Полный текст (3 483 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
حضور البلاط القشتالى باعتباره واحدًا من أمراء الملك، وعلى
مده بالجنود كلما طلب منه ذلك، وبالفعل أمده ابن الأحمر بقوات
ساعدت على سقوط «إشبيلية» فى يد النصارى فى (٣ شعبان
٦٤٦هـ = نوفمبر ١٢٤٨م). وفى (جمادى الثانية ٦٧١هـ = ديسمبر
١٢٧٢م) توفى محمد بن يوسف بن نصير الملقب بالشيخ، وكان
قد أخذ البيعة لولده محمد، فأقر بذلك مبدأ الملكية الوراثية، وقد
اعتلى محمد الثانى العرش ولقب بالفقيه؛ لاشتغاله بالعلم أيام
أبيه، وقال عنه ابن الخطيب: «وهو الذى رتب رسوم الملك للدولة
ووضع ألقاب خدمتها، ونظم دواوينها وجبايتها، هذا إلى جانب
اعتنائه بالجيش وخاصة فرق الفرسان .. وكان سياسيا بارزًا .. ،
أديبًا عالمًا، يقرض الشعر ويجالس العلماء والأدباء والأطباء
والمنجمين والحكماء، والكتاب والشعراء». وقد واجه الأمير
الجديد ثلاث مشكلات هى، مشكلته مع الإسبان، وقد نجح فى
تحقيق انتصارات عليهم منتهزًا فرصة موت مليكهم، ومع
المرينيين الذين استنصر بهم ليعاونوه فى الجهاد ضد المسيحيين
فإذا بهم يطمعون فى الاستيلاء على الأندلس، الشىء الذى
دفعه إلى التحالف مع ملك أراجون تارة ومع ملك قشتالة تارة
أخرى لدرء خطر المرينيين، وعلى الرغم من تحسن العلاقات بين
غرناطة وفاس، فإن الفقيه لم يكن يطمئن إلى نياتهم، وقد
دفعهم ذلك إلى التحالف مع النصارى مرات، وأخيرًا كانت هناك
مشكلة مع أصهار أبيه «بنى أشقيلولة» التى اشتدت فى زمنه،
وانتهت بصدور أمر يقضى بتهجيرهم إلى مدينة القصر الكبير
بشمالى المغرب جنوب مدينة سبتة سنة (٦٨٧هـ = ١٢٨٨ م).
وعلى كل حال فقد توفى محمد الفقيه فى (شعبان ٧٠١هـ =
أبريل ١٣٠٢م) بعد أن نجح فى دعم دولته داخليا وخارجيا. تولى
الأمر بعد محمد الفقيه ابنه أبو عبدالله محمد، وفى عهده تحالف
ملكا قشتالة وأراجون على غزو مملكة غرناطة برا وبحرًا، ولكن
«ألمرية» تمكنت من الصمود فى مواجهة أقصى هجوم عرفته
стр. 3117
فى تاريخها وتمكن جيشها بقيادة شيخ الغزاة «عثمان بن أبى
العلاء» من هزيمة جيش أراجون، لكن العلاقة ساءت بين غرناطة
وفاس، وقام صاحب مالقة بثورة عارمة ضد الحكومة المركزية،
وكانت فتنة وقتال وحرب وهدنة استمرت أعوامًا ولم تنته إلا
بموت الأمير. ثم تولى أبو الوليد إسماعيل بن فرح (٧١٣هـ =
١٣١٣م) الذى اشتهر بإقامة الحدود وتطبيق الشرع، وفى عهده
قام القشتاليون بهجوم ضخم على غرناطة، انتهى بمقتل أميرى
الجيش النصرانى فى مروج غرناطة، وانتهز الأمير فرصة
منازعات بين أمراء قشتالة واستولى على بعض المدن القشتالية
ومنها مدينة «أشكر»، وقد استخدم الغرناطيون المدفع لأول مرة
عند منازلتهم لها. ثم تولى أبو عبدالله محمد الرابع بن إسماعيل
(٧٢٥هـ = ١٣٢٥م) الذى اشتهر بالشجاعة كما كان مغرمًا بالصيد
محبا للأدب والشعر، وفى عهده قامت بعض الفتن الداخلية التى
انتهزها النصارى واستولوا على عدد من الحصون، كما أحرز
أسطولهم نصرًا على الأسطول الإسلامى فى ألمرية ومالقة. وقد
دفع هذا السلطان أن يعبر بنفسه إلى المغرب ليستنجد ببنى
مرين الذين أجابوه إلى ما طلب، ونزلت قوات المرينيين على
جبل الفتح وأمكنها الاستيلاء عليه عام (٧٣٣هـ = ١٣٣٣م)، ولكن
السلطان قُتل فى طريق عودته إلى غرناطة وتولى من بعده
أخوه أبو الحجاج يوسف الأول. وشهدت مملكة غرناطة فى
عهده عصرها الذهبى، فأنشئت المدرسة اليوسفية والنصيرية،
وجرى الاهتمام بتحصين البلاد، وإنشاء المصانع، وإقامة
الحصون، وبناء السور العظيم حول ربض البيازين فى غرناطة،
وأضيفت منشآت كثيرة إلى قصر الحمراء منها باب الشريعة
وغيره، وكان السلطان حريصًا على تفقد أحوال شعبه بنفسه.
