الشيخ/ محمد بن يوسف
كتاب (الأجوبة الكافية عن الأسئلة الشامية)
(تأليف)
العلامة المحقق والفاضل المدقق صاحب القول
المصيب الوافي الشيخ محمد بن يوسف
الشهير بالكافي التونسي
حفظه الله آمين
وقد ذيل ببعض تقارير لأحد تلامذة المؤلف
وهو راجي عفو ربه الباري أبو القاسم بن محمد باري
يا ناظرا فيما عمدت لجمعه ... عذار فإن أخا الفضائل يعذر
علما بأن المرء لو بلغ المدى ... في العمر لاقى الموت وهو مقصر
فإذا ظفرت بزلة فافتح لها
باب التجاوز فالتجاوز أجدر ... ومن المحال بأن ترى أحدا حوى
كنه الكمال وذا هو المعتذر ... والنقص في نفس الطبيعة كامن
فبنو الطبيعة نقصهم لا ينكر
(طبع على نفقة المؤلف)
(بمطبعة السعادة بمصر المحمية سنة ١٣٤٠ هجرية)
стр. 2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مسدي النعم ومفضل من شاء بصفة العلم، وأصلي وأسلم على عالم العالم من غير جلوس أمام معلم وعلى آله وصحبه الذين تسابقوا وتنافسوا في تحصيل العلم وعلى من تبعهم في اقتناء ذلك الوصف العظيم إلى أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم
(أما بعد) فيقول أسير ذنبه الراجي عفو ورضاء ربه محمد بن يوسف الكافي عامله بإحسانه الكافي أنه وردت علي أسئلة من أحد طلبة المدارس طالبا مني بيان الخيط الأبيض منها من الخيط الأسود الدامس وراغبا مني أن أكتب عليها كتابة مبينة لما أبهم أو أشكل معناه أو كان مصادما لما يدركه العقل أو لم تظهر لنا حكمته مع وضوح مبناه فأجبته لما طلب مستعينا بالله فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله (وسميتها) الأجوبة الكافية عن الأسئلة الشامية، ثم بعد تمام الكتابة عليها تبين لي أن المسائل ليست من بنات فكر السائل بل منقولة من مجلة المنار وأفكار الشبيبة المنورة حسب اعتقاد السائل نسبوا لأنفسهم العلم والكمال وإدراك حقائق الأشياء وفهم كلام رب العالمين، وتنوعوا في فهم حديث الرسول وآثار الصحابة والتابعين ووسموا من سواهم بالجهل والتقصير وبعدم إدراك معنى كلام الله تعالى وحديث رسوله الخطير وتفرقوا في كيفية
стр. 3
ثلب المتقدمين وأطبقوا بأجمعهم على إلحاق المذمة ونفي المحمدة عن المتأخرين، وأهرفوا ومدحوا أفرادا شاكلوهم وجعلوهم في مناط الثريا، وقبلوا منهم كل ما ورد عنهم من غير تبصر ولا ثنيا، ولو خالف ما تلقوه عنهم صريح القرآن وكذا الواضح من سنة وسيرة سيد ولد عدنان، تكلموا على الآيات والأحاديث بما زينت لهم أنفسهم ونزلوها غير المنازل المرادة منها؛ ليوافقوا الملحدين من أهل الطبيعة وغيرهم، يخالفون صريح اللغة العربية التي نزل بها القرآن ويحيدون عن ظاهر الآيات بلا داع غير الهوى، ويعدلون عن الأحاديث الصريحة وأقوال السلف المشهود لهم بالخيرية، وكذا يميلون عن أئمة الخلف ويتشبثون بأقوال الحكماء وآراء الكشافين المبنية عن الحرز والتخمين لا تفيد ظنا فضلا عن يقين، بل لا تفيد إلا الشكوك والأوهام فصاحبها لا يصير بها أبا الحصين فضلا عن ضرغام، فحال من يعدل عن خبر من قال في شأنه رب السماوات العلا ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ إلى من ضل وغوى وما ينطق إلا عن الهوى أعني رصده وحرزه وتخمينه حال شقاوة وضلال ونكال في الحال إن لم يتب وفي المآل تركوا المنهج الواضح المستقيم الخليق ولجوا في الترهات وبنيات الطريق سائرين سير الأهوج وتبختروا تبختر يابس الشق الأعوج، ونظروا نظر الأخوص الأرمص، وأمعنوا في نظرهم إمعان الأحوص لمزوا أهل الفضل والدين ونبزوا بالألقاب المخلة أهل العلم واليقين تفننوا في أساليب الكلام
стр. 4
ليوهموا الجاهلين أنهم من أهل الإسلام، وإذا وزنت أفعالهم على الصراط المستقيم وجدت الإسلام يتبرأ منهم تبرأ السليم من الوخيم، يتوجعون للإسلام والمسلمين إذا اجتمعت بهم وهم المقوضون لركنهما المتين، ألفاظهم في الطلاوة سلسبيل، ومعانيها تميت القلب الصحيح فضلا عن العليل تفرقوا في أنحاء البسيطة ما من قرية أو مدينة إلا وفيها منهم شرذمة نحيسة هم أضر على أخلاق أولاد المسلمين من أولاد إبليس اللعين، ولو كان لولاة الأمور نظر في مصالح المؤمنين لبحثوا عن هؤلاء وأخرجوهم من بين أظهر المسلمين؛ لأن مضرتهم على الشبان أشد سريانا من سم الأفعوان نرفع شكوانا إلى الله تعالى في أن يقيض أولي الهمم العالية ليتداركوا ويبادروا لرفع هذه البلية السارية من إفسادهم عقائد أولاد المسلمين، وحملهم إياهم على الازدراء بعقائد الدين حتى أنهم ليستهزئون بكل فعل من أفعال الدين، وإذا اجتمعوا بالمسلمين يداهنونهم على فعلهم ملبسين، ثم إن هؤلاء ألحقوا النقص على زعمهم بالأحياء والأموات حتى بالصحابة العدول والتابعين الأثبات، وطار صيتهم وذكرهم عند الأغبياء حيث لم يعتن بالرد عليهم العلماء؛ لأن الكثير منهم يتعاطى صناعة الصحافة ومن كان بهذا الوصف لا قيمة له ولا قيافة فهو أقل ممن يعتنى بالرد عليه؛ لأنه يرتكب في مقاله كل ما يهوى ويبني عليه، والذي أحوجني لأن أتعرض لبعض المواضع في مجلة المنار مع أني كنت قبل أرى تسريح النظر فيها من العار والشنار حيث إنها مشحونة بالإفك الصريح وبالتعرض لأعراض ساداته بالقول القبيح هو ما تقدم من نقل المسائل
