← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي]ـ • نقلها وأعدها للشاملة: أبو سعيد المصري عدد الأجزاء: ١٦ (٩ عصور، و ٧ ملاحق) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

стр. 2

الجزء الأول عصر النبوة والخلافة الراشدة تأليف: أ. د. عبد الشافي محمد عبد اللطيف أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر الفصل الأول *العالم قبل الإسلام جغرافية بلاد العرب: بلاد العرب شبه جزيرة، تقع جنوبى غربى قارة آسيا، يحدها «البحر الأحمر» من الغرب، و «الخليج العربى» من الشرق، و «بحر العرب» و «المحيط الهندى» من الجنوب، وبادية «الشام» من الشمال، وتبلغ مساحتها أكثر من مليونى كيلو متر مربع، ويقسمها الجغرافيون إلى خمسة أقاليم رئيسية هى: - إقليم تِهامَة: وهو شريط ساحلى يطل على البحر الأحمر، وسمى بتهامة لارتفاع درجة حرارته، وركود هوائه. - إقليم الحجاز: ويقع شرقى «تهامة»، ويمتد من «الشام» شمالاً إلى «اليمن» جنوبًا، وتقع عليه سلسلة جبال «السراة»، وسُمِّى بالحجاز؛ لأنه يحجز بين «تهامة» فى الغرب و «نجد» فى الشرق. وتقع فى هذا الإقليم «مكة» المكرمة، و «المدينة» المنورة. - إقليم نجد: ويقع شرقى «الحجاز» ويمتد من صحراء بادية «السماوة» شمالاً حتى قرب حدود «اليمن» جنوبًا، وسُمِّى «نجدًا»؛ لارتفاع أرضه. - إقليم العروض: وهو الجزء الشرقى من شبه الجزيرة العربية، ويطل على «الخليج العربى». - إقليم اليمن: وهو الجزء الجنوبى الغربى من شبه الجزيرة العربية. وهذه المساحة الكبيرة ذات طبيعة صحراوية، لا يجرى فيها نهر واحد، ولا تسقط الأمطار إلا نادرًا، باستثناء إقليم «اليمن» الذى تسقط فيه بعض الأمطار الموسمية، وبخاصة فى فصل الصيف، مما يسَّر لأهلها حياة مستقرة نتيجة اشتغالهم بالزراعة، وساعدهم على إقامة حكومات منظمة، وإقامة حضارة راقية، وقد اشتهر هذا الإقليم باليمن السعيد. أما بقية أجزاء شبه الجزيرة العربية فقد قلَّت فيها الزراعة أو كادت تنعدم؛ لندرة المياه عدا بعض الواحات التى بها عيون للمياه، ساعدت على نمو الحشائش التى ترعاها الماشية، وزراعة بعض المحاصيل كالشعير والقمح. مكة المكرمة: تقع «مكة» المكرمة فى إقليم «الحجاز»، شرقى مدينة «جدة» بنحو سبعين كيلو مترًا، وترتبط نشأتها بقصة «إبراهيم الخليل» وابنه

стр. 3

«إسماعيل» ﵉، حيث أمر الله تعالى نبيَّه «إبراهيم» أن يذهب بابنه «إسماعيل» إلى الوادى الذى نشأت فيه «مكة»؛ وأن يسكنه فيه، فامتثل «إبراهيم» لأمر الله، وارتحل إلى ذلك الوادى وكان قفرًا (ليس به زرع أو ماء)، خاليًا من السكان، وترك زوجه «هاجر» وابنها الطفل «إسماعيل»، وفى هذا يقول الله تعالى على لسان «إبراهيم» ﵇: ﴿ربنا إنى أسكنت من ذريتى بوادٍ غير ذى زرعٍ عند بيتك المحرم﴾. [إبراهيم: ٣٧]. وإكرامًا لإسماعيل فجَّر الله - تعالى - بئر «زمزم»، بعد أن يئست أمه «هاجر» من وجود الماء، وهى تسعى باحثة عنه بين صخرتى «الصفا» و «المروة»، وقد أصبح السعى بينهما ركنًا من أركان الحج. كان وجود الماء فى هذا المكان عجبًا، فجذب القبائل التى كانت تسكن بالقرب منه، وهى قبائل «جُرهم» فجاءوا إلى «هاجر»، وطلبوا منها السماح لهم بأن ينتفعوا بماء زمزم، فأذنت لهم ورحَّبت بهم؛ ليؤنسوا وحدتها هى وابنها، وبدءوا يقيمون بيوتهم حول بئر «زمزم»، ومن هنا كانت نشأة «مكة» المكرمة، وفيها عاشت «هاجر» وابنها «إسماعيل» بين قبائل «جرهم»، ولما كبر تزوج منهم، وأنجب أولاده الذين هم أجداد العرب المستعربة. واتسعت «مكة» شيئًا فشيئًا، وزحف إليها العمران، وذاعت شهرتها بين المدن، بعد أن أمر الله - تعالى- «إبراهيم» ﵇ فى إحدى زياراته لابنه «إسماعيل» ببناء «الكعبة المشرفة»، فأصبحت «مكة» مكانًا مقدسًا، وزادها الله تشريفًا بهذا البناء. و «الكعبة» التى بناها نبى الله «إبراهيم» ﵇ بناء مربع الشكل تقريبًا، يبلغ ارتفاعه نحو خمسة عشر مترًا، وعرض جداريه الشمالى والجنوبى نحو عشرة أمتار، والشرقى والغربى اثنا عشر مترًا. ويقع باب «الكعبة» فى الجدار الشرقى، وفى الطرف الجنوبى منه يقع «الحجر الأسود»، وهى منذ بنائها مثابة للناس وأمن، كما أخبر بذلك الله - تعالى - فى القرآن الكريم، وظلت قبائل «جُرهُم» تقوم

стр. 4

على خدمة «الكعبة»، ورعاية حجاجها، إلى أن ضعفت، فحلَّ مكانها فى تلك المهمة قبائل «خزاعة»، التى ضعفت هى الأخرى بعد فترة، فخلفتها قبيلة «قريش» بزعامة «قصى بن كلاب» الجد الرابع للنبى ﷺ ، فأسس دار الندوة فى «مكة»، وهى أشبه ما يكون ببرلمان صغير، يتشاور فيه زعماء «قريش» حول شئونها، ونظَّم «قُصىَّ بن كلاب» السقاية، وهى جلب الماء للحجاج من آبار بعيدة، بعد أن ردمت قبائل «جُرهُم» بئر «زمزم» عندما غلبتها «خزاعة» على أمرها وتركت «مكة»، واهتم بالسدانة، وبالرفادة وهى إطعام الحجاج، وبالحجابة وهى خدمة «الكعبة» وتولى مفاتيحها، وباللواء وهو راية الحرب، وكان ذلك كله فى يد «قصى»، ولكن بعد وفاته قُسمت هذه المناصب بين أحفاده. أحوال العرب قبل الإسلام: يُقسم علماء الأنساب العرب إلى: - عرب بائدة؛ وهم الذين هلكوا ولم يبق من نسلهم أحد، مثل: «عاد»، و «ثمود» و «طُسُم»، وغيرهم. - وعرب باقية، وهم قسمان: أ - عرب عاربة، وهم أهل «اليمن» الذين ينسبون إلى «يعرب ابن قحطان». ب - وعرب مستعربة، وهم الذين ينسبون إلى «عدنان» الذى يتصل نسبه بإسماعيل بن إبراهيم ﵉، وسُمُّوا مستعربة؛ لأن أباهم غير عربى وهو «إسماعيل» ﵇ وأمهم عربية من «جُرهُم». أحوال العرب السياسية: عرفت بلاد العرب الحياة السياسية المنظمة قبل الإسلام، وبخاصة فى «اليمن»، حيث الزراعة والاستقرار، فقامت فيها دول كثيرة متعاقبة، مثل: دولة «معين»، ودولة «قُتبان»، ودولة «سبأ» التى سُميت بها سورة من سور القرآن الكريم، ودولة «حمير» التى ظلت قائمة حتى احتلتها «الحبشة» فى بداية القرن السادس الميلادى، ثم استولى عليها «الفرس»، وظلت كذلك إلى أن حررها الإسلام من الاحتلال الفارسى، وأسلم أهلها. وقامت فى «اليمن» حضارة عظيمة، فاشتهرت ببناء السدود كسد مأرب، لخزن مياه الأمطار لاستخدامها فى الزراعة، وازدهرت فيها

стр. 5

التجارة؛ بسبب موقعها الجغرافى المتميز على المدخل الجنوبى للبحر الأحمر؛ مما جعلها مركزًا تجاريّاً كبيرًا بين الشرق الأقصى وشرقى «إفريقيا» بل و «أوربا». وبعد انهيار «سد مأرب» وتدهور الحياة الاقتصادية هاجر العرب من «اليمن» إلى أطراف شبه الجزيرة العربية فى الشمال، وأقاموا إمارات عربية، ظلت قائمة إلى ما بعد ظهور الإسلام، فنشأت إمارة «المناذرة» فى «العراق»، وكانت عاصمتها مدينة «الحيرة»، وإمارة «الغساسنة» فى جنوب «الشام». وكانت هناك إمارات عربية أخرى فى شرقى شبه الجزيرة العربية، فى «البحرين» و «اليمن»، وفى جنوبيها الشرقى فى «عمان»، وكلها أسلمت فى عهد الرسول ﷺ ، وأصبحت جزءًا من الدولة الإسلامية. وأما بقية شبه الجزيرة فكان يعيش أهلها حياة قبلية، حيث يحكم كل قبيلة شيخ، هو صاحب الكلمة النافذة، والأمر والنهى فيها. الحياة الاجتماعية: اختلفت الحياة الاجتماعية فى بلاد العرب من مكان إلى آخر باختلاف حياة الحضر والبدو، فالأجزاء الحضرية التى تتمتع بحياة مستقرة وبنظم سياسية يُقسم المجتمع فيها إلى طبقات: طبقة الملوك والحكام والأمراء، وهم يمثلون قمة الهرم الاجتماعى، وينعمون بحياة الترف والنعيم، تليهم طبقة التجار والأثرياء، ثم تأتى طبقة الفقراء فى أدنى الهرم الاجتماعى. أما البدو فيتألفون من طبقتين: - طبقة السادة، وهم فى الواقع كل العرب البدو، سواء أكانوا أغنياء أم فقراء، فالفقر لم يكن يحد من حرية الإنسان العربى وسيادته، فمهما يكن فقيرًا فهو مالك لزمام نفسه، معتز بحريته. - وطبقة العبيد والخدم، وكان يمتلكهم الأغنياء، وعلى عاتق هذه الطبقة قامت الحياة الاقتصادية. واتسمت حياة البداوة بعادات بعضها جميل محمود، أبقى عليه الإسلام وشجَّعه، كالكرم والنجدة وإغاثة الملهوف، وبعضها الآخر قبيح مرذول حاربه الإسلام حتى قضى عليه، كوأد البنات خوفًا من

