسا، وأما إن كان حين اليمين في هذا الموضوع جازما بالأخذ أو ظانا ولم يتبين أن أحدا أخذه فلا حنث سواء كان الحلف بطلاق أو غيره، وسيأتي نظر هذا فيما إذا تناقض متحالفان على طائر حلف أحدهما أنه غراب، وحلف الآخر أنه حدأة ولم يتبين شيء فلا حنث عليهما دفعا للتحكم ويدين كل منهما، وإن تبين أن أحدا أخذه والموضوع أنه حلف جازما بالأخذ أو ظانا له حنث إن كان حلفه بغير الله، ولا حنث إن كان اليمين بالله لأنها لغو، هذا تحرير ما تلخص من حاشية الخرشي والدسوقي وضوء الشموع.
[مسألة]
قوله في الحديث: «من كان حالفا فليحلف بالله» فيه رمز إلى أن الأولى التوقي عن اليمين مهابة وتعظيما إلا لمقتض، فإنه إذا أكثر منها ربما خفت مهابتها عليه، فحلف كاذبا، وعليه يحمل ما في سماع القرويين أن عيسى ﵇ قال لبني إسرائيل: كان موسى ﵇ ينهاكم أن تحلفوا بالله؛ إلا وأنتم صادقون، وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله صادقين أو كاذبين، وقال ابن رشد: قول عيسى خلاف شريعتنا، فإنه ﷺ صدر منه الحلف كثيرا، وكان كثيرا ما يقسم "والذي نفسي بيده" "والذي نفس محمد بيده" ﷺ ، وأمره الله به في آية: ﴿قل إي وربي إنه لحق﴾ ﴿قل بلى وربي لتبعثن﴾ وأما و ﴿لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ الآية، فنهى عن الحلف على ترك البر نظير ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم﴾ الآية. اهـ من ضوء الشموع.
[مسألة]
إن قال: بصوم العام لأفعلن كذا، وجعل الصوم مقسما به، كما يقسم بأسماء الله فلا شيء عليه، وكذا إذا قال: صوم العام لا فعلت لا شيء فيه، وكان شيخنا عليه سحائب الرحمة يستعمل ذلك كثيرا يوهم السامع أنه حلف، وأما إن قال: إن كان كذا فعلي صوم العام، فظاهر أنه نذر، يلزم ومن هذا لو قال: بالطلاق أو بالعتاق لأفعلن كذا ولم يفعله، والحال أنه جعل قوله بالطلاق أو بالعتاق مقسما به كما يقسم بالله، ولم يقصد بذلك حل العصمة ولا تحرير الرقبة لا شيء فيه، كما سمعته من شيخنا وهو ظاهر وليس هذا كتعليق الإنشاء، كقوله: إن فعلت كذا فهي حرة، أو زوجتي طالق، فإن هذا يلزم قطعا. اهـ من ضوء الشموع بتوضيح.
[مسألة]
إن قال: ودين الإسلام، فإن أراد به الأحكام الإلهية انعقد وصار يمينا؛ لأنها ترجع لكلام الله وخطابه، وأما إن أراد تدين العباد وطاعتهم لم يلزم، وكذا لا يلزمه شيء إذا قال: وخاتم الصوم الذي على فم العباد، إلا أن يريد به
стр. 98
الحكم الإلهي، فيلزم، وكذا يلزم إذا قال: والذي خاتمه على فمي، إن أراد به الله تعالى، وأما إذا قال: والعلم الشريف، فالمتبادر منه ـ العلوم المدونة فلا يلزمه شيء إلا أن يريد علم الله تعالى أو أحكامه وإلا لزم. اهـ ضوء الشموع بتوضيح.
[مسألة]
إذا قال: إن فعلت كذا أكون داخلا على أهلي زانيا فاسقا، ثم فعل المحلوف عليه يلزمه الطلاق الثلاث كما استظهره في حاشية الخرشي.
[مسألة]
إن حلف لا آكل طعان فلان فاشتريا طعاما اشتركا فيه وأكلاه معا، لا يحنث إن أكل قدر حظه فأقل تنزيلا للأكل منزلة المقاسمة، وإن كانت الشركة شائعة، وفي الحطاب حلف لا يأكل لفلان طعاما فأكله، ولم يعلم بأنه طعام فلان المحلوف عليه، إذا أعطاه ثمنه لم يحنث قرب الأمر أو بعد، قال بن: وهو مخالف لما تقدم من أن الخطأ مثل النسيان في الحنث، أقول: يمكن توجيهه بأنه بدفع الثمن لم يتحتم المن، نعم، الظاهر أنه لا يجبر على قبول الثمن. اهـ من الأمير على عبد الباقي على الجميع سحائب الرحمات.
