← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

والتجارة كما هو معروف لا تنشط إلا فى جو من السلام والأمن والعلاقات الطيبة، كما أن أخلاق الإفريقيين، وطباعهم كانت قريبة من طباع العرب الذين اعتاد الأفارقة رؤيتهم ورؤية أحفادهم يوغلون فى البلاد ويعملون بالتجارة وينشرون الإسلام والوئام بين الناس، فظهر التآلف واتحدت الأهواء والميول، وظهر ما يعرف بالشعب السواحيلى. وقد دعم «النباهنة» هذه الثقافة السواحيلية ذات الطابع الإسلامى وذلك بالعمل على نشر التعليم الدينى فى المساجد والمدارس والكتاتيب التى وفد إليها كثير من الوطنيين الأفارقة ليحفظوا القرآن الكريم ويتعلموا الكتابة بالحروف العربية، بل ويتعلموا اللغة العربية ذاتها، حتى يتمكنوا من التعمق فى فهم عقيدة الإسلام وتراثه الدينى واللغوى، وهكذا نرى أن سلطنة «بات» النبهانية قد فرضت نفوذها على معظم أنحاء الساحل الشرقى لإفريقيا، وأنشأت حضارة إسلامية تغلغلت جنوبًا وحملها المهاجرون والتجار العرب معهم لا إلى الساحل فقط، بل إلى الجزر المواجهة له مثل جزر «كلوة» و «زنجبار» و «بمبا» و «مافيا»، مكونة بذلك دولة كبيرة تعدد سلاطينها حتى بلغ عددهم اثنين وثلاثين سلطانًا، وقد ظلت هذه السلطنة قائمة رغم مهاجمة البرتغاليين لها، وبعد طردهم برز العُمانيون فى الميدان ووضعوا أيديهم على هذا الساحل بما فيه سلطنة «بات»، وظل الأمر على هذا النحو حتى جاء الإنجليز واحتلوا هذه البلاد قرب نهاية القرن التاسع عشر للميلاد، حتى تحررت وصارت تعرف اليوم باسم «جمهورية كينيا».

стр. 3047

* الأموية (خلافة) قامت الخلافة الأموية رسميا فى شهر ربيع الأول من سنة (٤١هـ)، بعد أن تنازل «الحسن بن على بن أبى طالب» - رضى الله عنه - عن الخلافة لمعاوية بن أبى سفيان -رضى الله عنه - وبايعه هو وأخوه «الحسين»، وتبعهما الناس فى «الكوفة»، وأصبح بذلك «معاوية» خليفة للمسلمين وحده، ولُقِّب بأمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يلقَّب بالأمير فقط. وقد نجح معاوية بن أبى سفيان وخلفاؤه من بنى أمية فى تشييد دولة عظيمة، ومد حدود العالم الإسلامى ليصل إلى أبعد مدى، وبسط نفوذه على أكبر رقعة من الأرض، امتدت من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، ومن بحر قزوين شمالا إلى المحيط الهندى جنوبًا. وبذل الأمويون جهودًا كبيرة فى مواصلة الفتح والجهاد، وحماية الثغور والحدود، ونشر الإسلام، وتوطيد أركان الدولة، والقيام بالإصلاحات الإدارية والمالية، وتعريب العملة والدواوين، وتنظيم البريد وجعله جهازًا رقابيا على العمال والولاة، وإنشاء المدن، والعناية بالبناء والتشييد، وتسهيل حركة التجارة، والاهتمام بالزراعة والصناعة وما يتصل بهما من شئون، وتنشيط حركة الثقافة والعلم، وتشجيع العلماء. ويزداد المرء إعجابًا بالأمويين وتقديرًا لإنجازاتهم، إذا علم أنهم قاموا بكل تلك الأعمال الجليلة، فى وقت كانوا يصارعون فيه أعداء أشداء، ناصبوهم العداء، وحقدوا عليهم أشد الحقد، ولم يتركوا فرصة للثورة عليهم إلا انتهزوها، وجعلوا الدولة تعيش معظم أيامها فى قلق وصراع داخلى؛ لمواجهة تلك التيارات السياسية المناوئة من خوارج وشيعة. وعلى الرغم من ذلك فقد تعرضت الدولة الأموية لحملات ظالمة، حاولت إلصاق كل تهمة بها، وسلب كل مزية لها، واتهم خلفاؤها بالاستبداد وسفك الدماء، غير أن الإنصاف يقتضى أنه كما كانت لهم مزايا عظيمة وأعمال جليلة فقد كانت لهم أخطاء كثيرة، لكنها ليست على النحو الذى يصوره هؤلاء الناقمون عليها.

стр. 3048

* العباسية (خلافة) ينتسب خلفاء «بنى العباس» إلى جدهم «العباس بن عبدالمطلب» عم النبى ﷺ ، الذى عاش فى «مكة» وأسلم بها، وكانت له مكانته عند رسول الله ﷺ . وقد امتدت دولتهم لفترة زمنية طويلة تزيد على خمسة قرون (٢٣١ - ٦٥٦هـ)، واتسعت لتشمل مساحات كبيرة من العالم الإسلامى، ومرَّت خلال عمرها المديد بفترتين اصطلح أغلب المؤرخين على تسميتهما بالعصر العباسى الأول والعصر العباسى الثانى. وشهد العصر العباسى الأول (١٣٢ - ٢٣٢ هـ) حياة مزدهرة، وسلطانًا واسعًا وقوة غالبة وجاهًا عريضًا، حتى أطلق عليه العصر الذهبى للخلافة أو عصر القوة والازدهار، وذلك بفضل جهود خلفائه العظام، ووزرائه الأكفاء، وقادته المهرة. واستقرت فى هذا العصر النظم السياسية والإدارية، فاستحدث نظام الوزارة، وارتقت وظائف الكتابة، واتسع نظام الدواوين، واستقل منصب القضاء، كما ازدهرت الحياة الاقتصادية، وتعددت موارد الدولة، وارتفع مستوى المعيشة، وازداد العمران، وبنيت المدن والعواصم، وأقيمت الأسواق، وشيدت المساجد والقصور، أمَّا الحياة الفكرية فقد ازدهرت ازدهارًا عظيمًا فى شتى فروع المعرفة، فتمايزت العلوم واستقلت، ونهضت حركة الأدب، ونشطت الترجمة، وكثرت حلقات العلم، وبرز العلماء والأدباء، وظهرت المذاهب الفقهية، ووضعت الكتب والمصنفات. أما العصر العباسى الثانى الذى دام أكثر من أربعة قرون فيقسمه المؤرخون إلى أربع فترات رئيسية هى: فترة نفوذ الأتراك (٢٣٢ - ٣٣٤هـ)، وفترة سيطرة البويهيين (٣٣٤ - ٤٤٧هـ)، وفترة نفوذ السلاجقة (٤٤٧ - ٥٩٠هـ)، وفترة ما بعد السلاجقة، وهى الفترة التى انحصر فيها نفوذ الخلفاء فى بغداد وما حولها. وقد تميز هذا العصر بظهور الدول المستقلة عن الخلافة وإن ارتبطت بها ارتباطًا اسميا كالدولة «الصفارية» (٢٥٤ - ٢٨٩هـ) فى فارس وخراسان، والدولة «السامانية» (٢٦١ - ٣٨٩هـ) فى بلاد ما وراء

стр. 3049

النهر وخراسان، و «الدولة الحمدانية» (٢٩٣ - ٣٩٢هـ) فى الموصل وحلب، و «البويهيين» فى فارس وشيراز وأصبهان والرى وهمذان، كما ظهر «الفاطميون» فى الشمال الإفريقى وحكموا مصر، واتخذوا من القاهرة عاصمة لدولتهم الشيعية. وفى هذا العصر فقد الخلفاء نفوذهم ولم يعد لهم من الأمر شىء، وضاعت هيبتهم، وتعرض بعضهم للعزل والإهانة وعدم التوقير، بل والقتل أحيانًا دون نظر إلى جلال المنصب فى النفوس، لكنهم نعموا فى ظل السلاجقة بقدر كبير من الاحترام والتوقير، وإن لم يتمتعوا بسلطة الخلافة الحقيقية التى كانت فى أيدى السلاجقة. وعلى الرغم من افتقاد هذا العصر إلى الوحدة السياسية فإنه شهد تفوقًا حضاريا هائلا ونهضة فكرية شاملة، وازدهارًا فى الحركة الثقافية، وبروزًا لعدد ضخم من الفقهاء والمفسرين والكتاب والشعراء وغيرهم، وتنافسًا فى بناء المدارس واجتذاب العلماء. وظلت الدولة العباسية قائمة حتى استطاع «هولاكو» دخول بغداد فى المحرم من سنة (٦٥٦هـ)، والقبض على الخليفة «المستعصم العباسى» وأهل بيته، وقتلهم جميعًا، وبهذا سقطت الخلافة العباسية فى بغداد، وهى التى ظلت لأكثر من خسمة قرون رمزًا لوحدة المسلمين حتى فى فترات الضعف التى حلّت بها.

стр. 3050

* العباسيون ينتسب خلفاء «بنى العباس» إلى جدهم «العباس بن عبدالمطلب» عم النبى ﷺ ، الذى عاش فى «مكة» وأسلم بها، وكانت له مكانته عند رسول الله ﷺ . وقد امتدت دولتهم لفترة زمنية طويلة تزيد على خمسة قرون (٢٣١ - ٦٥٦هـ)، واتسعت لتشمل مساحات كبيرة من العالم الإسلامى، ومرَّت خلال عمرها المديد بفترتين اصطلح أغلب المؤرخين على تسميتهما بالعصر العباسى الأول والعصر العباسى الثانى. وشهد العصر العباسى الأول (١٣٢ - ٢٣٢ هـ) حياة مزدهرة، وسلطانًا واسعًا وقوة غالبة وجاهًا عريضًا، حتى أطلق عليه العصر الذهبى للخلافة أو عصر القوة والازدهار، وذلك بفضل جهود خلفائه العظام، ووزرائه الأكفاء، وقادته المهرة. واستقرت فى هذا العصر النظم السياسية والإدارية، فاستحدث نظام الوزارة، وارتقت وظائف الكتابة، واتسع نظام الدواوين، واستقل منصب القضاء، كما ازدهرت الحياة الاقتصادية، وتعددت موارد الدولة، وارتفع مستوى المعيشة، وازداد العمران، وبنيت المدن والعواصم، وأقيمت الأسواق، وشيدت المساجد والقصور، أمَّا الحياة الفكرية فقد ازدهرت ازدهارًا عظيمًا فى شتى فروع المعرفة، فتمايزت العلوم واستقلت، ونهضت حركة الأدب، ونشطت الترجمة، وكثرت حلقات العلم، وبرز العلماء والأدباء، وظهرت المذاهب الفقهية، ووضعت الكتب والمصنفات. أما العصر العباسى الثانى الذى دام أكثر من أربعة قرون فيقسمه المؤرخون إلى أربع فترات رئيسية هى: فترة نفوذ الأتراك (٢٣٢ - ٣٣٤هـ)، وفترة سيطرة البويهيين (٣٣٤ - ٤٤٧هـ)، وفترة نفوذ السلاجقة (٤٤٧ - ٥٩٠هـ)، وفترة ما بعد السلاجقة، وهى الفترة التى انحصر فيها نفوذ الخلفاء فى بغداد وما حولها. وقد تميز هذا العصر بظهور الدول المستقلة عن الخلافة وإن ارتبطت بها ارتباطًا اسميا كالدولة «الصفارية» (٢٥٤ - ٢٨٩هـ) فى فارس وخراسان، والدولة «السامانية» (٢٦١ - ٣٨٩هـ) فى بلاد ما وراء

стр. 3051

النهر وخراسان، و «الدولة الحمدانية» (٢٩٣ - ٣٩٢هـ) فى الموصل وحلب، و «البويهيين» فى فارس وشيراز وأصبهان والرى وهمذان، كما ظهر «الفاطميون» فى الشمال الإفريقى وحكموا مصر، واتخذوا من القاهرة عاصمة لدولتهم الشيعية. وفى هذا العصر فقد الخلفاء نفوذهم ولم يعد لهم من الأمر شىء، وضاعت هيبتهم، وتعرض بعضهم للعزل والإهانة وعدم التوقير، بل والقتل أحيانًا دون نظر إلى جلال المنصب فى النفوس، لكنهم نعموا فى ظل السلاجقة بقدر كبير من الاحترام والتوقير، وإن لم يتمتعوا بسلطة الخلافة الحقيقية التى كانت فى أيدى السلاجقة. وعلى الرغم من افتقاد هذا العصر إلى الوحدة السياسية فإنه شهد تفوقًا حضاريا هائلا ونهضة فكرية شاملة، وازدهارًا فى الحركة الثقافية، وبروزًا لعدد ضخم من الفقهاء والمفسرين والكتاب والشعراء وغيرهم، وتنافسًا فى بناء المدارس واجتذاب العلماء. وظلت الدولة العباسية قائمة حتى استطاع «هولاكو» دخول بغداد فى المحرم من سنة (٦٥٦هـ)، والقبض على الخليفة «المستعصم العباسى» وأهل بيته، وقتلهم جميعًا، وبهذا سقطت الخلافة العباسية فى بغداد، وهى التى ظلت لأكثر من خسمة قرون رمزًا لوحدة المسلمين حتى فى فترات الضعف التى حلّت بها.