стр. 6

العار، وهذه العادة كانت - فى واقع الأمر - فى قبائل معينة ولا تمثل نظرة العرب كلهم إلى المرأة، لأنها كانت عندهم محل اعتزاز وتقدير بصفة عامة. الحياة الدينية: عرفت بلاد العرب التوحيد قبل الإسلام بزمن طويل، فقد نزلت فيها رسالات سماوية، كرسالة «هود» ﵇ فى جنوبى شرقى الجزيرة العربية، ورسالة «صالح» ﵇ فى شماليها الغربى، كما عرفوا التوحيد من رسالة «إسماعيل» ﵇، ولكن بمرور الزمن نسوا هذه الرسالات، وتحولوا إلى الوثنية وعبادة الأصنام، وأصبح لهم آلهة كثيرة مثل: «هُبل» و «اللات» و «العزى». وعلى الرغم من انتشار عبادة الأصنام انتشارًا واسعًا فى بلاد العرب، فإن هناك ما يدلُّ على أنهم لم يكونوا يعتقدون اعتقادًا حقيقيّاً فيها، فيحكى القرآن الكريم على لسانهم قولهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾.الزمر:٣]. وكان منهم من رفض عبادة الأصنام رفضًا قاطعًا، وهم الذين سُمُّوا بالحنفاء، كورقة بن نوفل، و «زيد بن عمرو بن نُفيل»، و «عثمان بن الحويرث»، و «عبيد الله بن جحش»، و «قس بن ساعدة الإيادى»، وهؤلاء لم تقبل أذهانهم عبادة الأصنام، فاعتنق بعضهم المسيحية، وترقب بعضهم الآخر ظهور الدين الحق. وإذا كانت الوثنية قد سادت بلاد العرب، فإن اليهودية والمسيحية عرفت طريقها إليها فتركزت المسيحية فى «نجران» التى كانت وقتئذٍ من أرض «اليمن»، فى حين استقرت اليهودية شمال «الحجاز»، فى «يثرب» و «خيبر»، و «وادى القرى» و «تيماء». ومن العجيب أن اليهودية والنصرانية لم تنتشرا على نطاق واسع فى بلاد العرب، ولعل ذلك راجع إلى أن اليهودية تُعدُّ ديانة مغلقة، فأهلها كانوا يعتبرونها ديانة خاصة بهم، فلم يدعوا أحدًا إليها، ولم يرحِّبوا باعتناق غيرهم لها، أما المسيحية، فعلى الرغم من أنها ديانة تبشيرية، وأهلها يرغبون فى نشرها فى العالم فإنه يبدو

стр. 7

أنها حين وصلت إلى بلاد العرب كانت قد بلغت درجة من التعقيدات والخلافات لم تستسغها عقول العرب. الحياة الثقافية: كان العرب قبل الإسلام أمة أمية، لا تعرف القراءة والكتابة إلا فى نطاق ضيق، ولم يكن الذين يعرفونها فى «مكة» مثلاً يزيدون على عشرين شخصًا، ومع ذلك فإنهم امتلكوا قدرًا لا بأس به من المعرفة، واتصلوا بالعالم الخارجى من خلال رحلاتهم التجارية، فعرفوا الثقافة الفارسية عن طريق إمارة «الحيرة» العربية، والثقافة اليونانية عن طريق الإمارات العربية فى «الشام». واكتسب العرب أيضًا قدرًا كبيرًا من المعارف العلمية بالخبرة والتجربة وبدافع الحاجة كالمعلومات الفلكية والجغرافية، دفعهم إلى معرفتها تنقلاتهم الكثيرة، وارتحالهم من مكان إلى آخر، وحاجتهم إلى معرفة مواسم نزول الأمطار وهبوب الرياح. وتفوق العرب على غيرهم من الأمم فى مجال «علم الأنساب»، وذلك لاعتزازهم بانتسابهم إلى قبائلهم، وبلغ من شدة اهتمامهم بعلم الأنساب أن اعتنوا بأنساب الخيل، غير مكتفين بأنساب البشر. أما الميدان الثقافى الذى برع فيه العرب فهو البلاغة والفصاحة، فالعربى كان فصيحًا بطبعه، بليغًا بفطرته، ودليل ذلك فهمهم للقرآن الكريم، الذى نزل بلغتهم وهو ذروة البلاغة والفصاحة. وبرع العرب فى ميدان الشعر براعة واضحة، فهو ديوان حياتهم، وشعراؤهم يُعدُّون بالمئات، والشعر العربى إلى جانب كونه لونًا راقيًا من ألوان الأدب يُعدُّ بعد القرآن الكريم مصدرًا من مصادر معرفة الحياة العربية بكل خصائصها ومظاهرها. وكما تفوَّق العرب فى الشعر تفوقوا فى الخطابة، وكانوا يقيمون الأسواق الأدبية التى تشبه مهرجانات المسابقات الأدبية فى الوقت الحاضر، ومن أشهر تلك الأسواق سوق «عكاظ»، وكانت تعقد فيها لجان للتحكيم بين الشعراء والخطباء، والقصيدة أو الخطبة التى يفوز صاحبها يتناقلها الناس ويحفظونها، ويشيدون بقائلها، ومن القصائد

стр. 8

الرائعة ما كان يعلق فى «الكعبة»، وهى التى عرفت باسم «المعلقات»، مثل معلقة «امرئ القيس» و «زهير بن أبى سلمى».

стр. 9

الفصل الثاني *نشأة الرسول نسب الرسول ﷺ : الرسول هو «محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف»، يتصل نسبه بإسماعيل بن إبراهيم ﵉. وكان جده «عبد المطلب» قد نذر وهو يعيد حفر بئر «زمزم» - بناءً على رؤية رآها - أنه إن رزقه الله بعشرة من الأولاد ليذبحن أحدهم قربانًا للآلهة، فلما تحقَّق له ذلك أراد أن يفى بنذره، فضرب الأقداح عند «الكعبة» كما كانت عادتهم على أولاده جميعًا، ومن يخرج عليه السهم يكن هو الذى ارتضته الآلهة قربانًا لها، فخرج السهم على «عبد الله» فعزم «عبد المطلب» على ذبح ابنه. ولما ذاع خبر «عبد المطلب» مع ابنه فى «مكة» فزع أهلها من هذا الحدث، وذهبوا إليه يثنونه عن أمره، فلمَّا لم يجدوا منه استجابة لرجائهم، اقترحوا عليه الذهاب إلى عرَّافة مشهورة؛ لعلهم يجدون عندها لهذه المشكلة حلاً، فوافقهم على ذلك. فلما ذهبوا إلى العرَّافة وقصُّوا عليها ماحدث، اقترحت عليهم أن يضربوا القداح عند آلهتهم، على «عبد الله» وعلى عشرة من الإبل، فإن خرجت على «عبد الله» زادوا عشرة من الإبل، حتى ترضى الآلهة وتخرج القداح على الإبل، ففعل ذلك «عبد المطلب»، حتى وصل العدد إلى مائة، وعندئذٍ خرج السهم مشيرًا إلى الإبل، ففرح «عبد المطلب»، وفرحت معه «مكة»، ونحر الإبل، وأطعم الناس ابتهاجًا بنجاة ابنه الحبيب من الذبح. زواج عبد الله من آمنة بنت وهب: بعد نجاة «عبد الله بن عبد المطلب» من الذبح زوَّجه من «آمنة ابنة وهب بن عبد مناف بن زُهرة». وبعد أيام من العرس خرج عبد الله فى رحلة تجارية إلى «الشام»، فخرج مع قافلة قرشية وباع واشترى، وفى عودته مر بيثرب؛ ليزور أخوال أبيه من «بنى النجار»، لكنه مرض فى أثناء زيارته، فلما بلغ «عبد المطلب» خبر مرض ابنه، أرسل على الفور أكبر أبنائه «الحارث بن عبد المطلب» إلى «يثرب» ليعود بأخيه، لكن «عبد الله» تُوفِّى قبل

стр. 10

أن يصل أخوه إلى «يثرب»، فحزن «عبدالمطلب» حزنًا شديدًا على موت ابنه «عبدالله» الذى لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، ولم يمضِ على زواجه سوى شهور قليلة. ولما خفَّت موجة الحزن على آمنة، بدأت تحس بجنين يتحرك فى أحشائها، فتعلَّق به أملُها، عسى أن يعوضها فقد زوجها الحبيب، وأخبرت «عبدالمطلب» بحملها، ففرح لذلك فرحًا شديدًا، وامتلأ قلبه أملاً ورجاءً فى أن يأتى هذا الحمل بولد يعوضه عن ابنه الفقيد. حادثة الفيل: بعد أن حكم «أبرهة» «اليمن» تملكته الغيرة من الكعبة المشرفة، وأراد أن يصرف العرب عن زيارتها، فبنى كنيسة ضخمة بالغة الروعة، تُسمَّى «القُلَّيس»، وساق أهل «اليمن» إلى التوجه إليها والتعبد فيها، لكنه لم يفلح فى ذلك، وزاد من غضبه أن أحد الأعراب عبث بالكنيسة وقذَّرها، فأقسم «أبرهة» ليهدمن الكعبة، ويطأن «مكة»، وجهَّز لذلك جيشًا جرارًا، تصاحبه الفيلة، وفى مقدمتها فيل عظيم، ذو شهرة خاصة عندهم. وحينما علمت العرب بنية «أبرهة» تصدَّوا له، لكنهم لم يفلحوا فى وقف زحفه، حتى إذا بلغ جيش «أبرهة» «المغمَّس» - وهو مكان بين «الطائف» و «مكة» - ساق إليه أموال «تهامة» من «قريش» وغيرها، وكان فيها مائتا بعير لعبد المطلب بن هاشم، فهمَّت «قريش» وقبائل العرب بقتال «أبرهة»، ولكنهم وجدوا أنفسهم لا طاقة لهم بحربه، فتفرقوا عنه دون قتال. أرسل «أبرهة» إلى «عبدالمطلب» يُبلغِه أنه لم يأتِ لحربهم، وإنما جاء لهدم البيت، فإن تركوه وما أراد فلا حاجة له فى دمائهم، فذهب «عبدالمطلب» إليه، فلما دخل نزل «أبرهة» من سريره، وجلس على البساط، وأجلس «عبدالمطلب» إلى جانبه، وأكرمه وأجلَّه، فطلب «عبدالمطلب» منه أن يرد عليه إبله التى أخذوها، فقال «أبرهة»: أعجبتنى حين رأيتك، وزهدتُ فيك حين كلمتنى، تترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، جئتُ لأهدمه، وتكلمنى فى مائتى بعير أصبتها لك؟