стр. 5
عنها وصاحبها أجاب بجواب غير ما أجبت أنا به عنها، فاضطررت لأن أبين خللها فيكون لمن يعتقد فيه الكمال تبصرة وتنبيها للغافلين عن مقامات هؤلاء وتذكرة ويبصر الحق من كان ذا عينين ويصغي للصدق من كان ذا أذنين، وأناقشهم على الكثير والقليل ولو مقدار النقير والقطمير والفتيل، فإن وجدت الحق أعترف به ولا أبخس صاحبه الكيل والميزان؛ لأن البخس ليس من شيم المنصفين من بني الإنسان، ونسأل الله تعالى الإعانة على تمام المؤمل وأن يخلص منا النية في القول والعمل إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة والإعطاء جدير
(تنبيه) ولا بد قبل الشروع في الجواب عن الأسئلة من تقديم نبذة مهمة تكون مفتاحا للدخول في رياض الأجوبة عن الأسئلة وبها يزول اللبس عن الناظر والغين إلا على من اعتاد التشكيك للخلق، وكان قلبه مطبقا بظلمات الرين والله الهادي من يشاء إلى الحق وإلى طريق مستقيم
(النبذة) لا يخفى على ذي لب مصيب وذهن ثاقب أن الأشياء من حيث هي تنقسم من حيث إدراك كنهها إلى أقسام: منها ما لا يدرك كنهه لا بالعقل ولا بالنقل، ومنها ما يدرك كنهه بالعقل ويكون النقل مؤكدا له، ومنها ما لا يدرك كنهه إلا بالنقل والعقل في عقال عنه حيث إنه لا سبيل له ولا واسطة لإدراكه كنه ذلك الشيء، فالقسم الأول هو ذات الله تعالى - تنزه ربنا عما يختلج في العقول من الظنون والأوهام - لا يعلم ذات الله تعالى إلا هو (١) والأدلة على ذلك كثيرة، والقسم
стр. 6
الثاني: جميع المنقولات من العلوم المعقولة، والصنائع البديعة وإدراك
стр. 7
خواص الأشياء، وما أودع فيها من العجائب، فهذه مدركة بالعقل، وما سطر فيها من الكتب يكون مؤكدا للعقل، والقسم الثالث كالأمور الواقعة في الآخرة بأجمعها، وما غاب عنا من الفلكيات والأرضين وما فيها من غرائب المخلوقات وبعض العلوم الشرعية، فما ذكرته وما في حكمه مصدره النقل ليس إلا والعقل لا دخل له فيهان فما ورد فيه نص من الشارع وجب الاعتراف به والانقياد إلى ما يقتضيه النص من اعتقاد أو عمل حيث كان ذلك النص ثابتا ثبوتا معتبرا وما لم يرد فيه نص من الشارع وجب الوقف وعدم الخوض بمجرد العقل حيث قررنا سابقا أن العقل في عقال عن ذلك، وهذا أوان الشروع في الأجوبة بعون الله تعالى نسأله أن يوفقنا لعين الصواب.
سؤال: (١) ما حقيقة السماء؟
стр. 8
الجواب: السماء لغة كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت
стр. 9
سماء.
وعرفا: جرم عظيم بالغ في العظم ما لا يعلمه إلا الله تعالى وجمعها
стр. 10
سماوات وهن سبع بعضها فوق بعض على مسافات عينها الشارع وعين مقدار سمكهن أيضا حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وذهب بعض غير أهل الإسلام إلى أنها أبخرة وأدخنة متكاثفة، وبعض آخر إلى أنها فضاء يترآى بصفة الجرم، وليس هناك جرم، وكلا المذهبين باطل للنصوص القرآنية كآية ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب﴾ وما يزين إلا الأجرام؛ وللأحاديث المشهورة الواردة في قصة معراجه ﷺ وغيرها كما يأتي التنصيص على ذلك إن شاء الله تعالى
سؤال: ما تفسير سبع سماوات طباقا ؟
الجواب: أما عدها فثابت لا توقف فيه، وإنما نحتاج لتفسير ﴿طباقا﴾ تفسيرها: أن بعضها فوق بعض، قال حبر هذه الأمة وترجمان القرآن سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ في تفسير ﴿طباقا﴾: بعضها فوق بعض ملتزقة أطرافها ا. هـ ويأتي بسط الكلام
стр. 11
على ذلك مع المعارض.
(تنبيه) كون السماء والأرض (١) كرويتين أو بسيطتين وكونهما متحركتين أو الفلك متحركا والأرض ساكنة أو الأرض متحركة والفلك ساكنا لم يكلفنا الله تعالى باعتقاد شيء من ذلك، فمن مات مؤمنا ولم يخطر بباله شيء من وصفهما بما تقدم لم يسأله الله تعالى عن ذلك أبدا باتفاق العلماء، فالبحث عن أوصاف السماوات والأرضين من الجهة المذكورة جهاد في غير عدو وصرف زمن نفيس في غير فائدة.