[مسألة]
كفارة اليمين بالله وما شابهه كعليّ يمين أو كفارة أو نذر إطعام عشرة مساكين مسلمين أحرارا، لكل مد نبوي وهو ملء اليدين المتوسطتين مما يخرج في زكاة الفطر، وندب زيادة على المد بغير المدينة، قال الإمام: الزيادة بالاجتهاد، وقال أشهب: يندب زيادة ثلثه، وقال ابن وهب: نصفه أو رطلان من خبز بالبغدادي وهو أصغر من رطل مصر بيسير، وندب دفع أدم يؤكلان به من نحو لحم أو لبن، ولو كانوا أطفالا استغنوا بالطعام عن اللبن فيعتبر شبعهم ولو لم يساووا الكبير على الأرجح، وفي بن ترجيح أنه يعطي كل واحد مدا أو رطلين من خبز، وإن كانوا كبارا فيكفي شبعهم مرتين شبعا وسطا في كل مرة، كغداء أو عشاء، أو غداءين أو عشاءين، وسواء توالت المرتان أم لا، فصل بينهما بطول أم لا (١)، وسواء أكل كل منهم مدا أو دونه أو أكثر منه، كانوا مجتمعين أو متفرقين، متساوين في الأكل أو مختلفين، ولا بد أن يكون الغداء والعشاء لعشرة بعينها فلا يجزئ أن يغدي عشرة ويعشي عشرة أخرى، والإخراج من غالب قوت البلد على الراجح، وقيل: من قوت المكفر، وقيل: الأعلى منهما احتياطا أو كسوتهم للرجل ثوب يستر جميع بدنه إلى كعبه، أو قريب منه ولو لم يكن على
стр. 99
هيئة القميص كإزار يمكن الاشتمال به في الصلاة، ولا يشترط الجديد بل ما فيه قوة، وللمرأة ثوب وخمار، وتكفي الكسوة ولو كانت من غير وسط كسوة أهل محله، فالمدار على مطلق ساتر، أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، كالتي تجزئ في الظهار، ثم إن عجز وقت الإخراج عن هذه الأمور الثلاثة المخير فيها وهي الإطعام والكسوة والعتق بأن لم يكن عنده ما يباع على المفلس يلزمه صيام ثلاثة أيام وندب تتابعها، فما يفعله الجهلة من التكفير بالصوم مع القدرة على واحد من الثلاثة المتقدمة غير كاف، ولا يجزئ تلفيق من نوعين كإطعام خمسة، وكسوة خمسة، وأما من نوع واحد فيجزئ كخمسة أمداد لخمسة مساكين، ورطلين من خبز لكل من الخمسة الباقية أو شبعهم مرتين. اهـ ملخصا من در ودس والمجموع.
[مسألة]
يجزئ دفع نصف مد مع رطل من خبز لكل من العشرة، أو نصف مد وغداء أو عشاء. اهـ عدوي.
[مسألة]
إذا كان عليه ثلاث كفارات فأطعم عشرة وكسا عشرة وأعتق عشرة، وقصد كل نوع منها عن واحدة فإنه يجزئه، ولو لم يعين لكل يمين كفارة. اهـ عدوي.
[مسألة]
تجب الكفارة بالحنث وأجزأت قبله سواء كان حلفه بنذر مبهم أو باليمين أو بالكفارة أو بالله كانت الصيغة صيغة بر أو حنث، اللهم إلا أن تكون صيغة الحنث مؤجلة فالأحب أن لا يكفر حتى يمضي الأجل كالمنعقدة على بر، وأما المنعقدة على حنث فإنه يخير إن شاء فعل وإن شاء كفر ولم يفعل. اهـ دس باختصار.
باب في النذر
[مسألة]
إن نذر شيئا ولم يقدر عليه سقط ما عجز عنه، وأتى بمقدوره إلا إذا نذر بدنة من الإبل ذكرا أو أنثى وعجز عنها فيلزمه بدلها بقرة، ثم إن عجز عن البقرة لزمه سبع شياه بدل البقرة، ويشترط في كل شاة أن تجزئ ضحية. اهـ من أقرب المسالك.
[مسألة]
إذا نذر قربة بلا تعليق نحو: لله علي عتق عبد أو صوم شهر، لزمه، بل ولو بالتعليق على معصية أو غضبان ومنه نذر اللجاج، وهو أن يقصد منع نفسه من شيء ومعاقبتها، نحو: لله علي كذا إن كلمت زيدا، وهذا من أقسام اليمين عند ابن عرفة، وعلى كل حال يلزمه الذي التزمه، فالخلف لفظي خلافا لليث وجماعة القائلين: إن المعلق على المعصية، واللجاج يلزم في كل كفارة، وقد أفتى ابن القاسم ولده عبد الصمد بهذا
стр. 100
القول وكان حلف بالمشي إلى مكة فحنث، وقال: إني أفتيتك بقول الليث فإن عدت لم أفتك إلا بقول مالك. اهـ ملخصا من أقرب المسالك.
(ما قولكم) في شخص قال: إن فعلت كذا فلله علي صلاة أو صوم أو صدقة أو صوم بعض يوم أو صلاة ركعة أو طواف شوط ثم فعل المحلوف عليه فما يلزمه؟
(الجواب)
قال في الجواهر: إن التزم مطلق الصوم فيلزمه يوم، وإن التزم مطلق الصلاة فركعتان، وإن التزم مطلق الصدقة فأقل ما يتصدق به أي من درهم ونصفه وربعه والفلس والفلسين، وما زاد فهو خير، وأما نذر صوم بعض يوم أو صلاة ركعة أو طواف شوط فيأتي بعبادة كاملة. اهـ عدوي على أبي الحسن وانظر المجموع.
[مسألة]
إن قال: علي نذر أو لله علي نذر يلزمه كفارة يمين لأن النذر المبهم كاليمين كما تقدم.