стр. 11

فقال: «عبد المطلب»: إنى رب الإبل (أى صاحبها) وإن للبيت ربًا سيحميه. قال «أبرهة»: ما كان ليمتنع منى، فرد عليه «عبد المطلب»: أنت وذاك، ثم رد «أبرهة» الإبل لعبد المطلب. أمر «عبد المطلب» قريشًا بالخروج من «مكة»، والاحتماء فى شعاب الجبال، وتوجه هو إلى باب «الكعبة»، وتعلَّق به مع نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه، وانطلق جيش «أبرهة» نحو «مكة»، وحينما اقترب منها برك الفيل الأكبر الذى يتقدم الجيش رافضًا الدخول، وتعبوا فى إجباره على اقتحام «مكة»، وكانوا عندما يوجهونه إلى جهة غير «مكة» ينهض ويهرول. ثم شاء الله أن يهلك «أبرهة» وجيشه، فأرسل عليهم جماعات من الطير، أخذت ترميهم بحجارة، فقضت عليهم جميعًا، وتساقطوا كأوراق الشجر الجافة الممزَّقة، كما حكى ذلك القرآن الكريم: [ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم فى تضليل وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارةٍ من سجيل فجعلهم كعصف مأكول]. [سورة الفيل]. مولد النبى ﷺ : وفى يوم الاثنين الموافق (١٢ من شهر ربيع الأول سنة ٥٧٠م) (عام الفيل) ولدت «آمنة» وليدها، يتلألأ النور من وجهه الكريم، أكحل أدعج مختونًا، يرنو ببصره إلى الأفق، ويشير بسبابته إلى السماء، فهرولت قابلته، وهى «أم عبد الرحمن بن عوف» إلى جده «عبد المطلب» تزف إليه البشرى، وتنقل إليه ذلك الخبر السعيد، فكاد الرجل الوقور يطير من الفرحة، وفرح الهاشميون جميعًا، حتى إن عمه «أبالهب» أعتق الجارية «ثويبة» التى أبلغته الخبر، وكانت أول من أرضعت خير البشر. سمَّى «عبد المطلب» حفيده «محمدًا»، وهو اسم لم يكن مألوفًا أو منتشرًا فى بلاد العرب، ولما سُئل عن ذلك، قال: رجوت أن يكون محمودًا فى الأرض وفى السماء. طفولته وصباه: فى اليوم السابع لميلاد النبى ﷺ أمر جده بجزور فنحرت، وأقام حفلا دعا إليه كبار رجالات «قريش» احتفاءً بهذا

стр. 12

الوليد الكريم، وانتظرت «آمنة» المرضعات اللائى كن يأتين من البادية إلى «مكة»، ليأخذن الأطفال إلى ديارهن لإرضاعهم بأجر، وكانت عادة أشراف «مكة» ألا ترضع الأم أطفالها، مفضلين أن تكون المرضعة من البادية؛ لتأخذ الطفل معها، حيث يعيش فى جو ملائم لنموه، من سماء صافية، وشمس مشرقة، وهواء نقى، وكانت هناك قبائل مشهورة بهذا العمل مثل «بنى سعد». وكان محمد من نصيب واحدة منهن تُدعَى «حليمة السعدية» لم تكن تدرى حين أخذته أنها أسعد المرضعات جميعًا، فقد حلَّت عليها الخيرات، وتوالت عليها البركات، بفضل هذا الطفل الرضيع، فسمنت أغنامها العجاف، وزادت ألبانها وبارك الله لها فى كل ما عندها. مكث «محمد» عند «حليمة» عامين، وهو موضع عطفها ورعايتها، ثم عادت به إلى أمه، وألحت عليها أن تدعه يعود معها، ليبقى مدة أخرى، فوافقت «آمنة» وعادت به «حليمة» إلى خيام أهلها. حادث شق الصدر: بقى «محمد» عند «حليمة السعدية» بعد عودتها ثلاثة أعوام أخرى، حدثت له فى آخرها حادثةُ شقِّ الصدر، وملخصها كما ترويها أوثق مصادر السيرة: أن «محمدًا» كان يلعب أو يرعى الغنم مع أترابه من الأطفال، خلف مساكن «بنى سعد» فجاءه رجلان عليهما ثياب بيض، فأخذاه فأضجعاه على الأرض، وشقا صدره وغسلاه، وأخرجا منه شيئًا، ثم أعاداه كما كان. ولما رأى الأطفال ما حدث، ذهب واحد منهم إلى «حليمة» فأخبرها بما رأى، فخرجت فزعة هى وزوجها «أبو كبشة» فوجدا «محمدًا» ممتقعًا لونه، فسألته «حليمة» عما حدث فأخبرها، فخشيت أن يكون ما حدث له مسٌ من الجن، وتخوفت عاقبة ذلك على الطفل، فأعادته إلى أمه، وقصت عليها ماحدث لطفلها. موت آمنة بنت وهب: لما بلغ «محمد» السادسة من عمره أخذته أمه فى رحلة إلى «يثرب»؛ ليزور معها قبر أبيه، ويرى أخوال جده «عبد المطلب» من «بنى النجار». وفى طريق العودة مرضت «آمنة» واشتدَّ عليها المرض، وتُوفيت فى

стр. 13

مكان يُسمى «الأبواء» بين «مكة» و «المدينة». وهكذا شاءت إرادة الله أن يفقد «محمد» أمه، وهو فى هذه السن الصغيرة، وهو أشد ما يكون احتياجًا إليها، فتضاعف عليه اليتم، ولكن للهِ فى خلقهِ حِكم لا يعلمها إلا هو تعالى، فإن كان «محمدٌ» قد حُرِمَ من أبويه. فإن الله هو الذى سيتولى رعايته وتعليمه. ضم «عبد المطلب» حفيده «محمدًا» إلى كفالته؛ لأن ابنه «عبد الله» لم يترك ثروة كبيرة، وكل ما تركه كان خمسة من الإبل، وبعضًا من الأغنام، و «أم أيمن» (بركة) التى أصبحت حاضنة «محمد» وراعيته بعد فقد أمه، وقد عوضته كثيرًا عن حنان الأم. لكن كفالة «عبد المطلب» لمحمد لم تدم طويلا، إذ استمرت عامين بعد وفاة «آمنة»، كان خلالهما نعم الأب الحنون، فحزن «محمد» على فقده حزنًا شديدًا، وبكاه بكاءً مرا وهو يودعه إلى مثواه الأخير. وبعد وفاة «عبد المطلب» انتقل «محمد» إلى كفالة عمه «أبى طالب»، ومع أنه لم يكن أكثر أعمامه مالا وأوسعهم ثراءً، بل كان أكثرهم أولادًا وأثقلهم مؤونة؛ فإنه كان شديد العطف عليه، والرعاية له، فضمه إلى عياله، وكان يفضله عليهم فى كل شىء. اشتغاله برعى الغنم: لم يرض «محمدٌ» أن يكون عالة على عمّه، وبخاصة أنه يرى ضيق ذات يده، فأراد أن يعمل ليعول نفسه، ويكسب قوته، ويساعد عمه إن أمكن ذلك، فاشتغل برعى الأغنام، وهو عمل يناسب سنه، وهذه كانت حرفة الأنبياء من قبله، لقول النبى ﷺ : «ما من نبى إلا ورعى الغنم»، قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا». رحلته الأولى إلى الشام: وجد «محمد» فى عمه «أبى طالب» عطفًا وحنانًا عوَّضه عن فقد جدِّه، فكان يؤثره على أولاده، ولا يكاد يردُّ له طلبًا، فلما رغب «محمد» فى أن يصحب عمه فى رحلة إلى «الشام»، أجابه إلى ذلك، رغم أنه كان يخشى عليه من طول الطريق، ومشقة السفر، وهو لم يزل غلامًا صغيرًا لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره.

стр. 14

انطلق «محمد» مع عمه فى تلك الرحلة إلى «الشام»، وهناك حدثت له قصة عجيبة لفتت أنظار القافلة كلها، لكنهم لم يستطيعوا لها تفسيرًا، وذلك أن راهبًا نصرانيا، يدعى «بحيرا» كان يتعبَّد فى صومعته فى بادية «الشام»، على طريق القوافل، ولم يكن يحفل بأحدٍ يمرُّ عليه، لكنه فى هذه المرة نزل من صومعته لما رأى القافلة القرشية وذهب إليهم، ودعاهم إلى طعام، وطلب منهم أن يحضروا جميعًا ولا يتركوا أحدًا يتخلف. ولما حضر «محمد» مع القوم سأل الراهبُ «أبا طالب»: من يكون منك هذا الغلام؟ فقال: ابنى، فقال له: ما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، فقال: ابن أخى، قال: صدقت. ثم رأى خاتم النبوة على كتف النبى ﷺ ، وقال لأبى طالب: ارجع بابن أخيك هذا فسوف يكون له شأن عظيم، واحذر عليه اليهود، فلو عرفوا منه الذى أعرف ليمسنه منهم شر. وقعت كلمات الراهب من «أبى طالب» موقعًا جميلا، فشكر الراهب على هذه النصيحة الغالية التى لا تصدر إلا عن رجلٍ صالح، وعاد بابن أخيه إلى «مكة». رحلته الثانية إلى الشام فى تجارة خديجة: ذهب «محمد» هذه المرة إلى «الشام» فى مهمة تجارية، لا للتنزه أو الزيارة كما كان فى الأولى، ذلك أن «أبا طالب» رأى ابن أخيه قد بلغ مرحلة الشباب، ولابد له من أن يتزوَّج ويعول أسرة، ولكن من أين لمحمد بالمال؟ فقال لابن أخيه بعد أن أحسن له التدبير: «يا ابن أخى أنا رجل لا مال لى، وقد اشتدَّ الزمانُ علينا، وقد بلغنى أن خديجة بنت خويلد استأجرت فلانًا ببكرين (أى جملين صغيرين) ولسنا نرضى لك بمثل ما أعطته فهل لك أن أكلمها؟» قال «محمد»: «ما أحببتَ ياعمى». ويكشف هذا الحوار القصير الظروف المالية الصعبة التى كان يمر بها «أبو طالب»، لكن ذلك لم يجعله يضيق بابن أخيه، وإنما خاطبه فى رفق وشاوره قبل أن يفاتحه فى أمر عمله مع «خديجة»، وفى الوقت نفسه نلمس أن «محمدًا» ﷺ كان يشعر بما

стр. 15

يعانيه عمه، فلم يملك إلا أن يقول له: «ما أحببتَ يا عمى». توجه «أبو طالب» إلى «خديجة» وقال لها: «هل لك يا «خديجة» أن تستأجرى «محمدًا»؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلانًا ببكرين، ولسنا نرضى لمحمد دون أربعة». فأجابت «خديجة» بلهجة تحمل الوداد والاحترام للشيخ الوقور: «لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألتَه لقريب حبيب» (١). خرج «محمد» فى تجارة «خديجة» يصحبه غلامها «ميسرة» وكان صاحب خبرة فى التجارة ومعرفة بأصولها، أثيرًا لديها، تأتمنه على مالها وتجارتها، وكانت هذه الرحلة ناجحة وموفقة كل التوفيق، وربحت أكثر من أية مرة سابقة. وفى طريق العودة اقترح «ميسرة» على «محمد» أن يسبقه إلى «مكة»؛ ليكون أول من يبشر «خديجة» بعودتهما سالمين وبنجاح تجارتها، وعندما بلغ «خديجة» الأمر سُرَّت أيما سرور، وأعجبت بما قصَّه «ميسرة» على سمعها من شأن «محمد»، من أمانة، ورقة شمائل، وسمو خلق، وازدادت إعجابًا لما سمعت «محمدًا»، وما لبث هذا الإعجاب أن تحول إلى تقدير ورغبة فى الزواج. مشاركة محمد فى الحياة العامة: شارك «محمد» ﷺ قومه فى حياتهم العامة قبل البعثة، فاشترك فى «حرب الفِجَار»، وهو فى نحو الخامسة عشرة من عمره، وهى حرب وقعت أحداثها فى الأشهر الحرم، ولذا سميت بحرب الفجار، وسببها أن «النعمان بن المنذر» أمير «الحيرة» اعتاد أن يرسل كل موسم قافلة تجارية إلى سوق «عكاظ» بالقرب من «مكة» المكرمة، وكان يستأجرُ لها حراسًا من القبائل القريبة من «مكة»، فعرض رجلان أنفسهما لهذه المهمة، أحدهما من «هوازن» يسمى «عُروة»، والآخر من «كنانة» يسمى «البَرَّاض»، فاختار «النعمان» «عروة»، فقتله «البراض»، فوقع القتال بين قبيلتيهما لهذا السبب، واستمر أربع سنوات وانتهى بالصلح بين المتحاربين، وقد وصف النبى ﷺ مشاركته فى هذه الحرب بقوله: «كنت أنبل على أعمامى» أى يرد إليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها.