سؤال: ما المعراج ؟
الجواب: المعراج لغة: السُّلَّم ومنه ليلة المعراج يعني السُّلَّم الذي صعد عليه النبي ﷺ إلى السماوات السبع، والعروج على المعراج من بيت المقدس إلى السماوات (٢) بذاته وروحه ﵊ من المسجد الأقصى إلى ما شاء الله
стр. 12
إلى أن بلغ مستوى سمع فيه صريف الأقلام، وقيل: بروحه فقط، وقيل: له معاريج متعددة وعلى كلٍّ منكرُ المعراج رأسا لا يكفر، وإنما يفسق كما نص العلماء انظر حديث المعراج في كتاب الصلاة وغيره من صحيح البخاري، وأنكرت الفلاسفة ومن كان على شاكلتهم وجود أبواب في السماوات كما هي مذكورة في أحاديث المعراج، وإنكارهم مبني على أن الأجسام متركبة من الهيولى والصورة، وما كان بهذا الوصف لا يقبل الخرق والالتئام، والمسلمون يقولون: متركبة من جواهر فردة فتقبل الخرق والالتئام وهو الحق الذي تشهد له الآثار الواردة عن سيد البشر ﷺ .
سؤال: ما تفسير آية الشهب ﴿وجعلناها رجوما للشياطين﴾ ؟
الجواب: الشهب جمع شهاب
стр. 13
وهو النجم الذي (١) يرمى به الشيطان عند إرادته استراق الوحي الذي يوحى إلى الملائكة فتتكلم به الملائكة فيما بينهم، فيروم الشيطان استماع ذلك فتحول الشهب بينه وبين ما أراده فتحرقه الشهب ولا يمكنه النجاة منها قال الله تعالى: ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب﴾ وخير ما فسرته بالوارد، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير - رضي الله تعالى عنه - في قوله: ﴿إلا من خطف الخطفة﴾ قال: إلا من استرق السمع من أصوات الملائكة ﴿فأتبعه شهاب ثاقب﴾ يعني الكواكب، وعن ابن عباس ﵄ قال: إذا رمي الشهاب لم يخطئ من رمي به وتلا ﴿فأتبعه شهاب ثاقب﴾ ا. هـ وهذا مما يجب الإيمان به ولا دخل للعقل في شيء منه، فإذا رام العقل
стр. 14
التداخل في شأن ذلك وجب زجره وكفه عن مثل ذلك
سؤال: ما تفسير آية ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ؟
الجواب: تفسيرها الذي يجب اعتقاده يأتي بعد - إن شاء الله تعالى - أقول: ظاهر هذه الآية وبعض الأحاديث يدل على أن الباعث لخلقهم هو عبادتهم له تعالى، أخرج ابن أبي شيبة عن أبي الجوزاء في الآية قال: أنا أرزقهم وأنا أطعمهم ما خلقتهم إلا ليعبدوني، وهذه الدلالة (١) غير مرادة قطعا أجمع أهل الحل والعقد من المسلمين على أن الله تعالى لم يوجد شيئا، ولم يكلف أحدا بحكم لغرض وعلة، فلا بد من نظر آخر في الآية والأثر فنظرنا فوجدنا أن لام الجر موضوعة لمعان كثيرة منها أن تكون للعاقبة والمآل وهي المتعينة في الآية والأثر ولا يصح غيرها من المعاني والدليل
стр. 15
على أن لام الجر قد تكون للعاقبة والصيرورة ليس إلا قوله تعالى في حق آل فرعون مع سيدنا موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾ إذ من المعلوم لدى أهل العقول السليمة أن التقاطهم له إنما كان ليكون لهم مؤازرا ومعينا على نوائب الدهر ودافعا عنهم ما يكرهون وجالبا لهم ما يسر أفئدتهم ويقر أعينهم بدليل قوله تعالى: ﴿قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا﴾ فيخيب الله تعالى أملهم فيما رجوه منه وكان عاقبة أمره معهم تشتيت
стр. 16
أمرهم، وتمزيق ملكهم وإغراقهم في اليم، فالله أوجد الجن والإنس لحكمة علمها هو، كان مآل أمرهما إلزامهما العبادة وفي هذا القدر كفاية لمن تنورت بصيرته، ومن الدنس خلصت سريرته، ومن اعتقاد الزائغين سلمت لطيفته.
سؤال:
ما حكمة الدعاء مع أن الأشياء مقدرة من عالم الأزل ؟
الجواب والله تعالى الموفق للصواب: التحقيق الذي عليه المحققون من علماء المسلمين (١) أن الدعاء متعبد به كتعبدنا بالصلاة والزكاة وغيرهما مما تعبدنا الله تعالى به؛ لإظهار أثر العبودية فيه أكثر من كثير مما تعبدنا الله به من الذلة والفاقة والاحتياج والمسكنة والتبرؤ من الحول والقوة، فإذا بسط الداعي يديه تحققت فيه تلك الصفات ونحوها ولو لم يقصدها؛ لأنها لازمة لكل سائل بالنسبة للمسئول وتفضل الله باستجابة الدعاء كما تفضل بقبول الصلاة وغيرها من العبادات (٢) إذا الشروط استوفيت في كل؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا سألك
стр. 17
عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني﴾ وقوله: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفرا ليس فيهما شيء" ا. هـ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجه، والحاكم عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر" ا. هـ وغير ذلك من الأحاديث الدالة على استجابة الدعاء وإطلاق استجابة الدعاء في
стр. 18
الآيتين والآثار (١) مقيد بمشيئة الله تعالى، ودليل على ذلك قوله تعالى:
стр. 19
﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ ومن المقرر أن المطلق يحمل على المقيد إن أمكن الحمل وهنا ممكن نعم نص العلماء على أن العبد إذا دعا ربه لا يستعجل بأن يقول: دعوت فلم يستجب لي، بل يحسن ظنه بربه ويدعوه بغير قطيعة رحم ولا إثم موقنا بالإجابة، فالله سبحانه لا يخيبه من إحدى ثلاث خصال المذكورة في الحديث الذي أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في الأدب، والحاكم عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" قالوا إذًا نكثر قال: "الله أكثر" ا. هـ إذا تقرر لديك هذا أيها السائل علمت أن حكمة الدعاء حاصلة وأنه لا منافاة بينه وبين الأمور المقدرة أزلا، اتبع ولا تبتدع تكن من الخاسرين.