[مسألة]
إن طلب من شخص شيء فقال: علي فيه شيء لمكة أو صدقة كاذبا ولا يريد إلا منعه من الطالب له، فلا شيء عليه، وأما لو أخبر عن نذر حاصل بنفس قوله: نذرت، فالظاهر اللزوم، وأما إن قال: علي فيه عتق أو طلاق وأقيمت عليه بينة فيلزمه ما ذكر، كذا في الحطاب وهو يفيد أنه إن قال عند المفتي: أنا قلت ذلك كاذبا، يقبل. اهـ مجموع بتصرف.
[مسألة]
إن قال: لله علي نذر إن شئت بضم التاء، فإن النذر يلزم ولا يتوقف على مشيئة، بخلاف ما إذا قال: أنت طالق إن شئت بالضم، فإن الطلاق لا يلزم، والفرق أنه عهد التعلق في الطلاق دون النذر، وأما إن قال: إلا أن يبدو لي، فينفع في رجوعه للمعلق عليه فقط في باب الطلاق، وفي باب النذر، فإن قال: علي الطلاق أو علي نذر إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي، وأراد إلا أن يبدو لي دخولها، ثم بدا له دخول الدار فدخلها، فلا يلزمه طلاق ولا نذر؛ لأنه جعل قوله: إلا أن يبدو لي، راجعا للمعلق عليه فقط، وأما إن جعله راجعا للصيغة فقط، أولها، وللمعلق عليه فلا ينفعه هذا تحقيق المقام كما في حاشية الخرشي وسيأتي في باب الطلاق إن شاء الله تعالى.
[مسألة]
قولهم: النذر إنما يلزم به ما ندب، يرد عليه أنه إن نذر صوم رابع النحر أو الإحرام بالحج قبل زمانه أو مكانه، يلزمه مع أنه مكروه، وأجيب بأن الصوم والإحرام مطلوبان مع قطع النظر عن الزمن وغير مطلوبين عند ملاحظة الزمن، فالنظر متعلق بالصوم والإحرام نظرا للحال الأول. اهـ من عدوي.
[مسألة]
إذا نذر شخص أن يصوم أياما معينة فمرض
стр. 101
مرضا لا يقدر معه على الصوم، أو حصل له جنون أو إغماء أو حصل للمرأة حيض أو نفاس حتى انقضت تلك الأيام سقطت، ولا تقضى لفوات وقت الصوم، وإن زال عذر مما ذكر، وبقي من الأيام شيء وجب صومه، وأما إذا أفطر ناسيا، أو أخطأ الوقت كما إذا نذر صوم يوم الخميس فصام يوم الأربعاء، يظنه الخميس، وأصبح يوم الخميس مفطرا، ثم تذكر فإنه يجب الإمساك والقضاء فيهما، وكذا يجب القضاء والإمساك إذا أفطر مكرها، وزال الإكراه ومال العلامة العدوي لعدم قضائه قائلا: المكره أولى من المريض، وأما إذا أفطر في النذر المعين لأجل السفر فإنه يجب القضاء اتفاقا كذا في أقرب المسالك وشراح سيدي خليل في باب الصوم.
(ما قولكم) في من نذر درهما للصدقة هل يتعين التصدق به أم له أن يتصدق ببدله؟
(الجواب)
في حاشية الأمير على عبد الباقي في الاعتكاف قال ابن رشد: قالوا: إن نذر درهما للصدقة تعين وليس له أن يمسكه ويتصدق بمثله ولا أفضل منه كما إذا نذر صوما أو صلاة بالمساجد الثلاثة، أو ساحل كدمياط، فيلزمه الإتيان إليها، وأما إذا نذر عكوفا بساحل أو عكوفا أو صلاة أو صوما بكالأزهر فلا يلزمه الإتيان بل يفعل ما نذره بموضعه، وانظر لم عينوا التصدق بالدرهم، ولم يعينوا المكان للعبادة، قال ابن رشد: وهذا إشكال لم نزل نورده على القضاة ولم يتحرر لي جواب أرضاه، وأجاب الناصر بأنه ورد النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة، وحمل الانتقال مطلقا عليه فلذلك قلنا: بل يفعل ما نذره بموضعه، ولم يتحقق مثل ذلك في مسألة الدرهم. اهـ بتوضيح.
باب الجهاد
(ما قولكم) في ذمي أراد أن يرفع بناءه على بناء جاره المسلم، هل يمنع من ذلك أم لا؟
(الجواب)
يمنع من ذلك، وفي المساواة قولان، فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، وإذا ملكوا دارا عالية أقروا عليها على المعتمد كما في حاشية الخرشي، والله أعلم.