ومن الأحداث العظام فى عهده: الوباء الأسود الذى تفشى فى
حوض البحر الأبيض المتوسط عامى (٧٤٩ - ٧٥٠هـ = ١٣٤٨ -
١٣٤٩م)، وشمل المشرق والمغرب، وراح ضحيته عدد عظيم من
علماء الأندلس ورجال الدين والأدب والسياسة فيها. وعلى الرغم
стр. 3118
من قيام أبى الحجاج بعقد سلام مع ملك قشتالة عام (٧٣٤هـ =
١٣٣٤م) فإنه سرعان ما تحطم وبدأ صراع بين غرناطة والمغرب
من ناحية، وقشتالة تساندها أراجون والبرتغال من ناحية أخرى
حول السيطرة على جبل طارق، وبعد معارك انتهى الأمر بين كل
الأطراف بعقد معاهدة مدتها عشر سنوات، وتوفى يوسف الأول
قتيلاً فى (أول شوال ٧٥٥هـ = سبتمبر ١٣٥٧م)، وتولى ابنه
محمد الخامس الغنى بالله، وحدث صراع وتحالف بين هذا الطرف
أو ذاك وبين ملوك النصارى، وانتهت هذه المرحلة بعقد صلح
دائم بين قشتالة وأراجون وغرناطة والمغرب عام (٧٧٢هـ =
١٣٧٠م)، ثم توفى السلطان محمد الخامس الذى كان ملك البرتغال
وسلطان بنى مرين قد ساعداه على استرداد ملكه، وبعده
تعاقب على عرش غرناطة عدد من السلاطين الضعاف وتعرضت
المملكة لكثير من الفتن والدسائس والمؤامرات وجرت اتصالات
وتحالفات مع ملوك النصارى، وبلغ الاضطراب حدا تعاقب فيه
على مملكة غرناطة اثنا عشر سلطانًا خلال القرن (٩هـ = ١٥م)،
تولى بعضهم أكثر من مرة، فشهدت غرناطة اعتلاء عشرين
سلطانًا على عرشها. حدث هذا فى الوقت الذى شهدت إسبانيا
المسيحية نهضة حربية وسياسية توجت بزواج «فرناندو الثالث»
ملك أراجون من «إيزابيلا» ملكة قشتالة، واتحدت الدولتان فى
مملكة واحدة عام (٨٧٤هـ = ١٤٦٩م) بعد طول نزاع وحروب،
وكان ذلك بداية النهاية لمملكة غرناطة الإسلامية التى استمر
بقاؤها معتمدًا - على حد كبير - على استغلال النزاع بين هاتين
المملكتين، وبدأ الملكان الكاثوليكيان يعملان على إنهاء الوجود
الإسلامى فى شبه الجزيرة، وعرف ذلك سلطان غرناطة فامتنع
عن دفع الجزية لقشتالة وبدأ النزاع بين الجانبين، وتمكن
النصارى من الاستيلاء على حصن «الحمة» عام (٨٨٧هـ =
١٤٨٢م). وزاد من سوء الموقف اشتغال الحروب الأهلية بين أفراد
البيت الحاكم؛ فقد هجر السلطان أبا الحسن على ولداه «أبو
عبدالله محمد» و «يوسف» وأعلنا الثورة على والدهما بسبب
стр. 3119
خضوعه لسيطرة زوجته الرومية الأصل وإهماله أمهما، وقد قامت
حروب بين الفريقين، أسفرت عن طرد السلطان أبى الحسن الذى
لجأ إلى مدينة بسطة، كما قتل ابنه يوسف وتولى ابنه أبو
عبدالله على مملكة غرناطة، وقد تعرض السلطان الجديد لهزيمة
على يد النصارى وأسروه ثم أطلقوا سراحه بعد أن أملوا عليه
شروطهم، وواصل السلطان الجديد الحرب ضد والده الذى سرعان
ما توفى وخلفه أخوه أبو عبدالله محمد الملقب بالزغل. انتهز
النصارى فرصة هذه الفتن واستولوا على بعض المدن، وبعثوا
إلى الزغل يعرضون تسليم ما معه من أراضٍ مقابل مال كثير
فوافق ورحل إلى فاس، وهناك وضعه سلطان المغرب فى
السجن وصادر أمواله وسمل عينيه. وقد لجأت مملكة غرناطة فى
السنوات الأخيرة من عمرها إلى السلطات الحاكمة فى مصر تطلب
نجدتها، ولكن مصر المملوكية آنئذٍ لم يكن فى مقدورها أن تفعل
شيئًا بسبب ظروفها الداخلية، وكل ما استطاعته هو التهديد.