стр. 16

حلف الفضول: وكما شارك «محمد» قومه فى الحرب فقد شاركهم فى السلم؛ حيث شهد «حلف الفضول»، الذى تكوَّن عقب حرب الفجار، وكان أول من دعا إليه عمه «الزبير بن عبد المطلب»؛ لنصرة المظلوم أيا كان، من أهل «مكة» أو من غيرهم، واجتمعت بعض بطون «قريش»: «بنو هاشم» و «بنو زهرة»، و «بنو أسد»، و «بنو تيم» فى دار «عبد الله بن جدعان»، وتعاهدوا ليكونن مع المظلوم حتى يُردَّ إليه حقه. ويصف النبى مشاركته فى هذا الحلف بقوله: «لقد شهدت مع عمومتى حلفًا فى دار «عبد الله بن جدعان» ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت». بناء الكعبة: نزل سيل على «الكعبة» قبل بعثة النبى بحوالى خمسة أعوام، هدَّم جدرانها، فعزمت «قريش» على إعادة بنائها، وقسَّمت العمل بين بطونها، وكان النبى ﷺ يعمل بنفسه معهم، ويحمل الحجارة، حتى إذا ارتفع البناء نحو قامة الرجل اختلفوا فيمن يضع «الحجر الأسود» فىمكانه؛ كل قبيلة تريد أن تحوز هذا الشرف دون غيرها، واشتد الخلاف بينهم حتى تداعوا إلى الحرب، ففزع «أبو أمية بن المغيرة» وخشى عاقبة ذلك، فأشار عليهم بأن يحتكموا إلى أول رجل يدخل عليهم، فوافقوا على ذلك. كان النبى ﷺ أول داخل عليهم، فاستبشروا خيرًا، وقالوا: هذا الأمين رضينا به حكمًا، فطلب منهم أن يبسطوا ثوبًا، ثم وضع الحجر فيه، وطلب من زعماء القبائل أن يمسك كل منهم بطرف، ليتمكَّنوا من رفع الحجر إلى موضعه، ثم أخذه النبى ﷺ بيده الشريفة، ووضعه فى مكانه. زواج محمد من خديجة: كانت «خديجة بنت خويلد الأسدية» امرأة شريفة، ذات حسب وجمال ومال تزوجت مرتين من قبل، وعزمت بعد موت زوجها الثانى ألاتتزوج مرة أخرى، وأن تتفرغ لإدارة ثروتها، وتنمية تجارتها. ولكنها حين اتصلت بمحمد ﷺ وعمل فى تجارتها، ورأت فيه من خصال الخير أعجبت به ورغبت فى الزواج منه، وأسرَّت بذلك إلى إحدى

стр. 17

صديقاتها المقرَّبات، فذهبت إلى «محمد» وسألته ما يمنعك أن تتزوج؟ قال ما بيدى ما أتزوج به. قالت فإن كُفِيتَ ذلك ودُعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟ قال فمن هى؟ قالت خديجة، فقال كيف لى بذلك؟ قالت علىَّ ذلك، فوافق علىالفور، وعادت «نفيسة» إلى «خديجة»، تزفُّ إليها تلك البشرى فسُرَّت سرورًا عظيمًا. وذهب «محمد» مع أعمامه إلى بيت «خديجة» لإعلان الخطبة، وألقى «أبو طالب» خطبة قصيرة أثنى فيها على ابن أخيه، وأنه لا يعدله شاب فى «قريش»، فى خلقه وصدقه وأمانته، وإن كان قليل المال، فالمال عرض زائل، ثم وجَّه كلامه إلى أهل «خديجة» فقال: «إن محمدًا له فى «خديجة» رغبة، ولها فيه مثل ذلك»، فوافقوا على الخطبة، وأقاموا وليمة بهذه المناسبة السعيدة، وقدَّم «محمد» لخديجة صداقًا قدره عشرون بكرة، ثم تم الزواج، وانتقل «محمد» إلى بيت «خديجة» حيث عاش معها. وهكذا شاءت الأقدار لهذه السيدة الكريمة أن تقترن بسيد الخلق أجمعين، وأن تصبح أول أُم للمؤمنين، وأن تكون خير عون له، فكانت أول من آمن به وكانت تواسيه بمالها، كما كانت حياته معها التى دامت نحو خمسة وعشرين عامًا تملؤها السعادة، ورزقه الله منها بستة أولاد؛ اثنين من الذكور هما: «القاسم» و «عبد الله»، وقد ماتا قبل البعثة، وأربع بنات، هن: «زينب» وقد تزوجها ابن خالتها «أبو العاص بن الربيع»، و «رقية» و «أم كلثوم» وقد تزوجهما «عثمان بن عفان»، واحدة بعد الأخرى، و «فاطمة» وتزوجت بعلى بن أبى طالب. من الزواج إلى البعثة: كان عمر النبى ﷺ حين تزوج السيدة «خديجة» خمسًا وعشرين سنة، وكان عمره حين بعثه الله بالرسالة على رأس الأربعين، فماذا كان يعمل فى المدة التى بين الزواج والبعثة؟ إن مصادر السيرة النبوية لم تمدنا بمعلومات كثيرة عن هذه الفترة من حياته، سوى أنه كان دائم التأمل فى الكون الفسيح، والتفكير فى

стр. 18

القوة التى أبدعته وأحكمت صنعه، وأنه رفض ما عليه قومه من عبادة الأصنام، وما غرقوا فيه من الفساد والمجون، فلم يسجد لصنم، ولم يحضر مجلس لهو وعبث، بل كان يعتكف شهرًا من كل سنة فى غار «حراء»، يتعبد فيه، ويجد فيه فرصة مناسبة للتفكر والتأمل، بعيدًا عن صخب «مكة» وضجيجها. وكان شهره المفضل الذى يقضيه فى الغار هو شهر رمضان المبارك. ويبدو أنه فى تأمله هذا كان ينشد مخرجًا للعالم مما هو فيه من شرك ووثنية؛ لأن ما بقى من الشرائع القديمة لم يكن كافيًا ليريح نفسه المتشوقة إلى الحق المجرد والحقيقة المطلقة، وظل كذلك حتى أتاه «جبريل» ﵇ بالوحى.

стр. 19

الفصل الثالث *بعثة الرسول ﷺ بدء الوحى: ظل «محمد» ﷺ يتردد على غار «حراء» حتى شارف الأربعين من عمره، وكان أول ما بدئ به من الوحى الرؤيا الصادقة، كما جاء فى حديث «عائشة»، فكان لا يرى رؤيا فى نومه إلا جاءت كفلق الصبح، وزادته رؤاه الصادقة أملا فى قرب الوصول إلى الحقيقة. وبينما هو فى غار «حراء» غارق فى تأمله وتدبره؛ إذ جاءه «جبريل» ﵇ فى ليلة من ليالى رمضان، فقال: «اقرأ»، قال: «ما أنا بقارئ»، قال: «فأخذنى فغطنى، حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: «اقرأ»، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة، ثم أرسلنى فقال (اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم) (سورة العلق: ١ - ٣) فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على «خديجة بنت خويلد» -رضى الله عنها - فقال: «زملونى زملونى» فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسى»، فقالت «خديجة»: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصلُ الرحم، وتحمل الكل، وتَكسِبُ المعدوم، وتَقرِى الضيف، وتعين على نوائب الحق». [صحيح البخارى، كتاب بدء الوحى]. طمأنت «خديجة» «محمدًا» بتلك الكلمات الصادقة والعبارات المواسية، وذهبت به إلى ابن عمها «ورقة بن نوفل» أحد الحنفاء العرب، وكان قد اعتنق النصرانية، فقالت له: «يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له «ورقة»: يا ابن أخى ماذا رأيت، فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى، فقال له «ورقة»: هذا الناموس (جبريل أمين الوحى) الذى نزله الله على «موسى»، ياليتنى فيها جَذَعًا، ليتنى أكون حيا، إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أو مخرجى هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئتَ به إلا عُودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يلبث

стр. 20

«ورقة» أن تُوفِّى وفتر الوحى». توقف الوحى بعد ذلك فترة من الزمن حتى شق على «محمد» فأحزنه ذلك، فجاءه «جبريل» بسورة «الضحى»، يقسم له ربه - وهو الذى أكرمه بما أكرمه به - ما ودعه وما قلاه. المسلمون الأوائل: أخذ النبى ﷺ يدعو إلى الإسلام سرا، فكانت «خديجة بنت خويلد» - رضى الله عنها - أول الناس إسلامًا وإيمانًا بالله ورسوله، ثم تلاها «على بن أبى طالب» -رضى الله عنه - وكان فى نحو العاشرة من عمره، ثم «زيد بن حارثة» مولى رسول الله ﷺ ، ثم أسلم «أبو بكر بن أبى قحافة»، وكان رجلا مألفًا لقومه، محببًا سهلا، فأسلم على يديه طائفة من كبار الصحابة، أمثال: «عثمان بن عفان»، و «الزبير بن العوام»، و «عبد الرحمن بن عوف»، و «سعد بن أبى وقاص»، و «طلحة بن عبيد الله». ثم أسلمت بعد هؤلاء طائفة أخرى، عد منهم «ابن إسحاق» نحو خمسة عشر فردًا ما بين رجل وامرأة، هم: «أبو عبيدة بن الجراح»، و «أبو سلمة ابن عبد الأسد» و «عثمان بن مظعون»، وأخواه «قدامة» و «عبد الله»، و «عُبيدة بن الحارث ابن المطلب» و «سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل»، وامرأته «فاطمة بنت الخطاب»، و «أسماء» و «عائشة» بنتا «أبى بكر»، و «خباب بن الأرت»، و «عمير بن أبى وقاص»، و «عبد الله بن مسعود»، و «مسعود ابن القارى» - رضى الله عنهم - وكان ذلك فى مرحلة الدعوة السرية. الدعوة السرية: كان النبى ﷺ يعلم تمام العلم عناد «قريش» وكبرياءها وإصرارها على التمسك بالقديم، واعتزازها بآبائها وأجدادها وعبادتها للأصنام؛ لذا فلن تُسلِّم بسهولة، أو تذعن لدعوته، بل ستقاومه حتى آخر سهم فى جعبتها، لأنها اعتقدت أن الإسلام يهدد مصالحها ويقضى على سيطرتها على «مكة» وما حولها، ولو علمت أن الإسلام سيجعلها سيدة العالم ما قاومته لحظة واحدة ولرحَّبت بدعوته. أدرك النبى ﷺ ذلك، فقرَّر أن تكون دعوته لدينه