(ما قولكم في دار الإسلام) هل تصير دار حرب بمجرد استيلاء الكفار عليها وتجب الهجرة منها أم لا؟
(الجواب)
في دس: بلاد الإسلام لا تصير دار حرب بمجرد استيلائهم عليها بل حتى تنقطع إقامة شعائر الإسلام عنها، وأما ما دامت شعائر الإسلام أو غالبها قائمة فيها فلا تصير دار حرب، وفي المعيار قال
стр. 102
زعيم الفقهاء أبو الوليد بن رشد رحمه الله تعالى في أول كتاب التجارة إلى أرض الحرب من مقدماته: ليس فرض الهجرة ساقطا بل الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة، واجبة بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الحرب فلا يقيم حيت تجري عليه أحكام المشركين، بل يهجر دار الحرب، ويلحق بدار المسلمين، ولا يقيم بين أظهر المشركين لئلا تجري عليه أحكامهم، فلا يباح لأحد الدخول إلى ديارهم حيث تجري عليه أحكامهم في تجارة أو غيرها، وقد كره مالك ﵀ أن يسكن أحد ببلد يسب فيها السلف، فكيف ببلد يكفر فيها الرحمن، وتعبد فيها من دونه الأوثان، ومثل وجوب الهجرة على من أسلم بدار الحرب من طرأ عليه الكفر وهو مسلم، قال تعالى: ﴿ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون﴾، وقال تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا﴾ والظالمون أنفسهم في هذه الآية السابقة إنما هم التاركون للهجرة مع القدرة حسبما تضمنه قوله تعالى: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ وقال ﷺ : «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فهو منهم» وقد روى أشهب عن مالك: لا يقيم أحد بموضع يعمل فيه بغير الحق، قال في العارضة: فإن قيل فإذا لم يوجد بلد إلا كذلك قلنا: يختار المرء أقلها إثما مثل أن يكون بلد فيه كفر، فبلد فيه جور خير منه، أو بلد فيه عدل وحرام، فبلد فيه جور وحلال خير منه للمقام، وبلد فيه معاص في حقوق الله فهو أولى من بلد فيه معاص في مظالم العباد؛ والحاصل أن الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام كانت فرضا في أيام النبي ﷺ ، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، وأما الهجرة التي انقطعت بقوله ﷺ يوم فتح مكة: «لا هجرة بعد الفتح» فهي القصد إلى النبي ﷺ بالمدينة، فلما فتح الله مكة سقطت الهجرة، وبقي تحريم المقام بين
стр. 103
أظهر المشركين وبهذا تعلم أنه متى جرت أحكامهم على المسلمين فهي دار حرب، وتجب الهجرة منها، والله الملهم للصواب.
(ما قولكم) في عمل المسلم للذمي هل يجوز أم لا؟
(الجواب)
إن كان المسلم يعمل للذمي ولغيره والحال أن المسلم في محله كحانوته؛ بأن يخيط له ولغيره مثلا، فذلك جائز، وإن استبد بعمل الذمي فمكروه، وإن كان تحت يد الذمي كالخدمة في بيته والإرضاع له فيه فمحظور، بمعنى يحرم حرمة خفيفة، فإن وقعت الإجارة على ذلك فإنها تفسخ، فإن فاتت ومضت فله الأجرة، وأما حمل الخمر له ورعي الخنزير فأشد حرمة، ولذلك تفسخ إن وقعت الإجارة على ذلك، وإن فاتت ومضت تصدق المسلم بالأجرة، وأما الإجارة على بناء دورهم، فإن كانت لمجرد سكناهم دون بيع الخمر فمكروهة، كما يكره كون المسلم مقارضا أو مساقا له، وإن كانت لسكناهم مع بيع الخمر، فحرام كبناء الكنيسة كذا في حاشية الخرشي من باب العارية، والله الموفق.
[مسألة]
لا يجوز إعارة العبد المسلم لخدمة الذمي لما فيه من إذلال المسلم وقد قال تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ ولكن تمضي إذا وقعت، ويجبر الذمي على إخراج المسلم، هذا ما حققه البناني قائلا: لا فرق بين العبد المسلم المعار للذمي والعبد الموهوب له في أن الذمي يجبر على إخراجهما من تحت يده، وتؤاجر له المنافع، أفاده الأمير عن البناني.
(ما قولكم) في شراء أولاد أهل الشرك منهم هل يجوز أم لا؟
(الجواب)
فرع: قال الحطاب: ويجوز شراء أولاد أهل الشرك منهم، قاله في النوادر وظاهره ولو أولادهم؛ لأنه يصدق عليهم أنهم أولاد الشرك. اهـ من حاشية الخرشي.
(ما قولكم) في كفار استولوا على المسلمين في بلاد الإسلام، وأجروا على المسلمين أحكامهم هل يكونون حربيين أم لا، وإذا كانوا حربيين فهل يجوز للمسلم أخذ أموالهم ولو بغير وجه شرعي أم لا أفتونا؟
(الجواب)
الكفار المذكورون حربيون، وأخذ مال الحربي ولو بغير وجه شرعي لقول العلامة الدردير في آخر باب الجهاد من أقرب المسالك وما أخذه لصوص المسلمين من الحربيين فهو لهم حلال ولا يخمس على التحقيق. اهـ قال الرصاع: لأن مال الحربي لا حرمة له، والله أعلم.
كتاب النكاح
[مسألة] يحرم خطبة امرأة راكنة لغير فاسق ولو لم يقدر صداق، وفسخ عقد الثاني
стр. 104
استحبابا إن لم يدخل وإلا فلا فسخ على الصواب إن لم يسامحه الأول، والأصح يستحب الفسخ خلافا لمن قال بوجوب الفسخ كما في دس.