بمعاملة المسيحيين فى المشرق معاملة سيئة إذا ما تعرض
المسلمون فى الأندلس للإهانة، وقد أرسل الملكان المسيحيان
سفارة إلى السلطان «قانصوه الغورى» عام (٩٠٧هـ = ١٥٠١م)
طمأنته على وضع المسلمين وأزالت التوتر بين الجانبين. وقد
التقت قوات غرناطة والمرينيين من قبل وحاربوا قوات قشتالة
وليون عند «أسنجة» جنوبى قرطبة سنة (٦٤٧ هـ = ١٢٤٩م)،
وتحمس المسلمون حماسًا عظيمًا ومزقوا قوات قشتالة شر ممزق،
واضطر «ألفونسو العاشر» إلى طلب الصلح، وحدث لقاء مماثل
قرب غرناطة عام (٧١٨هـ = ١٣١٨م) اتحد فيه المسلمون فحققوا
نصرًا مؤزرًا، وهذا يعنى أن قوة المسلمين فى الأندلس كانت
لاتزال تستطيع الدفاع عن نفسها ودحر عدوها إذا وحدت
صفوفها وأدركت أهمية معاركها، ووعت جيدًا دورها فى
مواجهة الأعداء وتثبيت أقدام المسلمين فى أرض الأندلس، لكن
النفور بين المرينيين وبين بنى نصر كان أكثر أذىً وأشد وطأة
من خلافهم مع النصارى. وبقى عبدالله فى الميدان وحده وقد
стр. 3120
رفض تسليم غرناطة وصمم على القتال، وفى عام (٨٩٦هـ =
١٤٩١م) قام الملك «فرناندو» بحصار غرناطة وأفسد زراعتها
وأقام حولها القواعد، ثم توصل الطرفان إلى معاهدة التسليم،
ودخل الملكان الكاثوليكيان مدينة غرناطة فى (الثانى من ربيع
الأول ٨٩٧هـ = الثانى من يناير ١٤٩٢م). بعض مظاهر الحضارة
بغرناطة فى عصر بنى نصر: ازداد عدد السكان فى مملكة
غرناطة بسبب تدفق المهاجرين إليها من المدن الأخرى وبسبب
هجرة المدجنين الذين أفتاهم فقهاؤهم بضرورة مغادرة البلاد
التى سقطت فى يد النصارى، فلجأ إليها العلماء والأدباء وعامة
الناس، كذلك عاش البربر الذين جاءوا لمعاونة غرناطة فى
حروبها ضد المسيحيين، كما تحدثت بعض المصادر عن عناصر
سودانية خارج مالقة، وعن صوفية وفدوا من الهند وخراسان
وبلاد فارس للمرابطة فى سبيل الله، هذا بالإضافة إلى الأفارقة
السود الذين عبروا إلى الأندلس منذ حركة الفتوح الأولى، وقد
تغلغل حب الانتماء إلى القبائل العربية بين الأندلسيين، ويذكر
فى هذا أن بنى نصر ملوك غرناطة ينسبون أنفسهم إلى
الصحابى الجليل «سعد بن عبادة» سيد الخزرج وأحد زعماء
الأنصار. العمارة فى مملكة غرناطة: كان لغرناطة مسجد جامع
من أبدع الجوامع وأحسنها منظرًا. لا يلاصقه بناء، قد قام سقفه
على أعمدة حسان، والماء يجرى داخله. وإلى جانب المسجد
الجامع وجدت مساجد أخرى مهمة مثل: مسجد الحمراء وعدد من
المساجد فى الأحياء المختلفة. واشتهرت مساجد غرناطة
باستخدام الرخام، كما عرفت المساجد الأندلسية بتجميل صحونها
بحدائق الفاكهة وأقيمت المآذن منفصلة عن المساجد يفصل بينها
صحن المسجد، وكانت المئذنة عبارة عن أربعة أبراج مربعة
وتتكون من طابقين، ويحيط بها سور يزين أعلاه بكرات معدنية
مختلفة، وحتى الآن توجد مئذنتان ترجعان إلى عصر دولة بنى
نصر، الأولى مئذنة مسجد تحول إلى كنيسة هى كنيسة «سان
خوان دى لوس ريس»، والثانى ببلدة «رندة» التى تحول
стр. 3121
مسجدها إلى كنيسة باسم «سان سباستيان». الناحية العلمية:
أما فى الناحية العلمية، فقد حافظت تلك الفترة على ما خطه
السابقون وأضافت إليه، ونجد ثبتًا طويلا بأسماء اللامعين فى
كتاب الإحاطة لابن الخطيب، وفى نفح الطيب للمقرى، كما
أنشئت المدارس وتوافرت الاختراعات مثل: المدافع والبنادق التى
استعملها المسلمون فى دفاعهم عن غرناطة، ويحتفظ متحف
مدريد الحربى بنماذج منها حتى الآن. كذلك ازدهرت صناعات
عديدة منها: صناعة السفن، والمنسوجات، وقد أنتجت المصانع
القماش الموشى بالذهب فى ألمرية ومالقة وأقمشة أخرى فى
غرناطة وبسطة، وتم اتخاذ الفراء من بعض الحيوانات البحرية.
كما عرفت المملكة صناعة الأصباغ والجلود والحلى وغيرها؛
كذلك اهتم بنو نصر بالزراعة وما يتصل بها من وسائل الرى
وأنواع المزروعات، وكانت مدينة غرناطة أجمل مدن العالم
بشوارعها وميادينها وحدائقها ومرافقها وكانت تصدر صناعاتها
إلى عدد من البلدان بعضها أوربى، وهناك أسماء كثيرة من
أعلام الفكر ظهرت فى هذه الفترة منها: ابن البيطار وابن خاتمة
وابن الخطيب، وهناك عدد من سلاطين بنى نصر ألفوا كتبًا فى
الأدب، ورعوا العلم ورجاله ومعاهده.