стр. 3052

* البويهية (دولة) ينتسب البويهيون إلى «أبى شجاع بويه» الذى نشأ فى «بلاد الديلم» التى تقع جنوبى غربى «بحر قزوين» أو «بحر الخزر» بين منطقتى «طبرستان» و «الجبال». وكانت هذه البلاد معقلاً لنفوذ العلويين، فانتشر فيها التشيع. ورغم أن «أبا شجاع بويه» كان فقيرًا فإنه كان يتحلى بروح المغامرة والشجاعة، كما تشرب الروح الشيعية التى كانت سائدة فى «بلاد الديلم». وقد انضم «أبو شجاع» إلى العلويين فى صراعهم مع السامانيين، ومع ذلك فلم يكن هو المؤسس الحقيقى لأسرة «بنى بويه»، وإنما كان أبناؤه الثلاثة «على»، و «حسن»، و «أحمد» هم الذين قاموا بذلك، فقد التحق أبناؤه بخدمة «ماكان بن كاكى» أحد القواد البارزين المناصرين للداعية الشيعى «الحسن بن على»، الملقب بالأطروش، وأبرزوا تميزًا فى خدمته فارتقوا من مرتبة الجنود إلى رتبة القادة، ثم حدث صراع بين «ماكان» و «مرداويج بن زيار» أحد القادة الفرس فى منطقة «الديلم»، وأحس أبناء «بويه» أن كفة «مرداويج» هى الراجحة فى هذا الصراع، فانضموا إليه، فيما بين عامى (٣١٦و٣١٧هـ= ٩٢٨ و ٩٢٩م)، وكان ذلك بداية تمكن نفوذهم فى فارس والمناطق المحيطة بها. وقد ظهر «بنو بويه» - أو البويهيون - على مسرح الأحداث فى أواخر عصر نفوذ الأتراك، فبدءوا منذ عام (٣٢١هـ= ٩٣٣م) يؤسسون لأنفسهم مناطق نفوذ تخضع لسيطرتهم التامة، فاستولوا على «فارس»، و «شيراز» و «أصبهان»، و «الرى»، و «همذان» و «الكرج» و «كرمان»، وأغراهم ذلك على التطلع إلى مد نفوذهم إلى «العراق» موطن الخلافة العباسية. وقد ساعدهم على ذلك تضاؤل النفوذ التركى، واشتداد الصراع على منصب «أمير الأمراء» الذى ابتدعه الخليفة «الراضى بالله» سنة (٣٢٤هـ= ٩٣٦م)، مما أدى إلى تمزق الكلمة وضعف الجبهة التى يمكن أن تحمى دار الخلافة فلم يجد «أحمد بن بويه» أى صعوبة فى دخول «بغداد» والسيطرة عليها بدون قتال فى (الحادى عشر من جمادى الأولى سنة٣٣٤هـ = يناير

стр. 3053

سنة ٩٤٦م) .. وعندما دخل «أحمد بن بويه» «بغداد» فى جمادى الأولى سنة (٣٣٤هـ= ديسمبر سنة ٩٤٥م) كان «المستكفى بالله» هو الخليفة العباسى، ولم يكن أمامه إلا أن يظهر الترحيب به، بل إنه زاد على ذلك فخلع عليه الخُلَع ولقبه «معز الدولة»، كما لقَّب أخاه «عليا» «عماد الدولة»، وأخاه «الحسن» «ركن الدولة»، وأمر بأن تُضرَبَ ألقابهم وكُناهم على الدنانير والدراهم، وكان «على بن بويه» حاكمًا لإقليم «فارس»، و «الحسن ابن بويه» حاكمًا لعدة أقاليم أهمها «الرى»،و «الجبل»،و «أصفهان»، فى حين دخل أخوهم الأصغر «أحمد» «بغداد». وقد تدهورت أحوال «الخلافة العباسية»، واندثرت معالمها من الناحية الواقعية حينما سيطر البويهيون على «بغداد»، فقد جردوا الخليفة من كل سلطاته، وعدُّوه مجرد موظف مهمته إضفاء صفة الشرعية على سلطانهم لدى جماهير المسلمين، فحددوا له راتبه، وسلبوه حقه فى تعيين الوزراء، وسمحوا له بأن يتخذ كاتبًا (سكرتيرًا) فقط يشرف على أمواله. ورغم أن البويهيين كانوا شيعة، فإنهم لم يسقطوا الخلافة العباسية السُنِّية فى «بغداد»، ليحلوا محلها خلافة علوية شيعية تتفق مع مذهبهم، وسبب ذلك علمهم أن وجود خليفة من العلويين يهدد ملكهم وسلطانهم، وليس الأمر كذلك مع الخليفة السنِّى الذى يستطيعون هم أن يفعلوا به ما يشاءون. وقد برهن سلوك البويهيين مع الخليفة «المستكفى» على صدق ذلك، فقبل مرور شهر على دخولهم «بغداد» دخل «معز الدولة أحمد بن بويه» على الخليفة «المستكفى»، فوقف الناس حسب مراتبهم، فتقدم اثنان من الديلم - وهم قوم «معز الدولة» - فمدَّ الخليفة يده إليهما ظنا منه أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه وطرحاه أرضًا، وجرَّاه بعمامته، ثم هجم «الديلم» على دار الخلافة ونهبوها، وسار «معز الدولة» إلى منزله، وساقوا الخليفة «المستكفى» ماشيًا إليه، ثم انتهت هذه المأساة بخلع «المستكفى» وسمل عينيه. وإذا استبعدنا خلافة «المستكفى»،

стр. 3054

فإننا نجد أن الخلفاء الذين شهدوا عصر نفوذ البويهيين كانوا أربعة هم: ١ - المطيع لله «أبو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد» [٣٣٤ - ٣٦٣هـ = ٩٤٥ - ٩٧٤م]. ٢ - الطائع لله «أبو بكر عبدالكريم بن المطيع» [٣٦٣ - ٣٨١هـ= ٩٧٤ - ٩٩١م]. ٣ - القادر بالله «أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر» [٣٨١ - ٤٢٢ هـ= ٩٩١ - ١٠٣١م]. ٤ - القائم بأمر الله «أبو جعفر عبدالله بن القادر» [٤٢٢ - ٤٦٧هـ= ١٠٣١ - ١٠٧٥م]. أولاً: خلافة المطيع لله: بعد أن أمر «معز الدولة أحمد ابن بويه» بخلع «المستكفى» فى (جمادى الآخرة سنة ٣٣٤هـ= ٩٤٥م)، أحضر «أبا القاسم الفضل ابن المقتدر» وبايعه بالخلافة، ولقَّبه بالمطيع لله، وعمره - حينئذٍ- أربع وثلاثون سنة، وحدد له «معز الدولة» راتبًا مائة دينار فى اليوم. وقد شهدت خلافة «المطيع» أحداثًا كثيرة، أولها: نشوب الصراع بين البويهيين فى «بغداد» بزعامة «معز الدولة» (أحمد بن بويهـ)، وبين الحمدانيين فى «الموصل» بزعامة «ناصر الدولة» (الحسين بن عبداللهـ)، وقد استمر هذا الصراع طويلاً فى محاولة كل منهما الإطاحة بالآخر، وفى (المحرم سنة ٣٣٥هـ = أغسطس سنة ٩٤٦م) تم الصلح بين «معز الدولة البويهى» وبين «ناصر الدولة الحمدانى» على أن يدفع «ناصر الدولة» الخراج للبويهيين فى «بغداد» كل عام. وفى سنة (٣٣٦هـ= ٩٤٧م) استطاع «معز الدولة» أن يستولى على «البصرة» بعد هروب صاحبها «أبى القاسم عبدالله بن أبى عبدالله البريدى» إلى القرامطة فى «هجر». وجدير بالذكر أن «معز الدولة» كان نائبًا فى «بغداد» عن أخيه الأكبر «عماد الدولة» (على بن بويهـ) فى «فارس»، ثم عن أخيه الأوسط «ركن الدولة» (الحسن بن بويهـ)، عقب وفاة «عماد الدولة». ورغم أن الخليفة العباسى كان تحت سيطرة البويهيين فإنهم كانوا يخضعون له من الناحية الشكلية فقط. وقد حاول البويهيون صبغ «العراق» بمذهبهم الشيعى، واتخذ

стр. 3055

«معز الدولة» فى سبيل ذلك خطوات بالغة الخطورة أسهمت فى إثارة عوامل الفتنة والاضطراب داخل مجتمع «العراق»؛ ففى (ربيع الآخر سنة ٣٥١= مايو سنة ٩٦٢م) أصدر «معز الدولة» أمرًا بأن يُكتَب على المساجد لَعْنُ «معاوية بن أبى سفيان» وغيره من الصحابة كأبى بكر و «عمر»؛ حيث يتهمهم الشيعة بإساءة معاملتهم وغصبهم حقوقهم، ولم يستطع الخليفة العباسى منع ذلك، وفى العاشر من (المحرم سنة ٣٥٢هـ= يناير سنة ٩٦٣م) أصدر «معز الدولة» أمرًا بتوقف الناس عن البيع والشراء فى ذلك اليوم، وإظهار البكاء والعويل، وأمر النساء أن يخرجن حاسرات الرءوس قد شققن ثيابهن وهن يلطمن الوجوه على «الحسين ابن على بن أبى طالب» فى ذكرى استشهاده بكربلاء، وكان هذا أول يوم يحدث فيه ذلك ببغداد، ولم يستطع الخليفة وأهل السنة أن يمنعوا ذلك لكثرة الشيعة ومناصرة السلطان «معز الدولة» لهم. وقد أحدثت هذه المظاهر الشاذة آثارها السيئة بين الناس، ففى العاشر من (المحرم سنة ٣٥٣هـ= يناير سنة ٩٦٤م) - على سبيل المثال - تم إغلاق الأسواق فى «بغداد»، وفعل الناس ما تقدم ذكره، فثارت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة، أُصيب فيها كثيرون ونُهبت الأموال، وجدير بالذكر أن هذه الممارسات التى شجعها البويهيون ماتزال آثارها موجودة حتى الآن. ومن أهم ما سجله «معز الدولة» من انتصارات: تخليص «عُمان» فى (ذى الحجة سنة ٣٥٥هـ = نوفمبرسنة ٩٦٦م) من يد القرامطة الذين كانوا قد استولوا عليها وعاثوا بها فسادًا، فأصبحت بذلك ضمن مملكة البويهيين. ظل «معز الدولة» اثنين وعشرين عامًا يدير الأمور فى «بغداد»، حتى تُوفِّى فى الثالث عشر من (ربيع الآخر سنة ٣٥٦هـ= مارس سنة ٩٦٧م)، فتولى ابنه «بختيار» إمارة «العراق» بعهد منه، ولُقب «عز الدولة». وقد قدم «عز الدولة» صورة صارخة لانصرافه عن المهام الكبرى واهتمامه بملذاته الشخصية، فقد أنفق وقته فى اللهو والتسلية وعِشرة النساء

