← Акыда

Акыда · id 36571

الأجوبة الكافية عن الأسئلة الشامية

الكافي التونسي

Полный текст (168 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

نقول بالشق الأول ونلتزم الزيادة ولا تنافي الخبر بكون السماوات سبعا؛ لأنا نريد بالسبع المصرح بها كون بعضها فوق بعض مما هو فوقنا، وما هنا ليس من هذا القبيل، والأسلم الوقف حتى نجد في ذلك نصا من الشارع، والحديث الأول حكمه الرفع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي ا. هـ. سؤال: قوله تعالى ﴿أولم ينظروا إلى السماء فوقهم﴾ يقتضي أن هذا اللون لون نفس السماء؛ لأنه لا يشاهد غيره ، والقاعدة هو أن النظر إذا تعدى بإلى كما في هذه الآية وغيرها فالمراد به الرؤية، وإذا تعدى بفي كما في قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ﴾ فالمراد به التفكر، مع أن الفخر الرازي ذكر أن هذا اللون ليس هو حقيقة لون السماء، وكذلك أهل الفنون العصرية قائلون بمثل ذلك، فإذا ما السماء التي أشارت لها الآية الأولى؟ الجواب، والله الموفق للصواب: السماء التي أشارت لها الآية الأولى هي التي نشاهدها حيث لا حائل بيننا وبينها، وهي التي وبخوا على عدم النظر إليها نظر اعتبار وتدبر؛ لأنه المراد للشارع، وأما مجرد الرؤية الخالية عما ذكر فلا اعتبار بها عند الشارع، وعليه فلا فرق بين ما يتعدى بإلى وبين ما يتعدى بفي في المعنى المراد منهما من التفكر والتدبر في المصنوعات؛ ليتوصل بذلك إلى إدراك إتقان صنعة الصانع، وبذلك

стр. 37

يحصل العلم بكمال صانعها الكمال الذي لا يحاط به، وذلك تمام الإيمان إن كان معه تصديق برسالة سيدنا محمد ﷺ ، وإلا فلا ينفع صاحبه بشيء. وقول العلامة الرازي أن هذا اللون ... إلخ، معارض بما هو أقوى منه حسبما تقف عليه إن شاء الله تعالى، أو نحمل قوله على القول الذي يقول: إن هذا اللون الذي نراه مكتسب، وليس هو لون السماء الأصلي. أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب، قال: السماء أشد بياضا من اللبن. وأخرج عبد الرازق وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري، قال: تحت الأرضين صخرة، بلغنا أن تلك الصخرة منها خضرة السماء. فالعلامة إنما نفى كون اللون الذي نراه لون السماء الأصلي، وهو قول كما سمعت. وأما أهل الفنون العصرية فإن كانوا نافين لمجرد اللون فالجواب عن قولهم ما سمعت، وإن كانوا نافين لذات السماء فتقدم الرد عليهم، وبما هنا يرد عليهم أيضا، وما يعارض به ظاهر كلام العلامة الرازي. أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن إياس بن معاوية، قال: "السماء مقبية على الأرض مثل القبة". وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن أبي برة، قال: "ليست السماء مربعة، ولكنها مقبوة يراها الناس خضراء" ا. هـ. وأخرج أبو الشيخ عن سلمان الفارسي، قال: "السماء من زمردة خضراء" ا. هـ. سؤال: قانون النشوء التدريجي ونظرية داروين القاضية بأن أصل الإنسان قرد وأنه قبل ذلك كان مكروبا صغيرا ثم ترقى ... إلخ ؟ الجواب، والله الموفق للصواب: أن قائل هذا القول ومعتقده ليس من أهل القبلة، بل ليس من أهل العلم، بل ليس من العقلاء الذين تصان أقوالهم عن العبث حسبما يأتي إن شاء الله تعالى، فلا ينبغي لأهل الفضل أن يسرحوا نظرهم في

стр. 38

مثل هذا الهذيان، إلا إذا أرادوا الرد على أهله أو إنقاذ من تشبث بذلك من ضعفة المسلمين ليقوه من الهلاك الأبدي والخزي السرمدي، فلا بأس بذلك، بل قد يجب إن ظن بذلك حصول الفائدة. وقد تقدم لنا في جواب السؤال عن كيفية وسوسة الشيطان أنه يجب على المسلم أن يكف نفسه عن اتباع أقوال غير أهل الإسلام مما فيه مخالفة للدين، وأي مخالفة أعظم من مخالفة صاحب هذا القانون، حيث خالف صريح القرآن وسنة سيد ولد عدنان، القاضيين بأن الإنسان خلق من أول وهلة على أكمل صورة وركب على أحسن تركيب. ولنمهد لك تمهيدا قبل ذكر بعض الآيات والأحاديث الدالة على ما ذكرته، وذلك أن لفظ إنسان يطلق تارة على آدم ﵊، وتارة على ذريته، وتارة على النوع؛ لوجود الاستثناء في ذلك التركيب، والاستثناء معيار العموم، فمن الإطلاق الأول والثاني قوله تعالى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، ومن الثالث ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فالإنسان بمعنى الذرية لا يمكن حمل كلام هذا القائل عليه؛ لأن العيان يكذبه، والمشاهدة تنبذه، والنوع غير مراد له أيضا، فلم يبق معنا إلا الإطلاق الأول، والرد فيه على هذا القائل أوضح إن كان معترفا بالإله الفاعل المختار، حيث إن الأخبار على كمال خلقته وحسن صورته من أول نشأته صادرة من خالقه ومصوره، مَنْ تُنَزَّهُ عن الكذب أخباره، وصادرة أيضا من رسول رب العالمين، مَنْ تُنَزَّهُ عن الكذب أخباره؛ كما سطر ذلك في أصول علم الدين. أما أخبار الله تعالى فهي قوله

стр. 39

تعالى ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، وقوله تعالى (١) ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾، وقوله تعالى ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ

стр. 40

طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾، فهذه الآيات ونحوها ناطقة بأن نشأة الإنسان كانت من أول مرة على أحسن صورة وأكمل إتقان، لا كما يدعيه صاحب هذا القول السخيف، إن كان مراده بالإنسان الذي كان أصله مكروبا ... إلخ - آدم ﵇، وأما إذا كان لا يعترف بآدم كما هو رأي كثيرين مثله فالبحث معه يكون من غير هذا الوجه الذي ذكرته. وأما أخبار النبي ﷺ ، فأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة، فاسمع ما يجيبونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فذهب، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوا: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعا، فلم تزل الخلق تنقص حتى الآن". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والطبراني في الكبير عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 41

"يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم، طوله ستون ذراعا، في عرض سبعة أذرع"، وفيما ذكرته كفاية لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد. (١) تنبيه: مهم لمن له أذن واعية وقلب سليم، وهو أن كثيرا ممن تعاطوا كتب غير أهل الإسلام وتتلمذوا لهم أو لمن تتلمذ لهم قبل حصول شيء في أفئدتهم من عقائد المسلمين يصدقون بما في تلك الكتب ويعتقدون صحة ما فيها ويذيعونها بين السذج، بل ربما يصرحون بها في المحافل المشتملة على أهل العلم من غير مبالاة، من قبيل "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" على قول، ولو كان ما في تلك الكتب وما تلقوه عن مشايخهم مخالفا ومنابذا لدين الإسلام. ولقد صرح بعض متصوفي بني غازي في محفل غاص بأهله بأنه لا سد في الأرض لقول كثير من الكشافين بأنهم لم يعثروا عليه، فبادره قاضي المرج الشيخ عبد الرحمن من أهالي الوجه بقوله: لقد كفرت حيث صدقت الكشافين وكذبت الله في خبره. ولما سقط في يده أمام الحاضرين رجع يعتذر بأنه ليس معتقدا لذلك، وإنما أراد مجرد الإخبار عن قولهم، وقس على هذا ما شابهه من كونهم كشفوا عن الكواكب السيارة فوجدوا فيها عوالم وأراضي وجبالا وأنهارا وأبحرا وغير ذلك مما لم يشهد بثبوته الشرع، بل هو