стр. 21

سرا فى بادئ الأمر، وبدأ فى دعوة أصدقائه وأقرب الناس إليه، ومن يأنس فيهم خيرًا واستعدادًا لقبول الحق والهُدى، فآمن به - إلى جانب من ذكرنا - عدد من رجالات «قريش» ونسائها، وطائفة من العبيد والفقراء والضعفاء الذين رأوا فى الدين الجديد الخلاص مما هم فيه من شقاء وبؤس، مثل: «بلال بن رباح»، و «صهيب الرومى»، و «آل ياسر»، وكان النبى ﷺ يجتمع بمن أسلم سرا فى دار «الأرقم بن أبى الأرقم» يتلو عليهم آيات القرآن الكريم، ويعلمهم شرائع الإسلام، واستمرت هذه الدعوة السرية نحو ثلاث سنوات، ازداد فيها عدد المسلمين زيادة يسيرة. ويبدو أن خبر الدعوة لم يعد سرا بصورة مطلقة بالنسبة إلى «قريش»، فقد تسرَّب إليها، لكنها لم تعبأ بهذا فى البداية، ولعلها كانت واثقة بقوتها وقدرتها على مقاومة هذه الدعوة من ناحية، وواثقة بأن حملها على ترك دين آبائها وأجدادها أمر صعب من ناحية أخرى. الجهر بالدعوة وموقف قريش: أمر الله تعالى نبيه «محمدًا» ﷺ أن يجهر بالدعوة بعد مضى ثلاث سنوات من الدعوة سرا، فقال ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ [الحجر: ٩٤]. وقال تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إنى برىء مما تعملون﴾. [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٦]. وامتثالا لهذا الأمر الإلهى بدأ النبى بدعوة الأقربين من أهله وعشيرته إلى الإسلام، وصنع لهم طعامًا فى بيته، وبعد أن تناولوه، حدَّثهم قائلا: «ما أعلم إنسانًا فى العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، فقد جئتكم بخيرى الدنيا والآخرة، وقد أمرنى ربى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر؟» فأعرضوا عنه جميعًا، وهمُّوا بتركه عدا «على بن أبى طالب»، وانصرفوا دون أن يستجيبوا لدعوة النبى، غير أنهم لم يبادئوه بأذى فى أول الأمر، غير أن عداوتهم له بدأت حين شرع فى تسفيه آلهتهم. الجهاد فى العهد المكى:

стр. 22

قد يفهم بعض الناس أن المقصود بالجهاد الحرب فقط، لكنه يعنى كثيرًا من أنواع الجهاد، فالصبر على الأذى والمكاره لا يقل أهمية عن الجهاد بالسلاح، وقد تحمَّل النبى ﷺ هو وأصحابه صنوفًا من الأذى صبَّها عليهم المشركون فى الفترة المكية، فكانوا يسبونه ويتعرضون له، ويرجمونه بالحجارة، ويلقون عليه القاذورات، وأشهر من صنع ذلك معه: «عقبة بن أبى معيط»، و «أبو جهل» الذى حاول قتل النبى ﷺ عند «الكعبة». وكان موقفهم هذا من النبى ﷺ عنادًا له وحسدًا من عند أنفسهم، لأنهم كانوا يعرفون أن دينه حق، وأن الذى يأتيه وحى من السماء، ولكن حال الحسد بينهم وبين اتباعه وتصديقه. وصبَّ المشركون جام غضبهم على المستضعفين من المسلمين، وأذاقوهم ألوانًا من العذاب، مثل: «بلال بن رباح» الذى لم ينقذه من العذاب إلا «أبو بكر الصديق» الذى اشتراه من سيده «أمية بن خلف» وأعتقه، و «آل ياسر» وكانوا يُعذَّبون إذا حميت الظهيرة برمضاء «مكة»، وكان الرسول يمر بهم ولا يملك أن يمنع عنهم العذاب، فيقول لهم: «صبرًا آل ياسر فموعدكم الجنة»، فصبروا واحتملوا ولم يتخلوا عن دينهم، حتى إن «أم عمار» طعنها «أبو جهل» بحربة فقتلها وهى على إسلامها. الهجرة إلى الحبشة: اشتد الأذى والتعذيب بأصحاب النبى ﷺ دون أن يقدر على الدفاع عنهم، وكان هو فى منعة من أهله إلى حد ما، يقف بجانبه «أبو طالب» يدفع عنه الأذى، ففكَّر لهم فى مخرج مما يلاقونه من التعذيب، فقال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهى أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه» فخرج بعض المسلمين إلى أرض «الحبشة» مخافة الفتنة، وفرُّوا إلى الله بدينهم، وكانت هجرتهم أول هجرة فى الإسلام، وبلغ عددهم عشرة رجال وأربع نسوة، منهم: «عثمان بن عفان» وزوجته «رُقية» بنت رسول الله ﷺ .

стр. 23

ثم خرجت مجموعة أخرى من المسلمين إلى «الحبشة»، كان عددها أكبر من الأولى؛ إذ بلغوا نحوًا من ثمانين رجلا وامرأة، وظلوا مدة طويلة فى «الحبشة»، بعد أن وجدوا الأمن والحماية من ملكها، وعادت آخر مجموعة من هناك مع «جعفر» فى أول السنة السابعة من الهجرة. إسلام عمر بن الخطاب: بعد هجرة المسلمين الأولى إلى «الحبشة» أسلم «عمر بن الخطاب»، وكان إسلامه حدثًا كبيرًا فى «مكة»، ونصرًا عظيمًا للإسلام؛ إذ كان من الشخصيات القوية فى «مكة»، ومن أشد أعداء المسلمين، حتى إنه أسلم فى الوقت الذى عزم فيه على الذهاب لقتل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فأراد الله به الخير، واستجاب الله لدعوة النبى الذى كان دائمًا يردد: «اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين»، «عمر بن الخطاب»، و «عمرو بن هشام» (أبى جهل)! وبإسلام «عمر» قَوِى موقف المسلمين كما اشتد من قبل بإسلام «حمزة بن عبد المطلب» عمِّ النبى ﷺ ،وأهاب بالمسلمين أن يصلوا عند «الكعبة» تحت حمايته، فغلبت «قريش» على أمرها، لمعرفتها بقوة شكيمة «عمر» ومضاء عزيمته، فلم تتعرَّض لهم، وبدأت تلجأ إلى أسلوب آخر فى مواجهة الدعوة، وهو أسلوب المقاطعة. أسلوب المقاطعة: استعملت «قريش» مع النبى ﷺ وأصحابه أساليب العنف والتعذيب والاضطهاد، فلم تنجح فى ردهم عن دعوتهم، فلجأت إلى أسلوب الترغيب والمساومة، فعرضت على النبى - صلى الله عليه وسلم - الملك والسيادة والمال، فرفض عرضهم، لأنه لم يكن طالب ملك أو جاه، بل رسولا جاء من الله برسالة سماوية، تحمل الخير والعدل، ولابد من تبليغها، ثم وسَّطوا «أباطالب» ليكف «محمدًا» عن تسفيه آلهتهم فى مقابل ما يريد من ملك أو جاه، فكلمه قائلا: «إن القوم يطلبون منك أن تكف عن سب آلهتهم، فأبق علىَّ وعلى نفسك» فأجابه النبى بكلمات قليلة، لكنها قاطعة وحاسمة: «والله يا عم لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر

стр. 24

ما تركته حتى يظهره الله أو أهلِكَ دونه» سمع «أبو طالب» هذا الرد الحاسم، وأدرك إصرار النبى ﷺ على السير فى طريق الدعوة مهما تكن الصعاب والمشاق، فقال له فى رقةٍ بالغةٍ: «يا ابن أخى امضِ فيما أنت فيه، فوالله لن أسلمك لشىء تكرهه أبدًا». ولما لم تنجح كل هذه الوسائل فى ثنى النبى ﷺ عن تبليغ دعوته، ورد أصحابه عن دينهم الجديد، لجأت قريش إلى أسلوب المقاطعة، ولم يكن هذا مألوفًا فى بلاد العرب، ولعله لم يكن مألوفًا كذلك فى أى مكان فى العالم آنذاك، ففرضت حصارًا على «بنى هاشم» و «بنى المطلب» جميعًا، ممن يقفون مع النبى - صلى الله عليه وسلم - ويذودون عنه، سواء من أسلم منهم أو لم يسلم، وقررت ألا تبيع لهم أو تشترى منهم، وألا تزوجهم أو تتزوج منهم، وألا تتزاور معهم، عقابًا لهم على مساندتهم للنبى - صلى الله عليه وسلم -،وكتبوا بتلك المقاطعة وثيقة فى صحيفة، علقوها فى «الكعبة»، ليكون لها احترام والتزام. واستمر هذا الحصار القاسى المجرد من الإنسانية نحو ثلاث سنوات، عانى منه «بنو هاشم» و «بنو المطلب» أشدَّ المعاناة، وهم صابرون صامدون، لم يتخلَّ أحدٌ منهم عن النبى ﷺ ، حتى تحركت النخوة والشهامة فى نفوس بعض رجالات «قريش»، كزهير بن أبى أمية المخزومى، و «المطعم بن عدى»، و «أبى البُخترى بن هشام»، لما رأوا ما يعانيه «بنوهاشم» و «بنو المطلب» من هذه المقاطعة الظالمة، فسعوا فى نقضها وإنهائها، وأقسموا على تمزيق الصحيفة، وكان لهم ما أرادوا، فخرج النبى وأصحابه من شعبهم الذى كانوا محاصرين فيه؛ ليستأنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته إلى دين الله. عام الحزن: استأنف النبى ﷺ دعوته بعد انتهاء المقاطعة، واستبشر المسلمون خيرًا بعهد جديد يمارسون فيه حياتهم الطبيعية، لكن وقع للنبى حدثان جليلان فى عام واحد وهو العام العاشر من

стр. 25

البعثة، فقد مات كل من عمه «أبى طالب»، وزوجته «خديجة»، وكانا نعم العون له والمساندة فى تبليغ رسالته، وعلى الرغم من ذلك فإن النبى ﷺ لم يضعف ولم تهن له عزيمة؛ ومضى واثقًا بنصر الله يبلغ رسالة الله إلى العالمين. رحلته إلى الطائف: أراد النبى ﷺ أن يخرج بالدعوة من نطاق «مكة»، لعله يجد نصيرًا أو معينًا بعد المضايقات الشديدة التى لقيها من «قريش» وبخاصة بعد موت «خديجة» و «أبى طالب»، فقرر الذهاب إلى «الطائف»؛ لعرض دعوته على «ثقيف» رجاء إيمانها به وبرسالته، لكنهم رفضوا ما عرضه عليهم، ولم يكتفوا بذلك بل سبُّوه وأهانوه، وسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم؛ ليضربوه بالحجارة، فتأثر بذلك رسول الله ﷺ ، وبلغ إحساسه بالألم مداه، فجأر بالشكوى إلى الله قائلا: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس، ياأرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى؟ إلى بعيد يتجهمنى، أم إلى عدو ملكته أمرى؟ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى، ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بى غضبك، أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك». وبعد أن قال الرسول هذا الكلام المؤثر جاءه «جبريل» ومعه ملك الجبال ﵉، فقال له ملك الجبال: «إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأخشبين» (٢)، فقال النبى ﷺ : «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ودعا لهم قائلا: «اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون». الإسراء والمعراج: فى هذا الجو الذى بدا قاتمًا وحزينًا بعد موت «أبى طالب» و «خديجة بنت خويلد»، وما لقيه النبى من أهل «الطائف» والقبائل من عنت وإيذاء، أراد الله تعالى أن يسرِّى عنه ﷺ وأن