سؤال: هل
стр. 20
تظهر الجن؟
الجواب: تظهر عند تشكلها (١) بغير الهيئة التي خلقت عليها
стр. 21
حسبما يأتي قريبا من أن لها التشكل بأي شكل شاءت إلا ما ستثني، ويتمكن منها بعض أفراد من الإنس فيستعملها في الأمور الشاقة ويسجنها، ومن المقرر ببداهة العقل أنه لا يسجن ولا يستعمل إلا ما كان جرما مرئيا، والدليل على ذلك قوله تعالى في حق سيدنا سليمان - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ﴿ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات﴾ وقوله: ﴿فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين﴾ والحديث الذي
стр. 22
أخبر به رسول الله ﷺ في حق العفريت الجني الذي قصده بشعلة نار فتلا عليه رسول الله ﷺ ما علمه له جبريل فاحترق وصار رمادا، والحديث الذي أخبر به الرسول ﵊ في شأن الجني الذي أراد أن يخلط عليه في صلاته فأمسكه ﷺ وأراد ربطه في سارية من سواري المسجد فتذكر ﷺ العهد الذي أعطاه الله تعالى لسيدنا سليمان بن داود ﵉ فأطلق سبيله، فلما أصبح أخبر أصحابه بذلك، وحديث الصحابي الذي تحت يده تمر الصدقة حيث أمسك الجني الذي يريد سرقة ما تحت يده ثلاث مرات، وفي كل مرة يحلف له بأنه لا يعود وأنه فقير ذو عيال، وهذه أحاديث مشهورة بين المسلمين فلا نحتاج لذكر ألفاظها.
والحاصل أن ظهور الجن للإنس أمر شائع ذائع منصوص عليه لا يحتاج ثبوته إلى دليل؛ إلا إذا احتاج النهار إلى دليل، نعم قامت طائفة متسربلون بسربال أهل العلم وأنكروا الجن على اختلاف في إنكارهم، فمنهم من نفى وجود الجن رأسا، ومنهم من أثبت وجودهم ونفي ظهورهم للإنس (١) ونفى أيضا مماستهم للإنس وما يقع لبعض أفراد الإنس من الصرع والتخبط
стр. 23
فذاك من مرض الأعصاب وتغير الأمزجة، وليس للجن دخل في ذلك وعمدتهم فيما قالوا قول الحكماء، وهذا هو الخسران المبين والضلال الذي لا مزيد عليه كيف يسوغ لمن ينسب نفسه للإسلام أن يعدل عن نصوص القرآن وصريح أحاديث الرسول وأقوال علماء المسلمين إلى أقوال الحكماء المبنية على التخمين ليس لهم حجة عقلية، ولا نقلية يعتمد عليها - سبحانك هذا بهتان عظيم ربنا إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين ولا ضالين ولا مبدلين ولا مغيرين ولا لطريق الحق مخالفين بمنك وفضلك يا أرحم الراحمين -.
فإن قلت: يرد على ما قررت من ظهور الجن والإنس قوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾
قلت: لا يرد علينا أبدا؛ لأن نفي رؤيتنا لهم في
стр. 24
الآية حملها العلماء على ما إذا كانوا على حالتهم التي خلقوا عليها، وما سبق لنا محمول على حالة تطورهم بغير طورهم كما تقدم لنا التصريح بذلك فافهم
سؤال: ما كيفية وسوسة الشيطان ؟
الجواب: يأتي بيان الكيفية بعد ذكر ما أقدمه لك حتى يسهل عليك إدرك ذلك، فاعلم أيها السائل أن الله تعالى خلق الخلق على أنحاء حسبما تقدم في علمه، فمنها الأجسام الكثيفة ومنها الأجسام اللطيفة، فأصحاب الأجسام الكثيفة تدوم معهم صورهم التي وجدوا عليها ولا يمكنهم الانتقال عنها باختيارهم البتة، وأما أصحاب الأجسام اللطيفة كالملائكة والجن والشياطين فهؤلاء مكنهم الله تعالى من التشكل بصور الأنبياء والرسل إكراما لهم - عليهم الصلاة والسلام - وحفظا من التلبيس على المؤمنين، والعمدة فيما ذكرته النقل ليس إلا، والعقل لا دخل له البتة وورد في حديث صفية أم المؤمنين من البخاري في باب اعتكافه ﷺ أن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، انظر الحديث بتمامه هناك، وورد أن الشيطان يأكل ويشرب بشماله، وورد أن من لم يسم الله عند إرادة الجماع أو الأكل أو الشرب أو الدخول في الفراش يجامع الشيطان معه ويأكل ويشرب معه ويدخل معه في فراشه وغير ذلك من الأحاديث مما يحيله العقل ويثبته الشرع، فيجب على كل مسلم أن يستسلم لما ورد في الشرع وإن لم يدركه عقله؛ لأننا قررنا سابقا أن العقل في عقال عن مثل هذه الأمور التي لا سبيل له في إدراكها، ويجب عليه أن يكف نفسه
стр. 25
عن اتباع أقوال غير أهل الإسلام مما فيه مخالفة للدين.
(كيفية الوسوسة) كما ذكرها سيدنا أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس". وأخرج ابن شاهين عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن للوسواس خطما كخطم الطير، فإذا غفل ابن آدم وضع ذلك المنقار في أذن القلب يوسوس، فإن ابن آدم ذكر الله نكص وخنس، فلذلك سمي الوسواس الخناس" ا. هـ.
(فإن قلت): ظاهر الحديثين يدل على أن التقام القلب ووضع المنقار في القلب حقيقة، وأن الشيطان يتمكن من الوصول إلى القلب، وظاهر صنيعك أنك مصدق بذلك بلا تأويل يقبله العقل، مع أن الشيخ محمد عبده منع حقيقة ذلك وأول بتأويل يقبله العقل وشنع تمام التشنيع على من أسند في ذلك حديثا للنبي ﷺ وتفوه بما ملأ به فمه.