(ما قولكم) في امرأة معتدة من طلاق رجعي عقد عليها شخص ووطئها فيها هل يتأبد تحريمها أم لا؟
(الجواب)
لا يتأبد تحريمها لأنها زوجة ما دامت في العدة، والتي يتأبد تحريمها المعتدة من موت أو طلاق غيره طلاقا بائنا، أو من شبهة نكاح أو المستبرأة من غيره إذا عقد عليها شخص زمن العدة أو الاستبراء، ثم وطئها ولو بعد العدة، وكذا يتأبد تحريمها إذا وطئها زمن عدتها أو استبرائها من غير عقد يظنها زوجته، وكذا يتأبد تحريم المعتدة والمستبرأة إذا عقد عليها فيها ثم قبلها أو باشرها فيها، وأما إذا قبلها غير مستند لعقد كما إذا قبل معتدة أو مستبرأة من غيره معتقدا أنها زوجته فلا يتأبد تحريمها، وكذا يتأبد تحريم من وطئها بملك أو شبهة والحال أنها معتدة من نكاح، أو شبهته كعكسه بأن يطأها بنكاح، أو شبهة وهي مستبرأة من ملك أو شبهته، والله أعلم.
(ما قولكم) في رجل من بلاد يقال لها التاكة خطب امرأة من وليها فأجابه بالقبول ثم قال للزوج عند ذكر مهرها: جعلت عليك كذا لرقبتها وكذا لسالفة أمها وجداتها وأعطيتك أنا كذا مثلويب، واجعل عليه أنت كذا مثلويب ليكون المال من الجهتين بينكما مثلويب، ثم قال الولي في صيغة عقد النكاح: زوجتك بنتي على هذه الشروط التي ذكرتها لك، فقال الزوج: قبلت نكاحها بهذه الشروط، ثم تعاشرا معاشرة الأزواج في النكاح، ومعاشرة الشركاء في المال المعين منهما، ولا يتصرف أحدهما فيه إلا بإذن صاحبه فهل هذا النكاح صحيح أم لا؟
(الجواب)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم هداية للصواب ورضى من الكريم الوهاب، واتباعا للسنة الغراء التي من عمل بها كان من الأبرار، ومن ابتدع دخل في مضمون قوله ﵊: «وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، وقد تحصل من هذا السؤال أن اللفظة الأعجمية، وهي المثلويب معناها الشركة، فقد اجتمعت الشركة مع عقدة النكاح. وحاصل ما ذكره شراح سيدي خليل أن النكاح يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده بصداق المثل، إذا اجتمع مع النكاح شركة أو بيع أو جعالة أو صرف أو مساقاة أو قرض أو قراض؛ لتنافي
стр. 105
الأحكام بين النكاح وهذه المذكورات فإن النكاح مبني على المسامحة وهذه مبنية على المشاحة، وفي حاشية الخرشي نقل ابن عرفة سمع سحنون ابن القاسم: لو قال: تزوج ابنتي بخمسين وأعطيتك هذه الدار فلا خير فيه لأنه من وجه النكاح والبيع. اهـ فلو تركوا هذا الابتداع وزادوا في المهر ما شاءوا لكانوا على الصواب، وزال عنهم الارتياب، وإن كانت كثرة المهر مكروهة لما ورد من يمن المرأة قلة مهرها ويسر أمرها، وذكر السيد: كان صداقه ﷺ على جميع أزواجه اثني عشر أوقية ونصف أوقية، وذلك خمسمائة درهم كما في الأجهوري، ورواه مسلم، نعم صداق النجاشي لأم حبيبة أربعة آلاف درهم، وصداق فاطمة الزهراء كان درعا على الأصح. اهـ من الأمير على عبق، والله أعلم.
(ما قولكم) في رجل أفسد على رجل زوجته، وتزوجها هل يتأبد تحريمها عليه أو لا، وهل يعزر أو لا؟
(الجواب)
قيل يتأبد تحريمها عليه، والمشهور لا يتأبد تحريمها ويفسخ نكاحه، فإذا عادت لزوجها وطلقها أو مات عنها جاز لذلك المفسد نكاحها كما في دس ويعزر لارتكابه معصية، والله أعلم.
(ما قولكم) في شخص خطب امرأة وصار يهديها وهي معتدة ثم تزوجت غيره، فهل هذه الهدية جائزة أم لا وهل له الرجوع عليها أم لا؟
(الجواب)
أصل المذهب لا رجوع له عليها كان الرجوع عن زواجها من جهته أو من جهتها وهو الراجح كما في المجموع تبعا لحاشية الخرشي، والأوجه أن له الرجوع عليها إذا كان الامتناع من جهتها إلا لعرف أو شرط. وهذا التفصيل ذكره اللقاني عن البيان، وأجاب به صاحب المعيار لما سئل عن المسألة وصححه ابن غازي في تكميل التقييد، ومثله لو أهدى أو أنفق على مخطوبة غير معتدة ثم تزوجت غيره، وأما الإنفاق على المعتدة فهو حرام، وأما الإهداء لها فهو جائز لأن في الهدية مودة ولا تكون كالتصريح بالخطبة.
فصل في أركان النكاح
وهي أربعة: الأول: الصيغة، بأن يقول الولي: أنكحت أو زوجت فلانا فلانة، ولو لم يسم صداقا كما في نكاح التفويض وصح بوهبت لكن لا بد مع الهبة من ذكر الصداق حقيقة أو حكما كأن يقول: وهبتها لك بصداق قدره كذا أو وهبتها لك تفويضا.