стр. 3056

والاستماع إلى الغناء، واستولى على أموال كبار رجال الدولة وعلى رأسهم الخليفة فى سبيل ذلك. ففى سنة (٣٦١هـ= ٩٧٢م) هاجم الروم ثغور «الجزيرة» ومن بينها «الرها» و «نصيبين»، فأحرقوا البلاد وخربوها وغنموا وسلبوا ما استطاعوا ولم يجدوا من يردعهم بعد وفاة «سيف الدولة الحمدانى» سنة (٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، فسار جماعة من أهل «الجزيرة» إلى «بغداد» لاستنفار المسلمين ضد الروم، فاستعظم الناس ذلك، وتوجهوا إلى «عز الدولة بختيار»، وأنكروا عليه انشغاله باللهو والصيد عن جهاد الروم الذين انتهكوا حرمة دار الإسلام، فوعدهم بالإعداد لغزوهم، واتصل بالخليفة «المطيع لله» يطلب منه المال ليجهز به المسلمين للغزو، ولكن «المطيع لله» أجابه بقوله: «إن الغَزاة والنفقة عليها، وغيرها من مصالح المسلمين تلزمنى إذا كانت الدنيا فى يدى، وتُجبَى إلىَّ الأموال، وأما إذا كانت حالى هذه فلا يلزمنى شىء من ذلك، وإنما يلزم مَن البلاد فى يده، وليس لى إلا الخطبة، فإن شئتم أن أعتزل فعلت»، فهدد «بختيار» الخليفة «المطيع» واضطره إلى دفع أربعمائة ألف درهم، فلما قبضها «عز الدولة» صرفها فى مصالحه وملذاته! ونتيجة لسوء طبع بختيار واضمحلال شخصيته، بدأت أسباب الشقاق والفتنة تظهر بين البويهيين، فقد حاول ابن عمه «ركن الدولة» والملقب فيما بعد «عضد الدولة» انتزاع «العراق» من «بختيار» ولكن والده «ركن الدولة» اعترض على ذلك، فاضطر «عضد الدولة» إلى تأجيل ذلك إلى ما بعد وفاة والده. ولعل من أخطر الأحداث التى شهدتها خلافة «المطيع لله» سيطرة الفاطميين على «مصر» سنة (٣٥٨هـ= ٩٦٩م) وكانت «مصر» حينئذٍ تحت حكم الإخشيديين الذين كانوا يخضعون للخليفة العباسى من الناحية الشكلية، فلما دخلها القائد الفاطمى «جوهر الصقلى» فى (شعبان سنة ٣٥٨هـ= يونيو سنة ٩٦٩م)، شرع فى بناء مدينة «القاهرة»؛ لتصبح عاصمة للفاطميين، كما بنى الجامع الأزهر سنة (٣٦١هـ= ٩٧٢م)،

стр. 3057

وظل حاكمًا لمصر نيابة عن مولاه «المعز لدين الله» (٧) حتى سنة (٣٦٢هـ= ٩٧٣م)، حين قدم «المعز» إلى «مصر» فى رمضان من هذه السنة، فقام بالأمر وأصبحت «مصر» منذ ذلك الوقت مقرا للخلافة الفاطمية الشيعية حتى سنة (٥٦٧هـ= ١١٧٢م). ظل «المطيع لله» فى الخلافة ما يقرب من «ثلاثين عامًا»، حتى أُصيب بالفالج - وهو الشلل النصفى - فى أواخر حياته فتعذرت حركته وثقل لسانه، مما دعا «سُبُكْتكين»، حاجب «عز الدولة بختيار» إلى أن يطلب منه خلع نفسه وتسليم الخلافة إلى ابنه «عبدالكريم»، فتم ذلك فى (١٣من ذى القعدة سنة ٣٦٣هـ= يوليو سنة ٩٧٤م)، ولقب «عبدالكريم» بالطائع لله. ثانيًا: خلافة الطائع لله (٣٦٣ - ٣٨١هـ= ٩٧٤ - ٩٩١م). تولى «الطائع لله» الخلافة فى (ذى القعدة سنة ٣٦٣هـ= يوليو سنة ٩٧٤م) وعمره ثلاث وأربعون سنة، وقد تُوفِّى والده «المطيع لله» بعد ذلك بفترة قصيرة، فى (سنة المحرم سنة ٣٦٤هـ= سبتمبر ٩٧٤م). فى بداية خلافة «الطائع لله» حدثت الفتنة بين «عضد الدولة بن ركن الدولة»، وابن عمه «بختيار بن معز الدولة»، فقد شجع «عضد الدولة» جند «بختيار» على الثورة عليه ووعدهم بالإحسان إليهم والنظر فى أمورهم، فثار عليه الجند وتم القبض على «بختيار» وحبسه فى (جمادى الآخرة سنة ٣٦٤هـ= فبراير سنة ٩٧٥م)، وأصبحت «بغداد» و «العراق» تحت سلطان «عضد الدولة» .. وقد عز على «ركن الدولة» أمير أمراء البيت البويهى ووالد «عضد الدولة» أن يتصرف ابنه «عضد الدولة» مع ابن أخيه «بختيار» بهذه الصورة، فكتب إلى أنصار «بختيار» يساندهم ويأمرهم بالثبات والصبر ويعرفهم أنه عازم على المسير إلى «العراق» لإخراج «عضد الدولة» وإعادة «بختيار»، فانصرف أنصار «عضد الدولة» عنه واضطر إلى الإذعان لإرادة أبيه، فأخرج «بختيار» من سجنه ورد إليه ما سلبه من سلطانه، وعاد إلى «فارس» فى (شوال سنة ٣٦٤هـ= يونيو سنة ٩٧٥م)، وكان الخليفة «الطائع لله» مسلوب

стр. 3058

الإرادة خلال هذه الفتنة، لاحول له ولا قوة. وقد قسم «ركن الدولة» ملكه بين أولاده فى (جمادى الأولى سنة ٣٦٥هـ= يناير سنة ٩٧٦م) فجعل لابنه «عضد الدولة» ملك البلاد من بعده، ولولده «فخر الدولة» (أبى الحسن على) «همدان» وأعمال «الجبل»، ولولده «مؤيد الدولة» (أبى منصور بويهـ) «أصبهان» وأعمالها، وجعلهما تحت رئاسة أخيهما «عضد الدولة»، وأوصاهم بالاتفاق وترك التنازع. وفى (المحرم سنة ٣٦٦هـ= أغسطس سنة ٩٧٦م) تُوفِّى «ركن الدولة» فأصبح ابنه «عضد الدولة» زعيم البويهيين بلا منازع. وفى العام نفسه حشد «عضد الدولة» جنوده لغزو «العراق»، وكان «بختيار» ووزيره «أبو طاهر محمد بن محمد بن بقية» يعلمان نيات «عضد الدولة» فحاولا استمالة كبار الأمراء من حكام الأقاليم المختلفة، مثل «فخر الدولة بن ركن الدولة»، و «أبى تغلب بن حمدان» وغيرهما، وحدثت بعض المعارك بين جيوش «عضد الدولة» وجيوش «بختيار» سنة (٣٦٦هـ= ٩٧٦م) انتهت بهزيمة «بختيار» وفراره من «بغداد» إلى «الموصل» حيث تحالف مع واليها «أبى تغلب بن حمدان» ضد «عضد الدولة»، فسار إليهما «عضد الدولة» وهزمهما بالقرب من «تكريت» فى (شوال سنة ٣٦٧هـ= مايو سنة ٩٧٨م) وأسر «بختيار» وقتله، وضم مملكة الحمدانيين فى «الموصل» و «الجزيرة» إلى أملاكه، واتخذ «العراق» مقرا لحكمه. اهتم «عضد الدولة» بدعم سلطانه وتوسيع أملاكه؛ ففى سنة (٣٦٨هـ= ٩٧٨م) فتح «ميَّافارقين» و «آمد» و «ديار بكر»، و «ديار مضر» منهيًا بذلك نفوذ «أبى تغلب ابن حمدان» فى بلاد «الجزيرة». وفى عام (٣٦٩هـ= ٩٧٩م) استولى على الأقاليم الخاضعة لأخيه «فخر الدولة» بسبب وقوفه إلى جانب «بختيار»، فاستولى على «همدان» و «الرى» وما بينهما من البلاد، وعين عليها أخاه «مؤيد الدولة» نائبًا عنه فى حكمها، وفى سنة (٣٧١هـ= ٩٨١م) ضم إلى نفوذه بلاد «جرجان» و «طبرستان» بعد أن أجلى عنها صاحبها «قابوس ابن أبى طاهر» و «شمكير» (أحد أمراء آل

стр. 3059

زيار) (٨)، فتعاظم بذلك نفوذ «عضد الدولة» وذاع صيته وتمكنت هيبته، وكان أول من خوطب بشاهنشاه فى الإسلام، وأول من خُطب له على منابر «بغداد» بعد الخلفاء. وقد كان لعضد الدولة إنجازات حضارية بالإضافة إلى أمجاده الحربية، فبعد دخوله «بغداد» بدأ فى عمارتها، كما أمر بإخراج أموال الصدقات وتسليمها للقضاة وأعيان الناس، لإعانة من يستحق، وبدفع أموال للعاطلين الذين يتعذر عليهم الحصول على العمل، بما يكفى احتياجاتهم، ثم يردونها بعد ذلك إذا عملوا. كما اهتم «عضد الدولة» بالعلم والعلماء، وأغدق عليهم العطاء وأحاطهم بمظاهر التكريم، وقد كان مجلسه منتدى للعلماء، تدور فيه المناقشات الدقيقة فى فروع العلم المختلفة، وكان يشترك مع العلماء فى هذه المناقشات ويعارضهم فى المسائل، ومن أبرز هؤلاء العلماء «أبو على الفارسى» الذى صنَّف له كتاب «الإيضاح» و «التكملة» فى النحو، وكان «عضد الدولة» يقول: «أنا غلام أبى على فى النحو»، ومنهم أيضًا «أبو إسحاق الصابى» الذى صنف لعضد الدولة كتاب «التاجى فى أخبار بنى بويه». وكان «عضد الدولة» يحب الشعر ويطرب له، ويقرضه أحيانًا، ويغمر الشعراء بفيض كرمه وجزيل عطائه، فقصده عدد من فحول الشعراء فى عصره، وكتبوا فيه أروع قصائد المديح، وفى مقدمتهم «أبو الطيب المتنبى» سنة (٣٥٤هـ= ٩٦٥م)، و «أبو الحسن محمد بن عبدالله السَّلامى أبرز شعراء «العراق»، وكان «عضد الدولة» يقول: «إذا رأيت السَّلامى فى مجلسى ظننت أن عطارد قد نزل من الفَلك إلىَّ ووقف بين يدى». وقد اقتدى «مؤيد الدولة» و «فخر الدولة» بأخيهما «عضد الدولة» فى تشجيع العلم وإكرام أهله، فعين «مؤيد الدولة» «الصاحبَ بن عباد» وزيرًا له سنة (٣٦٦هـ= ٩٧٦م)، وكان من أعظم رعاة العلم والأدب، وعقب وفاة «مؤيد الدولة» واستيلاء أخيه «فخر الدولة» على مملكته أقر «الصاحب بن عباد» على وزارته، وعين مفكر

стр. 3060

المعتزلة المشهور «عبدالجبار بن أحمد» قاضى قضاة للرى سنة (٣٦٧هـ= ٩٧٨م) لصلته بالصاحب بن عباد، ثم عزله «فخر الدولة» سنة (٣٨٥هـ= ٩٩٥م) حينما تُوفِّى «الصاحب بن عباد». وتُوفِّى «عضد الدولة» فى (شوال سنة ٣٧٢هـ= مارس سنة ٩٨٣م)، وعمره ثمانٍ وأربعون سنة (٩)، وقد تركت وفاته فراغًا هائلاً تعذر على خلفائه أن يملئوه. وكان أخطر ما ترتب على وفاة «عضد الدولة»، الصراع الذى نشب بين أولاده الخمسة على السلطة، وهم: «أبو كاليجار المرزبان» (صمصام الدولة)، و «أبو الحسين أحمد»، و «أبو طاهر فيروز شاه»، و «أبو الفوارس شيرزيل» الملقب «شرف الدولة»، و «أبو نصر فيروز» الملقب «بهاء الدولة». وقد استقر الأمراء والقادة على اختيار «أبى كاليجار المرزبان» ليكون خلفًا لأبيه «عضد الدولة»، ولقبوه «صمصام الدولة» وأقر الخليفة «الطائع لله» هذا الاختيار وخلع على «صمصام الدولة» سبع خلع، ولقبه «شمس الملة»، فلم يكن للخليفة دور سوى إقرار ما يتفق عليه القادة والأمراء. وقد واجه «صمصام الدولة» انشقاقًا من أخيه «شرف الدولة» الذى استطاع الاستقلال ببلاد «فارس» والاستيلاء على «البصرة»، وتعيين أخيه «أبى الحسين أحمد» نائبًا عنه فى حكمها، كما تمكن من هزيمة الجيش الذى أرسله إليه «صمصام الدولة» ليسترد منه بلاد «فارس». وقد استطاع «صمصام الدولة» استمالة عمه «فخرالدولة» إلى صفه فى هذا الصراع، ولكن جنده فى «بغداد» ثاروا عليه وأعلنوا بيعتهم لشرف الدولة، ورغم أن «صمصام الدولة» قضى على هذه الثورة فإنه لم يستطع وضع حد لازدياد قوة أخيه «شرف الدولة». ففى سنة (٣٧٥هـ= ٩٨٥م) استولى «شرف الدولة» على «الأهواز» وقبض على أخيه «أبى طاهر فيروز شاه» المناصر لصمصام الدولة، وفى (رمضان سنة ٣٧٦هـ= يناير سنة ٩٨٧م) استولى على «العراق» ودخل «بغداد» وقبض على أخيه «صمصام الدولة»، فذهب إليه الخليفة وهنأه بالسلطنة. لم يستمر «شرف الدولة» طويلاً فى إمارته على

