← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

* قراقيونلو (دولة) ظهرت جماعة من التركمان أطلقوا على أنفسهم اسم «قراقيونلو» (٨) فى أواخر عهد السلطان «أبى سعيد بهادرخان» آخر حكام «الدولة الإيلخانية» - فى النصف الثانى من القرن الثامن الهجرى = النصف الثانى من القرن الرابع عشر الميلادى - فى الشمال الغربى لآسيا جنوبى بحيرة «وان». ومما لاشك فيه أن هذه الجماعة قد استفادت استفادة كبيرة من الضعف الذى منيت به «الدولة الإيلخانية» فى عهد خلفاء السلطان «أبى سعيد بهادرخان»، ودخلوا فى صراع مع التيموريين، واعتنقوا المذهب الشيعى، ويرجع نسب أمرائهم إلى الأمير «محمد تورمش ابن بيرام خواجة». استطاع الأمير «أبو نصر قرا يوسف نويان بن محمد» أول أمراء «قراقيونلو» أن يقود كتائبهم المنتشرة بالأقاليم المجاورة لأرمينيا و «أذربيجان»، ويستولى على «تبريز» ويجعلها عاصمة لإمارته، ثم اصطدم بأحمد بن أويس الجلائرى فى عام (٨١٣هـ = ١٤١٠م)، وتمكن منه وقتله، ومد سلطانه وسيطرته على «أذربيجان» (أذربايجان). ولما غزا «تيمور» بلاد «قرا يوسف» فى عام (٨٠٢هـ = ١٤٠٠م)، سلبه ملكه، ولكنه استعاد ما سلب منه فى عام (٨٠٨هـ = ١٤٠٥م)، ونادى بابنه «بيربوداق» أميرًا على «أذربيجان» سنة (٨١٠هـ = ١٤٠٧م)، فاستطاع أن يتخلص من «قرا عثمان» رئيس «الآق قيونلو» فى «ديار بكر»، ويحقق لقبيلته كثيرًا من الانتصارات والفتوح من ناحية الغرب، ثم توجه إلى الشرق لصد القوات التيمورية بقيادة «شاه رخ»، ولكنه توفى فجأة فى الطريق بأذربيجان، وكذلك توفى والده «قرا يوسف» فى الوقت نفسه، فتولى الأمير «إسكندر بن قرا يوسف» الحكم فى عام (٨٢٣هـ = ١٤٢٠م)، واستمر حتى عام (٨٤١هـ = ١٤٣٧م (. وفى أثناء هذه الفترة وقعت أحداث كثيرة، فهاجم «شاه رخ» الذى كان يحكم القسم الشرقى لإيران الأمير إسكندر بن قرا يوسف، وألحق به الهزيمة فى «تبريز»، وطرده من «أرمينية» فى عام (٨٢٤هـ = ١٤٢١م)، ولكن الأوضاع

стр. 2837

الداخلية للدولة التيمورية أجبرت الأمير «شاه رخ» على العودة إلى «خراسان»، مما أتاح الفرصة للأمير «إسكندر» للعودة إلى إمارته واسترداد ملكه، وتحقيق انتصارات متتالية فى «أرمينية» و «أران»، و «بلاد الأكراد». واستمر الصراع بينهما حتى قتل الأمير إسكندر سنة (٨٤١هـ) فتولى أخوه الأمير «جهانشاه» زعامة أمراء «قراقيونلو»، واصطدم بالتيموريين وهزم «الميرزا علاء الدولة التيمورى» واستولى منه على «خراسان»، وفى الوقت نفسه تمرد ابن «جهانشاه» عليه فى «أذربيجان»، فاضطر إلى مصالحة التيموريين ثانية، وأعاد إليهم «خراسان»، ثم عاد إلى «تبريز» عاصمته ليتمكن من مواجهة ابنه والقضاء على تمرده، فخرج عليه «حسن بيك» أحد أفراد قبيلة «آق قيونلو»، وقتله فى سنة (٨٧٢هـ = ١٤٦٧م). كان الأمير «حسن على» هو آخر أمراء هذه الدولة، وهو ابن الأمير «جهانشاه» الذى اعتقله فى «باكو» نحو خمسة وعشرين عامًا؛ فلما ولى الأمير «حسن» الحكم، لقى هزيمة منكرة على أيدى قبيلة «آق قيونلو» بزعامة «أوزون حسن» فى عام (٨٧٣ هـ = ١٤٩٥ م)، وسقطت أسرة «قراقيونلو»، فكانت النهاية. لم تتح الحروب والمعارك العسكرية فرصة كافية أمام أمراء «قراقيونلو» للاهتمام بمظاهر الحضارة، فقد عاشت دولتهم فى صراعات متواصلة من أجل الحفاظ على حدودها من الجلائريين والتيموريين، ولكن ذلك لم يمنع الأمير «جهانشاه» من الاهتمام بالأدب والشعر، إذ كان هو نفسه ينظم الشعر، وكان محبا له. وقد شيد «جهانشاه» مسجدًا يعد تحفة فنية فى عمارته، وهو «المسجد الأزرق» الذى يمثل العمارة الإسلامية فى هذه المنطقة. لم يمنح التيموريون أيا من أمراء «قراقيونلو» فرصة الاتجاه نحو الاهتمام بمظاهر الحضارة، لأنهم كانوا يحطمون كل شىء ويقضون على الأخضر واليابس فى غزوهم الشامل على مناطق نفوذ أمراء «قراقيونلو»، لذا لم يهتم هؤلاء الأمراء بمظاهر الحضارة، وصرفوا جهودهم إلى النشاط الحربى.

стр. 2838

* الصفوية (دولة) ينتسب الصفويون إلى «صفى الدين الأردبيلى» الذى عاش فى الفترة من (٦٥٠هـ = ١٢٥٢م) إلى (٧٣٥هـ = ١٣٣٤م)، وهو أحد شيوخ الصوفية، وقد درس فى مطلع حياته العلوم الدينية والعقلية فى موطنه، ثم ارتحل إلى «شيراز»، واتصل بالشاعر المعروف «سعدى الشيرازى»، ثم رحل إلى «أردبيل» ومنها إلى «كيلان»، ودخل فى زمرة الشيخ «زاهد الكيلانى» وتزوج ابنته، وخلفه فى الطريقة، وعهد إلى أبنائه وأتباعه بالعمل على جذب الأتباع والدراويش، والاجتهاد فى نشر طريقتهم والدعاية لها، وكان هؤلاء ينتسبون إلى المذهب الشيعى. الوضع الداخلى: شهدت «إيران» فترة عصيبة ضاعت فيها حقوق المواطنين، وساءت معاملتهم، فى الفترة التى سبقت قيام «الدولة الصفوية»، فمهد ذلك الطريق أمام شيوخ الصفويين، وتحولوا من أصحاب دعوة وشيوخ طريقة إلى مؤسسى دولة لها أهدافها السياسية والمذهبية. وكانت «إيران» - آنذاك - مقسمة إلى عدة أجزاء، يحكمها عدة حكام، ويستقل كل منهم بما تحت يديه، فعاش الناس حياة قلقة يشوبها الصراع على الحكم، وبحثوا عن مخرج لذلك ناشدين الراحة والهدوء، فلم يجدوا أمامهم سوى أن يكونوا مريدين وأتباعًا لشيوخ الصفويين وطريقتهم، وذلك فى الوقت الذى آلت فيه رئاسة الأسرة الصفوية إلى «إسماعيل»، الابن الثالث لحيدر حفيد الشيخ «صفى»، فأسس «إسماعيل» «الدولة الصفوية» فى عام (٩٠٧هـ = ١٥٠٢م)، ثم دخل «تبريز» وأعلن نفسه فيها ملكًا على «إيران»، وتلقب بأبى المظفر شاه إسماعيل الهادى الوالى، وأصدر السكة باسمه، وفرض المذهب الشيعى، وجعله المذهب الرسمى لإيران بعد أن كانت تتبع المذهب السنى، وقال حين أعلن ذلك: «لا يهمنى هذا الأمر، فالله، وحضرات الأئمة المعصومين معى، وأنا لا أخشى أحدًا، وبإذن الله - تعالى - لو قال واحد من الرعية حرفًا، فسأسحب سيفى، ولن أترك أحدًا يعيش». وأمر المؤذنين أن يزيدوا فى الأذان عبارتَى: «أشهد أن عليا ولى الله»، و «حى على خير

стр. 2839

العمل». مضى الشاه «إسماعيل» فى إرساء قواعد دولته، وترسيخ دعائم مذهبه، وتنظيم إدارة بلاده، فاتخذ من «حسين بك لله» نائبًا له، وجعل «الشيخ شمس الدين اللاهيجى» حاملا للأختام، واستوزر «محمد زكريا»، ثم قضى على قبيلة «آق قيونلو»، ودخل «شيراز»، وأقر فيها مذهبه الشيعى، فأصبحت «إيران» دولة شيعية بين قوتين سنيتين هما: «الهند» والأتراك من جهة الشرق، والعثمانيون والشام فى الغرب. خلف الشاه «طهماسب الأول» أباه «إسماعيل الأول» على العرش فى (يوم الاثنين ١٩ من رجب عام ٩٣٠هـ = ١٥٢٤م)، وحكم أكثر من نصف قرن دخل خلالها فى حروب كثيرة مع العثمانيين والأوزبك و «كرجستان»، ثم خلفه ابنه الشاه «إسماعيل ميرزا» الذى تلقب بالشاه «إسماعيل الثانى» فى عام (٩٨٤هـ = ١٥٧٦م]، واعتمد سياسة الاعتدال فى نشر المذهب الشيعى، فأبعد عددًا من علماء الشيعة المتعصبين عن بلاطه، وأمر بمنع لعن الخلفاء الثلاثة والسيدة «عائشة» فوق المنابر وفى الطرقات، وحاول إعادة المذهب السنى إلى البلاد بالتدريج، مما أثار عليه حفيظة الطبقة الحاكمة وأغلبية المجتمع، وقرروا عزله وتعيين ابن أخيه «حسن ميرزا» إذا لم يتراجع عن ذلك، فعمل على تهدئة الثورة التى قامت ضده، وأبعد علماء المذهب السنى عن بلاطه، ونقش على السكة بيتًا مضمونه: أن عليا وآله أولى بالخلافة فى العالم الإسلامى كله. لم يتمكن الشاه «إسماعيل الثانى» من البقاء فى الحكم فترة طويلة، حيث قُتل، وقد اختلفت الروايات فى كيفية قتله، وتم اختيار «محمد خدا بنده» ملكًا على «إيران» فى عام (٩٨٥هـ = ١٥٧٨م)، فكثرت فى عهده الاضطرابات التى لم يستطع السيطرة عليها، إذ لم يكن جديرًا بالحكم، فخلفه ابنه الشاه «عباس الأول» على العرش من عام (٩٩٦هـ = ١٥٨٨م) إلى عام (١٠٣٨هـ = ١٦٢٩م)، ويعد عهده من أبرز عهود الحكم الصفوى فى «إيران» وأهمها؛ إذ عمل على رفاهية شعبه وتعمير بلاده،