(ما قولكم) في رجل وكل آخر على عقد نكاحه فقال ولي المرأة لوكيل الزوج: أنكحتك
стр. 106
أو زوجتك موكلتي بالصداق المسمى، فقال الوكيل: قبلت نكاحها فهل هو صحيح أم لا؟
(الجواب)
إن قال ولي الزوجة لوكيل الزوج: زوجتك فقال الوكيل: قبلت ونوى نفسه أو كان ذهنه خاليا لم ينعقد للموكل ولا للوكيل، وإذا قال الوكيل: قبلت ونوى ذلك لوكيله كفى، والمطلوب من الولي أن يقول للوكيل: زوجت موكلك فلانا فلانة بنت فلان، والله أعلم.
الثاني: المحل وهو الزوج والزوجة المعلومان الخاليان من الموانع الشرعية كالإحرام.
الثالث: الصداق وأقله خالص ربع دينار أو ثلاثة دراهم شرعية، ويجب شاهدان عدلان عند الدخول، فإن عدما فيكفي اثنان مستور حالهما، وقيل: يستكثر من الشهود وندب الإشهاد عند العقد، ويشترط في الشاهد أن يكون غير من له ولاية العقد، ولو تولى العقد وكيله بإذنه فشهادة من له ولاية العقد ووكيله باطلة، وكذا الولي البعيد الذي لم يتول العقد لتولي من هو أقرب منه، لا تقبل شهادته كما في ح.
الرابع: الولي: وهو مجبر وغير مجبر، فالمجبر الأب والمالك والوصي، فالأب يجبر ابنته إن كان رشيدا وإلا فوليه إن كانت بكرا، ولو عانسا بلغت ستين سنة أو أكثر فله أن يزوجها ولو لأعمى أو أقل حالا أو مالا ولو بربع دينار ولو كان مهر مثلها قنطارا وليس ذلك للوصي.
[مسألة]
ليس للأب أن يزوج ابنته لمجذم أو مجنون أو أبرص أو عنين أو مجبوب أو معترض أو مقطوع ذكر أو أنثيين قائم الذكر حيث كان لا يمني، وأما إذا كان يمني فله جبرها على نكاحه أي لأنها تلتذ بنزول المني منه، وليس له أن يزوج ابنته برقيق ولو عبده إلا برضاها به بالقول كما في دس.
[مسألة]
للأب جبر ابنته الثيب إن صغرت، فإن تثيبت وتأيمت قبل البلوغ ثم بلغت قبل النكاح فلا تجبر، وهذا قول ابن القاسم وأشهب كما في التوضيح، واستحسنه اللخمي وصوبه، ومقابله لسحنون يجبرها مطلقا.
[مسألة]
للأب أن يجبر ابنته إذا ثيبت بعارض كوثبة أو بزنا أو غصب ولو ولدت منه.
[مسألة]
ليس للأب أن يجبر ابنته البكر إذا رشدها بأن قال لها: رشدتك أو أطلقت يدك أو رفعت الحجر عنك، ولا بد من إذنها بالقول، وكذا الوصي والمالك يجبر أمته وعبده بلا إضرار عليهما فيه، فإن كان فيه إضرار كتزويجهما من ذي عاهة من كل من فيه أمر يوجب الخيار كجذام أو برص أو جنون لا قبح منظر أو فقر، والوصي وإن نزل كوصي الوصي
стр. 107
يجبران أمره بالجبر ولو ضمنا كزوجها قبل البلوغ وبعده، أو لو يأمره ولكن عين له الزوج أو قال: زوج بنتي ممن أحببت، أو أنت وصيي على نكاحها أو على بضعها، وأما إذا لم يذكر شيئا من النكاح أو التزويج أو البضع فالراجح عدم الجبر كما إن قال: أنت وصيي على بناتي، وأما إذا قال: أنت وصيي على مالي أو على بيع تركتي أو قبض ديني فلا جبر اتفاقا، فلو زوج جبرا في هذه الصورة فاستظهر عج الإمضاء وتوقف فيه النفراوي، وأما إن زوج بلا جبر فإنه يصح ولكن لا جبر للوصي إلا إذا بذل الزوج مهر المثل ولم يكن فاسقا فليس هو كالأب من كل وجه. اهـ ملخصا من در ودس.
(ما قولكم) في شخص مريض قال: إن مت فقد زوجت ابنتي لزيد مثلا، ثم مات الأب فقال زيد: قبلت، فهل يصح هذا النكاح أم لا؟
(الجواب)
يصح إن قبل الزوج ولو بعد موت الأب ببعد على المعتمد كما في الدسوقي ثم يقدم في ولاية غير المجبر ابن فابنه فأب فأخ فابنه فجد لأب فعم فابنه، وقدم الشقيق على الذي للأب فمولى أعلى وهو من أعتقها أو أعتق من أعتقها أو أعتق أباها فكافل كفل زمنا يحصل فيه الشفقة عليها بالفعل، والمعتمد أن الكافل لا يتولى إلا عقد الدنيئة وإن كانت غير دنيئة فلا يزوجها إلا الحاكم، ومقابله يتولى الكافل عقد مكفولته ولو شريفة ثم حاكم إن كان لا يأخذ دراهم على تولية العقد، وإلا فعدم، والحاكم لا يزوج إلا بإذنها إن ثبت عنده صحتها من المرض وخلوها من مانع كالإحرام والعدة وأنه لا ولي لها أو لها ولي ولكن عطلها أو غاب عنها غيبة بعيدة، ورضاها بالزوج وأنه كفؤها في الدين أي التدين والعمل بالأحكام الشرعية والحرية والسلامة من العيوب ولو من غير ما يوجب الخيار مع مساواته لها فيما هي عليه من صفات الكمال وأن المهر مهر مثلها في غير الرشيدة، وأما هي فلها إسقاط الكفاءة فيما ذكر ثم يقدم أي فرد من أفراد المسلمين.