стр. 3061

«العراق»، فقد تُوفِّى فى غرة (جمادى الأولى سنة ٣٧٩هـ= أغسطس سنة ٩٨٩م)، ولم يجد حرجًا وهو فى مرض موته أن يأمر بِسَمْل عينى أخيه «صمصام الدولة» وهو فى سجنه. وخلف «شرف الدولة» أخوه «أبو نصر فيروز»، الذى لقبه الخليفة «بهاء الدولة وضياء الملة»، ولكن العلاقة بين «بهاء الدولة أبى نصر فيروز» وبين الخليفة «الطائع» وصلت بعد قليل إلى الحد الذى جعل «بهاء الدولة» يقوم بعزل الخليفة؛ فقد قلت الأموال عند «بهاء الدولة»، وثار جنده عليه، فاقترح عليه أحد خواصه وهو «أبو الحسن بن المعلم»، أن يقبض على الخليفة «الطائع» ويستولى على أمواله، فدخل «بهاء الدولة» على الخليفة ومعه جمع كثير، وتقدم أحد رجاله كأنه يريد أن يقبل يد الخليفة، فجذبه فأنزله عن سريره والخليفة يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ويستغيث دون أن يلتفت إليه أحد، وتم الاستيلاء على أمواله، وحُمِل الخليفة إلى دار «بهاء الدولة»؛ حيث أُرغِم على خلع نفسه فى (التاسع عشر من شعبان سنة (٣٨١هـ= أكتوبر سنة ٩٩١م) بعد أن استمر فى الخلافة ما يقرب من ثمانية عشر عامًا، كان خلالها مسلوب الإرادة. ثالثًا: خلافة القادر بالله (٣٨١ - ٤٢٢هـ= ٩٩١ - ١٠٣١م). هو «أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر»، اختاره «بهاء الدولة» بعد خلع «الطائع لله» لتولِّى الخلافة، وكان غائبًا عن «بغداد»، فلما وصله الخبر حضر إليها وبايعه «بهاء الدولة» والناس فى (رمضان سنة ٣٨١هـ= نوفمبر سنة ٩٩١م)، وعمره خمسة وأربعون عامًا. وقد دامت خلافة «القادر بالله» إحدى وأربعين سنة وحفلت بالكثير من الأحداث والتطورات، وأهمها: أ - ازدياد التفكك فى البيت البويهى: فقد نشب الصراع بين «بهاء الدولة»، وأخيه «صمصام الدولة» ولم يكن فى «بنى بويه» أظلم من «بهاء الدولة» ولا أقبح سيرة منه، ففى سنة (٣٨٣هـ= ٩٩٣م) قام بمحاولة للاستيلاء على المنطقة الخاضعة لإمارة أخيه «صمصام الدولة» فى بلاد «فارس»

стр. 3062

و «أرَّجان»، فانتهت هذه المحاولة بعكس ما كان يهدف إليه؛ حيث تمكن «صمصام الدولة» من الاستيلاء على «خوزستان» الخاضعة لبهاء الدولة، وبدد شمل الجيش الذى أرسله «بهاء الدولة». وفى سنة (٣٨٤هـ = ٩٩٤م) استطاع «بهاء الدولة» أن يهزم «صمصام الدولة»، وأن يسترد منه بعض ما خسره قبل ذلك. وقد تجدد الصراع بينهما مرات عديدة، ووصل فى إحدى مراحله إلى استيلاء «صمصام الدولة» على «البصرة» فى «العراق» سنة (٣٨٦هـ= ٩٩٦م)، ولم يتوقف هذا الصراع بين «بهاء الدولة» و «صمصام الدولة» إلا بمقتل «صمصام الدولة» على يد بعض أبناء «عز الدولة بختيار»؛ انتقامًا لمقتل أبيهم «بختيار» على يد «عضد الدولة»، والد «صمصام الدولة»، وذلك فى (ذى الحجة سنة ٣٨٨هـ= ٩٩٨م). وعقب مقتل «صمصام الدولة» أراد بعض أبناء «بختيار» الاستيلاء على «فارس»، فنشب الصراع بينهم وبين «بهاء الدولة» وانتهى بهروبهم ومقتل أحدهم واسمه «أبو نصر» على يد أنصار «بهاء الدولة» سنة (٣٩٠هـ = ١٠٠٠م). وقد تُوفِّى «بهاء الدولة» (أبو نصر فيروز بن عضد الدولة) فى (جمادى الآخرة سنة ٤٠٣هـ = ديسمبر سنة ١٠١٢م)، فخلفه على إمارة «العراق» ابنه «أبو شجاع فخر الملك»، الذى لقبه الخليفة «القادر بالله» «سلطان الدولة»، فولى أخاه «جلال الدولة» «أبا طاهر» إمارة «البصرة» وأخاه «قوام الدولة أبا الفوارس» «كرمان». ونشب صراع مرير بين أبناء «بهاء الدولة»: «سلطان الدولة» و «جلال الدولة»، و «قوام الدولة»، و «مشرف الدولة» الذى استطاع الاستيلاء على «العراق» سنة (٤١١هـ = ١٠٢٠م) وبعد وفاة «سلطان الدولة» فى (شوال سنة ٤١٥هـ = ديسمبر سنة ١٠٢٤م) خلفه ابنه «أبو كاليجار» على إمارة «فارس» و «كرمان»، ودخل فى صراع مع عمه «أبى الفوارس بن بهاء الدولة» الذى استطاع الاستيلاء على «كرمان»، وأرغم «أبا كاليجار» على دفع خراج له قيمته عشرون ألف دينار، إلا أن «أبا كاليجار» استرد «كرمان» بدون قتال عقب وفاة عمه «أبى

стр. 3063

الفوارس» سنة (٤١٩هـ = ١٠٢٨م). وعقب وفاة «مشرف الدولة» تولى أخوه «أبو طاهر جلال الدولة» - أمير «البصرة» - إمارة «العراق»، لكنه لم يتمكن من دخول «بغداد»؛ حيث منعه أنصار ابن أخيه «أبى كاليجار» من دخولها، تمهيدًا لقدوم «أبى كاليجار» وسيطرته على «العراق»، ولكن ذلك لم يحدث لانشغاله بصراعه مع عمه «أبى الفوارس»، وبقيت «بغداد» بدون أمير بويهى لمدة عامين وبضعة أشهر، مما دعا رؤساء الجند إلى أن يطلبوا من الخليفة «القادر بالله» أن يرسل إلى «جلال الدولة» ليحضر إلى «بغداد» ويتسلم الإمارة؛ جمعًا للكلمة وحسمًا للخلاف، فاستجاب الخليفة لهم ودخل «جلال الدولة» «بغداد» فى (رمضان سنة ٤١٨هـ = سبتمبر سنة ١٠٢٧م)، إلا أنه ما لبث أن دخل فى صراع مع ابن أخيه «أبى كاليجار»، الذى أراد انتزاع «العراق» من عمه «جلال الدولة»، واستمر الصراع بينهما بين النصر والهزيمة لهذا الطرف أو ذاك حتى وفاة «جلال الدولة» سنة (٤٣٥هـ= ١٠٤٤م). وقد أدى الصراع المستمر بين أبناء البيت البويهى إلى تطلع قوى أخرى من خارج البيت البويهى للاستيلاء على مقاليد الحكم فى دولة الخلافة العباسية، كما شغل هذا الصراع البويهيين عن توجيه أذاهم إلى الخليفة العباسى «القادر بالله»، الذى ظل واحدًا وأربعين عامًا على كرسى الخلافة حتى تُوفِّى سنة (٤٢٢هـ = ١٠٣١م).

стр. 3064

* البويهيون ينتسب البويهيون إلى «أبى شجاع بويه» الذى نشأ فى «بلاد الديلم» التى تقع جنوبى غربى «بحر قزوين» أو «بحر الخزر» بين منطقتى «طبرستان» و «الجبال». وكانت هذه البلاد معقلاً لنفوذ العلويين، فانتشر فيها التشيع. ورغم أن «أبا شجاع بويه» كان فقيرًا فإنه كان يتحلى بروح المغامرة والشجاعة، كما تشرب الروح الشيعية التى كانت سائدة فى «بلاد الديلم». وقد انضم «أبو شجاع» إلى العلويين فى صراعهم مع السامانيين، ومع ذلك فلم يكن هو المؤسس الحقيقى لأسرة «بنى بويه»، وإنما كان أبناؤه الثلاثة «على»، و «حسن»، و «أحمد» هم الذين قاموا بذلك، فقد التحق أبناؤه بخدمة «ماكان بن كاكى» أحد القواد البارزين المناصرين للداعية الشيعى «الحسن بن على»، الملقب بالأطروش، وأبرزوا تميزًا فى خدمته فارتقوا من مرتبة الجنود إلى رتبة القادة، ثم حدث صراع بين «ماكان» و «مرداويج بن زيار» أحد القادة الفرس فى منطقة «الديلم»، وأحس أبناء «بويه» أن كفة «مرداويج» هى الراجحة فى هذا الصراع، فانضموا إليه، فيما بين عامى (٣١٦و٣١٧هـ= ٩٢٨ و ٩٢٩م)، وكان ذلك بداية تمكن نفوذهم فى فارس والمناطق المحيطة بها. وقد ظهر «بنو بويه» - أو البويهيون - على مسرح الأحداث فى أواخر عصر نفوذ الأتراك، فبدءوا منذ عام (٣٢١هـ= ٩٣٣م) يؤسسون لأنفسهم مناطق نفوذ تخضع لسيطرتهم التامة، فاستولوا على «فارس»، و «شيراز» و «أصبهان»، و «الرى»، و «همذان» و «الكرج» و «كرمان»، وأغراهم ذلك على التطلع إلى مد نفوذهم إلى «العراق» موطن الخلافة العباسية. وقد ساعدهم على ذلك تضاؤل النفوذ التركى، واشتداد الصراع على منصب «أمير الأمراء» الذى ابتدعه الخليفة «الراضى بالله» سنة (٣٢٤هـ= ٩٣٦م)، مما أدى إلى تمزق الكلمة وضعف الجبهة التى يمكن أن تحمى دار الخلافة فلم يجد «أحمد بن بويه» أى صعوبة فى دخول «بغداد» والسيطرة عليها بدون قتال فى (الحادى عشر من جمادى الأولى سنة٣٣٤هـ = يناير

стр. 3065

سنة ٩٤٦م) .. وعندما دخل «أحمد بن بويه» «بغداد» فى جمادى الأولى سنة (٣٣٤هـ= ديسمبر سنة ٩٤٥م) كان «المستكفى بالله» هو الخليفة العباسى، ولم يكن أمامه إلا أن يظهر الترحيب به، بل إنه زاد على ذلك فخلع عليه الخُلَع ولقبه «معز الدولة»، كما لقَّب أخاه «عليا» «عماد الدولة»، وأخاه «الحسن» «ركن الدولة»، وأمر بأن تُضرَبَ ألقابهم وكُناهم على الدنانير والدراهم، وكان «على بن بويه» حاكمًا لإقليم «فارس»، و «الحسن ابن بويه» حاكمًا لعدة أقاليم أهمها «الرى»،و «الجبل»،و «أصفهان»، فى حين دخل أخوهم الأصغر «أحمد» «بغداد». وقد تدهورت أحوال «الخلافة العباسية»، واندثرت معالمها من الناحية الواقعية حينما سيطر البويهيون على «بغداد»، فقد جردوا الخليفة من كل سلطاته، وعدُّوه مجرد موظف مهمته إضفاء صفة الشرعية على سلطانهم لدى جماهير المسلمين، فحددوا له راتبه، وسلبوه حقه فى تعيين الوزراء، وسمحوا له بأن يتخذ كاتبًا (سكرتيرًا) فقط يشرف على أمواله. ورغم أن البويهيين كانوا شيعة، فإنهم لم يسقطوا الخلافة العباسية السُنِّية فى «بغداد»، ليحلوا محلها خلافة علوية شيعية تتفق مع مذهبهم، وسبب ذلك علمهم أن وجود خليفة من العلويين يهدد ملكهم وسلطانهم، وليس الأمر كذلك مع الخليفة السنِّى الذى يستطيعون هم أن يفعلوا به ما يشاءون. وقد برهن سلوك البويهيين مع الخليفة «المستكفى» على صدق ذلك، فقبل مرور شهر على دخولهم «بغداد» دخل «معز الدولة أحمد بن بويه» على الخليفة «المستكفى»، فوقف الناس حسب مراتبهم، فتقدم اثنان من الديلم - وهم قوم «معز الدولة» - فمدَّ الخليفة يده إليهما ظنا منه أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه وطرحاه أرضًا، وجرَّاه بعمامته، ثم هجم «الديلم» على دار الخلافة ونهبوها، وسار «معز الدولة» إلى منزله، وساقوا الخليفة «المستكفى» ماشيًا إليه، ثم انتهت هذه المأساة بخلع «المستكفى» وسمل عينيه. وإذا استبعدنا خلافة «المستكفى»،