стр. 3122
* غرناطة (دولة)
انفرط عقد الأندلس بعنف بعد هزيمة الموحدين فى معركة
«العقاب» أمام الجيوش الإسبانية والأوربية المتحالفة، وسارت
الأمور من سيئ إلى أسوأ، والقواعد تخرج من قبضة الموحدين
واحدة بعد الأخرى، ينتزع بعضها ابن هود الثائر وبعضها
النصارى وأتاحت هذه الظروف فرصة الظهور والمغامرة
للطامحين من القادة والزعماء. فى تلك الأثناء ظهر محمد بن
يوسف بن نصر أو ابن الأحمر الملقب بالغالب بالله فى وقت
اشتدت فيه المحن، وانعقدت عليه الآمال؛ لتميزه بالشجاعة
ومجاهدة العدو، والتف حوله الناس وبايعوه فى «أرجونة» وما
حولها على بعد ثلاثين كيلو مترًا من «جيان» فى (رمضان ٦٢٩هـ
= يوليو ١٢٣٢م) وتوافد عليه جنود الأندلس؛ فأعلن نفسه أميرًا
وانتقل إلى «جيان»، ودخلت فى طاعته بلاد الجنوب كلها، لكنه
أحس أنه فى حاجة إلى معقل يعتصم به؛ لأن «جيان» مدينة
مكشوفة، فوقع اختياره على غرناطة الواقعة عند سفح جبل
الثلج، وكان يوجد فى أعلى الجبل حصن منيع سبق تعميره
أول عصر ملوك الطوائف، فتوجه إليه وسكنه واستقر به، وشيئًا
فشيئًا أخذ يوسع نطاق سلطانه، حتى أصبحت دولته تضم بين
جنباتها ثلاث ولايات كبيرة هى: غرناطة وألمرية، ومالقة،
ووصلت حدودها إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل
طارق، واتخذ مدينة غرناطة عاصمة لدولته، وساعد على دعم
دولته استيلاؤه على ألمرية ومالقة لما لهما من أهمية عظيمة فى
المجالين التجارى والبحرى. وقد واجهت «ابن نصر» بعض
المشكلات الداخلية والخارجية، منها: علاقته بأصهاره «بنى
أشقيولة» الذين عاونوه ثم انقلبوا عليه، ونقص المال الذى كان
فى أشد الحاجة إليه لتثبيت قواعد سلطانه، ومشكلته مع ملوك
النصارى الذين أدركوا خطر دولته الناشئة وأرادوا القضاء
عليها، فاضطر إلى أن يعقد معهم معاهدة صلح سنة (٦٤٣هـ =
١٢٤٥م) لمدة عشرين عامًا، وبمقتضاها حكم ابن الأحمر مملكته
باسم ملك قشتالة «فرناندو الثالث» ودفع له جزية، ووافق على
стр. 3123
حضور البلاط القشتالى باعتباره واحدًا من أمراء الملك، وعلى
مده بالجنود كلما طلب منه ذلك، وبالفعل أمده ابن الأحمر بقوات
ساعدت على سقوط «إشبيلية» فى يد النصارى فى (٣ شعبان
٦٤٦هـ = نوفمبر ١٢٤٨م). وفى (جمادى الثانية ٦٧١هـ = ديسمبر
١٢٧٢م) توفى محمد بن يوسف بن نصير الملقب بالشيخ، وكان
قد أخذ البيعة لولده محمد، فأقر بذلك مبدأ الملكية الوراثية، وقد
اعتلى محمد الثانى العرش ولقب بالفقيه؛ لاشتغاله بالعلم أيام
أبيه، وقال عنه ابن الخطيب: «وهو الذى رتب رسوم الملك للدولة
ووضع ألقاب خدمتها، ونظم دواوينها وجبايتها، هذا إلى جانب
اعتنائه بالجيش وخاصة فرق الفرسان .. وكان سياسيا بارزًا .. ،
أديبًا عالمًا، يقرض الشعر ويجالس العلماء والأدباء والأطباء
والمنجمين والحكماء، والكتاب والشعراء». وقد واجه الأمير
الجديد ثلاث مشكلات هى، مشكلته مع الإسبان، وقد نجح فى
تحقيق انتصارات عليهم منتهزًا فرصة موت مليكهم، ومع
المرينيين الذين استنصر بهم ليعاونوه فى الجهاد ضد المسيحيين
فإذا بهم يطمعون فى الاستيلاء على الأندلس، الشىء الذى
دفعه إلى التحالف مع ملك أراجون تارة ومع ملك قشتالة تارة
أخرى لدرء خطر المرينيين، وعلى الرغم من تحسن العلاقات بين
غرناطة وفاس، فإن الفقيه لم يكن يطمئن إلى نياتهم، وقد
دفعهم ذلك إلى التحالف مع النصارى مرات، وأخيرًا كانت هناك
مشكلة مع أصهار أبيه «بنى أشقيلولة» التى اشتدت فى زمنه،
وانتهت بصدور أمر يقضى بتهجيرهم إلى مدينة القصر الكبير
بشمالى المغرب جنوب مدينة سبتة سنة (٦٨٧هـ = ١٢٨٨ م).
وعلى كل حال فقد توفى محمد الفقيه فى (شعبان ٧٠١هـ =
أبريل ١٣٠٢م) بعد أن نجح فى دعم دولته داخليا وخارجيا. تولى
الأمر بعد محمد الفقيه ابنه أبو عبدالله محمد، وفى عهده تحالف
ملكا قشتالة وأراجون على غزو مملكة غرناطة برا وبحرًا، ولكن
«ألمرية» تمكنت من الصمود فى مواجهة أقصى هجوم عرفته
стр. 3124
فى تاريخها وتمكن جيشها بقيادة شيخ الغزاة «عثمان بن أبى
العلاء» من هزيمة جيش أراجون، لكن العلاقة ساءت بين غرناطة
وفاس، وقام صاحب مالقة بثورة عارمة ضد الحكومة المركزية،
وكانت فتنة وقتال وحرب وهدنة استمرت أعوامًا ولم تنته إلا
بموت الأمير. ثم تولى أبو الوليد إسماعيل بن فرح (٧١٣هـ =
١٣١٣م) الذى اشتهر بإقامة الحدود وتطبيق الشرع، وفى عهده
قام القشتاليون بهجوم ضخم على غرناطة، انتهى بمقتل أميرى
الجيش النصرانى فى مروج غرناطة، وانتهز الأمير فرصة
منازعات بين أمراء قشتالة واستولى على بعض المدن القشتالية
ومنها مدينة «أشكر»، وقد استخدم الغرناطيون المدفع لأول مرة
عند منازلتهم لها. ثم تولى أبو عبدالله محمد الرابع بن إسماعيل
(٧٢٥هـ = ١٣٢٥م) الذى اشتهر بالشجاعة كما كان مغرمًا بالصيد
محبا للأدب والشعر، وفى عهده قامت بعض الفتن الداخلية التى
انتهزها النصارى واستولوا على عدد من الحصون، كما أحرز
أسطولهم نصرًا على الأسطول الإسلامى فى ألمرية ومالقة. وقد
دفع هذا السلطان أن يعبر بنفسه إلى المغرب ليستنجد ببنى
مرين الذين أجابوه إلى ما طلب، ونزلت قوات المرينيين على
جبل الفتح وأمكنها الاستيلاء عليه عام (٧٣٣هـ = ١٣٣٣م)، ولكن
السلطان قُتل فى طريق عودته إلى غرناطة وتولى من بعده
أخوه أبو الحجاج يوسف الأول. وشهدت مملكة غرناطة فى
عهده عصرها الذهبى، فأنشئت المدرسة اليوسفية والنصيرية،
وجرى الاهتمام بتحصين البلاد، وإنشاء المصانع، وإقامة
الحصون، وبناء السور العظيم حول ربض البيازين فى غرناطة،
وأضيفت منشآت كثيرة إلى قصر الحمراء منها باب الشريعة
وغيره، وكان السلطان حريصًا على تفقد أحوال شعبه بنفسه.
ومن الأحداث العظام فى عهده: الوباء الأسود الذى تفشى فى
حوض البحر الأبيض المتوسط عامى (٧٤٩ - ٧٥٠هـ = ١٣٤٨ -
١٣٤٩م)، وشمل المشرق والمغرب، وراح ضحيته عدد عظيم من
علماء الأندلس ورجال الدين والأدب والسياسة فيها. وعلى الرغم
стр. 3125
من قيام أبى الحجاج بعقد سلام مع ملك قشتالة عام (٧٣٤هـ =
١٣٣٤م) فإنه سرعان ما تحطم وبدأ صراع بين غرناطة والمغرب
من ناحية، وقشتالة تساندها أراجون والبرتغال من ناحية أخرى
حول السيطرة على جبل طارق، وبعد معارك انتهى الأمر بين كل
الأطراف بعقد معاهدة مدتها عشر سنوات، وتوفى يوسف الأول
قتيلاً فى (أول شوال ٧٥٥هـ = سبتمبر ١٣٥٧م)، وتولى ابنه
محمد الخامس الغنى بالله، وحدث صراع وتحالف بين هذا الطرف
أو ذاك وبين ملوك النصارى، وانتهت هذه المرحلة بعقد صلح
دائم بين قشتالة وأراجون وغرناطة والمغرب عام (٧٧٢هـ =
١٣٧٠م)، ثم توفى السلطان محمد الخامس الذى كان ملك البرتغال
وسلطان بنى مرين قد ساعداه على استرداد ملكه، وبعده
تعاقب على عرش غرناطة عدد من السلاطين الضعاف وتعرضت
المملكة لكثير من الفتن والدسائس والمؤامرات وجرت اتصالات
وتحالفات مع ملوك النصارى، وبلغ الاضطراب حدا تعاقب فيه
على مملكة غرناطة اثنا عشر سلطانًا خلال القرن (٩هـ = ١٥م)،
تولى بعضهم أكثر من مرة، فشهدت غرناطة اعتلاء عشرين
سلطانًا على عرشها. حدث هذا فى الوقت الذى شهدت إسبانيا
المسيحية نهضة حربية وسياسية توجت بزواج «فرناندو الثالث»
ملك أراجون من «إيزابيلا» ملكة قشتالة، واتحدت الدولتان فى
مملكة واحدة عام (٨٧٤هـ = ١٤٦٩م) بعد طول نزاع وحروب،
وكان ذلك بداية النهاية لمملكة غرناطة الإسلامية التى استمر
بقاؤها معتمدًا - على حد كبير - على استغلال النزاع بين هاتين
المملكتين، وبدأ الملكان الكاثوليكيان يعملان على إنهاء الوجود
الإسلامى فى شبه الجزيرة، وعرف ذلك سلطان غرناطة فامتنع
عن دفع الجزية لقشتالة وبدأ النزاع بين الجانبين، وتمكن
النصارى من الاستيلاء على حصن «الحمة» عام (٨٨٧هـ =
١٤٨٢م). وزاد من سوء الموقف اشتغال الحروب الأهلية بين أفراد
البيت الحاكم؛ فقد هجر السلطان أبا الحسن على ولداه «أبو
عبدالله محمد» و «يوسف» وأعلنا الثورة على والدهما بسبب
стр. 3126
خضوعه لسيطرة زوجته الرومية الأصل وإهماله أمهما، وقد قامت
حروب بين الفريقين، أسفرت عن طرد السلطان أبى الحسن الذى
لجأ إلى مدينة بسطة، كما قتل ابنه يوسف وتولى ابنه أبو
عبدالله على مملكة غرناطة، وقد تعرض السلطان الجديد لهزيمة
على يد النصارى وأسروه ثم أطلقوا سراحه بعد أن أملوا عليه
شروطهم، وواصل السلطان الجديد الحرب ضد والده الذى سرعان
ما توفى وخلفه أخوه أبو عبدالله محمد الملقب بالزغل. انتهز
النصارى فرصة هذه الفتن واستولوا على بعض المدن، وبعثوا
إلى الزغل يعرضون تسليم ما معه من أراضٍ مقابل مال كثير
فوافق ورحل إلى فاس، وهناك وضعه سلطان المغرب فى
السجن وصادر أمواله وسمل عينيه. وقد لجأت مملكة غرناطة فى
السنوات الأخيرة من عمرها إلى السلطات الحاكمة فى مصر تطلب
نجدتها، ولكن مصر المملوكية آنئذٍ لم يكن فى مقدورها أن تفعل
شيئًا بسبب ظروفها الداخلية، وكل ما استطاعته هو التهديد.
