مقدمة الشيخ / عبد الله بن جبرين "حفظه الله "
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
وبعد: فقد كنت كتبت هذه المسائل المتعلقة بالتوحيد والعقيدة قبل أربع سنوات، وذلك بناء على رغبة الأخ: حمد بن إبراهيم الحريقي -وفقه الله-، وقد التزمت ألا أخرج فيها عما أعرفه من معتقد أهل السنة والجماعة، والذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، والذي تلقيته عن مشايخنا من تلامذة أئمة الدعوة، فما كان فيه من صواب فهو من الله -تعالى-، وهو الموفق له، وله الفضل والمنة، وما كان فيه من خطأ فمني ومن جهلي ونقصي، وعلى من عرف الخطأ فيه أن ينبهني، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، نسأل الله أن يمن علينا بالهداية والتوفيق لأقوم طريق، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
стр. 2
تقديم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فهذه مجموعة أسئلة كنت قد كتبتها ثم عرضتها على صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين -حفظه الله-، وذلك عام ١٤١٢هـ، وكانت النسخة الأصل لدي، حيث إنني قد عزمت على إخراج مجموع فتاوى للشيخ عبد الله بعد أن أخذت الموافقة منه شفهيا، ثم صدر المجموع من ترتيب أخي علي أبو لوز، وبعد تلك الشهور العديدة رأيت أن أخرجها بجزء مستقل؛ خشية الإثم من كتم العلم وعدم إخراجه للناس، فكان هذا الكتاب الذي يحوي مجموعة من الفتاوى الخاصة بالتوحيد، أسأل الله -جل وعلا- أن ينفع بها.
ونسأل الله -جل وعلا- الإخلاص في الأقوال والأعمال، وأن يجزي الشيخ خير الجزاء على جهوده.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه حمد بن إبراهيم الحريقي الرس ص ب: ٥٥٣ وتحريرا في القويعية مساء الأحد ٧/ ٥/١٤١٦هـ
стр. 3
حكم التداوي بالقرآن
س١: ما حكم التداوي بالقرآن ؟
الجواب: لا بأس بذلك، فإن الله -تعالى- أخبر بأن القرآن شفاء، وأن منه شفاء، فقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (١) وقال -تعالى-: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٣) ويؤخذ من هذه الآيات أن الاستشفاء به يختص بالمؤمنين العاملين به، المصدقين بأنه كلام الله، وأن ذلك يستلزم اعتقادهم صحة التداوي به، واطمئنان قلوبهم إليه، ولا بد مع ذلك من صحة إيمان القارئ وعمله بالقرآن، ومعرفته بالآيات والسور التي يتداوى بها: كآيات السكينة، وآيات الشفاء، وآيات التخفيف، وآيات الأسماء والصفات للرب ، وآيات التوحيد والاعتماد على الله -تعالى-، ويكون ذلك بأن ينفث المريض على نفسه مع قراءتها، أو ينفث عليه القارئ ويقرؤها، أو يخص العضو المتألم فينفث عليه ويمسحه بيده، ويكرر ذلك مرارا،
стр. 4
وهذا -بإذن الله وقدرته- يشفي من كل الأمراض: كالمس، والعين، والسحر. والأمراض المستعصية: كالسرطان، والقروح، والأعضاء المتآكلة، وذلك واقع ومجرب ولو استبعده الأطباء وعامة الناس، فإن التجربة أكبر برهان. والله أعلم.
معنى الورود: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾
س٢: ما معنى الورود في قوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) الآية؟
الجواب: ذكر ابن كثير في التفسير عدة أقوال وآثار عن السلف في تفسير الورود للنار:
منها: أن الورود الدخول، لقوله -تعالى-: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (٢).
ومنها: أنه العبور على الصراط المنصوب على متن جهنم، وفي بعض الآثار أنهم يقال لهم: قد مررتم عليها وهي خامدة، وفي بعضها أنها تقول: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي.
стр. 5
وقيل: إن الورود قيامهم حول النار، ثم يصدرون بأعمالهم، وكان كثير من السلف يشتد خوفهم فيقولون: أخبرنا الله أنا نردها، ولم يخبرنا أنا نصدر عنها.
وقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة مرفوعا: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم» (١).
وقد ذكر ابن حجر في "فتح الباري" (٣/ ١٢٤) خلافا في الورود المذكور، وصحح القول بأنه الدخول ثم الخروج، أو أنه الممر عليها، واستدل على ذلك، وضعف القول بأنه مختص بالكفار، أو أنه الدنو منها، أو الإشراف عليها، أو أنه ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى، وذكر الحديث الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل أحد شهد الحديبية النار. قالت حفصة: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ فقال: أليس الله يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؟ (٢).».
وبكل حال فإذا قيل: إنه الدخول، فإنها لا تضر المؤمن، بل يعبرها ولا يحس بحرارتها، ويبقى فيها من كتب له بعض العذاب، أو كتب أنه مخلد فيها. والله أعلم.
стр. 6
هل كل مسلم مؤمن؟
س٣: هل كل مسلم مؤمن؟ نرجو الإيضاح .
الجواب: لا شك أن من دخل في الدين وعمل بشرائعه يوصف ظاهرا بأنه مسلم، ويدخل في عموم المؤمنين، وقد أمر الله بالإسلام كما أمر بالإيمان في عدة مواضع، وفسر الإسلام بأنه الاستسلام والانقياد مع الخضوع، وذلك يستلزم فعل كل طاعة وعبادة، وترك كل معصية ظاهرة، كما فسر الإيمان بأنه عقد القلب على اليقين بكل الأمور الغيبية التي ورد ذكرها في الوحيين، وذلك التصديق الجازم يستلزم انقياد الجوارح بفعل الأوامر وترك الزواجر.
فلهذا ذهب أهل السنة إلى أن الأعمال البدنية داخلة في مسمى الإيمان، لكن اختار بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية أن إطلاق لفظ "الإسلام" لا يعم الإيمان الكامل، واستدلوا بقوله -تعالى-: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (١)، ورجح آخرون ومنهم ابن رجب في شرح حديث جبريل المشهور، أنه إذا أفرد اسم الإيمان دخل فيه الإسلام، وكذا العكس، فإذا قرن بينهما فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بأعمال القلب،
стр. 7
وذكر أحاديث فيها تفسير الإسلام بالإيمان والأعمال الباطنة، وتفسير الإيمان بأعمال الجوارح.
وبكل حال فالمشهور أنهما مراتب، فالإسلام أعمها يدخل فيه كل من اعتنق هذا الدين ولو لم يطبق تعاليمه، والإيمان وصف أعلى منه، يخص من زاد بالعمل وجزم بالقلب بكل الأمور الغيبية، واندفع إلى طلب الثواب بفعل الأسباب، واستعد للقاء ربه أتم استعداد. والله أعلم.
ما هي حقيقة التوكل؟
س٤: ما هي حقيقة التوكل على الله -تعالى -؟
الجواب: التوكيل لغة: إنابة الإنسان غيره فيما يعجز عنه، يقال: توكل بالأمر، إذا ضمن لك القيام به. والتوكل في الشرع: تفويض الأمور إلى الله -تعالى- والاعتماد بالقلب عليه، والرضا به حسيبا ووكيلا، وهو من العبادات القلبية التي يكثر الأمر بها ومدح أهلها، كقوله -تعالى-: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٢)،
стр. 8
وقوله: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢) أي: يعتمدون عليه بقلوبهم مفوضين أمورهم إليه وحده، فلا يرجون سواه، ولا يقصدون غيره، ولا يرغبون إلا إليه، فالله حسبهم أي: كافيهم، كما قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٣).
والتوكل لا ينافي فعل الأسباب، قال -تعالى-: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٥)، فأمر بالعبادة والتقوى التي هي فعل الأسباب وتوقي المكروهات، وقد قال ﷺ : «لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا»، أي: تفعل الأسباب وتتقلب في طلب المعاش، فالمتوكل على الله هو المؤمن الذي يفعل أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، ويطلب الرزق ويحترف بنفسه، مع اعترافه بأن ربه -تعالى- هو مسبب الأسباب، فلو شاء لما أثمرت الأشجار، ولا ربح التجار، ولا عاشت المواشي، ولا وجدت الحرف، فإذا فعلها العبد ووثق بربه رزقه من حيث لا يحتسب.
وقد رأى عمر قوما جلوسا في المسجد، وقالوا: نحن المتوكلون،
стр. 9
فأمرهم بالاحتراف، وقال: بل أنتم المتأكلون. فلا يجعل العبد توكله عجزا، ولا عجزه توكلا.
حكم مرتكب الكبيرة
س٥: ما حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة ؟
الجواب: هو عند أهل السنة فاسق أو ناقص الإيمان، وذلك لإقدامه على اقتراف الكبائر وإصراره عليها وتهاونه بخطرها، فلذلك نخاف عليه من العذاب، بل نخاف عليه من الكفر والردة؛ لأن المعاصي بريد الكفر، فهي تنشأ وتتمكن في القلب، فيضعف الإيمان، وتقوى الدوافع نحو المحرمات، من زنا ومسكر وغناء وكبرياء، واعتداء على المسلمين بقتل أو سلب أو نهب أو سرقة أو قذف ونحو ذلك.
فهذه الذنوب مع الاستمرار تضعف سير القلب والجوارح نحو الطاعات؛ فتثقل الصلوات والصدقات وسائر العبادات، ولا شك أن ذلك منذر بخروج عن الدين، ولعل ذلك هو السر في إطلاق الكفر في الأحاديث على بعض الكبائر، أو نفي الإيمان عن أهلها، كقوله ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، وقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» إلخ.
стр. 10
فنحن نقول: إنه ناقص الإيمان، أو مؤمن بتصديقه بالله واليوم الآخر والكتب والرسل، لكنه فاسق باقتراف الذنوب وتهاونه بها، وقد تشدد الخوارج فكفَّروا بالذنوب، وأخرجه المعتزلة من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر، لكنه عندهم مخلد في النار، وأما المرجئة فجعلوه كامل الإيمان، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر عمل، وتوسط أهل السنة فجعلوه فاسقا، وقالوا: هو في الآخرة تحت المشيئة، فإن أدخل النار بسبب كبيرته فلا بد أن يخرج منها بعد التمحيص بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين.
حكم السجود على المقابر والذبح لها
س٦: ما حكم السجود على المقابر والذبح لها ؟
الجواب: لا يجوز ذلك، بل هو شرك أكبر وعبادة لساكن القبر، وتعظيم لتلك البقعة، فمن فعل ذلك فقد أشرك بالله -تعالى-، ولا فرق بين قبور الأنبياء وغيرهم، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما صنعوا»، وقال أيضا في آخر حياته: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد،
стр. 11
فإني أنهاكم عن ذلك»، ولا شك أن تحري الصلاة عند القبور، أو السجود عليها من اتخاذها مساجد، فإن كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، ولو لم يكن هناك بناء مرتفع.
وسبب النهي أن الذي يقصد السجود عند القبر، يعتقد أن صاحبه ينفعه، إما بقبول عمله أو برفعه أو بالشفاعة له، فقد اعتقد في هذا المخلوق ورفعه فوق منزلته.
ولا شك أن العامة إذا رأوا شخصا يقتدى به يقصد القبور يدعو عندها أو يصلي أو يعتكف حولها أو يدعو أهلها - انخدع به العامة واقتدوا به، واعتقدوا أن لهذا القبر سرا مكتوما، فلازموه وتحروا الصلاة عنده، وذلك يئول بهم إلى عبادة صاحب القبر ودعائه مع الله، وهو الشرك الأكبر، فقد نهى النبي ﷺ عن الشرك وعن وسائله التي توقع فيه. والله أعلم.
حكم الذبح للأولياء ودعائهم
س٧: ما حكم الذبح للأولياء ودعائهم كالبدوي وغيره ؟
الجواب: لا يجوز الذبح لغير الله، ولا دعاء غير الله من نبي أو ولي أو شهيد أو سيد أو غيرهم؛ لقوله ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله»
стр. 12
فيعم الذبح للقبر أو لقبة أو شجر أو حجر أو عين أو بقعة يتبرك بها.
وذلك أن الذين يذبحون لهذه الأشياء يقصدون تعظيمها واحترامها وتقديسها، وهذا النوع من التعظيم لا يصلح إلا لله، فيحرم هذا الفعل، وتحرم تلك الذبائح التي أهلت لغير الله تعالى.
ولا يبيحها أن يسمى الله عليها؛ لكونها تعظيما لمخلوق، فيحرم أكلها، كما يحرم ما ذبح للأصنام والأحجار ولو ذكر عليه اسم الله، وكذا ما ذبح على اسم المسيح أو الولي فلان، ولو كان أضحية أو هديا، فأفضل الذبائح ما تقرب به إلى الله -تعالى- كصدقة أو هدي، ثم ما ذبح للحم وذكر اسم الله عليه، فأما ما ذبح تعظيما لمخلوق، أو ذكر عليه اسم مخلوق، فإنه حرام فعله وأكله.
فأما دعاء البدوي المصري وغيره: كـ عبد القادر الجيلاني وابن علوان والحسين ونحوهم، ونداؤهم، والاستغاثة بهم عند الكروب والشدائد، فهو شرك أكبر، فإنهم مخلوقون مربوبون، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فكيف يملكون ذلك لمن دعاهم؟! وقد قال -تعالى-: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١)، فيدخل في ذلك الأولياء والأنبياء والملائكة والجن والأموات، ونحوهم ممن قد انقطع عملهم، فهم لا ينفعون أنفسهم، فكيف ينفعون من دعاهم؟! وإنما علينا
стр. 13
أن ندعو لهم، ونسلم على الصالحين منهم في صلاتنا، ونقتدي بسيرتهم التي بها أصبحوا من الصالحين.
حكم تعليق التمائم
س٨: ما حكم تعليق التمائم علما أنها من الآيات القرآنية ؟
الجواب: روي عن بعض السلف كابن عمرو بن العاص وعائشة، وغيرهما جواز تعليق التمائم إذا كانت من القرآن أو أسماء الله الحسنى، وحملوا النهي في الأحاديث على التمائم الشركية، وذهب آخرون: كابن عباس وابن مسعود وحذيفة وابن عكيم إلى منع ذلك، وهي الرواية المشهورة عن أحمد، وهذا هو القول الراجح لعموم الأحاديث كقوله ﷺ : «من تعلق تميمة فلا أتم الله له»، وقوله: «من تعلق تميمة فقد أشرك»، وقوله: «من تعلق شيئا وكل إليه».
وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة. وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن، يعني: أصحاب ابن مسعود كعلقمة والأسود ومسروق وعبيدة السلماني وغيرهم، والكراهة هنا للتحريم.
стр. 14
وأيضا فالمنع منها سدا للذريعة، حتى لا يتوسع الناس بتعليق ما ليس من القرآن.
وأيضا فإن القلب قد يتعلق بها، وهي تحتوي على ورق وخرقة، أو جلد وخيط ونحو ذلك، ومن تعلق بمخلوق وكل إليه.
وأيضا فإن من علقها على طفل ونحوه فلا بد أن يمتهنها، فيدخل بها المراحيض والحمامات والأماكن المستقذرة مما فيه إهانة لكلام الله تعالى.
وهذا بخلاف الرقية بكلام الله -تعالى- أو بأسمائه الحسنى، أو بالأدعية والأوراد المأثورة، فإنه جائز لقوله ﷺ : «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا». والرقية: هي القراءة مع النفث بقليل من الريق مع اختيار الآيات التي يقرؤها، ومناسبة القارئ والموضع. والله أعلم.
حكم الذهاب للعرافين
س٩: ما حكم الذهاب إلى العرافين والمشعوذين ؟
الجواب: لا يجوز ذلك للنهي الصريح عنه، بل وللوعيد الشديد في ذلك، ففي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يوما»، فإذا كانت هذه حال السائل، فكيف بالعراف نفسه؟!
стр. 15
وروى أحمد وغيره عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ». وغير ذلك من الأحاديث المشهورة، وذلك أن العراف يدعي علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ولا بد أنه يتقرب إلى الشياطين ومردة الجن، ويدعوهم من دون الله؛ حتى يخدموه فيدلونه على المسروق ومكان الضالة وموضع السحر ونحوه، وهذا التقرب يكون بالذبح لها أو السجود لها، أو فعل معصية، وأكل نجاسة مما تحبه الشياطين، ونحو ذلك مما هو كفر أو ذريعة إلى الشرك.
وقد أخبر النبي ﷺ أن أكثر كلامهم كذب، وإنما توحي إليهم الشياطين ما تسترقه من السماء، فيكذبون مع الكلمة مائة كذبة.
وأما الشعوذة فهي عمل السحرة ما يموهون به على العامة، ويظهرون لهم صورا لا حقيقة لها، ومنها قصة الساحر الذي قطع رأس رجل ثم أعاده، فقتله جندب ﵁ لحديث: «حد الساحر ضربه بالسيف»، فلا يغتر بدجلهم وتمويههم ومخرقتهم الظاهرة، ولا يجوز إقرارهم ولا تصديقهم، بل حدهم القتل بكل حال عند جمهور العلماء من غير استتابة، فمن ذهب إليهم أو صدقهم، فقد أقرهم على كفرهم، فيلحقه الوعيد الشديد. والله أعلم.
стр. 16
حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور
س١٠: ما حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور ؟
الجواب: لا تصح الصلاة فيها، بل تلزم إعادتها؛ لقوله ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»، وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما، عن أنس قال: رآني عمر وأنا إلى قبر، فجعل يقول: يا أنس القبر. وفي لفظ: القبر أمامك، فنهاني. وروى ابن حبان والبزار عن أنس أن النبي ﷺ «نهى أن يصلى بين القبور».
وقد تمسك أكثر الفقهاء بلفظ الجمع، فرخصوا في الصلاة عند القبر أو القبرين. وعلل بعضهم النهي عن الصلاة فيهما بأنها مظنة النجاسة؛ لاختلاطها بصديد الموتى وروائحهم، وتعقب ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٣٣٢)، و"الاختيارات" (٤٤)، و"مجموع الفتاوى" (٤/ ٥٢١)، (١١/ ٢٩٠)، (١٧/ ٥٠٢)، وذكر أن المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور هو مخافة اتخاذها أوثانا، وهي العلة التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه.
стр. 17
وقد استدل على ذلك بالأحاديث التي فيها النهي عن اتخاذ القبور مساجد، كقوله ﷺ : «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم عن جندب ﵁. ولو كانت العلة هي مظنة النجاسة، لما نهي عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد كما في الصحيح عن عائشة أن النبي ﷺ قال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وفي "صحيح مسلم " في حديث جندب «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ... » إلخ. ومعلوم أن أجساد الأنبياء لا تبلى كما ثبت في الحديث، فلا تنجس بها الأرض، فعلم أن النهي مخافة الغلو فيها، واتخاذها أوثانا تعبد من دون الله. والله أعلم.
حكم قصد زيارة قبر النبي ﷺ
س١١: بعض الناس يذهب إلى المدينة لقصد زيارة القبر النبوي، فما حكم هذا العمل ؟
الجواب: لا يجوز هذا القصد، وإنما يجوز السفر إلى المدينة لقصد الصلاة في المسجد النبوي، فهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها
стр. 18
الرحال، والصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.
وقد ورد النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فيدخل في النهي سائر البقاع والقبور، فلا تقصد للصلاة فيها أو التبرك بها أو التعبد فيها.
وأما الأمر بزيارة القبور، فإن الحكمة فيه تذكر الآخرة، وهو يحصل بقبور أي بلد، فإنها لا تخلو قرية غالبا من وجود مقابر بفنائها، فزيارة تلك القبور تذكر بالآخرة، وينتفع الأموات بالدعاء لهم.
فأما القبر النبوي، فقد ورد النهي عن اتخاذه عيدا، أي: تكرار زيارته كما يتكرر العيد، فقال ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيث كنتم، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»، وقال ﷺ : «ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇»؛ فيعم ذلك المسلم من قريب أو بعيد.
وأما الأحاديث التي في فضل زيارة قبره ﵊ فكلها ضعيفة أو موضوعة، مثل قوله: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي"، وقوله: "من زار قبري"، أو قال: "من زارني كنت له شفيعا أو شهيدا"، وقوله: "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، وقوله: "من حج ولم يزرني فقد جفاني". وكلها باطلة لا أصل لها، وقد بين العلماء بطلانها، كما في "الرد على الأخنائي " لشيخ الإسلام ابن تيمية، و"الرد على السبكي " لابن عبد الهادي، و"الرد على النبهاني " للألوسي ولا يغتر بمن يروج هذه الأحاديث ويترجمها.
стр. 19
ولا يفهم أن منع زيارته حط من قدره، فإن محبته ﵇ ثابتة في قلوب أتباعه، ولا ينقصها بُعدهم عن قبره. والله أعلم.
حكم وضع علامة على القبر
س١٢: ما حكم وضع علامة على القبر كحديدة وخشبة لكي يعرف بها ؟
الجواب: لا بأس بذلك، فقد روى أبو داود برقم (٣٢٠٦) عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: لما مات عثمان بن مظعون فدفن، أمر النبي ﷺ رجلا أن يأتيه بحجر فوضعها عند رأسه، وقال: «أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» سكت عنه أبو داود؛ فهو عنده صالح.
وهذه العلامة لأجل معرفة الميت عند الزيارة ليدعو له، وليدفن إليه أقاربه لتسهل زيارتهم، ويجوز أن تكون من حجارة أو لبن أو خشبة أو نحوها، توضع عند رأس القبر، أو على أحد جانبيه، وقد ورد النهي عن البناء على القبور، ففي "صحيح مسلم " عن جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يقعد على القبر، وأن يجصص، وأن يبنى عليه». وفي رواية: «وأن يزاد عليه، وأن يكتب عليه».
والنهي عن هذه الأمور ظاهره التحريم، والحكمة فيه أن ذلك مما
стр. 20
يسبب الافتتان به متى رآه العامة قد رفع عن غيره، أو طلي بالقصة، أو كتب عليه ما فيه مدح له أو إطراء له، لم يؤمن أن يقصده العوام، وأن يقيموا حوله أو يعتقدوا فيه الولاية والفضل، مما يدعو إلى تعظيمه ودعائه، أو التبرك بتربته أو العكوف حوله، ونحو ذلك مما هو واقع في كثير من البلاد التي غمرها الجهل، وفشا فيها الشرك وعبادة الأموات، ودعاؤهم والذبح لهم وصرف القرابين لهم بسبب إطرائهم أو رفع قبورهم، أو تسويل الشيطان أن هذا القبر فيه ولي أو شهيد، مما يسبب انخداعهم بذلك. والله أعلم.
حكم تصدق الأخ عن أخيه الميت
س١٣: ما حكم تصدق الأخ عن أخيه الميت؟ وهل يصل الثواب إلى الميت ؟
الجواب: سنة ومستحب، ولا يختص بالأخ، بل يعم كل قريب أو كل مسلم، فقد روى البخاري برقم (٢٧٥٦) عن ابن عباس «أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم».
وروى أيضا برقم (٢٧٦٠) عن عائشة «أن رجلا قال: يا رسول الله،
стр. 21
إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، تصدق عنها».
ولا خلاف في وصول أجر الصدقة إلى الميت لهذه الأحاديث، وكذا ينتفع الميت بالدعاء من الحي سواء في الصلاة عليه أو بعد دفنه، أو عند زيارته، أو بظهر الغيب، لعموم الأدلة. ومن الصدقة التي تصل إلى الميت الأضحية، سواء أوصى بها الميت أو تبرع بها الحي له، حيث إن الأضحية فيها أجر كبير كما ورد في الأحاديث، فإذا صرف ذلك الأجر للميت نفعه ذلك.
ومن جملة ما يهدى للميت أجر الحج والعمرة؛ لقوله ﷺ : «حج عن أبيك واعتمر».
وأما إهداء ثواب القرآن والذكر والأوراد والصلاة والصوم والاعتكاف، ونحوه من الأعمال البدنية أو الأقوال، ففيه خلاف مشهور، حيث منعه البعض لقوله -تعالى-: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١)، ورخص فيه الجمهور، فذكر الفقهاء أن كل قربة أو طاعة أهداها المسلم لأخيه المسلم حيا أو ميتا، فإنه يصل إليه الثواب، وذلك أنه اكتسب بإحسانه صداقة أو قرابة المهدي، وأن المهدي عملها لله، وعرف أن في هذه القربة أجرا من الله، فتبرع بثوابها لقريبه أو صديقه، فلا مانع من وصول الثواب. والله أعلم.
стр. 22
حكم تخصيص الأيام لزيارة المقابر
س١٤: بعض الناس يخصصون أياما لزيارة المقابر كالجمعة والعيدين، فما حكم ذلك ؟
الجواب: وردت الأحاديث الصحيحة في إباحة زيارة القبور من غير تقييد بيوم، وكان النبي ﷺ قد نهى عنها أول الإسلام مخافة الغلو في الأموات، أو مخافة النعي والنياحة، فلما اطمأن إلى معرفتهم بالحكم، رخص لهم في الزيارة، وعلل ذلك أنها تذكر بالآخرة وتزهد في الدنيا، وأن فيها أجرا للأموات بالدعاء لهم والترحم عليهم، كما نهاهم عند زيارتها أن يقولوا هجرا أو فحشا، وانظر الأحاديث في الرخصة في زيارة القبور في "جامع الأصول" (١١/ ١٥٢) عن بريدة وأبي هريرة وأم عطية وذكرها أيضا (٣/ ٣٦٤)، (٥/ ١٥٨) عن أبي سعيد وبريدة.
وروى ابن ماجه برقم (١٥٧١) عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة» وإسناده حسن.
وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ٥٧) عدة أحاديث عن أبي سعيد وأم سلمة وعائشة وزيد بن الخطاب وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم،
стр. 23
في الإذن في زيارة القبور، ثم ذكر حديثا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من زار قبر أبويه أو أحدهما كل جمعة غفر له وكتب برًا». رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه عبد الكريم أبو أمية وهو ضعيف. ٥٠
وعن علي ﵁ قال: "الخروج إلى الجبان في العيدين من السنة". رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف.
وقد ذكر ابن رجب في "أهوال القبور" آثارا عن بعض السلف في أن الموتى يعرفون من زارهم يوم الجمعة أو يوم السبت، وفيها اختلاف، ولم تستند إلا إلى رؤية أو اجتهاد أو نظر. والله أعلم.
حكم الحلف بالنبي والأمانة
س١٥: ما حكم الحلف بالنبي والأمانة ؟
الجواب: لا يجوز الحلف بمخلوق، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، وفي المسند والسنن عنه أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك» حسنه الترمذي وصححه
стр. 24
الحاكم، وفي لفظ له: «كل يمين يحلف بها دون الله شرك».
وذلك أن الحالف يعتقد أن المحلوف به له منزلة ورفعة، فيعظمه بهذا الحلف ويرفع مكانته فوق الخلق، ولا شك أن التعظيم لا يصلح إلا لله -تعالى-، فمن أسمائه العظيم، الذي يجب على عباده تعظيمه ووصفه بالعظمة والعزة، ومن آثار ذلك أن يخضعوا له، ويتواضعوا بين يديه، وتصغر عندهم الدنيا ومن عليها، ولا يبقى في قلوبهم موضع لاحترام أو تعظيم أو تقديس لغير الخالق سبحانه.
وقد تدخل الشيطان إلى قلوب ضعفاء الإيمان، وزين لهم تعظيم الأولياء ومكانتهم في نفوسهم، بحيث إن أحدهم يحلف بالله الأيمان الغليظة وهو كاذب، ولا يحلف بالولي إلا وهو صادق؛ مخافة أن ينتقم منه ذلك الولي، وهذا هو عين الشرك والكفر، نعوذ بالله من الشرك والشك والنفاق وسوء الأخلاق.
وأما الحلف بالأمانة، فقد روى أبو داود عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف بالأمانة فليس منا» وسكت عنه أبو داود والمنذري في تهذيبه، فهو صالح عنده، وذلك لأن الأمانة من شرع الله وحكمه، فالحلف بها حلف بغير الله، وذهب بعضهم إلى وجوب الكفارة إذا قال: وأمانة الله، والصحيح عدم الوجوب. والله أعلم.
стр. 25
التوفيق بين الطب وقوله: ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾
س١٦: الطب الحديث أصبح يعرف ما في بطن الأم، فكيف الجواب عن قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ (١)؟
الجواب: لا شك أن البشر لا يعلمون ما في رحم المرأة من ذكر أو أنثى، أو أبيض أو أسود، أو قصير أو طويل، أي بمجرد النظر والخرص، وذلك لأن الله -تعالى- أخفى ذلك واختص به، وعده النبي ﷺ من مفاتح الغيب التي لا يعلمها أحد غير الله -تعالى-، وذلك لأن الجنين في الرحم قد جعل وجهه إلى ظهر أمه، وقد انتصبت رجلاه وانضمت فخذاه حتى استتر قبله، فلذلك لا يتمكن أحد من معرفة ما في الرحم بمجرد نظره.
وما ذكره بعض الأطباء من أن هناك علامات في حلمة الثدي الأيمن للذكر أو الثدي الأيسر للأنثى ليس بمطرد، ولم يعرف صدق ذلك.
فأما حصول معرفة ذلك بواسطة الأشعة أو التحليلات التي جدت في الطب الحديث، فهذه لا تدخل في علم الغيب، فإن ذلك يتوقف على أعمال وتجارب ومقدمات يعملها الطبيب حتى يتوصل إلى معرفة ذلك، فهو بمنزلة شق بطن المرأة والكشف عن معرفة جنينها، فيظهر بذلك نوعه أذكر أم أنثى، واحد أو عدد.
стр. 26
وإنما الذي نفى النبي ﷺ بقوله: «في خمس لا يعلمهن إلا الله»، ثم قرأ قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ (١) الآية -هو إدراك هذه الأمور الغيبية بالعقل والفكر، فإن هذا من علم الغيب، وقد قال -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢)، وقال -تعالى- لنبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ (٣)، فعلى العباد الرضا والتسليم لأمر الله -تعالى-، وعدم التدخل فيما لا يعنيهم. والله أعلم.
حكم الاحتفال بالمولد النبوي
س١٧: ما حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ ؟
الجواب: هو بدعة منكرة أحدثها بنو بويه في القرن الرابع، وفشت بعدهم، وانتشر هذا الاحتفال في أغلب البلاد الإسلامية، حتى أصبح مألوفا أقره علماء تلك البلاد، واحتج العوام بسكوت العلماء لهم أو مشاركتهم فيه، ولكن أولئك العلماء لم يكونوا من أهل التحقيق
стр. 27
والسنة، وإنما هم من أهل المناصب والرئاسة المقربين عند الولاة، الذين يخشون على دنياهم وحظوظهم الدنيوية، وقد كثر الرد عليهم وتبديعهم من أهل العلم والفضل، وذلك أنه لم يحدث في عهد النبي ﷺ ، ولم يفعله هو ولا أشار إليه، ولا فعله خلفاؤه الراشدون، ولا أهل القرون الثلاثة المفضلة، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، فهم أشد محبة لرسول الله ﷺ ممن بعدهم، وهم أحق باتباعه وطاعته والعمل بسنته.
وهؤلاء المبتدعون لعيد الميلاد لا شك أنهم قد أضافوا إلى الدين ما ليس منه، ففي عملهم هذا اعتراض على الشرع، وادعاء أنه ناقص، وأنهم كملوه بهذا العمل، فهو مردود عليهم لقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
ولا عبرة بقول المبتدعة إنه بدعة حسنة، وإنه دليل فرحنا بمولده ومحبتنا له، ونحو ذلك، فإن الفرح به يجب أن يكون مستمرا، لا في ليلة واحدة من كل عام، مع أن تلك الليلة هي التي مات فيها أيضا، فهي ليلة حزن على فراقه، وإنما الذي يفرح به مثلا ليلة أسري به، أو ليلة أوحي إليه، أو ليلة أنجاه الله من مكرهم، أو ليلة نصره في غزوة بدر أو في حنين، أو ليلة فتح مكة، أو حجة الوداع، ونحو ذلك، ولما لم ينقل ذلك دل على أن الفرح به ومحبته وطاعته تكون دائمة طوال الحياة. والله أعلم.
стр. 28
حكم قول من قلع ضرسه للشمس: خذي سن حمار
و س١٨: هناك من إذا قلع سنه قال للشمس: خذي سن حمار وهبي لي سن غزال. فما حكمه ؟
الجواب: لا أصل لهذا القول ولا يفيد شيئا، وقد يدخل في الشرك، وهو دعاء الشمس التي هي مخلوقة مسخرة لا تملك لمن دعاها ولا لغيره نفعا ولا ضرا، فيكون دعاء وعبادة لها، ولقد حكى الله عن بعض المشركين السجود للشمس، قال -تعالى-: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (٢).
ولا شك أن دعاء الشمس ونداءها عبادة وخضوع وتعلق بها وتعظيم لها، فهو كالسجود لها، ثم أيضا لا فائدة في هذا النداء لها، فهي لا تسمعه ولا تجيبه ولا تعطيه طلبته، فالأسنان أنبتها الله في الإنسان، وكذا في أغلب الحيوان لحكمة مضغ الطعام ونهشه، وهو الذي يملك النفع والضر والعطاء والمنع، فالمسلم يطلب منه وحده ولا يلتفت إلى سواه.
стр. 29
وأيضا فلا فرق في النظر بين أسنان الدواب، فإن الحمر وحشية أو أهلية لها أسنان تناسبها، وتبقى معها طوال حياتها أو غالبها، وكذا يقال في أسنان الظباء والتي الأنثى منها غزال، وكذا بهيمة الأنعام كالإبل والغنم ونحوها، خلق الله لها أسنانا تتلاءم مع حاجتها، ولا تفنى إلا بالاستعمال، ولكن يخيل إلى بعض الناس أن الحمار مخلوق كريه في النفوس، وأن أسنانه قبيحة ينفر منها الطبع، ولا حقيقة لذلك، كما أن أسنان الغزال لا تناسب الإنسان، وإنما خلقت لها، ولو خيل إلى البعض أنها كلمة مألوفة محبوبة في النفس، فالعبد يتوجه إلى ربه ولا يلتفت إلى مخلوق سواه. والله أعلم.
معنى قوله ﷺ : " وإياكم ومحدثات الأمور ".
س١٩: ما معنى قول الرسول ﷺ : «وإياكم ومحدثات الأمور» ؟
الجواب: يريد بالمحدثات البدع التي تضاف إلى الشريعة وليست منها، وذلك أن الله -تعالى- قد أكمل الدين ببعثة النبي الكريم ﷺ ، قال الله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (١) فبكماله لا
стр. 30
يحتاج إلى إضافة أو زيادة، ولذلك في تمام هذا الحديث، قال: «فإن كل بدعة ضلالة»، فكل محدثة في هذا الدين فهي بدعة لا أصل لها، ولا يجوز التعبد بها إلا إذا كان لها أصل من الشرع، فإنها لا تكون بدعة في الدين، ولو صدق عليها على تلك الصفة أنها بدعة في اللغة، كقول عمر ﵁ في جمعهم على التراويح: نعمت البدعة هذه. أي: في اللغة، وإلا فقد ثبت أصلها بفعلها في حياة النبي ﷺ مرارا، وإنما منع من الاستمرار مخافة أن تفرض عليهم.
ومثل أذان الجمعة الأول، فإن الأذان للصلاة مشروع أصلا عند الوقت لكل صلاة، فهذا الأذان داخل في قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١)، ولا يدخل في ذلك جمع القرآن في المصحف، فإن كتابته معهودة زمن النبي ﷺ ، فلما تكامل الوحي لم يكن بد من جمعه ليتحقق قوله -تعالى-: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ (٢).
فأما البدع الأخرى فكلها حرام، سواء كانت في الاعتقاد: كبدعة الخوارج والمعتزلة والقدرية والمرجئة والرافضة ونحوهم، أو في الأعمال والأقوال كبدعة المولد، وإحياء ليلة الإسراء، وليلة النصف من شعبان، وصلاة الرغائب، ونحو ذلك.
وقد تكلم العلماء على أحكامها كـ"كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث"، وكتاب "البدع والنهي عنها"، وأوسع ما كتب في ذلك كتاب
стр. 31
"الاعتصام" للشاطبي، فعلى المسلم أن يتمسك بالسنة ولو أنكر عليه الجماهير، وأن يهجر البدع ولو كثر أهلها. والله أعلم.
تخصيص علي بقولهم: كرم الله وجهه
س٢٠: ما حكم تخصيص بعضهم لـ علي بقوله: ﵇، أو كرم الله وجهه ؟
الجواب: لا أصل لهذا التخصيص، وذلك أن الأصل في الصحابة الترضي عنهم جميعا، كما قال -تعالى-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) لذلك اصطلح أهل السنة على الترضي عن كل صحابي يجري ذكره أو يروى عنه حديث، فيقال مثلا: عن عمر ﵁، أو عن ابن عباس ﵄، ولم يستعمل السلام -فيما أعلم- عند ذكر أحد منهم، مع أن السلام تحية المسلمين فيما بينهم، كما قال -تعالى-:
стр. 32
﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (١)، وعلى هذا فالترضي أفضل من السلام، قال -تعالى-: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢)، وأخبر النبي ﷺ أن الله -تعالى- يقول لأهل الجنة: «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا».
لكن اصطلح العلماء على أن السلام يختص بالأنبياء؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣)، ولقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ (٤). ولما ورد في حق علي قول النبي ﷺ : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» أخذه الغلاة فيه كالرافضة ومن قاربهم فاستعملوا في حقه قولهم: ﵇، أو كرم الله وجهه. ولا شك أنه أهل لذلك، لكن يشركه في هذا جميع الصحابة ومن تبعهم بإحسان.
وعلى كل حال نقول: إن هذا الاصطلاح إنما حدث من الغلاة في أهل البيت: كالرافضة والزيدية، ثم وجد ذلك في كتب أهل السنة، ولعله حدث من بعض النساخ الذين قلدوهم في ذلك عن حسن ظن، فليعلم ذلك. والله أعلم.
стр. 33
ما هي العلمانية؟
س٢١: ما هي العلمانية، وما حكم الإسلام فيهم ؟
الجواب: مذهب جديد وحركة فاسدة تهدف إلى الإكباب على الدنيا والانشغال بشهواتها وملذاتها، وجعلها هي الهدف الوحيد في هذه الحياة، ونسيان الدار الآخرة والغفلة عنها، وعدم الالتفات إلى الأعمال الأخروية أو الاهتمام بها، وقد يصدق على العلماني قول النبي ﷺ : «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش».
وقد دخل في هذا الوصف كل من عاب شيئا من تعاليم الإسلام قولا أو فعلا، فمن حكم القوانين وألغى الأحكام الشرعية فهو علماني، ومن أباح المحرمات: كالزنا والخمور والأغاني والمعاملات الربوية، واعتقد أن منعها ضرر على الناس، وتحجر لشيء فيه مصلحة نفسية، فهو علماني، ومن منع أو أنكر إقامة الحدود كقتل القاتل، ورجم أو جلد الزاني والشارب، أو قطع السارق أو المحارب، وادعى أن إقامتها تنافي المرونة، وأن فيها بشاعة وشناعة - فقد دخل في العلمانية.
стр. 34
أما حكم الإسلام فيهم، فقد قال -تعالى- في وصف اليهود: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١) الآية، فمن قبل ما يناسبه من الدين كالأحوال الشخصية وبعض العبادات ورد ما لا تهواه نفسه، دخل في الآية.
وهكذا يقول -تعالى-: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ (٢)، فالعلمانيون هدفهم جمع الدنيا والتلذذ بالشهوات ولو محرمة، ولو منعت من الواجبات، فيدخلون في هذه الآية، وفي قوله -تعالى-: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ (٣)، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث. والله أعلم.
حكم زيارة النساء لقبر النبي ﷺ
س٢٢: ما حكم زيارة النساء لقبر النبي ﷺ ؟
الجواب: كان النبي ﷺ قد نهى عن زيارة القبور مطلقا لما كانوا حديثي
стр. 35
عهد بالإسلام، إما مخافة الغلو والإطراء وعبادة الأموات، وإما مخافة الندب والنياحة الجاهلية عند القبور، فلما تمكن الإسلام في القلوب، رخص لهم في ذلك لأنها تذكر الآخرة، ولما فيها من الدعاء للأموات، ولكن استثنى من هذا الإذن النساء، فقد ورد النهي والوعيد لهن على ذلك، كقوله ﷺ : «لعن الله زائرات القبور»؛ فاللعن يقتضي التحريم، وهذا يخصص الإذن في قوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» بالرجال؛ حيث إن لعن زائرات القبور ورد في عدة أحاديث عن ابن عباس وأبي هريرة وغيرهما بأسانيد صحيحة.
كما ورد تعليل ذلك في قوله ﷺ : «فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت» لما رأى بعض النساء خرجن إلى المقابر، فقال: «ارجعن مأزورات غير مأجورات».
وثبت في السنن أنه ﷺ قال لفاطمة «لعلك بلغت معهم الكدى؟ -أي: طرف المقابر في البقيع -، فقالت: معاذ الله! وقد سمعتك تنهى عنه. فقال: لو بلغت معهم الكدى ما دخلت الجنة، أو ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك»، فإذا كان هذا لفاطمة وهي من أفضل النساء، فكيف بمن بعدها؟!
ولا شك أنه يدخل في عموم القبور قبر النبي ﷺ وقبرا صاحبيه، فلا يجوز للنساء الوقوف عليهن، ويكفي المرأة إذا دخلت المسجد النبوي أن تصلي مكانها، وأن تصلي وتسلم على النبي ﷺ في صلاتها؛ حتى لا
стр. 36
يعمها اللعن المذكور، والوعيد في هذه الأحاديث. والله أعلم.
هل بين الرسل مفاضلة؟
س٢٣: هل بين الرسل مفاضلة ؟
الجواب: نعم، قال الله -تعالى-: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ (٢).
وهذه المفاضلة يختص الله بها من يشاء من رسله إما لفضله في نفسه، وإما لما اتصف به من العقل والنفس الطيبة، وإما تخصيص من الله له بالفضل، وإن كان غيره أزكى منه وأعقل وأكثر عبادة، فهو فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقد ذكر الله فضل بعض الرسل فذكر أنه كلم موسى تكليما، وأنه اصطنعه لنفسه، قال -تعالى-: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٤)،
стр. 37
وأخبر عن نوح أنه عبد شكور، وعن إبراهيم أنه اتخذه الله خليلا، وعن عيسى أنه رفعه إليه، وعن محمد ﷺ أنه شرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره.
وقد اتفق العلماء على أن أفضل الرسل الخمسة الذين هم أولو العزم، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد -عليهم الصلاة والسلام-، وأن أفضلهم الخليل إبراهيم ومحمد، وأن محمدا أفضل الأنبياء على الإطلاق، ثم لا يلزم من التفاضل تنقص الآخرين ولا عيبهم، فالجميع رسل الله وأنبياؤه الذين اصطفاهم لحمل رسالته ولتبليغ شرائعه، فنعرف لهم فضلهم، ونصلي ونسلم عليهم، ونعتقد عصمتهم فيما بلغوه عن ربهم.
كما أن المؤمنين يتفاضلون بسبب الأعمال والإخلاص فيها، ثم يتفاوت ثوابهم في الجنة، كما قال النبي ﷺ : «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب؛ لتفاضل ما بينهم». .
والواجب على المؤمن تصديق رسل الله جميعا، والإيمان برسالتهم، والعمل بما بلغه من الشرائع الثابتة ليلحق بالمؤمنين، فمن أحب قوما حشر معهم. والله أعلم.
стр. 38
حكم الاستثناء في الإيمان
س٢٤: ما حكم الاستثناء في الإيمان بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله ؟
الجواب: في ذلك خلاف، والمختار أنه يجوز إذا كان القصد الإيمان الكامل، فإن الإيمان يزيد وينقص، والناس فيه متفاوتون بحسب أعمالهم، وقد ذكر الله الإيمان الكامل في مثل قوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١).
وهذا الوصف لا يستكمله كل من دخل في الإيمان، فمن قال: أنا مؤمن حقا، وقصد أنه من المتصفين بكمال الإيمان، فقد زكى نفسه، وجزم بما لم يتحقق وجوده فيه، فإذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وأراد رجاء أن يدخل في هذه الآية فهو صادق، وهكذا من استثنى وأراد عدم علمه بالعواقب؛ حيث إنه لا يدري ماذا يختم له عمره، وإنما الأعمال بالخواتيم.
وكذا يجوز أن يستثني للتبرك ولتعليق الأمور المستقبلة بمشيئة الله -تعالى-، ولا يدل ذلك على الشك والتردد، كما قال -تعالى-:
стр. 39
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١).
وقد ذهب قوم إلى وجوب الاستثناء في الإيمان دائما تعليلا بعدم العواقب، فالأعمال بالخواتيم، ولاتصاف الإنسان غالبا بالنقص والخلل، وترك الكثير مما يجب عليه، فإن العبد لا يجزم بأنه من المتقين الأبرار أهل الجنة، وإنما يرجو ذلك برحمة الله، وقد ذكر الله الاستثناء في ما لا شك فيه، كقوله -تعالى-: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢)، ونحو ذلك لتعلق الأمور المستقبلة بمشيئة الله -تعالى-، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣)، والله أعلم.
هل النار في السماء أم في الأرض
س٢٥: هل النار في السماء أم في الأرض مع ذكر الأدلة على ذلك ؟
الجواب: الأظهر أنها في الأرض، أو تحت الأرض السابعة، أو تحت البحار، أو حيث لا يعلم موضعها إلا الله -تعالى-، وقد ذكر الله الجنة في
стр. 40
السماء في قوله -تعالى-: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (١)، وذكر كتاب الأبرار في عليين، أي: في أعلى السماوات. كما ذكر أن كتاب الفجار في سجين، وفسر بأنه في أسفل الأرض في أضيق مكان؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ (٢) أفاده ابن كثير في التفسير.
ومن الأدلة قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (٣) على أحد القولين، أن المراد رده إلى النار إلا من استثنى الله تعالى.
وقد ذكر ابن رجب في كتاب "التخويف من النار" في الباب الخامس ما بلغه من الأدلة في مكان النار، منها: ما رواه أبو نعيم عن ابن عباس قال: جهنم في الأرض السابعة.
وروى ابن منده قال مجاهد قلت لـ ابن عباس أين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة، وذكر نحو ذلك عن ابن عباس، وعبد الله بن سلام، وقتادة، واستدل بعضهم لذلك بقوله -تعالى- عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (٤) يعني: في مدة البرزخ.
وقد أخبر أن الكفار لا تفتح لهم أبواب السماء، وفي حديث البراء بن عازب في صفة قبض الروح، قال في روح الكافر: «حتى ينتهوا بها