стр. 3066

فإننا نجد أن الخلفاء الذين شهدوا عصر نفوذ البويهيين كانوا أربعة هم: ١ - المطيع لله «أبو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد» [٣٣٤ - ٣٦٣هـ = ٩٤٥ - ٩٧٤م]. ٢ - الطائع لله «أبو بكر عبدالكريم بن المطيع» [٣٦٣ - ٣٨١هـ= ٩٧٤ - ٩٩١م]. ٣ - القادر بالله «أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر» [٣٨١ - ٤٢٢ هـ= ٩٩١ - ١٠٣١م]. ٤ - القائم بأمر الله «أبو جعفر عبدالله بن القادر» [٤٢٢ - ٤٦٧هـ= ١٠٣١ - ١٠٧٥م]. أولاً: خلافة المطيع لله: بعد أن أمر «معز الدولة أحمد ابن بويه» بخلع «المستكفى» فى (جمادى الآخرة سنة ٣٣٤هـ= ٩٤٥م)، أحضر «أبا القاسم الفضل ابن المقتدر» وبايعه بالخلافة، ولقَّبه بالمطيع لله، وعمره - حينئذٍ- أربع وثلاثون سنة، وحدد له «معز الدولة» راتبًا مائة دينار فى اليوم. وقد شهدت خلافة «المطيع» أحداثًا كثيرة، أولها: نشوب الصراع بين البويهيين فى «بغداد» بزعامة «معز الدولة» (أحمد بن بويهـ)، وبين الحمدانيين فى «الموصل» بزعامة «ناصر الدولة» (الحسين بن عبداللهـ)، وقد استمر هذا الصراع طويلاً فى محاولة كل منهما الإطاحة بالآخر، وفى (المحرم سنة ٣٣٥هـ = أغسطس سنة ٩٤٦م) تم الصلح بين «معز الدولة البويهى» وبين «ناصر الدولة الحمدانى» على أن يدفع «ناصر الدولة» الخراج للبويهيين فى «بغداد» كل عام. وفى سنة (٣٣٦هـ= ٩٤٧م) استطاع «معز الدولة» أن يستولى على «البصرة» بعد هروب صاحبها «أبى القاسم عبدالله بن أبى عبدالله البريدى» إلى القرامطة فى «هجر». وجدير بالذكر أن «معز الدولة» كان نائبًا فى «بغداد» عن أخيه الأكبر «عماد الدولة» (على بن بويهـ) فى «فارس»، ثم عن أخيه الأوسط «ركن الدولة» (الحسن بن بويهـ)، عقب وفاة «عماد الدولة». ورغم أن الخليفة العباسى كان تحت سيطرة البويهيين فإنهم كانوا يخضعون له من الناحية الشكلية فقط. وقد حاول البويهيون صبغ «العراق» بمذهبهم الشيعى، واتخذ

стр. 3067

«معز الدولة» فى سبيل ذلك خطوات بالغة الخطورة أسهمت فى إثارة عوامل الفتنة والاضطراب داخل مجتمع «العراق»؛ ففى (ربيع الآخر سنة ٣٥١= مايو سنة ٩٦٢م) أصدر «معز الدولة» أمرًا بأن يُكتَب على المساجد لَعْنُ «معاوية بن أبى سفيان» وغيره من الصحابة كأبى بكر و «عمر»؛ حيث يتهمهم الشيعة بإساءة معاملتهم وغصبهم حقوقهم، ولم يستطع الخليفة العباسى منع ذلك، وفى العاشر من (المحرم سنة ٣٥٢هـ= يناير سنة ٩٦٣م) أصدر «معز الدولة» أمرًا بتوقف الناس عن البيع والشراء فى ذلك اليوم، وإظهار البكاء والعويل، وأمر النساء أن يخرجن حاسرات الرءوس قد شققن ثيابهن وهن يلطمن الوجوه على «الحسين ابن على بن أبى طالب» فى ذكرى استشهاده بكربلاء، وكان هذا أول يوم يحدث فيه ذلك ببغداد، ولم يستطع الخليفة وأهل السنة أن يمنعوا ذلك لكثرة الشيعة ومناصرة السلطان «معز الدولة» لهم. وقد أحدثت هذه المظاهر الشاذة آثارها السيئة بين الناس، ففى العاشر من (المحرم سنة ٣٥٣هـ= يناير سنة ٩٦٤م) - على سبيل المثال - تم إغلاق الأسواق فى «بغداد»، وفعل الناس ما تقدم ذكره، فثارت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة، أُصيب فيها كثيرون ونُهبت الأموال، وجدير بالذكر أن هذه الممارسات التى شجعها البويهيون ماتزال آثارها موجودة حتى الآن. ومن أهم ما سجله «معز الدولة» من انتصارات: تخليص «عُمان» فى (ذى الحجة سنة ٣٥٥هـ = نوفمبرسنة ٩٦٦م) من يد القرامطة الذين كانوا قد استولوا عليها وعاثوا بها فسادًا، فأصبحت بذلك ضمن مملكة البويهيين. ظل «معز الدولة» اثنين وعشرين عامًا يدير الأمور فى «بغداد»، حتى تُوفِّى فى الثالث عشر من (ربيع الآخر سنة ٣٥٦هـ= مارس سنة ٩٦٧م)، فتولى ابنه «بختيار» إمارة «العراق» بعهد منه، ولُقب «عز الدولة». وقد قدم «عز الدولة» صورة صارخة لانصرافه عن المهام الكبرى واهتمامه بملذاته الشخصية، فقد أنفق وقته فى اللهو والتسلية وعِشرة النساء

стр. 3068

والاستماع إلى الغناء، واستولى على أموال كبار رجال الدولة وعلى رأسهم الخليفة فى سبيل ذلك. ففى سنة (٣٦١هـ= ٩٧٢م) هاجم الروم ثغور «الجزيرة» ومن بينها «الرها» و «نصيبين»، فأحرقوا البلاد وخربوها وغنموا وسلبوا ما استطاعوا ولم يجدوا من يردعهم بعد وفاة «سيف الدولة الحمدانى» سنة (٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، فسار جماعة من أهل «الجزيرة» إلى «بغداد» لاستنفار المسلمين ضد الروم، فاستعظم الناس ذلك، وتوجهوا إلى «عز الدولة بختيار»، وأنكروا عليه انشغاله باللهو والصيد عن جهاد الروم الذين انتهكوا حرمة دار الإسلام، فوعدهم بالإعداد لغزوهم، واتصل بالخليفة «المطيع لله» يطلب منه المال ليجهز به المسلمين للغزو، ولكن «المطيع لله» أجابه بقوله: «إن الغَزاة والنفقة عليها، وغيرها من مصالح المسلمين تلزمنى إذا كانت الدنيا فى يدى، وتُجبَى إلىَّ الأموال، وأما إذا كانت حالى هذه فلا يلزمنى شىء من ذلك، وإنما يلزم مَن البلاد فى يده، وليس لى إلا الخطبة، فإن شئتم أن أعتزل فعلت»، فهدد «بختيار» الخليفة «المطيع» واضطره إلى دفع أربعمائة ألف درهم، فلما قبضها «عز الدولة» صرفها فى مصالحه وملذاته! ونتيجة لسوء طبع بختيار واضمحلال شخصيته، بدأت أسباب الشقاق والفتنة تظهر بين البويهيين، فقد حاول ابن عمه «ركن الدولة» والملقب فيما بعد «عضد الدولة» انتزاع «العراق» من «بختيار» ولكن والده «ركن الدولة» اعترض على ذلك، فاضطر «عضد الدولة» إلى تأجيل ذلك إلى ما بعد وفاة والده. ولعل من أخطر الأحداث التى شهدتها خلافة «المطيع لله» سيطرة الفاطميين على «مصر» سنة (٣٥٨هـ= ٩٦٩م) وكانت «مصر» حينئذٍ تحت حكم الإخشيديين الذين كانوا يخضعون للخليفة العباسى من الناحية الشكلية، فلما دخلها القائد الفاطمى «جوهر الصقلى» فى (شعبان سنة ٣٥٨هـ= يونيو سنة ٩٦٩م)، شرع فى بناء مدينة «القاهرة»؛ لتصبح عاصمة للفاطميين، كما بنى الجامع الأزهر سنة (٣٦١هـ= ٩٧٢م)،

стр. 3069

وظل حاكمًا لمصر نيابة عن مولاه «المعز لدين الله» (٧) حتى سنة (٣٦٢هـ= ٩٧٣م)، حين قدم «المعز» إلى «مصر» فى رمضان من هذه السنة، فقام بالأمر وأصبحت «مصر» منذ ذلك الوقت مقرا للخلافة الفاطمية الشيعية حتى سنة (٥٦٧هـ= ١١٧٢م). ظل «المطيع لله» فى الخلافة ما يقرب من «ثلاثين عامًا»، حتى أُصيب بالفالج - وهو الشلل النصفى - فى أواخر حياته فتعذرت حركته وثقل لسانه، مما دعا «سُبُكْتكين»، حاجب «عز الدولة بختيار» إلى أن يطلب منه خلع نفسه وتسليم الخلافة إلى ابنه «عبدالكريم»، فتم ذلك فى (١٣من ذى القعدة سنة ٣٦٣هـ= يوليو سنة ٩٧٤م)، ولقب «عبدالكريم» بالطائع لله. ثانيًا: خلافة الطائع لله (٣٦٣ - ٣٨١هـ= ٩٧٤ - ٩٩١م). تولى «الطائع لله» الخلافة فى (ذى القعدة سنة ٣٦٣هـ= يوليو سنة ٩٧٤م) وعمره ثلاث وأربعون سنة، وقد تُوفِّى والده «المطيع لله» بعد ذلك بفترة قصيرة، فى (سنة المحرم سنة ٣٦٤هـ= سبتمبر ٩٧٤م). فى بداية خلافة «الطائع لله» حدثت الفتنة بين «عضد الدولة بن ركن الدولة»، وابن عمه «بختيار بن معز الدولة»، فقد شجع «عضد الدولة» جند «بختيار» على الثورة عليه ووعدهم بالإحسان إليهم والنظر فى أمورهم، فثار عليه الجند وتم القبض على «بختيار» وحبسه فى (جمادى الآخرة سنة ٣٦٤هـ= فبراير سنة ٩٧٥م)، وأصبحت «بغداد» و «العراق» تحت سلطان «عضد الدولة» .. وقد عز على «ركن الدولة» أمير أمراء البيت البويهى ووالد «عضد الدولة» أن يتصرف ابنه «عضد الدولة» مع ابن أخيه «بختيار» بهذه الصورة، فكتب إلى أنصار «بختيار» يساندهم ويأمرهم بالثبات والصبر ويعرفهم أنه عازم على المسير إلى «العراق» لإخراج «عضد الدولة» وإعادة «بختيار»، فانصرف أنصار «عضد الدولة» عنه واضطر إلى الإذعان لإرادة أبيه، فأخرج «بختيار» من سجنه ورد إليه ما سلبه من سلطانه، وعاد إلى «فارس» فى (شوال سنة ٣٦٤هـ= يونيو سنة ٩٧٥م)، وكان الخليفة «الطائع لله» مسلوب

стр. 3070

الإرادة خلال هذه الفتنة، لاحول له ولا قوة. وقد قسم «ركن الدولة» ملكه بين أولاده فى (جمادى الأولى سنة ٣٦٥هـ= يناير سنة ٩٧٦م) فجعل لابنه «عضد الدولة» ملك البلاد من بعده، ولولده «فخر الدولة» (أبى الحسن على) «همدان» وأعمال «الجبل»، ولولده «مؤيد الدولة» (أبى منصور بويهـ) «أصبهان» وأعمالها، وجعلهما تحت رئاسة أخيهما «عضد الدولة»، وأوصاهم بالاتفاق وترك التنازع. وفى (المحرم سنة ٣٦٦هـ= أغسطس سنة ٩٧٦م) تُوفِّى «ركن الدولة» فأصبح ابنه «عضد الدولة» زعيم البويهيين بلا منازع. وفى العام نفسه حشد «عضد الدولة» جنوده لغزو «العراق»، وكان «بختيار» ووزيره «أبو طاهر محمد بن محمد بن بقية» يعلمان نيات «عضد الدولة» فحاولا استمالة كبار الأمراء من حكام الأقاليم المختلفة، مثل «فخر الدولة بن ركن الدولة»، و «أبى تغلب بن حمدان» وغيرهما، وحدثت بعض المعارك بين جيوش «عضد الدولة» وجيوش «بختيار» سنة (٣٦٦هـ= ٩٧٦م) انتهت بهزيمة «بختيار» وفراره من «بغداد» إلى «الموصل» حيث تحالف مع واليها «أبى تغلب بن حمدان» ضد «عضد الدولة»، فسار إليهما «عضد الدولة» وهزمهما بالقرب من «تكريت» فى (شوال سنة ٣٦٧هـ= مايو سنة ٩٧٨م) وأسر «بختيار» وقتله، وضم مملكة الحمدانيين فى «الموصل» و «الجزيرة» إلى أملاكه، واتخذ «العراق» مقرا لحكمه. اهتم «عضد الدولة» بدعم سلطانه وتوسيع أملاكه؛ ففى سنة (٣٦٨هـ= ٩٧٨م) فتح «ميَّافارقين» و «آمد» و «ديار بكر»، و «ديار مضر» منهيًا بذلك نفوذ «أبى تغلب ابن حمدان» فى بلاد «الجزيرة». وفى عام (٣٦٩هـ= ٩٧٩م) استولى على الأقاليم الخاضعة لأخيه «فخر الدولة» بسبب وقوفه إلى جانب «بختيار»، فاستولى على «همدان» و «الرى» وما بينهما من البلاد، وعين عليها أخاه «مؤيد الدولة» نائبًا عنه فى حكمها، وفى سنة (٣٧١هـ= ٩٨١م) ضم إلى نفوذه بلاد «جرجان» و «طبرستان» بعد أن أجلى عنها صاحبها «قابوس ابن أبى طاهر» و «شمكير» (أحد أمراء آل

стр. 3071

زيار) (٨)، فتعاظم بذلك نفوذ «عضد الدولة» وذاع صيته وتمكنت هيبته، وكان أول من خوطب بشاهنشاه فى الإسلام، وأول من خُطب له على منابر «بغداد» بعد الخلفاء. وقد كان لعضد الدولة إنجازات حضارية بالإضافة إلى أمجاده الحربية، فبعد دخوله «بغداد» بدأ فى عمارتها، كما أمر بإخراج أموال الصدقات وتسليمها للقضاة وأعيان الناس، لإعانة من يستحق، وبدفع أموال للعاطلين الذين يتعذر عليهم الحصول على العمل، بما يكفى احتياجاتهم، ثم يردونها بعد ذلك إذا عملوا. كما اهتم «عضد الدولة» بالعلم والعلماء، وأغدق عليهم العطاء وأحاطهم بمظاهر التكريم، وقد كان مجلسه منتدى للعلماء، تدور فيه المناقشات الدقيقة فى فروع العلم المختلفة، وكان يشترك مع العلماء فى هذه المناقشات ويعارضهم فى المسائل، ومن أبرز هؤلاء العلماء «أبو على الفارسى» الذى صنَّف له كتاب «الإيضاح» و «التكملة» فى النحو، وكان «عضد الدولة» يقول: «أنا غلام أبى على فى النحو»، ومنهم أيضًا «أبو إسحاق الصابى» الذى صنف لعضد الدولة كتاب «التاجى فى أخبار بنى بويه». وكان «عضد الدولة» يحب الشعر ويطرب له، ويقرضه أحيانًا، ويغمر الشعراء بفيض كرمه وجزيل عطائه، فقصده عدد من فحول الشعراء فى عصره، وكتبوا فيه أروع قصائد المديح، وفى مقدمتهم «أبو الطيب المتنبى» سنة (٣٥٤هـ= ٩٦٥م)، و «أبو الحسن محمد بن عبدالله السَّلامى أبرز شعراء «العراق»، وكان «عضد الدولة» يقول: «إذا رأيت السَّلامى فى مجلسى ظننت أن عطارد قد نزل من الفَلك إلىَّ ووقف بين يدى». وقد اقتدى «مؤيد الدولة» و «فخر الدولة» بأخيهما «عضد الدولة» فى تشجيع العلم وإكرام أهله، فعين «مؤيد الدولة» «الصاحبَ بن عباد» وزيرًا له سنة (٣٦٦هـ= ٩٧٦م)، وكان من أعظم رعاة العلم والأدب، وعقب وفاة «مؤيد الدولة» واستيلاء أخيه «فخر الدولة» على مملكته أقر «الصاحب بن عباد» على وزارته، وعين مفكر

стр. 3072

المعتزلة المشهور «عبدالجبار بن أحمد» قاضى قضاة للرى سنة (٣٦٧هـ= ٩٧٨م) لصلته بالصاحب بن عباد، ثم عزله «فخر الدولة» سنة (٣٨٥هـ= ٩٩٥م) حينما تُوفِّى «الصاحب بن عباد». وتُوفِّى «عضد الدولة» فى (شوال سنة ٣٧٢هـ= مارس سنة ٩٨٣م)، وعمره ثمانٍ وأربعون سنة (٩)، وقد تركت وفاته فراغًا هائلاً تعذر على خلفائه أن يملئوه. وكان أخطر ما ترتب على وفاة «عضد الدولة»، الصراع الذى نشب بين أولاده الخمسة على السلطة، وهم: «أبو كاليجار المرزبان» (صمصام الدولة)، و «أبو الحسين أحمد»، و «أبو طاهر فيروز شاه»، و «أبو الفوارس شيرزيل» الملقب «شرف الدولة»، و «أبو نصر فيروز» الملقب «بهاء الدولة». وقد استقر الأمراء والقادة على اختيار «أبى كاليجار المرزبان» ليكون خلفًا لأبيه «عضد الدولة»، ولقبوه «صمصام الدولة» وأقر الخليفة «الطائع لله» هذا الاختيار وخلع على «صمصام الدولة» سبع خلع، ولقبه «شمس الملة»، فلم يكن للخليفة دور سوى إقرار ما يتفق عليه القادة والأمراء. وقد واجه «صمصام الدولة» انشقاقًا من أخيه «شرف الدولة» الذى استطاع الاستقلال ببلاد «فارس» والاستيلاء على «البصرة»، وتعيين أخيه «أبى الحسين أحمد» نائبًا عنه فى حكمها، كما تمكن من هزيمة الجيش الذى أرسله إليه «صمصام الدولة» ليسترد منه بلاد «فارس». وقد استطاع «صمصام الدولة» استمالة عمه «فخرالدولة» إلى صفه فى هذا الصراع، ولكن جنده فى «بغداد» ثاروا عليه وأعلنوا بيعتهم لشرف الدولة، ورغم أن «صمصام الدولة» قضى على هذه الثورة فإنه لم يستطع وضع حد لازدياد قوة أخيه «شرف الدولة». ففى سنة (٣٧٥هـ= ٩٨٥م) استولى «شرف الدولة» على «الأهواز» وقبض على أخيه «أبى طاهر فيروز شاه» المناصر لصمصام الدولة، وفى (رمضان سنة ٣٧٦هـ= يناير سنة ٩٨٧م) استولى على «العراق» ودخل «بغداد» وقبض على أخيه «صمصام الدولة»، فذهب إليه الخليفة وهنأه بالسلطنة. لم يستمر «شرف الدولة» طويلاً فى إمارته على

стр. 3073

«العراق»، فقد تُوفِّى فى غرة (جمادى الأولى سنة ٣٧٩هـ= أغسطس سنة ٩٨٩م)، ولم يجد حرجًا وهو فى مرض موته أن يأمر بِسَمْل عينى أخيه «صمصام الدولة» وهو فى سجنه. وخلف «شرف الدولة» أخوه «أبو نصر فيروز»، الذى لقبه الخليفة «بهاء الدولة وضياء الملة»، ولكن العلاقة بين «بهاء الدولة أبى نصر فيروز» وبين الخليفة «الطائع» وصلت بعد قليل إلى الحد الذى جعل «بهاء الدولة» يقوم بعزل الخليفة؛ فقد قلت الأموال عند «بهاء الدولة»، وثار جنده عليه، فاقترح عليه أحد خواصه وهو «أبو الحسن بن المعلم»، أن يقبض على الخليفة «الطائع» ويستولى على أمواله، فدخل «بهاء الدولة» على الخليفة ومعه جمع كثير، وتقدم أحد رجاله كأنه يريد أن يقبل يد الخليفة، فجذبه فأنزله عن سريره والخليفة يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ويستغيث دون أن يلتفت إليه أحد، وتم الاستيلاء على أمواله، وحُمِل الخليفة إلى دار «بهاء الدولة»؛ حيث أُرغِم على خلع نفسه فى (التاسع عشر من شعبان سنة (٣٨١هـ= أكتوبر سنة ٩٩١م) بعد أن استمر فى الخلافة ما يقرب من ثمانية عشر عامًا، كان خلالها مسلوب الإرادة. ثالثًا: خلافة القادر بالله (٣٨١ - ٤٢٢هـ= ٩٩١ - ١٠٣١م). هو «أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر»، اختاره «بهاء الدولة» بعد خلع «الطائع لله» لتولِّى الخلافة، وكان غائبًا عن «بغداد»، فلما وصله الخبر حضر إليها وبايعه «بهاء الدولة» والناس فى (رمضان سنة ٣٨١هـ= نوفمبر سنة ٩٩١م)، وعمره خمسة وأربعون عامًا. وقد دامت خلافة «القادر بالله» إحدى وأربعين سنة وحفلت بالكثير من الأحداث والتطورات، وأهمها: أ - ازدياد التفكك فى البيت البويهى: فقد نشب الصراع بين «بهاء الدولة»، وأخيه «صمصام الدولة» ولم يكن فى «بنى بويه» أظلم من «بهاء الدولة» ولا أقبح سيرة منه، ففى سنة (٣٨٣هـ= ٩٩٣م) قام بمحاولة للاستيلاء على المنطقة الخاضعة لإمارة أخيه «صمصام الدولة» فى بلاد «فارس»

стр. 3074

و «أرَّجان»، فانتهت هذه المحاولة بعكس ما كان يهدف إليه؛ حيث تمكن «صمصام الدولة» من الاستيلاء على «خوزستان» الخاضعة لبهاء الدولة، وبدد شمل الجيش الذى أرسله «بهاء الدولة». وفى سنة (٣٨٤هـ = ٩٩٤م) استطاع «بهاء الدولة» أن يهزم «صمصام الدولة»، وأن يسترد منه بعض ما خسره قبل ذلك. وقد تجدد الصراع بينهما مرات عديدة، ووصل فى إحدى مراحله إلى استيلاء «صمصام الدولة» على «البصرة» فى «العراق» سنة (٣٨٦هـ= ٩٩٦م)، ولم يتوقف هذا الصراع بين «بهاء الدولة» و «صمصام الدولة» إلا بمقتل «صمصام الدولة» على يد بعض أبناء «عز الدولة بختيار»؛ انتقامًا لمقتل أبيهم «بختيار» على يد «عضد الدولة»، والد «صمصام الدولة»، وذلك فى (ذى الحجة سنة ٣٨٨هـ= ٩٩٨م). وعقب مقتل «صمصام الدولة» أراد بعض أبناء «بختيار» الاستيلاء على «فارس»، فنشب الصراع بينهم وبين «بهاء الدولة» وانتهى بهروبهم ومقتل أحدهم واسمه «أبو نصر» على يد أنصار «بهاء الدولة» سنة (٣٩٠هـ = ١٠٠٠م). وقد تُوفِّى «بهاء الدولة» (أبو نصر فيروز بن عضد الدولة) فى (جمادى الآخرة سنة ٤٠٣هـ = ديسمبر سنة ١٠١٢م)، فخلفه على إمارة «العراق» ابنه «أبو شجاع فخر الملك»، الذى لقبه الخليفة «القادر بالله» «سلطان الدولة»، فولى أخاه «جلال الدولة» «أبا طاهر» إمارة «البصرة» وأخاه «قوام الدولة أبا الفوارس» «كرمان». ونشب صراع مرير بين أبناء «بهاء الدولة»: «سلطان الدولة» و «جلال الدولة»، و «قوام الدولة»، و «مشرف الدولة» الذى استطاع الاستيلاء على «العراق» سنة (٤١١هـ = ١٠٢٠م) وبعد وفاة «سلطان الدولة» فى (شوال سنة ٤١٥هـ = ديسمبر سنة ١٠٢٤م) خلفه ابنه «أبو كاليجار» على إمارة «فارس» و «كرمان»، ودخل فى صراع مع عمه «أبى الفوارس بن بهاء الدولة» الذى استطاع الاستيلاء على «كرمان»، وأرغم «أبا كاليجار» على دفع خراج له قيمته عشرون ألف دينار، إلا أن «أبا كاليجار» استرد «كرمان» بدون قتال عقب وفاة عمه «أبى

стр. 3075

الفوارس» سنة (٤١٩هـ = ١٠٢٨م). وعقب وفاة «مشرف الدولة» تولى أخوه «أبو طاهر جلال الدولة» - أمير «البصرة» - إمارة «العراق»، لكنه لم يتمكن من دخول «بغداد»؛ حيث منعه أنصار ابن أخيه «أبى كاليجار» من دخولها، تمهيدًا لقدوم «أبى كاليجار» وسيطرته على «العراق»، ولكن ذلك لم يحدث لانشغاله بصراعه مع عمه «أبى الفوارس»، وبقيت «بغداد» بدون أمير بويهى لمدة عامين وبضعة أشهر، مما دعا رؤساء الجند إلى أن يطلبوا من الخليفة «القادر بالله» أن يرسل إلى «جلال الدولة» ليحضر إلى «بغداد» ويتسلم الإمارة؛ جمعًا للكلمة وحسمًا للخلاف، فاستجاب الخليفة لهم ودخل «جلال الدولة» «بغداد» فى (رمضان سنة ٤١٨هـ = سبتمبر سنة ١٠٢٧م)، إلا أنه ما لبث أن دخل فى صراع مع ابن أخيه «أبى كاليجار»، الذى أراد انتزاع «العراق» من عمه «جلال الدولة»، واستمر الصراع بينهما بين النصر والهزيمة لهذا الطرف أو ذاك حتى وفاة «جلال الدولة» سنة (٤٣٥هـ= ١٠٤٤م). وقد أدى الصراع المستمر بين أبناء البيت البويهى إلى تطلع قوى أخرى من خارج البيت البويهى للاستيلاء على مقاليد الحكم فى دولة الخلافة العباسية، كما شغل هذا الصراع البويهيين عن توجيه أذاهم إلى الخليفة العباسى «القادر بالله»، الذى ظل واحدًا وأربعين عامًا على كرسى الخلافة حتى تُوفِّى سنة (٤٢٢هـ = ١٠٣١م).

стр. 3076

* الصفارية (دولة) أسسها «يعقوب بن الليث الصفَّار» (٦) فى بلاد «فارس» و «خراسان» على أنقاض «الدولة الطاهرية»، فى عهد «المعتز بالله» (٢٥٢ - ٢٥٥هـ) بعد أن أظهر كفاءة ملحوظة فى محاربة الخارجين على الخلافة والتخلص من الطاهريين بإذن من الخليفة العباسى «المعتز بالله». واستطاع «يعقوب بن الليث» أن يضم إلى «الدولة الصفارية» كثيرًا من الأماكن التى استطاع السيطرة عليها فى بلاد «فارس» و «خراسان» وأعلن ولاء دولته - فى البداية - للخلافة العباسية. وعندما تولى «المعتمد على الله» الخلافة، أصر أخوه «الموفق» على أن يكون ولاء «الدولة الصفارية» للخلافة ولاءً تاما لا صوريا، إلا أن «يعقوب بن الليث» رفض ذلك، وتدهورت العلاقة بين الطرفين، وهدد «يعقوب» بدخول عاصمة الخلافة وبسط سلطانه عليها، مما أدى إلى حدوث صدام مسلح بين «الدولة الصفارية»، والخلافة فى منطقة «واسط» بالعراق، وكان لظهور الخليفة العباسى «المعتمد» على رأس جيش الخلافة أثر كبير فى هزيمة «يعقوب بن الليث»، ورغم هزيمته فقد استمر فى تحدى الخلافة ورفض التفاهم معها حتى تُوفى فى «جنديسابور» سنة (٢٦٥هـ= ٨٧٩م) ثم تولى رئاسة «الدولة الصفارية» بعد وفاة «يعقوب بن الليث» أخوه «عمرو بن الليث»، الذى كان حريصًا على كسب ود الخلافة حتى يؤكد سلطانه الروحى فى بلاده، فاعترف به الخليفة «المعتمد» واليًا على «خراسان» و «السِّند» و «سجستان» و «كرمان» و «فارس» و «أصبهان»، وعندما تولى «المعتضد» الخلافة بعد وفاة عمه «المعتمد» أقر «عَمْرًا» على ما فى يده. وقد نشط «عمرو» فى توسيع حدود دولته وتطلع إلى غزو بلاد «ما وراء النهر»، حيث «الدولة السامانية»، وعبر نهر «جيحون» ولكن السامانيين تصدوا له بقيادة زعيمهم «إسماعيل بن أحمد السامانى» وهزموه، وأخذوه أسيرًا إلى الخليفة «المعتضد» الذى سجنه حتى مات فى سجنه سنة (٢٨٧هـ= ٩٠٠م)، وقد تولى زعامة

стр. 3077

الصفاريين بعد هزيمة «عمرو» وأسره حفيده «طاهر بن محمد بن عمرو»، ولكن أحوال الصفاريين تدهورت بشدة خلال هذه الفترة نتيجة الهجمات المتلاحقة التى شنها عليهم السامانيون، وسقطت دولتهم سنة (٢٨٩هـ= ٩٠٢م). وقد لاحظ المؤرخون أن قادة هذه الدولة اتبعوا فى حياتهم مبدأ العدالة والمساواة والأخوة، والبعد عن مظاهر الترف، فكانت حياة رئيس الدولة لا تكاد تختلف فى مظهرها عن حياة أحد جنوده، وكان العطاء يوزع بالإنصاف والعدل، وقد ازدهر اقتصاد الدولة نتيجة البعد عن إنفاق الأموال فى غير وجوهها، فيروى أن «يعقوب ابن الليث» ترك فى خزانة الدولة عند وفاته ثمانين مليون دينار وخمسين مليون درهم، ولكن يؤخذ عليه اعتداده بقوته وطاعة جنده فتمرد على الخلافة وحاول الاستقلال عنها؛ مما زعزع ثقتها به وكان له آثاره السلبية فى تماسك الدولة واستمرارها.

стр. 3078

* السامانية (دولة) ظهر السامانيون على المسرح السياسى لدولة الخلافة العباسية فى عصر الخليفة «المأمون» (١٩٨ - ٢١٨هـ= ٨١٣ - ٨٣٣م)، وسموا بذلك نسبة إلى قرية «سامان» القريبة من «سمرقند»؛ حيث كانوا يتوارثون إمارتها، ويسمى أميرهم «سامان خداه»، أى كبير قرية «سامان» وصاحبها. وقد اعتنق أحد السامانيين الإسلام أثناء خلافة الأمويين، وسمى ابنه «أسدًا»، كاسم حاكم «خراسان» فى عهد «هشام بن عبدالملك»، واسمه «أسد بن عبدالله القسرى». وطال العمر بأسد السامانى حتى أدرك «المأمون»، فذهب إليه فى «مرو»، قبل انتقاله إلى «بغداد» (فى الفترة من سنة ١٩٣هـ= ٨٠٩م إلى سنة ٢٠٢هـ = ٨١٧م)، ومعه أبناؤه الأربعة: «نوح» و «أحمد»، و «إلياس»، و «يحيى»، فاحتفى بهم «المأمون» وألحقهم بخدمته. وبعد انتقال «المأمون» إلى «بغداد» أمر بإسناد عمل إلى كل واحد من أبناء «أسد السامانى»، فتم إسناد حكم «سمرقند» إلى «نوح»، وحكم «فرغانة» إلى «أحمد»، وحكم «الشاش» إلى «يحيى»، وحكم «هراة» إلى «إلياس»، فكان هذا مقدمة لتمكن نفوذ السامانيين فى هذه المناطق المعروفة باسم «بلاد ما وراء النهر» (نهر جيحون) .. وقد برز «أحمد بن أسد» حاكم «فرغانة» على إخوته، وكان له سبعة أبناء هم «نصر» و «يحيى» و «يعقوب» و «إسماعيل» و «إسحاق» و «أسد» و «حميد»، وعند وفاته سنة (٢٥٠هـ= ٨٦٤م) حل محله ابنه الأكبر «نصر»، ودان له باقى إخوته بالطاعة والولاء. وفى سنة (٢٦١هـ= ٨٧٥م) حدَث التحول الحاسم فى تاريخ السامانيين، حينما أسند الخليفة «المعتمد على الله» ولاية جميع بلاد «ما وراء النهر» إلى «نصر بن أحمد بن أسد السامانى»، فأقام «نصر» فى «سمرقند»، وعين أخاه «إسماعيل» نائبًا عنه ببخارى وعهد إلى كل أخ من إخوته الباقين بحكم إحدى الولايات، مما يمكن معه اعتبار عام (٢٦١هـ= ٨٧٥م) بداية تكوُّن «الدولة السامانية». وعقب وفاة «نصر بن أحمد» فى «سمرقند» عام (٢٧٩هـ= ٨٩٢م) ضم أخوه

стр. 3079

«إسماعيل» «سمرقند» إلى ملكه، وأصبح هو الحاكم الأعلى لكل بلاد «ما وراء النهر»؛ لذلك يرى بعض المؤرخين أن «إسماعيل بن أحمد بن أسد السامانى» هو المؤسس الحقيقى للدولة السامانية؛ حيث خضع له سائر الأمراء السامانيين، ووسع حدود الدولة، فضم لها «خراسان» ومعظم البلاد التى كانت خاضعة لنفوذ «الدولة الصفارية»، وبلغت «الدولة السامانية» قمة مجدها فى عهده (من ٢٧٩ - ٢٩٥هـ= ٨٩٢ - ٩٠٨م) ثم فى عهد حفيده «نصر بن أحمد بن إسماعيل» (٣٠١ - ٣٣١هـ= ٩١٣ - ٩٤٣م) وبدأت «الدولة السامانية» تتدهور منذ عهد «نوح بن نصر» (٣٣١ - ٣٤٣هـ= ٩٤٣ - ٩٥٤م)، حتى سقطت فى يد الغزنويين سنة (٣٨٩هـ= ٩٩٩م) .. وقد كانت «الدولة السامانية» ملتزمة بمذهب أهل السنة، وكانت علاقتها بالخلافة العباسية علاقة احترام وإجلال؛ حيث كان أمراؤها يعدون أنفسهم نوابًا عن الخليفة. وقد ازدهرت الحياة العلمية فى عصر السامانيين، وكانت «بخارى»، و «سمرقند» تنافسان «بغداد» فى مكانتها العلمية والأدبية، بسبب تشجيع الأمراء السامانيين للعلم وحبهم للعلماء، فقد سمح الأمير السامانى «أبو القاسم نوح بن منصور» (نوح الثانى) لابن سينا باستخدام مكتبة قصره، كما قام الطبيب والفيلسوف المشهور «أبو بكر الرازى» (٢٥١ - ٣١٣هـ= ٨٦٥ - ٩٢٥م) بإهداء كتابه المعروف فى الطب «المنصورى» إلى الأمير السامانى «أبى صالح منصور بن إسحاق» أمير «سجستان». وقد شهد الأدب الفارسى أيضًا عصره الذهبى خلال حكم السامانيين، وعاش الشاعر الفارسى المعروف «الفردوسى» شطرًا من حياته فى عصر «الدولة السامانية».