(ما قولكم) في رجل تزوج ثيبا شريفة لا عصبة لها ولا كافل، وهو كفؤها بعد ثبوت طلاقها ودعواها انقضاء عدتها تولى عقدها وحصل العقد بحضرة جماعة من المسلمين ثم دخل بها ذلك الزوج، فادعى شخص فساد العقد لعدم تولي القاضي العقد فما الحكم أفيدوا؟
(الجواب)
العقد صحيح لا يسوع فسخه لعدم القاضي الشرعي في هذا الزمان فلا ولاية له
стр. 108
أصلا إنما الولاية لعامة المسلمين إذا فقد العاصب، إذ شرط القاضي مفقود في هذا الزمان، ولا تكاد تجتمع شروطه فيمن يتولى القضاء الآن، وبذل المال في القضاء من الباطل وقبول الرشوة فسق، والله أعلم. اهـ من فتاوى العلامة الشيخ محمد عليش.
[مسألة]
إذا تولى العقد غير المجبر مع وجود المجبر فسخ أبدا، ولو أجازه المجبر عقد من فوض له أموره وثبت التفويض له بالصيغة أو العادة ببينة لا بمجرد دعوى ولا بإقرار المجبر بعد العقد.
[مسألة]
يزوج الحاكم العادل ابنة الغائب المجبرة إن كانت الغيبة بعيدة كأفريقية من مصر ولم يرج قدومه، وإذنها صمتها، والظاهر أن الغيبة المتوسطة يقال فيها ما قارب الشيء يعطى حكمه، والنصف يلحق بالغيبة القريبة فيفسخ النكاح فيها، وللقاضي تزويجها ولو دامت نفقتها ولم يخف عليها ضيعة، فإن خيف فسادها زوجها ولو جبرا على المعتمد. اهـ ملخصا من در ودس.
[مسألة]
يصح العقد بأبعد من الأولياء مع وجود أقرب لم يجبر في شريفة ودنية، فلا يفسخ بحال، وأما إذا تولى عقد نكاح امرأة رجل أجنبي مع وجود رجل خاص من أوليائها، وكان الخاص غير مجبر، فإن كانت تلك المرأة شريفة وهي من كان يرغب فيها الوصف من أمور أربعة: الحسب، وهو ما يعد من مفاخر الرجال، والنسب، والمال، والجمال على مقتضى ما قاله زروق، فللولي الخاص إن قرب بعد الدخول أو الحاكم إن عدم الولي أو غاب على ثلاثة أيام فأكثر رد نكاحها، وإجازته فهو صحيح موقوف على الإجازة وفي تحتم الفسخ إن طال الزمن قبل الدخول دخل أم لا، ورجح كما في المجموع أو لا يتحتم ويخير الولي بين الإجازة والرد وهو الظاهر كما في در والطول بالعرف، وانظر هل الفسخ بطلاق أم لا كما في حاشية الخرشي، وأما إن طالت إقامتها مع زوجها نحو ثلاث سنين أو ولدت ولدين فإنه يصح النكاح ولا كلام للخاص، وإن كانت دنيئة كمعتقة ومسلمانية صح العقد عليها بالولاية العامة مع الجواز وليس لوليها الخاص كلام.
[مسألة]
قال عبق: فإن سكت الولي عند عقد الأجنبي لها مع حضوره فهو إقرار له، قال البناني: وفيه نظر، فقد ذكر ابن لب عن ابن الحاج أنه لا اعتبار برضا الأقرب إذا لم يتول العقد ولا قدم من تولاه ولا يعد هذا إقرارا للنكاح، ذكره في نوازله في عقد نكاح الخال مع
стр. 109
حضور الأخ الشقيق ورضاه دون تقديم منه.
[مسألة]
المعتمد في اليتيمة ما ارتضاه المتأخرون من أن المدار على خيفة فسادها في مالها أو في حالها، فمتى خيف فسادها فيما ذكر زوجت سواء بلغت عشرا من السنين أو لا، رضيت بالنكاح أم لا فيجبرها وليها على التزويج، ووجب مشاورة القاضي في تزويجها فإن لم يخف عليها الفساد وزوجت صح إن دخل كثلاث سنين أو ولدين غير توأمين، وإن خيف فسادها وزوجت من غير مشاورة القاضي صح النكاح إن دخل وإن لم يطل فمشاورة القاضي واجبة غير شرط، بل لو زوجها جماعة المسلمين حيث لا ولي لها فهو سائغ، ولو لم يشاور القاضي لما علمت من عدم القاضي الشرعي. وفي حاشية الخرشي في باب الحجر: سئل السيوري عن البكر اليتيمة تريد النكاح وتدعي عليه البلوغ، هل يقبل منها أو يكشف عليها؟ فأجاب بأنه يقبل قولها. وسيأتي في باب الطلاق أن الصبي لو طلق، وقال: لم أبلغ فالظاهر أنه يقبل قوله وربما يدل عليه فرع السيوري المذكور.