стр. 42

مصادم له؛ لأن الوارد في الشرع هو أن تلك الكواكب أجرام نيرة متفاوتة في النور والضياء حسبما أودع فيها، أجرى الله تعالى المتحرك منها في مجاريها من أفلاكها ليهتدي الناس بها في أسفارهم وغير ذلك من الحكم. والحق كما قاله بعض المحققين: أن القائلين بما ذكر انعكس عليهم كشفهم، فرأوا الأرض وما فيها من جبال ... إلخ، وحسبوا أن ذلك في الكواكب، كلا ورب العزة إن الكواكب السيارة ليس فيها شيء مما ذكروا حسبما يأتي النص على ذلك، وليست محلا له، فينبغي للمؤمن أن يتحاشى عن مثل هذه الخرافات، ويطلب معرفة أحكام دينه ويعمل بها ليحصل له الفوز الأكبر يوم القيامة عند ربه. سؤال: ما حكم من أنكر وجود الجن؟ وما يترتب على إنكاره من الأحكام ؟ الجواب: يحكم الشرع بارتداده، حيث اعتنق الإسلام قبل، وذلك أنه مكذب لصريح القرآن، أعني إخبار الله تعالى بوجودهم وأنهم شق للإنس، (١) والتكليف من الشارع وارد على الشقين

стр. 43

ولصريح إخبار الرسول بذلك أيضا في قصة جن نصيبين وغيرهم، والأحكام المترتبة على الردة المترتبة على الإنكار هي أن من صدر منه ذلك يوقفه الحاكم الشرعي ثلاثة أيام ويطالبه بالتوبة والاعتراف بوجودهم حسب القرآن والسنة من غير ضرب ولا جوع ولا عطش، فإن اعترف فبها ونعمت، وإلا قتله كفرا، ويكون ماله فيئا لبيت مال المسلمين، ولا يورث ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. سؤال: هل الطبيعة في اعتقاد

стр. 44

أهل الطبيعة تؤثر بنفسها أم بغيرها؟ وما حكم من يعتقد تأثير الطبيعة بنفسها؟ الجواب، والله الموفق للصواب: قالوا: إن الحكم على الشيء فرع من تصوره، فأولا: نتصور علم الطبيعة ما هو؛ لنعلم منه الطبيعة، ونحكم على معتقد تأثيرها بنفسها، فعلم الطبيعة: هو علم يبحث عن الجسم من جهة ما يلحقه من الحركة والسكون، فينظر في الأجسام السماوية والعنصرية وما يتولد عنها من حيوان وإنسان ونبات ومعدن، وما يتكون في الأرض من العيون والزلازل، وفي الجو من السحاب والبخار والرعد والبرق والصواعق وغير ذلك، فنقتصر في هذا التعريف على البحث في قولنا: وما يتولد عنها من حيوان ... إلخ، فالمتولد مطبوع، والمتولد عنه طبيعة، فنحتاج إلى تفصيل في المعتقدين ذلك، فمن اعتقد أن بين الطبيعة ومطبوعها ارتباطا يصح تخلفه، وأن الطبيعة لا تأثير لها في مطبوعها، وأن المؤثر هو الفاعل المختار، فهذا مسلم مؤمن بلا ريب، وإنما عبر بالطبيعة والطبوع بدل السبب والمسبب، ولا نظر للشارع في الألفاظ، وإنما نظره في الاعتقاد، ومن اعتقد أن الطبيعة ينشأ عنها مطبوعها بلا فاعل غيرها فهذا كافر بلا توقف في كفره حيث جعل لله شريكا في ملكه. (ولنحصل) لك ما في المقام، فنقول بحول الله وقوته: إن هناك طوائف مختلفة في الاعتقاد في العالم، فمنهم من يقول: إن العالم بأسره نشأ عن واحد من كل وجه، ويسمونه بالعقل الأول وبعلة العلل، وفي اعتقادهم أنه نشأ عنه عقل ثان، وفلك أول أنشأ المعلول عن علته، يعني بغير اختيار فيما نشأ عنه، ونشأ عن العقل الثاني عقل ثالث وفلك ثان، وهكذا إلى العقل التاسع، نشأ عنه عقل عاشر وفلك تاسع، يسمى عندهم بالفياض؛ لأنه أفاض الوجود على الأرض

стр. 45

والعناصر والنباتات والمعادن والحيوانات وكل ناشئ بطريق العلة، لا بطريق الاختيار، وهذا مذهب الفلاسفة الأولى، وتعريف العلة عندهم: أن يصدر عنها معلولها بدون شرط ولا انتفاء مانع؛ كصدور ضوء الشمس عن جرمها، وحركة الخاتم عن حركة الإصبع. ومنهم من يعتقد أن صدور العالم عن الطبيعة، وهي أن يصدر عنها مطبوعها، لكن مع توفر الشروط وانتفاء الموانع، ويمثلون لها بالنار، فإنها تؤثر الإحراق في الحطب مثلا، بشرط اتصالها به وانتفاء البلل مثلا، واشترك كل منهما في عدم الاختيار. ومنهم من يقول: إن هذا العالم وجد اتفاقيا بدون مؤثر من علة وطبيعة وفاعل مختار. ومنهم من يقول: إن وجود هذا العالم ناشئ من فاعل مختار في جميع أفعاله، إن شاء فعل، وإن شاء ترك، موصوف بكل كمال، منزه عن كل نقص، غير أنهم اختلفوا في ربط الأسباب بمسبباتها، وفي أفعال العبد الاختيارية. وتفصيلها يعلم من كتب أصول الدين فراجعها إن شئت، فالفرق الثلاث الأولى كافرة بلا ريب ولا اختلاف، والفرقة الرابعة هي الكاملة في الاعتقاد الناجية عند ربها، حسب التفصيل المشار إليه. إذا علمت هذا فطبق اعتقاد الجماعة الذين يتعاطون قراءة علم الطبيعة، فإن اعتقدوا أنها هي المؤثرة فلا اختلاف في كفرهم، ويطالبون بالتوبة إن كانوا مسلمين قبل، وإن اعتقدوا أن المؤثر هو الله تعالى، وإنما تلك الارتباطات الواقعة بين الأشياء خصوصيات أوجدها الله تعالى، يصح تخلفها كتخلف الإحراق عن سيدنا إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- وغير ذلك من الأسباب العادية، فهذا القبيل من عداد المسلمين، ولا يضره تعلم ذلك إن شاء الله تعالى، وفي هذا القدر كفاية لمن له

стр. 46

ذوق سليم وبصيرة ثاقبة، اللهم اهدنا ووفقنا وإخواننا المسلمين لاتباع سنة نبيك صلى الله تعالى عليه وسلم. (مآب) إلى ذكر ما وعدنا به في الديباجة من التعرض لبعض مواضع في مجلة المنار . سؤال وارد عليه مذكور في المجلد الرابع عشر في صفحة ٣٤٠ صورته بعد الديباجة: ما معنى "سبع سماوات طباقا" في قوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾؟ وما قولكم في قول أهل الجغرافية: إن السماوات ليست بأجرام، وإنما هي أهوية، وفسروا السماء بمعناها اللغوي، وهو كل ما علاك فهو سماء، فهل هذا القول ينافي تلك الآية، وآية ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج﴾ أم لا؟ وقولهم: إن الأمطار تتكون من ماء البحر؟ وهل يجوز لهم ولمن تبعهم اعتقاد ذلك اعتمادا على علمهم وخبرتهم؟ أفيدونا بما هو الحق، وإن سبق لكم البحث عن هذه المسألة في المنار؛ لأنها مفشى لتكفير من تجري به معتقدا ذلك؟ الجواب: في صفحة ٣٤١ المنار: أما الجواب عن السؤال الأول فقد سبق بيانه في المنار، ونقول فيه ما يفتح به الآن: السماء في اللغة: ما كان في جهة العلو. وأطلق في القرآن على السقف وعلى السحاب والمطر، وعلى مجموع ما نرى فوقنا من الكواكب في فلكها وبروجها وسماها - بناء، فقال: ﴿بناها﴾ و ﴿بنيناها﴾، والمعنى: ترتيب أجزائها وتسويتها كما يبنى الجيش والكلام، قال في الأساس: وكل شيء صنعته فقد بنيته. أقول: وبالله أستعين فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم: إن سؤال هذا السائل يشتمل على خمسة أسئلة، يحتاج كل واحد منها إلى جواب يخصه: الأول: الاستفهام عن معنى "سبع سماوات" ... إلخ. الثاني: عن قول أهل الجغرافية:

стр. 47

إن السماء ليست بأجرام. الثالث: هل ينافي قولهم هذا الآيتين؟ الرابع: قولهم: الأمطار تتكون من ماء البحر. الخامس: ما حكم من يعتقد ذلك؛ اعتمادا على علمهم بذلك؟ فالواجب على المفتي أن يجيب عن الخمسة مفصلا لها مقتصرا على ذلك كما هو الشأن من قولهم إن الجواب على قدر السؤال. فقوله: وأطلق في القرآن على السقف وعلى السحاب وعلى المطر لا حاجة إليه بالنسبة للسائل؛ لأنه لم يسأل عما يطلق عليه لفظ سماء حتى توضحه له، وقوله: وعلى مجموع ما نرى فوقنا من الكواكب ... إلخ - مسلم لغة، لكنه لم يستفهم عنه السائل؛ لكونه معلوما عنده، فحقه حيث ذكره أن يتبعه بمعناها العرفي؛ لكونه المراد للسائل، وهي بناء عظيم مزين بالكواكب حسبما تقدم وما سيأتي، إن شاء الله تعالى. وقوله: وسماها بناء، إلى قوله: فقد بنيته - فيه نظر ظاهر؛ لأن المراد بناء محكم، لا مطلق الترتيب والتسوية. وكلام الأساس الذي نقله - ذكره صاحبه في قسم المجاز بعد ذكر الحقيقة. فَنَقْلُ هذا الأستاذ له موهما به الحقيقة غير مقبول عند من تدثر بالمجاوز واستشعر بالحقيقة. وقوله في الجواب أيضا وأشار إلى أن منها القربى التي تتمتع أبصارنا بزينتها، ومنها البعدى التي لا نراها، يعني في قوله ﴿سبع سماوات طباقا﴾ حق وصدق؛ لأن ما عدا سماء الدنيا بعيد عنا لا نراه؛ لحيلولة سماء الدنيا بيننا وبينه، وإن كان بعضه أبعد من بعض، قوله ويذكر السماء بلفظ المفرد غالبا، المعنى الذي ذكرناه آنفا وهو مجموع ما نراه في الأفق فوقنا - فيه نظر من ثلاثة أوجه: الأول: تقدم. الثاني: أن اللام في "السماء" للجنس أو الاستغراق إلا إذا ذكرت بحلية الزينة

стр. 48

فالمراد سماء الدنيا، الثالث: أن الأفق في اصطلاحهم هو الخط الوهمي الحاجز بين السماء والأرض، وإن كان في اللغة يطلق على الناحية. (قوله) في الجواب أيضا وذكرها بلفظ الجمع وخصه بسبع في عدة آيات، فالمراد بالجمع نحو قوله تعالى ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ هذه السبع يعني بالجمع الذي لم يصرح فيه بلفظ السبع يحمل على السبع هو كذلك. (قوله) وعبر عنها بالطباق كما في آية سورة الملك المذكورة في السؤال وبالطرائق، فقال في أوائل سورة المؤمنين: ﴿ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق﴾ هو كذلك، أي: عبر عن السماوت السبع بما ذكر. (قوله) وسمى هذه الطرائق حبكا على التشبيه، فقال في أوائل سورة "والذاريات": ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ وهي الطرائق المعهودة في الرمل - ممنوع بتاتا. سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب وبيان ذلك: أن المراد بالحبك في الآية مدح السماء بما زينها الله تعالى به، لا أن المراد منها عدد السماوات كما ادعاه أولا، ولا أن المراد منها الطرائق المعهودة في الرمل كما ادعاه ثانيا، قال في القاموس: وحبك الرمل بضمتين حروفه، إلى أن قال: ومن السماء طرائق النجوم، وإليك ما يفسره به أهل اللسان: أخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله ﴿والسماء ذات الحبك﴾، قال: "حسنها واستواؤها". وأخرج أبو الشيخ وغيره عن ابن عباس أيضا في قوله ﴿والسماء ذات الحبك﴾، قال: "ذات البهاء والجمال كالبرد المسلسل". وأخرج ابن منيع عن علي بن أبي طالب، أنه سئل عن قوله ﴿والسماء ذات الحبك﴾، قال: "ذات الخلق الحسن". وأخرج ابن جرير وأبو

стр. 49

الشيخ عن الحسن، ﴿ذات الحبك﴾، قال: ذات الخلق الحسن، محتبكة بالنجوم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة، ﴿والسماء ذات الحبك﴾، قال: الخلق الحسن، ألم تر الحائك إذا نسج الثوب فأجاد نسجه، قيل والله أجاد ما حبكه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد، ﴿والسماء ذات الحبك﴾ قال: المتقن البناء. (قوله) فالسبع الشداد والطباق والطرائق والحبك تنبئ عن شيء واحد معروف عند العرب الذين نزل القرآن بلسانهم - غير صحيح بالنسبة للحبك لما تقدم، وأيضا العرب لا تعلم إلا ما تشاهده. وأما ما غاب عنها فلا تعلمه إلا بواسطة صاحب الوحي ﷺ . (قوله) وقد سمى هذه السبع سماوات؛ لأن كل واحدة منها تعلو المخاطبين ويصعدون إليها نظرهم من فوق - فيه نظر ظاهر؛ لأن المخاطبين إنما يصعدون نظرهم للمرئي منها، وهي التي أمروا بالتفكر فيها والنظر إليها نظر اعتبار وتدبر، وما عداها لم يكلفوا بالنظر إليه لعدم استطاعتهم ذلك، وهذا الشيخ إنما يحاول بكلامه أمرا سيصرح به بعد، إلا أنه لا يتم له، ويرد عليه إن شاء الله تعالى برد جميل. قوله "ووصف به السماء المفردة" إلى قوله "يختلف باختلاف الاعتبار" فيه نظر ظاهر يتبين بأدنى تأمل. قوله: ذهب بعض الغافلين الذين يظنون أن الله تعالى خاطب الناس بما لا يفهمون وأقام عليهم الحجة العقلية بما لا يعقلون إلى أن السماء والسماوات من عالم الغيب كالجنة والنار فلا تعرف حقيقتها، وإنما يجب الإيمان بها إذعانا لخبر الوحي، ولو كان الأمر كذلك لما ذكر في الآيات التي يقيم الله بها حجته على عباده ليعلموا أنه الخالق المنفرد بالخلق والإبداع والعلم المحيط والحكمة البالغة والقدرة والمشيئة؛ كما استدل على ذلك بالأرض وما فيها