وعبارته: ولكل واحد من الناس شيطان وهي قوة نازعة إلى الشر، يحدث منها في نفسه خواطر السوء، وإنما جعل الوسوسة في الصدور على ما عهد في كلام العرب من أن الخواطر في القلب والقلب مما حواه الصدر عندهم، وكثيرا ما يقال: إن الشك يحوك في صدري، وما الشك إلا في نفسه وعقله، وأفاعيل العقل في المخ، وإن كان يظهر لها أثر في حركات الدم وضربان القلب وضيق الصدر وانبساطه، وكل ما أوردوه في خرطوم الشيطان وخطمه ومنقاره وجثومه على الصدر والقلب ونحو ذلك- فهو من التمثيل والتصوير، وإلا فليجعلوا مثل ذلك للقسم الثاني من الوسواس
стр. 26
أو الموسوسين وهم الناس، فإن الله نسب الوسوسة إليهم على السواء، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، فليكن للناس الذين يوسوسون في صدور الناس خرطوم وخطم ومنقار يدخل في الصدور ويوضع على أذن القلب فإذا ذكر الله خنس الخرطوم كما ذكروه في الجنة، ولكنهم يكثرون الوصف ويخترعون ما يشاءون بأفواههم فيما لا يراه الناس وإن كانوا لا يعقلونه، ويجترءون على الغيب فيذكرون من شئونه ما استأثر الله بعمله، ثم لا يكفيهم ذلك حتى يخترعوا من الأحاديث ما يسند أوهامهم، وينسبون إلى السلف ما يظنون أنه يقوي مزاعمهم، والله يشهد أن النبي ﷺ والسلف الصالح برآء مما ينسب إليهم من ذلك كله، وإنما هو من اختراع من لم يرض لنفسه أن يقترف جريمة واحدة، جريمة الجرأة على الغيب بوهمه، حتى يضم إلى ذلك جريمة الكذب على رسول الله ﷺ وسلف الأمة، أولئك الذين إذا انجر القول بهم إلى ما يعرفه الناس ويمكنهم أن يكذبوهم فيه سكتوا سكوت البكم ولجئوا إلى سلاحهم الذي يشرعونه في وجوه الجبناء، وقالوا هكذا مذهب أهل السنة، كأن السنة عندهم مذهب جسماني محض لا شائبة من الروحانية فيه، وافتروا على أهل السنة وهم السلف ما لا يعرفونه، وماذا عليهم لو أخذوا السنة والكتاب ونظروا إلى الدين جملة، وفسروا بعض نصوصه ببعض، كما هو الواجب على المسلم الذي يؤمن بالكتاب كله، وليس من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فعوذ بالله من الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس، والله أعلم.
(أقول) وعلى الله
стр. 27
أتوكل، ومن الحول والقوة أتبرأ، إني مسلم ومصدق بما يقتضيه ظاهر الحديثين، ولا نحتاج إلى تأويل يقبله العقل، حيث إني قررت في النبذة أن كل ما لا يمكن الاطلاع عليه مما غاب عنا وليس للعقل فيه مطمع - مرجعه النقل، ولا يتأتى لي أن أدعي أن ما هو ذات صفة، فنحتاج إلى تكذيب الجماعة كلهم سلفا وخلفا (١)
فيما رواه في كيفية الوسوسة، ونرتكب جريمة الكذب ثلاث مرات: كون الذات صفة، وتكذيب العدول، ورد الأحاديث الواردة في ذلك، وتكذيب الناقلين لها بدون مستند للرد، بل بمجرد الهوى ليطابق معتقد الضالين الزائغين من أن الملائكة والجن والشياطين قوى كقوة المغناطيس، وعليه فلا يتأتى أن يكون لها خراطيم ... إلخ، ولقد أخطأ الشيخ محمد عبده مرات فيما كتبه في هذا الموضوع خطأ ينزه عنه من تعاطى مبادئ العلوم ولم يغص في تيارها، وهو لم يكن متميزا
стр. 28
في شيء يذكر عنه إلا الإنشاء وطلاقة اللسان، وبهما مع ما حصل له في آخر عمره من توليته المناصب المحتاج إلى صاحبها اشتهر صيته واغتر بذلك من لا علم له بحقيقة أمره، وإلا فأهل مكة أدرى بشعابها.
(فالمرة الأولى) قوله في تعريف ماهية الشيطان الوسواس: وهي قوة نازعة إلى الشر ... إلخ، فقوله "وهي قوة" خطأ صريح وقول قبيح؛ لأن لفظ "قوة" مدلولها باعتبار اللفظ العربي الخالي من العجمة صفة لا ذات، ومن المقرر عند ذوي العقول أن الصفة من حيث ذاتها لا تقوم بنفسها ولا تحيز لها ولا ينسب لها حكم عارية عن موصوفها، فيتعين أن يكون الوسواس ذاتا لا صفة.
(فإن قلت) إن كلامه يصح أن يكون صوابا، ويتخرج على نحو "زيد عدل" من جواز أحد الاحتمالات الثلاثة فيه، أعني كونه اسم فاعل أو على تقدير مضاف أو مبالغة.
(قلت) يصح، إلا أنه يشتغل اشتغال ذات النحيين؛ لأنه يسئل حينئذ عن كيفية الوسوسة، فلا يخلو الحال إما أن يرجع إلى السنة ويقتبس من نبراسها، أو يرتكب طريقا آخر غيرها، فتفوق له السهام أيضا حتى يرجع إليها أو يموت على غيرها.