стр. 2840

ونقل عاصمة دولته من «قزوين» إلى «أصفهان»، وأعاد الحكم المركزى إلى «الدولة الصفوية»، على الرغم من الصعوبات والحروب الكثيرة التى اعترضت سبيله، ونجح فى إقرار أمن بلاده وتأمين رعيته؛ واتخذ مجلسًا لبلاطه ضم سبع أشخاص بسبعة وظائف هى: «اعتماد الدولة» - «ركن السلطنة» - «ركن الدولة» - «كبير الياوران» - «قائد حملة البنادق» - «رئيس الديوان» - «كاتب مجلس الشاه»، وبالرغم من وجود هذا المجلس كان هو صاحب القرار الأول والأخير فى الدولة. ثم توالى على حكم «الدولة الصفوية» - عقب وفاة الشاه «عباس الصفوى» - شاهات ضعاف؛ أدى الصراع فيما بينهم على السلطة إلى ضعف الدولة، فضلا عن أن ذلك أعطى الفرصة للأعداء الخارجيين الذين كانوا متربصين بالدولة، وبخاصة الأتراك العثمانيون، لغزوها ومحاولة السيطرة عليها. وعلى الرغم من ذلك فإن كثيرًا من الرحالة الأوربيين الذين وفدوا على بلاط الصفويين؛ وصفوا مدى الأبهة والعظمة التى وفرها الصفويون فى بلاطهم، ولعل أبرز ما كان يميز هذا البلاط هو سيطرة رجال الدين واتساع نفوذهم، حتى بات أمر الدولة كله فى أيديهم، نظرًا إلى أنها دولة مذهبية، اتخذت من الدين أساسًا لقيامها، والدعوة إلى مذهبها. بدأ نجم «الدولة الصفوية» فى الأفول عقب وفاة الشاه «عباس الصفوى»، وحكمها «صفى الأول» عام (١٠٣٨هـ= ١٦٢٩م)، ثم «عباس الثانى» عام (١٠٥٢هـ = ١٦٤٢م)، ثم «سليمان الأول» عام (١٠٧٧ هـ = ١٦٦٧م)، ثم «حسين الأول» عام (١١٠٥هـ = ١٦٩٤م)، ثم «طهما سب الثانى» (١١٣٥هـ= ١٧٢٢م) ثم «عباس الثالث» الذى حكم من عام (١١٤٤هـ = ١٧٣١م) إلى عام (١١٤٨هـ = ١٧٣٦م). وجميع هؤلاء الشاهات الصفويين لم تكن لديهم الصفات التى تمتع بها الشاه «عباس الأول»، وبدت الأمور أمامهم مجرد مظاهر ملكية يجب الحفاظ عليها، ونسوا أمور بلادهم، فضعفت الدولة، وضاعت هيبتها، وسقطت أجزاؤها واحدة تلو الأخرى، فضاعت

стр. 2841

الدولة، وسقط العرش، وسقطت «الدولة الصفوية» فى عام (١١٤٨هـ = ١٧٣٦م) فانقسمت «إيران» إلى عدة مناطق منفصلة. تمكن الصفويون من إقامة دولة قومية لهم فى «إيران» على أسس مذهبية، وأحيوا بها الروح القومية، ووحدوا عناصر الشعب تحت لواء مذهبهم الذى قاموا بنشره بالترهيب والترغيب بين الطبقات كافة. وانتفع الصفويون فى تكوين حضارتهم بالصراع العسكرى فى حروبهم ضد العثمانيين؛ إذ كلفوا «روبرت»، و «أنتونى شيرلى» الإنجليزيين بإنشاء مصنع للمدافع لهم، فكان سببًا من أسباب تقدم حضارتهم العسكرية، وانتقل «طهما سب» بعاصمة بلاده من «تبريز» إلى «قزوين» نتيجة توغل السلطان العثمانى «سليمان القانونى» فى «العراق»، ثم فى «تبريز» و «أصفهان»، وأخذ «طهما سب» فى بلاطه الجديد بكل أسباب التحضر والتأنق والدقة، حيث كان خطاطًا ماهرًا، وله دراية عالية بفنون النقش من خلال دراساته فى هذا المجال. وفى سنة (١٠٠٧هـ = ١٥٩٨م)، نقل الشاه «عباس الصفوى» عاصمة بلاده إلى «أصفهان»؛ فدبت بها حياة جديدة، وراجت بها التجارة، وازدهرت الصنائع والفنون، وعمد «الشاه عباس» إلى تطوير الجيش وتحديثه، فاستبدل جيشه القديم -المكون من قوات قبلية- بجيش نظامى جديد، واستحدث فيه فرقة عسكرية جديدة أطلق عليها اسم «أصدقاء الملك»، وكانت هذه الفرقة تضم عشرة آلاف فارس، وكان ضعف هذا العدد من المشاة، ثم مضى فى طريق التحديث العمرانى فشيد الطرق، وشق القنوات، وأعد الأماكن اللازمة لنزول القوافل التجارية فى طول البلاد وعرضها، وأقام مدينة ملكية جديدة فى «أصفهان»، وجعلها مجاورة للمدينة القديمة، وأنشأ بها الإنشاءات اللازمة، ثم ضاعف هذه الإنشاءات فى عام (١٠٢٠هـ = ١٦١١م)، وبنى لنفسه بها قصرًا عظيمًا، وأنشأ حول ميدانه مسجدًا كبيرًا أسماه «مسجد شاه»، وجعل بجواره مسجدًا آخر أصغر منه، وأحاط المدينة بسور من الآجر والطين، وأقام بها الأسواق المسقوفة، ومائة واثنين

стр. 2842

وستين مسجدًا، وثمانيًا وأربعين مدرسة دينية، وألفى رباط لإقامة القوافل، وثلاثمائة حمام عام، وجعل لكل منزل بها حديقة خاصة، كما جعل شوارع هذه المدينة متعرجة وضيقة، ربما لأسباب أمنية ودفاعية، فبلغ تعداد السكان بالمدينة الجديدة نحو ستمائة ألف نسمة فى ذلك الوقت، ولقد بقيت آثار هذه المدينة شاهد صدق على عظمة الحضارة الصفوية إلى وقتنا الحاضر.

стр. 2843

* الأفاغنة تمرد الأفغانى «محمود بن ميرويس» ورفع راية العصيان على «الدولة الصفوية» فى عهد الشاه الصفوى «حسين الأول»، فلما لم يجد هذا الرجل من يأخذ على يديه ويوقف عصيانه؛ تمكن من الاستيلاء على مدينتى «هراة» و «مشهد»، وهما من أهم مدن دولة الصفويين، ولم يكتفِ بذلك: بل استولى على العاصمة «أصفهان» فى سنة (١١٣٥هـ = ١٧٢٢م)، فدخلت دولة الصفويين فى طور السقوط والانهيار النهائى، وتحولت من دولة كانت تتمتع بالنفوذ والسطوة والهيبة فى عهد «عباس الأول» ومَن سبقوه، إلى هيكل ضعيف لاحول له ولا قوة، وظهرت إلى جانبها قوى أخرى جديدة وفتية سلبتها حق التمتع بإمكاناتها وممتلكاتها، وسلبت حكامها حق الانفراد بحكم البلاد. أقام الأفغانيون دولتهم على ما سلبوه من أراضى الدولة الصفوية، وكان أول حكامهم هو «محمود بن ميرويس» الذى حكم فى (١١من المحرم عام ١١٣٥هـ = ١٧٢٢م)، وقُتل فى سنة (١١٣٧هـ = ١٧٢٥م)، فخلفه «أشرف بن عبدالله» فى الحكم، وظل به حتى عام (١١٤٢هـ = ١٧٢٩م)، ثم ظهر الأمير الأفغانى «آزاد خان» مطالبًا بالحكم فى «أصبهان» فى سنة (١١٦٦هـ = ١٧٥٣م)، وتم له ما أراد، وظل فى الحكم حتى سنة (١١٦٩هـ = ١٧٥٦م).

стр. 2844

* الأفشارية لم يستمر حكم الأفاغنة طويلا؛ إذ استعان الشاه «طهما سب الثانى» - على دفع تهديد الأفغان- بالقوى المحيطة، فأسرعت «روسيا» إلى مساعدته فيما طلب، نظير السماح لها بدخول «استراباد»، وهكذا تمكن الروس من وضع أقدامهم فى هذه المناطق. ثم ظهرت قوة جديدة حكمت فى الفترة من سنة (١١٤٨هـ = ١٧٣٦م) إلى سنة (١٢١٠هـ - ١٧٩٦م) عرفت باسم الأفشارية، واستطاع «نادر شاه الأفشارى» أن يقضى على حكم الأفغان، ويخلع الشاه «طهماسب الثانى» ويسجنه مع طفله الرضيع «الميرزا عباس الثالث»، ثم أعلن تتويجه ملكًا على «إيران» فى سنة (١١٤٨هـ = ١٧٣٦م)، وظلت أسرته تحكم أكثر من ستين عامًا، أى إلى سنة (١٢١٠هـ = ١٧٩٦م)، وقد اتسم حكم «نادر شاه» بالسطوة والعنف ضد الرعية، مما أسرع بقتله على يد أحد ضباطه، فأدى ذلك بدوره إلى ظهور «الزنديين»، وأصبح زعيمهم «محمد كريم خان» شاه «إيران» فى سنة (١١٦٣هـ = ١٧٥٠م)، ولكن هذه الأسرة لم تستطع مد نفوذها إلى «خراسان» التى كانت فى قبضة «شاه رخ» الإفشارى، وبقيت هذه الأسرة الزندية فى الحكم مدة خمسين عامًا، حتى قُتل آخر حكامهم «لطف على» على يد «آقا محمد القاجارى» فى الرابع عشر من المحرم عام (١٢١١هـ = ١٧٩٩م)، فظهرت الأسرة القاجارية.

стр. 2845

* القاجارية هى إحدى الأسر المغولية، وانتشر أفرادها فى البلاد الإسلامية، وأقاموا بصفة خاصة بأرمينية، واقتصر دورهم فى عهد الشاه «إسماعيل الأول الصفوى» على تقديم العون إلى الصفويين، حيث اتخذ منهم جنودًا لمواجهة شر القبائل المهاجمة لحدوده، فازدادوا بذلك قوة ونفوذًا، ثم استطاع «آقا محمد خان» توحيد فروع قبيلته بالقوة والعنف حتى تمكن من الاستيلاء على «طهران» فى سنة (١١٩٣هـ = ١٧٧٩م)، ثم أقام «الدولة القاجارية»، وأصبح أول ملوكها، وأطلق على نفسه لقب ملك «إيران» فى عام (١٢١١هـ = ١٧٩٦م)، وقضى على «الزنديين»، وحقق السيطرة الكاملة على «إيران» و «جورجيا»، ثم خلفه «فتحعلى شاه» فى الفترة من (١٢١٢هـ = ١٧٩٧م) إلى (١٢٥٠هـ = ١٨٣٤م)، وامتاز عصره بالهدوء النسبى، وإن تخللته بعض الاضطرابات والمشاكل السياسية.