بمعاملة المسيحيين فى المشرق معاملة سيئة إذا ما تعرض
المسلمون فى الأندلس للإهانة، وقد أرسل الملكان المسيحيان
سفارة إلى السلطان «قانصوه الغورى» عام (٩٠٧هـ = ١٥٠١م)
طمأنته على وضع المسلمين وأزالت التوتر بين الجانبين. وقد
التقت قوات غرناطة والمرينيين من قبل وحاربوا قوات قشتالة
وليون عند «أسنجة» جنوبى قرطبة سنة (٦٤٧ هـ = ١٢٤٩م)،
وتحمس المسلمون حماسًا عظيمًا ومزقوا قوات قشتالة شر ممزق،
واضطر «ألفونسو العاشر» إلى طلب الصلح، وحدث لقاء مماثل
قرب غرناطة عام (٧١٨هـ = ١٣١٨م) اتحد فيه المسلمون فحققوا
نصرًا مؤزرًا، وهذا يعنى أن قوة المسلمين فى الأندلس كانت
لاتزال تستطيع الدفاع عن نفسها ودحر عدوها إذا وحدت
صفوفها وأدركت أهمية معاركها، ووعت جيدًا دورها فى
مواجهة الأعداء وتثبيت أقدام المسلمين فى أرض الأندلس، لكن
النفور بين المرينيين وبين بنى نصر كان أكثر أذىً وأشد وطأة
من خلافهم مع النصارى. وبقى عبدالله فى الميدان وحده وقد
стр. 3127
رفض تسليم غرناطة وصمم على القتال، وفى عام (٨٩٦هـ =
١٤٩١م) قام الملك «فرناندو» بحصار غرناطة وأفسد زراعتها
وأقام حولها القواعد، ثم توصل الطرفان إلى معاهدة التسليم،
ودخل الملكان الكاثوليكيان مدينة غرناطة فى (الثانى من ربيع
الأول ٨٩٧هـ = الثانى من يناير ١٤٩٢م). بعض مظاهر الحضارة
بغرناطة فى عصر بنى نصر: ازداد عدد السكان فى مملكة
غرناطة بسبب تدفق المهاجرين إليها من المدن الأخرى وبسبب
هجرة المدجنين الذين أفتاهم فقهاؤهم بضرورة مغادرة البلاد
التى سقطت فى يد النصارى، فلجأ إليها العلماء والأدباء وعامة
الناس، كذلك عاش البربر الذين جاءوا لمعاونة غرناطة فى
حروبها ضد المسيحيين، كما تحدثت بعض المصادر عن عناصر
سودانية خارج مالقة، وعن صوفية وفدوا من الهند وخراسان
وبلاد فارس للمرابطة فى سبيل الله، هذا بالإضافة إلى الأفارقة
السود الذين عبروا إلى الأندلس منذ حركة الفتوح الأولى، وقد
تغلغل حب الانتماء إلى القبائل العربية بين الأندلسيين، ويذكر
فى هذا أن بنى نصر ملوك غرناطة ينسبون أنفسهم إلى
الصحابى الجليل «سعد بن عبادة» سيد الخزرج وأحد زعماء
الأنصار. العمارة فى مملكة غرناطة: كان لغرناطة مسجد جامع
من أبدع الجوامع وأحسنها منظرًا. لا يلاصقه بناء، قد قام سقفه
على أعمدة حسان، والماء يجرى داخله. وإلى جانب المسجد
الجامع وجدت مساجد أخرى مهمة مثل: مسجد الحمراء وعدد من
المساجد فى الأحياء المختلفة. واشتهرت مساجد غرناطة
باستخدام الرخام، كما عرفت المساجد الأندلسية بتجميل صحونها
بحدائق الفاكهة وأقيمت المآذن منفصلة عن المساجد يفصل بينها
صحن المسجد، وكانت المئذنة عبارة عن أربعة أبراج مربعة
وتتكون من طابقين، ويحيط بها سور يزين أعلاه بكرات معدنية
مختلفة، وحتى الآن توجد مئذنتان ترجعان إلى عصر دولة بنى
نصر، الأولى مئذنة مسجد تحول إلى كنيسة هى كنيسة «سان
خوان دى لوس ريس»، والثانى ببلدة «رندة» التى تحول
стр. 3128
مسجدها إلى كنيسة باسم «سان سباستيان». الناحية العلمية:
أما فى الناحية العلمية، فقد حافظت تلك الفترة على ما خطه
السابقون وأضافت إليه، ونجد ثبتًا طويلا بأسماء اللامعين فى
كتاب الإحاطة لابن الخطيب، وفى نفح الطيب للمقرى، كما
أنشئت المدارس وتوافرت الاختراعات مثل: المدافع والبنادق التى
استعملها المسلمون فى دفاعهم عن غرناطة، ويحتفظ متحف
مدريد الحربى بنماذج منها حتى الآن. كذلك ازدهرت صناعات
عديدة منها: صناعة السفن، والمنسوجات، وقد أنتجت المصانع
القماش الموشى بالذهب فى ألمرية ومالقة وأقمشة أخرى فى
غرناطة وبسطة، وتم اتخاذ الفراء من بعض الحيوانات البحرية.