(الثانية) استبعاده ما لا بعد فيه، وتعجيزه لغيره بما لا عجز فيه، فيريد بقوله "وإلا فليجعلوا مثل ذلك للقسم الثاني" التعجيز، على حد قوله ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وقول القائل:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
فيا للعجب من هذا الشيخ، يهول بما لا تهويل فيه، ولكن يقال:
خلا لك الجو فبيضي واصفري
وفي الحقيقة هذا الخطأ في ضمنه خطأ
стр. 29
آخر حسبما يتبين لك إن شاء الله تعالى، فالإنسي إذا جرينا على أنه يوسوس في صدور الإنس لا يحتاج إلى جعل خرطوم له ومنقار يوضع على القلب حتى تصل وسوسته إلى القلب كما احتيج إلى ذلك في الوسواس غيره؛ لأن طريق وصول وسوسته إلى القلب أذن الرأس، وهذا أمر لا يكاد يخفى على صغار الطلبة، فضلا عن المشايخ، فضلا عن مجتهد بدعواه، فتبين بيان الشمس في رابعة النهار أن لا احتياج إلى جعل خرطوم للإنسي، وأن لا تعجيز، فافهم ولا تكن أسير التقليد فيما يؤخذ ويرد بالعقل.
والخطأ الضمني قوله "والموسوسين"، وذلك أن ابن عباس ﵄ فسر الناس بالخلق في قوله تعالى ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ ليعم الإنس والجن، وجعل قوله ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ بيانا للناس الذي فسره بالخلق، وعليه فيكون الوسواس من غير الإنس قطعا، وعليه فلا يحتاج إلى قوله "وإلا فليجعلوا ... إلخ"؛ لأن الوسواس غير الإنس مسلم له الجعل شرعا. تفهم ولا تغتر بصيته؛ لأنه على حد قولهم:
تسمع بالمعيدي خير من أن تراه
(الثالثة) تجرؤه وتهوره في شأن الناقلين لكيفية الوسوسة واتهامهم بالتجرؤ على الغيب وتكذيبهم فيما نقلوه عن سيد الخلق ﷺ حيث لم يصل عقله إلى ذلك، فهو من الجماعة -والله أعلم- الذين يقولون: إن أحكام الدين كلها معقولة المعنى، وما كان منها على خلاف العقل فليس من الدين. وهؤلاء لا نصيب يذكر لهم في الدين؛ لجهلهم بأحكام الدين، وإلا لو علموها لأقروا بأن كثيرا منها متعبد به غير معقول المعنى لنا، اتهم بما قال ورد ما نقلوه تهجما على الغيب حيث لا مستند له
стр. 30
يعتبر عند العلماء وارتكابا لجريمة الكذب عليهم، ولم يرض لنفسه أن يرتكب إثم تهجمه على الغيب حتى ارتكب إثم تكذيب الأبرياء لما قرر العلماء أن العلماء أمناء فيما نقلوا إلا أن يتبين خطؤهم بنقل آخر أثبت من قولهم فيعمل بما هو أثبت، ولا يسوغ أن نتهمهم بتعمد الكذب فيما نقلوه، بل يحسن الظن بهم ويحمل على السهو في حالة النقل.
(الرابعة) قوله "أولئك الذين إذا انجر" إلى قوله "ما لا يعرفونه"، بيان الخطأ فيما قال: هو استهتاره بالجماعة بقوله "ولجئوا إلى سلاحهم"، وقائل هذه المقالة الشنيعة جار على مذهب الاعتزال القائل قائلهم:
لجماعة سموا هواهم سنة
فالجماعة يذكرون ذلك، سواء جر الحال بهم كما قال أو لا، بل يريدون بها أنهم على خلاف بقية الفرق الخارجة عن السواد الأعظم، وسلاحهم يشرعونه، وبه يقطعون ظهر من يتوهم في نفسه الشجاعة، وأما الجبان فيكفيه التأفيف والصفع بالنعال، وأما سلاح الشيخ وحزبه في حال انفرادهم عن المناظر سلاحهم الخارج من أفواههم من فظاعة القول كالند والشريك والتكذيب وغير ذلك مما يتبرأ منه غير مرتكب ذلك، وأما هو فالجزاء من جنس العمل، فهم أشبه بالحبارى سِلاحها سُلاحها، وأما عند المناظرة وطلب البراز فلا سلاح يقابل، ولو الجبناء وقد طلب الشرمساحي مرارا مناظرة الشيخ ونشرها على صفحات الجرائد في المسائل الثلاث التي أباحها الشيخ الحل للميتة أو+ختيها فلم يستطع أن يقابله، وهذه سنة كل من يريد الظهور، وهو خلو مما يريد الظهور به.
(الخامسة) قوله: "وماذا عليهم لو أخذوا" إلى قوله: ويكفرون ببعض" بيان الخطأ هنا: أن فيما قاله غشا وتعريضا بالعلماء المتبعين للمذاهب
стр. 31
الأربعة، وأنهم كالذين نزلت في حقهم الآية.
أما بيان غشه فلأمره بالاجتهاد ضمنا كما هو ديدنه وديدن شيعته لمن استكمل شروط الاجتهاد أو لم يستكمل ذلك؛ لأن تلك الشروط التي ذكرها الجماعة غير معتبرة عنده، بل المدار عنده على كون الطالب عنده من اللسان العربي ما يفهم به الكتاب والسنة. ولو جرى الناس على حسب رغبة الشيخ لأصبح اليوم مئات بل ألوف من المجتهدين تتضارب أقوالهم وتختلف آراؤهم، ولاتسع الخرق على الراقع، وأصبح الناس في حيرة، ولكن الله سبحانه لم يتمم رغبته إلا في أفراد قليلين كانت نتيجة اجتهادهم إباحة الربا وادعاءهم أنهم فهموا من القرآن ما لم يفهمه الرسول ﷺ . وحكم من تفوه بذلك معلوم عند أهل العلم، والتعريض بهم ظاهر، فالله حسيب من يتعدى على أعراض الأبرياء.