стр. 3080

* الحمدانية (دولة) ينتمى الحمدانيون إلى «حمدان بن حمدون بن الحارث» من قبيلة «تغلب»، وقد ظهر نفوذ «حمدان» فى شمال «العراق» سنة (٢٥٤هـ) أثناء خلافة «المعتز بالله»، وتعاون مع خوارج الجزيرة فى شمال «العراق»، واستطاع أن يسيطر على بعض المواقع الحصينة هناك، وأهمها «قلعة ماردين»، ولكن الخليفة «المعتضد بالله» استطاع استردادها، وقبض على «حمدان» وسجنه. تعهد «حسين بن حمدان» بالطاعة والولاء للخليفة «المعتضد» وساعده فى حربه ضد الخوارج حتى هزمهم، فقربه الخليفة وعفا عن والده «حمدان بن حمدون». وفى خلافة «المكتفى بالله» (٢٨٩ - ٢٩٥هـ= ٩٠٢ - ٩٠٨م) تعاظمت مكانة «حسين بن حمدان» وقام بدور بارز فى الحرب ضد القرامطة وفى الحملة التى جهزها العباسيون لاسترداد «مصر» من يد الطولونيين فى سنة (٢٩٢هـ= ٩٠٥م). وقد شارك «حسين بن حمدان» فى المؤامرة الفاشلة التى دبرها أنصار «ابن المعتز» لخلع «المقتدر»، وهرب حتى عفا عنه «المقتدر» وأسند إليه ولاية بعض البلاد وأهمها «ديار ربيعة» بالجزيرة سنة (٢٩٨هـ= ٩١١م)، إلا أنه حدث بينه وبين «على بن عيسى» وزير «المقتدر» نزاع انتهى بالقبض عليه، وقتله فى سجنه سنة (٣٠٦هـ= ٩١٨م) .. ورغم أن «حسين بن حمدان» كان من أعظم الأمراء بأسًا وشجاعة، وكان أول من ظهر أمره من ملوك «بنى حمدان» فإن أخاه «أبا الهيجاء عبدالله بن حمدان» كان أعمق تأثيرًا وأوسع نفوذًا فى تاريخ الأسرة الحمدانية، وقد ولاه الخليفة «المكتفى» إمارة «الموصل» وتوابعها سنة (٢٩٣هـ= ٩٠٦م)، ويعد «أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان» المؤسس الحقيقى لمملكة الحمدانيين فى «الموصل»، التى ظل حاكمًا لها إلى أن قتل سنة (٣١٧هـ= ٩٢٩م) عقب اشتراكه فى المؤامرة الفاشلة لخلع الخليفة «المقتدر»، وقد خلفه ابنه «حسن» الملقب بناصر الدولة، واستطاع أن يمد سلطانه على أقاليم الجزيرة الثلاثة: «ديار ربيعة»، و «ديار مضر» و «ديار

стр. 3081

بكر»، بإذن من الخليفة «الراضى»، حتى أقعدته الشيخوخة، فخلفه على الحكم ابنه «فضل الله أبو تغلب الغضنفر» سنة (٣٥٣هـ= ٩٦٤م) .. وقد دخل «ناصر الدولة» وابنه «أبو تغلب الغضنفر» فى صراع طويل مع البويهيين، أصحاب السلطة فى «العراق» منذ سنة (٣٣٤هـ = ٩٤٥م)، وانتهى هذا الصراع بهزيمة «أبى تغلب الغضنفر» أمام «عضد الدولة البويهى» سنة (٣٦٨هـ= ٩٧٩م)، وانتهت بذلك مملكة الحمدانيين فى «الموصل» و «الجزيرة». أما «الدولة الحمدانية» فى «حلب»، فقد أسسها «على بن أبى الهيجاء عبدالله بن حمدان»، الملقب بسيف الدولة؛ حيث استطاع بمعاونة أخيه الأكبر «ناصر الدولة» انتزاع «حلب» من الإخشيديين سنة (٣٣٣هـ= ٩٤٤م)، ثم استطاع بعد ذلك أن يبسط سلطانه على «حمص» و «قنسرين» و «العواصم» وبعض بلاد «الجزيرة» سنة (٣٣٦هـ= ٩٤٧م) .. وقد قام «سيف الدولة الحمدانى» بمهمة جليلة أثناء حكمه الذى استمر حتى سنة (٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، وهى حماية حدود دولة الخلافة من غارات الروم (البيزنطيين) المتواصلة، بعد أن ضعفت الخلافة المركزية عن القيام بهذه المهمة المقدسة. وكان «سيف الدولة الحمدانى» أديبًا شاعرًا، فجمع حوله العلماء والأدباء، مثل «أبى نصر الفارابى»، و «ابن خالويه»، و «أبى الطيب المتنبى»، و «أبى فراس الحمدانى» و «ابن نباتة» و «السَّرىّ الرَّفَّاء»، وغيرهم. وتُوفِّى «سيف الدولة» سنة (٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، وخلفه فى الحكم ابنه «أبو المعالى شريف» المعروف بسعد الدولة، وضعفت فى عهده سلطة الحمدانيين فى «الشام»؛ لكثرة الضغوط التى تعرض لها من البيزنطيين والبويهيين فى «العراق»، والفاطميين فى «مصر» بغرض الاستيلاء على «الشام». وتُوفِّى «سعد الدولة» سنة (٣٨١هـ= ٩٩١م)، وتولَّى بعده ابنه «أبو الفضائل سعيد الدولة»، الذى تعرض لضغوط الفاطميين المتزايدة لضم «الشام» إلى «مصر»، فتحالف مع البيزنطيين لصد هجمات الفاطميين عليه، ثم انتهت إمارته بمقتله سنة (٣٩٢هـ= ١٠٠٢م) على يد وزيره

стр. 3082

«لؤلؤ الحاجب»، وانتهت بذلك «الدولة الحمدانية» فى «الشام» الذى أصبح خاضعًا لسلطان الفاطميين. وقد كان الحمدانيون يميلون إلى التشيع، وكانت علاقتهم بالخلافة العباسية تتأرجح بين الرضا، والسخط، والتوجس.

стр. 3083

* السلاجقة (دولة) السلاجقة أسرة تركية كبيرة، كانت تقيم فى بلاد «ما وراء النهر»، وتنسب إلى زعيمها «سلجوق بن تُقاق»، الذى اشتهر بكفاءته الحربية، وكثرة أتباعه. وقد أسلم «سلجوق» وأتباعه، وخلَّف من الأولاد «أرسلان» و «ميكائيل» و «موسى»، وكان أبرزهم «ميكائيل»، الذى أنجب «طغرل بك» (محمد) و «جغرى بك» (داود)، اللذين قام عليهما مجد «السلاجقة». هاجر السلاجقة بزعامة «طغرل بك» وأخيه «جغرى» فى الربع الأول من القرن الخامس الهجرى إلى «خراسان» الخاضعة لنفوذ الغزنويين، وبعد سلسلة من الصراع بين الغزنويين و «السلاجقة»، استطاع «السلاجقة» السيطرة على «خراسان» بعد هزيمة الغزنويين بقيادة السلطان «مسعود بن محمود بن سبكتكين» سنة (٤٣١هـ = ١٠٤٠م) أمام «طغرل بك» وأخيه «جغرى». وقد ساعد «السلاجقة» على توطيد سلطانهم انتماؤهم إلى المذهب السنى، وإعلانهم الولاء والتبعية للخليفة العباسى «القائم بأمر الله»، الذى عين «طغرل بك» نائبًا عنه فى «خراسان» وبلاد «ما وراء النهر» وفى كل ما يتم فتحه من البلاد. وقد استطاع «السلاجقة» توسيع حدود مملكتهم بسرعة هائلة، فاستولى زعيمهم «طغرل بك» على «جرجان» و «طبرستان» سنة (٤٣٣هـ)، وعلى «خوارزم» و «الرى» و «همدان» سنة (٤٣٤هـ = ١٠٤٣م) وعلى «أصبهان» سنة (٤٤٣هـ = ١٠٥١م)، وعلى أذربيجان» سنة (٤٤٦هـ = ١٠٥٤م)، وبدأ يتطلع للسيطرة على «بغداد»، وقد هيأت له الأوضاع السائدة فى «العراق» تحقيق هذا الهدف. وقد أصبح «طغرل بك» (ركن الدين أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق» أولَ سلاطين «السلاجقة» فى «بغداد»، ابتداءً من (رمضان ٤٤٧هـ = نوفمبر ١٠٥٥م)، وقد استقبله الخليفة «القائم بأمر الله» بكل مظاهر الحفاوة والترحاب، ولقبه «ملك المشرق والمغرب». كان «طغرل بك» حريصًا على إبداء كل مظاهر الإجلال والتوقير للخليفة، وقد اقتدى به خلفاؤه؛ فعاملوا الخلفاء العباسيين بكل ما يليق بمكانتهم من احترام وتعظيم. وقد

стр. 3084

أوصى «طغرل بك» بأن يخلفه بعد موته ابن أخيه «سليمان بن داود جغرى»؛ حيث إنه لم يخلف ولدًا، وفى (٨ من رمضان سنة ٤٥٥هـ = سبتمبر سنة ١٠٦٣م) توفى «طغرل بك» بمدينة «الرى» ببلاد «الجبل»، وعمره نحو سبعين عامًا، وقد نفذ «عميد الملك الكندرى» وصية «طغرل بك»، ولكن الناس كانوا أميل إلى «ألب أرسلان»، فأمر «عميد الملك» بالخطبة له وتم الأمر له بمساعدة وزيره «نظام الملك»، وأصبح سلطانَ «السلاجقة». وعقب تولِّى «ألب أرسلان» سلطنة «السلاجقة»، أقر «عميد الملك الكندرى» وزير عمه «طغرل» فى منصبه، ولكنه سرعان ما تغير عليه فعزله فى شهر (المحرم سنة ٤٥٦هـ = ديسمبر سنة ١٠٦٣م)، وسجنه، ثم دبر قتله فى شهر (ذى الحجة سنة ٤٥٦هـ = نوفمبر سنة ١٠٦٤م)، ويبدو أن «نظام الملك» لعب دورًا فى ذلك. وبعد عزل «عميد الملك»، عين «ألب أرسلان» «نظام الملك» وزيرًا له، وكان وزيره أثناء إمارته على «خراسان» قبل توليه السلطنة، ويُعدُّ «نظام الملك» أشهر وزراء «السلاجقة» كما يعد من أشهر الوزراء فى التاريخ الإسلامى. استطاع «ألب أرسلان» أن يوسع حدود مملكة «السلاجقة» التى ورثها عن عمه «طغرل»، وأن يسجل انتصارات رائعة ضد أعدائه فى الداخل والخارج، فنجح فى القضاء على حركات العصيان فى «خراسان» و «ما وراء النهر» و «أذربيجان»، وتمكن من تعزيز الوجود الإسلامى فى «أرمينيا» بعد انتصاره فى معركة ملاذكرد الشهيرة، واستولى على «حلب» وقضى على النفوذ الفاطمى بها. وعقب وفاة «ألب أرسلان» تولى السلطنة ابنه «ملكشاه» بعهد من أبيه، وتولى «نظام الملك» أخذ البيعة له، وأقره الخليفة «القائم بأمر الله» على السلطنة. لم يكتفِ «ملكشاه» بإقرار «نظام الملك» فى الوزارة كما كان فى عهد أبيه، بل زاد على ذلك بأن فوض إليه تدبير المملكة، وقال له: «قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد»، ولقبه ألقابًا كثيرة، أشهرها لقب «أتابك»،

стр. 3085

ومعناه الأمير الوالد، وكان «نظام الملك» أول مَن أُطلق عليه هذا اللقب. وسبب هذه المكانة الرفيعة التى حظى بها «نظام الملك» عند السلطان «ملكشاه»، أنه هو الذى مهد له الأمور، وقمع المعارضين، فرآه السلطان أهلاً لهذه المكانة. الخلفاء العباسيون فى العهد السلجوقى: كان «المقتدى بأمر الله»، أول خليفة يتقلد منصبه فى ظل «دولة السلاجقة»، وبذلك يكون الخلفاء الذين تولوا الخلافة فى العهد السلجوقى - بعد «القائم بأمر الله» - ثمانية هم: ١ - المقتدى بأمر الله (عبدالله بن محمد بن القائم بأمر اللهـ) [٤٦٧ - ٤٨٧هـ = ١٠٧٥ - ١٠٩٤م]. ٢ - المستظهر بالله (أبو العباس أحمد بن المقتدى بأمر اللهـ) [٤٨٧ - ٥١٢هـ = ١٠٩٤ - ١١١٨م]. ٣ - المسترشد بالله (أبو منصور الفضل بن المستظهر) [٥١٢ - ٥٢٩هـ = ١١١٨ - ١١٣٥م]. ٤ - الراشد بالله (أبوجعفر المنصور بن المسترشد) [٥٢٩ - ٥٣٠هـ = ١١٣٥ - ١١٣٦م]. ٥ - المقتفى لأمر الله (أبوعبدالله بن محمد بن المستظهر باللهـ) [٥٣٢ - ٥٥٥هـ = ١١٣٨ - ١١٦٠م]. ٦ - المستنجد بالله (أبوالمظفر يوسف بن المقتفى) [٥٥٥ - ٥٦٦هـ = ١١٦٠ - ١١٧٠م]. ٧ - المستضىء بأمر الله (أبو محمد الحسن بن المستنجد باللهـ) [٥٦٦ - ٥٧٥هـ = ١١٧٠ - ١١٧٩م]. ٨ - الناصر لدين الله (أبو العباس أحمد بن المستضىء بأمر اللهـ) [٥٧٥ - ٦٢٢هـ = ١١٧٩ - ١٢٢٥م]. وقد شهدت خلافة «الناصر لدين الله» زوال ملك «السلاجقة» فى سنة (٥٩٠هـ = ١١٩٤م) وبداية استقلال الخلفاء العباسيين بالسلطة فى «بغداد» وما يحيط بها. بلغت «الدولة السلجوقية» ذروة مجدها وعظمتها على يد «ملكشاه» الذى استمر فى السلطنة عشرين عامًا تقريبًا؛ حيث استطاع أن يستثمر ما حققه «طغرل بك» و «ألب أرسلان» على أحسن وجه، فحقق إنجازات عظيمة بمعاونة وزيره «نظام الملك». وقد تزامنت سلطنة «ملكشاه» -فى معظمها- مع خلافة «المقتدى بأمر الله»، الذى تولى منصبه بعد ابتداء حكم «ملكشاه» بعامين، وتُوفِّى بعد
следующие страницы →