كما عرفت المملكة صناعة الأصباغ والجلود والحلى وغيرها؛
كذلك اهتم بنو نصر بالزراعة وما يتصل بها من وسائل الرى
وأنواع المزروعات، وكانت مدينة غرناطة أجمل مدن العالم
بشوارعها وميادينها وحدائقها ومرافقها وكانت تصدر صناعاتها
إلى عدد من البلدان بعضها أوربى، وهناك أسماء كثيرة من
أعلام الفكر ظهرت فى هذه الفترة منها: ابن البيطار وابن خاتمة
وابن الخطيب، وهناك عدد من سلاطين بنى نصر ألفوا كتبًا فى
الأدب، ورعوا العلم ورجاله ومعاهده.
стр. 3129
* العامرية (دولة)
بعد أن أصبحت السيطرة كاملة لابن أبى عامر فكر فى إنشاء
مدينة جديدة يتوافر فيها الأمان ومظاهر السلطان فكانت مدينته
الزاهرة أو العامرية شرقى قرطبة والتى استغرق بناؤها
عامين، وضمت قصرًا ومسجدًا ودواوين للإدارة ومساكن للحرس،
ونقل خزائن المال والسلاح إليها، وأقيم حولها سور ضخم كما
بنى خندقًا وتم إقطاع ضواحيها للوزراء والقادة، فابتنوا الدور
وأنشئت الشوارع والأسواق حتى اتصلت مبانيها بضواحى
قرطبة، وقد انتقل إليها ابن أبى عامر سنة (٣٧٠هـ = ٩٨٠م)،
واتخذ له حرسًا خاصا من الصقالبة والبربر أحاطوا بقصره،
ومنعوا الدخول والخروج إليه، وبذلك أقفرت قرطبة وأقفر
قصرها ونقلت كل مظاهر السلطان إلى المدينة الجديدة، ومنع
الخليفة من أى حركة إلا بإذن ابن أبى عامر حماية له من
المتآمرين وحتى يتفرغ للعبادة كما زعم. حاولت «صبح» بعد هذا
التطور أن تستبعد «ابن أبى عامر» مستعينة بمنافسيه، ولجأت
إلى القائد «غالب» - صاحب الثغر - فى سرية تامة، فرد ابن أبى
عامر بتقريب «جعفر بن على بن حمدون الأندلسى» -وهو بربرى
من زناتة - عبر البحر وتقلد الوزارة، واستعان به ابن أبى عامر
على كسب مودة البربر الذين توافدوا من عدوة المغرب إلى
الأندلس، وغمرهم بأمواله. أراد غالب مصانعة ابن أبى عامر
فدعاه إلى غزوة مشتركة فى أراضى قشتالة، وأقام له وليمة
دخل معه خلالها فى نقاش عنيف ورفع السيف فأصيب ابن أبى
عامر، لكنه استطاع الفرار وذهب إلى دار غالب بمدينة سالم
واستولى على كل ما كان فيها، ثم دخل الفريقان فى قتال عند
حصن «شنت بجنت» يعاون غالب ملك ليون، وانتهى الأمر بموت
غالب وهزيمة أعوانه من المسلمين والنصارى فى (٤ المحرم سنة
٣٧١هـ = ١٠يوليو ٩٨١م). غزوات ابن أبى عامر: بدأت سلسلة
هذه الغزوات الشهيرة بعد أن استقرت الأمور لابن أبى عامر،
ووصل عددها إلى نحو أربع وخمسين غزوة استقصى المؤرخ
стр. 3130
القرطبى ابن حيان أخبارها فى كتاب له مفقود عنوانه «الدولة
العامرية» ويتحدث عنها ابن خلدون فيقول: «غزا ابن أبى عامر
اثنتين وخمسين غزوة فى سائر أيام ملكه، لم ينكسر له فيها
راية ولا فل له جيش ولاأصيب له بعث ولا هلكت له سرية». وقد
بدأ «ابن أبى عامر» غزواته بمملكة «ليون»؛ ليعاقب ملكها على
معاونته لغالب، وقد تحالف ضده ملوك النصارى الثلاثة: ملك
ليون، وملك قشتالة، وملك نبرة، وجرت بينه وبينهم موقعة عند
«شنت منكش» انتصر فيها «ابن أبى عامر»، ووصل إلى عاصمة
مملكة «ليون»، ثم عاد إلى «قرطبة» سنة (٣٧١هـ = ٩٨١م) بسبب
حلول الشتاء، وبعد عدة أشهر من عودته اتخذ لنفسه لقب
«الحاجب المنصور» ودعى له على المنابر وصدرت الكتب باسمه
ونقش على السكَّة، وقبَّل المسئولون وكبار الموظفين والوزراء
يده وأصبح هو كل شىء. وفى سنة (٢٧٤هـ = ٩٨٤م) خرج
«المنصور» إلى شمال شرقى «الأندلس» على رأس جيش ضخم مر
بغرناطة ثم «بسطة» فلورقة فمرسية، ثم اتجه شمالا إلى
«برشلونة»، حيث دخل منطقة «قطلونية»، ثم اقتحم مدينة
«برشلونة» ودمَّرها وأحرقها فى (صفر ٣٧٥هـ = يوليو ٩٨٥م)،
ولم يحاول المنصور الاحتفاظ ببرشلونة، وإنما قصد إلى تدمير