فبما قررت لك وبينت يصح لي أن أقول في حق الشيخ: إنه رجع في هذا الموضوع بخفي حنين كما هو الغالب عليه في شذوذاته عن الجم الغفير، وسيأتي إن شاء الله تعالى لنا معه في هذا الكتاب أخوات لهذا المبحث، كقصره لفظ السائل في قوله تعالى ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ على الطالب علما، وادعائه أن الفقير والمسكين لم يأتيا في القرآن إلا بعنوانهما، ولم يردا بغير ذلك، مع أن قصر العام عندهم على بعض أفراده بدون مخصص تحكم لا يجوز ارتكابه عند العلماء، ودعوى أنهما لم يردا في القرآن إلا بعنوانهما إن سلمت له لا تفيد القصر؛ لأن ذلك ليس علة تامة في القصر؛ لاحتمال إرادة سائل الصدقة أيضا مع عدم ورودهما في القرآن على
стр. 32
دعواه، على أن دعواه تلك باطلة لا صحة لها، وعليه فيصح لي أن أقول حيث إنه مدعي الاجتهاد آمر به غيره:
أطرق كرا أن النعام في القرى
ولفظ عبارته قبل بيان خطئه، قال في تفسير قوله تعالى ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾: والسائل هو المستفهم عما لا يعلم (١)
، وليس هو طالب الصدقة، فإن هذا
стр. 33
اللفظ لم يرد في كتاب الله عنوانا للفقير والمسكين، بل جرت سنة الكتاب المبين على ذكرهما بوصفهما ا. هـ.
البيان: قال ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾: "أطعموا" أعطوا "القانع" السائل الذي يقنع باليسير "والمعتر" الذي يعترضك ولا يسألك. فهذان اللفظان القانع والمعتر مراد بهما طالب الصدقة، فدعواه على القرآن مدحوضة ومرفوضة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ، قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نطعم من الضحايا الجار والسائل والمتعفف". وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد: "القانع السائل، والمعتر معتر البدن". وفي مختار الصحاح: القنوع: السؤال والتذلل، وبابه خضع، فهو قانع وقنيع. وقال الفراء: القانع الذي يسألك فما أعطيته قبله.
إذا تأملت ما ادعاه في هذا الموضوع والذي قبله يتبين لك -إن كنت منصفا عارفا بتحري المؤلفين- أن الشيخ هو وأتباعه حسبما يظهر لك فيما سيأتي يكتبون ويؤلفون كيفما اتفق لهم من غير تحر للصدق، وهذا شأن مجتهدي هذا الزمان، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم إن الأسئلة الآتية لغير السائل الأول:
سؤال: ما المراد من سبع أرضين، وقد ورد في الحديث الصحيح: "إن في كل أرض منها آدم كآدمكم ومحمدا كمحمدكم ﷺ "؟
الجواب: المراد من تعيين كونها سبع أرضين الإخبار بعددها وأنها مثل السماوات
стр. 34
في العدد، وأن بين كل أرض والتي تليها كما بين كل سماء والتي تليها، وسمك كل أرض مثل سمك كل سماء؛ كما هو مصرح به في كثير من الأحاديث، فانظرها إن شئت، وإن مست الحاجة إلى ذكر شيء منها ذكرته إن شاء الله تعالى.
وقولك أيها السائل "وقد رد في الحديث ... " إلخ، هو كما قلت من حيث المعنى، والوارد أبسط مما ذكرت، ولكن صرح فيه بشذوذ الحديث ونص الوارد، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب وفي الأسماء والصفات عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: "سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسى"، قال البيهقي: إسناده صحيح، ولكنه شاذ لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا ا. هـ.
أقول، والله الموفق للصواب: الحديث يقتضي -باعتبار فحواه وظاهره - أن كل ما وقع على ظهر الأرض التي نحن عليها من لدن آدم إلى انقضاء أجلها واقع مثله على ظهر غيرها، وما لم يذكر في الحديث من بقية الرسل والأمم وما وقع من الحوادث من قتل قابيل أخاه هابيل والطوفان والصيحة والرجفة وإغراق فرعون وخروج سيدنا محمد ﷺ من مكة إلى المدينة وهلم جرا هو في حكم المذكور؛ لأن آدم الأرض الثانية مثلا إذا لم يكن مصحوبا وموصوفا بما وصف به آدم أرضنا عند نزوله من الجنة إلى أن التحق بالرفيق الأعلى لم يكن كآدم أرضنا، والحديث يقتضي أنه مثله في كل صفاته حسبما قرروه في المثل والنظير والشبيه، فالمماثل لك هو المتصف بمثل جميع صفاتك،
стр. 35
والنظير في غالبها، والشبيه في بعضها ولو قل، فتنبه وتفطن لتحوز المعالي، وهذا الحديث ومثله مما يجب الإيمان بظاهره ولا دخل للعقل في شيء من ذلك؛ لما قررناه آنفا أن العقل في عقال عن مثل هذا، ويشهد لذلك حديث ابن عباس ﵄ الذي رواه مجاهد في قوله: ﴿ومن الأرض مثلهن﴾، قال: "لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم بتكذيبكم بها" ا. هـ. وذلك أن العقول (١)
لا تصدق بما لا تتصوره إلا إذا كانت تابعة في ذلك التصديق لحكم الشارع كما هنا وأمثاله، فالواجب الرجوع لما قررناه سابقا من الوقوف عند نص الشارع.
(بقي) علينا إذا ثبت لدينا ما تقدم ذكره: هل لكل أرض غير أرضنا سماء تظلها مزينة بكواكب ككواكب سمائنا، ويسقون منها كما نسقى من سمائنا؟ فإذا قلنا بذلك لزم زيادة السماوات على السبع، وإذا لم نقل فمن أين تضيء وتستنير أرضهم؟ ومن أين يسقون؟ إلى غير ذلك من المنافع السماوية (٢)
الجواب: لنا أن
стр. 36
نقول بالشق الأول ونلتزم الزيادة ولا تنافي الخبر بكون السماوات سبعا؛ لأنا نريد بالسبع المصرح بها كون بعضها فوق بعض مما هو فوقنا، وما هنا ليس من هذا القبيل، والأسلم الوقف حتى نجد في ذلك نصا من الشارع، والحديث الأول حكمه الرفع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي ا. هـ.
