Полный текст (3 483 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
والتركية والفارسية. وكذلك كتبت «كلبدن بيكيم» ابنة «بابر»
كتاب «همايون نامه» الذى يعد مرجعًا وثيقًا فى تاريخ
«همايون» ثانى سلاطين الإمبراطورية المغولية. أعفى «أكبر»
الهنادكة من ضريبة الرءوس، واهتم بالعلوم والآداب والفنون،
وأصدر القوانين والتشريعات الاجتماعية التى تكفل للناس
حقوقهم، وتحافظ عليهم وعلى ممتلكاتهم، ونبغ فى عصره
العديد من المؤرخين والعلماء والأدباء من المسلمين والهنادكة.
стр. 2872
* الأغالبة
ينسب الأغالبة إلى «الأغلب بن سالم التميمى»، وهو عربى من
قبيلة «تميم»، التى شاركت فى القضاء على «الأمويين»،
وإقامة «الدولة العباسية»، وقد تولى «الأغلب» إفريقية فى
سنة (١٤٨هـ=٧٦٥م)، ثم استشهد بها فى حربه ضد الطامعين
بقيادة «الحسن بن حرب الكندى». إبراهيم بن الأغلب
[١٨٤هـ=٨٠٠م]: تلقى «إبراهيم بن الأغلب» - فى نشأته الأولى -
دروسه الدينية بمسجد الفسطاط على يد الإمام «الليث بن سعد»،
فلما بلغ مبلغ الشباب التحق بالجندية، ثم جاء إلى «المغرب»
وشارك فى أحداثها، ثم ظهر على مسرح الأحداث فى إفريقية -
كما سبقت الإشارة إليه - فى عهد «محمد بن مقاتل العكى».
استقل «إبراهيم» بحكم «المغرب الأدنى» عن الخلافة، وعمد إلى
إقرار الأمن والاستقرار بهذا الإقليم، فضلاً عن تعريبه، واستكمال
نظامه الإدارى، وتنمية اقتصاده، فباتت «القيروان» مركزًا من
مراكز العلم والحضارة بالدولة الإسلامية، وظهرت أهمية المدن
التابعة لها. مثل: «تونس»، و «سوسة»، و «قابس»، و «قفصة»،
و «توزر»، و «نفطة»، و «طبنة»، و «المسيلة»، و «بجاية»،
وغيرها. ولكن ذلك لم يمنع من وقوع بعض الثورات بالمنطقة،
مثل ثورة «عمران بن مجالد الربيعى» الذى جمع حوله أهل
«القيروان» فى محاولة للقضاء على حكم «الأغالبة»، ولكن
محاولتهم باءت بالفشل، حيث تصدى لهم «إبراهيم بن الأغلب»
بحزم وشدة، واستمر فى منصبه حتى وافته منيته فى شوال
سنة (١٩٦هـ= يونيو ٨١٢م)، فذكره المؤرخون بأنه كان أحسن
الولاة سيرة، وأفضلهم سياسة، وأوفاهم بالعهد، وأرعاهم
للحرمة، وأرفقهم بالرعية، وأخلصهم لأداء واجبه. أبو العباس
عبدالله بن إبراهيم بن الأغلب [١٩٦هـ=٨١٢م]: تولى «أبو العباس»
«المغرب» خلفًا لوالده، فاستقامت له الأمور واستقرت، ولكنه
انتهج سياسة ضريبية سيئة، أسفرت عن سخط الناس عليه، وظل
«أبو العباس» بالحكم مدة خمس سنوات ثم مات من جرَّاء قرحة
стр. 2873
أصابته تحت أذنه. زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب
[٢٠١هـ=٨١٦م]: تولى «زيادة» مقاليد الحكم بالمغرب خلفًا لأخيه
«أبى العباس» واستمر فى هذه الإمارة حتى سنة (٢٢٣هـ=
٨٣٨م)، فتمتعت البلاد فى عهده بالرخاء والازدهار، فضلا عن
التشييد والعمران بالمدن المغربية، مثل: «القيروان»،
و «العباسية»، و «تونس»، و «سوسة» وقد وجه «زيادة» قدراته
العسكرية للقضاء على الثورات التى قامت بالمنطقة، ومنها:
ثورة «زياد بن سهل» المعروف بابن الصقلبية فى سنة
(٢٠٧هـ=٨٢٢م)، وثورة «عمرو بن معاوية العيشى» فى سنة
(٢٠٨هـ=٨٢٣م)، وثورة «منصور الطنبذى» فى سنة
(٢٠٩هـ=٨٢٤م)، وكذلك وجه «زيادة» كفاءته الحربية فى العناية
بالأسطول الإسلامى، ثم توجيهه لغزو بعض الجزر القريبة من
«تونس»، وإليه يرجع الفضل فى إعداد حملة بحرية كبيرة بقيادة
«أسد بن الفرات» لغزو الجزر القريبة من «تونس»، ثم تُوفى فى
سنة (٢٢٣هـ=٨٣٨م). أبو عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب
[٢٢٣هـ=٨٣٨م): تولى الإمارة خلفًا لأخيه «زيادة» فى سنة
(٢٢٣هـ=٨٣٨م)، ومكث بها ما يقرب من ثلاث سنوات؛ نعمت البلاد
خلالها بالهدوء والاستقرار، وحرَّم «أبو عقال» صنع الخمور
بالقيروان، وعاقب على بيعها وشربها، فكان لذلك صداه الطيب
فى نفوس الناس عامة، فضلا عن الفقهاء والعلماء، ومات «أبو
عقال» بالقيروان فى سنة (٢٢٦هـ=٨٤١م). أبو العباس محمد بن
الأغلب [٢٢٦هـ=٨٤١م]: تولى الإمارة خلفًا لأبيه «الأغلب»، وظل
بها أكثر من خمسة عشر عامًا، اتسمت بالخلافات بين أبناء
«الأسرة الأغلبية»، فضلا عن محاولة أخيه «أحمد» الفاشلة
للإطاحة به والوصول إلى الحكم، يضاف إلى ذلك انتفاضات الجند
التى لم يكتب لها النجاح بمنطقتى «الزاب»، و «تونس»، وقد
تُوفى «أبو العباس» فى سنة (٢٤٢هـ) بالقيروان. أبو إبراهيم
أحمد بن محمد [٢٤٢هـ=٨٥٦م]: تولى خلفًا لأبيه عقب وفاته فى
سنة (٢٤٢هـ)، وتميزت فترة حكمه بالهدوء والاستقرار، وقد غلب
стр. 2874
الطابع الدينى على سلوكه، فكان يخرج فى شهرى شعبان
ورمضان من مقر إقامته ليوزع الأموال على الفقراء والمساكين
بالقيروان، واهتم «أبو إبراهيم» بالبناء والتعمير، وزاد فى
«مسجد القيروان»، وجدد «المسجد الجامع» بتونس، وحصَّن
مدينة «سوسة» وبنى سورها، كما اهتم بإمداد سكان المدن
بمياه الشرب، وقد تُوفى فى سنة (٢٤٩هـ=٨٦٣م). أبو محمد
زيادة الله الثانى [٢٤٩هـ=٨٦٣م]: تولى «أبو محمد» خلفًا لأخيه
«أبى إبراهيم أحمد»، ولم يستمر فى منصبه سوى عام واحد،
ثم تُوفى فى سنة (٢٥٠هـ=٨٦٤م). أبو عبد الله محمد بن أحمد
[٢٥٠هـ=٨٦٤م]: خلف عمه «أبا محمد زيادة» فى الإمارة فى سنة
(٢٥٠هـ=٨٦٤م). وقد اشتهر «أبو عبدالله» بأبى الغرانيق؛ لولعه
بصيد «الغرانيق»، وبنى لذلك قصرًا كبيرًا، أنفق عليه أموالا
كثيرةً، كما شاد الحصون والمحارس الكثيرة على سواحل البحر
المتوسط وتوفى «أبو الغرانيق» فى سنة (٢٦١هـ). إبراهيم بن
أحمد [٢٦١هـ=٨٧٥م]: ولى أمور الحكم عقب وفاة أخيه «أبى
الغرانيق» فى سنة (٢٦١هـ=٨٧٥م)، وامتد عهده أكثر من ثمانية
وعشرين عامًا؛ ظهر خلالها «أبو عبدالله الشيعى»، الذى
استقطب إلى دعوته الشيعية عددًا من القبائل، وقد اختلف
المؤرخون فى تقييم شخصية «إبراهيم بن أحمد»، فذكر بعضهم
أن عهده كان عهد استقرار وهدوء، وإقرار للعدل، وتأمين
للسبل، فضلا عن قيامه بإتمام بناء المسجد بتونس، وبناء
الحصون والمحارس على سواحل البحر، يضاف إلى ذلك تأسيسه
مدينة «رقادة»، وبناؤه جامعًا بها، فى حين يصفه «ابن خلدون»
بقوله: «وذكر أنه كان جائرًا، ظلومًا ويُؤخذ أنه أسرف فى
معاقبة المعارضين له بالقتل والتدمير، لكنه حاول فى أخريات
أيامه إصلاح ما أفسده، وبخاصة بعد ظهور داعية الشيعة «أبى
عبدالله» وانضمام كثير من الناس إلى دعوته، فأسقط المغارم،
ورفع المظالم عن طبقات الشعب الكادحة، كما تجاوز عن ضريبة
سنة بالنسبة إلى أهل الضياع، ووزع الأموال على الفقراء
стр. 2875
والمحتاجين، وختم حياته بالجهاد فى «صقلية»، حيث مرض
أثناء حصاره لإحدى المدن، ومات ليُحمل ويدفن فى مدينة
«بلرم» فى سنة (٢٨٩هـ=٩٠٢م)، وذكر «ابن الأثير» أنه حُمل فى
تابوت ودفن بالقيروان. أبو العباس عبدالله بن إبراهيم
[٢٨٩هـ=٩٠٢م]: تولى الإمارة فى سنة (٢٨٩هـ=٩٠٢م)، ولم يستمر
بها سوى عام ونصف العام، حيثُ قُتل على يد ابنه «زيادة الله»،
وكانت فترة حكمه امتدادًا لسياسة والده «إبراهيم بن أحمد» فى
الحكم، فبدأت عوامل الضعف والوهن تدب فى أوصال دولة
الأغالبة. زيادة الله بن أبى العباس عبدالله [٢٩٠هـ=٩٠٣م]: تولى
«زيادة» الحكم عقب مقتل أبيه، وانتهج سياسة أبيه وجده،
وتتبع أفراد أسرته بالقتل، فى الوقت الذى نشط فيه «أبو
عبدالله الشيعى» وأحرز الانتصارات تلو الأخرى، واستولى على
كثير من المدن الأغلبية، ولم تفلح جيوش «زيادة» فى صده أو
إيقاف زحفه، فوجد «زيادة» نفسه عاجزًا عن الحفاظ على ملك
آبائه وأجداده، فآثر الهرب إلى «مصر»، وحمل معه كل ما
استطاع حمله من مال وعتاد، ورحل من «رقادة» فى (٢٦من
جمادى الآخرة عام ٢٩٦هـ= مارس ٩٠٩م)، فباتت المدينة سهلة
المنال «لأبى عبدالله الشيعى»، فبعث «عروبة بن يوسف» أحد
قادته للاستيلاء عليها، فدخلها دون قتال، وطويت بذلك صفحة
«الأغالبة».