стр. 2846

* التيمورية (دولة) ينتسب التيموريون إلى قبيلة «برلاس» المغولية، ويرجعون فى أصلهم إلى «تيمور بن ترغاى بن أبغاى»، الذى أحاط المؤرخون نسبه بهالة من الرفعة وعلو الشأن، ليبرروا استيلاءه على «بلاد ما وراء النهر»، فقد كان أبوه «أمير مائة» عند السلطان المغولى، وكان المغول يستخدمون الأتراك فى دواوينهم، وأكثروا منهم، حتى صارت اللغة التركية هى لغة البلاط والمجتمع فى «بلاد ما وراء النهر»، فلما دخلت «الدولة المغولية» مرحلة الاضمحلال والضعف؛ قامت «الدولة الجغتائية» بمساعدة قبيلة «برلاس»، فحفظ الجغتائيون هذا الجميل، وولوا «تيمور لنك»، ولاية «كش»، حين التجأ إليهم أثناء الاضطرابات التى عصفت ببلاد «ما وراء النهر» ثم لم يلبث أن أخرج الجغتائيين من بلاد «ما وراء النهر»، وطارد قبائل «الجتة» البدوية؛ التى اتسمت بالعنف والوحشية، وتمكن من طردهم من «بلاد ما وراء النهر»، ثم أعلن نفسه سلطانًا فى بلخ» على هذه المنطقة، واتخذ «سمرقند» عاصمة لملكه، وأعلن ذلك رسميا فى عام (٨٠٠هـ = ١٣٩٧م)، ثم مضى فى تنظيم حكومته الجديدة، واتبع قانون «جنكيزخان» (الياسا المغولية)، بما لا يتعارض مع القرآن الكريم والسنة النبوية. كان «تيمور لنك» ميالا إلى الفتح والتوسع، وغزا «خوارزم» فى عام (٧٧٣هـ)، ثم دخلها وسيطر عليها فى عام (٧٨١هـ)، فأضحت «آسيا الوسطى» كلها تحت سلطانه. بدأ حكم «تيمور كورخان» (تيمورلنك) منذ دخل «سمرقند» فى عام (٧٧١هـ = ١٣٢٩م)، فكوَّن مجلس شورى من كبار الأمراء والعلماء، وعلى الرغم من أنه كان الحاكم الفعلى للبلاد، فإنه عمد إلى اختيار الأمير الجغتائى «سيورغتمش بن دانشمندجة»، وجعله رمزًا للحكم ولقبه بلقب السلطان فى الفترة من سنة (٧٧١هـ = ١٣٢٩م) إلى سنة (٧٩٠ هـ = ١٣٨٧م)، ثم اتخذ من بعده «محمود بن سيورغتمش» من عام (٧٩٠هـ = ١٣٨٧م) إلى عام (٨٠٠هـ = ١٣٩٧م). وقد اتسمت سياسة «تيمور لنك»

стр. 2847

بالتوسع، فزحف إلى «إيران» فى سنة (٧٨٢هـ = ١٣٨٠م)، وتمكن من الاستيلاء على «خراسان» و «جرجان»، و «مازندران»، و «سيستان»، و «أفغانستان»، و «فارس»، و «أذربيجان»، و «كردستان»، ثم دخل «جورجيا» وغرب «إيران» فى عام (٧٨٦هـ = ١٣٨٤م)، وتمكن من فتح «العراق» و «سورية» (حلب ودمشق)، وهزم المماليك فى الشام، وحقق انتصارات عظيمة فى «الهند» عقب وفاة «فيروزشاه» سلطان «دلهى» فى عام (٧٩٩هـ = ١٣٩٧م)؛ حيث استولت جيوشه على حصن «أوكا»، وأسقطت «الملتان»، وفتحت «آباد»، ودخلت «هراة» بالأمان، ولاقى «تيمورلنك» مقاومة شديدة وصعوبة فى دخول «دهلى» على يد سلطانها «محمود تغلق»، ولكن هذه المقاومة لم تستمر طويلا، ودخل «تيمور» هذه المدينة، فقدم إليه أعيانها وعلماؤها فروض الولاء والطاعة، وخُطب له فيها، وعلى الجانب الآخر حقق «تيمورلنك» انتصارات كثيرة على الأتراك العثمانيين، وأسر حاكمهم «بايزيد خان». وتُوفى «تيمورلنك» فى «أترار» عن عمر يناهز السبعين عامًا فى سنة (٨٠٧هـ = ١٤٠٥م) بعد أن دانت له البلاد من «دهلى» إلى «دمشق»، ومن «بحيرة آرال» إلى «الخليج العربى»، فلما علمت بوفاته الأسر الحاكمة من «آل المظفر»، و «آل جلائر» و «ملوك كرت»، وكذا الأسر التركية والتركمانية أخذت جميعها تطالب باستقلالها عن خلفاء «تيمور»، وعودتها إلى الحكم ثانية، فأثارت الفتن والقلاقل، وكثرت الاضطرابات والمشاكل فى طول البلاد وعرضها، وتعرضت «الدولة التيمورية» إلى نكسة حقيقية عقب وفاة عاهلها ومؤسسها «تيمور»، وتمكنت بعض الأسر الحاكمة - من قبل - من العودة إلى الحكم، وإعادة ما سلب من أملاكها وممتلكاتها، فصارت هناك عدة أسر حاكمة تنافس خلفاء «آل تيمور» ثم خلف «تيمورلنك» ابنه «شاهرخ» على العرش سنة (٨٠٧هـ = ١٤٠٥م) واستمر فى الحكم إلى سنة (٨٥٠هـ = ١٤٤٧م) فعاشت البلاد فى عهده أفضل فترات الحكم؛ إذ كان محبا للعلم

стр. 2848

والعلماء، وحفيا بالثقافة، كما كان عادلا وتقيا وورعًا، فاشتهر بسلوكه الحسن وسيرته الطيبة بين الرعية. ولى «شاهرخ» أملاك «الدولة التيمورية» فيما عدا «سوريا» و «العراق العربى»، فقام بإصلاحات كثيرة فى البلاد، وشيد المبانى، وبنى المدارس الكثيرة فى «بخارى» و «سمرقند»، وأنشأ مرصده الشهير، ثم خلفه ابنه «أولوغ بك» على العرش، وقتله ابنه «عبداللطيف بن أولوغ» فى سنة (٨٥٣هـ = ١٤٤٩م)، ثم قُتل هو الآخر من بعده، ولم يستفد، من قتل أبيه، وتمكن «أبو سعيد ميرزا» من الاستيلاء على الحكم بسمرقند فى سنة (٨٥٤هـ = ١٤٥٠م)، ثم تولى من بعده «أحمد» فى سنة (٨٧٢هـ = ١٤٦٧م)، ثم من بعده «محمود» فى سنة (٨٩٩هـ = ١٤٩٣م)، ولم يلبث بالحكم سوى عام واحد فقط، ثم حدثت الاضطرابات فى سنة (٩٠٦هـ = ١٥٠٠م)، وقضى «الشيبانيون» على «الأسرة التيمورية» فيما عدا «ظهير الدين بابر» الذى فر إلى «الهند»، وتمكن بعد ذلك من تأسيس دولة عظيمة بها. لم يشهد العهد التيمورى ازدهارًا فى مناحى الحياة كافة مثلما حدث فى عصر «شاهرخ»؛ الذى يعد من أكثر حكام «إيران» ثقافة وذكاءً ومعرفة، فقد جعل من «هراة» مركزًا ثقافيا لأواسط آسيا، وتبوأ المهندسون والمعماريون والرسامون والشعراء والعلماء مكانة بارزة فى بلاده، وأغدق عليهم بالعطايا، وتولى رعايتهم بنفسه، فشهدت البلاد فى عصره نهضة حضارية فى كل الفنون ومختلف التخصصات، ويعد مسجد «جوهر شاد» (١٢) من أبرز إنجازات هذا العصر، وظل العمل فى بنائه اثنى عشر عامًا فى الفترة (٨٠٨ - ٨٢٠هـ = ١٤٠٥ - ١٤١٧م)، وقد أقيم تكريمًا لزوجته - التى حمل المسجد اسمها - بمدينة «مشهد». وكذلك بنى المعمارى «قوام الدين الشيرازى» مدرسة كبيرة - بتكليف من شاهرخ- بمنطقة «خركرد» التى تقع إلى الغرب من «هراة»، وتقع حاليا فى شرقى «إيران»، ثم خلف «ألوغ بيك» أباه على العرش، فكانت فترة حكمه قصيرة، ومع ذلك فقد حرص خلالها على رعاية

стр. 2849

الفنون والآداب الفارسية. يعد «شمس الدين محمد حافظ الشيرازى» ألمع شخصية أدبية عرفها العصر التيمورى، ويمثل شعره ازدهارًا للحركة الثقافية فى هذا العصر، وقد توفى فى سنة (٧٩٢هـ = ١٣٨٩م)، وكذلك يُعد «الجامى» المتوفى فى سنة (٨٩٨هـ= ١٤٩٢م)، من أبرز العلماء والشعراء فى هذا العصر؛ إذ ألف ستة وأربعين كتابًا فى مختلف فروع العلم، ثم يأتى «نظام الدين الشامى»، صاحب كتاب «ظفرنامة»، الذى يعد سجلا لفتوحات «تيمورلنك».

стр. 2850

* الغزنوية (دولة) اعتمد السامانيون على الأتراك فى صفوف الجيش، وفى تولى المناصب الكبيرة فى «الدولة السامانية»، فعلا شأن الأتراك، وازداد نفوذهم، ويعد «البتكين» الذى ولى منصب صاحب الحجاب للأمير «عبدالله بن نوح» (٣٤٣ - ٣٥٠هـ = ٩٥٤ - ٩٦١م) أبرز الشخصيات التركية فى بلاط السامانيين، وبلغ من نفوذه أن خشى الأمير «عبدالله بن نوح» منه على ملكه فأبعده عن العاصمة، وأسند إليه ولاية «خراسان» فى عام (٣٤٩هـ = ٩٦١م). ولما تولى «منصور بن نوح» الإمارة خلفًا لأخيه «عبدالله» الذى توفى سنة (٣٥٠هـ = ٩٦١م)؛ تمرد عليه «البتكين» فى «خراسان»، وأرسل جيشًا لمحاربته والقضاء على تمرده، وأسند «خراسان» إلى «أبى الحسين سيمجور»، فتوجه «البتكين» إلى «غزنة» واستولى عليها من حاكمها السامانى، وأسس بها إمارة مستقلة عن السامانيين، ثم جعلها مركز حكمه وعاصمة دولته المناهضة للدولة السامانية. حاول الأمير «منصور» جاهدًا أن يقضى على تمرد «البتكين» فى غزنة، ويوقف تأسيس دولته المناهضة، لكن جهوده جميعها باءت بالفشل. لم يتمكن «البتكين» أول حكام «الدولة الغزنوية» ومؤسسها من ترسيخ دعائم دولته الجديدة، فقد وافاه أجله فى سنة (٣٥٢هـ)، بعد عام واحد تقريبًا من توليه الحكم، ثم خلفه ابنه «إسحاق»، ثم غلامه «بلكانين» - من بعده - ولكنهما لم يتمكنا من تحقيق ذلك، فلما ولى «سبكتكين» أمور الدولة سنة (٣٦٦هـ)، تمكن بهمته العالية وحسن سياسته أن يبسط نفوذه ويُوطد دعائم دولته، ويحقق لها ما لم يقدر عليه سابقوه، فعُدَّ المؤسس الفعلى لها. ويُعد «محمود الغزنوى» -الذى ولى الحكم فى الفترة من سنة (٣٨٨هـ) إلى سنة (٤٢١هـ) - من أكبر الشخصيات فى التاريخ الإسلامى وأشهرها، إذ قاد الجيوش والحملات والفتوحات من أجل نشر الدين الإسلامى بالهند، ونزل من أعالى «إيران الشرقية» إلى «هندوستان»، ثم واصل جهاده حتى بلغ حدود

стр. 2851

«كشمير» و «البنجاب»، وغزا «سومنات» ومنها إلى «كجرات»، ثم استولى على بلاد «الغور» فى عام (٤٠١هـ= ١٠١٠م)، وأخضع مناطق «ما وراء النهر»، ومدينتى «بخارى» و «سمرقند» لحكمه، فلقبه المؤرخون بلقب «مكسر الأصنام»، كما كان أول من تلقب بلقب السلطان من أمراء المسلمين. وأضحت مدينة «غزنة» فى عهده منارة للعلم، ومقصدًا للعلماء، ووفد عليها أشهر أدباء هذا العصر أمثال الشاعر «الفردوسى»، وأصبحت عامرة بالمساجد والسدود والأبنية الخيرية، التى لا تقل بهاءً وجمالا عن المنشآت الهندية التى اشتهرت بدقة التصميم وجمال العمارة. وتُوفى السلطان «محمود» فى عام (٤٢١هـ = ١٠٣٠م)، بمدينة غزنة. وفى سنة (٥٥٦هـ = ١١٦١م)، أسقط الغوريون «غزنة» وسيطروا عليها، ولم يستطع أحفاد السلطان «محمود الغزنوى» الصمود أمام هجمات الغوريين، ولم يتمكنوا من استعادة عاصمة بلادهم، فسقطت «الدولة الغزنوية» فى سنة (٥٨٢هـ = ١١٨٦م). ولعل أبرز ما يميز «الدولة الغزنوية» عن مثيلاتها من الدول المستقلة فى شرق العالم الإسلامى هى نهضتها الثقافية، التى ازدهرت على أيدى أمرائها الذين قدَّروا رجال الأدب، وعملوا على تشجيعهم والعناية بهم، فقد كان كل أمير يريد أن يحيط نفسه برجال العلوم والفنون؛ ليتفوق على أقرانه، وبرزت «غزنة» فى أواخر القرن الرابع الهجرى كمركز إشعاع كبير فى جنوبى غرب «آسيا»، بفضل تشجيع السلاطين الغزنويين الذين لم يألوا جهدًا فى سبيل رفع شأن العلوم والفنون فى دولتهم، واستطاع السلطان «محمود الغزنوى» أن يضم إليه رجال العلم والأدب الذين كانوا يحيطون بأمراء البلاد المجاورة، وزيَّن «غزنة» بأجمل ما حصل عليه من مغانم «الهند»، وأعاد تشييد مسجدها الجامع، وأضاف إليه مدرسة كبيرة، ووضع بها مؤلفات وتصانيف نقلها من خزائن الملوك السابقين فى العلوم كافة، ليقوم علماء «غزنة» وفقهاؤها بدرسها وتدريسها. وجدير بالذكر أن السلطان «محمود بن سبكتكين»

стр. 2852

كان مولعًا بعلم الحديث، ويستمع إلى علمائه، ويستفسر عما يتلونه عليه من أحاديث، وكان يستدعى إلى «غزنة» كل من له سعة فى العلم والأدب والشعر، مثل «بديع الزمان الهمذانى» صاحب فن المقامات، قال عنه «الثعالبى»: «إنه معجزة همذان، وغرة العصر، كان ينشد القصيدة إذا سمعها مرة واحدة، ويترجم ما يستمع إليه من الأبيات الفارسية المشتملة على المعانى الغريبة إلى الشعر العربى، فيجمع فيها من الإبداع والإسراع». ومنهم أبو ريحان محمد بن أحمد البيرونى (٣٦٢ - ٤٤٠هـ) الذى يعد من أعظم رجال الحضارة الإسلامية وأبرزهم، وقد نال تقديرًا علميا كبيرًا، وترجمت كتبه إلى اللغات الأوربية، وسمَّت روسيا جامعة حديثة باسمه وأقيم له تمثال فى جامعة موسكو، وأصدر اليونسكو وبعض جامعات أمريكا وألمانيا فهارس بأعماله. وكذلك ظهر عشرات العلماء والفقهاء والشعراء فى «الدولة الغزنوية»، وبلغ اهتمام الغزنويين بالنهضة الثقافية والعلمية مدى كبيرًا تفوقت به على مثيلاتها؛ لدرجة أنها كادت تتفوق على «بغداد» مركز الإشعاع الثقافى فى العالم الإسلامى.

стр. 2853

* الغورية (دولة) كان الغوريون أسرة صغيرة تحكم «ولاية الغور» التى تقع بين «هراة» و «غزنة»، وكانت «قلعة فيروزكوه» مقر حكمهم، ودأبوا على شن الغارات على رعايا «الدولة الغزنوية»، واتخذوا من وعورة بلادهم وصعوبة مسالكها معصمًا يقيهم من بطش السلطان «محمود الغزنوى»، حين أراد معاقبتهم بعد أن باتوا خطرًا جسيمًا يهدد دولته. ولكن السلطان «محمود الغزنوى» تمكن من استمالة «محمد بن سورى» - أحد رؤسائهم - فى عام (٤٠١هـ = ١٠١٠م)، ثم عين أولاده فى حكم «فيروزكوه» و «باميان»، ومن ثَمَّ تصاهر الغوريون مع الغزنويين، واتحدوا مع ملوك «غزنة»، فلما قتل «بهرامشاه الغزنوى» «قطب الدين محمود» والد زوجته الغورية، نهض أخوه «سيف الدين سورى» مطالبًا بثأره، واحتل «غزنة» فى عام (٥٤٣هـ = ١١٤٨م). ولمَّا تمكن «بهرامشاه الغزنوى» من قتل «سيف الدين سورى» فى عام (٥٤٣هـ = ١١٤٨م)، قام «علاء الدين حسين» (جهانسوز) الأخ الثانى لقطب الدين بالهجوم على «غزنة»، ثم دخلها ونهبها، ولكنه وقع أسيرًا - بعد فترة قصيرة- فى قبضة السلطان «سنجر السلجوقى»، وتُوفى فى عام (٥٥٦هـ = ١١٦١م)، فخلفه «غياث الدين محمد»، وأقيمت له الخطبة فى «غزنة»، ولكن الغز طمعوا فى «غزنة» بعد وفاة «علاء الدين» واستولوا عليها، وظلت فى أيديهم مدة خمس عشرة سنة، ثم ألحق «غياث الدين محمد» أمير الغور الهزيمة بالغز وطردهم من «غزنة»، إلا أنه لم يكتفِ بذلك، وعمل على استئصال شأفة «آل سبكتكين»، وتمكن منهم، وضم أملاكهم إلى دولته، ثم اتجهت فتوحات «الغور» إلى «الهند» لعدم قدرتهم على الزحف إلى أواسط «آسيا» حيث توجد «الدولة الخوارزمية»، ودولة الخطا، اللتان وقفتا حصنًا منيعًا أمام راغبى التوسع فى هذه المناطق، ثم جاءت نهاية «الدولة الغورية» على أيدى الخوارزميين فى عام (٦١٢هـ = ١٢١٥م). كانت مدينة «فيروزكوه» أشهر مدن الغوريين، ومركز حضارتهم، وقصبة

стр. 2854

ملكهم، وكان السلطان «غياث الدين محمد» الذى تُوفى فى عام (٥٩٩هـ = ١٢٠٢م) من أعدل وأعظم حكام «الدولة الغورية»، وكان شافعى المذهب ومع ذلك لم يحمل الناس على اتباع مذهبه، وقرَّب إليه الشعراء والعلماء، ونبغ منهم الكثيرون فى عهده.

стр. 2855

* دهلى (سلطنة) شهد العالم الإسلامى فترة من تاريخه، تبوَّأ فيها الأرقاء والعبيد عرش البلاد، وتقاليد الحكم، ومناصب الدولة المهمة، وكان هؤلاء العبيد من الأتراك الذين جلبهم السلاطين للخدمة فى صفوف الجيش، فتدرجوا فى مناصبه حتى بلغوا المناصب القيادية المهمة، فزاد نفوذهم، وعلا شأنهم، وباتوا قوة ضاربة تتحكم فى سير الأمور وتطورها؛ حتى إن أحدهم انتزع الملك لنفسه حين توفى أحد السلاطين، ولم يكن له وارث، وأقام المماليك دولتهم بالهند عقب زوال دولة الغور، وظلَّت دولتهم قائمة مدة أربعة وثمانين عامًا فى الفترة من سنة (٦٠٢هـ= ١٢٠٦م) إلى سنة (٦٨٩هـ = ١٢٩٠م). كان «قطب الدين أيبك» الذى حكم من سنة (٦٠٢ هـ= ١٢٠٦م) إلى سنة (٦٠٧هـ = ١٢١٠م)، أول سلاطين المماليك فى «الهند»، واشتهر بحبه للعدل، وإقراره السلام والأمن فى نواحى بلاده، وبنى مسجدين كبيرين، أحدهما بدهلى والآخر بآجمبر. وتوفى هذا السلطان فى عام (٦٠٧هـ= ١٢١٠م)، ثم خلفه ابنه «آرام شاه»، وعجز عن تسيير أمور البلاد وإدارتها، فاستدعى رجال الدولة والبلاط «ألتُمش» وطلبوا منه أن يلى أمور السلطنة، فوافق على مطلبهم وطرد «آرام شاه» من السلطنة، وتربع على عرشها فى عام (٦٠٧هـ = ١٢١١م). يُعدّ «شمس الدين ألتمش» المؤسس الحقيقى لدولة المماليك فى «الهند»، وهو مملوكى اشتراه «قطب الدين أيبك» من «غزنة»، وحمله معه إلى «الهند»، ثم جعله رئيسًا لحرسه، ثم أسند إليه حكم ولايات «الهند»، فتعرض «شمس الدين» لمحاولات كثيرة للإطاحة به، وما كاد يتخلص منها حتى ظهر له خطر المغول، وألحقوا بدياره الخراب والدمار، ولكنهم لم يتحملوا حرارة جو بلاده، واتجهوا صوب الغرب ثانية، فنجت البلاد من شرورهم. لم ير «ألتُمش» فى أبنائه الذكور مَنْ يصلح للحكم من بعده، فأوصى به لابنته «رضية»، ولكن رجال البلاط عهدوا بالملك عقب وفاته إلى الأمير «ركن الدين فيروز شاه»، إلا أنه لم يهنأ بالملك

стр. 2856

بسبب الفتن والاضطرابات التى عمت أنحاء البلاد، وكان نتيجة ذلك أن قُتل هو وأمه، فآلت أمور الحكم إلى السلطانة «رضية» فى عام (٦٤٣هـ = ١٢٣٦م). يعد السلطان «بِلْبان» (بِلْبِن) الذى حكم فى الفترة من عام (٦٦٤هـ = ١٢٦٥م) إلى عام (٦٨٦هـ = ١٢٨٧م)، من أقوى سلاطين «الهند» وأعظمها فى تاريخها الوسيط، إذ واجه المغول الذين عادوا إلى تهديد «الهند» ثانية، وأعاد الهدوء والاستقرار إلى بلاده، ثم قضى على «الهندوس» الذين قطعوا الطريق بين «دهلى» و «البنغال»، وأقر الأمن والنظام فى ربوع دولته. عهد «بلبان» - حين شعر بدنو أجله - بالحكم إلى ابنه «بغراخان»، إلا أن ابنه رفض ذلك، فعهد به إلى حفيده «كيخسرو بن بغراخان»، فتولى أمور البلاد، ولكنه كان ضعيفًا لا يقوى على تسيير أمور الحكم بمفرده، فأسندها إلى «نظام الدين» الذى اعتمد على خواصه والمقربين إليه فى إدارة شئون البلاد، فاستبدوا بها، وحاول «بغراخان» أن يتخلص من «نظام الدين» ولكن الترك لم يمكنوه من ذلك، وعزلوا ابنه «كيخسرو» وولوا «كيقباد» أحد أطفاله الصغار، فتصدى لهم «الخلجيون» بقيادة زعيمهم «فيروز شاه»، وقضوا عليهم، فزال حكم المماليك بالهند على أيديهم. نعمت «دهلى» بالاهتمام ببعض مظاهر الحضارة فى عهد الملوك المماليك، فبنى «قطب الدين أيبك» مدرسة كبيرة إلى جانب مسجده الشهير الذى بدأ بناءه فى عام (١١٩١م)، ثم أكمله له «ألتُمش» فى عام (١٢٣٠م)، ولاتزال منارة هذا المسجد - التى كانت مكونة من سبعة طوابق - قائمة حتى الآن، ولم يتبقَّ من طوابقها سوى خمسة فقط. كما قام «ألتُمش» بتشجيع العلوم والآداب فى السلطنة، وأنفق أموالا كثيرة فى نسخ أعداد كثيرة من القرآن الكريم لتكون فى متناول أفراد شعبه، وأسس العديد من المدارس، وزيَّن بلاطه بالعلماء والشعراء، وأولى الفن المعمارى عناية فائقة، فأتم مسجد «أيبك» فى «دهلى»، وشيَّد آخر فى «آجميز»، وجعل

стр. 2857

عاصمته أحد مراكز العلوم والآداب المهمة.

стр. 2858

* الخلجية (دولة) يرجع الفضل فى ظهور «الخلجيين» فى «بلاد الهند» إلى الأمير «قطب الدين أيبك»، الذى ولى «الهند» نيابة عن سلطان «الغور»، فحرص على توسيع رقعة ولايته بها، وأسند أمرها إلى قائده «محمد بن بختيار الخلجى»، الذى قام بدوره على خير وجه، واستولى على «بندنتيورى» عاصمة «إقليم بهار» من ملوك أسرة «بالا»، ثم استولى على الإقليم كله، وقضى على «البوذية» التى كانت منتشرة هناك، وحطم معابدها وأصنامها، ونشر الدين الإسلامى فى ربوع هذه المملكة، ثم استولى على عاصمة إقليم «البنغال»، وأقام الخطبة فيها للسلطان الغورى. حرص خلفاء هذا القائد على توطيد نفوذهم بالأقاليم الهندية التى استولوا عليها، فلما قامت «دولة المماليك» بالهند، وولى «شمس الدين ألتُمش» أمور السلطنة بدهلى، قامت فى وجهه المشاكل والاضطرابات الداخلية التى هدفت إلى الإطاحة بحكمه، ثم أعقبها وفاة «قطب الدين آيبك»، فانتهز «الخلجيون» هذه الفرصة، وسيطروا على «بهار» والبنغال. عمد سلاطين «دولة المماليك» بالهند إلى القضاء على حركات الاستقلال التى تزعمها «الخلجيون» للانفصال عنهم، والاستقلال بما تحت أيديهم، فتصدى «الخلجيون» لهم، وعوَّلوا على تغيير نظام الحكم فى «دهلى»؛ حيث استبد الأتراك بالأمر فيها، ثم جمعوا قواتهم تحت قيادة زعيمهم «فيروز»، وأحدثوا انقلابًا فى «دهلى»، وأطاحوا بالسلطان الطفل، وأعلنوا «فيروز» سلطانًا عليهم، ولقبوه بجلال الدين، وذلك فى سنة (٦٨٩هـ = ١٢٩٠م)، فكان أول السلاطين الخلجيين الذين استمر حكمهم ثلاثين عامًا تقريبًا، حتى سنة (٧٢٠هـ =١٣٢٠م). يعد «علاء الدين الخلجى»، الذى حكم فى الفترة من سنة (٦٩٥هـ = ١٢٩٥ م) إلى سنة (٧١٥هـ = ١٣١٥م)، من أعظم سلاطين عصره، حيث كان محاربًا شجاعًا، وحاكمًا عادلا، وكان أول من قاد الجيوش فاتحًا شبه القارة الهندية، رافعًا راية الجهاد تحت لواء الإسلام. تأثر

стр. 2859

الخلجيون بالبيئة الأفغانية التى انتشر بها التصوف على يد رجل فارسى يُدعى «سيدى مولى»، الذى فر إلى «الهند» عقب الغزو المغولى لبلاد فارس، فالتف حوله الناس من مختلف الطبقات، ووفدوا عليه من كل مكان، فقويت شوكته، وتدخل فى شئون الحكم، ودبر مؤامرة للإطاحة بجلال الدين الخلجى، ولكن «جلال الدين» أحبط هذه المؤامرة، ثم خلفه السلطان «مبارك شاه» فى عام (٧١٦هـ = ١٣١٦م)، فى الوقت الذى كانت البلاد تمر فيه بظروف صعبة، وتحتاج إلى حكومة قوية؛ تنقذها من هاوية الأزمات التى تردت فيها، فعمل على إعادة الهدوء والسكينة إلى البلاد، وأصلح شئونها، وأغدق على المحتاجين من رعاياه، ومنح الجنود المكافآت، وخفف عن الناس عبء الضرائب، وشجع التجارة، وألغى القوانين التى تحدد أرباحها، فانتعشت وراجت، وكان لذلك أثره المباشر فى تنمية موارد البلاد وازدهار حضارتها، رغم الفترة القصيرة التى قضاها «مبارك شاه» فى الحكم، حيث قُتل فى عام (٧٢٠هـ = ١٣٢٠م (.

стр. 2860

* التغلقيون (دولة) استمال «تغلق شاه» جنود شمالى غرب «الهند» إلى صفه، ثم قادهم إلى «دهلى»، وتمرد على السلطان «خسرو شاه ناصر الدين» آخر حكام «الدولة الخلجية»، فقد عدد كبير من جيش «خسرو شاه»، ثم التقى الفريقان فى «ديوبالبور»، وخسر الخلجيون المعركة، وفروا منها، تاركين خلفهم الأسلحة والخيول والفيلة والأموال والمعدات، فدخل «تغلق» العاصمة «دهلى» دون معارضة، ولبَّى الناس نداءه للدخول فى طاعته، بسبب كرههم لخسرو شاه الذى آذاهم وأهان معتقداتهم، ثم دارت معركة فاصلة بين الطرفين فى عام (٧٢٠هـ = ١٣٢٠م)، وانتهت بهزيمة الخلجيين، ومقتل «خسرو شاه»، وسقوط «دولة الخلجيين» ببلاد الهند. قامت «دولة التغلقيين» على أنقاض «دولة الخلجيين» ببلاد «الهند»، وتولى «تغلق شاه الأول» الحكم فى عام (٧٢٠هـ = ١٣٢٠م)، واستمر فيه حتى سنة (٧٢٥هـ = ١٣٢٤م)، وعرف باسم السلطان «غياث الدين تغلق»، ويرجع أصله إلى الجغتائيين الأتراك، وقد قدم فى مطلع شبابه إلى «بلاد السند»؛ لخدمة بعض التجار فى عهد السلطان «علاء الدين»، ثم دخل فى خدمة «أولوخان» أمير «السند» آنذاك، وتدرج فى الفروسية حتى احتل وظيفة أمير الخيل، فلما ولى «قطب الدين» عهد بهذه الإمارة إلى ابنه «محمد تغلق»، فشغل هذا المنصب إلى عهد «خسرو شاه»، أعلن الثورة، ودخل «دهلى»، ودارت بينه وبين «خسرو شاه» عدة معارك، تمكن - فى نهايتها - من قتله، والانتصار على جيشه، ثم دخل القصر الملكى وجلس على سرير الملك. لم تستقر أمور هذه السلطنة فى عهد «بنى تغلق»؛ حيث ظهرت بها المؤامرات، واشتعلت الفتن لانتزاع كرسى الحكم، وثار «محمد بن تغلق» على أبيه فى سنة (٧٢٥هـ = ١٣٢٥م)، حين أعلن هذا الأب استياءه من تصرفات ابنه، ومن استكثاره شراء المماليك، ومبالغته فى بذل العطايا، ومنح الهبات، فدبر الابن حيلة تمكن بواسطتها من قتل أبيه. كان «محمد بن تغلق»

стр. 2861

غريب الأطوار؛ حيث كان محبا للإنفاق والإغداق وبذل الهبات والعطايا، وفى الوقت نفسه يعمل على إراقة الدماء، ويسعد برؤيتها، فساءت الأحوال فى عهده، ونقل عاصمته إلى مدينة «ديوكر» التى أطلق عليها اسم: «دولت آباد» لكى يأمن خطر المغول، وأجبر سكان «دهلى» على الانتقال إلى العاصمة الجديدة، فاشتدت الأمور سوءًا، وقامت الثورات فى وجهه، ونشطت الحركات الاستقلالية فى عهده، فعدل عن الاستقرار فى هذه العاصمة الجديدة، ولكن الخراب والدمار قد لحقا بدهلى نتيجة هجرها، ولم يتمكن الناس من العودة إليها، فبنى لهم مدينة جديدة بالقرب منها. لم يكن للسلطان «محمد بن تغلق» وريث للحكم حين وفاته، فورثه ابن عمه «فيروز تغلق» فى عام (٧٥٢هـ = ١٣٥١م)، وحكم فى الناس بالعدل، وسار بينهم سيرة حسنة، ثم خلفه حفيده «غياث الدين تغلق شاه الثانى» فى عام (٧٩٠هـ = ١٣٨٨م)، ونشطت فى عهده الحركات الاستقلالية، وظلت البلاد فى هذا الوضع المضطرب حتى وفاة آخر سلاطين «آل تغلق» فى عام (٨١٥هـ = ١٤١٢م)، فاجتمع أعيان «دهلى»، ونصبوا «دولت خان» حاكمة على البلاد، ثم تعرضت «دهلى» للغزو التيمورى الذى قضى على مظاهر الحضارة فيها، وأهلك الحرث والنسل، ولكن هذه الحضارة عادت مظاهرها ثانية إلى هذه السلطنة فى عهد «ظهير الدين محمد بابر» فاتح «الهندوستان»، الذى ينتهى نسبه إلى «تيمورلنك» من ناحية أبيه، وإلى «جنكيزخان» من ناحية أمه. شجع «تغلق شاه» رعيته على تعمير الأرض والاهتمام بالزراعة، فشق الترع والقنوات، وأصلح طرق الرى، وخفض الضريبة على الأراضى الزراعية. وكان «محمد بن تغلق» من المشتغلين بالعلوم والفنون والآداب، وله منثورات ومنظومات رفيعة المستوى باللغتين العربية والفارسية، وكذلك كان يجيد الفلسفة والحكمة والمنطق، كما برع فى الطب، وعالج الناس بنفسه، وأشرف على ملاجئ العجزة التى أقامها لهم، وأنشأ مدينة «دولت آباد» لكى تكون

стр. 2862

عاصمة لبلاده، إلا أنه عدل عن هذه الفكرة، ووفد عليه الكثيرون من المشتغلين بالعلوم والفنون والآداب، وعمل على رعايتهم، ونهج حكام أسرة «آل تغلق» سياسة فى استقطاب الأدباء والعلماء. ظلت الحياة الثقافية فى «الهند» مزدهرة فى عهد «بنى تغلق»، ووفد على السلطان «محمد بن تغلق» الكثير من العلماء والأدباء والفلاسفة، فقد كان هذا السلطان أديبًا وشاعرًا، كما كان فيلسوفًا وطبيبًا بارعًا. ولم يكن «فيروز شاه» أقل منه اهتمامًا بالعلم وأهله، إذ أسس ثلاثين مدرسة لعلوم الدين واللغة والتاريخ والحكمة والرياضيات والفلك والطب، وجلب العلماء المسلمين إلى السلطنة للتدريس بهذه المدارس، وعنى بدراسات «الهند» وعلومها القديمة للاستفادة منها. وقد لاحظ «ابن بطوطة» فى رحلاته ببلاد «الهند» كثرة المدارس، وذكر أنه كانت هناك مدارس للصبية وأخرى للفتيات، وأوضح أن النساء بالهند كن يقبلن على التعليم باهتمام بالغ وخصوصًا العلوم الدينية، وقد وفد «ابن بطوطة» على بلاد «الهند» فى عام (٧٣٤هـ = ١٣٣٣م)، واتصل بالسلطان «محمد بن تغلق»، وتولى منصب القضاء فى دولته، وأقام بها مدة ثمانى سنوات، ووصف بلاد «الهند» ونظمها وسياسة حكامها، وطرق إدارتها، وأحوال المعيشة، ومعايش الناس فيها. وأنشأ «فيروز شاه» المدرسة «الفيروزشاهية»، وعنى بعمارتها، وأحاطها بالحدائق الغناء، وجعلها مقصد العلماء وطلاب العلم من كل مكان، فكان من أساتذتها «جلال الدين الرومى» الذى قام بتدريس علوم التفسير والحديث والفقه بها، ومارس الوعظ والتدريس، وبرع فى نظم الشعر، فأقبل عليه التلاميذ من كل مكان، وكانت آخر وصاياه لتلاميذه وصيته التى قال فيها: «أوصيكم بتقوى الله فى السر والعلانية، وقلة النوم والطعام والكلام، وهجران المعاصى والآثام، ومواظبة الصيام، ودوام القيام، وترك الشهوات على الدوام، واحتمال الجفاء من جميع الأنام، وترك مجالسة السفهاء

стр. 2863

والعوام، ومصاحبة الصالحين والكرام. فإن خير الناس مَن ينفع الناس، وخير الكلام ما قل ودل».

стр. 2864

* تغلق شاه (بنو) استمال «تغلق شاه» جنود شمالى غرب «الهند» إلى صفه، ثم قادهم إلى «دهلى»، وتمرد على السلطان «خسرو شاه ناصر الدين» آخر حكام «الدولة الخلجية»، فقد عدد كبير من جيش «خسرو شاه»، ثم التقى الفريقان فى «ديوبالبور»، وخسر الخلجيون المعركة، وفروا منها، تاركين خلفهم الأسلحة والخيول والفيلة والأموال والمعدات، فدخل «تغلق» العاصمة «دهلى» دون معارضة، ولبَّى الناس نداءه للدخول فى طاعته، بسبب كرههم لخسرو شاه الذى آذاهم وأهان معتقداتهم، ثم دارت معركة فاصلة بين الطرفين فى عام (٧٢٠هـ = ١٣٢٠م)، وانتهت بهزيمة الخلجيين، ومقتل «خسرو شاه»، وسقوط «دولة الخلجيين» ببلاد الهند. قامت «دولة التغلقيين» على أنقاض «دولة الخلجيين» ببلاد «الهند»، وتولى «تغلق شاه الأول» الحكم فى عام (٧٢٠هـ = ١٣٢٠م)، واستمر فيه حتى سنة (٧٢٥هـ = ١٣٢٤م)، وعرف باسم السلطان «غياث الدين تغلق»، ويرجع أصله إلى الجغتائيين الأتراك، وقد قدم فى مطلع شبابه إلى «بلاد السند»؛ لخدمة بعض التجار فى عهد السلطان «علاء الدين»، ثم دخل فى خدمة «أولوخان» أمير «السند» آنذاك، وتدرج فى الفروسية حتى احتل وظيفة أمير الخيل، فلما ولى «قطب الدين» عهد بهذه الإمارة إلى ابنه «محمد تغلق»، فشغل هذا المنصب إلى عهد «خسرو شاه»، أعلن الثورة، ودخل «دهلى»، ودارت بينه وبين «خسرو شاه» عدة معارك، تمكن - فى نهايتها - من قتله، والانتصار على جيشه، ثم دخل القصر الملكى وجلس على سرير الملك. لم تستقر أمور هذه السلطنة فى عهد «بنى تغلق»؛ حيث ظهرت بها المؤامرات، واشتعلت الفتن لانتزاع كرسى الحكم، وثار «محمد بن تغلق» على أبيه فى سنة (٧٢٥هـ = ١٣٢٥م)، حين أعلن هذا الأب استياءه من تصرفات ابنه، ومن استكثاره شراء المماليك، ومبالغته فى بذل العطايا، ومنح الهبات، فدبر الابن حيلة تمكن بواسطتها من قتل أبيه. كان «محمد بن تغلق» غريب الأطوار؛ حيث كان محبا للإنفاق والإغداق وبذل الهبات

стр. 2865

والعطايا، وفى الوقت نفسه يعمل على إراقة الدماء، ويسعد برؤيتها، فساءت الأحوال فى عهده، ونقل عاصمته إلى مدينة «ديوكر» التى أطلق عليها اسم: «دولت آباد» لكى يأمن خطر المغول، وأجبر سكان «دهلى» على الانتقال إلى العاصمة الجديدة، فاشتدت الأمور سوءًا، وقامت الثورات فى وجهه، ونشطت الحركات الاستقلالية فى عهده، فعدل عن الاستقرار فى هذه العاصمة الجديدة، ولكن الخراب والدمار قد لحقا بدهلى نتيجة هجرها، ولم يتمكن الناس من العودة إليها، فبنى لهم مدينة جديدة بالقرب منها. لم يكن للسلطان «محمد بن تغلق» وريث للحكم حين وفاته، فورثه ابن عمه «فيروز تغلق» فى عام (٧٥٢هـ = ١٣٥١م)، وحكم فى الناس بالعدل، وسار بينهم سيرة حسنة، ثم خلفه حفيده «غياث الدين تغلق شاه الثانى» فى عام (٧٩٠هـ = ١٣٨٨م)، ونشطت فى عهده الحركات الاستقلالية، وظلت البلاد فى هذا الوضع المضطرب حتى وفاة آخر سلاطين «آل تغلق» فى عام (٨١٥هـ = ١٤١٢م)، فاجتمع أعيان «دهلى»، ونصبوا «دولت خان» حاكمة على البلاد، ثم تعرضت «دهلى» للغزو التيمورى الذى قضى على مظاهر الحضارة فيها، وأهلك الحرث والنسل، ولكن هذه الحضارة عادت مظاهرها ثانية إلى هذه السلطنة فى عهد «ظهير الدين محمد بابر» فاتح «الهندوستان»، الذى ينتهى نسبه إلى «تيمورلنك» من ناحية أبيه، وإلى «جنكيزخان» من ناحية أمه. شجع «تغلق شاه» رعيته على تعمير الأرض والاهتمام بالزراعة، فشق الترع والقنوات، وأصلح طرق الرى، وخفض الضريبة على الأراضى الزراعية. وكان «محمد بن تغلق» من المشتغلين بالعلوم والفنون والآداب، وله منثورات ومنظومات رفيعة المستوى باللغتين العربية والفارسية، وكذلك كان يجيد الفلسفة والحكمة والمنطق، كما برع فى الطب، وعالج الناس بنفسه، وأشرف على ملاجئ العجزة التى أقامها لهم، وأنشأ مدينة «دولت آباد» لكى تكون عاصمة لبلاده، إلا أنه عدل عن هذه الفكرة، ووفد عليه

стр. 2866

الكثيرون من المشتغلين بالعلوم والفنون والآداب، وعمل على رعايتهم، ونهج حكام أسرة «آل تغلق» سياسة فى استقطاب الأدباء والعلماء. ظلت الحياة الثقافية فى «الهند» مزدهرة فى عهد «بنى تغلق»، ووفد على السلطان «محمد بن تغلق» الكثير من العلماء والأدباء والفلاسفة، فقد كان هذا السلطان أديبًا وشاعرًا، كما كان فيلسوفًا وطبيبًا بارعًا. ولم يكن «فيروز شاه» أقل منه اهتمامًا بالعلم وأهله، إذ أسس ثلاثين مدرسة لعلوم الدين واللغة والتاريخ والحكمة والرياضيات والفلك والطب، وجلب العلماء المسلمين إلى السلطنة للتدريس بهذه المدارس، وعنى بدراسات «الهند» وعلومها القديمة للاستفادة منها. وقد لاحظ «ابن بطوطة» فى رحلاته ببلاد «الهند» كثرة المدارس، وذكر أنه كانت هناك مدارس للصبية وأخرى للفتيات، وأوضح أن النساء بالهند كن يقبلن على التعليم باهتمام بالغ وخصوصًا العلوم الدينية، وقد وفد «ابن بطوطة» على بلاد «الهند» فى عام (٧٣٤هـ = ١٣٣٣م)، واتصل بالسلطان «محمد بن تغلق»، وتولى منصب القضاء فى دولته، وأقام بها مدة ثمانى سنوات، ووصف بلاد «الهند» ونظمها وسياسة حكامها، وطرق إدارتها، وأحوال المعيشة، ومعايش الناس فيها. وأنشأ «فيروز شاه» المدرسة «الفيروزشاهية»، وعنى بعمارتها، وأحاطها بالحدائق الغناء، وجعلها مقصد العلماء وطلاب العلم من كل مكان، فكان من أساتذتها «جلال الدين الرومى» الذى قام بتدريس علوم التفسير والحديث والفقه بها، ومارس الوعظ والتدريس، وبرع فى نظم الشعر، فأقبل عليه التلاميذ من كل مكان، وكانت آخر وصاياه لتلاميذه وصيته التى قال فيها: «أوصيكم بتقوى الله فى السر والعلانية، وقلة النوم والطعام والكلام، وهجران المعاصى والآثام، ومواظبة الصيام، ودوام القيام، وترك الشهوات على الدوام، واحتمال الجفاء من جميع الأنام، وترك مجالسة السفهاء والعوام، ومصاحبة الصالحين والكرام. فإن خير الناس مَن ينفع

стр. 2867

الناس، وخير الكلام ما قل ودل».

стр. 2868

* المغول (دولة فى الهند) ترجع نشأة المغول إلى «عمر شيخ» الذى تولى إمارة «فرغانة»، ثم دخل فى حروب طويلة مع جيرانه وأصهاره المغول، وإخوته الأتراك، لتوسيع أملاكه، ثم تُوفى فى عام (٨٩٩هـ = ١٤٩٣م)، نتيجة سقوطه من فوق حصن له، وخلفه ابنه «ظهير الدين محمد بابر»، وكان عمره اثنتى عشرة سنة آنذاك، وحكم سلاطين الإمبراطورية المغولية «الهند» نحو ثلاثة قرون. ولد «ظهير الدين بابر» فى عام (٨٨٨هـ = ١٤٨٢م) بإمارة «فرغانة» التى كان يحكمها والده، ثم أخرجه منها «الأزبك» و «الشيبانيون»، فاتجه إلى «أفغانستان»، واستولى على «كابل» فى عام (٩١٠هـ = ١٥٠٤م)، ثم استولى على «قندهار» فى عام (٩١٣هـ = ١٥٠٧م)، ومن ثم عقد العزم على غزو «هندوستان»، والاستيلاء عليها، وأعد العدة لذلك، ثم خرج بقواته وجيوشه، وبصحبته قادته الأتراك الذين أطلق عليهم اسم «المغول»، وقصد «هندوستان»، فغزا «البنجاب» واستولى على «لاهور» فى (السابع من شهر رجب سنة ٩٣٢هـ = ٢٠ من إبريل سنة ١٥٢٦م)، وانتصر على «إبراهيم اللودى» وقضى على اللوديين فى معركة «بانى بت»، وتمكن من السيطرة على «دهلى» و «آكره»، ثم واصل زحفه إلى «هندوستان»، وسيطر على شمالها من «نهر السند» إلى سواحل «بنكاله»، ولكن وافاه أجله فى عام (٩٣٧هـ = ١٥٣٠م)، قبل أن يدخل «بنكاله»، و «كجرات»، و «مالوه». كان «ظهير الدين» قد بعث بابنه «همايون» على رأس الجيش للاستيلاء على «آكره»، فاستولى عليها، وعلى كنوزها الثمينة التى كانت تضم جوهرة «كوه نور» أثمن جوهرة فى العالم، فأثار ذلك ملوك الهندوس، فتحالفوا ضده، إلا أنه تمكن من الانتصار عليهم، فى معركة «رانا سنك»، وأسس «بابر» دولته، واهتم بالإصلاحات الداخلية فيها. خلف «ناصر الدين هُمايون» أباه «ظهير الدين بابر» فى التاسع من جمادى الأولى عام (٩٣٧هـ = ١٥٣٠م)، وكان عمره آنذاك تسعة عشرة عامًا، فواجه صعوبات شديدة، وتوفى فى

стр. 2869

عام (٩٦٣هـ = ١٥٥٦م)، وخلفه ابنه «أكبر شاه» الذى انتقل بالبابريين من مجرد غزاة إلى أصحاب دولة قوية راسخة البنيان؛ إذ استولى على أهم مناطق «الهند»، وانتصر فى معركة «بانى بت» فى عام (٩٦٤هـ= ١٥٥٦م) - وهى المنطقة نفسها التى انتصر فيها «بابر» من قبل - ونجح «أكبر شاه» فى تنظيم حكومة أجمع المؤرخون على دقتها وقوتها، وذلك فضلا عن النهضة الثقافية التى حدثت فى عصره، والتى بلغت مكانة سامية لم تصل إليها بلاد «أوربا»، ثم تُوفى «أكبر شاه» فى سنة (١٠١٤هـ = ١٦٠٥م)، وخلفه ابنه «سليم» الذى تلقَّب باسم «نور الدين بادشاه» «جهانكيز»، وكان عمره -آنذاك- ستا وثلاثين سنة، فنهج سياسة أبيه فى التسامح، وأشاع العدل بين رعاياه، ثم خلفه ابنه «شاه جهان» فى عام (١٠٣٧هـ = ١٦٢٨م). وإذا كانت «نورجهان» زوجة «جهانكيز» قد اشتهرت بمكائدها، فقد اشتهرت «ممتاز محل» زوجة «شاهجهان» بالطيبة والصفات الحميدة، والبر بالفقراء، ودفعت زوجها إلى العفو عن المذنبين، واستخدام «التأريخ الهجرى» بدلا من «التأريخ الألفى» الذى وضع فى عهد «جلال الدين أكبر». أحب «شاه جهان» زوجته حبا شديدًا، وبلغ وفاؤه لها مبلغًا عظيمًا، وبنى لها مقبرة «تاج محل»، التى تعد من روائع الفن المعمارى، وإحدى عجائب الدنيا، ومازالت قائمة حتى الآن. وفى عهد «شاه جهان» حدثت مجاعة شديدة بالهند، فاستغلها البرتغاليون فى خطف الأهالى وأسرهم، ثم بيعهم فى سوق الرقيق، وقد استطاع «قاسم خان» تخليص عشرة آلاف فرد منهم من أيديهم، وعهد «شاه جهان» بالحكم إلى ابنه «أورنك زيب»، بعد أن عهد إلىه بالقضاء على ثورات «الدكن». تولى «أورنك زيب» العرش فى سنة (١٠٦٩هـ)، فألغى الاحتفال بأعياد «النيروز»، وتمسك بتعاليم السنة، وأمر بتعمير المساجد، وعين لها العلماء والوعاظ، وعمل على نهضة هذه البلاد، ثم أدت الاضطرابات التى قامت وعمت مناطق واسعة من الإمبراطورية المغولية إلى سقوط

стр. 2870

هذه الإمبراطورية فى قبضة الإنجليز فى عام (١٢٧٥هـ = ١٨٥٨م). اتسم حكام الإمبراطورية المغولية بالهند بالتسامح والعدل بين الرعية، وأدى ذلك إلى اقتراب الناس منهم، ومصاهرتهم، وإلى انتشار الإسلام فى ربوع دولتهم، وقد تجلى هذا التسامح فى أبهى صوره فى عهد السلطان «جلال الدين أكبر»، الذى نادى بأن تكون «الهند» لأهلها من المسلمين والهندوس. ظلت السلطة الفعلية فى أيدى السلاطين، إذ كانوا يسيطرون على نظم الحكم كلها، فقويت البلاد فى عهد الحكام الأقوياء، وسقطت بالسلاطين الضعفاء، ولم تكن للوزير أو الوالى سلطات قوية. انقسمت إدارة الأراضى الزراعية للدولة إلى نوعين، أولهما: إقطاع القادة والأمراء مساحات من الأرض، ليقوموا على زراعتها ورعايتها، ثم ينفقوا من غلتها على جنودهم وخدمهم وتابعيهم، والنوع الثانى: شبيه بما يحدث اليوم؛ إذ كان الرجل يأخذ قطعة أرض مقابل الالتزام بدفع بدل يؤديه إلى خزانة الدولة. ولعل العمارة كانت من أبرز مظاهر الحضارة فى الإمبراطورية المغولية فى «الهند»، إذ اهتم بها البابريون اهتمامًا بالغًا، وعمدوا إلى تعمير المدن، وأصبح لهم طرازهم المعمارى المميز، الذى كان مزيجًا من فنون المسلمين والهندوس، وكانت أهم سماته القباب البصلية الشكل؛ المرصعة بالأحجار الكريمة، و «الميناء» و «الخزف»؛ فضلا عن الأقواس الحادة، والأبواب الفخمة التى فى أعلاها نصف قبة، يُضاف إلى ذلك «تاج محل» إحدى عجائب الدنيا، ذلك البناء الذى شيده «شاهجهان» ليكون مثوى لزوجته «ممتاز محل» تخليدًا ووفاءً لذكراها. عنى أباطرة «الدولة المغولية» عناية فائقة بالحركة الفكرية بالهند، حيث ساهموا فى إخراج كتب قيمة للناس مثل كتاب: «بابرنامه» الذى وضعه «بابر» عن نفسه وحكمه، وأظهر هذا الكتاب إلمام «بابر» الواسع بالتاريخ وتقويم البلدان، والعلوم العقلية والنقلية، كما أظهر إلمامه بالآداب العربية

стр. 2871

والتركية والفارسية. وكذلك كتبت «كلبدن بيكيم» ابنة «بابر» كتاب «همايون نامه» الذى يعد مرجعًا وثيقًا فى تاريخ «همايون» ثانى سلاطين الإمبراطورية المغولية. أعفى «أكبر» الهنادكة من ضريبة الرءوس، واهتم بالعلوم والآداب والفنون، وأصدر القوانين والتشريعات الاجتماعية التى تكفل للناس حقوقهم، وتحافظ عليهم وعلى ممتلكاتهم، ونبغ فى عصره العديد من المؤرخين والعلماء والأدباء من المسلمين والهنادكة.

стр. 2872

* الأغالبة ينسب الأغالبة إلى «الأغلب بن سالم التميمى»، وهو عربى من قبيلة «تميم»، التى شاركت فى القضاء على «الأمويين»، وإقامة «الدولة العباسية»، وقد تولى «الأغلب» إفريقية فى سنة (١٤٨هـ=٧٦٥م)، ثم استشهد بها فى حربه ضد الطامعين بقيادة «الحسن بن حرب الكندى». إبراهيم بن الأغلب [١٨٤هـ=٨٠٠م]: تلقى «إبراهيم بن الأغلب» - فى نشأته الأولى - دروسه الدينية بمسجد الفسطاط على يد الإمام «الليث بن سعد»، فلما بلغ مبلغ الشباب التحق بالجندية، ثم جاء إلى «المغرب» وشارك فى أحداثها، ثم ظهر على مسرح الأحداث فى إفريقية - كما سبقت الإشارة إليه - فى عهد «محمد بن مقاتل العكى». استقل «إبراهيم» بحكم «المغرب الأدنى» عن الخلافة، وعمد إلى إقرار الأمن والاستقرار بهذا الإقليم، فضلاً عن تعريبه، واستكمال نظامه الإدارى، وتنمية اقتصاده، فباتت «القيروان» مركزًا من مراكز العلم والحضارة بالدولة الإسلامية، وظهرت أهمية المدن التابعة لها. مثل: «تونس»، و «سوسة»، و «قابس»، و «قفصة»، و «توزر»، و «نفطة»، و «طبنة»، و «المسيلة»، و «بجاية»، وغيرها. ولكن ذلك لم يمنع من وقوع بعض الثورات بالمنطقة، مثل ثورة «عمران بن مجالد الربيعى» الذى جمع حوله أهل «القيروان» فى محاولة للقضاء على حكم «الأغالبة»، ولكن محاولتهم باءت بالفشل، حيث تصدى لهم «إبراهيم بن الأغلب» بحزم وشدة، واستمر فى منصبه حتى وافته منيته فى شوال سنة (١٩٦هـ= يونيو ٨١٢م)، فذكره المؤرخون بأنه كان أحسن الولاة سيرة، وأفضلهم سياسة، وأوفاهم بالعهد، وأرعاهم للحرمة، وأرفقهم بالرعية، وأخلصهم لأداء واجبه. أبو العباس عبدالله بن إبراهيم بن الأغلب [١٩٦هـ=٨١٢م]: تولى «أبو العباس» «المغرب» خلفًا لوالده، فاستقامت له الأمور واستقرت، ولكنه انتهج سياسة ضريبية سيئة، أسفرت عن سخط الناس عليه، وظل «أبو العباس» بالحكم مدة خمس سنوات ثم مات من جرَّاء قرحة

стр. 2873

أصابته تحت أذنه. زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب [٢٠١هـ=٨١٦م]: تولى «زيادة» مقاليد الحكم بالمغرب خلفًا لأخيه «أبى العباس» واستمر فى هذه الإمارة حتى سنة (٢٢٣هـ= ٨٣٨م)، فتمتعت البلاد فى عهده بالرخاء والازدهار، فضلا عن التشييد والعمران بالمدن المغربية، مثل: «القيروان»، و «العباسية»، و «تونس»، و «سوسة» وقد وجه «زيادة» قدراته العسكرية للقضاء على الثورات التى قامت بالمنطقة، ومنها: ثورة «زياد بن سهل» المعروف بابن الصقلبية فى سنة (٢٠٧هـ=٨٢٢م)، وثورة «عمرو بن معاوية العيشى» فى سنة (٢٠٨هـ=٨٢٣م)، وثورة «منصور الطنبذى» فى سنة (٢٠٩هـ=٨٢٤م)، وكذلك وجه «زيادة» كفاءته الحربية فى العناية بالأسطول الإسلامى، ثم توجيهه لغزو بعض الجزر القريبة من «تونس»، وإليه يرجع الفضل فى إعداد حملة بحرية كبيرة بقيادة «أسد بن الفرات» لغزو الجزر القريبة من «تونس»، ثم تُوفى فى سنة (٢٢٣هـ=٨٣٨م). أبو عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب [٢٢٣هـ=٨٣٨م): تولى الإمارة خلفًا لأخيه «زيادة» فى سنة (٢٢٣هـ=٨٣٨م)، ومكث بها ما يقرب من ثلاث سنوات؛ نعمت البلاد خلالها بالهدوء والاستقرار، وحرَّم «أبو عقال» صنع الخمور بالقيروان، وعاقب على بيعها وشربها، فكان لذلك صداه الطيب فى نفوس الناس عامة، فضلا عن الفقهاء والعلماء، ومات «أبو عقال» بالقيروان فى سنة (٢٢٦هـ=٨٤١م). أبو العباس محمد بن الأغلب [٢٢٦هـ=٨٤١م]: تولى الإمارة خلفًا لأبيه «الأغلب»، وظل بها أكثر من خمسة عشر عامًا، اتسمت بالخلافات بين أبناء «الأسرة الأغلبية»، فضلا عن محاولة أخيه «أحمد» الفاشلة للإطاحة به والوصول إلى الحكم، يضاف إلى ذلك انتفاضات الجند التى لم يكتب لها النجاح بمنطقتى «الزاب»، و «تونس»، وقد تُوفى «أبو العباس» فى سنة (٢٤٢هـ) بالقيروان. أبو إبراهيم أحمد بن محمد [٢٤٢هـ=٨٥٦م]: تولى خلفًا لأبيه عقب وفاته فى سنة (٢٤٢هـ)، وتميزت فترة حكمه بالهدوء والاستقرار، وقد غلب

стр. 2874

الطابع الدينى على سلوكه، فكان يخرج فى شهرى شعبان ورمضان من مقر إقامته ليوزع الأموال على الفقراء والمساكين بالقيروان، واهتم «أبو إبراهيم» بالبناء والتعمير، وزاد فى «مسجد القيروان»، وجدد «المسجد الجامع» بتونس، وحصَّن مدينة «سوسة» وبنى سورها، كما اهتم بإمداد سكان المدن بمياه الشرب، وقد تُوفى فى سنة (٢٤٩هـ=٨٦٣م). أبو محمد زيادة الله الثانى [٢٤٩هـ=٨٦٣م]: تولى «أبو محمد» خلفًا لأخيه «أبى إبراهيم أحمد»، ولم يستمر فى منصبه سوى عام واحد، ثم تُوفى فى سنة (٢٥٠هـ=٨٦٤م). أبو عبد الله محمد بن أحمد [٢٥٠هـ=٨٦٤م]: خلف عمه «أبا محمد زيادة» فى الإمارة فى سنة (٢٥٠هـ=٨٦٤م). وقد اشتهر «أبو عبدالله» بأبى الغرانيق؛ لولعه بصيد «الغرانيق»، وبنى لذلك قصرًا كبيرًا، أنفق عليه أموالا كثيرةً، كما شاد الحصون والمحارس الكثيرة على سواحل البحر المتوسط وتوفى «أبو الغرانيق» فى سنة (٢٦١هـ). إبراهيم بن أحمد [٢٦١هـ=٨٧٥م]: ولى أمور الحكم عقب وفاة أخيه «أبى الغرانيق» فى سنة (٢٦١هـ=٨٧٥م)، وامتد عهده أكثر من ثمانية وعشرين عامًا؛ ظهر خلالها «أبو عبدالله الشيعى»، الذى استقطب إلى دعوته الشيعية عددًا من القبائل، وقد اختلف المؤرخون فى تقييم شخصية «إبراهيم بن أحمد»، فذكر بعضهم أن عهده كان عهد استقرار وهدوء، وإقرار للعدل، وتأمين للسبل، فضلا عن قيامه بإتمام بناء المسجد بتونس، وبناء الحصون والمحارس على سواحل البحر، يضاف إلى ذلك تأسيسه مدينة «رقادة»، وبناؤه جامعًا بها، فى حين يصفه «ابن خلدون» بقوله: «وذكر أنه كان جائرًا، ظلومًا ويُؤخذ أنه أسرف فى معاقبة المعارضين له بالقتل والتدمير، لكنه حاول فى أخريات أيامه إصلاح ما أفسده، وبخاصة بعد ظهور داعية الشيعة «أبى عبدالله» وانضمام كثير من الناس إلى دعوته، فأسقط المغارم، ورفع المظالم عن طبقات الشعب الكادحة، كما تجاوز عن ضريبة سنة بالنسبة إلى أهل الضياع، ووزع الأموال على الفقراء

стр. 2875

والمحتاجين، وختم حياته بالجهاد فى «صقلية»، حيث مرض أثناء حصاره لإحدى المدن، ومات ليُحمل ويدفن فى مدينة «بلرم» فى سنة (٢٨٩هـ=٩٠٢م)، وذكر «ابن الأثير» أنه حُمل فى تابوت ودفن بالقيروان. أبو العباس عبدالله بن إبراهيم [٢٨٩هـ=٩٠٢م]: تولى الإمارة فى سنة (٢٨٩هـ=٩٠٢م)، ولم يستمر بها سوى عام ونصف العام، حيثُ قُتل على يد ابنه «زيادة الله»، وكانت فترة حكمه امتدادًا لسياسة والده «إبراهيم بن أحمد» فى الحكم، فبدأت عوامل الضعف والوهن تدب فى أوصال دولة الأغالبة. زيادة الله بن أبى العباس عبدالله [٢٩٠هـ=٩٠٣م]: تولى «زيادة» الحكم عقب مقتل أبيه، وانتهج سياسة أبيه وجده، وتتبع أفراد أسرته بالقتل، فى الوقت الذى نشط فيه «أبو عبدالله الشيعى» وأحرز الانتصارات تلو الأخرى، واستولى على كثير من المدن الأغلبية، ولم تفلح جيوش «زيادة» فى صده أو إيقاف زحفه، فوجد «زيادة» نفسه عاجزًا عن الحفاظ على ملك آبائه وأجداده، فآثر الهرب إلى «مصر»، وحمل معه كل ما استطاع حمله من مال وعتاد، ورحل من «رقادة» فى (٢٦من جمادى الآخرة عام ٢٩٦هـ= مارس ٩٠٩م)، فباتت المدينة سهلة المنال «لأبى عبدالله الشيعى»، فبعث «عروبة بن يوسف» أحد قادته للاستيلاء عليها، فدخلها دون قتال، وطويت بذلك صفحة «الأغالبة».
следующие страницы →