стр. 26

يعلمه ويطمئنه، فأسرى به إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى السماء. وموجز هذه الحادثة كما ترويها كتب الحديث والسيرة: أن النبى ﷺ كان فى بيت «أم هانئ بنت أبى طالب» فجاءه «جبريل» ومعه «البراق» (وهى دابة أصغر من البغل وأكبر من الحمار) وأخذه إلى «بيت المقدس» فى «فلسطين»، حيث وجد فى استقباله جمعًا من الأنبياء، فيهم «إبراهيم» و «موسى» و «عيسى» - ﵈ جميعًا، فصلى بهم إمامًا ركعتين، ثم عرج إلى السماوات العلى، حيث التقى بعدد من الأنبياء، وتحدث إليهم وحيوه وهنئوه، ثم ارتقى فوق السماوات العلى لمناجاة ربه، وتلك مكانة لم يبلغها نبى ولا رسول ولا ملك من الملائكة المقربين، وفى هذا اللقاء فرضت الصلوات الخمس، وقد أراه الله من آياته الكبرى، فرأى الجنة وما أعده الله من نعيم للمتقين، ورأى النار وما أعده الله من عذاب للكافرين. ثم عاد إلى «مكة» فى الليلة نفسها، مزودًا بهذه الطاقة الروحية الهائلة. أبو لهب يحذر القبائل من دعوة النبى: على الرغم مما تعرض له النبى ﷺ من إساءات أهل «الطائف»، فإنه لم ييأس من دعوة الناس إلى الإسلام، فكان يتصدى لوفود القبائل التى تأتى إلى «مكة» فى موسم الحج، يعرض عليهم رسالة الإسلام، ومن الوفود التى التقى بها: وفد «كندة»، و «بنى حنيفة» و «بنى عامر بن صعصعة»، غير أنه لم يجد منهم مجيبًا، خاصة أن عمه «أبا لهب» كان يتتبع خطى رسول الله ﷺ ، فإذا رآه جلس إلى وفد قبيلة من قبائل العرب؛ جاءهم قائلا لهم: لا تصدقوه إنه كذَّاب ولا تطيعوه ولا تسمعوا له. واستمر هذا الوضع حتى أذن الله بالفرج من ناحية «يثرب». الهجرة إلى المدينة: لقد سبقت الهجرة إلى «المدينة» عدة أحداث كانت بمثابة مقدمة لها، ومن بينها: بيعة العقبة الأولى: بدأت بشائر النصر تأتى ريحها من «يثرب»، فقد التقى النبى - صلى

стр. 27

الله عليه وسلم - أثناء عرض دعوته على القبائل بوفد من أهل «يثرب» فى موسم الحج، وعرض عليهم الإسلام، فلم يرفضوا ولم يسلموا، عدا واحدًا منهم هو «إياس بن معاذ» فقد أسلم، لكنهم حين عادوا إلى قومهم تحدثوا بما سمعوا من النبى، فنبهوهم إلى أنه من المعقول أن يكون «محمد» هو النبى الذى كانت اليهود تحدثهم عنه دائمًا، وكان فى «يثرب» كثير من قبائل اليهود (بنو قينقاع وبنو النضير وبنوقريظة)، الذين علموا من كتبهم المقدسة أن هناك نبيًا قد قرب زمانه وهو آخر الأنبياء. وهذه المعلومات التى عرفها أهل «يثرب» من «الأوس» و «الخزرج» كانت مفيدة لهم وللإسلام، فقد ذهب وفد منهم فى الموسم التالى - العام الثانى عشر من البعثة - والتقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم على استعداد للاستجابة له والتجاوب معه، فحدَّثهم عن الإسلام فآمنوا وبايعوه عند العقبة فى «مِنى» «البيعة الأولى»، على أن يؤمنوا بالله وحده، ولا يشركوا به شيئًا، وألا يسرقوا، وألا يزنوا، وألا يعصوا الله فى معروف. وأرسل النبى معهم عند عودتهم إلى «يثرب» «مصعب بن عمير»، يعلمهم القرآن ويفقههم فى الدين. وكان هذا اللقاء بداية النصر وفاتحة الخير، فإذا كانت «مكة» قد تحجرت عقولها وصمت آذانها عن سماع صوت الحق، فإن «يثرب» تفتح له قلوبها وعقولها وآذانها. بيعة العقبة الثانية: نجح «مصعب بن عمير» فيما كُلِّف به نجاحًا عظيمًا، فازداد عدد المسلمين فى «يثرب» على يديه زيادة كبيرة، ولم يبق بيت فيها إلا ولذكر الإسلام والنبى فيه نصيب، وعاد «مصعب» فى الموسم التالى (العام الثالث عشر من البعثة)، ليزف إلى النبى ﷺ بشرى نجاحه، وإقبال أهل «يثرب» على الإسلام، وأن وفدًا كبيرًا منهم سوف يأتى إلى «مكة» لمقابلته، فقدم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان لهذا الغرض، وتم اللقاء سرا عند العقبة فى «منى»، وسط أيام التشريق (الثلاثة الأيام الأولى من عيد الأضحى)، وحضر اللقاء

стр. 28

«العباس بن عبد المطلب»، وكان لا يزال مشركًا، لكنه رغب فى حضور هذا الاجتماع؛ ليطمئن على ابن أخيه. وفى هذا اللقاء بايع الحاضرون النبى ﷺ «بيعة العقبة الثانية» أو «بيعة القتال»، لأن أهم ما تضمنته التزام أهل «يثرب» بالدفاع عن النبى عندما يهاجر إليهم، ومنعه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم. وبعد أن تمت البيعة اتفِقَ على ترتيبات هجرة أصحاب النبى ﷺ إلى «يثرب»، وما يلتزمه أهل «يثرب» تجاههم من توفير المأوى والمعاش. وقد أثبت أهل «يثرب» أنهم أهل كرم وشهامة وتضحية، فقدموا لإخوانهم المهاجرين كل ما يحتاجون إليه، بل وآثروهم على أنفسهم. المؤامرة الكبرى: بدأ أصحاب النبى ﷺ من أهل «مكة» يهاجرون إلى موطنهم الجديد، أفرادًا وجماعات متخفين عن أعين «قريش»، وبقى الرسول فى «مكة»، ووقعت «قريش» فى حيرة شديدة؛ لأنها لم تكن تعرف ما هو صانع؛ هل سيبقى فى «مكة»، أم سيلحق بأصحابه إلى «يثرب»؟ وفى هذا خطر شديد عليهم، لأنه سيجد فى «يثرب» المنعة والحماية والاستعداد للدفاع عنه، مما قد يجرُّهم إلى الدخول فى عداء سافر مع «يثرب». وأمام هذه التطورات المتلاحقة قررت «قريش» أن تحزم أمرها سريعًا قبل أن يهاجر النبى ويفلت من بين يديها، فعقدوا اجتماعًا فى دار الندوة لم يحضره أحد من «بنى هاشم» سوى «أبى لهب» عم النبى، وبحثوا فيه الأمر، وعُرضَت ثلاثة اقتراحات لمواجهة الموقف، الأول: أن يضعوا «محمدًا» فى السجن، والثانى: أن ينفوه من «مكة»، والثالث: أن يقتلوه، وحاز الاقتراح الثالث الموافقة على تنفيذه، وهذه هى المؤامرة التى عبَّر عنها القرآن الكريم، فى قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾. [الأنفال: ٣٠]. وبعد أن اتفقوا على قتله، ناقشوا كيفية تنفيذ ذلك، فرأوا أن

стр. 29

تشترك جميع القبائل فى قتله، بأن تختار كل منها فتى شابا قويا من بين أبنائها، وتعطيه سيفًا بتارًا، وأن يرابط هؤلاء جميعًا أمام بيت النبى ﷺ ليلا، حتى إذا خرج عليهم فى الصباح ضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرَّق دمه فى القبائل، ولا يقوى «بنو هاشم» على محاربة أهل مكة جميعًا. علىٌّ فى فراش النبى ﷺ : علم رسول الله بما بيتته له «قريش»، فأعد العدة للهجرة، وأسر بذلك إلى صاحبه «أبى بكر الصديق» الذى كان ينتظر هذا بلهفة وشوق، فأعد لذلك الأمر عدته من قبل، للقيام بأعظم رحلة فى تاريخ البشرية. دعا النبى ﷺ «على بن أبى طالب»، لينام فى فراشه فى تلك الليلة، ليضلل «قريشًا» من جهة، ومن جهة أخرى لكى يتخلف فى «مكة»، ليؤدى للناس ودائعهم التى كانت عند الرسول، وخرج النبى ﷺ فى عماية الصبح، والمتآمرون واقفون على بابه، ينتظرون لحظة خروجه، للانقضاض عليه، لكن الله أعمى أبصارهم، وأخذ النبى ﷺ حفنة من الحصى وقذفها فى وجوههم، وقال: شاهت الوجوه»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾. [يس: ٩]. قصد النبى ﷺ بيت «أبى بكر» الذى كان فى انتظاره ومعه الرواحل، والزاد، وكل ما يلزم الرحلة المباركة، وكان دليلهم فى رحلتهم «عبد الله بن أريقط». النبى فى غار ثور: انطلقت الرحلة المباركة قاصدة غار «ثور» فى جنوب «مكة»، مع أن وجهتهم كانت «يثرب» فى الشمال؛ لأن النبى ﷺ يعرف أن «قريشًا» عندما تكتشف أنه نجا من كيدهم ستتجه فى بحثها عنه إلى الشمال، عندئذٍ يكون هو قد وصل إلى الغار واختبأ فيه. والحق أن خطة الهجرة كانت دقيقة وسرية إلى أقصى حد، ووضِعَ لها كل مافى وسع البشر أن يفعلوه لضمان نجاحها، فإذا لم يفلح هذا كله، فستأتى عناية الله فى اللحظة المناسبة لإنقاذ الموقف،

стр. 30

فالذين علموا بأمر الهجرة كان عددهم محدودًا وكانوا موضع ثقة، منهم: «عامر بن فهيرة» مولى «أبى بكر» وراعى غنمه، و «عبد الله بن أبى بكر»، وأخته «أسماء»، وكل واحد من هؤلاء له عمل محدد وفى غاية الأهمية والخطورة، فعبد الله بن أبى بكر كانت مهمته أن يتسمع أخبار «قريش» بالنهار فى أنديتها، ثم يبلغها الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا جاء الليل، وكانت مهمة «أسماء» إعداد الطعام، ولما لم تجد مرة حبلا تربط به حقيبة الزاد، شقت نطاقها الذى كانت تشد به وسطها، وربطت بأحد الشقين الحقيبة فلقبت بذات النطاقين. أما «عامر بن فُهيرة» فكانت مهمته أن يرعى الأغنام بالقرب من الغار، فإذا ما حلَّ الظلام ذهب إلى الغار؛ ليزود النبى - صلى الله عليه وسلم - و «أبابكر» باللبن، ويسير بأغنامه على آثار أقدام «عبد الله بن أبى بكر» حتى يمحوها، فلا يفطن أحد إلى مكانهم. جن جنون «قريش» حين علمت أن النبى ﷺ أفلت من قبضتها، وأن النائم فى الفراش لم يكن سوى «على بن أبى طالب»، فأخذت تبحث عن «محمد» فى كل مكان، وبعد أن أعياهم البحث فى طريق «يثرب»؛ عادوا إلى الجنوب، ووصلت طلائع بحثهم إلى باب الغار، ففزع «أبوبكر»، حتى إنه بكى من شدة خوفه على حياة النبى ﷺ ، فسأله: «ما يبكيك يا أبا بكر؟» فقال: يارسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال له الرسول ﷺ مطمئنًا: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما!». وقد سجل القرآن الكريم هذا المشهد، فقال تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم﴾. [التوبة: ٤٠]. استئناف الرحلة: ظل النبى ﷺ ، وصاحبه فى الغار ثلاثة أيام، حتى