стр. 2876
* الرستمية (دولة)
دولة نشأت بالمغرب الأوسط (الجزائر) سنة ١٦١ هـ في عهد
الخلافة العباسية، وظلت حتى سنة ٢٩٦ هـ وتوالى عليها عدد من
الولاة هم: عبدالرحمن بن رستم [١٦٢هـ=٧٧٩م]: بويع
«عبدالرحمن» ليكون أول إمام للدولة الإباضية الناشئة فى ربوع
«المغرب الأوسط»، وقد كان أحد طلاب العلم، ودرس على يد
«أبى عبيدة مسلم ابن أبى كريمة»، فلما أتم تعليمه عمل على
نشر «المذهب الإباضى» ودعمه، ثم عينه «أبو الخطاب» نائبًا له
على «مدينة القيروان»، فاكتسب الخبرة الإدارية، وعرف طبائع
الناس وظروفهم، ولم يدخر جهدًا فى محاربة الولاة العباسيين،
وجَمْع شمل «الإباضية»، خاصة بعد مقتل «أبى الخطاب». كان
«عبدالرحمن» رجلاً زاهدًا، وذا صبر على الشدائد، وملتزمًا بكتاب
الله وسنة نبيه، واشترط على الناس حين وقع اختيارهم عليه
للإمامة أن يسمعوا له ويطيعوا ما لم يحد عن الحق، ثم اختط
مدينة «تهيرت»، ودخل فى طاعته العديد من القبائل مثل:
«لماية»، و «سدرانة»، و «مزاتة»، و «لواتة»، و «مكناسة»،
و «غمارة»، و «أزداجة»، و «هوارة»، و «نفوسة»، وقد افترشت
هذه القبائل مساحات واسعة، امتدت من «تلمسان» غربًا حتى
«طرابلس» شرقًا. ومضى «عبدالرحمن» فى حكم البلاد بالعدل،
منتهجًا سياسة شرعية فى إدارتها، مما أشاع الاستقرار والأمن
بين الناس، فلما شعر بدنو أجله اختار مجلسًا للشورى، ليُختار
من بين أفراده مَن يصلح للإمامة من بعده، واختار ابنه
«عبدالوهاب» ضمن أفراد هذا المجلس، ثم مات فى سنة (١٦٨هـ=
٧٨٤م). عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم [١٦٨هـ=٧٨٤م]:
اختاره مجلس الشورى ليكون خلفًا لأبيه فى الإمامة، واتسم
عهده ببعض الاضطرابات والقلاقل، وواجه العديد من الثورات
التى اتخذ بعضها طابعًا مذهبيا، وبعضها الآخر طابعًا قبليا،
فأثَّرت إلى حد بعيد على «الدولة الرستمية»، وعلى رمزها
الدينى المتمثل فى الإمام. ومات «عبد الوهاب» فى سنة
стр. 2877
(١٩٨هـ=٨١٤م). أفلح بن عبدالوهاب [١٩٨هـ= ٨١٤م]: بويع الإمام
«أفلح» خلفًا لأبيه، وكان ذا صفات طيبة، وجاءت مبايعته على
عكس ما نهجه الخوارج فى تعيين الإمام، إذ اختاره أبوه للإمامة
قبل وفاته، وربما يرجع ذلك إلى طبيعة الظروف التى ألمت
بالبلاد، حيث أحاط الأعداء بمدينة «تهيرت»، وكان لابد من
اختيار رجل شجاع يتمكن من مواجهة الأعداء. وقد اتسم عهد
«أفلح» بالهدوء والاستقرار، وبلغت الدولة فى عهده أوج
ازدهارها، ونشطت التجارة، وأقبل الناس من كل مكان قاصدين
العاصمة «تهيرت»، وتُوفِّى الإمام «أفلح» فى سنة (٢٤٠هـ)، إثر
حزنه الشديد على وقوع ابنه «أبى اليقظان» فى أيدى
العباسيين. أبو بكر بن أفلح بن عبدالوهاب [٢٤٠هـ=٨٥٤م]: كان
«أبو اليقظان» مرشحًا لمنصب الإمامة، ولكن وقوعه فى أيدى
العباسيين حال دون ذلك، وتولاها أخوه «أبو بكر» الذى لم يكن
فى شدة آبائه وأجداده وحزمهم، فضلا عن انغماسه فى الترف
والنعيم وميله إلى الراحة، وقد تفرغ لراحته وملذاته حين خرج
أخوه «أبو اليقظان» من سجن العباسيين وشاركه الحكم، ولكن
«أبا بكر» دبر مقتل «محمد بن عرفة» وهو من الشخصيات
البارزة بالعاصمة، ليتخلص من نفوذه، فكان ذلك سببًا فى
نشوب الصراع بين طوائف الدولة الرستمية، وحاولت كل طائفة
تحقيق أهدافها من خلال المعارك الطاحنة، التى أسفرت عن
هزيمة حكام البيت الرستمى، واعتزال «أبى بكر» منصب الإمامة.
أبو اليقظان محمد بن أفلح بن عبدالوهاب [٢٦٨هـ= ٨٨١م]: شهدت
العاصمة «تهيرت» فترة من القلاقل والاضطرابات، ثم نجح «أبو
اليقظان» فى تهدئة الأوضاع ودخول العاصمة «تهيرت» فى سنة
(٢٦٨هـ=٨٨١م)، فتولى منصب الإمامة، وتجنب سياسة التعصب
وتفضيل قبيلة بعينها على غيرها، وجلس لبحث شكاوى رعاياه
والبت فيها بنفسه، واستعان بمجلس الشورى الذى ضم إليه
شيوخ القبائل ووجهاءها، فاستقرت الأوضاع، وهدأت النفوس،
وظل «أبو اليقظان» يدير دفة الأمور فى دولته حتى وفاته فى
стр. 2878
سنة (٢٨١هـ=٨٩٤م). أبو حاتم يوسف بن محمد [٢٨١هـ=٨٩٤م]:
تولى «أبو حاتم» الإمامة عقب وفاة والده «أبى اليقظان»، لأن
أخاه الأكبر «يقظان» كان غائبًا فى موسم الحج، وقد لعب
العامة -بزعامة «محمد بن رباح» و «محمد بن حماد» المعروفين
بالشجاعة والنجدة- دورًا بارزًا فى المطالبة ببيعة «أبى حاتم»
بالإمامة لسخائه وكرمه، ولكن هذا الدور الذى لعبه العامة
أطمعهم فى التدخل فى شئون الحكم وتحقيق المكاسب، فرفض
«أبو حاتم» ذلك وضرب على أيديهم وطردهم من المدينة، فعمدوا
إلى تأليب القبائل ضده، ونجحوا فى طرده من العاصمة
«تهيرت»، وبايعوا عمه «يعقوب بن أفلح» بالإمامة، فصار هناك
إمامان من بيت واحد، يقفان وجهًا لوجه فى صراعٍ دامٍ على
السلطة، ولكن أحدهما لم يحقق نجاحًا ملموسًا على الآخر،
فاحتكما وعقدا هدنة، وعاد «أبو حاتم» إلى العاصمة إمامًا على
البلاد، وانسحب عمه «يعقوب» بعد أن حكم العاصمة «أربع
سنوات». وقد حاول «أبو حاتم» إصلاح ما أفسدته الحروب داخل
العاصمة «تهيرت»، وكوَّن مجلسًا استشاريًا من زعماء القبائل
ومشايخها للاستعانة بهم فى إدارة البلاد، ولكن محاولاته
الإصلاحية كانت بمثابة صحوة الموت للبيت الرستمى، خاصة بعد
أن ضعفت قوتهم العسكرية فى محاولة لإنهاء الصراع الذى وقع
حول مدينة «طرابلس». وقد تآمر أفراد البيت الرستمى أنفسهم
على حياة إمامهم «أبى حاتم»، وقتلوه فى سنة (٢٩٤هـ=٩٠٧م)
اليقظان بن أبى اليقظان [٢٩٤هـ=٩٠٧م]: بويع بالإمامة عقب مقتل
أخيه فى سنة (٢٩٤هـ=٩٠٧م)، واتسم عهده بالفتن والقلاقل،
وتطلع مختلف القبائل والطوائف إلى الاستئثار بالحكم، كما دبرت
المؤامرات من داخل البيت الرستمى على يد «دوسر» ابنة «أبى
حاتم»، وتكاتفت فرق الخوارج مثل: «المالكية» و «الواصلية»
و «الشيعة» لإحباك الفتن والمؤامرات للإطاحة بالإمام، وقد نجح
«اليقظان» إلى حد بعيد فى كبح جماح هذه الطوائف والحد من
стр. 2879
نشاطها، فهربت «دوسر»، ولجأت إلى «أبى عبدالله الشيعى»
الذى نجح فى بسط نفوذه على مساحات كبيرة من أرض
«المغرب»، واستنجدت به للثأر لأبيها، فاستجاب لها، واتجه إلى
«تهيرت»، فخرجت لمقابلته وجوه أهل «تهيرت» ورحبوا بمقدمه،
واستسلم «اليقظان» لمصيره، وخرج مع بنيه إلى «أبى
عبدالله»، فأمر بقتلهم ودخل العاصمة فى سنة (٢٩٧هـ= ٩١٠م)،
واستولى على ما بها من أموال ومغانم، فطويت صفحة «الدولة
الرستمية».
стр. 2880
* الأدارسة (دولة)
دولة نشأت بالمغرب الأقصىسنة ١٧٢ هـ في عهد الخلافة
العباسية، وظلت حتى سنة ٣٠٠ هـ وتنسب إلى مؤسسها إدريس
بن عبد الله وتوالى عليها عدد من الحكام هم: إدريس بن عبدالله
(١٧٢هـ= ٧٨٨م): اضطهد العباسيون منذ اللحظة الأولى لقيام
دولتهم أبناء عمومتهم من العلويين، وأسرف بعض الخلفاء
العباسيين فى ذلك، فأسفر الأمر عن قيام عدة ثورات، كانت
آخرها ثورة «الحسين بن على بن الحسن بن الحسن بن الحسن
بن على بن أبى طالب» على والى «المدينة» فى سنة
(١٦٩هـ=٧٨٥م)، ولكن العباسيين استطاعوا قمعها، وقتلوا
زعيمها ومجموعة من أهل بيته. وكان «إدريس بن عبدالله»
ومولاه «راشد» ممن فرَّ من أرض المعركة، واتجها إلى «مصر»،
ومنها إلى «المغرب الأقصى»، ونزلا مدينة «وليلى» عاصمة هذا
الإقليم، ثم توجها إلى أميرها وزعيمها «إسحاق بن محمد بن
عبدالحميد الأوربى»، زعيم قبيلة «أوربة» التى فرضت نفوذها
وسيطرتها على مدينة «وليلى» وما حولها، وعرفه «إدريس»
بنفسه، وأعلمه بسبب فراره من موطنه «الحجاز»، ولجوئه إلى
بلاده، فرحب به «إسحاق» وآمن بدعوته، وبايعه بالإمامة،
وكذلك بايعته قبيلته «أوربة»، ومعها بقية القبائل فى رمضان
سنة (١٧٢هـ=٧٨٨م)، ومن ثَم نجح «إدريس» فى تأسيس دولة
حملت اسمه بالمغرب الأقصى. لكن ذلك أقلق الخلافة العباسية،
خاصة بعد أن مدَّ «إدريس» نفوذه إلى مدينة «تلمسان» بالمغرب
الأوسط. عمد الخليفة العباسى «الرشيد» إلى الحيلة للقضاء على
نفوذ «الأدارسة»، فقيل إنه بعث برجل يدعى «الشماخ» إلى
«إدريس»، فتظاهر بحبه لآل البيت، وفراره من بطش العباسيين،
ولازم «إدريس» فترة ثم اغتاله حين سنحت له الفرصة، وهكذا
نجحت الخلافة العباسية فى التخلص من «إدريس» أبرز المناوئين
لها، وفقدت «دولة الأدارسة» مؤسسها فى سنة (١٧٥هـ=٧٩١م)
بعد ثلاث سنوات ونصف فقط من قيامها. إدريس بن إدريس بن عبد
стр. 2881
الله: [١٧٥ - ٢١٣هـ = ٧٩١ - ٨٢٨م]: بات مقعد الإمامة شاغرًا عقب
اغتيال «إدريس»، والتف البربر حول مولاه «راشد»، وانتظروا
مولود «كنزة» جارية «إدريس بن عبدالله»، فلما وضعت حملها
أسموه «إدريس» تبركًا باسم والده، وتعهده «راشد» بالتربية
والرعاية، ونشَّأه تنشأة دينية، حتى إذا بلغ الحادية عشرة من
عمره أقبلت القبائل على مبايعته بالإمامة، فدعا ذلك الخلافة
العباسية إلى التحرك ثانية للقضاء على هذه الدولة، وأوكلت
هذه المهمة إلى والى «المغرب الأدنى» «إبراهيم بن الأغلب»
الذى نجح فى استمالة مجموعة من البربر بأمواله وهداياه، ثم
أوكل إليهم مهمة قتل «راشد»، فقاموا بتنفيذها فى سنة
(١٨٦هـ= ٨٠٢م)، لكن «الدولة الإدريسية» واصلت مسيرتها،
وانتقلت كفالة «إدريس» والوصاية عليه إلى «أبى خالد بن يزيد
بن إلياس العبدى»، وجُدِّدت له البيعة فى سنة (١٨٨هـ= ٨٠٤م)،
حين بلغ الثالثة عشرة من عمره، وأصبح فى سن تؤهله لخلع
الوصاية، وإدارة البلاد، وعزز مركزه إقبال الوفود العربية من
«القيروان» و «الأندلس» للعيش فى كنف دولته فرارًا من بطش
الحكام، فدعم بهم نفوذه، واتخذ منهم الوزراء والكتاب والقضاة،
وجعلهم بطانته وحاشيته، وقد شجعه هؤلاء على بناء عاصمة
جديدة لدولته، فبنى مدينة «فاس»، ثم استقر بها. وفى سنة
(١٩٧هـ= ٨١٣م) خرج «إدريس الثانى» على رأس قواته لإخضاع
«قبائل المصامدة» التى هددت أمن بلاده، ونجح فى ذلك نجاحًا
كبيرًا، وامتد نشاطه حتى منطقة «السوس الأقصى»، ودخل
مدينة «نفيس» ثم عاد إلى عاصمته «فاس»، وخرج فى العام
التالى صوب الشرق لتأمين حدود دولته، ودخل مدينة «تلمسان»،
وأقام بها ثلاث سنوات، يرتب أمورها، ويرمم مسجدها، ثم عاد
إلى «فاس» فى سنة (٢٠١هـ)، وظل فى الحكم حتى وافته
المنية فى سنة (٢١٣هـ=٨٢٨م). محمد بن إدريس بن إدريس (٢١٣ -
٢٣٤هـ= ٨٢٨ - ٨٤٨م): تولى «محمد» أكبر أبناء «إدريس الثانى»
стр. 2882
الإمامة فى سنة (٢١٣هـ=٨٢٨م)، فنفذ وصية جدته «كنزة»
بتقسيم أقاليم الدولة بين إخوته، فكان لذلك أثره السيئ على
وحدة دولة «الأدارسة»، ولما يمضِ على قيامها أربعون سنة
بعد، وطمع كل أخٍ فى الاستقلال بإقليمه، وشقََّ عصا الطاعة
على السلطة المركزية. ولكن «محمد بن إدريس» تصدى لإخوته
وضم ممتلكات أخويه «عيسى» و «القاسم» بعد هزيمتهما إلى
أخيه «عمر». ولم تشهد البلاد بعد هذا التقسيم استقرارًا إلا فى
بعض الفترات مثل: عهد «يحيى بن محمد» الذى تولى الإمامة فى
سنة (٢٣٤هـ=٨٤٨م)، فازدهرت فى عهده مدينة «فاس» وشهدت
تطورًا ملحوظًا فى أنشطتها، ثم عهد «يحيى بن إدريس بن عمر
بن إدريس» عام (٢٩٢هـ= ٩٠٥م)، الذى وصفه المؤرخون بأنه كان
أعظم ملوك «الأدارسة» قوة وسلطانًا وصلاحًا وورعًا وفقهًا
ودينًا، وقد ظل بالحكم حتى سنة (٣٠٥هـ = ٩١٧م) حتى طرق
«مصالة بن حيوس» أبواب مدن «المغرب الأقصى»، فأطاعه
«يحيى بن إدريس»، وبايع «أبا عبيد الله المهدى»، فدخلت دولة
«الأدارسة» منذ ذلك الحين فى طور التبعية للفاطميين تارة،
وللحكم الأموى بالأندلس تارة أخرى.
