← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واختص بعض الصحابة باستقبال الوفود التى تأتى لمقابلة الرسول ﷺ ، فيعلمونهم كيف يحيونه، وينزلونهم فى بيت الضيافة الذى كان من السعة بحيث اتسع لبنى قريظة، وكانوا زهاء ستمائة رجل أثناء انتظارهم للمحاكمة بعد خيانتهم فى غزوة «الأحزاب». وكان للرسول عدد من الكتاب تجاوز الأربعين كاتبًا، منهم «أبو بكر الصديق»، و «عمر بن الخطاب»، و «عثمان بن عفان»، «وعلى بن أبى طالب»، و «الزبير بن العوام» و «خالد» و «أبان» ابنا «سعيد بن العاص»، وغيرهم، واختص بعض هؤلاء بكتابة الوحى، وبعضهم الآخر بالكتابة فى الشئون العامة للدولة. وكان له عدد كبير من السفراء، يرسلهم فى مهام إلى الملوك والرؤساء وزعماء القبائل، وحرص الرسول على تعليم بعضهم اللغات الأجنبية، إذ كانت تأتيه مراسلات بتلك اللغات، ومن هؤلاء «زيد بن ثابت الأنصارى»، وكان يجيد الفارسية والعبرية، وبعضهم كان يعرف إلى جانب لغته العربية خمس لغات هى الفارسية والعبرية واليونانية والسريانية والحبشية. وامتلك النبى ﷺ جهازًا إعلاميا قوامه الشعراء، مثل: «حسان بن ثابت»، و «عبدالله بن رواحة»، و «كعب بن مالك»، وكانوا يردون على شعراء المشركين حين كانوا يهاجمون النبى ﷺ ويهجونه. وللنبى ﷺ جهاز دقيق لجمع المعلومات عن الأعداء، وهو ما يقابل الآن جهاز المخابرات فى الدول الحديثة، وكان جهازًا فعالا، ومن رجاله: «بَسبَسة بن عمرو الجُهنى»، و «طلحةُ بن عُبيدِ الله»، و «سعيد بن زيد»، و «عبد الله بن أبى حدرد الأسلمى». مشروعية القتال فى الإسلام: تقطع آيات القرآن الكريم وأحاديث النبى ﷺ ، وتصرفاته العملية بأن السلام هو الأصل والقاعدة الأساسية فى علاقات المسلمين بغيرهم من الأمم، وأن الحرب هى الاستثناء، فالحرب فى الإسلام ليست غاية، وإنما هى وسيلة لتحقيق السلام،

стр. 37

فإذا مال أعداء المسلمين إلى السلم وعزفوا عن الحرب، فعلى المسلمين أن يستجيبوا لهم فورًا؛ لقوله تعالى: ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا﴾. [النساء: من٩٠]. وقال تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكَّل على الله﴾. [الأنفال: من ٦١]. وتنحصر مسوغات الحرب فى الإسلام أو أسبابها المشروعة فى ثلاث حالات هى: - الدفاع عن النفس: وهو عمل مشروع، أقرته الشرائع السماوية كافة، وكفلته القوانين الوضعية، وحددته الآية السابق ذكرها: ﴿وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين﴾. [البقرة:١٩٠]. - والدفاع عن حرية نشر العقيدة: لأن العقيدة ذاتها لا تحتاج إلى قوة لنشرها إذا خلت الطريق أمامها من العوائق، ولم يحاربها الطغاة، وتركوها تشق طريقها إلى قلوب الناس فى حرية وأمان وفى هذا يقول الله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾. [الأنفال: من ٣٩]. - الدفاع عن المظلومين: وهذا واجب إنسانى على المسلمين، فمن أهداف الإسلام نصرة المظلومين ودفع الظلم عنهم، يقول الله تعالى: ﴿وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها﴾. [النساء: من ٧٥]. ولم يأذن الله - تعالى - للمسلمين فى القتال، إلا بعد أن تعرضوا للظلم، وتحملوا شتى ألوان الاضطهاد والتعذيب، وطُرِدوا من بلدهم، وأخرجوا من ديارهم، وصودرت أموالهم وعندئذٍ كان لابد من الدفاع، وجاء الإذن به من السماء فى قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله .. ﴾. [الحج: ٣٩ - ٤٠]. آداب الحرب فى الإسلام: هى مجموعة القواعد والمبادئ والتقاليد العسكرية، التى أرساها الإسلام، وطبقَّها النبى ﷺ بنفسه، وكانت تعليماته

стр. 38

ووصاياه لقواده العسكريين، تدور فى نطاقها. فيحتم الإسلام على المسلمين الاعتناء بجرحى أعدائهم ومداواتهم وإطعامهم (٤)، ويحرم الإجهاز عليهم أو إيذاؤهم بأى شكل من أشكال الإيذاء. كما يفرض على المسلمين تجنيب المدنيين شرور الحرب وأخطارها، فالأطفال وكبار السن، والنساء والمرضى، بل الفلاحون فى حرثهم والرهبان فى معابدهم، كل أولئك معصومون بحصانة الشريعة من أخطار الحرب. والإسلام لا يحرص على سلامة أرواح غير المقاتلين من الأعداء فحسب، بل يوصى المسلمين المقاتلين بعدم التعرض للأهداف المدنية، وينهاهم عن التدمير؛ لأن الإسلام إنما جاء ليبنى الحياة ويعمرها، لا ليدمرها ويهدمها. وكان الرسول ﷺ نفسه المثل الأعلى فى الالتزام بهذه المبادئ والآداب فى ميادين القتال، فروى «أبو ثعلبة الخشنى» رضى الله عنه: «إن ناسًا من اليهود يوم خيبر جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد تمام العهود، فقالوا: إن حظائر لنا وقع فيها أصحابك، فأخذوا منها بقلا وثومًا، فأمر رسول الله ﷺ «عبد الرحمن بن عوف» - رضى الله عنه - فنادى فى الناس: إن رسول الله يقول لكم: لا أحل لكم شيئًا من أموال المعاهدين إلا بحق». غزوات الرسول ﷺ : لم يكن أمام النبى ﷺ بد من اللجوء إلى القوة العسكرية إزاء الغطرسة القرشية واضطهاد المسلمين، وإخراجهم من ديارهم قسرًا، وملاحقتهم بالأذى وهم فى مهاجرهم فى «المدينة»، بالإضافة إلى مؤامرات اليهود وغدرهم وخياناتهم. من أجل ذلك كله أعد الرسول ﷺ جيشًا قويا من المجاهدين فى سبيل الله، وقاد بنفسه سبعًا وعشرين غزوة، قاتل فى تسع منها، هى: «بدر»، و «أحد»، و «الأحزاب»، و «بنو قريظة»، و «بنو المصطلق»، و «خيبر»، و «فتح مكة»، و «حنين»، و «الطائف»، وأناب بعض أصحابه فى قيادة سبع وأربعين حملة عسكرية.

стр. 39

وعلى الرغم من هذا العدد الكبير من الغزوات والحملات فإن عدد الضحايا فيها كلها من الفريقين كان قليلا جدا، لا يتجاوز أربعمائة قتيل، وكان شهداء المسلمين فى تلك المعارك نحو مائتى شهيد، منهم سبعون قتلوا غدرًا فى «بئر معونة»، فى حين لم يتجاوز قتلى المشركين المائتين أيضًا، وهذا يدل على حرص النبى - صلى الله عليه وسلم - على حقن الدماء، وصيانة الأرواح، وحصر الحرب فى أضيق نطاق ممكن. وسنتناول بالدراسة أهم الغزوات ذات الأثر الكبير والحاسم فى تاريخ الإسلام، وهى: ١ - غزوة بدر الكبرى: وقعت هذه الغزوة الخالدة فى السابع عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية من الهجرة عند بئر بين «مكة» و «المدينة»، وقد سمى الله - تعالى - يومها «يوم الفرقان»؛ لأنه فرَّق بين الحق والباطل، وأعلى كلمة الإسلام. وسببها أن قافلة تجارية لقريش، كانت قادمة من «الشام» إلى «مكة»، فأمر النبى ﷺ أصحابه بالتعرض لها والاستيلاء عليها؛ تعويضًا لهم عن أموالهم التى استولت «قريش» عليها فى «مكة»، وهذا حق وعدل، ولم يكن فى وسع الرسول ﷺ أن يترك «قريشًا» حرة طليقة، تجوب الطرق، وتتجر وتربح، وتعيش آمنة مطمئنة، وهى التى آذته وعذبت أصحابه، وتآمرت على حياته، وأرادت قتله، فلابد من التضييق عليها، وتهديدها فى تجارتها التى هى رزقها ومصدر قوتها؛ لتراجع نفسها، وتقتنع بأن مواصلة العداء معه ليس فى مصلحتها، ولم يقصد الرسول ﷺ بهذا التصرف إهلاك «قريش» وتدميرها، لأنه جاء لإحيائهم وإسعادهم. وعندما وصل النبى ﷺ بجيشه إلى المكان الذى دارت فيه المعركة علم أن القافلة أفلتت ونجت، بعد أن نجح قائدها «أبو سفيان بن حرب» فى اتخاذ طريق الساحل بعيدًا عن طريق القوافل المعتاد، حين علم بخروج المسلمين للاستيلاء عليها، وكان قبل أن يفلت بقافلته قد أرسل سريعًا إلى «قريش» يستنفرها

стр. 40

للخروج لاستنقاذ أموالها التى توشك أن تقع فى أيدى المسلمين فخرجت فى نحو ألف رجل للقتال، وأصروا على ذلك حتى بعد أن علموا بنجاة قافلة «أبى سفيان»، وقد حاول بعض زعماء «مكة» مثل «عتبة بن ربيعة» أن يقنعوهم بالرجوع وعدم المضى قدمًا فى الحرب، وبخاصة أن المسلمين الذين سيقاتلونهم هم أهلوهم ففيهم الآباء والأبناء والأعمام والأخوال والإخوة، لكن تلك الدعوة فشلت أمام إصرار أئمة الكفر - وعلى رأسهم «أبو جهل» - على إشعال نار الحرب، حيث أراد هو وأمثاله أن يجعل من خروجهم مظاهرة عسكرية؛ فأقسم على الذهاب إلى «بدر»، ونحر الجزور، وشرب الخمور، والاستمتاع بالرقص والغناء؛ لتسمع بهم العرب، فيهابوهم أبد الدهر. المواجهة العسكرية: عندما علم المسلمون بإفلات القافلة، رأى بعضهم العودة إلى «المدينة»، لأن كثيرًا ممن خرجوا لم يكن فى حسبانهم أنهم خرجوا لقتال وأن حربًا ستقع، وإنماخرجوا للاستيلاء على القافلة، فكرهوا القتال. لكن الرسول ﷺ كان يعلم أن الرجوع إلى «المدينة» ستفسره «قريش» على أنه جبن وضعف عن لقائها ومواجهتها، وسوف تذيع ذلك فى أوسع نطاق ممكن من شبه الجزيرة العربية، وفى هذا ضرر بالغ بالدولة الإسلامية ودعوتها، فتصرف الرسول ﷺ بحكمة بالغة وبعد نظر، واستشار كبار أصحابه فيما يصنعون، فتحدث «أبو بكر الصديق» و «عمر بن الخطاب» وغيرهما فأحسنوا الكلام، وأبدوا استعدادًا للتضحية والجهاد فى سبيل الله. سمع الرسول ﷺ كلامهم فسعد به وسُرَّ، لكنه لا يزال فى حاجة إلى معرفة رأى الأنصار فى وضوح وجلاء، لأن بيعتهم معه كانت تنص على الدفاع عنه داخل «المدينة» لا خارجها، فلما كرَّر قوله: «أشيروا علىَّ أيها الناس»، قال له: «سعد بن معاذ» وغيره من زعماء الأنصار: «لعلك تقصدنا يارسول الله»، قال: «نعم». قالوا: «يا رسول الله، آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو

стр. 41

الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ بنا يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر فى الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله». اطمأن الرسول ﷺ لموقف أصحابه وسلامة جبهتهم، وقوة ترابطهم، وبدأ يُعدُّ للمعركة الأولى فى تاريخ الإسلام، وأعدَّ له المسلمون عريشًا (مقر قيادة) يدير منه المعركة. وعرف الرسول ﷺ عدد أعدائه وقوتهم من عيونه ومخابراته العسكرية فكانوا نحو ألف رجل مدججين بالسلاح، فيهم عدد كبير من الفرسان، فى حين كان عدد المسلمين نحو ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، فيهم فارسان فقط. وبدأت المعركة صبيحة اليوم السابع عشر من شهر رمضان سنة (٢هـ) بالمبارزة، حيث خرج ثلاثة من صفوة المشركين، هم «عتبة بن ربيعة»، و «شيبة بن ربيعة»، و «الوليد بن عتبة»، يطلبون المبارزة، فأمر النبى ﷺ عمه «حمزة»، وابنى عمه «على بن أبى طالب»، و «عبيدة بن الحارث» بالخروج إليهم، وهذا تصرف له مغزاه من القائد الأعلى «محمد» رسول الله ﷺ ، حيث بدأ المعركة بأقرب الناس إليه، فضرب المثل فى التضحية والفداء لدين الله، واستطاع الثلاثة المسلمون القضاء على الثلاثة المشركين من أعدائهم، وتركوهم صرعى فى ميدان المعركة، ثم احتدمت الحرب، وتلاحم الناس، وحمى الوطيس، والرسول فى عريشه يدعو الله ويستنزل نصره الذى وعده به، فيقول: «اللهم نصرك الذى وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من المسلمين فلن تُعبَد على وجه الأرض، يامولاى»، واستجاب الله لدعاء نبيه، وانجلت المعركة عن نصر ساحق للمسلمين، وهزيمة ماحقة للمشركين الذين قُتِلَ منهم سبعون، وأُسِرَ مثلهم، وفر الباقون، وامتلأت أيدى

стр. 42

المسلمين من غنائمهم التى تركوها، واستُشهد من المسلمين أربعة عشر شهيدًا، وتحقق وعد الله، فنصر القلة القليلة المؤمنة، على الكثرة المشركة المتغطرسة. الغنائم والأسرى: بينما كان حزن «قريش» طاغيًا على هزيمتها ورجالها الذين فقدتهم فى المعركة بين قتيل وأسير، كانت فرحة المسلمين عظيمة لهذا النصر المؤزر، وعادوا إلى مدينتهم يتقدمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يحملون الغنائم، ويسوقون الأسرى المقيدين بالأغلال، ومع ذلك فقد أمر رسول الله ﷺ المسلمين أن يحسنوا معاملة الأسرى وإطعامهم. أما الغنائم فقد أنزل الله على رسوله حكم التصرف فيها فى سورة «الأنفال»، التى نزلت بشأن هذه المعركة، فقضى بأن تقسم الغنائم خمسة أقسام، خُمس للرسول، يتصرف فيه كيف يشاء فى الأمور التى حددتها الآية الكريمة، فى حين توزع الأربعة الأخماس على المجاهدين، للراجل سهم، وللفارس سهمان. أما الأسرى، فقد استشار النبى ﷺ فيهم أصحابه، فمنهم من أشار بقتلهم؛ لأنهم عذَّبوا المسلمين وطردوهم من ديارهم وعلى رأس هذا الفريق «عمر بن الخطاب»، ومنهم من قال: يارسول الله هم أهلك وعشيرتك، فاستبقهم وخذ منهم فداء، تتقوى به على قتال أعدائنا. وكان على رأس هذا الفريق «أبو بكر الصديق»، فمال النبى ﷺ إلى الرأى الأخير، وقبل منهم الفداء، وكان كريمًا معهم، فقد أطلق سراح الفقراء منهم بدون مال، وطلب ممن يعرف القراءة والكتابة منهم أن يعلم عشرة من أطفال المسلمين، ويكون هذا فداءً له، وهذا تصرف رائع من الرسول ﷺ له دلالة عظيمة على عناية الإسلام بالتعليم، فهذه أول حادثة من نوعها فى تاريخ البشرية، فلم يُعرف أن فاتحًا منتصرًا قبله صنع مثل هذا الصنيع. عوامل النصر فى بدر: أما عن أهم العوامل التى أدت إلى هذا النصر فى أول معركة كبرى بين المسلمين والمشركين، فهى: - القيادة:

стр. 43

كان الرسول ﷺ نعم القائد، فقد استعد جيدًا للمعركة، وأدارها بكفاءة عالية فى ظل الإمكانات المتاحة، وجعل أصحابه يبذلون طاقاتهم كلها فى الدفاع عن دين الله، فكان يستشيرهم فى كل أمر ويتقبل آراءهم واقتراحاتهم، ولا يتميز عنهم فى أى شىء، حتى إنه تناوب الركوب على بعير واحد مع «على بن أبى طالب»، و «مرثد بن أبى مرثد الغنوى». وكان لهذه الأسوة الحسنة من رسول الله ﷺ أثرها الكبير فى نفوس أصحابه، حبًا لله ولرسوله لا ينازعه شىء، وطاعة للأمر مهما يعظم، وسرعة فى تنفيذه، ودفاعًا عن دين الله ودعوة رسوله بكل ما يملكون. - العقيدة الراسخة: كان للإيمان والثقة بنصر الله أثر بالغ فى النصر، فلم يتهيبوا الحرب أبدًا، مع أنهم كانوا يعلمون أن قوة عدد المشركين ثلاثة أمثال قوتهم. - المعنويات العالية: تمتع المجاهدون المسلمون فى «بدر» بمعنويات استمدوها من الإيمان بالله، والثقة بنصره، ومن عظمة القائد وحكمته فى إدارة المعركة، ولا شك أن المعنويات العالية تُعدُّ من أهم عوامل النصر فى كل الحروب، فقد دلت التجارب أن قوة التسلح، وكثرة العدد لا تجديان ما لم يتحل المقاتلون بمعنويات عالية. ٢ - غزوة أحد: وقعت هذه الغزوة فى شهر شوال من العام الثالث للهجرة عند جبل «أحد»؛ شمالى «المدينة المنورة»، فقد جندت «قريش» ثلاثة آلاف من رجالها وحلفائها للانتقام من المسلمين، والثأر لهزيمتها الساحقة فى «بدر» التى جلبت فى كل بيت من بيوت «مكة» مأتمًا. وعندما وصلت أخبار ذلك إلى رسول الله ﷺ ؛ جمع أصحابه على الفور، واستشارهم فى أفضل طريقة لمواجهة هذا الموقف، فأشار عليه شيوخ «المدينة» أن يتحصنوا داخلها، ويتركوا الأعداء خارجها لأن شوارع «المدينة» ضيقة، ويمكن إغلاقها عليهم، وقتالهم فيها بكل طريقة ممكنة حتى بالحجارة، ويمكن أن يشترك النساء والأطفال فى مقاومتهم، وكان هذا رأى الكبار ورأى النبى

стр. 44

- ﷺ . أما الشباب فقد أخذهم الحماس، وخشوا أن يتهمهم الأعداء بالجبن؛ ففضلوا الخروج لمواجهتهم فى مكان مكشوف. ولما رأى الرسول ﷺ أن الرأى الأخير هو رأى الأغلبية قام إلى بيته ولبس درعه وحمل سلاحه وخرج إليهم، فأدركوا أنهم أخرجوه مكرهًا، فقالوا له: يارسول الله، لقد استكرهناك وما كان لنا ذلك، فافعل ما شئت، فقال ﷺ : «ماكان لنبى لبس لأمته - عدة حربه - أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه». وخرج النبى ﷺ إلى ساحة «أحد»، وجعل ظهر جيشه إلى الجبل، والأعداء أمامه، ونظر إلى ميدان المعركة نظرة فاحصة، وعرف أن الخطر يكمن خلف ظهر الجيش، فأعد خمسين رجلا ممن يُحسنون الرمى بالنبل، وأمَّر عليهم «عبدالله بن جبير الأنصارى»، وكلفهم بالصعود إلى قمة عالية خلف ظهورهم، سُميت بعد ذلك بجبل الرماة، وقال لهم فى حسم: «احموا ظهورنا، لأنُؤتى من قبلكم»، وأمرهم برمى المشركين بالنبال، وألا يتركوا مواقعهم أبدًا سواء انتصر المسلمون أو انهزموا، لخطورة الموقع وأهميته، وكرر عليهم أوامره مرارًا. ودارت المعركة، وكانت الغلبة للمسلمين فى البداية، لكنهم تعجلوا النصر ولم يصبروا، وظنوا أن المعركة انتهت، فالذين فى الميدان تركوا القتال وبدءوا فى جمع الغنائم، والذين فوق الجبل خالفوا أوامر النبى ﷺ وأوامر قائدهم «عبدالله بن جبير»، وتركوا مواقعهم، ليشتركوا فى جمع الغنائم. انتهز «خالد بن الوليد» هذه الفرصة، وانقض بفرسانه من الخلف، مستغلا الثغرة التى حدثت بترك الرماة مواقعهم، فحول بحركته العسكرية سير المعركة من نصر للمسلمين فى أولها إلى هزيمة، وارتبك المسلمون من هول المفاجأة، حتى إن بعضهم أخذ يقتل بعضًا، وزاد ارتباكهم عندما أشاع المشركون أنهم قتلوا الرسول ﷺ الذى كان قد سقط فى حفرة، وجُرِح وكُسِرَت

стр. 45

رباعيته، وانجلت المعركة عن هزيمة للمسلمين، وسقوط واحد وسبعين شهيدًا، وكان ذلك درسًا قاسيًا، أنزل الله بشأنه أكثر من ستين آية فى سورة «آل عمران»، وضح لهم أسباب ما حدث، وأن الهزيمة إنما كانت لمخالفة أوامر الرسول، والحرص على جمع الغنائم، قال تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾. [آل عمران: ١٥٢]. ثم واساهم وعفا عنهم، وذكرهم بأنهم إن كانوا قد أصابهم قرح وخسروا معركة، فقد أصاب أعداءهم قرح مثله ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾، ثم طلب من نبيه أن يعفو عنهم ويستغفر لهم، وألا يدع مشورتهم، حتى لو أدت إلى الهزيمة فى معركة، فخسارة المعركة أسهل من خسارة مبدأ الشورى الذى يربى الرجال ويدربهم على إبداء الرأى والمشاركة فى صنع القرار. ٣ - غزوة الأحزاب: أظهر يهود «بنى قينقاع» بعد غزوة «بدر» تصرفات بالغة السوء، وأظهروا حزنًا شديدًا على هزيمة «قريش»، وساءهم انتصار المسلمين، وكان ذلك خيانة ونقضًا للمعاهدة التى وقعها الرسول معهم، كما أنهم أرسلوا وفدًا إلى «مكة» لمواساتها، وهذا يخالف ما اتفق عليه فى معاهدة «المدينة» التى نصت فى أحد بنودها على عدم إقامة أية علاقات مع «مكة»، ثم أساءوا إلى المسلمين وانتهكوا حرماتهم، كما أغلظوا القول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نصحهم بالاستقامة والالتزام بنصوص المعاهدة، وقالوا: «يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب - يقصدون «قريشًا» - فلو حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس»، ولم يجد الرسول ﷺ بدا إزاء تصرفاتهم هذه إلا أن يجلوهم عن «المدينة» ويتخلص من غدرهم وأذاهم، ثم أجلى الرسول بعد غزوة أحد يهود «بنى النضير» بعد أن دبروا مؤامرة لقتله، فحقد اليهود