[مسألة]
لو زوج الحاكم المجبرة لغيبة الأب غيبة انقطاع ثم قدم الأب، وأثبت أنه كان زوجها بما له من الإجبار في غيبته برجل، فأفتى الناصر بأنها لا تفوت بدخول الثاني، نقله البدر. اهـ أمير على عبق.
[مسألة]
للأب جبر ابنه الصغير والمجنون المطبق لمصلحة كتزويج الصغير من غنية أو شريفة، أو ابنة عم أو لمن تحفظ ماله، والمصلحة في المجنون خوف الزنا أو الضرر، وعلم السولي أن الزواج متعين لإنقاذه من ذلك لا إن احتاج للخدمة فلا يزوج لأجلها، وجبر الأب محمول على المصلحة، وأما الوصي فله جبرهما أيضا ولكن لا بد من ظهور المصلحة، وإلا فلا جبر، ومثله الحاكم فيجبرهما مع عدم الأب والوصي إذا ظهرت المصلحة، وقال بعضهم: قيد المصلحة إنما هو حيث كان الصداق من مال الولد وإلا فلا يعتبر كما يدل عليه كلامهم، والصداق على الأب إذا جبرهما وكانا معدمين حال العقد، ولو شرط أنه لا يلزمه، وإن مات الأب أخذ الصداق من ... ، وإن تركته كانا موسرين فعليهما ما أيسرا به كلا أو بعضا لا على الأب كما أنه لا يلزم الوصي ولا الحاكم صداق مطلقا، وإن تزوج الصغير بغير إذن وليه فسخ عقده، إذا طلع عليه فلا مهر لتلك الزوجة ولا عدة عليها إن وطئها ولو أزال بكارتها لأن وطئه كالعدم، وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يكون في نظير إزالة بكارتها أرش،
стр. 110
ما شأنها، وجزم به أبو الحسن، وقولنا: ولا عدة عليها أي بخلاف ما لو مات الصغير قبل الفسخ، فعليها عدة الوفاء ولو لم يدخل، وإذا وقع من الولي رد فهو طلاق لأنه عقد صحيح غايته أنه غير لازم، قال ابن المواز: وإذا لم يرد الولي نكاح الصبي، والحال أن المصلحة في رده حتى كبر وخرج عن ولايته جاز النكاح، قال ابن رشد: وينبغي أن ينتقل النظر له فيمضي النكاح إن أراده أو يرده كما في بن ثم يقال في الصغير ما قالوه في السفيه، وهو أنه إن مات هو يتعين الفسخ من قبل الشرع، وإن ماتت هي قبل الفسخ يرثها إن أجازه الولي لكون الإرث أكثر من الصداق، وإن رده الولي لكون الصداق أكثر فلا يرثها. اهـ ملخصا من الخرشي والمجموع وأقرب المسالك وص.
(ما قولكم) في امرأة ثيب طلب منه الإذن لوليها في العقد فسكتت فهل يكفي صماتها في ذلك أم لا؟
(الجواب)
إن كانت حاضرة كفى صمتها في إذنها لوليها على مذهب ابن القاسم، واقتصر عليه في المجموع وقال ابن حبيب: يكفي صمت الثيب في الإذن للولي حضرت أو غابت فهي كالبكر عنده في ذلك، وإنما يختلفان في تعيين الزوج والصداق، ففي البكر يكفي الصمت والثيب لا بد فيها من النطق. اهـ دس بتصرف وعبارة المجموع: ولا يعقد غير المجبر إلا بإذنها والصمت كاف فيه أي في الإذن للولي في العقد، ولو من ثيب حضرت كفى الزوج والمهر من بكر إي كما أن الصمت كاف في الزوج والمهر من بكر، ولا تعذر بجهل ولو عرفت بالبله. اهـ.
[مسألة]
الصغير غير اليتيمة إذا غاب أبوها نحو عشرة أيام والطريق غير مأمونة تزوج إذ خيف عليها الضيعة، أو عدمت النفقة ويزوجها الحاكم لا وليها خلافا لابن وهب فليست كاليتيمة من كل وجه، ألا ترى أن هذه لا يزوجها إلا الحاكم واليتيمة يزوجها وليها بعد مشورة الحاكم، قاله شيخنا. اهـ دس، وأما إذا كانت مأمونة والنفقة جارية عليها فيتحتم فسخ نكاحها أبدا ولو أجازه المجبر أو ولدت الأولاد، ومحله ما لم يتبين إضراره بها بغيبته بأن قصد تركها من غير زواج، فإن تبين ذلك كتب إليه الحاكم إما أن تحضر تزوجها أو توكل وكيلا يزوجها وإلا زوجناها عليك؛ فإن لم يفعل زوجها الحاكم عليه ولا فسخ كما قال الرجراجي. اهـ دس.
[مسألة]
النكاح هزله جد ولو قامت قرينة على إرادة الهزل من الجانبين، ومثل النكاح الطلاق والعتق والرجعة.
(ما قولكم) في شخص أقر