стр. 2883
* بنو مدرار (دولة)
ساهمت الظروف السياسية التى مر بها إقليم «المغرب» عقب
نجاح الثورة التى قادها «ميسرة المضفرى الصفرى» ضد الدولة
الأموية فى سنة (١٢٢هـ=٧٤٠م) فى استقلال «المغرب الأقصى»
وانفصاله عن الحكم الأموى، فأسهم ذلك -إلى جانب اضطراب
الأوضاع فى إقليمى «المغرب الأوسط» و «الأدنى» - فى قيام
تجمع مذهبى فى جنوب «المغرب الأقصى»؛ هو تجمع
«الصفريين» الذين وجدوا بمنطقة «سجلماسة» المجال المناسب
لإقامتهم، ثم أسسوا مدينة تحمل اسم المنطقة، لتكون نواة لدولة
صفرية، وبايعوا «عيسى بن يزيد بن الأسود» إمامًا لهم، وسانده
«أبو القاسم سمكو» زعيم قبيلة «مكناسة» بمبايعة قبيلته له،
ولكن جماعة «الصفرية» - بعد خمس عشرة سنة- أخذوا عليه
بعض المآخذ، وأنكروا عليه بعض الأمور، وقتلوه فى سنة
(١٥٥هـ= ٧٧٢م)، وقد تولى «أبو القاسم بن سمنون بن واسول
المكناسى بن مدرار» الحكم خلفًا لعيسى، وجعل الحكم متوارثا
فى أفراد «الأسرة المدرارية» حتى سقوط المدينة فى أيدى
الفاطميين، وقد توالى الأئمة بعد وفاة «مدرار»، حتى جاءت
سنة (١٧٤هـ= ٧٩٠م) فتولى «اليسع بن أبى القاسم» الملقب
بأبى منصور شئون الحكم، وظل فى مقعد الإمامة حتى سنة
(٢٠٨هـ=٨٢٣م)، وشهدت المدينة فى عهده ازدهارًا اقتصاديا،
ونفوذًا سياسيا كبيرًا، لذا يعد «اليسع» المؤسس الحقيقى لدولة
«بنى واسول» المعروفة بدولة «بنى مدرار»، وامتد نجاح
«اليسع» إلى تعمير العاصمة «سجلماسة»، فشهدت فى عهده
تطورًا واتساعًا، ومات «اليسع» فى سنة (٢٠٨هـ= ٨٢٣م). وتولى
«مدرار» خلفًا لوالده فى سنة (٢٠٨هـ= ٨٢٣م)، ولقب نفسه
بالمنتصر، وظل بالحكم حتى سنة (٢٢٣هـ=٨٣٨م)، ونشب النزاع-
خلال هذه الفترة - بين أبناء «مدرار»، مما أضعف نفوذهم،
وفكَّكَ وحدة بيتهم. وخلفه «محمد بن ميمون بن مدرار»، ووافاه
أجله فى سنة (٢٧٠هـ= ٨٨٣م)، فتولى من بعده عمه «اليسع بن
مدرار»، ودخل «عبيدالله المهدى» وابنه «القاسم» إلى
стр. 2884
«سجلماسة» فى عهده، فلما اكتشف حقيقة أمرهما، قبض
عليهما، وأودعهما السجن، فظلا به حتى أقبل «أبو عبدالله
الشيعى» على رأس قواته وخلصهما، ثم استولى على المدينة
فى سنة (٢٩٦هـ=٩٠٩م)، وحاول بعض أفراد البيت المدرارى
استرداد مدينتهم واستعادة حكمهم من قبضة الفاطميين، وقد
حققوا نجاحًا نسبيا فى ذلك، ولكن «جوهر الصقلى» تمكن من
القضاء على مُلكهم فى سنة (٣٤٧هـ=٩٥٨م)، وقبض على
«الشاكر بالله» آخر أمرائهم، وأودعه سجن مدينة «رقادة»،
فمات به فى سنة (٣٥٤هـ= ٩٦٥م). وطويت صفحة التاريخ
السياسى لمدينة «سجلماسة» فى القرن الثالث الهجرى.
стр. 2885
* بنو واسول (دولة)
ساهمت الظروف السياسية التى مر بها إقليم «المغرب» عقب
نجاح الثورة التى قادها «ميسرة المضفرى الصفرى» ضد الدولة
الأموية فى سنة (١٢٢هـ=٧٤٠م) فى استقلال «المغرب الأقصى»
وانفصاله عن الحكم الأموى، فأسهم ذلك -إلى جانب اضطراب
الأوضاع فى إقليمى «المغرب الأوسط» و «الأدنى» - فى قيام
تجمع مذهبى فى جنوب «المغرب الأقصى»؛ هو تجمع
«الصفريين» الذين وجدوا بمنطقة «سجلماسة» المجال المناسب
لإقامتهم، ثم أسسوا مدينة تحمل اسم المنطقة، لتكون نواة لدولة
صفرية، وبايعوا «عيسى بن يزيد بن الأسود» إمامًا لهم، وسانده
«أبو القاسم سمكو» زعيم قبيلة «مكناسة» بمبايعة قبيلته له،
ولكن جماعة «الصفرية» - بعد خمس عشرة سنة- أخذوا عليه
بعض المآخذ، وأنكروا عليه بعض الأمور، وقتلوه فى سنة
(١٥٥هـ= ٧٧٢م)، وقد تولى «أبو القاسم بن سمنون بن واسول
المكناسى بن مدرار» الحكم خلفًا لعيسى، وجعل الحكم متوارثا
فى أفراد «الأسرة المدرارية» حتى سقوط المدينة فى أيدى
الفاطميين، وقد توالى الأئمة بعد وفاة «مدرار»، حتى جاءت
سنة (١٧٤هـ= ٧٩٠م) فتولى «اليسع بن أبى القاسم» الملقب
بأبى منصور شئون الحكم، وظل فى مقعد الإمامة حتى سنة
(٢٠٨هـ=٨٢٣م)، وشهدت المدينة فى عهده ازدهارًا اقتصاديا،
ونفوذًا سياسيا كبيرًا، لذا يعد «اليسع» المؤسس الحقيقى لدولة
«بنى واسول» المعروفة بدولة «بنى مدرار»، وامتد نجاح
«اليسع» إلى تعمير العاصمة «سجلماسة»، فشهدت فى عهده
تطورًا واتساعًا، ومات «اليسع» فى سنة (٢٠٨هـ= ٨٢٣م). وتولى
«مدرار» خلفًا لوالده فى سنة (٢٠٨هـ= ٨٢٣م)، ولقب نفسه
بالمنتصر، وظل بالحكم حتى سنة (٢٢٣هـ=٨٣٨م)، ونشب النزاع-
خلال هذه الفترة - بين أبناء «مدرار»، مما أضعف نفوذهم،
وفكَّكَ وحدة بيتهم. وخلفه «محمد بن ميمون بن مدرار»، ووافاه
أجله فى سنة (٢٧٠هـ= ٨٨٣م)، فتولى من بعده عمه «اليسع بن
مدرار»، ودخل «عبيدالله المهدى» وابنه «القاسم» إلى
стр. 2886
«سجلماسة» فى عهده، فلما اكتشف حقيقة أمرهما، قبض
عليهما، وأودعهما السجن، فظلا به حتى أقبل «أبو عبدالله
الشيعى» على رأس قواته وخلصهما، ثم استولى على المدينة
فى سنة (٢٩٦هـ=٩٠٩م)، وحاول بعض أفراد البيت المدرارى
استرداد مدينتهم واستعادة حكمهم من قبضة الفاطميين، وقد
حققوا نجاحًا نسبيا فى ذلك، ولكن «جوهر الصقلى» تمكن من
القضاء على مُلكهم فى سنة (٣٤٧هـ=٩٥٨م)، وقبض على
«الشاكر بالله» آخر أمرائهم، وأودعه سجن مدينة «رقادة»،
فمات به فى سنة (٣٥٤هـ= ٩٦٥م). وطويت صفحة التاريخ
السياسى لمدينة «سجلماسة» فى القرن الثالث الهجرى.
стр. 2887
* الزيرية (دولة)
يرجع نسب «بنى زيرى» إلى قبيلة «صنهاجة» البربرية؛ التى
تنتمى إلى فرع من «البرانس»، ولم تكن «صنهاجة» مجرد قبيلة؛
بل كانت شعبًا عظيمًا، لا يكاد يخلو قطر من أقطار «المغرب» من
بطونه وأفراده، مما دفع «ابن خلدون» إلى القول بأنهم يمثلون
ثلث البربر. وقد سكنت «صنهاجة» فى مساحات شاسعة؛ امتدت
من «نول لمطة» فى جنوب «المغرب الأقصى» إلى «القيروان»
بإفريقية، وهى منطقة صحراوية، آثروا السكنة فيها على
غيرها من المدن الآهلة، لأنها- كما علل «ابن خلدون» - تتوافق مع
طباعهم، ورغبتهم فى الابتعاد عن الاختلاط بالناس، والفرار من
الغلبة والقهر. وظهرت أسرة «بنى زيرى» -فى أول أمرها- فى
طاعة الفاطميين، وتعاونت معهم فى صد الأخطار التى تعرضت
لها دولتهم بالمغرب، وكان أول اتصال بينهما فى عهد
«المنصور الفاطمى»، حين قدم «زيرى بن مناد» وأهل بيته
وقبيلته لمحاربة «أبى يزيد الخارجى» فى سنة (٣٣٥هـ=٩٤٦م)،
فخلع عليه «المنصور»، ووصله، وعقد له على أهل بيته وأتباعه
وقبيلته، فعظم شأنه، وصار «بنو زيرى» أعوانًا وأتباعًا
للفاطميين، ومن ثَم نشب الصراع بين الصنهاجيين، وقبائل
«زناتة»، لأن «زناتة» كانت دائمة الإغارة على ممتلكات «الدولة
الفاطمية». وحين عزم «المعز» على الرحيل إلى «مصر» فى سنة
(٣٦١هـ= ٩٧٢م) للانتقال إليها بخلافته، وقع اختياره على
«يوسف بُلكِّين ابن زيرى بن مناد الصنهاجى» ليتولى الإمارة
بالمغرب خلفًا للفاطميين. ١ - يوسف بُلكِّين بن زيرى بن مناد
الصنهاجى [٣٦٢ - ٣٧٣هـ= ٩٧٣ - ٩٨٣م]: عينه «المعز» على ولاية
«المغرب»، واستثنى من ذلك «طرابلس المغرب»، و «أجدابية»
و «سرت»، وعين معه «زيادة الله ابن القديم» على جباية
الأموال، وجعل «عبدالجبار الخراسانى» و «حسين بن خلف» على
الخراج، وأمرهما بالانقياد ليوسف بن زيرى. واجه «يوسف» عدة
ثورات واضطرابات بالمغرب، كان منها عصيان أهل «تهيرت»، ثم
стр. 2888
سيطرة قبيلة «زناتة» على مدينة «تلمسان»، وقد توجه إلى
«تهيرت» بجنوده وأعادها إلى طاعته، كما توجه إلى
«تلمسان» وأعادها إلى حكمه فى سنة (٣٦٥هـ= ٩٧٦م). وفى
سنة (٣٧٣هـ=٩٨٤م) خرج الأمير «يوسف» على رأس جيوشه
لاستعادة «سجلماسة» من أيدى بعض الثوار الذين استولوا
عليها، ولكنه أصيب بمرض أودى بحياته فى شهر ذى الحجة
سنة (٣٧٣هـ= مايو ٩٨٤م). ٢ - المنصور بن يوسف بُلكِّين بن زيرى
[٣٧٣ - ٣٨٦هـ= ٩٨٤ - ٩٩٦م]: أوصى الأمير «يوسف بلكين» قبل
وفاته بالإمارة من بعده لابنه «المنصور» الذى كان بمدينة
«أشير» حين بلغه خبر وفاة والده، وأقبل عليه أهل «القيروان»
وغيرها من المدن، لتعزيته، وتهنئته بالولاية، فأحسن إليهم
وقال لهم: «إن أبى يوسف وجدى زيرى، كانا يأخذان الناس
بالسيف، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، ولست ممن يُولَّى بكتاب،
ويُعزل بكتاب»، وقصد «المنصور» من ذلك أن الخليفة الفاطمى
بمصر لا يقدر على عزله بكتاب. وقد واجهت «المنصور» عدة
مشاكل، كانت منها غارات قبائل «زناتة» المستمرة على المدن
المغربية فى سنة (٣٧٤هـ = ٩٨٥م)، واستيلاء «زيرى بن عطية
الزناتى» على مدينتى «فاس» و «سجلماسة»، مما دفع
«المنصور» إلى إرسال أخيه «يطوفت» على رأس جيش كبير
لمواجهة هذه القبائل، ودارت معركة كبيرة بين جموع الفريقين،
أسفرت عن هزيمة الصنهاجيين، وعودتهم إلى «أشير». ثم
تصدى الأمير «المنصور» فى سنة (٣٧٦هـ= ٩٨٦م) لعمه «أبى
البهار» الذى نهب مدينة «تهيرت»، ففر «أبو البهار» أمامه،
ودخل «المنصور» المدينة، وأعاد إلى أهلها الأمن والهدوء. ثم
تُوفى فى يوم الخميس (٣ من ربيع الأول سنة ٣٨٦هـ= مارس
٩٩٦م)، ودُفن بقصره. ٣ - باديس بن المنصور [٣٨٦ - ٤٠٦هـ=
٩٩٦ - ١٠١٥م]: وُلد «باديس» فى سنة (٣٧٤هـ=٩٨٥م)، وتكنى
بأبى مناد، وخلف أباه على «المغرب» فى سنة (٣٨٦هـ=٩٩٦م)،
وأتته الخلع والعهد بالولاية من «الحاكم بأمر الله الفاطمى» من
стр. 2889
«مصر»، وبايع للحاكم، وأعلن تبعية بلاده لخلافته، ثم أقطع
عمه «حماد بن يوسف» مدينة «أشير»، وولاه عليها، وأعطاه
خيلا وسلاحًا، وجندًا كثيرًا، فكانت هذه هى نقطة البداية
لانقسام «بنى زيرى» إلى أسرتين: تحكم إحداهما بالمغرب
الأدنى فى «ليبيا» و «تونس»، وتحكم الأخرى - أسرة «بنى
حماد» - فى «الجزائر»، متخذة من قلعة «بنى حماد» مقرا للحكم.
وانفرد «بنو حماد» بإقليم «الجزائر»، نظرًا لضعف قبضة الأمير
«باديس» على البلاد. وقد واصل «باديس» مطاردة «زناتة، وأُخبر
فى سنة (٣٨٧هـ= ٩٩٧م) بأن «زيرى بن عطية الزناتى» قد
اعتدى على مدينة «أشير»، فبعث إليه بجيشه لمواجهته، ولكن
الجيش هُزم على أيدى الزناتيين، فاضطر الأمير «باديس» إلى
الخروج بنفسه لمواجهتهم فى «أشير»، فلما علم الزناتيون بذلك
انطلقوا إلى الصحراء، وتركوا المدينة، فدخلها «باديس»، وأقر
الأمور بها، ثم مات فى سنة (٤٠٦هـ= ١٠١٥م). ٤ - المعز بن باديس
[٤٠٦ - ٤٥٣هـ= ١٠١٥ - ١٠٦١م]: أُخذت البيعة للمعز بمدينة
«المحمدية»، وتولى الأمر يوم وفاة أبيه وفرح الناس بتوليته لما
رأوا فيه من كرم ورجاحة عقل، فضلا عن تواضعه، ورقة قلبه،
وكثير عطائه، على الرغم من حداثة سِنه. وقد حدثت فى عهده
بعض التطورات، حيث ألغى المذهب الشيعى، وخلع طاعة
الفاطميين، ودعا على منابره للعباسيين، وتصالح مع أبناء
عمومته الحماديين سنة (٤٠٨هـ= ١٠١٧م)، وواصل مطاردة «قبائل
زناتة» جهة «طرابلس»، فى أبناء «حماد». ثم أُصيب «المعز بن
باديس» بمرض فى كبده أودى بحياته فى سنة (٤٥٣هـ=
١٠٦١م)، بعد حكم دام سبعًا وأربعين سنة. ٥ - تميم بن المعز بن
باديس [٤٥٣ - ٥٠١ هـ = ١٠٦١ - ١١٠٨م]: وُلد بالمنصورية فى
منتصف رجب سنة (٤٢٢هـ= يونيو ١٠٣١م)، ثم تولى إمرة
«المهدية» فى عهد والده «المعز» فى سنة (٤٤٥هـ=١٠٥٣م)، ثم
خلف والده فى الإمارة فى سنة (٤٥٣هـ= ١٠٦١م)، فواجه عددًا
стр. 2890
من الاضطرابات والقلاقل، حيث سيطر العرب الهلاليون على كثير
من مناطق «إفريقية»، وثار عليه أهل «تونس» وخرجوا عن
طاعته، فأرسل إلى «تونس» جيشًا، حاصرها سنة وشهرين،
فلما اشتد الحصار على الناس، طلبوا الصلح، وعاد جيش «تميم»
إلى «المهدية»،ثم ثارت عليه مدينة «سوسة» فحاصرها وفتحها
عنوة، وأمن أهلها على حياتهم. وقد تعرضت «المهدية» فى
عهده لهجمات الهلالية، لكنه تمكن من صدهم، ثم حاصر «قابس»
و «صفاقس»، واستولى عليهما من أيدى الهلالية الذين كانوا
يحتلونهما. وعمد إلى مهادنة أبناء عمومته فى «الجزائر»،
وزوج ابنته للناصر بن علناس أمير «الجزائر»، وأرسلها إليه فى
موكب عظيم، محملة بالأموال والهدايا. ثم تُوفى فى سنة
(٥٠١هـ= ١١٠٧م). ٦ - يحيى بن تميم بن المعز بن باديس [٥٠١ -
٥٠٩هـ= ١١٠٧ - ١١١٥م]: ولد بالمهدية فى (٢٦ من ذى الحجة سنة
٤٥٧هـ)، وولى الإمارة وعمره ثلاث وأربعون سنة وستة أشهر
وعشرون يومًا، فوزَّع أموالا كثيرة، وأحسن السيرة فى
الرعية، ثم فتح قلعة «أقليبية» التى استعصى على أبيه من
قبل فتحها، كما جهز أسطولاً كبيرًا، كان دائم الإغارة على
الجزر التابعة لدولة الروم فى البحر المتوسط، ومات فجأة فى
يوم عيد الأضحى سنة (٥٠٩هـ - ١١١٥م). ٧ - على بن يحيى بن
تميم [٥٠٩ - ٥١٥ هـ = ١١١٥ - ١١٢١م]: لم يكن الأمير «على»
حاضرًا بالمهدية - التى وُلد بها - حين وفاة والده، فلما وصل إليه
الخبر، حضر مسرعًا، ودفن والده، وتولى الإمارة خلفًا له، ثم
جهز أسطولاً كبيرًا لمهاجمة جزيرة «جَرْبَة»، لأن أهلها قطعوا
الطريق على التجار، وتمكن الأسطول من إخضاع الجزيرة، وأمَّن
الأمير أهلها وعفا عنهم، ثم قضى على عصيان «رافع» عامله
على «قابس»، الذى سعى إلى شق عصا الطاعة وحشد الجموع
لمهاجمة «المهدية». وقد تُوفى الأمير «على» فى العشر الأواخر
من شهر ربيع الآخر سنة (٥١٥هـ= يونيو ١١٢١م). ٨ - الحسن بن
стр. 2891
على بن يحيى [٥١٥ - ٥٤٣هـ= ١١٢١ - ١١٤٨م]: ولى الإمارة عقب
وفاة والده الأمير «على»، وكان عمره آنذاك اثنتى عشرة سنة،
فقام «صندل الخصىّ» بإدارة شئون الحكم، إلا أنه تُوفى بعد
فترة قصيرة، فتولى القائد «أبو عزيز موفق» الإشراف على
أمور البلاد، وتمكن من صد الأسطول الرومى الذى هاجم بعض
حصون الزيريين فى سنة (٥١٧هـ= ١١٢٣م)، وكذلك ألحق الأمير
«الحسن» الهزيمة بجيش «يحيى بن عبدالعزيز بن حماد» أمير
«بجاية» الذى جاء لمهاجمة «المهدية» والاستيلاء عليها فى سنة
(٥٢٩هـ= ١١٣٥م). وفى سنة (٥٣٧ - ٥٤٣هـ= ١١٤٢ - ١١٤٨م) حل
القحط بإفريقية واستغل ملك «صقلية» ذلك وجهز أسطولاً كبيرًا،
وتوجه به قاصدًا «المهدية»، ولم يستطع «الحسن» الدفاع عنها،
وهرب بأهله ومتاعه إلى أبناء عمومته من «بنى حماد»،
فوضعوه وأهله تحت الحراسة، ومنعوه من التصرف فى شىء
من أمواله، ودخل الروم مدينة «المهدية» دون قتال أو ممانعة،
فسقط حكم «بنى زيرى»، وسقطت إمارتهم، وكان «الحسن بن
على» آخر أمراء «الدولة الزيرية». شكلت العلاقات الزيرية
الفاطمية حجر الزاوية فى وضع «بنى زيرى» بالمغرب؛ إذ
أسفرت هذه العلاقات عن هجوم القبائل الهلالية على أقاليم
«الدولة الزيرية»، بمساعدة الفاطميين فى «مصر» وتوجيههم،
وكان ذلك سببًا رئيسيا فى سقوط «بنى زيرى» وانتهاء
دولتهم، كما اتخذ «المعز بن باديس» خطوات جريئة فى سبيل
الاستقلال بإمارته عن الخلافة الفاطمية، حين قاطع أهل
«إفريقية» صلاة الجمعة بالمساجد لأنها تمثل المذهب الشيعى،
فضلا عن نبذ الرعية للمذهب الشيعى وتمسكهم بالمذهب
المالكى، وبدأ «المعز» فى السعى إلى الاستقلال عن الفاطميين
وراسل الخلافة العباسية فى سنة (٤٣٥هـ= ١٠٤٤م)، وبعث رسولاً
من قِبله إلى «بغداد» ليأتيه بالعهد واللواء، ورحب «العباسيون»
بذلك، للانتقام من الفاطميين، واسترجاع بعض مظاهر سيادتهم
على هذه المناطق التى انفصلت عنهم منذ زمن بعيد، وبعثوا
стр. 2892
بالعهد واللواء مع «غالب الشيرازى» أحد رجالهم، ولكن «غالب»
وقع فى قبضة الروم، وأرسلوه إلى أصدقائهم الفاطميين
بمصر، فأحرق الفاطميون العهد واللواء، وطافوا بالرجل فى
شوارع «القاهرة»، فقطع «بنو زيرى» علاقتهم بالفاطميين،
وعادوهم ولعنوهم على المنابر، ودعوا للعباسيين، ثم دعموا
استقلالهم وارتباطهم بالعباسيين، وهدموا دار «الإسماعيلية»؛
مركز نشر الدعوة الفاطمية بالبلاد، وغَيَّروا العملة، واتخذوا اللون
الأسود شعار العباسيين رمزًا لهم. وقد حاولت الخلافة الفاطمية
إرجاع العلاقات إلى ما كانت عليه بالترغيب والترهيب حتى
وصل «اليازورى» إلى منصب الوزارة وقبض على مقاليد الأمور
بالخلافة، فعمد إلى تشجيع القبائل الهلالية على التوجه إلى
«القيروان» وأطلق لها العنان فى التدمير والتخريب، وامتلاك كل
ما يقع تحت سيطرتها. ويرجع تشجيع الوزير الفاطمى لهذه
القبائل لعدة أمور، منها: رغبته فى الانتقام من «المعز بن
باديس»، وتوفير الأموال الطائلة التى ستنفقها الجيوش إذا ما
خرجت إلى المغرب لمحاربة «بنى زيرى»، فضلاً عن أمله فى
التخلص من القبائل الهلالية ذاتها؛ لأنها تشكل مصدر إزعاج
وقلق للسلطة الحاكمة بالقاهرة. وقد فرض الوزير الفاطمى
«اليازورى» دينارًا وبعيرًا لكل رجل من «الهلالية»، فخرجت هذه
القبائل قاصدة «القيروان» واستولت على مدينة «برقة» دون
مقاومة، وتقاسمت فيما بينها المناطق الشرقية، واستأثرت بعض
قبائل «بنى هلال» بالمناطق الغربية، واتجهت جموع «دياب»
و «عُرف» و «زغب». وبقية البطون الهلالية إلى «إفريقية»،
واستولوا على «سرت» و «أجدابية» ودمروها، كما دمَّروا بقية
المدن والقرى فى طريقهم إلى «القيروان». وخرج «المعز بن
باديس» بجيشه وجموع «زناتة» و «صنهاجة» و «عبيدة» لملاقاة
الهلاليين، ولكنهم تغلبوا عليه وهزموه على الرغم من أن عددهم
كان لا يتجاوز ثلاثة آلاف فارس، فى حين بلغ تعداد جيش
стр. 2893
«المعز» ثلاثين ألف مقاتل، وأسرع المعز إلى «القيروان» وأقام
حولها سورًا لحمايتها فى سنة (٤٤٦هـ= ١٠٥٤م)، ثم أمر السكان
من النساء والأطفال والشيوخ بالانتقال إلى مدينة «المهدية»
الحصينة للاحتماء بها، فلما يئس من حماية «القيروان»، انتقل
برجال دولته وحاشيته إلى «المهدية»، فدخلها الهلاليون فى
سنة (٤٤٩هـ= ١٠٥٧م). ولم يمكث «المعز» طويلا بعد سقوط
«القيروان» والكثير من مدن دولته، وتوفى بالمهدية فى سنة
(٤٥٣هـ= ١٠٦١م)، ومن ثَم انهار الحكم الزيرى بالمنطقة، وتحكمت
فيها القبائل الهلالية، وامتد تأثيرهم السياسى حتى وصل إلى
«المغرب الأوسط»، وهادنهم «بنو حماد»، وأعطوهم نصف غلات
بلادهم اتقاء لشرهم، ودفعًا لأذاهم وخطرهم. كانت الزراعة هى
دعامة الحياة الاقتصادية فى المنطقة، التى تمتعت بالهدوء
والاستقرار فى ظل الحكم الزيرى فيما عدا الفترة التى شهدت
هجوم العرب الهلالية على البلاد، وقد ساعد تطور نظام الرى
على تطور الزراعة، فعرفت المنطقة زراعة «القطن» و «قصب
السكر» و «الشعير» وازدهرت زراعة «التمر» و «العنب»
و «الموز»، ولعبت تربية الأغنام دورًا مهما فى حياة الفلاح
المغربى. وقامت الأسواق المنتشرة بالمدن المغربية بدور مهم
فى تنشيط الحركة التجارية؛ حيث كانت هناك أسواق: البزازين،
والجزارين، والزجاجين، وسوق الدجاج، وسوق الغزل، وغيرها
من الأسواق التى ساعدت على ازدهار التجارة، وبخاصة فى
مدينة «القيروان»، فأصبحت «المغرب» بلدًا غنيا، وباتت قبلة
تجار الشرق والغرب. ونشطت حركة التصدير والاستيراد بها،
واشتهرت مدينة «باجة» بتصدير كميات كبيرة من «القمح»، كما
صُدِّر «زيت الزيتون» عن طريق ميناءى «سوسة» و «صفاقس»
إلى بلدان المشرق، وبلاد «أوربا»، فأدى هذا الازدهار إلى
تطور الصناعات، وعرفت المدن المغربية صناعات «النسيج»
و «الجلود»، و «الأوانى الفخارية»، وغيرها من الصناعات
стр. 2894
المتنوعة. أما الناحية الفكرية: فقد شهدت ازدهارًا كبيرًا وتطورًا
ملحوظًا، وبخاصة فى مدينة «القيروان» التى أصبحت فى طليعة
العواصم الإسلامية ذات الأثر فى تاريخ الفكر الإسلامى، وشهدت
مساجد المغرب المناظرات الفقهية والكلامية بين الشيعة،
والمالكيين من أهل السنة، وصمد علماء المذهب المالكى
وفقهاؤه رغم ما لاقوه من سجن وتعذيب على أيدى الشيعة
الفاطميين، وتعلق السكان بهذا المذهب، وأصبح مذهبهم
الرسمى منذ ذلك الوقت حتى الآن. وتطورت الحركة الأدبية فى
عهد «المعز بن باديس» الذى اشتهر بتشجيع أهل الأدب والعلم،
وأحسن معاملتهم، مثلما أخبرعنه «ياقوت» بقوله: وكانت
«القيروان» فى عهده وجهة العلماء والأدباء، يشدون إليها
الرحال من كل فجّ، لما يرونه من إقبال «المعز» على أهل العلم
والأدب وعنايته بهم. ثم كان لاختلاط الهلاليين بسكان «المغرب»
أثره الكبير فى تعريب جزء من هؤلاء السكان، حيث امتزج
المغاربة بالعرب الهلاليين على مر الأيام، وتزاوجا، فاختلطت
الدماء، وتعلم سكان البلاد الأصليون لغة الوافدين العرب،
فانتشرت اللغة العربية فى مناطق كثيرة من المغرب، ومن ثم
انتشرت الثقافة العربية بهذه البلاد.
стр. 2895
* المرابطون (دولة)
قامت «دولة المرابطين» على أساس دعوة دينية، نمت وازدهرت
فى «ديار الملثمين» بجنوب «المغرب الأقصى» بفضل جهود
الفقيه المالكى «عبدالله ابن ياسين»، الذى تمتع إلى جانب علمه
وفقهه ببعد النظر ونفاذ البصيرة، وتوجه إلى قبيلة «جدالة»
بصحبة زعيمها «يحيى بن إبراهيم»، ففرحت بمقدمه، ثم ما لبث
هذا الفرح طويلا حتى تحول إلى جفوة وإعراض حين بدأ «ابن
ياسين» فى تغيير ما ألفوه من عادات وملذات تخالف أحكام
الدين، وحسبه الزعماء والنبلاء ينتقص من حقوقهم، ويُسوِّى
بينهم وبين مواليهم، وساءت العلاقة بينهم وبين «ابن ياسين»
ونهبوا داره وهدموها، واضطر هذا الفقيه إلى الرحيل بمن تبعه
إلى جزيرة منعزلة بالسنغال. وبدأ «ابن ياسين» فى هذه
الجزيرة بإعداد التلاميذ ونشر الدعوة، فذاع صيته، وكثر عدد
أتباعه، فأطلق عليهم لقب: «المرابطين»، ومضوا فى تنفيذ ما
أمر به. وقد بدأ المرابطون نشر دعوتهم بين قبيلة «جدالة» التى
تمردت على «ابن ياسين» من قبل، فقصدوا قبيلتى «لمتونة»
و «سوقة» ونجحوا فى نشر دعوتهم بينهما، فكان ذلك مدعاة
لانضواء بقية القبائل تحت لوائهم. تُوفِّى الأمير «يحيى بن
إبراهيم الجدالى» فى سنة (٤٤٧هـ= ١٠٥٥م)، فاختار «ابن
ياسين» «يحىى بن محلاكاكين اللمتونى» قائدًا لجند
المرابطين، فنقل بذلك السلطة العسكرية من «جدالة» إلى
«لمتونة» التى كانت تتمتع بمكانة مرموقة بين بقية «قبائل
الملثمين»، فضلا عن سيطرتها على طرق التجارة الساحلية،
وهكذا ظهرت قبيلة «لمتونة» على مسرح الأحداث، وتتابع
أبناؤها فى السلطة حتى نهاية حكم المرابطين. وفى سنة
(٤٤٧هـ= ١٠٥٥م) استغاث فقهاء «درعة» و «سجلماسة» بعبدالله
بن ياسين لإنقاذ بلادهم من الفساد والظلم، فاستجاب لهذه
الدعوة، وخرج بجيشه متوجهًا إلى «درعة» و «سجلماسة»،
وتمكن من القضاء على أمراء «مغرادة»، وولى المرابطون عمالا
تابعين لهم على هذه البلاد. ولم يستمر الهدوء طويلاً بمدينة
стр. 2896
«سجلماسة» وقامت بها ثورة؛ اضطرت المرابطين بقيادة «يحيى
بن محلاكاكين» إلى العودة إليها، ونجحوا فى إخماد ثورتها،
إلا أن قائدهم «يحيى اللمتونى» استشهد فى المعركة، فوقع
اختيار «ابن ياسين» على الأمير «أبى بكر بن عمر» فى سنة
(٤٤٨هـ= ١٠٥٦م) لقيادة الجيوش، فانتقل «أبو بكر» بالدعوة من
مرحلة تلبية نداء المعونة لسجلماسة و «درعة» إلى مرحلة الغزو
المسلح للمغرب الأقصى، ودخل مع قبائل «برغواطة» التى
اعتنقت المجوسية فى عدة معارك، فأصيب الداعية «ابن
ياسين» فى إحداها بإصابات قاتلة أودت بحياته فى سنة
(٤٥١هـ= ١٠٥٩م). وواصل «أبو بكر» جهاده، وفرَّق جموع
«برغواطة»، واستأصل شأفتهم، ثم رجع إلى مدينة «أغمات»
التى اتخذها عاصمة له. وقد شاركه فى نشاطه المسلح ابن عمه
«يوسف بن تاشفين الصنهاجى اللمتونى»، الذى أثبت كفاءة
عالية، ومقدرة فائقة، وحقق نجاحًا بارزًا؛ غير أن أحداثًا ما
وقعت بالصحراء، جعلت «أبا بكر» يتوجه إلى الجنوب تاركًا
قيادة بقية المرابطين لابن عمه «يوسف بن تاشفين» الذى يعد
المؤسس الحقيقى لدولة المرابطين بالمغرب الأقصى، وقد تجمعت
فيه صفات الزعامة والشجاعة والقيادة والحزم، والتفت حوله
قلوب المرابطين، وشرع فى بناء مدينة «مراكش» عاصمته
الجديدة فى سنة (٤٥٤هـ= ١٠٦٢م) ونجح فى بسط نفوذه على
«المغرب الأقصى» فى سنة (٤٦٧هـ= ١٠٧٤م). وقد نجح ابن
«تاشفين» إلى جانب توحيد «المغرب الأقصى» فى وقف الزحف
النصرانى على «الأندلس»، وضمَّها إلى «دولة المرابطين» التى
اتسعت أطرافها وزادت خيراتها، وتمتعت بالازدهار والرقى فى
مختلف المجالات، ثم مرض «يوسف» فى سنة (٤٩٨هـ= ١١٠٤م)، ثم
أسلم روحه فى سنة (٥٠٠هـ= ١١٠٦م) ودفن بمدينة «مراكش».
ولى الأمير «على بن يوسف بن تاشفين» الحكم واقتفى سياسة
والده، وسار بين الناس بالحكمة والعدل، واستعان بالفقهاء
والعلماء فى حكم البلاد، فتبوأ مكانة طيبة فى نفوس رعيته.
стр. 2897
ومضى «على بن يوسف» فى استكمال الجهود الحربية التى
بدأها والده بالأندلس، وعبر إليها بنفسه أربع مرات؛ لتثبيت
سلطان المرابطين، ومواجهة الهجمات المتكررة للمسيحيين،
فأحرز انتصارات كبيرة، ونال رضا الخلافة العباسية. تُوفِّى
الأمير «على» فى سنة (٥٣٧هـ= ١١٤٢م)، فتولى ابنُه «تاشفين»
الحكم من بعده، فدخل فى صراع مع دولة «الموحدين»، ولم
تفلح جهوده فى صد موجاتهم المتتابعة، وانتهى به الأمر إلى
«وهران»؛ حيث قُتل فى سنة (٥٣٩هـ= ١١٤٤م)، فَفَتَّ ذلك فى
عضد الدولة، وسقطت أجزاء كثيرة منها فى أيدى الموحدين.
حاول المرابطون الاحتفاظ بكيانهم المتداعى، وأمَّروا عليهم
«إبراهيم بن تاشفين» إلا أنه لم ينعم بالسلطة طويلا، حيث نازعه
عليها عمه «إسحاق بن على ابن تاشفين»، وتولى مكانه، ولكنه
لم يستطع أن يدفع حصار الموحدين بقيادة «عبدالمؤمن» خليفة
«ابن تومرت» حول العاصمة «مراكش» فى سنة (٥٤١هـ= ١١٤٦م)،
فسقطت «مراكش» فى يد «عبدالمؤمن» الذى أعمل فيها السيف
وقضى على كثير من أهلها، وترتب على ذلك سقوط «دولة
المرابطين». ضعفت القيادة العليا للمرابطين منذ تولى «على بن
يوسف» حكم البلاد، واستبد كثير من الأمراء بالأمر، ثم جاء
الخلاف الخطير بين «إبراهيم بن تاشفين» وعمه «إسحاق بن
على» على السلطة، فى الوقت الذى كان يزحف فيه الموحدون
نحو العاصمة «مراكش». يضاف إلى ذلك تخاذل الجند، فضلا عن
الحروب المستمرة التى خاضوها بالأندلس، فاستنزفت قواهم
واقتصاد بلادهم، وظهور شخصية «ابن تومرت» الذى نجح فى
جذب أعداد كبيرة إليه. فكان ذلك كله من أسباب سقوط «دولة
المرابطين» وقيام «دولة الموحدين». تركزت علاقات المرابطين
فى جبهتى «الأندلس» و «الدولة العباسية»؛ حيث هبوا لنجدة
«الأندلس» من النصارى الإفرنج، ثم قرروا -بعد عدة معارك-
ضمها إلى دولتهم، وظلت المعارك هى الطابع المميز لعلاقة
المرابطين بالممالك الإفرنجية فى الشمال الأندلسى. أما علاقتهم
стр. 2898
بالعباسيين فقد بدأت بعد أن قاموا بنشر دعوتهم بأرجاء
«المغرب الأقصى»، ومن ثم اتصلوا بالخلافة واعترفوا بسلطة
الخليفة الروحية فى العالم الإسلامى، وطلبًا لتأييد «الخلافة
العباسية» لهم، وفى ذلك دعم لدعوتهم التى تأسست عليها
دولتهم، وكان الترحيب والاستجابة سمة العلاقة بين الجانبين.
شهد «المغرب الأقصى» فى عهد «دولة المرابطين» ازدهارًا
اقتصادياً ورخاءً فى مناحى الحياة كافة؛ حيث حرص المرابطون
على النهوض بالزراعة والصناعة والتجارة، واهتموا بالنظام
المالى وإدارته وكيفية جمعه وإنفاقه، واتخذ «يوسف بن
تاشفين» حصنًا صغيرًا لحفظ الأموال والسلاح، ثم دَوَّن لذلك
الدواوين حين اتسعت أعمال دولته واستقرت أوضاعها فجعل
للمالية دواوين: «الغنائم»، و «نفقات الجند»، و «الضرائب»،
و «الجباية»، و «مراقبة الدخل والخرج»، وكان الكتَّاب يقومون
بتدوين النواحى المالية المختلفة، والعمال الذين يقومون
بجبايتها، وكان جمع أموال الزكاة والجزية المفروضة على أهل
الذمة يتم كل عام، أما غير ذلك من مصادر المال كالغنيمة
والعشور، فإنها كانت مرتبطة بظروفها. وكان المشتغلون بمالية
الدولة -دائمًا- تحت المراقبة الشديدة، والحساب المستمر،
والعقاب السريع فى حالة التقصير. وتأتى الزكاة فى مقدمة
مصادر الدخل المالى لهذه الدولة، ثم تليها الجزية المفروضة على
أهل الكتاب نظير ما يتمتعون به من أمن وحماية، وقد فُرضت
الجزية على الرجال الأحرار العقلاء، ولم تُؤخذ من النساء، ولا من
الصبية والمجانين والعبيد، وكان مقدارها موكولاً إلى ولاة الأمر
واجتهادهم. أما فيما يتعلق بالضرائب، فإن المرابطين فى بداية
عهدهم التزموا بأحكام الشرع، ولم يفرضوا إلا ما جاء بالكتاب
والسنة، وألغوا ما عدا ذلك من الضرائب بالمغرب والأندلس،
وشكلت الغنيمة مصدرًا مهما من مصادر الدخل للدولة، نظرًا
للمعارك الكثيرة التى خاضها المرابطون ضد الإفرنج. وقد
стр. 2899
ساهمت المصادر المالية المتنوعة فى الإنفاق على تجهيز
الحملات العسكرية المتكررة، وإقامة المنشآت، والإنفاق على
أوجه الإصلاح والتعمير، فضلا عن المرتبات والأرزاق، وأصدر
المرابطون العملات النقدية لتأكيد سلطانهم الاقتصادى. واهتموا
بالزراعة وما يتعلق بها، فشيد «على بن يوسف» قنطرة على
نهر «تانسيفت» لتوزيع المياه اللازمة للزراعة، فشهدت البلاد -
لخصوبة أرضها- وفرة فى المزروعات، وكذلك فى الغابات التى
نبتت فى أجزاء متفرقة من البلاد. فأمدت البلاد بكميات وفيرة
من الأخشاب التى استخدمت فى كثير من الصناعات مثل صناعة
السفن. وكان للصناعة دور بارز فى ازدهار اقتصاد «دولة
المرابطين»؛ حيث ازدهرت صناعات كثيرة ومتنوعة نتيجة
استقرار الأوضاع، وتوافر المواد الخام، ووجود الخبرة الصناعية
المتمثلة فى الأيدى العاملة التى حركت عجلة التصنيع، ودفعتها
إلى الأمام. وقد ظهرت عدة صناعات منها: صناعة السفن
والزجاج، وأدوات النحاس والحديد، واستخراج الزيوت من
الزيتون، والسكر من القصب، وكذلك صناعة الملابس من القطن
والصوف، وصناعة دبغ الجلود. وشاركت التجارة فى دفع عجلة
الاقتصاد بدولة المرابطين منذ تأسيسها؛ حيث وجه أمراء هذه
الدولة اهتمامهم إلى التجارة، وعملوا على تنشيطها؛ بتشجيع
التجار على ارتياد البلاد، ووفروا لهم سبل الإقامة، وأنشأوا لهم
الفنادق، مثلما فعل «يوسف بن تاشفين» حين دخل مدينة «فاس»
فى سنة (٤٦٢هـ= ١٠٦٩م). وقد وُجدت المراكز التجارية فى
أنحاء دولة المرابطين، وبخاصة فى العاصمة «مراكش» التى
حظيت باهتمام التجار، وصارت مركزًا للتجارة الداخلية بين مدن
الشمال والجنوب، كما كانت مدينة «فاس» مركزًا تجارياًّ مهماًّ،
لموقعها الممتاز فى قلب البلاد، وتوافر المحاصيل الزراعية
والصناعات المختلفة بها. وارتبطت مراكز التجارة الخارجية
بالمغرب الأقصى فى عهد المرابطين، بعدة طرق برية يضاف
стр. 2900
إليها الطريق الملاحى الذى تنقل التجارة بواسطته من هذه البلاد
وإليها، وكانت أهم الطرق البرية هى: الطريق الذى كان يربط
البلاد بمنطقة «السنغال» و «النيجر»؛ إذ كان يمر بسجلماسة
«ودرعة» ومدن «المغرب الأقصى»، متجهًا إلى «أودغشت»، ثم
إلى منحنى «النيجر»، وهناك طريق الساحل الذى يربط «دولة
المرابطين» بالشرق حتى «مصر»، إلى جانب طريق آخر من
«أودغشت» و «سجلماسة»، تسير فيه القوافل بالصحراء حتى
«الواحات الداخلة» بمصر. وكان للموانى المنتشرة على ساحل
«البحر المتوسط» و «المحيط الأطلسى» أثر كبير فى تنشيط
حركة التجارة، فتنوعت صادرات البلاد، وشملت: القطن، والقمح،
والسكر، والزيتون، والزيت المستخرج من الأسماك، والنحاس
المسبوك، وغيرها من الصادرات. أما أهم وارداتها، فكانت:
الذهب، والزئبق، وبعض أنواع النسيج البلنسى، والعطر
الهندى، وبعض الواردات الأخرى. شكل البربر الغالبية العظمى
من سكان «بلاد المغرب» الذين تأسست على أيديهم دولة
المرابطين، وقد شاركهم العرب فى الإقامة بالمنطقة منذ بدأت
فتوح المسلمين لهذه البلاد، ثم جاءت القبائل العربية الهلالية بعد
ذلك إليها، وشاركهم السودانيون الذين انضموا إلى جيوش
المرابطين، فضلاً عن تواجد عنصر الروم والصقالبة الذين عاشوا
فى ظل المرابطين، واتخذ منهم بعض الأمراء حرسه الخاص، كما
استخدمهم بعض الأمراء فى جباية الأموال. وقد تبوأت المرأة
مكانة مرموقة فى المجتمع المرابطى، وتمتعت بوضع كريم فى
القبيلة الصنهاجية؛ إذ كانت تشترك فى مجلس القبيلة، وتشارك
فى الأمور المهمة. وبلغ احترام المرابطين للمرأة حدا جعل القادة
والأمراء يُلقبون أنفسهم بأسماء أمهاتهم، تقديرًا لدور المرأة
فى المجتمع، فنجد «ابن عائشة»، و «عبدالله بن فاطمة»، وهما
من أبرز قادة المرابطين. وعاش أهل الذمة فى بلاد المرابطين
إلى جانب غيرهم من طبقات المجتمع وفئاته فى ظل حماية
стр. 2901
القيادة العليا للبلاد، وأصبحت طائفة اليهود على قدر كبير من
الثراء، ولكن بعض أهل الذمة عمدوا إلى مساعدة أعداء البلاد،
وتحريضهم على غزوها، فكان رد فعل أمراء المرابطين هو نفى
عدد كبير من هؤلاء، ومنْع اليهود من المبيت بالعاصمة
«مراكش»، والسماح لهم بالعمل نهارًا، والانصراف منها ليلاً؛
وهو إجراء وقائى للحفاظ على العاصمة من المؤامرات والدسائس
والفتن، وبها ما بها من تجمعات الجند وقادة الجيوش، وإدارة
البلاد، فضلا عن كونها مقر أمير البلاد وأسرته وأعوانه
وحاشيته. انتعشت حركة البناء والتعمير فى «دولة المرابطين»،
وقد بدأها الأمير «يوسف بن تاشفين» بتأسيس مدينة «مراكش»
وبنائها، وغيرها من المنشآت، وتبعه فى ذلك ابنه «على»
والأمراء من بعده، وامتازت مبانى المرابطين بالضخامة والقوة
والاتساع، والاقتصاد فى الزخرفة تمشيًا مع بساطتهم. وتعد
«مراكش» من أبرز أعمال المرابطين، وكان سبب بنائها، ازدحام
مدينة «أغمات» بقبائل المرابطين القادمين من الجنوب، يضاف
إلى ذلك موقعها الاستراتيجى فى مفترق طرق الأطلس
والصحراء، وقربها من مواطن المصامدة الذين يشكلون غالبية
السكان، وكذلك قربها من صحراء المرابطين ومواطن «لمتونة»؛
حيث توجد الإمدادات العسكرية، وتأسست «مراكش» على أرجح
الآراء فى سنة (٤٥٤هـ= ١٠٦٢م)، وشارك الأمير «يوسف» فى
البناء لتشجيع من حوله فى المساهمة، ثم بنى فيها ابنه الأمير
«على» قصره المعروف بدار الحجر، وأحاطه بالأسوار. عاشت
«دولة المرابطين» نهضة فكرية مزدهرة، ازدهرت فيها علوم
الأدب واللغة والعلوم والفلسفة والطب، ووفد طلاب العلم على
المدن المغربية من كل مكان، وقد ساعد على ذلك تشجيع الأمراء
المرابطين للعلماء وطالبى العلم، فقصد العلماء العاصمة
«مراكش»، وانتظم الطلاب فى دراساتهم، واجتهد كل ذى موهبة
فى إبراز ما لديه، ورغب كثير من أبناء «المغرب» فى طلب
стр. 2902
العلم، لأن مناصب الدولة ووظائفها كانت مقصورة على المتعلمين
والمثقفين. وأصبحت «مراكش» تضاهى «بغداد» فى ازدهار
العلوم وكثرة العلماء وشاركتها مدينة «فاس» التى أسسها
«إدريس بن عبدالله» فى المكانة، وظل مسجدها الكبير (جامع
القرويين) مركز إشعاع علمى يقصده طلاب العلم من كل مكان.
أسهمت الروح الدينية التى سادت «بلاد المغرب» منذ قيام «دولة
المرابطين» فى ازدهار العلوم الشرعية؛ مثل: علوم التفسير
والحديث والفقه والكلام، ووفود كثير من علماء الأندلس على
مراكش وغيرها فأسهموا فى دفع حركة التأليف، وشاركهم
أبناء المغرب الذين أقبلوا على الدراسة والبحث فى دفع هذه
الحركة، فنبغ عدد كبير من العلماء. وعنى المغاربة بكتاب
«الوجيز» فى التفسير لعبدالحق بن غالب بن عطية المحاربى،
المتوفى فى سنة (٥٤١هـ= ١١٤٦م)؛ حيث جمع فيه «ابن غالب»
خلاصة التفاسير كلها، وتحرَّى منها ما هو أقرب إلى الصحة.
ونال علم الحديث عناية فائقة من ولاة الأمر، وكان «موطأ»
الإمام «مالك» مدار الدراسات فى الدولة، وكذلك نشط علم الفقه،
ولم ينل علم الكلام الرعاية والعناية خلال حكم المرابطين، لأنهم
نهجوا طريق السلف، ولم يميلوا إلى الخوض فى هذا العلم. ازدهر
الأدب بنوعيه الشعر والنثر فى هذه الفترة باعتباره مظهرًا من
مظاهر الحركة الفكرية بالبلاد، وحظى الأدباء برعاية الولاة،
وكان بالبلاط المرابطى بعض كبار الكتاب والأدباء الأندلسيين،
أمثال: «أبى القاسم بن الجد»، و «ابن القبطرنة»، و «أبى
عبدالله بن أبى الخصال»، و «ابن خلدون» وغيرهم. وقد أثر
المذهب المالكى وعلماؤه وفقهاؤه فى توجيه الأدب المغربى
وجهة تميزت بالبساطة والوضوح، وبعدت عن الزخرف والصنعة
وبعدته عن تناول بعض الأغراض التى تناولها أدباء المشرق مثل:
«الخمريات»، التى تتنافى مع الجو الدينى الذى ساد البلاد. كثر
عدد المكتبات التى ازدحمت بالمؤلفات فى عهد المرابطين، نظرًا
стр. 2903
لكثرة العلماء والمؤلفين والكتاب، واهتمام ولاة الأمر بهم
وتكريمهم لهم، وقد ساعد ذلك على ازدهار الحركة الفكرية
للبلاد. ولم تكن الرغبة فى جمع الكتب مقصورة على ولاة الأمر،
بل تعدتها إلى أبناء الشعب، ودفع الكثير منهم مبالغ كبيرة
لشراء مرجع أو اقتناء كتاب. مثلما فعل القاضى: «عيسى بن
أبى حجاج بن الملجوم» الذى اشترى من «أبى على الغسانى»
نسخة من «سنن أبى داود» بخمسة آلاف دينار. وكان منصب
«أمين مكتبة الخزانة العلية» من المناصب الرفيعة فى الدولة، ولا
يتولاه إلا أحد أكابر العلماء المشهورين بالثقافة والكفاءة ودقة
التصنيف. وقد تحددت أماكن كثيرة لبيع الكتب بدولة المرابطين،
ففى «مراكش» كانت متاجر بيع الكتب المخطوطة إلى جوار
جامع الكتبيين، وكانت فى «تلمسان» سوق لبيع الكتب. وهكذا
ساهمت المكتبات فى دفع تيار الثقافة بالبلاد، وتزويدها بما
تحتاجه من مختلف فروع العلم والمعرفة.
стр. 2904
* الموحدون (دولة)
لم تنعم «دولة المرابطين» بالهدوء والاستقرار منذ ظهور الداعية
«محمد ابن تومرت» على مسرح الأحداث، وقد نشأ «ابن تومرت»
نشأة دينية بقبيلة «هرنمة» إحدى قبائل المصامدة، ولكن ما
تلقاه من علوم فى وطنه لم يَرْوِ ظمأه، فسافر إلى المراكز
الثقافية المشهورة بالعالم الإسلامى، وبدأ رحلاته إلى «الأندلس»
فى مطلع القرن السادس الهجرى، ثم إلى المشرق مارَّا
بالإسكندرية، ومنها إلى «مكة» ثم إلى «بغداد» حيث التقى
هناك بأكابر العلماء أمثال «أبى بكر الطرطوشى»، واستغرقت
رحلته فى طلب العلم نحو خمسة عشر عامًا مكنته من التزود بقدر
كبير من الثقافة والمعرفة، وتعرُّف أحوال العالم الإسلامى،
ومدى انقسام المسلمين وفرقتهم بالمشرق. وبعد أن عاد إلى
«المغرب» بدأ دعوته بمدن المغرب محاولاً إصلاح الأوضاع
الفاسدة وتغييرها. فوجدت دعوته قبولاً وترحيبًا من الجماهير،
ورفضًا شديدًا من الحكام؛ إذ رأوها خطرًا يهدد مصالحهم
ومراكزهم. والتقى «ابن تومرت» خلال هذه الرحلة بعبد المؤمن
بن على الذى أصبح من أخلص تلاميذه، وصاحبه فى كل مكان
يذهب إليه، ثم دخل «ابن تومرت» العاصمة «مراكش» فى منتصف
ربيع الأول سنة (٥١٥هـ= ١١٢١م)، وقام بدوره فى الوعظ
والإرشاد، واعترض على سياسة الدولة فى بعض الأمور، فوصل
خبره إلى الأمير «على بن يوسف» الذى استدعاه، وجمع كبار
العلماء والفقهاء لمناظرته. وانتهى الأمر بطرده من العاصمة
خشية التأثير على العامة وإضعاف مراكز الفقهاء. وكانت
الحصافة السياسية تقتضى سجن هذا الداعية أو التحفظ عليه
لخطورته على الدولة، وهو ما تحقق عقب مغادرة «ابن تومرت»
«مراكش»، إذ أعلن عن نياته فى مواجهة السلطة الحاكمة،
وخلعه الأمير «على بن يوسف»، وبايعه مَن حوله إمامًا للدعوة
الجديدة فى سنة (٥١٥هـ= ١١٢١م)، واتخذ من مدينة «تينملل»
مقرا له، ومركزًا لدعوته، وشرع فى تحقيق أهدافه السياسية
стр. 2905
والدينية لإقامة خلافة إسلامية بالمغرب، ولم يدخر فى ذلك وُسعًا
ولا وسيلة إلا استغلها، وعمد إلى نشر دعوته بين السذج، وألَّف
لهم فى التوحيد والعقيدة بلغتهم البربرية حتى يسهل عليهم
التعلم، ويسهل عليه السيطرة عليهم، ومن ثم باتت له الكلمة
العليا فى كل شئونهم. شارك «ابن تومرت» فى الكفاح المسلح
ضد «دولة المرابطين»، وتذكر المراجع أنه اشترك فى تسع
غزوات، وكانت معركة «البحيرة» التى أصيب فيها الموحدون
بالهزيمة هى السبب الرئيسى فى خيبة أمل «ابن تومرت»
ومرضه؛ حيث قتل فيها عدد كبير من أتباعه، ولكن بقاء تلميذه
ومساعده «عبد المؤمن بن على» على قيد الحياة كان سببًا فى
تخفيف هذه الصدمة، ومع ذلك لزم «ابن تومرت» داره، واشتد
عليه مرضه، وفارق الحياة فى سنة (٥٢٤هـ= ١١٣٠م)، وخلَّف
وراءه حربًا مشتعلة على أرض «المغرب الأقصى». حمل
«عبدالمؤمن بن على» أعباء الدعوة عقب وفاة أستاذه، وشُغل
بتنظيم شئون الموحدين، مدة عام ونصف العام، ثم شرع فى
الكفاح ضد المرابطين فى منطقة «الأطلس» جنوبى «مراكش» فى
«وادى درعة» و «بلاد السوس» و «بلاد جاحة» القريبة من
«تينملل»، ثم استولى الموحدون على «مراكش» عاصمة
المرابطين فى سنة (٥٤١هـ= ١١٤٦م)، بعد كفاح دام أكثر من
عشر سنوات كان النصر فيها حليفًا للموحدين. وقد نجح
«عبدالمؤمن» فى إحكام قبضته وسيطرته على «المغرب
الأقصى» بعد سقوط دولة المرابطين بسقوط عاصمتهم
«مراكش»، ثم وجه اهتمامه إلى الشرق، وبعث بحملاته المتتابعة
التى وصلت حتى «طرابلس» بإفريقية، فساعد هذا النصر على
تحقيق الوحدة السياسية للمغرب الإسلامى، وتلقب «عبدالمؤمن»
بلقب خليفة، واتخذ من «مراكش» عاصمة للخلافة، ثم شرع فى
تجهيز حملة كبيرة لدفع النصارى عن مدن «الأندلس» فى سنة
(٥٥٦هـ= ١١٦١م)، إلا أن مرضه حال دون إتمام هذه الحملة، ومات
فى سنة (٥٥٨هـ= ١١٦٣م). بويع «يوسف بن عبد المؤمن» فى
стр. 2906
سنة (٥٥٨هـ= ١١٦٣م)، ليكون خلفًا لوالده. وما إن استقر فى
العاصمة حتى واجهته ثورة «مرزدغ الصنهاجى» بجبال
«غمارة»، فنجح فى القضاء عليها وتفريق أعوانها، ثم أمر
بقتل «مرزدغ»، وحمل رأسه إلى العاصمة «مراكش». ووجه «ابن
عبدالمؤمن» جُلَّ جهوده إلى دعم سلطة الموحدين بالأندلس،
وبعث بالحملات المتتابعة إليها، وخرج على رأس إحداها فى
سنة (٥٦٦هـ= ١١٧٠م)، لتأمين ثغور «الأندلس» وضبطها
وإصلاحها، ثم خرج فى سنة (٥٧٩هـ= ١١٨٣م) على رأس حملة
كبيرة إلى «الأندلس» لغزوها، إلا أنه أصيب بسهم عند أسوار
«شنترين»، فأسرع الجند بحمله والعودة به مصابًا إلى
«مراكش»، فقضى نحبه فى سنة (٥٨٠هـ= ١١٨٤م). ولى «يعقوب
بن يوسف بن عبدالمؤمن» خلفًا لوالده فى سنة (٥٨٠هـ= ١١٨٤م)،
ولقب نفسه بالمنصور، وتوزعت جهوده العسكرية فى أكثر من
ميدان؛ حيث قامت ثورة بزعامة «الجزيرى» الذى أخذ يدعو
لنفسه بين القبائل فى سنة (٥٨٥هـ= ١١٨٩م)، فقضى عليها
«المنصور» وقتل زعيمها، ثم قامت ثورة أخرى ببلاد «الزاب»
بزعامة رجل يدعى «الأشلّ» فى سنة (٥٨٩هـ = ١١٩٣م)، فكان
مصيرها الفشل مثل سابقتها. أما ثورة «بنى غانية»، التى
استهدفت إحياء «دولة المرابطين» والدعاء للخلافة العباسية
على المنابر بإفريقية، فكانت الخطر الحقيقى الذى هدد «دولة
الموحدين»، فوجّه «المنصور» إليها كل جهوده للقضاء عليها،
وعلى الرغم من تكرار المحاولة فإنه لم ينجح فى القضاء عليها
نهائياًّ. وقد أولى «المنصور» «الأندلس» اهتمامه وعنايته، ودخل
فى عدة معارك مع الإفرنج؛ كانت أبرزها معركة «الأرك» فى
سنة (٥٩١هـ= ١١٩٥م)، تلك التى أوقفت زحف النصارى، وزادت
من هيبة الموحدين ومكانتهم بالشمال الإفريقى، ثم أصيب
المنصور بوعكة صحية أدت إلى وفاته فى سنة (٥٩٥هـ =
١١٩٩م). تولى «الناصر أبو عبدالله محمد بن يعقوب» خلفًا لوالده
«المنصور»، فحدثت فى عهده بعض التطورات السياسية
стр. 2907
والعسكرية التى انتقلت بدولة الموحدين من مرحلة القوة
والسيادة إلى مرحلة الانهيار والسقوط؛ حيث تمكن فى بداية
حكمه من القضاء على ثورة «بنى غانية» بإفريقية التى دخلها
فى سنة (٥٩٨هـ= ١٢٠٢م)، وعاد منها فى سنة (٦٠٤هـ= ١٢٠٧م)،
بعد أن ولى على «إفريقية» «أبا محمد عبد الواحد بن أبى
حفص» أحد أشياخ الموحدين، فعكف «ابن أبى حفص» على
معالجة شئون «إفريقية»، ودعم سلطان الموحدين بها، إلا أن
ولاية «أبى حفص» كانت البداية لقيام «دولة الحفصيين» بتونس؛
حيث استقل أبناؤه - بعد ذلك - بها وأسسوا ملكًا مستقلاً. وقد
فُجع الموحدون بهزيمة قاسية بالأندلس فى معركة «العقاب»
التى راح ضحيتها عدد كبير من الجند، مما أضعف «دولة
الموحدين» وأفقدهم هيبتهم، وأُصيب «الناصر» بالمرض، وتوفى
فى سنة (٦١٠هـ= ١٢١٣م). وقد عرف الانهيار والضعف طريقهما
إلى «دولة الموحدين» عقب وفاة «الناصر»، ودخلت الدولة مرحلة
من الفوضى، والصراع بين أفراد البيت الموحدى، فضلاً عن
اندلاع الثورات والقلاقل فى أماكن متعددة، وظل هذا حالها
حتى سنة (٦٦٨هـ= ١٢٦٩م)، التى قتل فيها «أبو دبوس» آخر
خلفاء الموحدين أمام أسوار العاصمة «مراكش» التى دخلها
«المرينييون» وقضوا على «دولة الموحدين». وقد تولى عقب
وفاة «الناصر» عدد من الخلفاء الضعاف، هم: ١ - أبو يعقوب
يوسف الثانى المستنصر بالله [٦١١ - ٦٢٠هـ]. ٢ - أبو محمد
عبدالواحد المخلوع [٦٢٠ - ٦٢١هـ= ١٢٢٣ - ١٢٢٤م]. ٣ - أبو محمد
عبدالله العادل [٦٢١ - ٦٢٤هـ = ١٢٢٤ - ١٢٢٧م]. ٤ - المأمون أبو
العلاء إدريس ابن يعقوب المنصور [٦٢٤ - ٦٣٠هـ= ١٢٢٧ - ١٢٣٣م].
٥ - أبو محمد عبدالواحد الرشيد [٦٣٠ - ٦٤٠هـ= ١٢٣٣ - ١٢٤٢م]. ٦ -
أبو الحسن على السعيد المقتدر بالله [٦٤٠ - ٦٤٦هـ= ١٢٤٢ -
١٢٤٨م]. ٧ - أبو حفص عمر المرتضى [٦٤٦ - ٦٦٥هـ = ١٢٤٨ -
١٢٦٧م]. ٨ - أبو العلاء إدريس الثانى (المعروف بأبى دبوس)
[٦٦٥ - ٦٦٨هـ= ١٢٦٧ - ١٢٦٩م]. انحصرت علاقات الموحدين
стр. 2908
الخارجية فى جبهتين هما: «الأندلس»، و «الخلافة العباسية». أما
«الأندلس»، فقد استولى عليها الموحدون مع غيرها من المدن من
المرابطين، وساروا على نهج من سبقهم فى التصدى لعدوان
النصارى، وأعدوا الحملات، وخاضوا المعارك من أجل تحقيق
هذا الهدف، ولكن هزيمتهم فى معركة «العقاب» فى عام
(٦٠٩هـ= ١٢١٢م)، كانت بداية انحسار نفوذهم على أرض
«الأندلس»، ومن ثَم بدأت القوى النصرانية تحقق انتصاراتها حتى
زالت «دولة الموحدين». وقد اختلف موقف الموحدين من الخلافة
العباسية عن موقف المرابطين؛ حيث لم يعترف الموحدون
بالعباسيين، واعتبروا أنفسهم خلفاء، وأن مركز الخلافة مدينة
«مراكش»، وليس «بغداد»، ودعموا خلافتهم بالادعاء بأن «ابن
تومرت» و «عبدالمؤمن» من نسل الرسول عن طريق «الأدارسة»،
واتخذوا اللون الأخضر شعارًا لهم كى يظهروا ميلهم إلى الدعوة
العلوية، وتشبهوا بالرسول فى تصرفاته وأفعاله. نعمت البلاد
بالرخاء الاقتصادى فى عهد الموحدين؛ إذ وضعوا نظامًا مالياًّ
دقيقًا، تمثل فى الإدارة المشرفة على الجوانب المالية فى
الجباية والإنفاق، فضلا عن وجود دواوين للمال بالعاصمة،
وديوان للمال بكل إقليم يختص بماليته، وأفرد الموحدون دارًا
للإشراف على النواحى المالية، كما استحدثوا منصب الوزير
المسئول عن الشئون المالية أطلقوا عليه اسم «صاحب الأشغال»،
ومهمته استخراج الأموال وجمعها وضبطها، وتعقب نظر الولاة
والعمال فيها، ثم تنفيذها على قدرها وفى مواقيتها، وكان
يعاون صاحب الأشغال رؤساء الدواوين المالية بالدولة. فوفرت
هذه المصادر إلى جانب الزكاة وخمس الغنائم أموالا كثيرة
لخزينة الدولة، أُنفق معظمها على إعداد الجيش فى البر والبحر،
ودفع مرتبات الوزراء ورجال البلاط والحشم والقضاة والفقهاء،
وكذلك فى الإنفاق على الطلبة المنتظمين بالمدرسة التى
أنشأها الخليفة «عبدالمؤمن»، كما أنفق منها على إنشاء المدن
стр. 2909
والقصور والحصون وغيرها من المنشآت. وأصدر الموحدون عملة
نقدية من الدنانير والدراهم. وقد اهتم الموحدون بالزراعة
وشجعوا المزارعين على استغلال الأرض، ووفروا لهم المياه
اللازمة للزراعة، فتوافرت محاصيل القمح والشعير، والقطن،
وقصب السكر، وغير ذلك من المحاصيل، كما نعمت البلاد
بأصناف الفواكه المتنوعة مثل: العنب والتفاح والكمثرى،
وغيرها، وانتشرت الغابات بالبلاد، وتوافر بها شجر الأَرْز والزان
والبلوط. ونشطت الحركة الصناعية، وتوافرت المراكز الصناعية
بالبلاد، مثل مدينة «فاس» و «مراكش»،وغيرها من المدن التى
تنوعت بها الصناعات وضمت: صناعة الصابون، والتطريز،
والدباغة، وسبك الحديد والنحاس، وصناعة الزجاج، والفخار،
وغير ذلك من الصناعات. وازدهرت التجارة فى الداخل والخارج،
وكثرت المراكز التجارية التى أولاها الموحدون عنايتهم، وشيدوا
بها عدة أسواق، كما شيدوا بها الفنادق، كما ساهمت
«مكناسة» فى دعم ازدهار التجارة حيث كانت محطة للمسافرين
يبيعون ويشترون بها، فضلاً عن وجود عدد من الأسواق العامرة
والتجارات المختلفة بها. وتمتعت البلاد بنهضة تجارية خارجية،
لوجود شبكة من الطرق التى ربطت المدن المغربية بغيرها من
المراكز التجارية، فضلاً عن وجود عدد من الموانئ المطلة على
«البحر المتوسط» و «المحيط الأطلسى»، وكانت محطات للسفن
المحملة بالبضائع القادمة أو الخارجة منها، فتنوعت الصادرات
مثل: القطن والقمح والسكر، وكذلك الواردات مثل: الذهب وبعض
أنواع النسيج البلنسى، والعطر الهندى ولعب ميناء «سبتة»
على «البحر المتوسط»، وميناء «سلا» على «المحيط الأطلسى»،
دورًا بارزًا فى تنشيط الحركة التجارية فى ظل حماية الأسطول
الموحدى. شكلت قبائل المصامدة العنصر الرئيسى لسكان دولة
الموحدين، وقد استقرت بالمنطقة منذ زمن، واتخذت المعاقل
والحصون والقلاع، وشيدت المبانى والقصور، وامتهن أفرادها
стр. 2910
الزراعة وفلاحة الأرض، ولم يحاولوا الهجرة من أرضهم، بل
تمسكوا بها، ودافعوا عنها ضد أى محاولة للاعتداء أو
الاستيلاء عليها. أما العنصر الثانى من سكان «دولة الموحدين»
فهم العرب الهلالية الذين ظهروا على مسرح الأحداث، وعمد
الموحدون إلى تهجيرهم من «إفريقية» إلى «المغرب الأقصى»،
ليتخلصوا من ثوراتهم، كما استخدموهم فى عمليات الجهاد
بالأندلس، فأقبلت أعداد كبيرة منهم إلى «المغرب الأقصى»،
وانتقلت أعداد أخرى إلى الإقامة بالأندلس من خلال الحملات التى
قام بها الموحدون هناك، ثم حدد الموحدون إقامة بعض القبائل.
وقد تمتع العرب الهلالية بما يتمتع به جند الموحدين، وأقطعهم
ولاة الأمر بعض الأراضى، وأنفقوا عليهم النفقات الكبيرة،
وأغدقوا عليهم بالعطايا حتى يوفروا لهم الاستقرار ويبعدوهم
عن الفتن وإثارة القلاقل والاضطرابات. ونالت المرأة حظها من
التكريم والإنصاف والاحترام فى «دولة الموحدين»، وأتاحت لها
الظروف أن تنال حظا من العلوم المختلفة، وقسطًا من ثقافة
العصر وأدبه، وبرزت الكثيرات من النساء مثل: «زينب» بنت
الخليفة «يوسف بن عبدالمؤمن»، والشاعرة العالمة «حفصة بنت
الحاج الركونية»، و «فاطمة بنت عبدالرحمن». وعاش أهل الذمة
فى أنحاء متفرقة من البلاد، وكانت لهم أحياؤهم بالعاصمة
«مراكش» وبمدينة «سجلماسة»، وكانوا يشتغلون بالبناء. اهتم
الموحدون بالبناء والتعمير بالمغرب و «الأندلس»، وحظيت
«مراكش» و «الرباط» وغيرهما من المدن المغربية بكثير من
المنشآت الموحدية، وأنشأ الخليفة «عبدالمؤمن» «مدينة الفتح»،
كما شيد المساجد والقصور فى أنحاء متفرقة من البلاد، وكان
«المنصور» مولعًا بالعمارة، فشهدت البلاد نهضة معمارية
استمرت طيلة عهده. شهدت «بلاد المغرب» حركة فكرية نشيطة
فى عهد المرابطين، واستمرت كذلك فى عهد الموحدين،
وساعدها على ذلك استقرار الأوضاع بالبلاد، والصلة الوثيقة بين
следующие страницы →