стр. 46

عليه، وألبوا «قريشًا» وحلفاءها لشن حرب شاملة ضد المسلمين، وذهب وفد منهم لهذه المهمة بزعامة «حيى بن أخطب» إلى «مكة»،ووعدوهم بمساعدتهم، وقالوا لهم إنهم اتفقوا مع يهود «بنى قريظة» - الذين كانوا لا يزالون يسكنون «المدينة» - على الانضمام إليهم عندما يهاجمون المسلمين فاقتنعت «قريش» بذلك، ثم ذهبوا إلى قبائل «غطفان» و «بنى أسد»، وصنعوا معهم مثلما صنعوا مع «قريش»، ونجحت خطتهم الخبيثة بأن تجمع جيش من عشرة آلاف مقاتل، من «قريش» وحلفائها، و «غطفان» و «بنى أسد» لمهاجمة «المدينة»، وكان ذلك فى شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة. حفر الخندق: علم الرسول ﷺ بهذه الأخبار المفزعة، فجمع كبار الصحابة واستشارهم كيف يواجهون هذا الموقف، فأشاروا عليه بالتحصن داخل «المدينة»؛ لأنهم استفادوا من درس «أحد»، وأخذوا يعدُّون العدة لتحمل حصار طويل من الأعداء. وهنا جاءت فكرة رائعة من «سلمان الفارسى» - رضى الله عنه - وهى حفر خندق فى الجهة الشمالية الغربية من «المدينة»؛ لمنع اقتحام جيوش الأحزاب لها، لأن بقية جهاتها الأخرى كانت محصنة بغابات من النخيل، يصعب على الخيول اقتحامها. وتم حفر الخندق فى نحو أسبوع، وعمل النبى ﷺ بنفسه مع المسلمين فى حفره، وبشرهم وهم فى هذا الموقف العصيب بفتح «الشام» و «العراق» و «اليمن». جاءت قوات الأحزاب وهى واثقة لا بالنصر على المسلمين فحسب، بل باستئصالهم، لكن المفاجأة أذهلتهم عندما رأوا الخندق يحول بينهم وبين اقتحام المدينة، وظلوا أمامه عاجزين، تأكل قلوبهم الحسرة، لأنهم لم يتعودوا مثل هذا الأسلوب فى القتال، ولما حاول واحد منهم اقتحام الخندق لقى حتفه فى الحال. وعلى الرغم من أن الخندق قد حمى المسلمين من هجوم المشركين، فإن الكرب قد اشتد عليهم، وضاقوا بطول الحصار، وكانوا فى موقف عصيب بالغ الصعوبة، وصفه الله - تعالى - أدق وصف بقوله: ﴿إذ

стр. 47

جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدًا﴾. [الأحزاب:١٠ - ١١]. اجتهد النبى ﷺ فى تفريج الكرب عن المسلمين، فاتصل بقبائل «غطفان» وعرض عليها ثلث ثمار «المدينة» على أن يعودوا إلى ديارهم ويتخلوا عن «قريش» فوافقوا، وعرض الرسول ﷺ هذا الأمر على الأنصار، فسألوه إن كان هذا أمرًا من الله فليس لهم أن يخالفوه، أما إذا كان اجتهادًا من أجلهم فلن يوافقوا عليه، فأعلمهم أنه اجتهاد منه لمصلحتهم ولتفريق الأحزاب عنهم، فأبوا وعزموا على مواصلة الجهاد والدفاع عن بلدهم، فأوقف النبى ﷺ المفاوضات مع «غطفان» نزولا على رأى أصحابه. ثم لاحت فرصة عظيمة عندما عرض «نعيم بن مسعود» - وكان قد أسلم وقدم مع الأحزاب دون أن يعلموا - أن يقوم بدور فى التخفيف عن المسلمين؛ فأمره الرسول ﷺ أن يفرق بينهم وبين «بنى قريظة»، الذين نقضوا عهدهم مع النبى - صلى الله عليه وسلم - واتفقوا مع الأحزاب على الانضمام إليهم حين تبدأ الحرب. وقد نجح «نُعيم» فى مسعاه نجاحًا عظيمًا، وزرع الشكوك فى قلوب الأحزاب و «بنى قريظة» تجاه بعضهم بعضًا، ثم أرسل الله ريحًا شديدة قلعت خيام المشركين، وكفأت قدورهم، وانقلب الموقف كله بفضل الله - تعالى - عليهم، وأدرك «أبو سفيان بن حرب» قائد الأحزاب ألا فائدة من البقاء، فأمرهم بالرحيل فرحلوا، وقد علق الرسول ﷺ على هذا الموقف بقوله: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا».أى أن قريشًا لن تستطيع مهاجمة «المدينة» مرة أخرى؛ لأن ميزان القوى أصبح يميل مع المسلمين. عقاب بنى قريظة: لما انسحبت الأحزاب، ونزع المسلمون لباس الحرب جاء «جبريل» - ﵇ إلى رسول الله ﷺ ، وقال: «يامحمد

стр. 48

إن كنتم قد وضعتم سلاحكم، فما وضعت الملائكة سلاحها، إن الله يأمرك أن تخرج إلى «بنى قريظة»، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديًا ينادى فى الناس: «لا يصلين أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة»، وحاصرهم الرسول ﷺ بضعة وعشرين يومًا، حتى نزلوا على حكمه، وطلبوا أن يحكم فيهم «سعد بن معاذ» حليفهم، فحكم بقتل الرجال منهم؛ جزاء غدرهم وخيانتهم، وانضمامهم إلى الأعداء وقت الحرب، فلو نجحت خطة الأحزاب لقُضِى على الإسلام والمسلمين قضاءً مبرمًا. وحين قضى «سعد» بهذا الحكم، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لقد حكمت فيهم بحكم الله». ٤ - عمرة الحديبية: قرر النبى ﷺ ، بعد هذه الحروب التى وقعت بينه وبين «قريش» أن يذهب هو وأصحابه إلى «مكة» لأداء العمرة فى شهر ذى القعدة من العام السادس للهجرة، لكن «قريشًا» رفضت رفضًا حاسمًا فيه غرور وغطرسة، مع علمها بأن الرسول إنما جاء «مكة» معتمرًا مسالمًا غير محارب، وليس من حقها أن تمنعه من زيارة البيت الحرام، الذى جعله الله للناس جميعًا مثابة وأمنًا، فعسكر الرسول ﷺ فى «الحديبية» على مسافة قريبة من «مكة»، وجرت بينه وبينهم مفاوضات حرصًا منه على السلام وحقن الدماء، انتهت إلى عقد هدنة عُرِفت بصلح الحديبية، وأهم شروطها ما يلى: ١ - وقف الحرب بين الفريقين لمدة عشر سنين، يأمن فيها الناس ويسافرون وينتقلون فى أمان. ٢ - وأن يعود الرسول وأصحابه هذا العام بدون أداء العمرة، وكانوا نحوًا من ألف وأربعمائة فرد، على أن يأتوا فى العام التالى، وتخلى لهم «قريش» «مكة» ثلاثة أيام يؤدون مناسكهم خلالها ثم يعودون إلى «المدينة». ٣ - وأن من يأتى «مكة» مسلمًا بدون إذن وليه إلى «المدينة» يرده الرسول ﷺ إليهم، أما من يأتى من المسلمين إلى «مكة» مرتدًا، فإنها ليست مطالبة برده إلى «المدينة».

стр. 49

٤ - وأن من أراد من القبائل العربية أن ينضم إلى أحد طرفى المعاهدة، فله ذلك (فانضمت قبيلة «خزاعة» إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -، فى حين انضمت قبيلة «بنى بكر» إلى «قريش»). وهذا الصلح كان فى ظاهره إجحافاً سياسياً للمسلمين، حتى إنه أثار اعتراضات بعض الصحابة، الذين رأوا فيه مهانة لهم، مثل «عمر بن الخطاب» -رضى الله عنه - غير أنه كان فى الحقيقة فتحًا مبينًا كما سماه الله -تعالى- فى سورة «الفتح» التى نزلت على الرسول ﷺ وهو عائد من «الحديبية»؛ إذ كانت نتائجه فى مصلحة المسلمين، وكان تمهيدًا لفتح «مكة» بعد عامين اثنين. ٥ - فتح خيبر: وهى قرية كبيرة تقع شمالى شرقى «المدينة المنورة» بنحو مائة وثمانين كيلو مترًا، يسكنها بعض اليهود الذين لم تبد منهم أية إساءة إلى المسلمين من البداية، ولم يُسمع أن لهم ضلعًا فى أية مؤامرة أو موقف من مواقف اليهود المخزية ضد الرسول ﷺ فاحترم الرسول موقفهم وحيادهم، غير أنهم تبدلوا وتغيرت مواقفهم. منذ أن نزل عندهم يهود «بنى قينقاع» و «بنى النضير»، فأفسدوهم وجعلوا بلدهم وكرًا للتآمر على المسلمين والكيد لهم. ولما كانت «خيبر» تقع على الطريق المؤدى إلى «الشام»، فكان لابد من تطهير ذلك الطريق من أية عوائق، وبخاصة أنه الطريق الرئيسى للدعوة الإسلامية وللجيوش الإسلامية التى ستخرج بعد وقت قصير لمواجهة دولة الروم، التى تكرر اعتداؤها على المسلمين؛ لذلك قرر الرسول ﷺ تصفية آخر وكر يهودى فى شبه جزيرة العرب؛ لتسلم قاعدة الإسلام الأساسية ومنطلقه إلى العالم من عدو ماكر، فبعد عودته من «الحديبية» بأقل من شهر - أى فى المحرم من العام السابع للهجرة - غزا «خيبر»، ودك حصونها، فاستسلمت، وكان النبى ﷺ كريمًا ورحيمًا مع أهلها، فلم يجبرهم على الدخول فى الإسلام، ولم يطردهم من بلدهم،

стр. 50

بل أبقاهم يزرعون أرضهم، ولهم نصف محاصيلها، وللمسلمين النصف الآخر. ولما سمعت القرى اليهودية الأخرى المنتشرة فى وادى القرى، مثل: «فدك»، و «تيماء» بما حدث لخيبر، أرسلت وفودها إلى رسول الله ﷺ يطلبون منه أن يعاملهم معاملته مع أهل «خيبر» فاستجاب لهم. ٦ - فتح مكة المكرمة: التزمت «قريش» بمعاهدة «الحديبية» لمدة عام وبعض العام، فقد ذهب الرسول ﷺ وأصحابه لأداء عمرة القضاء فى العام السابع من الهجرة. لكنها ما لبثت أن نقضت المعاهدة عندما أعانت قبيلة «بنى بكر» حليفتها على قبيلة «خزاعة» حليفة رسول الله ﷺ ، فطلبت «خزاعة» من الرسول نصرتها طبقًا للمعاهدة التى بينها وبينه، فوعدهم بالنصر، وبدأ فى الاستعداد لغزو «مكة». شعر «أبو سفيان» زعيم «مكة» بالخطأ الفاحش الذى وقعوا فيه، فسافر إلى «المدينة» لمقابلة الرسول ﷺ ولتجديد المعاهدة، فلم يقبل الرسول اعتذاره. وفى بداية الأسبوع الثانى من شهر رمضان من العام الثامن للهجرة توجه الرسول ﷺ على رأس جيش قوامه عشرة آلاف مجاهد لفتح «مكة»، وكان «أبوسفيان» يتوقع - منذ أن عاد من «المدينة» دون أن يحقق هدفه - أن رسول الله ﷺ سيغزو «مكة»، ولكن لا يعرف متى يقع ذلك، فكان قلقًا ودائمًا يتحسس الأخبار. وفى ليلة من الليالى رأى أبو سفيان نيران جيش النبى التى أوقدها المجاهدون فاستبد به الخوف والهلع، فسمع صوته «العباس بن عبد المطلب»، وكان قد خرج من «مكة» من قبل، والتقى بالنبى ﷺ وأعلن إسلامه، فلما التقى بأبى سفيان أخبره بالجيش القادم لفتح «مكة»، ولا قبل لهم به، وأخذه إلى الرسول ﷺ فأعلن إسلامه، وأعطاه النبى ميزة كبيرة، بناء على اقتراح من «العباس بن عبد المطلب»، ضمن الإعلان الذى

стр. 51

أمره أن يبلغه لأهل «مكة»: «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن». حرص النبى ﷺ على دخول «مكة» بدون قتال، فهى بلد الله الحرام، وأحبُّ بلاد الله إليه، وفيها أهله وذووه، فكانت أوامره صريحة لجيشه، ألا يقاتلوا إلا إذا قوتلوا، وبالفعل دخل الجيش «مكة» فى العشرين من شهر رمضان دون قتال، إلا مناوشات بسيطة حدثت فى الجهة التى دخلت منها الفرقة التى كان يقودها «خالد بن الوليد» عند جبل «خندمة» فقضى عليها «خالد»، وكان قد أسلم هو و «عمرو بن العاص» بعد عمرة القضاء سنة (٧هـ). دخل النبى ﷺ «مكة» فاتحًا منتصرًا، وهى التى طردته قبل ثمانى سنوات وتآمرت على حياته، فماذا هو فاعل بهؤلاء الذين عادوه وآذوه أذى شديدًا هو وأصحابه؟ وهل فكر فى الانتقام منهم؟ لم يحدث ذلك منه، بل جمعهم بعد أن دخل «الكعبة» وطاف بها، وكسر أصنامها بيده وهو يتلو: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾. وقال لهم: «ما تظنون أنى فاعل بكم؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وبهذا ضرب رسول الله ﷺ أروع الأمثلة فى العفو والتسامح عندالمقدرة، فلم تحمله نشوة النصر وزهو القدرة على الانتقام ممن أساء إليه، بل نسى كل ما فعلوه معه ومع أصحابه من ألوان العذاب.

стр. 52

الفصل الخامس *ما بعد فتح مكة ١ - غزوة حنين والطائف: بعد فتح «مكة» بدأ الرسول ﷺ يرتب أمورها، فعين لها واليًا من قبله، هو «عتاب بن أسيد»، ومعلمًا يعلم أهلها شرائع الإسلام هو «معاذ بن جبل»، ولكن بعد أقل من أسبوعين من ذلك الفتح العظيم وصلت إلى النبى ﷺ أخبار بأن قبائل «هوازن» و «ثقيف» قد جمعت جموعها فى وادى «حنين» بين «مكة» و «الطائف» لمحاربته؛ لظنهم أن ذلك الفتح وعلو شأن الرسول ﷺ خطر عليهم، ولا شك أنهم كانوا فى ذلك مخطئين، فالإسلام ليس خطرًا عليهم ولا على غيرهم، بل هو رحمة وعدل وعزة وكرامة لهم وللعرب وللعالم أجمع. أمر النبى ﷺ الجيش بالتأهب لمواجهتهم فى أوائل شهر شوال سنة ٨هـ، وكان يضم اثنى عشر ألفًا بعد أن انضم إلى جيش الفتح ألفان من أهل «مكة»، واتجه به إلى وادى «حنين»، ففاجأتهم جموع «هوازن» و «ثقيف» من مكامنها فى الأودية والجبال، وكادت تهزمهم، وفر معظم المسلمين من هول المفاجأة، ولم يثبت مع النبى ﷺ إلا قلة قليلة من أهله وأصحابه، تقدر بنحو عشرة رجال، وصاح النبى - صلى الله عليه وسلم - بالمسلمين «إلى أين أيها الناس؟ إلىَّ أيها الناس، أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب»، وأمام ثبات النبى ﷺ وشجاعته عاد المسلمون وراءه، وتماسكوا من جديد، وحملوا على عدوهم حملة صادقة، فهزموهم هزيمة شديدة، وقتلوا منهم عددًا كبيرًا، وأسروا كذلك نحوًا من ستة آلاف، وغنموا غنائم كثيرة. وينبغى أن نشير إلى أن سبب الهزيمة التى كادت تحيق بالمسلمين فى أول المعركة هو الاغترار بالكثرة، وكانوا اثنى عشر ألفًا، وقالوا: لن نهزم اليوم من قلة، فأراد الله أن يعلمهم أن الكثرة لا تكفى وحدها فى حسم المعارك؛ إذ لابد من عون الله تعالى، وقد أشار القرآن الكريم إلى سبب ما حدث لهم فى أول المعركة، فقال

стр. 53

تعالى: ﴿ولقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا وضاقت عليكم الأرض بما رحُبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين﴾. [التوبة:٢٥ - ٢٦]. ٢ - حصار الطائف: بعد هزيمة «هوازن» و «ثقيف» فى وادى «حُنين». فرت فلولهم وتحصنت بالطائف فحاصرهم النبى ﷺ نحوًا من ثلاثة أسابيع، وكانت حصونهم قوية، وأخذوا فى قذف المسلمين بالنبال فآذوهم، فاضطر النبى أن يتراجع بقواته بعيدًا عن مرمى النبال، ثم استشار أصحابه ماذا يفعل معهم، فقالوا له: «يارسول الله هم كضب فى جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته فلن يضرك»، أى أنهم بعد فتح «مكة» وبعد هزيمتهم فى وادى «حنين» لن يستطيعوا الصمود فى وجهك، وهم مستسلمون لا محالة إن أطلت الحصار، وإن رفعته عنهم فسيقدمون عليك من تلقاء أنفسهم، فاقتنع الرسول ﷺ بهذا الرأى، ورفع عنهم الحصار، ورفض أن يدعو عليهم عندما طلب منه ذلك بعض الصحابة، بل قال: «اللهم اهدِ ثقيفًا وأتِ بهم». وبعد أقل من عام جاءت وفودهم إلى الرسول ﷺ فى «المدينة»، وأعلنوا إسلامهم، فى رمضان سنة ٩هـ، وعين الرسول ﷺ «عثمان بن العاص الثقفى» واليًا عليهم. ٣ - غزوة تبوك: قام النبى ﷺ بقيادة هذه الغزوة فى شهر رجب سنة ٩ هـ، وهى آخر غزوة غزاها، وكان سببها أن أخبارًا وصلت إليه من عيونه التى بثها لمراقبة تحركات الروم فى الشمال، أنهم يعدون العدة للهجوم عليه. والحقيقة أن عدوان الروم كان قد تكرر كثيرًا على المسلمين من قبل، فاعتدى الروم على المسلمين وحاربوهم فى غزوة «مؤتة» فى جمادى الآخرة سنة ٨هـ، وكادوا يستأصلونهم، لولا مهارة «خالد بن الوليد» - رضى الله عنه - الذى انسحب من أمامهم وأنقذ جيش المسلمين من براثنهم.

стр. 54

وكان عدوانهم ذلك بدون سبب يدعو إليه لأن المسلمين لم يذهبوا لمحاربتهم، وإنما جاءوا لتأديب القبائل القاطنة بين «الحجاز» و «الشام»، التى دأبت على قطع الطريق على المسلمين، ثم ارتكبت جرمًا كبيرًا حين قتلت «الحارث بن عُمير» أحد سفراء النبى - صلى الله عليه وسلم - الذين حملوا رسائله إلى الملوك والأمراء، فأراد النبى ﷺ أن يؤدبهم بهذه الغزوة، ليكفوا أذاهم عن المسلمين، ولكن الروم تدخلوا بجيش كبير - أكثر من مائة ألف - بدون سبب. أخذ رسول الله ﷺ يرصد تحركات الروم، فلما وصلت إليه الأخبار بعزمهم على الهجوم عليه؛ أعد جيشًا لصده، وكان عدده ثلاثين ألفًا، وهو أكبر جيش قاده النبى ﷺ وسُمى «جيش العسرة»، لأن المسافة كانت بعيدة والجو صيف شديد الحرارة، والناس يحبون المقام فى مزارعهم وبساتينهم لجنى الثمار، والاستمتاع بالظل الوارف، ولكن مادامت الدولة الإسلامية ودعوتها فى خطر، فلابد من التضحية والاستهانة بكل راحة ومتعة، وقد ضحى أصحاب النبى ﷺ تضحيات كبيرة، وأسهموا فى تجهيز الجيش وإعداده بأموالهم، وبخاصة «عثمان بن عفان» الذى جهز نحو ثلث الجيش من ماله الخاص. سار النبى ﷺ حتى وصل إلى «تبوك»، فإذا به يعلم أن جيش الروم الذى كان يُعد يومئذٍ أقوى جيش فى الدنيا قد فرَّ مذعورًا إلى داخل «الشام»، فعسكر النبى ﷺ فى «تبوك» ثلاثة أسابيع، رتب خلالها أوضاع المنطقة، وأظهر هيبة الإسلام وضرب هيبة الروم ضربة قاصمة، جعلت سكان الإمارات الصغيرة فى المنطقة الخاضعة لسيطرة الروم - كأيلة و «أدرح» و «الجرساء» - يهرعون إلى رسول الله ﷺ مذعنين، وقالوا له: ماذا تريد منا؟ فعرض عليهم الإسلام فرفضوا، وقالوا: غير هذا، قال: «تدفعون الجزية ونؤمنكم على عقائدكم وأرواحكم وأموالكم»؛ فقبلوا، فأعطاهم بذلك معاهدات، وكان

стр. 55

تصرف النبى ﷺ مثلا عاليًا ودليلا على تسامح الإسلام، وأنه لا يُفرض على الناس بالقوة. وبعد أن أنجز النبى ﷺ هذا الإنجاز الهائل، وتجشم فى ذلك المتاعب والمشقات عاد إلى المدينة المنورة؛ لاستقبال وفود القبائل العربية التى أتت من كل أنحاء شبه الجزيرة العربية تعلن إسلامها وخضوعها لله ولرسوله، فجاءت عشرات بل مئات الوفود لهذا الغرض، وسُمى العام التاسع للهجرة عام الوفود، وصدق الله العظيم القائل: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾. [سورة النصر]. عالمية الرسالة الإسلامية: الإسلام هو الرسالة الخاتمة لرسالات الله - تعالى - إلى البشرية كلها، فليس بعد القرآن الكريم كتاب سماوى، وليس بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - رسول؛ لقوله تعالى ﴿ماكان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾. [الأحزاب: من ٤٠]. ولقول النبى ﷺ : «إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، .. فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين». والإسلام هو دين الحق؛ لقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. [آل عمران: من ١٩]. وهو الدين الذى دعا إليه الأنبياء جميعًا؛ فقال - تعالى - على لسان «نوح» ﵇: ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾. [يونس: من ٧٢]. وقال على لسان إبراهيم ﵇: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾. [البقرة: من ١٣١]. وأوصى نبى الله «يعقوب» بنيه بقوله: ﴿يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. [البقرة: من ١٣٢]. وقال «موسى» لقومه: ﴿يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾. [يونس: من ٨٤]. وكل واحد من هؤلاء الرسل الكرام كان مُرسلا إلى قومه فقط،

стр. 56

فرسالاتهم كانت محدودة الزمان والمكان والبيئة البشرية بنص القرآن الكريم (٥). أما رسالة «محمد» ﷺ فعامة لكل الجنس البشرى، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرا﴾. [سبأ: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعًا﴾. [الأعراف: من ١٥٨]. وليس معنى عالمية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان أن يفرض على الناس بالقوة، إذ لا إكراه فى الدين، ولأن الأسلوب الذى أمر الله - تعالى - به فى الدعوة إلى دينه هو: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن﴾. [النحل: من ١٢٥]. والمعنى الحقيقى لعالمية الإسلام أنه رسالة مفتوحة للبشر كلهم، دون تمايز أو تفرقة، ودون قيود أو عوائق، فهو ليس ديانة مقصورة على فئة بعينها، كما يدعى اليهود - مثلا - أن ديانتهم خاصة بهم وحدهم، اختصهم الله بها دون غيرهم من البشر، بل الناس جميعًا فى الإسلام سواء، لافضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، فهم من أب واحد وأم واحدة، وأكرمهم عند الله أتقاهم. وكان من بين الصحابة مسلمون من غير العرب، مثل «سلمان الفارسى»، و «صهيب الرومى»، و «بلال الحبشى»، وكانت منزلتهم عند رسول الله تفوق منزلة كثير من الصحابة، كما كان الصحابة أنفسهم يعاملونهم أكرم معاملة، حتى إن «عمر بن الخطاب» يقول عن «بلال بن رباح الحبشى»: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا»، يقصد بلالا. رسائل الرسول إلى ملوك العالم ورؤسائه: كان النبى ﷺ ينتظر الفرصة المواتية، والوقت المناسب؛ ليخرج بالدعوة الإسلامية من شبه الجزيرة العربية إلى النطاق العالمى، وجاءت هذه الفرصة بعد «صلح الحديبية»، الذى أمِنَ به إلى جانب «قريش» أعدى أعدائه فى الداخل يومئذٍ، وقضى على خطر اليهود بفتح «خيبر». ومع بداية العام السابع من الهجرة ساد شبه الجزيرة العربية جو من الهدوء النسبى، فبدأ النبى ﷺ فى تبليغ دعوته

стр. 57

وتوجيهها إلى أكبر عدد ممكن من ملوك العالم ورؤسائه وأمرائه، فأعد عددًا من أصحابه الكرام، ليكونوا سفراء بينه وبين الملوك والرؤساء وحملهم رسائله إليهم، فأرسل «عبدالله بن حُذافة السهمى» برسالة إلى «كِسرى أبرويز الثانى» ملك الفرس، و «دِحْيَة بن خَلِيفَةَ الكَلبِى» برسالة إلى «هِرَقْل الروم»، و «حَاطِب بن أبى بَلتَعَةَ» برسالة إلى «المقوقس» حاكم «مصر»، و «عمرو بن أمية الضُّمَرى» برسالة إلى «النجاشى» ملك «الحبشة»، و «العلاء بن الحضرمى» برسالة إلى أمير «البحرين»، و «عمرو بن العاص» برسالة إلى ملكى «عمان»، كما أرسل إلى سائر أمراء العرب فى «الشام» و «اليمن». وتعد هذه الرسائل نقطة تحول فى تاريخ الإسلام من ناحية، ونقطة البداية فى علاقات الإسلام بالعالم الخارجى من ناحية أخرى، فعلى أساسها وعلى ضوء ردود الأفعال عند من أرسلت إليهم من الملوك تشكلت علاقات المسلمين مع الأمم الأخرى فى حالتى الحرب والسلام. وسنكتفى بإيراد نص رسالة النبى ﷺ إلى «هرقل»، لأن الرسائل كلها تقريبًا متشابهة فى نصوصها ومضمونها، فهى دعوة سلمية إلى الإسلام، لم تتضمن أى تهديد أو تلويح باستخدام القوة ضد من يرفض الإسلام، ونص الرسالة: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى .. أما بعد: فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرتك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين - رعايا هرقل - ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون». فماذا كان رد هرقل على هذه الرسالة السلمية؟ وماذا كانت نتائجها ؟ ذكرت بعض المصادر التاريخية أن «هِرَقل» رد على رسالة النبى ﷺ ردًا مهذبًا بل إنه مال إلى الإسلام، ولكن الروم

стр. 58

لم يطاوعوه، فاعتذر للنبى عن عدم قبول الإسلام بسبب رفضهم، فى حين لا تشير مطلقًا إلى ذلك غالبية المصادر الإسلامية، كما أن تطور العلاقات بين المسلمين والروم فى أواخر حياة النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى عهد خلفائه الراشدين يجعلنا نميل إلى أنه لم يرد؛ لأن «هرقل» عندما وصلته رسالة النبى ﷺ كان عائدًا لتوه من حربه مع الفرس، وقد انتصر عليهم انتصارًا ساحقًا، ويبدو أنه كان معتدا بنفسه اعتدادا كبيرًا، مزهوا بما حققه من فوز رد به اعتبار دولته أمام الفرس، فخورًا بإعادة الصليب الأكبر الذى أخذه الفرس إلى بلادهم أثناء غزوهم لفلسطين قبل سنوات، فلما جاءت رسالة النبى ﷺ إليه وهو فى هذه الحالة النفسية المزهوة لم يحفل بها ولم يقدر أمرها التقدير الصحيح. ويؤكد ذلك الرأى أن تطور العلاقات بين المسلمين والروم تصاعد إلى الصدام المسلح، فاعتدى الروم على المسلمين فى غزوة مؤتة سنة (٨هـ)، ثم حاولوا الاعتداء مرة أخرى سنة (٩هـ) مما جعل النبى - صلى الله عليه وسلم - يخرج إليهم فى غزوة «تبوك»، ثم دارت رحى الحرب بين المسلمين والروم؛ لأنهم تدخلوا فى حركة الردة، وحرضوا القبائل عليها وساعدوها، ونجح المسلمون فى فتح «الشام» و «مصر» وطردوا الروم منها إلى الأبد، ومن ثم لا يستطيع أحد أن يلوم المسلمين؛ لأنهم حملوا السلاح دفاعًا عن أنفسهم ضد عدوان الروم المتكرر. أما علاقة المسلمين بالإمبراطورية الفارسية، وهى يومئذٍ الدولة الكبرى الثانية فى العالم، فلم تكن بأحسن حال من علاقة المسلمين بالروم، بل كان «كسرى أَبْرَوِيز الثانى» ملك «فارس» أكثر غرورًا وغطرسة من «هرقل»، فلم تكد تصل إليه رسالة النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى استشاط غضبًا وقام بتمزيقها، مع أنها رسالة سلمية للإسلام لا تخرج فى مضمونها عن رسالة النبى إلى «هرقل»، فدعا عليه النبى ﷺ قائلا: «مزق الله ملكه»، ولم

стр. 59

يكتف الإمبراطور المغرور بذلك، بل أمر نائبه على حكم «اليمن» «باذان» أن يأتى له بالنبى مقيدًا فى الأغلال، ليحاكمه على جرأته وكتابته إليه يدعوه إلى الإسلام، فامتثل «باذان» وأرسل قوة من «اليمن» إلى «المدينة» لتنفيذ هذا الأمر، وفى هذه الأثناء كان «كسرى أبرويز الثانى» قد قتل فى ثورة قادها ضده ابنه «شَيْرَوَيْه»، استجابة لدعوة النبى ﷺ عليه. فلما جاء رسل «باذان» أخبرهم النبى ﷺ ، بما حدث لكسرى، واحترمهم وأكرم وفادتهم، وحملهم رسالة إلى «باذان» حاكم «اليمن»، يدعوه فيها إلى الإسلام، فإن أسلم أقره الرسول ﷺ حاكمًا على «اليمن» من قبله، فشرح الله صدره للإسلام، فأسلم وأقره النبى على حكمها مع أنه فارسى، وهذا دليل على سمو مبادئ الإسلام العادلة وأنه دين المساواة. وقد تطورت العلاقات مع الفرس على طريق المواجهة، كما حدث مع الروم، لأن الفرس اعتدوا على المسلمين فى حروب الردة، وأرسلوا جيشًا مع «سجاح بنت الحارث اليربوعية»، التى ادعت النبوة؛ لمحاربة المسلمين، فاضطر «أبو بكر الصديق» و «عمر بن الخطاب» من بعده أن يضعوا حدا لاعتداءات الفرس، وأن يزيلوا دولتهم ويخلصوا البلاد والعباد من ظلمهم وتجبُّرهم. أما بقية الملوك والأمراء الذين وصلتهم رسائل النبى - صلى الله عليه وسلم -. فمعظم العرب فى «اليمن» وشرقى شبه الجزيرة و «الخليج» كانت ردودهم إيجابية وأعلنوا إسلامهم، فأبقاهم على إماراتهم، وأرسل إلى كل إمارة معلمين من أصحابه يفقهونهم فى الدين. أما «المقوقس» حاكم «مصر» فلم يسلم ولكنه رد ردًا مهذبًا، مصحوبًا بكثير من الهدايا، مع جاريتين، هما «مارية القبطية» التى أعتقها النبى ﷺ وتزوجها، وأنجبت له ابنه «إبراهيم»، وأختها «سيرين» التى أهداها لشاعره «حسان بن ثابت». وأما «النجاشى» ملك «الحبشة»، فقد استقبل مبعوث النبى استقبالا

стр. 60

حسنًا، ورد عليها برسالة مهذبة، أعلن فيها إسلامه صريحًا واضحًا. وتُوفى «النجاشى» فى السنة التاسعة من الهجرة، ولما علم النبى ﷺ بذلك صلى عليه صلاة الغائب، وقد حفظ المسلمون للحبشة موقفها من المهاجرين إليها، فظلت علاقاتهم بها حسنة على الدوام. حجة الوداع: كانت «حجة الوداع» فى العام العاشر من الهجرة، وسُميت بذلك لأن النبى ﷺ انتقل إلى الرفيق الأعلى بعدها بوقت قصير، ولأن العبارات التى افتتح بها النبى ﷺ خطبته كانت تفيد بأنه لن يلقى أمته بعدها فى الحج أبدًا، كما سميت هذه الحجة بحجة البلاغ؛ لأن النبى ﷺ ذكر فى نهاية الخطبة عبارات التبليغ لرسالته للناس. والحج ركن من أركان الإسلام الخمسة فُرِضَ على المسلمين فى العام التاسع للهجرة، فبعد عودته ﷺ من غزوة «تبوك» أرسل «أبا بكر الصديق» - رضى الله عنه - أميرًا على الحج، وقضى هو أكثر من عام مشغولا باستقبال وفود العرب التى توالت عليه من كل أنحاء شبه الجزيرة العربية، تعلن بيعتها وإسلامها، وكان النبى ﷺ يبعث مع كل وفد من يعلمهم أمور دينهم من الصحابة. ولما اطمأن أن الإسلام قد انتشر فى بلاد العرب، وتجاوزها إلى ما حولها رغب أن يقوم بأداء فريضة الحج، ويعلِّم المسلمين المناسك بطريقة عملية، ويوصيهم خيرًا، ويلخص لهم فى خطبة شرائع الإسلام وأهدافه. فخرج من «المدينة» فى ٢٥ من ذى القعدة من السنة العاشرة للهجرة، وأحرم بالحج والعمرة من ذى الحُلَيْفة (٦)، وخلفه أكثر من مائة ألف من المسلمين، وكان المشهد رائعًا ومهيبًا، ينحنى له التاريخ إجلالا وتقديرًا، فها هو ذا الرجل الذى بدأ دعوته وحده، والعرب جميعهم يقفون ضده، ويحاربونه بكل ما يملكون يلتفون حوله، ويسيرون خلفه، ويقودهم فى تواضع وبر ورحمة ومودة.