سؤال: قوله تعالى ﴿أولم ينظروا إلى السماء فوقهم﴾ يقتضي أن هذا اللون لون نفس السماء؛ لأنه لا يشاهد غيره ، والقاعدة هو أن النظر إذا تعدى بإلى كما في هذه الآية وغيرها فالمراد به الرؤية، وإذا تعدى بفي كما في قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ﴾ فالمراد به التفكر، مع أن الفخر الرازي ذكر أن هذا اللون ليس هو حقيقة لون السماء، وكذلك أهل الفنون العصرية قائلون بمثل ذلك، فإذا ما السماء التي أشارت لها الآية الأولى؟
الجواب، والله الموفق للصواب: السماء التي أشارت لها الآية الأولى هي التي نشاهدها حيث لا حائل بيننا وبينها، وهي التي وبخوا على عدم النظر إليها نظر اعتبار وتدبر؛ لأنه المراد للشارع، وأما مجرد الرؤية الخالية عما ذكر فلا اعتبار بها عند الشارع، وعليه فلا فرق بين ما يتعدى بإلى وبين ما يتعدى بفي في المعنى المراد منهما من التفكر والتدبر في المصنوعات؛ ليتوصل بذلك إلى إدراك إتقان صنعة الصانع، وبذلك
стр. 37
يحصل العلم بكمال صانعها الكمال الذي لا يحاط به، وذلك تمام الإيمان إن كان معه تصديق برسالة سيدنا محمد ﷺ ، وإلا فلا ينفع صاحبه بشيء.
وقول العلامة الرازي أن هذا اللون ... إلخ، معارض بما هو أقوى منه حسبما تقف عليه إن شاء الله تعالى، أو نحمل قوله على القول الذي يقول: إن هذا اللون الذي نراه مكتسب، وليس هو لون السماء الأصلي.
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب، قال: السماء أشد بياضا من اللبن. وأخرج عبد الرازق وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري، قال: تحت الأرضين صخرة، بلغنا أن تلك الصخرة منها خضرة السماء.
فالعلامة إنما نفى كون اللون الذي نراه لون السماء الأصلي، وهو قول كما سمعت. وأما أهل الفنون العصرية فإن كانوا نافين لمجرد اللون فالجواب عن قولهم ما سمعت، وإن كانوا نافين لذات السماء فتقدم الرد عليهم، وبما هنا يرد عليهم أيضا، وما يعارض به ظاهر كلام العلامة الرازي.
أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن إياس بن معاوية، قال: "السماء مقبية على الأرض مثل القبة". وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن أبي برة، قال: "ليست السماء مربعة، ولكنها مقبوة يراها الناس خضراء" ا. هـ.
وأخرج أبو الشيخ عن سلمان الفارسي، قال: "السماء من زمردة خضراء" ا. هـ.
سؤال: قانون النشوء التدريجي ونظرية داروين القاضية بأن أصل الإنسان قرد وأنه قبل ذلك كان مكروبا صغيرا ثم ترقى ... إلخ ؟
الجواب، والله الموفق للصواب: أن قائل هذا القول ومعتقده ليس من أهل القبلة، بل ليس من أهل العلم، بل ليس من العقلاء الذين تصان أقوالهم عن العبث حسبما يأتي إن شاء الله تعالى، فلا ينبغي لأهل الفضل أن يسرحوا نظرهم في
стр. 38
مثل هذا الهذيان، إلا إذا أرادوا الرد على أهله أو إنقاذ من تشبث بذلك من ضعفة المسلمين ليقوه من الهلاك الأبدي والخزي السرمدي، فلا بأس بذلك، بل قد يجب إن ظن بذلك حصول الفائدة.
وقد تقدم لنا في جواب السؤال عن كيفية وسوسة الشيطان أنه يجب على المسلم أن يكف نفسه عن اتباع أقوال غير أهل الإسلام مما فيه مخالفة للدين، وأي مخالفة أعظم من مخالفة صاحب هذا القانون، حيث خالف صريح القرآن وسنة سيد ولد عدنان، القاضيين بأن الإنسان خلق من أول وهلة على أكمل صورة وركب على أحسن تركيب.
ولنمهد لك تمهيدا قبل ذكر بعض الآيات والأحاديث الدالة على ما ذكرته، وذلك أن لفظ إنسان يطلق تارة على آدم ﵊، وتارة على ذريته، وتارة على النوع؛ لوجود الاستثناء في ذلك التركيب، والاستثناء معيار العموم، فمن الإطلاق الأول والثاني قوله تعالى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، ومن الثالث ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
فالإنسان بمعنى الذرية لا يمكن حمل كلام هذا القائل عليه؛ لأن العيان يكذبه، والمشاهدة تنبذه، والنوع غير مراد له أيضا، فلم يبق معنا إلا الإطلاق الأول، والرد فيه على هذا القائل أوضح إن كان معترفا بالإله الفاعل المختار، حيث إن الأخبار على كمال خلقته وحسن صورته من أول نشأته صادرة من خالقه ومصوره، مَنْ تُنَزَّهُ عن الكذب أخباره، وصادرة أيضا من رسول رب العالمين، مَنْ تُنَزَّهُ عن الكذب أخباره؛ كما سطر ذلك في أصول علم الدين.
أما أخبار الله تعالى فهي قوله
стр. 39
تعالى ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، وقوله تعالى (١)
﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾، وقوله تعالى ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ
стр. 40
طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾، فهذه الآيات ونحوها ناطقة بأن نشأة الإنسان كانت من أول مرة على أحسن صورة وأكمل إتقان، لا كما يدعيه صاحب هذا القول السخيف، إن كان مراده بالإنسان الذي كان أصله مكروبا ... إلخ - آدم ﵇، وأما إذا كان لا يعترف بآدم كما هو رأي كثيرين مثله فالبحث معه يكون من غير هذا الوجه الذي ذكرته.
وأما أخبار النبي ﷺ ، فأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة، فاسمع ما يجيبونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فذهب، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوا: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعا، فلم تزل الخلق تنقص حتى الآن".
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والطبراني في الكبير عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :