← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

ظهر هذا الخطر منذ عهد أول سلاطين «كانم» الإسلامية وهو الماى (السلطان) «أوم بن عبدالجليل» (١٠٨٦ - ١٠٩٧م) الذى حاربهم وانتصر عليهم، فأعلنوا الطاعة والخضوع، وظلوا يتقلبون بين التبعية والتحرر من سلطان «كانم» حتى ظهر زعيمهم الموصوف بالقوة والشجاعة والدهاء وهو «عبدالجليل سيكومامى» الذى حقق لهم الاستقلال التام والتوسع فى حدود سلطنته فى عام (١٣٦٥م)، بفضل معاونة العرب الموجودين فى هذه المنطقة، واتخذ من مدينة «ماسيو» التى تقع بين «بحيرة فترى» و «كانم» عاصمة له. ثم حارب مايات كانم وانتصر عليهم، وبذلك وقع إقليم «كانم» بأسره فى قبضة «البلالة»، مما جعلهم يحكمون دولة واسعة تمتد من حدود «دارفور» الغربية وبلاد «النوبة» حتى شواطئ «بحيرة تشاد» الشرقية، واضطرت «الأسرة السيفية الماغومية» الحاكمة فى «كانم» إلى الهرب إلى إقليم «برنو» الذى يقع فى غرب «بحيرة تشاد». ولكن لم يلبث حكام «برنو» أن استعادوا قوتهم على يد الماى «على جاجى بن دونمه» الملقب بالغازى؛ نظرًا لغزوه إقليم «كانم»، ونشب بينه وبين «البلالة» صراع منذ عام (١٤٧٢م) فى محاولة لاسترداد «كانم» مرة أخرى، واستمر الصراع فترة طويلة انتهى بعقد اتفاقية سلام، اتفقا فيها على رسم الحدود بين «كانم» و «برنو». وعلى الرغم من ذلك وبمرور الوقت بدأ الضعف يدب فى جسد سلطنة «البلالة»؛ بسبب الفتن والاضطرابات والحروب الأهلية، وظهور إمارات جديدة بدأت تُغِير على سلطنة «البلالة»، مثل سلطنة «واداى» التى تقع فى الشمال الشرقى لدولة «البلالة»، وسلطنة «باجرمى» التى تقع فى جنوبيِّها الغربى. وعلى الرغم من هذا الضعف فقد ظلت هذه السلطنة قائمة حتى بداية القرن العشرين؛ حيث سقطت فى قبضة الاستعمار الفرنسى فى عام (١٩٠٠م)، ومع ذلك حكم بعض سلاطين «البلالة» تحت راية هذا الاستعمار، وظلوا كذلك حتى نالت البلاد استقلالها فى عام (١٩٦٠م) ودخلت بلاد «البلالة» ضمن حدود جمهورية «تشاد»

стр. 3012

الحديثة منذ ذلك التاريخ. وقد أدَّت «سلطنة البلالة» دورًا اقتصاديا وعلميا ودينيا مهما فى تاريخ المنطقة؛ إذ كانت نظرًا لموقعها بين «دارفور» و «النوبة» فى الشرق، و «كانم» و «بحيرة تشاد» وماوراءها من بلاد «الهوسا» و «مالى» فى الغرب، و «ليبيا» فى الشمال - مركزًا مهما من مراكز التجارة التى تأتى من هذه البلدان مما انعكس أثره على مسيرتها التاريخية، ودَعْم اقتصادها، ورَبَط بينها وبين دول تقع خارج منطقة «بحيرة تشاد»، واتسعت تجارتها حتى وصلت إلى «مصر» وغيرها من البلدان، كما زادت محصولاتها الزراعية. أما الحياة العلمية: فقد تجلت فى المدارس والعلماء والفقهاء والأشراف الذين كانوا يُعامَلُون بكلِّ تبجيلٍ واحترامٍ، كما ظهرت الطرق الصوفية وبخاصة «التيجانية» و «القادرية»، وكان لهذه الطرق أثر كبير فى نشر الإسلام فى هذه البلدان. أما اللغات التى كانت منتشرة بين «البلالة»، فهى عديدة، فقد كانوا يتكلمون لغة «كوكا» وهى قبيلة كانت تسكن مملكة «جاوجا» - أحد أقاليم سلطنة البلالة - وكانوا يتكلمون أيضًا اللغة العربية التى كانت لغة العلم والتعليم ولغة الحكومة الرسمية والتجارة والمراسلات، حتى قضى الاستعمار الفرنسى عليها وعلى استخدام الحروف العربية فى الكتابة وحَوَّلَها إلى الكتابة بالحروف اللاتينية، وإن كان كثير من الأهالى - حتى الآن - يحافظون على التحدث والكتابة باللغة العربية، ومعظمهم - أى نحو (٨٥%) - يدينون بالإسلام.

стр. 3013

* الفونج (دولة) اختلف الباحثون فى أصل «الفونج»، فقيل إنهم من سلالة عربية أموية هربت من وجه العباسيين، وأنهم جاءوا إلى «الحبشة» أولا ومنها إلى «السودان الشرقى» (النيلى)؛ حيث تصاهروا مع ملوك «السودان»، وظهرت نواة إمارة «الفونج» عقب القضاء على مملكة «دنقلة» المسيحية، وتسرَّب العرب على نطاق واسع إلى مملكة «علوة» المسيحية، واتَّسع نطاق هذه الإمارة غربًا، ووصل إلى أطراف منطقة الجزيرة من الشرق، ثم تمَّ التحالف بين هذه الإمارة النامية فى عهد أميرها «عمارة دونقس» (٩١١ - ٩٤١هـ= ١٥٠٥ - ١٥٣٤م) وبين عرب «القواسمة» الذين ينتمون إلى مجموعة «الكواهلة» فى عهد زعيمهم وشيخهم «عبدالله جَمَّاع». وقد كان لهذا التحالف نتائج مهمة فى تاريخ «سودان وادى النيل»: أولها: قضاء الحليفين على مملكة «علوة» المسيحية عام (٩١١هـ= ١٥٠٥م). وثانيها: قيام مملكة «العبد لاب» التى اتَّخذت مدينة «قِرِّى» حاضرة لها، ثم انتقلت منها إلى «حلفاية»، وشاركت «الفونج» فى السيطرة على القسم الشمالى من البلاد وامتدَّ ملكهم من مصب «دندر» إلى بلاد «دنقلة». وثالثها: قيام مملكة «الفونج» الإسلامية التى كان «عمارة دونقس» أول سلطان لها وامتدت من «النيل الأزرق» إلى «النيل الأبيض». وقد بلغت هذه السلطنة أوج مجدها فى عهد السلطان «بادى الثانى أبو دقن» (١٠٥٢ - ١٠٨٨هـ = ١٦٤٢ - ١٦٧٧م)؛ إذ امتدت رقعتها من «الشلال الثالث» إلى «النيل الأزرق»، ومن «البحر الأحمر» إلى «كردفان»، واستمر توسُّع هذه الدولة طيلة القرن الثامن عشر الميلادى فى عهد الملك «بادى الرابع». غير أنه قبيل نهاية ذلك القرن ظهرت عوامل الضعف فى هذه السلطنة، عندما تصدَّعت عُرَى التحالف بين سلاطين «الفونج» و «عرب القواسمة»، كما كان لاستبداد الوزراء والقواد أثره فى القضاء على هذه الدولة، فقد استطاع «محمد بن أبى لكيلك كتمور» المتوفى سنة (١١٩٠هـ = ١٧٧٦م) أن يعزل السلطان «بادى

стр. 3014

الرابع» ويولِّى غيره، وبدأت الانقسامات الداخلية والحروب الأهلية؛ فأدَّت إلى انحلال الأسرة المالكة، حتى جاء الفتح المصرى فى النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادى فى عهد «محمد على باشا». وقد اتخذت سلطنة «الفونج» مظهرًا إسلاميا منذ البداية، فقد استهلت حياتها بالإسهام فى حركة الجهاد الإسلامى، وساعدت العرب فى القضاء على مملكة «علوة» المسيحية، وبذلك تدفَّق الإسلام فى وسط «السودان»، ومنه إلى الجنوب والغرب. كما أسهموا فى محاربة الوثنيين داخل «السودان» نفسه، فقد حاربوا أهل جبال «النوبا» بسبب غاراتهم على «كردفان»، واستمروا فى حربهم زمنًا طويلا حتى انتشر الإسلام فى كثير من مناطق هذه الجبال فى غربى «السودان». كما حارب «الفونج» «الشلك» (أو الشلوك) للغرض نفسه، بل شاركوا فى حركة الجهاد الإسلامى ضد الأحباش فى القرن الثامن عشر الميلادى فقد قضوا على بعثة فرنسية كانت قد قدمت إلى «الحبشة»، بهدف مساندتها فى حربها ضد المسلمين عام (١١١٧هـ= ١٧٠٥م)، كما اشتبكوا مع الأحباش فى عهد الملك «بادى الرابع أبى شلوخ» سنة (١١٥٧هـ = ١٧٤٤م)، وكانت جيوش «الفونج» بقيادة شيخ «قرى» التى كان يتولى إمارتها الشيخ «محمد أبو اللكيلك» كبير الهمج (الهمق)، الذى قضى على دولة «الفونج» فيما بعد، وقد انتصر هؤلاء القواد على جيش «الحبشة»، وكان لانتصارهم هذا دوى هائل فى العالم الإسلامى المعاصر فى «مصر» و «الشام» و «الحجاز» و «تونس» و «إستانبول» و «الهند». ولم يسهم «الفونج» فى نشر الإسلام عن طريق الجهاد فحسب، إنما استعانوا بالوسائل السِّلمية التى كانت الأصل فى غالب الأحوال وكان لرواد الدعوة الذين وفدوا من «الحجاز» و «المغرب» و «مصر» و «العراق» إلى جانب الدعاة الوطنيين فضل كبير فى هذا السبيل فالحج والتجارة بين «الحجاز» و «السودان» كانا من أكبر ماهيَّأ للسودان نشر الدعوة. وكان حجاج «السودان» يشجعون علماء

стр. 3015

«الحجاز» على الرحلة إلى بلاد «الفونج»، كما أن كثيرًا من السودانيين كانوا يتلقون العلم فى «مكة» و «المدينة». أما «المغرب» فكان منبعًا آخر للثقافة الإسلامية. أما «مصر» فكانت علاقة «السودان» بها فى ذلك الحين أقل من تلك التى كانت بينه وبين «الحجاز» و «المغرب»، ومع ذلك تطلَّع ملوك «الفونج» إلى «الأزهر» وعلمائه ورحبوا بهم، وكان بعض السودانيين يذهبون إلى «الأزهر» ثم يعودون إلى بلادهم ناشرين الإسلام وثقافته. وقد رحل أحدهم وهو الفقيه «محمد الجعلى» إلى منطقة جبال «النوبا» التى تقع جنوب «كردفان» مع مجموعة من الفقهاء؛ للدعوة إلى الإسلام فى أوائل القرن السادس عشر الميلادى واستطاع أن يتزوَّج أميرة من البيت الحاكم هناك، فانتقل الحكم إلى ابنه المسمَّى «قيلى أبو جريدة». وقد أسَّس هذا الابن أول أسرة إسلامية حاكمة فى جبال «النوبا»، سنة (٩٢٦هـ = ١٥٢٠م) عرفت باسم مملكة «تقلى»، وكان هو أول سلاطينها. كذلك كان لسلطنة الفونج وعاصمتها اتصال بدارفور التى كانت تستعين بفقهاء «سنار» فى نشر الدعوة، وكان للفونج اتصال أيضًا بالباشا التركى فى موانئ «البحر الأحمر» فى «سواكن» و «مصوع»؛ حيث كان له وكلاء فى «سنار» و «أريجى»، وكذلك اتصلوا باليمن وغيره من الأمصار الإسلامية؛ مما يدل على عمق الروح الإسلامية التى تغلغلت فى مملكة «الفونج». وتظهر هذه الروح الإسلامية فى معاملتهم الحسنة لرجال العلم، وفى احترامهم وإحاطتهم بالرعاية والتكريم، فرحل إليهم كثير من علماء المناطق النائية، وعاشوا فى جوارهم، مما كان له أثر كبير على مسيرة الإسلام فى هذه السلطنة.

стр. 3016

* دارفور (سلطنة) بلاد «دارفور» عبارة عن هضبة تنتشر فيها المراعى وتتخللها بعض المرتفعات، ويتألف سكانها من العنصر الزنجى والعنصر الحامى، وكانت هذه البلاد مستقرا لشعب يُسمَّى شعب «الداجو»، وفد عليها من الشرق أو من «جبال النوبا» الواقعة غرب «النيل الأبيض» قبل القرن الثانى عشر الميلادى وأسس فيها مُلكًا. وفى القرن الثانى عشر الميلادى دخل هذه البلاد عنصر مغربى من «تونس» يتمثل فى «شعب التنجور» أو «عرب التنجور»، وهم عنصر من البربر أو العرب، وقد خالط هؤلاء شعب «الداجو» وصاهروهم، ونتج عن ذلك وجود جنس مختلط يُسمَّى شعب الفور استطاع أن يصل إلى الحكم. كان أول السلاطين المولدين من «الداجو» «والتنجور» هو «أحمد المعقور» الذى تزوج من ابنة ملك «دارفور» الوثنى، بعد أن أثبت جدارته فى الإشراف على شئون بيت الملك، وقد اتخذه الملك مستشارًا، ولما لم يكن للملك أبناء ذكور، فقد زوج ابنته لأحمد المعقور، وعينه خليفة له، فتأسست بذلك أول سلطنة إسلامية فى «دارفور». ولقد اقترنت إصلاحات السلطان «أحمد» وأولاده من بعده بنشاط ملحوظ فى نشر الدعوة الإسلامية، على أن «دارفور» لم تدخل فى الإسلام حقا إلا نتيجة جهود أحد ملوكها وهو «سليمان سولون» الذى وصل إلى الحكم نتيجة لإحدى الهجرات العربية التى وفدت على «دارفور» منحدرة من «وادى النيل» فى القرن الخامس عشر الميلادى وأصهر هؤلاء العرب إلى سلاطين «الفور»، كما أصهروا إلى ملوك «النوبة» من قبل. وكان «سليمان سولون» وليد هذه المصاهرة، وتمكن من اعتلاء عرش «دارفور» (٨٤٩ - ٨٨١هـ = ١٤٤٥ - ١٤٧٦م)، وفتح البلاد للهجرات العربية، فوفدت قبائل «الحبانية» و «الرزيقات» و «المسيرية» و «التعايشة» و «بنى هلبة» و «الزيادية» و «الماهرية» و «المحاميد» و «بنى حسين» وغيرهم، وبفضل هؤلاء العرب المهاجرين إلى «دارفور»، اصطبغت السلطنة بالصبغة الإسلامية الواضحة، وعمد السلطان «سليمان سولون»

стр. 3017

إلى تنشيط الحركة الإسلامية، عن طريق استدعاء الفقهاء من الشرق ليعلِّموا الناس أصول دينهم، كما شجع التجارة وأسس المساجد والمدارس. وبدأت الدولة تتسع، فامتد سلطانها على «كردفان» فى عهد السلطان «تيراب» (١٧٦٨ - ١٧٨٧م)، وبلغت أقصى اتساعها، فكان حدها من الشمال «بئر النترون» فى الصحراء الكبرى، ومن الجنوب «بحر الغزال»، ومن الشرق «نهر النيل»، ومن الغرب منطقة «واداى». وقد وصل نفوذ الدولة أقصاه فى عهد السلطان «عبدالرحمن الرشيد» (١١٩٢ - ١٢١٤هـ = ١٧٧٨ - ١٧٩٩م)، الذى نقل العاصمة إلى مدينة «الفاشر»، واتصل بالسلطان العثمانى واعترف بسيادته، فمنحه لقب «الرشيد». وفى عهد خلفاء «عبدالرحمن الرشيد» كان من الممكن أن تتسع السلطنة إلى آفاق أوسع لولا التوسع المصرى فى القرن التاسع عشر الميلادى، ذلك التوسع الذى قضى على هذه السلطنة عام (١٢٩٢هـ = ١٨٧٥م) فى عهد الخديوى «إسماعيل». واصطبغت هذه السلطنة بالصبغة الإسلامية الواضحة؛ حيث عمل سلاطينها على ربط بلادهم بالعالم الإسلامى المعاصر، وتوثقت به صلاتهم الثقافية والدينية، فوصل طلاب «دارفور» إلى «مصر» والتحقوا بالأزهر، حيث أنشئ لهم رواق خاص بهم. وكان سلاطين «دارفور» رغم ندرة أخبارهم ينهجون نهجًا إسلاميا، فيلتزمون بأحكام الكتاب والسنة، ويحرصون على تحرى العدل فى أحكامهم، كما حرصوا على تشجيع العلماء ومنحهم الهدايا، وعملوا على نشر العلم فى بلادهم، ويذكر «التونسى» أخبارًا كثيرة عن العلماء والفقهاء الذين وفدوا على «دارفور» لما وجدوه فيها من تشجيع وعدالة وكرم واحترام. ومن مظاهر ارتفاع مكانة العلماء فى سلطنة «دارفور» الإسلامية أن مجلس السلطان كان لايتم إلا بحضورهم، وكانوا يجلسون عن يمينه، ويجلس الأشراف وعظماء الناس عن يساره، وعند موت السلطان واختيار سلطان جديد كان هؤلاء العلماء يدخلون ضمن مجلس الشورى الذى ينعقد لهذا الغرض، وإذا حدث

стр. 3018

تنازع فإنه لايتم حسمه إلا على أيديهم، وكان السلاطين يكثرون من الإنعام عليهم ويقطعونهم الإقطاعات الواسعة حتى يتفرغوا للعلم والدرس، ولم يكن هذا التشجيع وقفًا على السلاطين وحدهم، فقد شارك فيه الأهالى؛ حيث كان سكان الحلة القرية يسارعون لمقابلة العلماء الوافدين ويستضيفونهم، كما كانوا يستضيفون الطلبة الغرباء فى بيوتهم ويعاملونهم كأبنائهم أو ذوى قرباهم. ومن المظاهر الإسلامية التى وضحت فى سلطنة «دارفور» أن سلاطينها كانوا يتلقبون بألقاب إسلامية مثل «أمير المؤمنين»، و «خادم الشريعة»، و «المهدى» و «المنصور بالله»، كما كانوا يحرصون على النسب العربى كعادة الحكام فى كل ممالك «السودان»، كما أن أختامهم التى يختمون بها كتبهم ورسائلهم كانت تحمل آية من القرآن، وكانوا يحرصون على إرسال محمل الحرمين الشريفين كل عام إلى «مكة» و «المدينة»، فكانت قافلة المحمل ترسل إلى «مصر» محملة بالبضائع، مثل ريش النعام وسن الفيل والصمغ وغير ذلك من منتجات البلاد، فتباع ويتكون من ثمنها نقود الصرة التى تحملها القافلة المصاحبة لقوافل الحجاج المصريين إلى الأراضى المقدسة، وهكذا نرى أن الحياة الإسلامية كانت زاهرة فى سلطنة «دارفور» الإسلامية.

стр. 3019

* شوا (سلطنة) أسست هذه السلطنة على يد أسرة عربية تسمى «بنى مخزوم» سنة (٢٨٣هـ = ٨٩٦م)، وليس ثمة شك فى أن هؤلاء كانوا عربًا هاجروا إلى هذه الجهات فى ذلك الوقت المبكر، وليس بعيدًا أن يكونوا قد نزلوا أول الأمر فى ضيافة إمارة محلية، ثم اختلطوا بالأمراء عن طريق المصاهرة حتى آل إليهم الملك آخر الأمر. وأيا كان الأسلوب الذى انتقل به الحكم فى «شوا» إلى هذه الأسرة العربية المخزومية، فقد أدى ذلك إلى قيام «سلطنة شوا الإسلامية»، التى استمرت أربعة قرون من الزمان فى الفترة (٢٨٣ - ٦٨٤هـ = ٨٩٦ - ١٢٨٥م) تمتعت فى معظمها بالأمن والاستقرار وازدهار العمران، وكثرة المدن والقرى والنواحى، حتى إن وثيقة «تشيروللى» ذكرت أكثر من خمسين اسمًا لمواقع كانت موجودة، ووقعت على أرضها أحداث مهمة. ومن أمثلة هذه المدن أو النواحى مدينة «ولِلَّه» العاصمة، ومدن هكلة (هجلة) وجداية، ودجن، وأبتا، ومورة، وحدية (لعلها مملكة هدية الإسلامية) والزناتير، والمحررة، وعَدَل التى أصبحت عاصمة لمملكة إسلامية فى القرن الخامس عشر الميلادى، مما يدل على أن هذه السلطنة اتسمت بسعة المكان وازدهار العمران وكثرة المدن والبلدان. وهذا الازدهار العمرانى الحضارى الذى تمتعت به سلطنة شوا الإسلامية كان نتيجة لما تملكه من أرض غاية فى الخصوبة استغلها السكان وزرعوا فيها ما يكفى حاجتهم ويسد مطالبهم، خاصة أنه قد استمر توافد الجماعات الإسلامية المهاجرة فى أعداد يسيرة، واستطاعت أن تتجمع وتدعم كيان هذه السلطنة الإسلامية بزعامة هذه الأسرة العربية التى اتخذت من «وللِّه» عاصمة لها، والتى يصعب تحديد موضعها الآن نتيجة لكثرة التغيرات التى تعرضت لها المنطقة. ونتيجة لهذا الإزدهار لم تكن الدولة المخزومية فى «شوا» إمارة أو مملكة صغيرة، بل كانت سلطنة كبيرة، توالى على حكمها كثير من الحكام الذين اتخذوا لقب سلطان كما أشارت إلى ذلك وثيقة «تشيروللى». هذا

стр. 3020

وقد ظهر فى هذه السلطنة الوظائف السياسية والدينية المعروفة وقتذاك فى بقية الدول الإسلامية مثل الوزراء والقضاة، يتضح ذلك من الوثيقة المذكورة التى عنى المؤرخ فيها بتسجيل وفاة الفقيه «إبراهيم بن الحسن» قاضى قضاة شوا فى رمضان (٦٥٣هـ = أكتوبر ١٢٥٥م)، مما يدل على وجود حياة علمية ودينية زاخرة، شأنها فى ذلك شأن السلطنات الإسلامية الأخرى؛ مما يجعلنا نقول إن هذه السلطنة عاشت عصرًا زاهرًا كبيرًا، وأنها عاشت مستقلة عن جيرانها سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين. والسبب الذى أتاح لهذه السلطنة ذلك الاستقلال وهذا الهدوء مع دولة الحبشة هو ظروف الحبشة نفسها، فقد كانت تعيش حياة مليئة بالاضطراب السياسى وعدم الاستقرار، فقد كانت مملكة «أكسوم» الحبشية القديمة فى أواخر أيامها عندما نشأت سلطنة شوا الإسلامية، ولذلك لم تتمكن «أكسوم» من التصدى لتلك الدولة أو تمنع قيامها فى جزء من الهضبة الحبشية ذاتها لبعد «أكسوم» التى كانت تقع فى أقصى الشمال، بينما كانت دولة «شوا» فى أقصى الجنوب، ولذلك لم يحدث بينهما أى نوع من أنواع العلاقات، سواء أكانت ودية أم عدائية. ومن الأسباب التى أتاحت الهدوء لهذه السلطنة ما حظيت به من موقع حصين فقد كان يحيط بها جبال وعرة تحف بمجرى نهر تكازى الأعلى من ناحية اليمين، والنيل الأعلى من جهة اليسار، وهذه الجبال جعلت من «شوا» حصنًا آمنًا يوفر الحماية لمن يسكنه. وقد استغل بنو مخزوم هذا الهدوء وهذا السلام اللذين تمتعوا بهما حوالى ثلاثة قرون ونصف قرن من الزمان فى تنمية قدرات السلطنة الاقتصادية والسياسية والدينية، فصار لها نفوذها فى المناطق المجاورة وخاصة المناطق الإسلامية التى تقع إلى الشرق منها وهى سبع ممالك صغيرة قامت فى القرن الثالث عشر الميلادى. كما كان لها دورها الدينى أيضًا، من ذلك أن أحد سلاطينها ويسمى (حربعر) بذل جهودًا كبيرة لنشر الإسلام

стр. 3021

صوب الداخل وخاصة فى «جبلة» فى سنة (٥٠٢هـ = ١١٠٨م)، وفى بلاد «أرجبة»، وأن هذه البلاد بعد إسلام أهلها أضيفت إلى أملاك سلطنة «شوا» المخزومية، أى أن هذه السلطنة كانت من المراكز التى ساعدت على نشر الإسلام وثقافته فى هذه المنطقة. وقد حافظ الأهالى من الأحباش على إسلامهم، سواء أكانوا من أحباش شوا أم من أحباش المناطق المجاورة لها، وذلك رغم الاضطهاد الشديد والمستمر الذى تعرض له المسلمون فى القرن الإفريقى على يد ملوك الحبشة (إثيوبيا) منذ عام (٦٦٩هـ= ١٢٧٠م). ولكن سيطرة «شوا» على جيرانها المسلمين لم تستمر طويلا أمام اضطراب أحوالها وكثرة الفتن الداخلية التى جعلتها تسير فى طريق الضعف وخاصة فى الخمسين عامًا الأخيرة من عمرها، ولذلك انتهز حكام «أوفات» الإسلامية الفرصة وأغاروا عليها وأسقطوها وضموها إلى دولتهم. وطبيعى أن لسقوط سلطنة «شوا» الإسلامية أسبابًا، وعوامل أدت إليه، أهمها: العوامل الاقتصادية: وتتمثل فى ظروف طبيعية جغرافية حدثت فى الثلاثين عامًا الأخيرة من عمر الدولة، وأدت إلى نقص مياه الأمطار بدرجة نتج عنها حدوث مجاعات، وطواعين فتكت بالناس فتكًا ذريعًا، وأضعفت الدولة وسكانها أمام أى هزات داخلية أو خارجية. سوء الأحوال السياسية: ويتمثل فى الصراع الداخلى بين أمراء الأسرة المخزومية على الحكم، وكثرة المتمردين والمغتصبين لعرش السلطنة، وكثرة الحروب الأهلية، وما كان ينتج عنها من إحراق المدن وتدميرها ونهبها وقتل كثير من سكانها. ولم يظهر الصراع الداخلى بين أمراء هذه السلطنة إلا فى المائة عام الأخيرة من عمرها وخاصة منذ عهد السلطان «حسين» (٥٧٥هـ = ١١٧٩م)، ثم تولى بعده السلطان «عبدالله» سنة (٥٩٠هـ = ١١٩٤م)، وكان مغتصبًا للعرش، استطاع أن يزيحه ابن السلطان «حسين» فى (٦٣٢هـ = ١٢٣٢م) واستمر فى الحكم ١٤ عامًا، ثم أعقبه عدد من المغتصبين، ثم عاد العرش إلى صاحبه الشرعى وهو السلطان

стр. 3022

«دلمارة بن والزرة» سنة (٦٦٨هـ = ١٢٦٩م) الذى صاهر «عمر ولشمع» سلطان «أوفات» الإسلامية كى يشد أزره بهذه المصاهرة، لكن الطامعين فى العرش ازدادوا شراسة حتى انتهى الأمر بمقتل السلطان «دلمارة» فى سنة (٦٨٢هـ = ١٢٨٣م) وقد أدت هذه الظروف السيئة إلى تدخل سلطان «أوفات» (عمر ولشمع) فدخل «شوا» وانتقم من قتلة صهره السلطان «دلمارة» واستطاع أن يعيد الأمن والوحدة إلى «شوا» من جديد، وبهذا حافظ (عمر ولشمع) على سلطنة «شوا» من أن تقع فى يد الأحباش وذلك بعد أن ضمها لدولته.

стр. 3023

* أوفات (سلطنة) كانت الحركة الإسلامية قد ازدادت قوة فى بلاد الزيلع منذ القرن العاشر الميلادى. وبلاد الزيلع هى البلاد التى تحيط بهضبة الحبشة من الشرق والجنوب الشرقى، وتتمثل الآن فيما يعرف بإريتريا وجيبوتى والصومال الكبير بأقسامه الثلاثة: الشمالى والجنوبى والغربى، المعروف باسم إقليم «أوجادين»، يضاف إلى ذلك كل المناطق الإسلامية التى ضمتها الحبشة بالغلبة والقوة قرب نهاية القرن التاسع عشر الميلادى. فى هذه البقعة الواسعة التى تنحصر بين ساحل البحر الأحمر وخليج عدن وبين هضبة الحبشة قامت مراكز تجارية عديدة على الساحل وانتشرت أيضًا فى الداخل، وتحولت فى النهاية إلى إمارات وممالك إسلامية نامية تحدث عنها المؤرخون القدامى، وقالوا إنها كانت سبع ممالك هى: «أوفات» و «هدية» و «فطجار» و «دارة» و «بالى» و «أرابينى» و «شرخا»، وامتدت هذه الممالك إلى «هرر» وبلاد «أروسى» جنوبًا حتى منطقة البحيرات، مطوقة الحبشة من الجنوب والشرق. غير أن هذه الممالك والسلطنات التى قامت فى شرق الحبشة وجنوبها تختلف عما رأيناه فى أقطار إفريقية أخرى فى هذه المرحلة من التطور؛ إذ لم تكن هذه السلطنات إفريقية خالصة، أسستها أسرات من أهل البلاد الأصليين الذين أسلموا، كما حدث فى «مالى» و «صنغى» و «كانم وبرنو»، إنما أسستها أسرات عربية الأصل، فسلاطين «أوفات» وسلاطين «شوا» وغيرها يمثلون أرستقراطية عربية مهاجرة، استقرت فى هذه الجهات ونمت ثروتها وازداد نفوذها واستولت على حكم البلاد وكانت الرعية مسلمة ومن أهل البلاد الأصليين. وكانت العلاقات بين هذه الإمارات متوترة تسودها المنافسات القبلية، ولم يكن بينها من رابط سوى الصلة الروحية فقط، وكانت من الضعف بحيث إن أمراءها لايتولون العرش - فى كثير من الأحيان - إلا بموافقة ملك الحبشة المسيحى، وليس معنى ذلك أن مسلمى تلك الإمارات قنعوا بالخنوع والخضوع

стр. 3024

للأحباش، بل إنهم كانوا فى أحيان كثيرة مناوئين لملك الأحباش وغازين له فى عقر داره كما سنرى. وكان من أسباب ضعف هذه الإمارات أو السلطنات الإسلامية أنها ما كاد يكتمل نموها وتزداد قوتها حتى واجهت حربًا صليبية ضروسًا استنزفت مواردها وشغلتها عن التفرغ للدعوة الإسلامية، ولذلك فإن الإنتاج الثقافى لتلك الإمارات كان محدودًا جدا، إذ إن الصراع مع الأحباش أخذ كل وقتها ولم يترك لها فرصة للإبداع والابتكار، ولم تنج سلطنة واحدة من الاشتباك مع هؤلاء الأحباش. وقد قامت سلطنة «أوفات» حوالى (٦٤٨ - ٨٠٥ هـ = ١٢٥٠ - ١٤٠٢م) بعبء المقاومة والدفاع ضد هذا الخطر الصليبى الحبشى الذى كان يهدف إلى القضاء على الإسلام فى منطقة القرن الإفريقى كلها، ولذلك كان من الواجب أن نخص هذه السلطنة بحديث. كانت سلطنة «أوفات» أقوى سلطنة إسلامية قامت فى بلاد «الزيلع»، أسسها قوم من قريش من «بنى عبدالدار» أو من «بنى هاشم» من ولد «عقيل بن أبى طالب». ومدينة «أوفات» هى نفسها مدينة «جبرة» أو «جبرت» وكانت من أكبر مدن بلاد «الزيلع»، وكانت تتحكم فى الطريق التجارى الذى يربط المناطق الداخلية بميناء «زيلع» على البحر الأحمر. ولم يتضح تاريخ «أوفات» إلا حوالى منتصف القرن الثالث عشر الميلادى حينما ظهر أحد أمراء المسلمين وكان يسمى «عمر» ويعرف بلقب «ولشمع»، وأقام هذه السلطنة التى نمت وازدادت قوتها حتى استطاع صاحبها «عمر ولشمع» أن ينتهز فرصة ضعف سلطنة «شوا» المخزومية وأن يهاجمها عام (٦٨٤هـ = ١٢٨٥م) ويقضى عليها ويستولى على أملاكها كما رأينا عند الحديث عن هذه السلطنة. وقد أدى هذا إلى اتساع سلطان «بنى ولشمع» السياسى، واستطاعت «أوفات» فى عهدهم أن تبسط نفوذها على بقية هذه الإمارات الصغرى التى أشرنا إليها وأن يصل هذا النفوذ حتى ساحل البحر الأحمر وحتى منطقة «زيلع» وسهل «أوسا». وكانت مساحة الأراضى التى سيطر عليها المسلمون بزعامة «أوفات»

стр. 3025

تفوق مساحة أرض مملكة الحبشة المسيحية نفسها، بل كانت تحيط بالحبشة من الجنوب والشرق، فضلا عن إحاطة الإسلام بها من ناحية السودان من الشمال والغرب، مما أدى إلى عزل مملكة الحبشة عزلا تاما عن العالم الخارجى، ولاسيما بعد استيلاء المسلمين على ميناء «عدل» قرب «مصوع»، ولذلك لاندهش من أنه عندما تولت الأسرة «السليمانية» عرش الحبشة عام (٦٦٩هـ = ١٢٧٠م)، رسمت لنفسها خطة لتوسيع سلطان «الحبشة» على حساب جيرانها من المسلمين الذين كانوا يسيطرون على الموانى ومن ثم على التجارة الخارجية. وبذلك بدأت أولى مراحل الجهاد والصراع بين «أوفات» وتوابعها من الإمارات الإسلامية وبين ملوك الحبشة من ذلك الحين، وكانت البداية المبكرة على أيام الملك «ياجبياصيون» (٦٨٤ - ٦٩٣هـ = ١٢٨٥ - ١٢٩٤م) الذى شن حملة صليبية عنيفة ضد إمارة «عَدَل» التابعة لأوفات، وكان قد استشعر خطر الاتحاد الإسلامى الذى كانت تدعو إليه سلطنة «أوفات»، فضلا عن أن تلك السلطنة أعلنت زعامتها على الممالك الإسلامية المجاورة لها فى بلاد «الزيلع»، وكان هذا أمرًا يتعارض مع مشاريع ملوك الحبشة الجدد، فقاموا بحملتهم تلك التى أشرنا إليها، وانتهت بانتصارهم. وترجع هذه الهزيمة إلى أن حركة المقاومة التى تزعمتها «أوفات» لم تكن منبعثة عن وحدة وتعاون فعال بينها وبين الممالك الإسلامية، ولذلك هزمهم الأحباش من أول لقاء، بل يقال إن إمارتين إسلاميتين عاونتا ملك الحبشة فى هجومه الذى انتهى بنهب «عَدَل» وعَقْد هدنة بين الطرفين، وكان من الممكن أن تكون هذه الحرب هى القاضية لولا تدخل سلطان «مصر» المملوكى الذى هدد بقطع العلاقات وعدم الموافقة على تعيين «المطران» الذى طلبه الأحباش، وكان يعين من قبل بطرك مصر، وأثمر هذا التدخل، فقَبِل الأحباش الهدنة مع «أوفات». استطاع المسلمون تقوية مراكزهم ودعم سلطانهم على طول منطقة الساحل، وكانوا يرتقبون فرصة ضعف أو تخاذل فى صفوف أعدائهم، وعندما

стр. 3026

علموا بوفاة ملك «الحبشة» عام (٦٩٨هـ = ١٢٩٩م)، قام شيخ مجاهد يدعى «محمد أبو عبدالله» بحشد طائفة كبرى من قبائل «الجَلا» و «الصومال» وأعدهم للجهاد، وقام بغزو الحبشة، ولم تعمد الحبشة إلى المقاومة بسبب بعض المتاعب الداخلية، واضطر ملكها إلى التنازل للمسلمين عن بضع ولايات على الحدود نظير الهدنة، ولم يكن سلاطين «أوفات» ليقنعوا بالهدنة، وخاصة أن قوتهم قد ازدادت، فلم يستطع الملك الحبشى «ودم أرعد» (٦٩٨ - ٧١٤هـ = ١٢٩٩ - ١٣١٤م) أن يرد هجماتهم. ورأت «أوفات» أن تظهر قوتها للحبشة بل وتتوسع فى أملاكها وتقضى على عدوانها، فتقدم السلطان «حق الدين» وتوغل فى أملاك الحبشة وغزا بعض الولايات المسيحية؛ مما جعل ملك الحبشة يقوم بغزو «أوفات» فى عام (٧٢٨هـ = ١٣٢٨م) وهاجمها من جميع الجهات وأسر «حق الدين» ووضع يده على مملكته وعلى «مملكة فطجار» الإسلامية وجعلهما ولاية واحدة وعين عليها «صبر الدين» وهو شقيق «حق الدين» بشرط الاعتراف بسيادة الحبشة. غير أن «صبر الدين» لم يطق صبرًا على هذه التبعية وكوَّن حلفًا إسلاميا من إمارتى «هدية» و «دوارو»، ثم تقدم لغزو الحبشة واستولى على كثير من الغنائم، وهدد ملك الحبشة الذى خرج على رأس جيشه وهاجم الحلفاء منفردين بادئًا بإمارة «هدية»، فحطمها قتلا ونهبًا وأسرًا، وأرغمها على الخروج من الحلف، وحمل ملكها أسيرًا إلى عاصمته، ثم تقدم إلى «أوفات» ودخلها ودمرها ونهب معسكر المسلمين فيها، ثم تقدم إلى «فطجار» واستولى عليها وعلى مملكة «دوارو». وعلى ذلك يمكن القول بأنه فى هذه الفترة انتهى استقلال الممالك الإسلامية فى «أوفات» و «هدية» و «فطجار» و «دوارو». وعين عليها ملك الحبشة «جلال الدين» أخا «صبر الدين» حاكمًا، فقبل على أن يكون تابعًا للحبشة، وهكذا اتسعت مملكة الحبشة وضعف أمر المسلمين. وفى غمرة هذا الصراع الدموى اتفقت كلمة المسلمين

стр. 3027

بين عامى (١٣٣٢ و ١٣٣٨م) على الاستنجاد بدولة المماليك فى «مصر»، وذلك بإرسال سفارة إلى سلطان «مصر» «الناصر محمد بن قلاون» برئاسة «عبدالله الزيلعى» ليتدخل السلطان فى الأمر لحماية المسلمين فى بلاد «الزيلع». فطلب «الناصر محمد» من بطرك الإسكندرية أن يكتب رسالة إلى ملك الحبشة فى هذا الصدد. غير أن ملك الحبشة لم يكفَّ عن مهاجمة المسلمين الذين لم يتوانوا عن انتهاز الفرص للثأر منه. وتحالفت إمارتا «مورا» و «عدل» مع بعض القبائل البدوية وأخذوا يشنون حربًا أشبه بحرب العصابات، وأخذ ملك الحبشة فى مطاردتهم وتقدم فى أراضى «مورا» الإسلامية، حتى وصل إلى مدينة «عَدَل» وقبض على سلطانها وذبحه، فتقدم أولاد السلطان الثلاثة إلى ملك الحبشة مظهرين الخضوع. وفى تلك الأثناء انتاب إمارة «أوفات» بعض الفتن الداخلية بسبب النزاع على العرش بين أفراد الأسرة الحاكمة، وانتهى النزاع بانفراد «حق الدين الثانى» وإعلان استقلاله عن الحبشة، واستطاع أن يهزمها ويردها عن إمارته فترة طويلة حتى هُزم ومات عام (٧٨٨هـ = ١٣٨٦م)، والتف المسلمون للمرة الأخيرة حول خليفته وأخيه «سعد الدين»، واستأنفوا حركة الجهاد ودحروا الأحباش، وتوغلوا فى أرض «أمهرة» (مملكة النجاشى) لكن «سعد الدين» هُزم فى معارك تالية، واضطر إلى الفرار إلى جزيرة «زيلع» حيث حوصر وقتل عام (٨٠٥هـ = ١٤٠٢م) نتيجة لخيانة رجل دلَّهم على مكمنه. ويعتبر احتلال الأحباش لزيلع بمثابة إسدال الستار على سلطنة أوفات التى احتلها الأحباش نهائيا، ولم يعد يسمع بها أحد، وانتهى دورها فى الجهاد، وتفرق أولاد «سعد الدين» العشرة مع أكبرهم «صبر الدين الثانى»، وهاجروا إلى شبه الجزيرة العربية حيث نزلوا فى جوار ملك اليمن «الناصر أحمد بن الأشرف» الذى أجارهم وجهزهم لاستئناف الجهاد ضد الحبشة، فعادوا إلى إفريقيا حيث انضم إليهم من بقى من جنود والدهم، فقوى أمرهم

стр. 3028

واستأنفوا النضال واتخذوا لقبًا جديدًا هو لقب «سلاطين عَدَل».

стр. 3029

* عَدَل (سلطنة) كانت «عَدَل» إقليمًا من الأقاليم التى خضعت لسلاطين «أوفات». وليس ببعيد أن تكون قد تأسست فيها إمارة محلية تدين بالولاء لبنى ولشمع، ويبدو أن موقعها المتطرف قد ساعد على نجاتها من التوسع الحبشى الذى أطاح بالإمارات السابقة. وكان طبيعيا أن يأوى «بنو سعد الدين» إلى إقليم قريب من البحر يتيح لهم الاتصال ببلاد اليمن بعيدًا عن مناطق النفوذ الحبشى. وكانت تلك السلطنة تضم البلاد الواقعة بين ميناء «زيلع» و «هرر» وتشمل ما يعرف بالصومال الشمالى والغربى وإقليم «أوجادين»، وسميت هذه البلاد «بر سعد الدين» تخليدًا لسعد الدين الذى مات بزيلع ودفن بها. استأنف سلاطين «عَدَل» الجهاد مرة أخرى فى عهد «صبر الدين الثانى» الذى اتخذ مدينة «دَكَّر» عاصمة له، واستطاع الاستيلاء على عدة بلاد حبشية فيما يعرف بحرب العصابات، وبعد وفاته عام (٨٢٥هـ = ١٤٢٢م) خلفه أخوه «منصور» المتوفى سنة (٨٢٨هـ = ١٤٢٥م) الذى بدأ عهده بحشد عدد كبير من مسلمى «الزيلع» وهاجم بهم ملك الحبشة وقتل صهره وكثيرًا من جنده، وحاصر منهم نحوًا من ثلاثين ألفًا مدة تزيد على شهرين، ولما طلبوا الأمان خيَّرهم بين الدخول فى الإسلام أو العودة إلى قومهم سالمين، فأسلم منهم نحو عشرة آلاف وعاد الباقون إلى بلادهم، ولم يقتلهم «منصور» ولم يستعبدهم كما كان يفعل ملوك الحبشة بجنود المسلمين الذين كانوا يقعون فى أسرهم. لكن ملك «الحبشة» «إسحاق بن داود» أعد جيشًا كبيرًا وهجم به على «منصور» وقواته وهزمها هزيمة شنيعة لدرجة أن السلطان «منصور» وقع هو وأخوه الأمير «محمد» فى أسر «إسحاق» عام (٨٢٨هـ = ١٤٢٥م). ولكن راية الجهاد ضد عدوان الأحباش لم تسقط بهذه الهزيمة، فقد قام أخ للسلطان الأسير وهو السلطان «جمال الدين» برفع راية الجهاد من جديد. وانتصر على ملك الحبشة فى مواقع كثيرة، ولكن أبناء عمه حقدوا عليه ربما رغبة فى النفوذ والسلطان الذى

стр. 3030

حرموا منه فاغتالوه فى عام (٨٣٦هـ = ١٤٣٢م)، فتولى الحكم بعده أخوه السلطان «شهاب الدين أحمد بدلاى» الذى عاقب القتلة وحارب الأحباش واسترد إمارة «بالى» الإسلامية من أيديهم، ولكنه وقع صريعًا أمام الأحباش فى (٨٤٨هـ = ١٤٤٤م) نتيجة لخيانة أحد الأمراء الذين أظهروا التحالف معه. ومن ثم تمكن الأحباش من اجتياح سلطنة «عَدَل» وبقية الممالك الزيلعية الأخرى، وأصبحت الحبشة إمبراطورية كبيرة امتدت شمالا حتى مصوع وسهول السودان وضمت «أوفات» و «فطجار» و «دوارو» و «بالى» و «هدية»، ومنحت هذه الإمارات استقلالها الذاتى، وولت عليها عاملاًيسمى «الجراد» ينحدر من البيت المالك القديم. ويبدو أن الرغبة الصادقة فى الجهاد التى عرف بها الجيل الأول من سلاطين «أوفات» قد فترت عند أحفادهم سلاطين «عدل»، فقد سئموا القتال وجنحوا إلى المسالمة ولكن الشعب المسلم لم يتخل عن سياسته التقليدية فى جهاد الأحباش ومقاومتهم. وكان تخاذل سلاطين «عدل»، وتحمس الشعب للجهاد مؤذنًا ببداية الدور الأخير من أدوار الجهاد وهو دور «هرر». وتميز هذا الدور بظهور طائفة من الأمراء الأئمة أشربت قلوبهم حب الجهاد وصارت لهم السلطة الفعلية فى البلاد، وبذلك أصبح فى المجتمع العَدَلى حزبان: هذا الحزب الشعبى الذى يتزعمه الأمراء الأئمة، وذلك الحزب الذى يريد أن يسالم الأحباش ويتكون من الطبقة الأرستقراطية والتجار، وعلى رأسه سلاطين عدل التقليديون. وكان أول هؤلاء الأئمة ظهورًا هو الداعى «عثمان» حاكم زيلع الذى أعلن الجهاد بعد وفاة السلطان «محمد بن بدلاى» مباشرة عام (٨٧٦هـ = ١٤٧١م)، ثم ظهر فى «هرر» الإمام «محفوظ» الذى تحدى السلطان «محمد بن أزهر الدين»، واشتبك مع الأحباش، غير أن البرتغاليين ظهروا على مسرح الأحداث وفاجئوا «زيلع» وأغاروا عليها وانتهى الأمر بفشل حركة «محفوظ»، وباغتيال السلطان «محمد» سنة (٩٢٤هـ = ١٥١٨م). وفى بداية القرن (١٦م)

стр. 3031

ظهرت تطورات كان لها تأثيرها فى مسرح الأحداث بين المسلمين والأحباش، تمثلت فى ظهور الأتراك العثمانيين وقيام حركة الكشوف الجغرافية بزعامة الملاحين البرتغاليين، كذلك أدخلت الأسلحة النارية إلى منطقة الأحداث فى بلاد «الزيلع» و «الحبشة»، وأهم من هذا كله إسلام قبائل البدو من الأعفار والصومالى، ودخولها ميدان الجهاد، ووقوفها وراء الإمام الذى رشحته الأحداث لتزعم حركة الجهاد الإسلامى فى ذلك الدور، وهو الإمام «أحمد بن إبراهيم الغازى» الملقب بالقرين أى الأشول. اتبع الإمام «أحمد القرين» بعد أن سيطر على مقاليد الأمور فى سلطنة «عَدَل» وبعد أن اتخذ «هرر» مقرا له سياسة موفقة جمعت الناس حوله، فقد طبق الشريعة الإسلامية فى حكمه وخاصة فى توزيع أموال الزكاة والغنائم على مستحقيها وفى مصارفها الشرعية، وبذلك كسب حب الجند وحب الفقهاء والعلماء، كما كسب أيضًا محبة الشعب، فقد كان يلطف بالمساكين ويرحم الصغير، ويوقر الكبير، ويعطف على الأرملة واليتيم، وينصف المظلوم من الظالم، ولا تأخذه فى الله لومة لائم، كما قضى على قُطَّاع الطرق فأمنت البلاد وانصلح حال الناس وانقادوا له وأحبوه. بهذه السياسة الداخلية السليمة استطاع الإمام «أحمد القرين» أن يوحد كلمة المسلمين ويتولى زعامتهم وعزم على رد عادية الأحباش، وذلك بفتح بلاد الحبشة ذاتها، وتمكن من التوغل فيها حتى وصل إلى أقاليمها الشمالية، ودارت بينه وبين الأحباش عدة معارك، كان أولها فى عام (٩٣٣هـ = ١٥٢٧م) حيث هزم الأحباش لأول مرة منذ بداية الجهاد. وفى عام (٩٣٤هـ = ١٥٢٨م) أحرز الإمام «أحمد» نصرًا حاسمًا على الأحباش فى موقعة «شنبر كورى»، ثم بدأ فى غزو بلاد الحبشة نهائيا. ففى سنة (٩٣٨هـ = ١٥٣١م) دخل «دوارو» و «شوا» و «أمهرة» و «لاستا». وفى سنة (٩٤٠هـ = ١٥٣٥م) سيطر المسلمون على جنوب الحبشة ووسطها، وغزوا «تجراى» للمرة الأولى وأصبح مصير الأحباش فى كفة الميزان. وفى هذا

стр. 3032

الوقت كان الزحف البرتغالى قد وصل إلى البحر الأحمر فاستنجد بهم الأحباش عام (٩٤٢هـ = ١٥٣٥م) فأرسل إليهم ملك البرتغال نجدة عسكرية وصلت البلاد عام (٩٤٨هـ = ١٥٤١م)، وتقابل المجاهدون بقيادة «أحمد القرين» مع الأحباش والبرتغاليين فى عدة مواقع عام (٩٤٩هـ = ١٥٤٢م)، لكنه هُزم وتكررت هزيمته فى العام التالى حيث استشهد وتفرقت جموعه، ونجت الحبشة من السقوط، ولم يعد المسلمون مصدر خطر جدى يهدد الأحباش، ومع ذلك فإن حركة الجهاد لم تمت بموت «أحمد القرين»، بل استأنفها خلفاؤه من بعده وخاصة فى عام (٩٦٦هـ = ١٥٥٩م) بقيادة الأمير «نور» الذى اتخذ لقب أمير المؤمنين، والسلطان الأسمى المسمى «عليَّا» سليل أمراء «عَدَل» السابقين، لكن هذه الجهود باءت بالفشل. وكانت انتفاضة «هرر» الأخيرة عام (٩٨٥هـ = ١٥٧٧م) حينما تحالفت مع أحد ثوار الأحباش للنيل من ملك الحبشة، وحدثت موقعة انتهت بمقتل «محمد الرابع» آخر أمراء «هرر» عند نهر «ويبى»، وانتهت هرر كقوة سياسية ذات شأن، فى الوقت الذى استطاع فيه الأحباش أن يقضوا على خطر الأتراك العثمانيين أيضًا بهزيمتهم وعقد هدنة معهم عام (٩٩٧هـ - ١٥٨٩م) واكتفى العثمانيون بالسيطرة على «مصوع» و «سواكن»، وبذلك انتهى الصراع فى الحبشة لصالح الأحباش. وإذا كانت هذه الحركة لم تحقق أهدافها بالقضاء على مملكة الحبشة نهائيا، إلا أنها أثبتت عمق الشعور الإسلامى فى نفوس أهل شرق إفريقيا وعمق تمسكهم بالإسلام، فقد دأبوا على الجهاد وأصروا عليه طيلة أربعة قرون، وظهر أثر العلماء والفقهاء وأصبحت لهم الزعامة فى المجتمع فى ذلك الوقت. وعلى الرغم من هذه الهزيمة التى منى بها المسلمون فى منطقة القرن الإفريقى وانصراف اهتمام العثمانيين إلى أوربا والعالم العربى، فإن المسلمين الزيالعة بقيت لهم بعض سلطناتهم وبلادهم. ذلك أن الصراع الذى اندلع بينهم وبين الأحباش أنهك

стр. 3033

الطرفين معًا؛ مما هيأ الفرصة لدخول قبائل الجلا الوثنية القادمة من الجنوب، فاحتلت «هرر» واستقرت فى النصف الجنوبى من دولة الحبشة، ثم أسلمت هذه القبائل أخيرًا، ولكن أوربا الغربية أعانت الأحباش على المسلمين فى القرن التاسع عشر الميلادى، وخاصة فى عهد «منليك الثانى» الذى استولى على سلطنة «هرر» فى عام (١٣٠٢هـ = ١٨٨٥م) وعلى غيرها من البلدان الإسلامية، ثم استولى الأحباش على سلطنة «أوسا»، ثم على «إريتريا» و «إقليم الأوجادين الصومالى» فى القرن العشرين. وظل الأمرعلى هذا النحو حتى نالت هذه البلاد استقلالها وتحررت من نير الأحباش، وإن كان بعضها لايزال تحت سيطرتهم حتى الآن.

стр. 3034

* مقديشيو (سلطنة) كانت بلاد «الصومال» تعرف فى العصور الوسطى باسم «سلطنة مقديشيو». وينتمى الصوماليون إلى العنصر الكوشى الحامى، ومنهم قبائل «الجَلا» و «الدناكل»، وهؤلاء اختلطوا بالعناصر السامية التى هاجرت من جنوب بلاد العرب قبل الميلاد، وبالزنوج البانتو، وتكون منهم «شعب الصومال». وبعد ظهور الإسلام تدفقت القبائل العربية على تلك المنطقة، إما بهدف التجارة أو نشر الإسلام أو الإقامة فرارًا من الانقسامات السياسية، وأقام هؤلاء المهاجرون العرب مراكز تجارية على طول الساحل الشرقى الإفريقى؛ فى «مقديشيو» و «براوة» و «سوفالة»، و «بات» و «ممبسة» و «مالندى» و «كلوة» وغيرها، وعلى أيديهم نشأت معظم هذه المدن. وقد سبقت الإشارة - عند الحديث عن الهجرات العربية إلى ساحل شرق إفريقيا - إلى هجرتين وصلتا إلى ساحل «الصومال»، وهى «هجرة الزيدية» التى أقبلت إلى «الصومال» بعد مقتل زعيمهم «زيد بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب» رضى الله عنهم، ثم هجرة الإخوة السبعة من «بنى الحارث» ومن معهم من العرب إلى بلاد «الصومال» فى عام (٢٩٢هـ = ٩٠٣م). والهجرة الأخيرة كانت أبقى أثرًا فى تاريخ «الصومال»، إذ إنها أقامت «سلطنة مقديشيو» الإسلامية. وقد كانت «مقديشيو» أول مدينة عربية بناها «بنو الحارث» على «ساحل بنادر» عام (٢٩٥هـ = ٩٠٧م)، وتلتها مدينة «براوة» حوالى عام (٣٦٥هـ = ٩٧٥م). وتشير بعض المصادر إلى مواضع مدن أخرى مثل «قرفاوة»، و «النجا»، و «بذونة»، و «ماندا» فى جزيرة «ماندا»، و «أعوزى»، و «شاكة» قرب دلتا نهر «تانا»، وقد بنى «بنو الحارث» هذه المدن فى سنوات متفاوتة وأسسوا فيها سلطنة استمروا فى حكمها معظم فترات العصور الوسطى، فكان حكام «سلطنة مقديشيو» عند قدوم البرتغاليين من سلالة الإخوة السبعة، بل إن فيها حتى اليوم سبع عشائر تعود بأصولها إليهم. وفى عهد هذه الأسرة الحاكمة صارت «مقديشيو» سلطنة قوية ذات شوكة

стр. 3035

ونفوذ على عربان الساحل وعلى المدن التى تحيط بها، وكان تجارها أول من وصلوا إلى بلاد «سفالة»، واستخرجوا منها الذهب، مما درَّ عليهم أموالا كثيرة، استفادوا منها فى تطوير «مقديشيو» فحلت المنازل المشيدة بالأحجار على الطراز العربى محل المبانى الخشبية ومحل المساكن المتخذة من القش المغطى بجلود الحيوانات. وكانت «مقديشيو» فى عهدهم بمثابة العاصمة لجميع البلاد المجاورة ومركزًا للمدن العربية الأخرى التى امتدت على طول الشاطئ، فكانت جموع الناس ترد على «مقديشيو» من هذه المدن، فيجتمعون فى مسجدها الجامع حيث يؤدون صلاة الجمعة، مما يدل على أهمية مركز «مقديشيو» الدينى والثقافى عند سكان الساحل جميعًا، حتى اعتبرت العاصمة الثقافية لساحل الزنج كله، وزعيمة عرب هذا الساحل؛ نتيجة لما وصلت إليه من قوة ونفوذ، ولما قامت به من دور مهم فى نشر العروبة والإسلام. وعندما وصل الشيرازيون المهاجرون بقيادة «على بن حسن بن على» إلى «مقديشيو» بعد حوالى سبعين عامًا من بنائها، لم يستطيعوا دخولها لحصانتها ومناعتها فتركوها واتجهوا جنوبًا إلى «كلوة»؛ حيث أقاموا هناك سلطنة إسلامية، فكانت هى و «مقديشيو» أهم مدينتين على الساحل من القرن العاشر إلى الخامس عشر الميلادى، ولم تستطع إحداهما أن تسيطر على الساحل سيطرة كاملة. وعند قدوم «ابن بطوطة» إلى «مقديشيو» كانت تسيطر عليها قبيلة الأجران الصومالية، وكان سلطانها يسمى «أبا بكر بن الشيخ عمر»، ويبدو أن سيطرة هذه الأسرة كان أمرًا عارضًا؛ بدليل أن البرتغاليين عندما قَدِموا إليها كان حكامها من أسرة «المظفر» من «بنى الحارث» الذين أسسوها من قبل. ونظرًا لطول مدة حكم هذه الأسرة فقد كانت لها جهود كبيرة فى تعريب كثير من القبائل الصومالية خاصة الساحلية، التى دخلت فى الإسلام على أيديهم، ذلك أن هذه القبائل وخاصة قبيلة «الأجران» كانت تربطها بأسرة «المظفر» الحارثية صلات تجارية كبيرة. ولاشك

стр. 3036

أن هذه العلاقات التجارية لابد أن تؤتى ثمارها فى نشر الإسلام بين هذه القبيلة وغيرها من القبائل الصومالية، التى اتصلت بسلطنة «مقديشيو» الإسلامية، التى أكثرت من إنشاء المساجد والجوامع التى لايزال بعضها باقيًا حتى الآن، منها مسجد عليه كتابة تبين تاريخ تأسيسه وهو سنة (٦٣٧هـ = ١٢٣٩م)، أى قبل مرور «ابن بطوطة» بها بنحو قرن من الزمان، ولعله «مسجد عبدالعزيز» الذى بُنى فى «مقديشيو» منذ سبعمائة عام تقريبًا، ولازال موجودًا حتى الآن. وقد وصل إلينا كثير من المعلومات عن بلاد الصومال بفضل ما كتبه عنها الرحالة والجغرافيون العرب، مثل: «المسعودى» و «الإدريسى» و «ابن بطوطة» الذى أمدنا بوصف دقيق لعدد من المدن الإفريقية وأحوال سكانها المسلمين، ولاسيما «مقديشيو»، التى زارها عام (١٣٣٢م) و «زيلع» التى قال عنها: «إنه يسكنها طائفة من السودان شافعية المذهب وهى مدينة كبيرة، لها سوق عظيمة لها رائحة غير مستحبة بسبب كثرة السمك ودماء الإبل التى ينحرونها فى الأزقة والطرقات». ثم أقلع «ابن بطوطة» إلى «مقديشيو» واستقر بها أسبوعًا، وأتيح له أن يتصل بقاضيها وعلمائها وسلطانها الشيخ «أبى بكر ابن الشيخ عمر» الذى استضافه مدة إقامته، وقد أمدنا بمعلومات كثيرة عن طعام أهلها وفاكهتها وملابس شعبها وتقاليد سلطانها فى مواكبه ومجالسه، وعن مجالس الفقهاء والعلماء وذوى الرأى، وعن كيفية نظرهم فى شكوى الناس، وتطبيقهم للشريعة الإسلامية. بعد ذلك يصف «ابن بطوطة» الازدهار الاقتصادى الذى كانت تنعم به سلطنة «مقديشيو» الإسلامية فيقول: «إن هذه المدينة مدينة واسعة كبيرة يمتلك أهلها عددًا وافرًا من الجِمال والماعز، ينحرون منها مئات كل يوم، وإنهم تجار أغنياء أقوياء، بعضهم يقوم بصناعة ثياب جميلة لا نظير لها تُصدَّر إلى مصر وغيرها من البلاد». وكى يشجعوا التجار على القدوم إلى بلادهم كان من عادتهم أنه متى

стр. 3037

وصل مركب أو سفينة محملة بالتجار والبضائع إلى ميناء «مقديشيو» يركب شباب هذه المدينة فى قوارب صغيرة ويحمل كل منهم طبقًا مُغطى فيه طعام، فيقدمه لتاجر من التجار القادمين على هذه السفن ويقول «هذا نزيلى» فينزل معه هذا التاجر إلى داره، ويساعده هذا الشاب فى عمليات البيع والشراء، مما أدى إلى رواج تجارتهم مع الأقطار الخارجية. وقد استمرت سيادة «مقديشيو» على ساحل «بنادر» حتى القرن السادس عشر الميلادى حينما فقدت أهميتها وانحطت منزلتها كمركز تجارى، خاصة بعد انتشار التجارة بين عدة مدن ساحلية أخرى منافسة لمقديشيو، وتعرضها والمنطقة للخطر البرتغالى، فقد ضرب «فاسكودى جاما» «مقديشيو» بالمدافع فى أثناء عودته من «الهند» عام (١٤٩٨م)، ثم استولى أحد قواد البرتغال على مدينة «براوة» عام (١٥٠٧م)، وحاول الاثنان الاستيلاء على «مقديشيو» لكنهما فشلا، وغزا «لوبى سواريز» «زيلع» عام (١٥١٥م) وأضرم فيها النار، كما حاصر البرتغاليون «بربرة» عام (١٥١٦م). وهكذا نرى أن البرتغاليين قادوا حربًا صليبية ضد المسلمين فى شرق إفريقيا و «الصومال»، ومن المدهش حقا أنه كان من نتائج تلك الحملة الوحشية انتشار الإسلام، ذلك لأن السكان المسلمين الذين تركوا الساحل أمام نيران المعتدين البرتغاليين لجئوا إلى الداخل، حيث اختلطوا بالقبائل الصومالية ونشروا الإسلام بينها، فنتج عن ذلك «شعب الصومال» المسلم، وبسبب كثرة الهجرات العربية من بلاد «اليمن» و «الحجاز» وامتزاجها بأهل تلك البلاد؛ انتشرت اللغة العربية والدم العربى بدرجة كبيرة، وأصبحت العربية هى لغة التخاطب بجانب اللغة المحلية، وكانت قبائل «الصومال» بعد اعتناقها الإسلام هى السند والحصن الذى لجأ إليه «أحمد القرين» فى صراعه ضد ملوك «الحبشة»، مما يدل على تمسك شعب الصومال بالإسلام ودفاعهم عنه دفاعًا قويا، ولا غرو فالصومال الآن كما هو معروف إحدى دول الجامعة العربية.

стр. 3038

* كلوة (سلطنة) قامت هذه السلطنة نتيجة هجرة قدمت من «شيراز» بفارس، كان على رأسها «على بن حسن بن على» وأبناؤه الستة، حيث كانوا على متن سفنهم بما فيها من بضائع بقصد التجارة، ولما وصلوا إلى «جزيرة كلوة» التى تقع أمام الساحل الشرقى لإفريقيا، وهى ضمن دولة «تنزانيا» الآن، استقروا فيها منذ عام (٣٦٥هـ = ٩٧٥م)، ووفد عليهم كثير من العرب، وكان هؤلاء الوافدون يفضلون المعيشة فى الجزر لسهولة الدفاع عنها والاعتصام بها إذا ما حاول الأهالى الساكنون فى البر الإفريقى الاعتداء عليهم، وعند وفاة «على بن حسن بن على الشيرازى» كان نفوذه يمتد إلى مدينة «سوفالة» فى الجنوب، وإلى «ممبسة» فى الشمال، وبعد وفاته اعتدى الأهالى على ابنه، واضطروه إلى الفرار إلى «زنجبار» عام (١٠٢٠م) وبعد قليل جمع السلطان المطرود جنوده وعاد بهم إلى «كلوة» ودخلها مرة ثانية، وازدهرت المدينة خلال القرن التالى بسبب تجارة العاج والذهب الذى كان يُصدَّر من «سوفالة» التى تقع جنوب نهر «الزمبيرى»، أى جنوب «كلوة» وحرمت «مقديشيو» من تلك التجارة التى كانت تحصل عليها من «سوفالة»، وخاصة فى عهد السلطان «داود بن سليمان» سلطان «كلوة» (١١٣٠ - ١١٧٠م)، وبذلك صارت الزعامة السياسية والاقتصادية لكلوة، ويعتبر القرنان الثانى عشر والثالث عشر الميلاديان هما العصر الذهبى لتلك السلطنة الزنجية الإسلامية، فقد أصبحت «كلوة» عروس الشاطئ الإفريقى، وقام سلطانها بسك النقود، وقد عثر فى «كلوة» و «مافيا» و «زنجبار» على نحو (١٠٠٠٠) قطعة نحاسية من هذه النقود. ولما كان مؤسسو «كلوة» الأوائل من الشيرازيين الفرس، فلا غرو أن يكون لهم تأثير كبير على أسلوب الحضارة الذى ازدهر هناك خلال القرون من العاشر إلى الثالث عشر الميلادى، فظهر الأسلوب الفارسى فى البناء بالحجارة، وفى صناعة الجير والأسمنت واستخدامهما فى البناء، وفن النقش على الخشب، ونسج القطن، وشيدوا عدة

стр. 3039

مساجد ومبانٍ جميلة الطراز، مازال بعض مخلفاتها باقيًا حتى الآن، ولكن الأثر العربى تغلب بعد ذلك بسبب كثرة الهجرات العربية واستقرارها. وقد وصل إلينا كثير من المعلومات عن هذه السلطنة من الوثائق التاريخية المهمة وبفضل ما كتبه عنها الرحالة والجغرافيون العرب كالمسعودى، و «الإدريسى»، و «ابن بطوطة» الذى زار مدينة «كلوة» و «ممبسة». وقال عن الأخيرة: «إنها جزيرة كبيرة بينها وبين أرض الساحل مسيرة يومين فى البحر، وأشجارها: الموز والليمون والأترج، وأكثر طعام أهلها السمك والموز، والقمح يأتى لهم من الخارج لأنهم لايزرعون. وهم شافعيون يعنون بأمور دينهم ويشيدون المساجد من الأخشاب المتينة». وبعد أن قضى «ابن بطوطة» ليلة فى «ممبسة» ركب البحر إلى مدينة «كلوة»، وقال عنها: «إنها مدينة كبيرة، بيوتها من الخشب، وأكثر أهلها زنوج مستحكمو السواد، وهم شافعيون، ويحكمها السلطان «أبو المظفر حسن»، وقد كان فى قتال دائم مع السكان المجاورين، وعرف بتقواه وصلاحه، كما كان محسنًا كريمًا». ولم يكن السلطان «أبو المظفر حسن» الذى زار «ابن بطوطة» «كلوة» فى عهده فارسى الأصل، بل كان من أصل عربى صميم، فهو من بيت «أبى المواهب الحسن بن سليمان المطعون بن الحسن بن طالوت المهدلى» اليمنى الأصل. وقد انتقل الحكم من البيت الفارسى إلى هذا البيت العربى منذ عام (٦٧٦هـ = ١٢٧٧م)، وظل هذا البيت يحكم هذه السلطنة حتى جاء البرتغاليون وقاموا بغزوها فى عام (١٥٠٥م). وقد ازدادت الهجرات العربية فى عهد هذا البيت العربى الحاكم فى «كلوة»، مما جعل الطابع العربى يتغلب على الطابع الفارسى فى مظاهر الحياة المختلفة، فاللغة الغالبة هى اللغة العربية التى كانت تُكتَب بها سجلات «كلوة» بجانب اللغة السواحلية، كما كان المذهب الدينى السائد هو المذهب الشافعى السُّنى وليس المذهب الشيعى، الذى أتى به البيت الحاكم الأول

стр. 3040

على يد «على بن حسن بن على الشيرازى»، وما زالت أغلبية المسلمين فى هذه المنطقة من السُّنة الشافعية حتى الآن. على أية حال فقد انفعل سلاطين هذه السلطنة سواء أكانوا من الفرس أم من العرب بالحياة والتقاليد الإسلامية كل الانفعال، فأكثروا من بناء المساجد والمدارس، واهتموا بالعلوم الإسلامية، واستقدموا العلماء ورحبوا بالأشراف والصالحين، كما شاركوا فى الجهاد ضد الوثنيين الذين كانوا يقيمون فى الداخل، وقد أشار إلى ذلك «ابن بطوطة» وقال: «إن سلطانها كان كثير الغزو إلى أرض الزنوج، يغير عليهم ويأخذ الغنائم فيُخرج خمسها ويصرفه فى مصارفه المعينة فى كتاب الله تعالى، ويجعل نصيب ذوى القربى فى خزانة على حدة، فإذا جاءه الشرفاء دفعه إليهم، وكان الشرفاء يقصدونه من العراق والحجاز وسواها .. وكان هذا السلطان له تواضع شديد ويجلس مع الفقراء ويأكل معهم ويعظم أهل الدين والشرف». غير أن ازدهار «كلوة» لم يتجاوز منتصف القرن الرابع عشر؛ إذ أخذ نجمها فى الأفول بسبب تعرضها لبعض الاضطرابات الداخلية، وبدأت مدينة «بات» فى شمالها تقوى وتثرى لانتقال تجارة الذهب إليها، وأخذت فى التوسع صوب «كلوة» فى عهد أسرة «بنى نبهان» العربية التى أسست سلطنة قوية فى مدينة «بات» فرضت سلطانها على كثير من بلاد الساحل الشرقى لإفريقيا، كذلك قام حاكم «سوفالة» بالتخلص من سيادة «كلوة» وأعلن استقلاله عنها، وانتهى الأمر إلى نزوح بعض العرب من «مالندة» (مالندى) إلى «كلوة» وتولوا مناصب الوزراء والأمراء وأبقوا على السلطان الذى لم يكن له من الحكم إلا الاسم فقط، وقام الصراع بين أفراد البيت الحاكم على منصب السلطان فى القرن الخامس عشر الميلادى، وتعاقبوا على العرش الواحد بعد الآخر، وقل المال حتى إن الحكومة لم تجد ما تنفقه على إصلاح المسجد الكبير بعد أن أصابه الخراب. وقد أعطى كل هذا الفرصة للبرتغاليين للسيطرة على مقاليد الأمور فى البلاد، ففى عهد

стр. 3041

«فضيل بن سليمان» آخر سلاطين «كلوة» الذى بلغ عددهم (٢٩) سلطانًا احتل البرتغاليون مدينة «كلوة» عام (١٥٠٥م)، وفى أخريات القرن السابع عشر وقعت «كلوة» تحت سيادة سلاطين عُمان الذين قضوا على النفوذ البرتغالى فى بلادهم ثم فى شرق إفريقيا. ولما فصل هؤلاء السلاطين ممتلكاتهم الأسيوية عن ممتلكاتهم فى إفريقيا فى عام (١٨٥٦م) آلت «كلوة» إلى سلطان «زنجبار» العُمانى، ثم استولى عليها الألمان عام (١٨٨٥م)، وفى عام (١٩١٩م) أصبحت جزءًا من «تنجانيقا» (تنزانيا الحالية).

стр. 3042

* بات (سلطنة) ظهرت هذه السلطنة على مسرح التاريخ نتيجة لهجرة عربية وفدت من «عُمان» إلى ساحل شرقى إفريقيا فى أوائل القرن السابع للهجرة الثالث عشر الميلادى؛ حيث كونت سلطنة إسلامية نبهانية فى «بات» تولت حكم شطر كبير من هذا الساحل، وظلت موجودة حتى عام (١٢٧٨هـ = ١٨٦١م). والنباهنة قوم من العتيك من الأزد فى «عُمان» كانوا قد استولوا على مقاليد السلطة هناك بعد أن دبت الفوضى فى البلاد وانقسم العمانيون إلى طائفتين متخاصمتين، وحكم النباهنة عمان نحوًا من خمسمائة عام، حيث قامت دولتهم هناك عام (٥٠٠هـ= ١١٠٦م) أو عام (٥٠٦ هـ= ١١١٢م) واستمرت حتى نهاية القرن العاشر الهجرى عندما قامت دولة اليعاربة فى عُمان عام (١٠٢٤هـ = ١٦١٥م). ويبدو أن الدولة النبهانية فى عمان قد مرت بأطوار من القوة والضعف بسبب الصراع الداخلى على الحكم، وكان الطور الأول يشمل مدة قرن من الزمان والذى انتهى بهجرة أحد ملوك النباهنة، وهو على أرجح الأقوال «سليمان ابن سليمان بن مظفر النبهانى» إلى ساحل شرقى إفريقيا فى عام (٦٠٠ - ٦١١هـ) واستقر هو وأتباعه فى مدينة «بات» التى تقع فى «أرخبيل» لامو (فى كينيا الآن). وأقاموا سلطنة هناك وحكموا جزءًا كبيرًا من الساحل متخذين من «بات» مقرا لسلطنتهم، وذلك بعد أن استطاع أول سلطان لهم هناك، وهو «سليمان بن سليمان بن مظفر النبهانى»، أن يتزوج أميرة سواحيلية، ليست فارسية، هى ابنة «إسحاق» حاكم «بات» فى ذلك الحين، وعن طريق زوجته ورث الملك، كما يقال: إن والدها تنازل له عن الحكم فأصبح الحاكم الشرعى لبات، ومن ثم نقل بلاطه من عُمان إلى شرق إفريقيا. وقد نمت هذه السلطنة واتسعت فى عهد أبنائه وأحفاده، ففى عهد السلطان «محمد الثانى بن أحمد» (٦٩٠ - ٧٣٢هـ = ١٢٩١ - ١٣٣١م) توسعت السلطنة شمالا بعد حملات ناجحة قام بها هذا السلطان أخضع فيها كل المدن الساحلية التى تقع شمالى

стр. 3043

«بات» حتى «مقديشيو» وعين حاكمًا لكل منها. وفى عهد ابنه السلطان «عمر الأول» (٧٣٢ - ٧٦٠هـ = ١٣٣١ - ١٣٥٨م)،توسعت السلطنة جنوبًا؛ حيث أخضع المدن الساحلية بما فيها «كلوة»، ووصل إلى جزر «كيرمبا» جنوب رأس «دلجادو»، وخضعت له كل هذه المنطقة ماعدا جزيرة «زنجبار» التى لم تكن فى ذلك الوقت قطرًا مهما بدرجة تجذب انتباهه إليها. كذلك فإن حكام «مالندى» أتوا إلى «بات» ليعطوا ولاءهم لسلطانها، ودخلت أيضًا مدينة «ممبسة» والمستوطنات القريبة منها ضمن منطقة نفوذه، وهكذا أصبح السلطان «عمر بن أحمد» فى غاية القوة والنفوذ بعد أن أصبحت جميع المدن الساحلية تحت سيطرته. وقد استمرت سيطرة النباهنة على هذه المناطق وكان لهم فى كل مدينة خضعت لهم عامل أو قاضٍ يعرف باسم «ماجومب» بمعنى الخاضع لليمب أى للقصر الملكى فى «بات»، وكانت دار الشورى فى «بات» مقرا للحكومة المركزية التى كانت تحكم كل البلاد التى خضعت لهؤلاء السلاطين الذين اتخذوا اللقب السواحيلى «بوانا فومادى»، أو «فومولوتى» ويعنى الملك أو السلطان. وقد تميزت سلطنة «بات» بنظم إدارية وتقاليد سياسية واضحة، وانفردت بتقاليد جديدة فى الملاءمة بين الضرائب وبين النشاط الاقتصادى للأهالى، إذ فرضت ضريبة إنتاج لا يتعدى مقدارها ١٠%، ذلك أن الدولة كانت تتقاضى وسقين أو حملين من كل عشرين وسقًا تنتجها كل جماعة مشتغلة بالزراعة، وهى الضريبة المعروفة بالعشور فى الفقه الإسلامى، كما دخلت الزراعة فى بقاع كثيرة من الساحل الإفريقى فى فترة الحكم النبهانى، وظهر كثير من النباتات التى زرعها العرب هناك مثل القرنفل وقصب السكر، كما اهتموا بالرعى وتربية الماشية والأغنام وأدخلوا تربية الإبل إلى هذه المناطق. وقد نشطت الحركة التجارية فى عهد ازدهار هذه السلطنة إلى حد كبير، وتوافد على الساحل التجار العرب من عُمان وغيرها، وكذلك تجار الهند المسلمون، وقد عمل هؤلاء التجار بنقل الحاصلات

стр. 3044

المتوافرة فى شرق إفريقيا إلى البلدان المطلة على المحيط الهندى، وإلى الأسواق العربية فى مصر والشام والعراق، فأصبحت الدولة على جانب كبير من الثراء. وقد نتج عن هذا الثراء تطور حضارى كبير، فقد أنشأ أهل «بات» منازل كبيرة واسعة، وضعوا فيها لمبات نحاسية جميلة، كما صنعوا سلالم أو درجات مزينة بالفضة يتسلقونها أو يصعدون عليها إلى فرشهم أو سُررهم، كما صنعوا سلاسل فضية تزين بها الرقاب، وزينوا أعمدة المنازل بمسامير كبيرة من الفضة الخالصة، وبمسامير من الذهب على قمتها. وقد تجلت مظاهر هذه الحضارة العربية أيضًا فى المبانى المعمارية وتخطيط المدن وزخارف الأبواب والنوافذ، كما أدخل العرب فن النقش والحفر والنحت وعقود البناء العالية والفسيفساء المتناسقة مع الرخام الملون. وفى مجال الثقافة واللغة والعلوم والفنون ظهر فى تلك الفترة ما يعرف باللغة السواحيلية، وهى الفترة التى كانت فيها سلطنة «بات» النبهانية صاحبة السيطرة والنفوذ على معظم أجزاء الساحل الشرقى لإفريقيا كما سبق القول، مما أدى إلى وجود تأثير عربى قوى فى اللغة السواحيلية حتى فى المناطق الجنوبية التى تقع فى «تنجانيقا» و «زنجبار»، حيث ظهرت أفصح أنواع اللغة السواحيلية. ونتيجة لذلك ظهرت نظرية تقول بأن الشعب السواحيلى ولغته نشأ كل منهما حول «لامو» حيث توجد «بات»، وأن المهاجرين العرب الذين أقاموا فى «لامو» وأنشئوا هذه الإمارة تزوجوا من نساء «البانتو» واضطروا إلى استخدام عدد من الكلمات البانتوية بحكم معيشتهم اليومية مع زوجاتهم، ونشأ أولاد «مولَّدون» أى نصف عرب ونصف بانتو، مزجوا بين اللغة العربية لغة آبائهم، وبين لغة البانتو لغة أمهاتهم، ومع استمرار التزاوج والاختلاط والمصاهرة تكوَّن الشعب السواحيلى وظهرت اللغة السواحيلية التى أصبحت لغة التجارة ولغة الحياة اليومية، وسرعان ما انتشرت هذه اللغة فى شرق ووسط إفريقيا نظرًا

стр. 3045

لغناها ومرونتها. ولاشك أن انتشار اللغة السواحيلية بين السكان الأصليين، بجانب اللغة العربية التى كانت لغة الطبقة العربية الحاكمة، كان له أثره الكبير فى نشر الإسلام وثقافته بين القبائل الإفريقية التى تقيم على الساحل، وتلك التى تقيم حول طرق القوافل الرئيسية مما جعل اللغة السواحيلية عاملا قويا فى توحيد السكان فى هذه المنطقة من القارة على اختلاف ألوانهم وتباين لغاتهم وتعدد قبائلهم وشعوبهم وأجناسهم، مما أدى إلى ظهور ثقافة مشتركة هى الثقافة السواحيلية التى غلبت عليها السمة العربية. ومن ثم فقد ساعد ذلك كثيرًا على انتشار الإسلام بين السكان المحليين وتطعيم ثقافتهم بعناصر عربية كثيرة، خاصة أن هذه اللغة كتبت بحروف عربية، واستمرت كذلك حتى جاء الاستعمار الأوربى الحديث وحوَّلها إلى الكتابة بالحروف اللاتينية بهدف إيجاد فاصل بين الثقافة الإسلامية والثقافة السواحيلية الحديثة. وعندما كانت السواحيلية تكتب بحروف عربية دخلها كثير من الألفاظ العربية، وقد قدر عدد هذه الألفاظ بحوالى عشرين بالمائة من لغة التخاطب، وثلاثين بالمائة من السواحيلية المكتوبة، وخمسين بالمائة من لغة الشعر السواحيلى القديم، كما أن العرب غرسوا فى السواحيليين حب الأدب وفنون الشعر وخرج منهم شعراء وخطباء مطبوعون، وأصبح لهم أدب يعتزون به، وتكوَّن تراث كبير من الشعر والنثر السواحيلى مكتوب بالحروف العربية يشتمل على أعمال دينية ودنيوية، حتى إنهم عرفوا الشعر الغنائى (المشارى) منذ زمن بعيد يعود إلى ما قبل عام (٥٤٥هـ = ١١٥٠م) ومازالوا ينظمونه، كما كتبوا شعر الملاحم المعروف باسم «التندى». كذلك مهدت اللغة السواحيلية السبيل أمام ظهور شعب جديد هو الشعب السواحيلى، وقد ساعد فى تكوين هذا الشعب ميل المستوطنين العرب إلى السلم وحبهم للسكون والاستقرار، فإن مستوطناتهم وإماراتهم وسلطناتهم لم تقم على الفتح بل على التجارة،

стр. 3046

والتجارة كما هو معروف لا تنشط إلا فى جو من السلام والأمن والعلاقات الطيبة، كما أن أخلاق الإفريقيين، وطباعهم كانت قريبة من طباع العرب الذين اعتاد الأفارقة رؤيتهم ورؤية أحفادهم يوغلون فى البلاد ويعملون بالتجارة وينشرون الإسلام والوئام بين الناس، فظهر التآلف واتحدت الأهواء والميول، وظهر ما يعرف بالشعب السواحيلى. وقد دعم «النباهنة» هذه الثقافة السواحيلية ذات الطابع الإسلامى وذلك بالعمل على نشر التعليم الدينى فى المساجد والمدارس والكتاتيب التى وفد إليها كثير من الوطنيين الأفارقة ليحفظوا القرآن الكريم ويتعلموا الكتابة بالحروف العربية، بل ويتعلموا اللغة العربية ذاتها، حتى يتمكنوا من التعمق فى فهم عقيدة الإسلام وتراثه الدينى واللغوى، وهكذا نرى أن سلطنة «بات» النبهانية قد فرضت نفوذها على معظم أنحاء الساحل الشرقى لإفريقيا، وأنشأت حضارة إسلامية تغلغلت جنوبًا وحملها المهاجرون والتجار العرب معهم لا إلى الساحل فقط، بل إلى الجزر المواجهة له مثل جزر «كلوة» و «زنجبار» و «بمبا» و «مافيا»، مكونة بذلك دولة كبيرة تعدد سلاطينها حتى بلغ عددهم اثنين وثلاثين سلطانًا، وقد ظلت هذه السلطنة قائمة رغم مهاجمة البرتغاليين لها، وبعد طردهم برز العُمانيون فى الميدان ووضعوا أيديهم على هذا الساحل بما فيه سلطنة «بات»، وظل الأمر على هذا النحو حتى جاء الإنجليز واحتلوا هذه البلاد قرب نهاية القرن التاسع عشر للميلاد، حتى تحررت وصارت تعرف اليوم باسم «جمهورية كينيا».

стр. 3047

* الأموية (خلافة) قامت الخلافة الأموية رسميا فى شهر ربيع الأول من سنة (٤١هـ)، بعد أن تنازل «الحسن بن على بن أبى طالب» - رضى الله عنه - عن الخلافة لمعاوية بن أبى سفيان -رضى الله عنه - وبايعه هو وأخوه «الحسين»، وتبعهما الناس فى «الكوفة»، وأصبح بذلك «معاوية» خليفة للمسلمين وحده، ولُقِّب بأمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يلقَّب بالأمير فقط. وقد نجح معاوية بن أبى سفيان وخلفاؤه من بنى أمية فى تشييد دولة عظيمة، ومد حدود العالم الإسلامى ليصل إلى أبعد مدى، وبسط نفوذه على أكبر رقعة من الأرض، امتدت من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، ومن بحر قزوين شمالا إلى المحيط الهندى جنوبًا. وبذل الأمويون جهودًا كبيرة فى مواصلة الفتح والجهاد، وحماية الثغور والحدود، ونشر الإسلام، وتوطيد أركان الدولة، والقيام بالإصلاحات الإدارية والمالية، وتعريب العملة والدواوين، وتنظيم البريد وجعله جهازًا رقابيا على العمال والولاة، وإنشاء المدن، والعناية بالبناء والتشييد، وتسهيل حركة التجارة، والاهتمام بالزراعة والصناعة وما يتصل بهما من شئون، وتنشيط حركة الثقافة والعلم، وتشجيع العلماء. ويزداد المرء إعجابًا بالأمويين وتقديرًا لإنجازاتهم، إذا علم أنهم قاموا بكل تلك الأعمال الجليلة، فى وقت كانوا يصارعون فيه أعداء أشداء، ناصبوهم العداء، وحقدوا عليهم أشد الحقد، ولم يتركوا فرصة للثورة عليهم إلا انتهزوها، وجعلوا الدولة تعيش معظم أيامها فى قلق وصراع داخلى؛ لمواجهة تلك التيارات السياسية المناوئة من خوارج وشيعة. وعلى الرغم من ذلك فقد تعرضت الدولة الأموية لحملات ظالمة، حاولت إلصاق كل تهمة بها، وسلب كل مزية لها، واتهم خلفاؤها بالاستبداد وسفك الدماء، غير أن الإنصاف يقتضى أنه كما كانت لهم مزايا عظيمة وأعمال جليلة فقد كانت لهم أخطاء كثيرة، لكنها ليست على النحو الذى يصوره هؤلاء الناقمون عليها.

стр. 3048

* العباسية (خلافة) ينتسب خلفاء «بنى العباس» إلى جدهم «العباس بن عبدالمطلب» عم النبى ﷺ ، الذى عاش فى «مكة» وأسلم بها، وكانت له مكانته عند رسول الله ﷺ . وقد امتدت دولتهم لفترة زمنية طويلة تزيد على خمسة قرون (٢٣١ - ٦٥٦هـ)، واتسعت لتشمل مساحات كبيرة من العالم الإسلامى، ومرَّت خلال عمرها المديد بفترتين اصطلح أغلب المؤرخين على تسميتهما بالعصر العباسى الأول والعصر العباسى الثانى. وشهد العصر العباسى الأول (١٣٢ - ٢٣٢ هـ) حياة مزدهرة، وسلطانًا واسعًا وقوة غالبة وجاهًا عريضًا، حتى أطلق عليه العصر الذهبى للخلافة أو عصر القوة والازدهار، وذلك بفضل جهود خلفائه العظام، ووزرائه الأكفاء، وقادته المهرة. واستقرت فى هذا العصر النظم السياسية والإدارية، فاستحدث نظام الوزارة، وارتقت وظائف الكتابة، واتسع نظام الدواوين، واستقل منصب القضاء، كما ازدهرت الحياة الاقتصادية، وتعددت موارد الدولة، وارتفع مستوى المعيشة، وازداد العمران، وبنيت المدن والعواصم، وأقيمت الأسواق، وشيدت المساجد والقصور، أمَّا الحياة الفكرية فقد ازدهرت ازدهارًا عظيمًا فى شتى فروع المعرفة، فتمايزت العلوم واستقلت، ونهضت حركة الأدب، ونشطت الترجمة، وكثرت حلقات العلم، وبرز العلماء والأدباء، وظهرت المذاهب الفقهية، ووضعت الكتب والمصنفات. أما العصر العباسى الثانى الذى دام أكثر من أربعة قرون فيقسمه المؤرخون إلى أربع فترات رئيسية هى: فترة نفوذ الأتراك (٢٣٢ - ٣٣٤هـ)، وفترة سيطرة البويهيين (٣٣٤ - ٤٤٧هـ)، وفترة نفوذ السلاجقة (٤٤٧ - ٥٩٠هـ)، وفترة ما بعد السلاجقة، وهى الفترة التى انحصر فيها نفوذ الخلفاء فى بغداد وما حولها. وقد تميز هذا العصر بظهور الدول المستقلة عن الخلافة وإن ارتبطت بها ارتباطًا اسميا كالدولة «الصفارية» (٢٥٤ - ٢٨٩هـ) فى فارس وخراسان، والدولة «السامانية» (٢٦١ - ٣٨٩هـ) فى بلاد ما وراء

стр. 3049

النهر وخراسان، و «الدولة الحمدانية» (٢٩٣ - ٣٩٢هـ) فى الموصل وحلب، و «البويهيين» فى فارس وشيراز وأصبهان والرى وهمذان، كما ظهر «الفاطميون» فى الشمال الإفريقى وحكموا مصر، واتخذوا من القاهرة عاصمة لدولتهم الشيعية. وفى هذا العصر فقد الخلفاء نفوذهم ولم يعد لهم من الأمر شىء، وضاعت هيبتهم، وتعرض بعضهم للعزل والإهانة وعدم التوقير، بل والقتل أحيانًا دون نظر إلى جلال المنصب فى النفوس، لكنهم نعموا فى ظل السلاجقة بقدر كبير من الاحترام والتوقير، وإن لم يتمتعوا بسلطة الخلافة الحقيقية التى كانت فى أيدى السلاجقة. وعلى الرغم من افتقاد هذا العصر إلى الوحدة السياسية فإنه شهد تفوقًا حضاريا هائلا ونهضة فكرية شاملة، وازدهارًا فى الحركة الثقافية، وبروزًا لعدد ضخم من الفقهاء والمفسرين والكتاب والشعراء وغيرهم، وتنافسًا فى بناء المدارس واجتذاب العلماء. وظلت الدولة العباسية قائمة حتى استطاع «هولاكو» دخول بغداد فى المحرم من سنة (٦٥٦هـ)، والقبض على الخليفة «المستعصم العباسى» وأهل بيته، وقتلهم جميعًا، وبهذا سقطت الخلافة العباسية فى بغداد، وهى التى ظلت لأكثر من خسمة قرون رمزًا لوحدة المسلمين حتى فى فترات الضعف التى حلّت بها.

стр. 3050

* العباسيون ينتسب خلفاء «بنى العباس» إلى جدهم «العباس بن عبدالمطلب» عم النبى ﷺ ، الذى عاش فى «مكة» وأسلم بها، وكانت له مكانته عند رسول الله ﷺ . وقد امتدت دولتهم لفترة زمنية طويلة تزيد على خمسة قرون (٢٣١ - ٦٥٦هـ)، واتسعت لتشمل مساحات كبيرة من العالم الإسلامى، ومرَّت خلال عمرها المديد بفترتين اصطلح أغلب المؤرخين على تسميتهما بالعصر العباسى الأول والعصر العباسى الثانى. وشهد العصر العباسى الأول (١٣٢ - ٢٣٢ هـ) حياة مزدهرة، وسلطانًا واسعًا وقوة غالبة وجاهًا عريضًا، حتى أطلق عليه العصر الذهبى للخلافة أو عصر القوة والازدهار، وذلك بفضل جهود خلفائه العظام، ووزرائه الأكفاء، وقادته المهرة. واستقرت فى هذا العصر النظم السياسية والإدارية، فاستحدث نظام الوزارة، وارتقت وظائف الكتابة، واتسع نظام الدواوين، واستقل منصب القضاء، كما ازدهرت الحياة الاقتصادية، وتعددت موارد الدولة، وارتفع مستوى المعيشة، وازداد العمران، وبنيت المدن والعواصم، وأقيمت الأسواق، وشيدت المساجد والقصور، أمَّا الحياة الفكرية فقد ازدهرت ازدهارًا عظيمًا فى شتى فروع المعرفة، فتمايزت العلوم واستقلت، ونهضت حركة الأدب، ونشطت الترجمة، وكثرت حلقات العلم، وبرز العلماء والأدباء، وظهرت المذاهب الفقهية، ووضعت الكتب والمصنفات. أما العصر العباسى الثانى الذى دام أكثر من أربعة قرون فيقسمه المؤرخون إلى أربع فترات رئيسية هى: فترة نفوذ الأتراك (٢٣٢ - ٣٣٤هـ)، وفترة سيطرة البويهيين (٣٣٤ - ٤٤٧هـ)، وفترة نفوذ السلاجقة (٤٤٧ - ٥٩٠هـ)، وفترة ما بعد السلاجقة، وهى الفترة التى انحصر فيها نفوذ الخلفاء فى بغداد وما حولها. وقد تميز هذا العصر بظهور الدول المستقلة عن الخلافة وإن ارتبطت بها ارتباطًا اسميا كالدولة «الصفارية» (٢٥٤ - ٢٨٩هـ) فى فارس وخراسان، والدولة «السامانية» (٢٦١ - ٣٨٩هـ) فى بلاد ما وراء
следующие страницы →