стр. 61

وقد خطب النبى ﷺ فى هذه الجموع الكبيرة بعد الإحرام، فوعظهم، وعلمهم مناسك الحج، وقال لهم: «خذوا عنى مناسككم». وسار ركب الحج النبوى إلى «مكة المكرمة» فى يوم التروية -الثامن من ذى الحجة - وتوجه إلى «منى»، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وصبح يوم عرفة، وبعد الصلاة توجه إلى عرفات فى التاسع من ذى الحجة، وهناك خطبهم «خطبة الوداع»، وهى خطبة طويلة، بدأها النبى ﷺ بقوله: «أيها الناس، اسمعوا قولى، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدًا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبدالمطلب موضوع كله، وإن كل دم كان فى الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب - ابن عم النبى ﷺ - وكان مسترضعًا فى بنى ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية». ثم واصل خطبته مقررًا فيها قواعد الإسلام وشرائعه، هادمًا قواعد الشرك والجاهلية، موضحًا المحرمات التى اتفقت جميع الشرائع السماوية على تحريمها، وهى الدماء والأموال والأعراض، ووضع أمور الجاهلية كلها تحت قدميه، وأوصاهم بالنساء خيرًا، وحذرهم من الفتن، وختمها بتلك الكلمات المباركات، فقال: فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدًا، أمرًا بينًا، كتاب الله وسنة نبيه. وبعد أداء بقية مناسك الحج، عاد رسول الله ﷺ سعيدًا مغتبطًا إلى مدينته، ليستعد للقاء ربه راضيًا مرضيا عنه من ربه الذى أرسله رحمة للعالمين، ومن أمته التى بلغها رسالة ربه،

стр. 62

وأخرجها من الظلمات إلى النور. شخصية الرسول: كانت أخلاق الرسول ﷺ وصفاته الشخصية من أهم العوامل التى ساعدت على تكوين المجتمع الإسلامى الأول تكوينًا سليمًا، فقد كانت أخلاقه رخاءً وسماحة وصفاء، وحسبه أن الله وصفه بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. [القلم: ٤]. كما كانت أخلاقه من الأسباب التى جمعت الناس حوله، لقوله تعالى: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾. [آل عمران: ١٥٩]. وعُرِفَ الرسول بأخلاقه السمحة قبل البعثة، فلم يسجد لصنم قط، واشتهر بين أهله وقومه بالصادق الأمين، ولم يشترك فيما تعود شباب «قريش» أن يقوموا به من عبث ومجون، ثم ازدادت أخلاقه سموا بهدى الوحى، وأصبح أعظم العظماء فى كل شىء، فى الصدق والأمانة، والوفاء والحياء، والشجاعة والكرم، والزهد، والصبر على الشدائد، ومواجهة أعباء الرسالة، ومشكلات الحياة، رحيمًا فى معاملة أصحابه، عارفًا بأقدارهم، عطوفًا على أهله وزوجاته. وإذا كان الناس يقولون أن الرجل العظيم فى الحياة العامة قلما يكون عظيمًا فى بيته، فإن «محمدًا» ﷺ كان أعظم العظماء فى التاريخ البشرى كله، فى الحياة العامة، وأعظمهم فى بيته الذى ضم تسع زوجات، فى وقت واحد، من أعمار مختلفة ومن قبائل مختلفة، بل ومن أجناس مختلفة، فمنهن العربية واليهودية والمصرية، فكان المثل الأعلى معهن فى كل شىء، وكلهن يقدرن شخصه وخلقه، وقد عاش بعضهن بعد موته أكثر من نصف قرن، وألسنتهن تلهج بذكره والثناء عليه، فلم تشغله أعباء الرسالة وتكاليفها، وتبعات الدولة ومسئولياتها عن القيام بواجباته نحوهن على أكمل وجه، وكان يجد من الوقت ما يسمح له بملاطفتهن، وإدخال السرور على قلوبهن. وقد انبهر بأخلاق النبى ﷺ عدد من كتاب الغرب، فلم يسعهم إلا أن يقولوا كلمة الحق عنه، من ذلك ما قاله «وليم موير»: «إن من صفات محمد الجديرة بالتنويه الرأفة والاحترام اللذين

стр. 63

كان يعامل بهما أصحابه، فإن التواضع وإنكار الذات والرأفة والأناة والسماحة تغلغلت فى نفسه، فأحبه كل من حوله، ولم يكن الإصلاح أعسر ولا أبعد منالا منه عند ظهور محمد، ولا نعلم نجاحًا تم كالذى تركه عند وفاته». ويقول الشاعر «لامارتين»: «إن محمدًا هو أعظم رجل بجميع المقاييس التى وضعت لوزن العظمة الإنسانية، فإن كان مقياس العظمة الإنسانية هو إصلاح شعب متدهور، فمن ذا الذى يطاول محمدًا فى هذا المضمار. وإذا كان مقياس العظمة هو توحيد الإنسانية المفككة الأوصال، فإن محمدًا أجدر الناس بهذه العظمة، لأنه جمع شمل العرب بعد تفكك شامل. وإذا كان مقياس العظمة هو إقامة حكم السماء فى الأرض، فمن ذا الذى ينافس محمدًا الذى محا مظاهر الوثنية، وثبت عبادة الله وقوانينه فى عالم الوثنية والقوة». أما الدكتور «مايكل هارت» فى كتابه «المائة الأوائل» فقد وضع النبى ﷺ على رأس القائمة، مبررًا ذلك أمام القراء الغربيين الذين يكتب لهم فى الأساس بأنه «الإنسان الوحيد فى التاريخ الذى نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الدينى والدنيوى، ونشر الإسلام وهو من أعظم الديانات، وأصبح قائدًا سياسيا وعسكريا ودينيا، وبعد مرور القرون العديدة فإن أثره لا يزال متجددًا وقويا». والحق أن جوانب العظمة والكمال الإنسانى فى شخصية الرسول لا يستطيع أحد أن يحصرها أو يحيط بها، وستظل سيرته وأعماله وأخلاقه مجالا رحبًا للبحث والدراسة، والتأمل والاقتداء. مرض الرسول ﷺ ووفاته بدأ النبى ﷺ يشعر بالمرض بعد عودته من حجة الوداع بنحو شهرين، أى فى أواخر شهر صفر من العام الحادى عشر للهجرة، وكان يشكو من الصداع، ويقول: «وارأساه». وكان النبى ﷺ فى بداية مرضه يتحامل على نفسه، ويخرج إلى الناس يصلى بهم إمامًا، فلما اشتد عليه المرض ولم

стр. 64

يعد قادرًا على الخروج، أمر «أبا بكر الصديق» أن يصلى بهم إمامًا، وأصرَّ على ذلك، ورفض أن يصلى بهم «عمر بن الخطاب»، وفى ذلك إيماء إلى أفضلية «أبى بكر» - رضى الله عنه - على سائر الصحابة كلهم. وفى صبيحة يوم الاثنين الموافق (١٢ من شهر ربيع الأول سنة ١١هـ) فاضت روح النبى ﷺ الطاهرة إلى بارئها، فكان ذلك صدمة قاسية للمسلمين، الذين روعتهم وفاة نبيهم إلى الحد الذى جعل بعضهم لا يصدق أن النبى تُوفِّى - من هول الصدمة - منهم «عمر بن الخطاب» الذى كان أكثرهم فزعًا وحزنًا، أما «أبو بكر الصديق» فلم يكن موجودًا لحظة وفاة النبى ﷺ بل كان فى منزله بالسُّنح من ضواحى «المدينة» فلما بلغه الخبر المفجع جاء على الفور، فوجد الناس واجمين، قد استبد بهم الحزن، وعمتهم الحيرة، وغشيهم الكرب، ووجد «عمر بن الخطاب» يخطب فى الناس ويتهدد ويتوعد من يقول إن النبى قد مات، فلم يكلمه، وقصد بيت ابنته «عائشة» حيث جسد النبى ﷺ مسجى هناك، فكشف الغطاء عن وجهه الشريف وتأكد من وفاته، فقبله فى جبينه، وقال: «بأبى أنت وأمى، طبت حيا وميتًا يارسول الله»، ثم خرج إلى الناس، الذين كانوا ينتظرونه، وقد تعلقت به آمالهم، لعله يعلن أن النبى لم يمت، ولكنه كان رجل الموقف العصيب، فأعلن الحقيقة التى لا مفر من إعلانها للناس، ليواجهوا الموقف بكل أحزانه وتبعاته، فقال للناس بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه: «أما بعد، فمن كان يعبدُ محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبدُ اللهَ فإن الله حى لا يموت»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزى الله الشاكرين﴾. [آل عمران: ١٤٤]. فقال «عمر بن الخطاب» حين سمع «أبا بكر» يتلو هذه الآية: «كأنى لم أسمعها من قبل».

стр. 65

هذه هى الحقيقة التى أعلنها «الصديق» على الناس، فالنبى بشر يخضع لقوانين الله فى البشر من حيث الحياة والموت، وقد قال الله له: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾. [الزمر: ٣٠]. بدأ التفكير فى تجهيز النبى ﷺ من غسل وتكفين ودفن، فاختلفوا، أين يدفن، فقال لهم «أبو بكر الصديق»: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مامات نبى إلا دفن حيث مات». وشرعوا فى غسله، وكان الذين تولوا غسله هم أهل بيته: «على بن أبى طالب»، وعمه «العباس بن عبدالمطلب»، وابنه «الفضل»، واشترك معهم «أسامة بن زيد»، و «شقران» مولى «أسامة»، ولم يجردوه من قميصه أثناء غسله، ثم كفنوه فى ثلاثة أثواب، وصلوا عليه فرادى، الرجال أولا، ثم تلاهم النساء، ثم الأطفال، وفى يوم الثلاثاء التالى لوفاته وورى الجسد الطاهر فى التراب.