стр. 31

هدأت «قريش»، وتعبت من البحث دون جدوى، بعد أن كانت قد رصدت جائزة كبرى قدرها مائة من الإبل لمن يأتيها بمحمد حيا أو ميتًا، لكن الله - سبحانه- عصمه من ذلك أيضًا، ثم استأنف الرسول رحلته المباركة فى غرة ربيع الأول، وأخذ دليلهما طريقًا غير طريق القوافل المعروف، لئلا يستدل عليهم أحد. وكانت الرحلة شاقة واكتنفها كثير من المخاطر، من ذلك أن «سُراقة بن مالك الجشمى» علم أن النبى ﷺ و «أبا بكر» سلكا ذلك الطريق، فأراد اللحاق بهما، والقبض عليهما ليفوز بالجائزة، فلما اقترب منهما غاصت أقدام حصانه فى الرمال، وعجز عن النهوض، فدهش «سراقة»، فلم يعهد من حصانه هذا من قبل، وحاول أكثر من مرة اللحاق بهما، ولكن تكرر فشله، والنبى - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليه فى إشفاق، و «سراقة» يظن أن النبى منتقم منه لامحالة، فتوسل إليه أن يعفو عنه، وعاهده على ألا يدل عليه أحدًا، فعفا عنه النبى ﷺ . وكان أهل «يثرب» منذ أن علموا بقرب مقدم النبى - صلى الله عليه وسلم - إليهم ينتظرونه بحب وشوق ولهفة إلى رؤيته، وكانوا كل يوم يخرجون إلى مشارف المدينة، يلتمسون وصوله، فما إن وقعت عليه عيونهم حتى كادوا يطيرون من الفرح، وهتفوا مرحبين منشدين: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا مادعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع جئت شرفت المدينة مرحبًا ياخير داع. وكان وصوله ﷺ إلى «يثرب»، التى أصبحت عندئذٍ تسمى «مدينة الرسول»، أو «المدينة المنورة» يوم الجمعة الموافق الثانى عشر من شهر ربيع الأول؛ لأنه قضى أربعة أيام فى «قُبَاء» (٣) قبل دخوله «يثرب»، فقد وصلها يوم الاثنين الثامن من شهر ربيع الأول، وبقى فيها إلى يوم الجمعة، حيث صلَّى الجمعة فى «المدينة»، وصلى خلفه المهاجرون والأنصار فى مشهد عظيم. وحادث الهجرة هو أعظم حدث فى التاريخ الإسلامى، لذلك اتخذه

стр. 32

الخليفة «عمر بن الخطاب» -رضى الله عنه - مبدأ للتاريخ الإسلامى؛ لأن الهجرة هى التى فتحت أمام الإسلام ذلك العالم الرحيب، ومكنت النبى ﷺ من بناء دولته وتكوين جيشه الذى سيدافع عن دعوته، وأتاحت له أن يعلم أصحابه أصول دينهم وعلوم السياسة والحرب والسلام، والإدارة والقيادة، وهيَّأهم ليقودوا الدنيا كلها إلى الخير والعدل والحق، وينشروا فيها الحرية والعزة والكرامة لكل الناس.

стр. 33

الفصل الرابع *المسلمون فى المدينة بناء الدولة الإسلامية: أصبحت «المدينة» منذ أن وصل النبى ﷺ إليها منزل الوحى، ومعقل الإسلام، ومركز إشعاعه الذى أضاء العالم، وشرع النبى فور وصوله فى بناء مسجده الذى شارك فى بنائه بنفسه مع أصحابه، وكان بناؤه متواضعًا؛ حيث بُنى من الطين أو الطوب اللبن، وكان سقفه من جريد النخل، وأعمدته من جذوعه، وفرشه الحصى، كما كان مربع الشكل، طول ضلعه نحو مائة ذراع. وهذا المسجد المتواضع البناء كان ذا شأن عظيم فى تاريخ الإسلام، فلم تقتصر وظيفته على أداء الصلوات فيه، بل كان مدرسة تخرَّج فيها الرعيل الأول من المسلمين، حملة لواء الإسلام ودعاته، مكانًا تُعقد فيه الجلسات لمناقشة الأمور العامة التى تتصل بحياة المسلمين ودينهم ودولتهم. وفيه استقبل الرسول ﷺ وفود القبائل وسفراء الملوك والأمراء. الإخاء بين المهاجرين والأنصار: وهو الأساس الثانى الذى أقام الرسول ﷺ عليه دولته، ذلك أن «المدينة» فتحت صدرها الرحيب للمهاجرين، واستقبلهم الأنصار بحفاوة لا نظير لها فى التاريخ، فما نزل مهاجر على أنصارى إلا بقرعة، لتنافس الأنصار وتزاحمهم على استضافة المهاجرين، فآخى الرسول ﷺ بين الفريقين إخاءً ربط بين قلوبهم جميعًا، فأصبحت عروة الإيمان فوق كل أسباب الصلات البشرية، وأصبح النسب الإسلامى مقدمًا على سائر الأنساب. معاهدة المدينة: كانت الوثيقة الخالدة التى كتبها الرسول ﷺ مع اليهود الأساس الثالث لدولة الرسول فى «المدينة»، فبعد أن اطمأن على قوة جبهة المسلمين وسلامتهم، التفت إلى «المدينة»، فوضع لها نظامًا عامًا ثابتًا يحدد العلاقات والحقوق والواجبات بين سكانها جميعًا؛ مسلمين وغير مسلمين، فاليهود يقيمون فى «المدينة» منذ زمن طويل، وكانوا من قبل يقتسمون الزعامة مع الأوس والخزرج،

стр. 34

وهؤلاء آمنوا بالله ورسوله، على حين بقى اليهود على دينهم ولم يؤمنوا، ولم يجبرهم الرسول على اعتناق الإسلام؛ إذ لا إكراه فى الدين، ومن ثم كان لابد من تحديد وضعهم فى الدولة الجديدة بنصوص صريحة، يُرجع إليها عند الضرورة. ونص المعاهدة، كما رواها «ابن إسحاق»: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبى - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمنين والمسلمين، من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس» وهذا إعلان صريح للأساس العقدى للدولة الجديدة، وباب الانتساب إليها هوالإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا الأساس تمارس الدولة سياستها وسلطتها العليا فى الداخل والخارج. وجاء فى المعاهدة؛ وهو فى غاية الأهمية: «وأنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين، ماداموا محاربين، وأن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، .. وأن ليهود بنى الحارث مثل ما ليهود بنى عوف، .. ». وأخذت الوثيقة تعدد سائر المجموعات اليهودية فى «المدينة»، ثم أضافت شيئًا مهمًا آخر، حيث نصت: «وأنه لا يخرج أحد منهم -من «المدينة» - إلا بإذن محمد». وهذا ليس تقييدًا لحريتهم، وإنما هو إجراء وقائى اقتضته ظروف الدولة الناشئة؛ خوفًا من عمليات التجسس، ونقل أخبار الدولة إلى أعدائها، وبخاصة أنها تعتبر فى حالة حرب مع «قريش»، التى أجبرت المسلمين على ترك أوطانهم وديارهم وأموالهم. وهذه المعاهدة كانت مهمة وأساسية فى إعلان ميلاد دولة المسلمين بقيادة النبى ﷺ ، باعتراف جميع أطرافها بهذه القيادة، كما يفهم من عبارة النص الآتى: «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله ، وإلى «محمد» رسول الله ﷺ ، وأن الله على أتقى ما فى هذه الصحيفة وأبره».

стр. 35

وعلى هذه الأسس الثلاثة السابقة قامت الدول الإسلامية فى «المدينة»، وكان فى قيامها فتح جديد فى الحياة السياسية؛ إذ قررت حرية الاعتقاد والرأى، وحرمة «المدينة»، وحرمة الحياة، وحرمة المال، وحددت أعداء الدولة فى صراحة ووضوح، فمنعت إجارة «قريش» ومن نصرها. حكومة الرسول: كان النبى ﷺ أول رئيس للدولة الإسلامية، كما نصت على ذلك المعاهدة، وقد قام النبى ﷺ بهذه المهمة طوال حياته، فهو الذى يقضى فى الحقوق المدنية والجنائية كافة، وينفذ القضاء، ويقيم الحدود، ويجبى الأموال من مواضعها الشرعية، ويوزعها فى مصارفها الشرعية، ويعلن الحرب، ويعقد معاهدات الصلح، ويخاطب رؤساء الدول، ويستقبل سفراءهم، ويولى الولاة على الأماكن البعيدة عن «المدينة». وهو فى ذلك كله مؤيد من الله - تعالى - فإذا نزلت الحادثة بالأمة، ولم يكن نزل فى شأنها وحى من الله، اجتهد النبى رأيه وشاور أصحابه من أهل العلم والرأى، وكانوا تارة يجمعون على رأى فيعمل به، وتارة يختلفون فيعمل برأى بعضهم، ويترك رأى البعض الآخر، مجتهدًا فى ترجيح رأى على رأى. ولما كانت أعباء الدولة كثيرة، وفى الوقت نفسه يقوم بمهمة تبليغ الرسالة، وهى مهمة ثقيلة، فقد احتاج إلى معاونة أصحابه فى إدارة الدولة، ومنهم تشكَّلت حكومته واختص بعضهم بملازمته، مثل «أبى بكر الصديق»، و «عمر بن الخطاب»،فأطلق عليهم «وزراء الرسول»، وكان له «صاحب سر»، أشبه ما يكون بالسكرتير الخاص، إن صح هذا التعبير، هو «حذيفة بن اليمان»، و «صاحب شرطة» هو «قيس بن سعد بن عبادة». وكان له عدد من الحرَّاس، منهم: «سعدُ بن زيد الأنصارى»، و «الزبير بن العوام». وكان له عدد من الحجَّاب الذين يستأذنون للناس فى الدخول عليه، منهم: «أنس بن مالك». وكان له خاتم لختم الرسائل والمعاهدات، يحمله اثنان هما: «حنظلة بن الربيع بن صيفى»، و «الحارث بن عوف المرِّى».

стр. 36

واختص بعض الصحابة باستقبال الوفود التى تأتى لمقابلة الرسول ﷺ ، فيعلمونهم كيف يحيونه، وينزلونهم فى بيت الضيافة الذى كان من السعة بحيث اتسع لبنى قريظة، وكانوا زهاء ستمائة رجل أثناء انتظارهم للمحاكمة بعد خيانتهم فى غزوة «الأحزاب». وكان للرسول عدد من الكتاب تجاوز الأربعين كاتبًا، منهم «أبو بكر الصديق»، و «عمر بن الخطاب»، و «عثمان بن عفان»، «وعلى بن أبى طالب»، و «الزبير بن العوام» و «خالد» و «أبان» ابنا «سعيد بن العاص»، وغيرهم، واختص بعض هؤلاء بكتابة الوحى، وبعضهم الآخر بالكتابة فى الشئون العامة للدولة. وكان له عدد كبير من السفراء، يرسلهم فى مهام إلى الملوك والرؤساء وزعماء القبائل، وحرص الرسول على تعليم بعضهم اللغات الأجنبية، إذ كانت تأتيه مراسلات بتلك اللغات، ومن هؤلاء «زيد بن ثابت الأنصارى»، وكان يجيد الفارسية والعبرية، وبعضهم كان يعرف إلى جانب لغته العربية خمس لغات هى الفارسية والعبرية واليونانية والسريانية والحبشية. وامتلك النبى ﷺ جهازًا إعلاميا قوامه الشعراء، مثل: «حسان بن ثابت»، و «عبدالله بن رواحة»، و «كعب بن مالك»، وكانوا يردون على شعراء المشركين حين كانوا يهاجمون النبى ﷺ ويهجونه. وللنبى ﷺ جهاز دقيق لجمع المعلومات عن الأعداء، وهو ما يقابل الآن جهاز المخابرات فى الدول الحديثة، وكان جهازًا فعالا، ومن رجاله: «بَسبَسة بن عمرو الجُهنى»، و «طلحةُ بن عُبيدِ الله»، و «سعيد بن زيد»، و «عبد الله بن أبى حدرد الأسلمى». مشروعية القتال فى الإسلام: تقطع آيات القرآن الكريم وأحاديث النبى ﷺ ، وتصرفاته العملية بأن السلام هو الأصل والقاعدة الأساسية فى علاقات المسلمين بغيرهم من الأمم، وأن الحرب هى الاستثناء، فالحرب فى الإسلام ليست غاية، وإنما هى وسيلة لتحقيق السلام،

стр. 37

فإذا مال أعداء المسلمين إلى السلم وعزفوا عن الحرب، فعلى المسلمين أن يستجيبوا لهم فورًا؛ لقوله تعالى: ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا﴾. [النساء: من٩٠]. وقال تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكَّل على الله﴾. [الأنفال: من ٦١]. وتنحصر مسوغات الحرب فى الإسلام أو أسبابها المشروعة فى ثلاث حالات هى: - الدفاع عن النفس: وهو عمل مشروع، أقرته الشرائع السماوية كافة، وكفلته القوانين الوضعية، وحددته الآية السابق ذكرها: ﴿وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين﴾. [البقرة:١٩٠]. - والدفاع عن حرية نشر العقيدة: لأن العقيدة ذاتها لا تحتاج إلى قوة لنشرها إذا خلت الطريق أمامها من العوائق، ولم يحاربها الطغاة، وتركوها تشق طريقها إلى قلوب الناس فى حرية وأمان وفى هذا يقول الله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾. [الأنفال: من ٣٩]. - الدفاع عن المظلومين: وهذا واجب إنسانى على المسلمين، فمن أهداف الإسلام نصرة المظلومين ودفع الظلم عنهم، يقول الله تعالى: ﴿وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها﴾. [النساء: من ٧٥]. ولم يأذن الله - تعالى - للمسلمين فى القتال، إلا بعد أن تعرضوا للظلم، وتحملوا شتى ألوان الاضطهاد والتعذيب، وطُرِدوا من بلدهم، وأخرجوا من ديارهم، وصودرت أموالهم وعندئذٍ كان لابد من الدفاع، وجاء الإذن به من السماء فى قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله .. ﴾. [الحج: ٣٩ - ٤٠]. آداب الحرب فى الإسلام: هى مجموعة القواعد والمبادئ والتقاليد العسكرية، التى أرساها الإسلام، وطبقَّها النبى ﷺ بنفسه، وكانت تعليماته

стр. 38

ووصاياه لقواده العسكريين، تدور فى نطاقها. فيحتم الإسلام على المسلمين الاعتناء بجرحى أعدائهم ومداواتهم وإطعامهم (٤)، ويحرم الإجهاز عليهم أو إيذاؤهم بأى شكل من أشكال الإيذاء. كما يفرض على المسلمين تجنيب المدنيين شرور الحرب وأخطارها، فالأطفال وكبار السن، والنساء والمرضى، بل الفلاحون فى حرثهم والرهبان فى معابدهم، كل أولئك معصومون بحصانة الشريعة من أخطار الحرب. والإسلام لا يحرص على سلامة أرواح غير المقاتلين من الأعداء فحسب، بل يوصى المسلمين المقاتلين بعدم التعرض للأهداف المدنية، وينهاهم عن التدمير؛ لأن الإسلام إنما جاء ليبنى الحياة ويعمرها، لا ليدمرها ويهدمها. وكان الرسول ﷺ نفسه المثل الأعلى فى الالتزام بهذه المبادئ والآداب فى ميادين القتال، فروى «أبو ثعلبة الخشنى» رضى الله عنه: «إن ناسًا من اليهود يوم خيبر جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد تمام العهود، فقالوا: إن حظائر لنا وقع فيها أصحابك، فأخذوا منها بقلا وثومًا، فأمر رسول الله ﷺ «عبد الرحمن بن عوف» - رضى الله عنه - فنادى فى الناس: إن رسول الله يقول لكم: لا أحل لكم شيئًا من أموال المعاهدين إلا بحق». غزوات الرسول ﷺ : لم يكن أمام النبى ﷺ بد من اللجوء إلى القوة العسكرية إزاء الغطرسة القرشية واضطهاد المسلمين، وإخراجهم من ديارهم قسرًا، وملاحقتهم بالأذى وهم فى مهاجرهم فى «المدينة»، بالإضافة إلى مؤامرات اليهود وغدرهم وخياناتهم. من أجل ذلك كله أعد الرسول ﷺ جيشًا قويا من المجاهدين فى سبيل الله، وقاد بنفسه سبعًا وعشرين غزوة، قاتل فى تسع منها، هى: «بدر»، و «أحد»، و «الأحزاب»، و «بنو قريظة»، و «بنو المصطلق»، و «خيبر»، و «فتح مكة»، و «حنين»، و «الطائف»، وأناب بعض أصحابه فى قيادة سبع وأربعين حملة عسكرية.

стр. 39

وعلى الرغم من هذا العدد الكبير من الغزوات والحملات فإن عدد الضحايا فيها كلها من الفريقين كان قليلا جدا، لا يتجاوز أربعمائة قتيل، وكان شهداء المسلمين فى تلك المعارك نحو مائتى شهيد، منهم سبعون قتلوا غدرًا فى «بئر معونة»، فى حين لم يتجاوز قتلى المشركين المائتين أيضًا، وهذا يدل على حرص النبى - صلى الله عليه وسلم - على حقن الدماء، وصيانة الأرواح، وحصر الحرب فى أضيق نطاق ممكن. وسنتناول بالدراسة أهم الغزوات ذات الأثر الكبير والحاسم فى تاريخ الإسلام، وهى: ١ - غزوة بدر الكبرى: وقعت هذه الغزوة الخالدة فى السابع عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية من الهجرة عند بئر بين «مكة» و «المدينة»، وقد سمى الله - تعالى - يومها «يوم الفرقان»؛ لأنه فرَّق بين الحق والباطل، وأعلى كلمة الإسلام. وسببها أن قافلة تجارية لقريش، كانت قادمة من «الشام» إلى «مكة»، فأمر النبى ﷺ أصحابه بالتعرض لها والاستيلاء عليها؛ تعويضًا لهم عن أموالهم التى استولت «قريش» عليها فى «مكة»، وهذا حق وعدل، ولم يكن فى وسع الرسول ﷺ أن يترك «قريشًا» حرة طليقة، تجوب الطرق، وتتجر وتربح، وتعيش آمنة مطمئنة، وهى التى آذته وعذبت أصحابه، وتآمرت على حياته، وأرادت قتله، فلابد من التضييق عليها، وتهديدها فى تجارتها التى هى رزقها ومصدر قوتها؛ لتراجع نفسها، وتقتنع بأن مواصلة العداء معه ليس فى مصلحتها، ولم يقصد الرسول ﷺ بهذا التصرف إهلاك «قريش» وتدميرها، لأنه جاء لإحيائهم وإسعادهم. وعندما وصل النبى ﷺ بجيشه إلى المكان الذى دارت فيه المعركة علم أن القافلة أفلتت ونجت، بعد أن نجح قائدها «أبو سفيان بن حرب» فى اتخاذ طريق الساحل بعيدًا عن طريق القوافل المعتاد، حين علم بخروج المسلمين للاستيلاء عليها، وكان قبل أن يفلت بقافلته قد أرسل سريعًا إلى «قريش» يستنفرها

стр. 40

للخروج لاستنقاذ أموالها التى توشك أن تقع فى أيدى المسلمين فخرجت فى نحو ألف رجل للقتال، وأصروا على ذلك حتى بعد أن علموا بنجاة قافلة «أبى سفيان»، وقد حاول بعض زعماء «مكة» مثل «عتبة بن ربيعة» أن يقنعوهم بالرجوع وعدم المضى قدمًا فى الحرب، وبخاصة أن المسلمين الذين سيقاتلونهم هم أهلوهم ففيهم الآباء والأبناء والأعمام والأخوال والإخوة، لكن تلك الدعوة فشلت أمام إصرار أئمة الكفر - وعلى رأسهم «أبو جهل» - على إشعال نار الحرب، حيث أراد هو وأمثاله أن يجعل من خروجهم مظاهرة عسكرية؛ فأقسم على الذهاب إلى «بدر»، ونحر الجزور، وشرب الخمور، والاستمتاع بالرقص والغناء؛ لتسمع بهم العرب، فيهابوهم أبد الدهر. المواجهة العسكرية: عندما علم المسلمون بإفلات القافلة، رأى بعضهم العودة إلى «المدينة»، لأن كثيرًا ممن خرجوا لم يكن فى حسبانهم أنهم خرجوا لقتال وأن حربًا ستقع، وإنماخرجوا للاستيلاء على القافلة، فكرهوا القتال. لكن الرسول ﷺ كان يعلم أن الرجوع إلى «المدينة» ستفسره «قريش» على أنه جبن وضعف عن لقائها ومواجهتها، وسوف تذيع ذلك فى أوسع نطاق ممكن من شبه الجزيرة العربية، وفى هذا ضرر بالغ بالدولة الإسلامية ودعوتها، فتصرف الرسول ﷺ بحكمة بالغة وبعد نظر، واستشار كبار أصحابه فيما يصنعون، فتحدث «أبو بكر الصديق» و «عمر بن الخطاب» وغيرهما فأحسنوا الكلام، وأبدوا استعدادًا للتضحية والجهاد فى سبيل الله. سمع الرسول ﷺ كلامهم فسعد به وسُرَّ، لكنه لا يزال فى حاجة إلى معرفة رأى الأنصار فى وضوح وجلاء، لأن بيعتهم معه كانت تنص على الدفاع عنه داخل «المدينة» لا خارجها، فلما كرَّر قوله: «أشيروا علىَّ أيها الناس»، قال له: «سعد بن معاذ» وغيره من زعماء الأنصار: «لعلك تقصدنا يارسول الله»، قال: «نعم». قالوا: «يا رسول الله، آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو
следующие страницы →