стр. 50

فقرن بين السماء والأرض وبالإبل والجبال وغير ذلك من عوالم الأرض. تقول وافتراء على من سماه غافلا بقوله الذين أن الله إلى قوله لا يعقلون إلى أن السماء والسماوات إلخ؛ لأن الله تعالى، إنما كلفنا بالنظر والتفكر في الآيات والصفات التي في السماء والأرض والإبل والجبال من حسن سبك السماء واستوائها وعدم فطورها وزينتها بالكواكب وغير ذلك من الآيات السماوية وعيون الأرض ونباتها وأزهارها وعذب مائها وأجاجه ومعادنها، وحسن تركيب الإبل وعظم الراسيات من الجبال، لا أنه تعالى كلفنا بمعرفة حقائق ما ذكر تأمل منصفا. تنبيه: ما ذكره من شأن هذا الغافل عنده من قبيل السفسطه لأنه يصرف به ذهن السائل عن سؤاله ويشغله به عن سؤاله وقد فعل كما أبين لك ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: السماء اسم جنس يطلق على جهة العلو إلى قوله: وإنما كانوا يعنون بالسماء الجو الذي فوقهم، فيه نظر بين لمن تأمل؛ لأن السماء بناء لا جو كما يقوله أهل الجغرافية فهو تابع لهم في هذا المعنى، وهو الذي يحاوله فيما تقدم ويأتي رد ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: ذكر السماء في أكثر من مائة موضع في القرآن بهذه المعاني ولم يشتبه أحد من العرب في فهم شيء منها لا مؤمنهم ولا كافرهم، ولم يفهموا من السماوات السبع والطرائق والحبك والطباق إلا الكواكب السبعة السيارة ومداراتها في أفلاكها، التي تشبه طرق الرمل يسلكها السفر في الموامي والبوادي ساقط عن درجة الاعتبار كلام مفترى على الوحي وعن ساداته العرب أو كلام صادر عن غيبوبة عقل بتوهمه أنه أحاط بما لم يحط به غيره حاد بذلك عن سنن المسلمين واتبع

стр. 51

قول الحائدين حسبما يظهر لك إن شاء الله تعالى ونعني بساداته العرب الصحابة والتابعين، وفي مقدمتهم ترجمان القرآن من حصلت له بركة دعوة النبي ﷺ بقوله: " وعلمه التأويل" فلم يفهم صحابي ولا تابعي الذين باشروا القرآن من يد صاحب الوحي وهم أهل اللسان الذي نزل القرآن به أن السماوات والطرائق والطباق هي الكواكب السبعة السيارة البتة، بل هذا القول إنما حدث عن قرب، بل كل من تصدى لتفسير ذلك يتبع ما جاء به النبي ﷺ من أنها سبعة أجرام بعضها فوق بعض وأنها محل السيارات وغيرها من الكواكب الثابتة، وأن مدارات السيارات في الأفلاك (١) أعني السماوات، والشيخ يحوم حول القول الذي يقول بعدم الأجرام، وإنما هي فضاء الكواكب متجاذبة حول مركز الشمس في مداراتها الهوائية، وعليه فيكون موافقا لغير أهل الإسلام وسيأتي له التصريح بهذا المذهب وفيما ترى من كلامه مناقضات ثلاث فقوله السماء الجو يناقض سابقه وهو أن منها القربي ... إلخ، المقتضى أنها أجرام مزينة بالكواكب ويناقض لاحقه المقتضى

стр. 52

أنها كوكب واللاحق أيضا يناقض السابق؛ لأن الكواكب مزين بها لا مزينة، فيا للعجب من هذا الشيخ المجتهد الذي يناقص نفسه ولا يشعر بذلك، ويكذب على الله في تنزيله كلامه تعالى على ما لم يرده، ومن شرط المجتهد العدالة ومن جملة شروط العدالة التنزه عن المكذب، لكن هذا الشيخ تبعا لأستاذه لا يعتبر شروط الاجتهاد التي ذكرها المسلمون، وعليه يجوز عندهما عدم العدالة في المجتهد وحينئذ فلا غرابة في الكذب. وتقدم الكلام على السماوات في أول الأسئلة فراجعه وأزيدك هنا أخرج ابن أبي شيبة والواسطي عن عبد الله بن عمر قال: إن الحرم لحرم في السماوات السبع بمقداره من الأرض، وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق﴾ قال: السماوات السبع، وعن ابن عباس ﵄ ﴿وبنينا خلقنا فوقكم﴾ فوق رءوسكم ﴿سبعا﴾ سبع سماوات شداد غلاظا ا. هـ. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿سبع سماوات طباقا﴾ قال: بعضها فوق بعض ويشهد لقولي السابق وكلام صادر عن غيبوبة عقل أن الشيخ ناقض كلامه بكلامه كما بينت لك آنفا وأنه تابع للطبائعيين في هذا المذهب دون المسلمين ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾. قوله: وخصها بالذكر ... إلخ، كلامه * لا نحتاج للتعرض له لقلة جدواه، حيث أدركنا معلومات الشيخ ومذهبه فيما كتبه وتحصيله في العلم غير أن السائل لم يستفد من كلام الشيخ جوابا عن الأسئلة الخمسة التي بينتها سابقا لا تصريحا ولا تلويحا إلا مذهب الجغرافيين في السماوات فإنه يستفاد

стр. 53

من كلامه أنهم على حق حيث إن المفتي جاراهم على ذلك، ومن هنا يتبين لك صدق كلامي في الديباجة بأن مثل هذا لا يتصدى للرد عليه، حيث إنه صحافي والصحافي يخلط في كلامه ويموه على السامعين، وأي تخليط وتمويه ارتكبه هذا المفتي مع هذا السائل مع أنه بسط الكلام وأتى بما لا جدوى فيه، بل هو كذب على الله تعالى لو كان مفتيا متقيا الله عالما بأحكام الفتوى لنهج نهج المفتين الحقيقيين، بأن يقول: حيث إن السائل مسلم غير طبيعي ﴿سبع سماوات طباقا﴾ أي أجراما بعضها فوق بعض ويستدل على كلامه بالأحاديث والآثار الواردة في ذلك، وبأن يرد على أهل الجغرافية قولهم، ويستدل على ذلك أيضا وبأن يقول: إن قول أهل الجغرافية ينافي الآيتين يقينا، ويستدل على ذلك بالأدلة الشرعية المؤيدة بالعقل في بعضها كما تقدم لنا. (وبأن الأمطار تنزل من جهة السماء) والقول بأن السحاب له خراطيم تأخذ الماء من البحر ثم تعلو به فيعذب فيها بإن الله تعالى نقل غير معتبر عند علماء المسلمين، ولم نعثر على من يقول بهذا القول إلا على خالد بن يزيد، وقال: إن ما يكون من البحر لا ينبت شيئا، وإنما ينبت ما كان من جهة السماء ويختلفون في محله ومقره فراجع أقوالهم، أخرج أبو الشيخ عن خالد بن يزيد قال المطر منه من السماء ومنه ماء يسقيه الغيم من البحر فيعذبه الرعد والبرق، فأما ما كان من البحر فلا يكون له نبات، وأما النبات فما كان من السماء وبأن يقول: إن معتقد عدم جرمية السماوات يكفر لمصادمته نصوص القرآن وأما

стр. 54

معتقد كون الأمطار أصلها من البحر فهذا (١) يتوقف فيه لوجود قائل

стр. 55

من المسلمين بذلك فينبغي أن يعلم حتى يرجع عن اعتقاده فيكون الشيخ

стр. 56

أدى وظيفة الفتوى التي تصدى لها اعتباطا أعنى من غير تصدير له من الحاكم ولا من جماعة المسلمين فالله سبحانه يتولى هداية الجميع قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال الصديق الأكبر أي سماء تظلني وأي أرض تقلني أن أقول في كتاب الله برأيي أتضرع إلى الله تعالى وأبتهل إليه وأستنصر به على من تجاوز حد المسلمين وسلك سبيل الضالين، وقال في كتاب الله تعالى برأيه وحمله على غير محامله وتجاسر على الكتاب والسنة ورمي ربقة الإسلام من عنقه إن كان متلبسا بها قبل، وعانق غير الإسلام إرضاء لمن نحا نحو مذهبهم خالف المنصوص أجمع، وفي أثناء تقاريره يظهر منها أنه مسلم ولو خالف رسول المسلمين ونسبه في معراجه للتخيل وغيره مما يقدح في مقام النبوة من أنه علم واطلع على ما لم

стр. 57

يطلع عليه النبي ﷺ من أسرار الكتاب مما تراه عيانا إن شاء الله تعالى، فالرد على ما ادعى الإسلام آكد من الرد على من لا يعترف بالإسلام أصلا كداروين صاحب فلسفة النشوء والارتقاء لاغترار كثير من الناس بهذا دون ذلك في صفحة ٥٧٧ من الجزء المذكور علم الفلك والقرآن نظرة في السماوات والأرض في صفحة ٥٧٨ ما هي هذه الأرض التي نعيش عليها هي كوكب من الكواكب التي تدور بمركز الشمس وتسمى السيارات. أقول: يعتقد صاحب هذا الكلام أن الأرض متحركة طائفة بمركز الشمس، وليست راسية ومائدة وليست بثابتة وسابحة وليست موثقة بالجبال، وهذا مذهب داورين الطبيعي

стр. 58

ومن تبعه كأصحاب هذه المجلة، قال داورين في كتاب النشوء والارتقاء في صفحة ٢٣٨: أن الأوهام التي تقاضت الإنسان حياته زمنا طويلا وكانت أعظم الأسباب شقائه، ودواعي عنائه اثنان عظيمان، وهما أولا: اعتقاده القديم في الأرض أنها مركز تدور حوله الأفلاك، وثانيا: اعتقاده في نفسه أنه من أصل سماوي فأهبطه الخالق من فسيح جناته ولماذا؟ وأسكنه ضيق أرضه إلى أن قال: ومنها أرضنا المتحركة حول الشمس، خلافا لمن يظن من أن الأرض ثابتة والشمس تدور حولها خدمة لها ا. هـ. واعتقاد المسلمين قاطبة بأن الأرض ثابتة تبعا لما أمتن الله به علينا بقوله في سورة لقمان: ﴿خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ أي: لئلا تميد بكم وفي عم يتساءلون: ﴿ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا﴾ وفي والنازعات: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها﴾ وغير ذلك من الآيات الدالة على ثبوت الأرض وعدم تحركها، في مختار الصحاح مادا الشيء تحرك، وفي القاموس ماد يميد ميدا وميدانا تحرك وزاغ، وفيه أيضا رسا رسوا ثبت كأرسى، فالله سبحانه أخبر بثبوتها وعدم تحركها وطوافها حول الشمس وداروين ومن تبعه أخبروا بحركتها وطوافها حول مركز الشمس فمن هو العالم بوصفها الحقيقي؟ الجواب: الله ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ فمن الصادق في خبره؟ الجواب: الله الصادق ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾ فإذا ثبت هذا فمن الواجب اتباعه في قوله؟ الجواب: الواجب اتباع قول الله تعالى؛ لأن خبره صدق يستحيل عليه الكذب وما في معناه، وطرح قول الغير وراء الظهر ومعتقد خلاف دين المسلمين كافر بلا

стр. 59

توقف ثم اتل قوله ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ وقال في صفحة ٥٨٠ والسبب الذي يمسك السيارات في أفلاكها ويحفظ نظامها في مداراتها، وهو جذب الشمس لها فلولاه لسارت في طريق مستقيم إلى حيث لا يعلم إلا الله، وكذلك جميع الكواكب يجذب بعضها بعضا من جميع الجهات فالسماء بما فيها من الكواكب كالبنيان يشد بعضه بعضا. أقول: إن هذا الكلام من نتيجة الكلام الأول ولا يقوله مسلم والمسلم، إنما يقول: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا أن أمسكهما من أحد من بعده﴾ راجع تفسير هذه الآية والمثل الذي ضربه الله تعالى لسيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. بقي في الكلام شيء وهو قوله: كالبنيان صريح في أنه لا بنيان وهذا موافق لقول أستاذه أي: فيما يؤخذ من كلامه في تفسير السماء قال في والنازعات: بناها؛ بيان لكيفية خلقه السماء والبناء ضم الأجزاء المتفرقة بعضها إلى بعض مع ربطها بما يمسكها، حتى يكون عنها بنية واحدة، وهكذا صنع الله بالكواكب وضع كلا منها على نسبة من الآخر مع ما يمسك كلا في مداره حتى كان منها عالم واحد في النظر سمي باسم واحد وهو السماء التي تعلونا، وهو معنى قوله: ﴿رفع سمكها فسواها﴾ والسمك قامة كل شيء فقد رفع أجرامها فوق رءوسنا، فسواها عدلها بوضع كل جرم في وضعه، وقال في التكوير في تفسير ﴿وإذا السماء كشطت﴾: وكشط السماء إزالتها كما يكشط الجلد عن الذبيحة، أي: إذا السماء كشفت وطويت ولم يبق هناك شيء يسمى سماء أو غطاء، وهذا إنما يكون بخلو ذلك العالم الجديد من الكواكب،

стр. 60

بل بخلوه مما يطلق عليه في الدنيا اسم الأعلى والأسفل، وقال في الانفطار: ﴿إذا السماء انفطرت﴾ أي: انشقت، وجاء في سورة الفرقان: ﴿يوم تشقق السماء بالغمام﴾ وانشقاق السماء انصداع نظامها فلا يبقى أمر ما فيها من الكواكب على ما تراه اليوم، وقال في الانشقاق: وانشقاق السماء مثل انفطارها الذي مر تفسيره في سورة إذا السماء انفطرت وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد الله خراب هذا العالم الذي نحن فيه وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام واختل نظامها حال ظهوره، وقال في سورة البروج: أقسم سبحانه أولا بما فيه غيب وشهود وهو السماء ذات البروج، فإن كواكبها مشهود نورها مرئي ضوءها معروفة حركاتها في طلوعها ومغيبها يحسر البصر، والسماء ما علاك مما تسميه بهذا الاسم وفيه البروج تشاهدها، ولكن فيها غيب لا نعرفه بالحس وهو حقيقة الكواكب وما أودع الله فيها من القوى وما أسكنها من الملك أو غيره، كل ذلك غيب لا تدركه حواسنا، وإن وصل إلى الاعتقاد بشيء منه عقلنا ثم أقسم جل شأنه بما هو غيب صرف وهو اليوم الموعود، وقال في تفسير والسماء والطارق: يقسم سبحانه بالسماء وقد قلنا أنها كل ما علانا، فهو قسم بالعالم العلوي، وقال في الغاشية: ورفع السماء إمساك ما فوقك من شموس وأقمار ونجوم كل منها في مدار لا يختل سيره ولا يفسد نظامه، وقال في تفسير ﴿والسماء وما بناها﴾: السماء اسم لما علاك وارتفع فوق رأسك، وأنت

стр. 61

إنما تتصور عند سماعك لفظ السماء هذا الكون الذي فوقك فيه الشمس والقمر وسائر الكواكب تجري في مجاريها وتتحرك في مداراتها، هذا هو السماء وقد بناه الله أي رفعه وجعل كل كوكب منه بمنزلة لبنة من بناء سقف أو قبة أو جدران تحيط بك، وشد هذه الكواكب بعضها إلى بعض برباط الجاذبية العامة كما تربط أجزاء البناء الواحد بما يوضع بينهما مما تتماسك به، والذي بنى السماء هو الله جل شأنه. (فاستفدنا من أطراف كلام الشيخ) أن السماء في اعتقاده غير السماء التي يعتقدها أهل الشرع التي تقدم بيانها وسيأتي بعض ما يتعلق بها إن شاء الله تعالى، فالسماء عند الشيخ يطلقها تارة على الجو الذي فيه الكواكب، وتارة على نفس الكواكب، وتارة على المجموع المربوط كواكبه بجاذبية أي بأمر معنوي لا قوام له شبه المغناطيس كما سيصرحون به بعد، وهذه الجاذبية عنده بمثابة الجص والرمل اللذين يوضعان بين الحجارة في البناء المعهود بنا فيتكون من الهيئة المذكورة السماء. (واستفدنا) أيضا من كلامه: أن تلك الكواكب مسكونة بالملائكة أو غيرها، وأن هلاك هذا الكون وانفطاره وانشقاقه وظهور الغمام يكون بتصادم كوكبين في حال سيرهما، وغير ذلك من المعاني الغزيرة الغريبة فهو لا يؤمن بأن اختلال نظام هذا العالم يكون بسبب نفخ إسرافيل ﵇ في الصور الناطقة به الآيات والأحاديث، واستفدنا منه أيضا: تعدد الشمس والقمر زيادة عما أخبر به الله به بقوله: ﴿فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ فهما كوكبان أحدهما ظهوره بالنهار والآخر بالليل، فما استفدناه من كلامه هو الذي يسبح فيه تلامذته، فإذا كانت عقيدة الشيخ هذه فلا نلوم على اتباعه المعتقدين كماله وعلمه على حد ما قيل:

стр. 62

إذا كان رب البيت للطبل ضاربا ... فلا تلم الصبيان فيه على الرقص فإن سأل سائل عن هذا العلم من أين اكتسبه الشيخ؟ فلا يخلو الحال إما أن يقال: إنه استنبطه من كتاب الله وسنة رسوله؛ لكونه مجتهدا وإما أن يقال: اكتسبته من العلماء؛ تقليدا لهم من غير نظر في دليل فإن قيل بالأول رد ذلك؛ لأنه ليس في القرآن ولا في السنة ما يشير إلى ما ذهب إليه ولا أظنه يدعيه، وإن قيل بالثاني يسأل أيضا لم ترك الاجتهاد وهو يأمر به غيره فيصدق عليه ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ ولم ذا قلد وهو ينهى الناس عن التقليد ويغلظ في ذلك القول فيصدق عليه أيضا: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ثم يسأل عن مشايخه الذين قلدهم في هذا العلم أهم مسلمون أم لا؟ فإن قيل بالأول رد ذلك أيضا؛ لأن المسلمين بريئون من هذا العلم الذي أبرزه الشيخ، وإن قيل بالثاني وهو الواقع حسبما يأتي إن شاء الله تعالى يسأل أيضا لم يأخذ عن علماء المسلمين وأخذ عن غيرهم أظن أنه يجاب عنه بلا توقف؛ لوثوقه بعلمهم دون المسلمين؛ لأن علمهم مستفاد من الآثار المسندة إلى الرسول والصحابة والتابعين، وعلم غيرهم مستفاد بالنظارات البلورية المعظمة فينتج عن ذلك أن الشيخ مقلد لا مجتهد ومقلده كافر لا مسلم، فتشنيعه على التقليد أشنع وأفظع عند من يعقل ويتبين من هذا وأمثاله أن الشيخ محمد عبده شهرته أكثر من علمه وأن كل دعوى ادعاها هو أو غيره له لا نسلم والمحك يفسدها رجوع لما نحن بصدده، ثم استدل على جذب الشمس للسيارات وجذب الكواكب بعضها لبعض بقوله: ﴿أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها﴾ وبقوله: ﴿والسماء ذات الحبك﴾

стр. 63

(أقول) لا دلالة في الآية الأولى قطعا على التجاذب الذي يدعيه، وإنما سيقت والله أعلم لردع من أنكر البعث بأن السماء على عظمها لا تنكرون أنه تعالى هو الخالق لها فكيف تنكرون خلقكم بعد الموت على ضعفكم، ولا في الآية الثانية وقد تقدم قريبا معناها فراجعه إن شئت، ثم قال: الحبك جمع حبيكة كطريقة وطرق بمعنى محبوكة أي مربوطة، فقوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ معناه ذات المجاميع من الكواكب المربوط بعضها بعضها ببعض بحبال من الجاذبية، فإن كل حبيكة مجموعة من الكواكب المتجاذبة فالآية الشريفة نص على تعدد المجاميع وعلى الجاذبية التي يقول الإفرنج أنهم مكتشفوها وعليه فهي إحدى معجزات القرآن العلمية. (أقول) بفضل الله تعالى: أن القرآن الشريف نزل على رسول الله ﷺ بلسان عربي مبين، والعرب من أولهم إلى آخرهم لا يفقهون أن الحبك معناها مجاميع الكواكب وجاذبية الكواكب بعضها لبعض، وإنما يفقهون معنى الحبك ما تقدم من الحسن والإتقان وطرائق النجوم كما تقدم، فلو كان المراد من الحبك ما قاله هذا الكاتب للزم أن الله تعالى خاطب الناس بما لا يعقلون معناه، وتقدم لهم أنفسهم التنكيت والتوبيخ بذلك على من سموه غافلا، فما ادعاه من أن الآية نص ... إلخ، باطل يرد على وجه قائله: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل (قوله) فإذا جاء الوقت الذي يفسد فيه نظام هذا الكون إلى قوله: والجاني على ركبته والنسر طائر وغير ذلك فيه نظر، وإنما تركت تتبعه؛ لأن غالبه مبني على الباطل الأول وغير الغالب لا حاجة لنا فيه. (وقال) ولعل سدرة المنتهى

стр. 64

المذكورة في القرآن الشريف هي صورة كهذه الصور. أقول: هذا من فرع الخرافات السابقة فلا ينظر إليه أخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : لما انتهيت إلى السدرة إذا ورقها مثل أذان الفيلة وإذا نبقها أمثال القلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت فذكر الياقوت، والرؤيا يقظة ذاتية على المشهور والراجح لا بالروح فقط، أو منامية كما هو الضعيف والمرجوح، وقول الأقل فما يأتي له من أن النبي ﷺ تخيل له أن بها نبقا ولا نبق مردود عليه ويفسق قائله كما سبق في سؤال المعراج، فلا تغفل عما قدمناه، ومن جملة ما قدمناه أن الأمور الغيبية لا دخل للعقل فيها، وإنما تستفاد من طريق الوحي ليس إلا، والحاصل أن ما ذكره هنا من المجاميع وأن الجنة التي يتنعم فيها المؤمن والنار التي يعذب فيها الكافر هما في هاته المجاميع، وجميع ما يتعلق بذلك هو خيالات لا وجود لها معارضة للنصوص الشرعية، فعلى من يعتقد حقية دين الإسلام إلقاء هذه الخرافات وراء المحيط؛ لأنها كسراب بقيعة، بل ربما السراب له وجود فيما يتراءى يقظة، وهذه المجاميع التي يذكرونها لا ثبوت لها قطعا، وإنما هي تخيل كتخيل النائم الذي يتخبطه الشيطان ومع ذلك لا يحصل لكل أحد، وإنما يحصل لمن معه آلات التخيل أعني أرصادهم التي ضيعوا نفيس أعمارهم فيها بلا فائدة، وفي البخاري في كتاب بدء الخلق باب في النجوم، وقال قتادة: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به. قال: والكواكب سماوات

стр. 65

فالسماوات المذكورة كثيرا في القرآن الشريف هي هذه السيارات السبع وهي طباق بعضها فوق بعض؛ لأن فلك كل منها فوق فلك غيرها كما تقدم، والشمس مركز لهذه الأفلاك السبعة، ومنها تستمد هذه السيارة النور والحرارة فهي سراج وهاج ونورها كنور السراج غير مستمد من غيره (١) ناشئ عن احتراق موادها كما سبق. أقول: وعلى الله أتوكل

стр. 66

هذا من نتيجة كلام الشيخ محمد عبده السابق فلا تغفل فإنهم عالة عليه في الضلال، وأقول أيضا: أن صاحب هذا الكلام يكتب كيفما اتفق له من غير مبالات بكونه خالصا أو زائفا صحيحا أو سقيما صدقا أو كذبا حقا أو باطلا تراه يجعل السماء المذكورة في القرآن غير الفلك ويجعل الأول حالا والثاني محلا، وأن السماوات المذكورة في القرآن هي الكواكب السيارة في الأفلاك وهذا من خبط العشواء لا يقول بذلك إلا مبرسم، إذ لم نعثر على قول للمتقدمين على أن السيارات السبع هي السماوات السبع في لسان الشرع، بل عندهم السماوات والأفلاك شيء واحد في لسان الشرع وهي محل الكواكب، نعم نقل الشيخ مرتضى: أن المنجمين يقولون أن الأفلاك سبعة أطواق دون السماء قد ركبت فيها النجوم السبعة، في كل طوق منهم نجم، وبعضها أرفع من بعض يدور فيها بإذن الله تعالى، وقال الزجاج في قوله تعالى ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ لكل

стр. 67

واحد منها فلك ا. هـ. فالمنجمون لم يدعوا أن الكواكب هي السماوات، بل الكواكب في مدارات دون السماء تسمى الأفلاك ومع ذلك لا يسلم لهم، وأما السماء عندهم غير الكواكب. وإبطال كلام الخصم: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، وقال أيضا: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ في مختار الصحاح: والفلك واحد أفلاك النجوم، فالتفرقة بينهما ناشئة عن جهل. إيضاح عقلي: لو كانت السماء المذكورة في القرآن هي الكواكب لزم أن يكون مزينا بالكواكب، لكن التالي باطل؛ لأنه لو كان مزينا بالكواكب لكان مزينا بنفسه؛ لأنه من جملتها والتالي باطل ضرورة؛ لأن الشيء لا يزين إلا بغيره، وإذا بطل كونه مزينا بنفسه بطل ما أدى إليه وهو كونه مزينا بالكواكب، وإذا بطل كونه مزينا بالكواكب بطل ما أدى إليه وهو كون الكوكب سماء، وإذا بطل كون الكوكب سماء شرعا ثبت المطلوب وهو كون السماء غير الكوكب فتفطن ولا تغتر بقول من يكتب ما لا يفقه، وإنما يتبع قول داروين وأضرابه حسبما يأتي إن شاء الله تعالى. قال وأما الأقمار فهي كالمرآة تعكس نور الشمس على الكواكب التابعة لها فلذا لم تسم في القرآن بالسرج فإنها لا نور لها من ذاتها قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ﴾ أي جنس القمر ﴿فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ أي لهن. أقول صريح كلامه أن القمر متعدد دون الشمس وهو تحكم منه لأنهما ذكرا معا بلفظ الإفراد، وتقدم لأستاذه: أن كلا منهما متعدد فانظر من الصادق منهما والحق أنهما لا تعدد فيهما معا. فقوله: وأن الأقمار نور في السماوات حين ما كان الناس يظنون أن لا قمر إلا للأرض فقط

стр. 68

ساقط وأن ظن الناس هو الحق، غاية ما هناك أن القمر يضيء على أهل الأرض، وعلى أهل السماوات والشمس، كذلك أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن الحسن في قوله: ﴿وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا﴾ قال: وجوههما في السماء وظهورهما إليكم، وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله ﴿وجعل القمر فيهن نورا﴾ قال: إنه يضيء نور القمر فيهن كلهن كما لو كان سبع زجاجات أسفل منها شهاب أضاءت كلهن، فكذلك نور القمر في السماوات كلهن لصفائهن. قوله: ويقول العلماء: أنه من المحقق أن هذه السيارات مسكونة بحيوانات تشبه الحيوانات التي على أرضنا هذه فيكون كل كوكب منها أرضا مسكونة بالنسبة لحيواناته، وباقي الكواكب سماوات بالنسبة لها * غير صحيح ولا دلالة على صحته البتة؛ لأنه تقدم لنا في النبذة: أن ما غاب عنا من الفلكيات والأرضين لا سبيل لإدراك ما فيهن بالعقل، وإنما يستفاد من طريق الوحي وصاحب الوحي أخبر بأن السماوات أعني الأفلاك عامرة بالملائكة المكرمين منهم الساجد ومنهم الراكع ومنهم ومنهم ... إلخ، ما أخبر ﵊، ولم يخبر بأن الكواكب السيارات أرضين مسكونة بحيوانات كحيواناتنا أشيء جهله رسول الله وعلمه هذا الكاتب؟! إن هذا لمن العجب العجاب أن الشخص إذا نزع منه عرق الإيمان لا يبالي بمناقضته لكلام الله وكلام رسوله ﷺ . فقوله: ويقول العلماء يعني من هم على شاكلته، وأما علماء المسلمين قاطبة فلا يستطيع أحد منهم أن يتفوه بمثل هذا البهتان. قوله: والظاهر أن القول بوجود الحيوانات في هذه الكواكب صحيح؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾

стр. 69

ويقول: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ * غير صحيح لما علمت ولا دلالة في الآيتين؛ لأن السماوات في الآيتين غير السماوات التي يريدها هو أعني الكواكب؛ لأنه لا قائل من أهل الإسلام بأن الكواكب هي السماوات المذكورة في القرآن، وإنما يقولون تبعا للقرآن والحديث الوارد أن الكواكب زينة السماوات وجعلت رجوما للشياطين وللاهتداء بها. (قوله) الدابة كل حيوان يدب أي يمشي، ومنه قوله تعالى ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ والمعنى إذا قامت القيامة بعث الله نوعا مخصوصا من دواب هذه الأرض كما يبعث غيره من الدواب الأخرى وينطقه فيوبخ الإنسان على كفره، كما ينطق أعضاءه في ذلك اليوم أيضا، فليس المراد من قوله دابة الفرد، بل النوع. (فيه صدق وكذب) فقوله: الدابة كل حيوان يدب صدق والآية في ذاتها صدق والاستدلال بها على ما ذكره من أن المراد بالدابة النوع لا الفرد كذب وبهتان، وكون المراد أخرجنا لهم ... إلخ، أي: بعثنا بعد الموت افتراء على الله وعلى رسوله المخبر بخلاف ما قال هذا الدجال، بل الإخراج قبل القيامة؛ لكون الدابة المخرجة من أنواع علامة القيامة وهي فرد لا نوع، كما يدعيه هذا المفتري، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن بين يدي الساعة الدجال والدابة، ويأجوج ومأجوج، والدخان وطلوع الشمس من مغربها ا. هـ وهذا معلوم عند المسلمين. قوله: أما كون الأرضين سبعا كالسماوات فهو أمر نجهله ولا نفهمه. (يقال له فيه) علمه غيرك وفهمه تلقيا عن صاحب الشريعة حسبما تقدم وما يأتي قريبا

стр. 70

وما علينا إذا جهلت لم تفهم. وقوله: والحق يقال: إن كون الأرضين سبعا هو كما يظهر لنا وهم من أوهام القدماء؛ ولذلك لم يرد في القرآن الشريف لفظ الأرض مجموعا أي أرضين، ولم يرد فيه مطلقا أن الأرضين سبع مع أنه ذكر أن السماوات سبع مرارا عديدة، وفي كل مرة يذكر معها الأرض بالإفراد. (لا صحة له ولا حق له) فيما قاله، بل كفر صراح إذ من جملة من صرح بالتعدد الرسول ﷺ ، وما لجأ هذا الداعي في العلم أن يخوض في البحر الزاخر، وماذا عليه لو اقتدى بقول من قال: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع وإليك البيان الشافي لتفهم طوية هذا الكاتب ثمرة الشيخ محمد عبده في تفسير أبي السعود ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ أي خلق الأرض مثلهن في العدد، وقرئ مثلهن بالرفع على أنه مبتدأ ومن الأرض خبره واختلف في كيفية طبقات الأرض، قال الجمهور: إنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سكان من خلق الله تعالى وقال الضحاك مطبقة بعضها فوق بعض من غير فتق بخلاف السماوات، قال القرطبي: والأول أصح؛ لأن الأخبار دالة عليه كما روى البخاري وغيره: من أن كعبا حلف بالذي فلق البحر لموسى أن صهيبا حدثه: أن النبي ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر من فيها، قال الماوردي: وعلى هذا تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا دون من

стр. 71

عداهم، وأن فيهن من فيهن من يعقل من الخلق وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان، أحدهما: أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضوء منها، والثاني: أنهم لا يشاهدون السماء، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه، وحكى الكلبي عن ابن عباس ﵄: أنها سبع متفرقة بالبحار تظل الجميع السماء وعن قتادة في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه، وفي جامع البيان قال: حدثني يونس قال: أخبرني ابن وهب قال: حدثنا جرير ابن حازم قال: حدثني حميد بن قيس عن مجاهد قال (١) هذا البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت كل بيت منها حذو صاحبه لو وقع وقع عليه، وأن هذا الحرم حرمي بناؤه من السماوات السبع والأرضين السبع، حدثنا ابن أبي الأعلى قال: حدثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة قال: بينا النبي ﷺ جالس مرة مع أصحابه إذا مرت سحابة فقال النبي ﷺ : أتدرون ما هذا هذه العنان؟ هذه روايا الأرض يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يعبدونه، قال: أتدرون ما هذه السماء؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال هذه السماء موج مكفوف وسقف محفوظ، قال: أتدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فوق ذلك سماء أخرى حتى عدد سبع سماوات، وهو يقول أتدرون ما بينهما؟ خمسمائة سنة ثم قال: أتدرون

стр. 72

ما فوق ذلك قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فوق ذلك العرش، قال: أتدرون ما بينهما؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال بينهما خمسمائة سنة، ثم قال: أتدرون ما تحت هذه الأرض؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: تحت ذلك أرض، قال: أتدرون كم بينهما؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عدد سبع أرضين ا. هـ. باختصار وفي هذا القدر كفاية لمن صدق وآمن رسول رب العالمين انظر البخاري في كتاب بدء الخلق. (قوله) نعم ورد فيه قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ وهي الآية الوحيدة التي فهموا منها أن الأرض سبع وهي كما لا يخفى لا تفيد ذلك مطلقا. (أقول) مستعينا بالله تعالى: أن هذا الجريء على كلام الله تعالى تكلم أولا على نفي تعدد الأرض بعقله، ثم علم بهذه الآية الشريفة وكان قبل جاهلا بها، وأنها نص في التعدد فلم يؤمن بها وحاول بتفسيرها بعقله الحاد في آيات الله ليثبت ما ادعاه أولا وأنى له ذلك مع تصريح رسول الله بالتعدد وتصريح الصحابة والتابعين بذلك وما أحوج هذا المسكين إلى الولوج فيما لا يستطيع الخروج منه. وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس (فقوله) وهي الآية الوحيدة ... إلخ، يقال له نعم هي الآية الوحيدة، وهي نص لا تحتاج لتأويل لتعضدها بالأحاديث الدالة على ذلك فالقائل بالتعدد له مستند، والقائل بنفي التعدد لا مستند له إلا الوهم المبني على وهم أهل الطبيعة، شتان بين المستندين. (ثم قال) ولنا في تفسيرها وجهان إلى أن قال: وعليه يعني على ما خبط به في الآية خبط

стр. 73

عشواء (١) فليس في القرآن الشريف أدنى دليل على أن الأرض سبع كما يزعمون. (قد علمت) الحكم في ذلك، واعلم أيضا أن هذا الشخص لا تقنعه الآيات والأحاديث ولا الآثار المروية عن السلف الصالح، وإنما يقنعه قول غير أهل الإسلام وهو الذي يرتاح له نفسه فانظر ممن هو. (ثم بعد) أن هذى في جانب العرش بما سولت له نفسه وقرينه، قال فإذا قلت أن العرش ثابت فما هذا الشيء الذي يثبته والجواب: أن الله تعالى وكل به قوى مخصوصة لا نعلم كنهها ولا حقيقتها، وهذه القوى المجهولة لنا تسمى حملة العرش، وهي أشياء روحانية لا يمكننا أن ندرك ماهيتها، كما أننا لا ندرك ماهية المغناطيس أو الكهرباء أو سائر القوى الجاذبة، ومن ادعى إدراك هذه الأشياء فليخبرني

стр. 74

أي شيء ينبعث من الجسم الجاذب إلى المجذوب فيجذبه، وما كنه هذا الشيء وكيف نتصوره قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وقال أيضا: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أي ثمانية أصناف من هذه القوى الروحانية أو ثماني قوى، وهي المسماة بالملائكة، وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم. (أقول) بفضل الله تعالى أن هذا المسكين جاهل بأحكام دينه، حيث يخلط النور بالظلام والكفر بالإسلام يستدل بكلام رب العالمين على إثبات قول الملحدين يذكر لفظ المجاميع ويكررها كثيرا، وهذا المعنى الذي يريده منها لم يكن معلوما لدى أهل الدين ولا مراد الله في كلامه الذي أنزله على رسوله بلسان عربي مبين، وقال له فيه: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ والنبي ﷺ لم يبين للناس أن السماوات هي الكواكب السيارة وأن السبع السيارة مع الأرض تسمى مجموعة، ولم يبين لهم أيضا أن هناك مجموعات أخر، بل بين لهم أن السماوات سبع ما بين كل سماء وسماء كذا وأن سمك كل واحدة كذا وأن سماء الدنيا مزينة بالكواكب، وأن جميع السماوات عامرة بالملائكة، فبين لهم بيانا غير البيان الذي بينه هذا الشخص في السماوات والعرش والملائكة، فيلزم هذا الرجل أنه عالم والنبي جاهل بأحوال وأحكام ما أنزل عليه ليبينه للناس معاذ الله أن يكون رسول الله جاهلا، وهذا الشقي عالما، بل هو الجاهل بل الكافر بلا تردد، نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا ديننا عند نزول الفتن ثم أن ما ادعاه في جانب حملة العرش هو نتيجة مذاكرة له مع الشيخ رشيد رضا كما صرح به هو

стр. 75

في ذلك المحل وما ذكره في حملة العرش وبقية الملائكة من أنهم قوى معنوية كالقوة الموجودة في المغناطيس وما رتبه على ذلك في حيز المنع، بل الملائكة بأجمعهم أجسام نورانية لطيفة قائمة بنفسها قادرة على التشكل كما تقدم، وما في المغناطيس من الخصوصيات ليس من هذا القبيل قطعا، بل هو معنى أوجده الله تعالى في ذلك الشيء وخصوصية شتان بين الأجسام والمعاني، فالجسم من شرطه أن يقوم بنفسه والمعنى من شرطه أن يقوم بغيره ولا تحيز له إلا تبعا للجسم فلو كانت الملائكة قوى كالمغناطيس فمن أتى بالوحي للنبي ﷺ إلا أن ينكر كون القرآن منزلا من عند الله فانظروا يا أولي الألباب إلى هذا المتطفل على موائد العلم، فإليك ما ورد في شأن حملة العرش أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان عن هارون بن رباب ﵁ قال: حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت رخيم، يقول أربعة منهم: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أنهم أجسام ناطقة لا أنهم معان صامتة (١) هذا هو الحق ولا تغتر بقول
следующие страницы →