стр. 66

الفصل السادس *خلافة أبى بكر الصديق قيام الخلافة: أدرك الصحابة - رضوان الله عليهم - أهمية اختيار خليفة لرسول الله ﷺ بعد وفاته، وضرورة أن يختاروا لدولتهم رئيسًا يخلف النبى فى إدارة أمورهم، فاجتمع الأنصار فى «سقيفة بنى ساعدة»، التى كانت لهم مثل دار الندوة لقريش فى «مكة»؛ لاختيار خليفة منهم، ظانين أنهم أحق الناس بذلك الأمر من غيرهم، فالمدينة بلدهم، والدولة قامت على أرضهم، فرشحوا «سعد بن عبادة الخزرجى» لهذا المنصب الجليل، وفى أثناء ذلك جاء «عويم بن ساعدة»، و «معن بن عدى»، وهما من الأنصار إلى «أبى بكر الصديق» و «عمر بن الخطاب»، وأخبراهما بما يجرى فى السقيفة، فاتجها معهما على الفور إليها، وفى الطريق لقيا «أبا عبيدة بن الجراح» فذهب معهم، ولما وصلوا إلى السقيفة حيث الأنصار مجتمعون، و «سعد بن عبادة» يتكلم على الرغم من مرضه، مبينًا أحقية الأنصار بالخلافة؛ أراد «عمر بن الخطاب» أن يتكلم، لكن «أبا بكر» طلب منه أن ينتظر، فامتثل لأمر «أبى بكر» الذى تكلم، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وعلى نبيه: «إن الله بعث محمدًا رسولا إلى خلقه؛ ليعبدوا الله ويوحدوه، وهم يعبدون من دونه آلهة شتى ... فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له .. فهم أول من عبدالله فى الأرض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، لا ينازعهم إلا ظالم. وأنتم يا معشر الأنصار من لا يُنكر فضلهم فى الدين ولا سابقتهم العظيمة فى الإسلام، رضيكم الله أنصارًا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لاتفتاتون فى مشورة، ولا تنقضى دونكم الأمور»، ثم قال: «ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش،

стр. 67

هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم» يقصد «عمر» و «أباعبيدة»، ولكنهما رفضا أن يتقدما على «أبى بكر»، وقالا: «لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك، فإنك أفضل المهاجرين، وثانى اثنين إذ هما فى الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، والصلاة أفضل دين المسلمين، فمن ذا ينبغى له أن يتقدمك، أو يتولى هذا الأمر عليك». فقام الحاضرون فى السقيفة بمبايعة «أبى بكر» بيعة عُرفت بالبيعة الخاصة، لأن كثيرًا من المسلمين لم يحضروها، وبخاصة آل بيت النبى ﷺ الذين كانوا مشغولين فى مراسم دفنه، وتمت البيعة فى جو من السكينة والإخاء والود، بعد مشاورة ونقاش هادئ ورزين، مما دل على إحساس عميق بالمسئولية من كبار الصحابة، وضرورة استمرارية الدولة، وكراهيتهم أن يبيتوا ليلة واحدة بعد وفاة نبيهم بدون إمام يدير أمورهم، ويواجه الموقف، ويتخذ ما يلزم من قرارات، وقدموا ذلك على تجهيز النبى ودفنه - صلى الله عليه وسلم -. البيعة العامة: وفى اليوم التالى بعد الانتهاء من دفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتمع المسلمون فى مسجده وبايعوا «أبا بكر» بيعة عامة، حضرها جمهور الصحابة، وكأن البيعة الأولى كانت بمثابة ترشيح، احتاجت إلى تصديق من عامة المسلمين وتوثيقهم. والذى عليه جمهور علماء أهل السنة أن النبى ﷺ لم يعين خليفة له، ولم يوصِ بتعيين أحد، فلو أنه حدد لهم شخصًا بعينه وجعله خليفة عليهم؛ لظن بعض الناس أنه تعيين من الله ورسوله، وسيضفى على هذا الشخص نوعًا من القداسة تجعله فوق النقد والمحاسبة، وهذا أمر خطير لا محالة، فولىُّ الأمر عند المسلمين بشر، يخطئ ويصيب، فإذا أصاب أعانوه، وإذا أخطأ قوموه. وكما لم يعين النبى ﷺ شخصًا بعينه لتولِّى الأمر من بعده، فإنه لم يحدد للمسلمين أيضًا الطريقة التى يختارون بها من

стр. 68

يتولى أمورهم؛ لأنها تخضع لتطور الظروف والأحوال، ومن هنا كان فى ترك النبى لهذا الأمر مصلحة للمسلمين، حتى لا يقيدهم بشخص، أو بطريقة معينة، وقد فهم الصحابة مراد نبيهم وقصده من عدم التعيين، وتصرفوا على أساسه. وكل ما يمكن قوله فى هذه المسألة الخطيرة أن النبى أومأ إيماءة خفيفة ذات مغزى بتقديمه «أبا بكر» ليؤم المسلمين فى الصلاة أثناء مرضه، وكأنه ﵊ قد رشح «أبا بكر» للخلافة مجرد ترشيح وليس إلزامًا، وكأنه أراد أن يقول: إذا رأيتموه جديرًا بالخلافة وأهلا لها وقادرًا على تحقيق مصلحتكم فى دينكم ودنياكم، فأنتم وذاك، وإلا فلتروا رأيكم. والخلاصة أن ببيعة «أبى بكر» العامة فى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى اليوم التالى لوفاته قامت دولة الخلفاء الراشدين، التى استمرت نحو ثلاثين عامًا (١١ - ٤٠هـ). الخليفة الأول ١١ - ١٣): هو «عبد الله بن عثمان بن عامر»، من قبيلة «تيم بن مرة بن كعب»، وفى «مرة بن كعب» يلتقى نسبه مع نسب النبى - صلى الله عليه وسلم -، وأمه «أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر»، تيمية كأبيه وكنيته: «أبو بكر»، ولقبه: «عتيق». ولُد «أبو بكر» سنة (٥٧٣م) بعد مولد الرسول ﷺ بثلاثة أعوام، ونشأ فى «مكة»، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته. وعُرف «أبو بكر» بترفعه عن عادات الجاهلية، وما كانوا يقترفونه من مجون وشرب خمر، وارتبط قبل البعثة بصداقة قوية مع رسول الله ﷺ ، وكان الاتفاق فى الطباع وصفاء النفس من أقوى الروابط بين النبى و «أبى بكر». إسلامه: تُجمع مصادر السيرة والتاريخ على أن «أبا بكر» كان أول من أسلم وآمن بالنبى ﷺ من الرجال الأحرار، وكان لسلامة فطرته التى كانت تعاف ما عليه قومه من عبادة الأوثان أثر فى تبكيره بالدخول فى الإسلام، وما إن دعاه النبى - صلى الله عليه

стр. 69

وسلم - إلى الإسلام حتى أسلم على الفور؛ لثقته بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - وأمانته، يقول النبى ﷺ : «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة - تأخر فى الإجابة- إلا ما كان من أبى بكر بن أبى قحافة، ما عكم عنه - تأخر عنه - حين ذكرته له، وما تردد فيه». ومنذ أن أسلم وهو يهب نفسه وماله لله ورسوله، فكان يشترى من أسلم من العبيد الذين كانت «قريش» تعذبهم، ويعتقهم كبلال بن رباح، وكان يذود عن النبى ﷺ بكل ما أوتى من قوة، فيروى «البخارى» عن «عبد الله بن عمرو ابن العاص» قوله: «رأيت عقبة بن أبى معيط جاء إلى النبى ﷺ وهو يصلى، فوضع رداءه فى عنقه، وخنقه به خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر - رضى الله عنه - حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم». [صحيح البخارى]. ومن أجَلِّ مواقف «أبى بكر» تصديقه للنبى ﷺ فى حادث الإسراء، فحين أخبر النبى ﷺ بذلك أسرعوا إلى «أبى بكر» يخبرونه، ظنا منهم أنه لن يصدق، فقال لهم: «والله لئن كان قاله لقد صدق، فإنى أصدقه فى أبعد من هذا، أصدقه فى خبر السماء يأتيه فى ساعة من ليل أو نهار»، فلُقب بالصديق من يومئذٍ. واختاره النبى ﷺ -لثقته- به ليرافقه فى رحلة الهجرة دون غيره من الصحابة، ثم لازم النبى بعد الهجرة فى ليله ونهاره، فلم يتخلف عن غزوة من غزواته أو مشهد من مشاهده، وكان مجاهدًا بنفسه وماله حتى وصفه النبى بقوله: «ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه بها، إلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعنى مال أحد قط ما نفعنى مال أبى بكر». ومما لاشك فيه أن «أبا بكر الصديق» عند علماء الأمة أفضل المسلمين مطلقًا بعد رسول الله ﷺ ، ودليل ذلك أنه

стр. 70

جعله أميرًا على الحج فى العام التاسع من الهجرة، وأنابه فى الصلاة عند مرضه - دون غيره -، وكان هذا أقوى مرشح له لتولى الخلافة بعد وفاة النبى ﷺ . أبو بكر الصديق ومسئوليات الخلافة: بعد أن بويع «أبو بكر الصديق» البيعة العامة قام فخطب الناس خطبة قصيرة، وضح لهم فيها منهجه فى الحكم، فقال بعد أن حمد الله وصلى على نبيه: «أما بعد أيها الناس فإنى وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى أزيح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد فى سبيل الله إلا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة فى قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله». كلمات قليلة وبسيطة، لكنها في غاية الأهمية، تحمل اعتراف الخليفة الأول بحق الأمة فى مراقبة تصرفات حاكمها ونقده وتقويمه إن جانب الصواب. كان أول القرارات التى اتخذها «أبو بكر» وأصعبها قراره بإنفاذ جيش «أسامة» إلى «جنوبى الشام»، كما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك لأن «الصديق» أقدم عليه فى ظروف دقيقة وحرجة، فالعربُ قد ارتدت عن الإسلام، حتى «مكة» نفسها همت بالردة، لولا أن «سهيل بن عمرو» روَّعهم، قائلا: «لماذا ترتدون والنبوة كانت فيكم، والخلافة أصبحت فيكم؟»، وحاولت «الطائف» أن ترتد، فمنع من حدوث ذلك عقلاؤها؛ إذ قالوا لقومهم: لقد كنتم آخر من أسلم، فلا تكونوا أول من يرتد. كما استفحل أمر مدعى النبوة «مسيلمة الكذاب» فى «اليمامة» شرقى شبه الجزيرة العربية، و «طليحة بن خويلد الأسدى» فى «بنى أسد»، فى منطقة «بذاخة» -ماء لبنى أسد يقع إلى الشرق من «المدينة المنورة» - و «لقيط بن مالك» فى «عمان» جنوبى شرقى بلاد العرب، و «الأسود العنسى» فى «اليمن».

стр. 71

وكل أولئك ظهروا فى أواخر حياة النبى ﷺ ، لكنه لم يحفل بهم كثيرًا؛ لثقته بالقدرة على القضاء على تلك الحركات، وفى الوقت نفسه أمر بإنفاذ جيش «أسامة بن زيد» إلى جنوب «الشام»؛ لتأديب القبائل القاطنة هناك، التى تعادى المسلمين، ولتثبيت هيبة الإسلام فى أعين الروم، التى فرضها عليهم فى غزوة «تبوك»، وللفت أنظار أصحابه إلى خطورة دولة الروم على الإسلام، لكن هذا الجيش لم يذهب لأداء مهمته؛ لمرض النبى ﷺ ووفاته، فكان أول قرار للصديق، هو تنفيذ ما عزم عليه الرسول ﷺ . لكن الصحابة جميعًا عارضوا «أبا بكر» فى قراره بإرسال جيش «أسامة»، وتعللوا بأن الردة قد عمت شبه جزيرة العرب، وأن الخطر داهم ومحدق بهم، حتى لم تسلم منه «المدينة» نفسها، واشرأبت أعناق أعداء الإسلام من يهود ونصارى وغيرهما، وتحفزوا للقضاء على الإسلام، ولذا فإن بقاء الجيش فى «المدينة» ضرورة ملحة؛ لحمايتها من الأخطار المحدقة بها. لكن ذلك كله لم يثن عزيمة الصديق عن إرسال جيش «أسامة»، ووقف كالأسد الهصور يذود عن الإسلام باتخاذ ذلك القرار الصعب قائلا: «والذى نفس أبى بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفتنى لأنفذت بعث أسامة، كما أمر به رسول الله ﷺ ، ولو لم يبق فى القرى غيرى لأنفذته». وقد ظهرت نتائج سياسة «الصديق» الموفقة، عندما ذهب جيش «أسامة» وحقق ما قصده الرسول ﷺ من أهداف، وعاد محمَّلا بالغنائم، وألقى الرعب والفزع فى قلوب القبائل العربية التى مرَّ عليها فى شمالى شبه الجزيرة العربية وهو فى طريقه إلى الشام؛ لأنهم قالوا: «لو لم يكن بالمسلمين قوة لما أرسلوا هذا الجيش الكبير إلى هذا المكان البعيد فى مثل هذا الوقت»؛ ولذا كانت حركة الردة فى المناطق التى مرّ بها «أسامة» بجيشه أضعف منها فى أى مكان آخر من شبه الجزيرة العربية. حركة الردة:

стр. 72

يعد موقف «الصديق» من حركة الردة ومواجهته لها من أروع المواقف فى التاريخ، لأنه آمن إيمانًا عميقًا بانتصار الحق مهما تكن قوة أعدائه، وأظهر تصميمًا على الدفاع عن الإسلام مهما يبذل من جهد. وقد بدأت حركة الردة بالقبائل التى منعت الزكاة كعبس و «ذبيان» و «غطفان» وغيرها، حيث أرسلت وفدًا إلى «المدينة»، يعرض على «الصديق» مطالبهم، وأنهم لم يرفضوا الإسلام، ولكنهم يرفضون دفع الزكاة لحكومة «المدينة»؛ لأنها فى ظنهم معرَّة، ويعدُّونها إتاوة تدفع لأبى بكر، ولم تدرك تلك القبائل أثر الزكاة فى التكافل الاجتماعى بين المسلمين. كان رأى فريق من الصحابة وعلى رأسهم «عمر بن الخطاب» أن يستجيب «أبو بكر» لتلك القبائل، ولا يجبرها على دفع الزكاة، وخاصة أن «المدينة» مكشوفة، وليس بها قوة تحميها وتدافع عنها؛ لأن جيش «أسامة» لما يعد بعد من شمالى بلاد العرب، لكن «الصديق» لم يقتنع بهذا الرأى، ورد على «عمر بن الخطاب» ردا جازمًا قائلا له: «والله لو منعونى عقالا -الحبل الذى يجرُّ به الحمل - لجاهدتهم عليه». وكان هذا الموقف الثابت من «الصديق» رائعًا كل الروعة، فماذا لو وافق «أبو بكر» «عمر» ومن معه على رأيهم؟ ربما شجع هذا التنازل قبائل أخرى، فتمتنع عن دفع الزكاة أسوة بهؤلاء، ولربما تطور الموقف إلى أبعد من هذا، فتمتنع قبائل عن إقامة الصلاة أو غيرها من أركان الإسلام، ويكون هذا هدمًا للدين من أساسه. وكأن «الصديق» حين فعل هذا تمثل واقتدى بموقف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما جاءه وفد «ثقيف» يعلنون إسلامهم، ويطلبون منه إعفاءهم من أداء الصلاة، فرفض النبى ﷺ ذلك، وقال لهم: «لا خير فى دين لاصلاة فيه»، ولعل «الصديق» قصد ذلك حين قال: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة». ولم يكن «الصديق» صاحب قرارات صائبة فحسب، بل كان يقرنها بالعمل على تنفيذها، فلما رأى الغدر فى عيون مانعى الزكاة أدرك

стр. 73

أنهم سيهاجمون «المدينة» على الفور؛ لأنهم عرفوا غياب معظم الرجال مع جيش «أسامة»، وأعلن حالة الاستعداد للدفاع عن «المدينة» عقب عودة المانعين إلى ديارهم، واتخذ مسجد رسول الله، مقرا لغرفة عمليات عسكرية، وبات ليلته يُعد للمعركة ويستعد لها، وأمر عددًا من كبار الصحابة بحراسة مداخل «المدينة»، على رأسهم «على بن أبى طالب»، و «طلحة بن عبيد الله»، و «الزبير بن العوام»، و «عبد الله بن مسعود» رضى الله عنهم. وحدث ما توقعه «الصديق» فبعد ثلاثة أيام فقط هاجم مانعو الزكاة «المدينة»، فوجدوا المسلمين فى انتظارهم، فهزمهم المسلمون وردوهم على أعقابهم إلى «ذى القصة» - شرقى «المدينة». ثم تعقبهم «الصديق» وألحق بهم هزيمة منكرة، وفرت فلولهم، وغنم المسلمون منهم غنائم كثيرة، واتخذ «الصديق» من «ذى القصة» مكانًا لإدارة المعركة ضد حركة الردة كلها، وفى هذه الأثناء جاءت الأخبار بوصول جيش «أسامة» سالمًا غانمًا، فأسرع «الصديق» بنفسه لاستقبال قائد الجيش الشاب، الذى قام بهذه المهمة الخطيرة خير قيام، وبعد أن احتفى به وهنأه على عمله، أنابه عنه فى حكم «المدينة»، وعاد هو إلى «ذى القصة» ليدير المعركة مع المرتدين بعزيمة لا تلين. أسباب حركة الردة: قبل الخوض فى الحديث عن مواجهة «أبى بكر» لحركة الردة، ينبغى معرفة أسبابها، التى جعلت تلك القبائل ترتد بعد أن أعلنت إسلامها أمام الرسول ﷺ فى السنة الأخيرة من حياته. - السبب الأول: أن إسلام أغلب هذه القبائل كان ضعيفًا، فقد أذعنوا لقوة المسلمين، التى لم يكن لهم قِبَل بمواجهتها؛ فاستسلموا ولم يسلموا إسلامًا حقيقيًا، فظنوا أن وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ستفتُّ فى عضد المسلمين، ولن يستطيعوا مواجهتهم. - والسبب الثانى: أن العصبية القبلية كانت عندهم قوية، فمعظم المرتدين الذين التفوا حول مدعى النبوة كانوا يعلمون صدق النبى

стр. 74

- ﷺ ، ولكن كل قبيلة كانت تريد أن يكون لها نبى من أبنائها ولو كان كذابًا، كما لقريش نبى من أبنائها، وعبروا عن ذلك بوضوح وصراحة، فيقول أحد «بنى حنيفة» لمسيلمة: «أشهد أنك كذاب، ولكن كذاب ربيعة - التى منها مسيلمة - خير من صادق مضر- التى منها محمد»، وقال «عيينة بن حصن الفزارى» عن «طليحة بن خويلد الأسدى»: «نبى من الحليفين خير من نبى من قريش، ومحمد مات، وطليحة حى». - والسبب الثالث: أن زعماء القبائل وشيوخها كانوا مستفيدين من الوضع القبلى القديم؛ إذ كانت حياة معظم القبائل تقوم على الإغارة والسلب والنهب، ويأخذ شيوخها ربع ما تحصل عليه من تلك الغارات، ولذا تزعموا حركة الردة، وحرضوا أبناء القبائل عليها، ليستمروا فى السيطرة على قبائلهم. - والسبب الرابع: أن الفرس والروم حاولا القضاء على الإسلام باستخدام العرب وتحريضهم ومساعدتهم، فلما فشلا فى ذلك تدخلا تدخُّلا مباشرًا، فحرَّض الفرس عرب الخليج على الردة، ثم أمدوا «سجاح بنت الحارث اليربوعية» - مدعية النبوة - بجيش كبير، قوامه أربعون ألف رجل، جاءت بهم من «العراق» التى كانت تحت الحكم الفارسى لمحاربة المسلمين، فلما فشلت تدخلوا مباشرة ضد «المثنى بن حارثة»، الذى كان يحارب المرتدين على حدود «العراق». وفعل الروم البيزنطيون ما فعله الفرس، فاعتدوا فى حروب الردة على جيش «خالد بن سعيد بن العاص» فى منطقة «تيماء» شمالى «الحجاز»، وألحقوا به هزيمة كبيرة وقتلوا معظم جنوده. المواجهة السلمية: أراد «أبو بكر الصديق» أن يبصِّر المرتدين بخطورة ما أقدموا عليه، فواجههم مواجهة سلمية بأن دعاهم إلى العودة بدون قتال إلى الإسلام، الذى أكرمهم الله به، وأرسل إليهم كتابًا يقرأ على القبائل كلها؛ لعلهم يعقلون، جاء فى أخره: «وإنى بعثت إليكم فلانًا فى جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية

стр. 75

الله، فمن استجاب له وأقرَّ وكف وعمل صالحًا، قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقى على أحدٍ منهم قدر عليه، .. ولا يقبل من أحدٍ إلا الإسلام فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولى أن يقرأ كتابى فى كل مجمع لكم، والداعية الأذان، فإذا أذن المسلمون فأذَّنوا كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا عاجلوهم ... ». الاستعداد العسكرى: وفى الوقت الذى كان يأمل فيه أن يستجيب المرتدون، ويعودوا إلى دين الله دون قتال؛ كان يعد أحد عشر جيشًا فى وقت واحد، تغطى المناطق التى ارتد أهلها فى شبه جزيرة العرب، جاهزة للانطلاق إلى كل منطقة؛ ليشغل كل قبيلة بالدفاع عن نفسها فى ديارها، ولا تأخذ فرصة للتجمع والتكتل ضده، وكان هذا تصرفًا بارعًا وحكيمًا من «الصديق». واختار «الصديق» لهذه الجيوش أمهر القادة وأكثرهم خبرة بالقتال، وهم: «خالد بن الوليد»، سيف الله وعبقرى الحرب، وأمره بقتال المرتدين من «بنى أسد» و «غطفان» وحلفائهم بقيادة «طليحة بن خويلد» فى «بذاخة»، فإذا انتهى من مهمته توجه لقتال المرتدين من «بنى تميم» فى «البطاح»، إلى الشرق من ديار «بنى أسد». - و «عكرمة بن أبى جهل» وأردفه بشرحبيل بن حسنة، وأمرهما بالتوجه إلى «مسيلمة الكذاب» ومن معه فى «اليمامة»، وأمرهما ألا يقاتلاه حتى يأمرهما بذلك، لمعرفة «أبى بكر» بقوة جيش «مسيلمة»، وأنهما لن يقدرا على هزيمته بسهولة، بل يشغلاه حتى يحين الوقت المناسب لإرسال قوات أكبر؛ لمواجهة «بنى حنيفة» فى جموعهم الكبيرة. - و «العلاء بن الحضرمى»، وأمره بقتال المرتدين فى «البحرين» وما والاها. - و «حذيفة بن محصن»، وأمره بقتال المرتدين فى «دبا» فى جنوبى شرقى شبه الجزيرة. و «عرفجة بن هرثمة»، وأمره بقتال المرتدين فى «مهرة» فى جنوبى شبه الجزيرة. و «المهاجر بن أبى أمية المخزومى»، وأمره بقتال المرتدين فى جنوبى «اليمن».
следующие страницы →