قوى النصارى فى هذه المنطقة النائية. ثم قام المنصور عام
(٣٧٨هـ = ٩٨٨م) بغزو مملكة ليون بعد أن انقض ملكهم على
المسلمين، وطاردهم إلى آخر حدود بلاده، فسار المنصور شمالا
إلى ليون، ثم غربًا إلى مدينة قلمرية شمالى البرتغال بالقرب من
المحيط واستولى عليها وبقيت خرابًا مدة سبعة أعوام، ثم سار
المنصور نحو مملكة «نبرة» وقصد عاصمتها «بنبلونة» ردا على
إغارة ملكهم على أراضى المسلمين، وغزوة المنصور هذه
تسمى غزوة البياض، وقد عاد بجيشه إلى «سرقسطة» والتقى
هناك بابنة عبدالملك بعد عودته ظافرًا من حروبه فى بلاد
المغرب كما سنشير فيما بعد. وفى ربيع سنة (٣٧٨هـ = ٩٨٨م)
خرج المنصور فى جيش ضخم، واخترق مملكة ليون واستولى
стр. 3131
على عاصمتها بعد معارك عنيفة، ثم سار إلى «سمورة»
وحاصرها حتى سلمت، واعترف النبلاء له بالطاعة، ولم يبق تحت
سيطرة ملك ليون إلا المنطقة الجبلية الواقعة شمالى غربى إقليم
جليقية. وأثناء قيام المنصور بغزوته هذه رقم (٤٥) انضم ابنه
«عبدالله» إلى ملك قشتالة بتحريض من صاحب الثغر الأعلى
«عبدالرحمن بن مطرف التجيبى» وكانت عاصمته «سرقسطة»،
ولكن المنصور ضغط على الملك النصرانى عن طريق العمليات
العسكرية المتتالية فسلمه ابنه، ولم يتردد المنصور فى قتل ولده
فى الحال. ثم قام «المنصور» سنة (٣٨٧هـ = ٩٩٧ م) بأعظم
غزوة قام بها متجهًا نحو منطقة جليقية، وهى منطقة وعرة من
الصعب غزوها؛ لأنها ملاذ ملوك ليون يلجئون إليها كلما ضيق
المسلمون الخناق عليهم، فخرج المنصور إليها من قرطبة فى
(شهر جمادى الآخر سنة ٣٨٧هـ= ٩٩٧م)، وفى الوقت نفسه تحرك
الأسطول الأندلسى فى مياه البرتغال يحمل المشاة والأقوات
والذخيرة، وعبر المنصور الجبال والأنهار حتى وصل إلى مدينة
قورية، ثم زحف نحو الشمال الغربى واستولى على مدينتى:
«بازو» و «قلمرية»؛ حيث وفد إليه العديد من أمراء النصارى
وانضموا إلى جيشه وأطاعوه، بعد ذلك توجهت القوات الإسلامية
شمالا نحو نهر «دويرة»، حيث وافاه الأسطول، فجعله جسرًا
عبر به صوب جليقية، وسار فى شعب الجبال، ثم التزم المشى
بحذاء الشاطئ يهدم ويخرب، ففرت أمامه جموع النصارى، وظل
المنصور يواصل عملياته حتى انتهى إلى مدينة «شنت ياقب»
المقدسة عند النصارى فدخلها ثم سار المنصور حتى وصل إلى
شاطئ المحيط وتابع سيره إلى أن أصبح فى شمال البرتغال
الحديثة، وهناك وزع الهدايا على الموالين له من زعماء النصارى
وطلب منهم أن يعودوا إلى بلادهم ورجع هو إلى مدينته الزاهرة.
وقد هزت هذه الغزوة إسبانيا النصرانية، وبقى تأثيرها بضع
سنين وكانت الثامنة والأربعين من بين مجموع غزواته. ثم قام
المنصور بعد ذلك بغزوات فى سنوات (٣٨٩، ٣٩٠هـ= ٩٩٩،
стр. 3132
١٠٠٠م) فى أراضى نبرة وقشتالة؛ حيث واجه جموع النصارى
متحدين مصممين على النيل منه، وتعرض المسلمون للهزيمة أول
الأمر، لكن المنصور صعد على ربوة عالية، وأخذ يضاعف جهوده
ويحرض الناس، حتى تمكن من تحويل الهزيمة إلى نصر ومزق
العدو شر ممزق، وتوالى زحفه حتى اقتحم مدينة «برغش»،
ومنها توجه إلى «سرقسطة»، ثم إلى «بنبلونة» عاصمة «نبرة»
دون أن يجرؤ أحد على اعتراضه وأخيرًا رجع إلى العاصمة بعد
تسعة ومائة يوم. وفى ربيع (٣٩٢هـ =١٠٠٢م) خرج المنصور لآخر
مرة، وتوجَّه إلى قشتالة ومنها اتجه غربًا نحو «برغش» وعاث
فى تلك المنطقة، وتقول المصادر النصرانية إنه تعرض لهزيمة
على أيدى ملوك النصارى متحدين، وإنه اضطر إلى الفرار فى
جنح الظلام بعد موقعة معهم جرت أحداثها بمكان يسمى «قلعة
النسور»، وقد جرح المنصور ثم مات بعد ذلك متأثرًا بجراحه، لكن
الباحثين المحدثين - ومنهم المستشرق الهولندى دوزى - يرفضون
هذه الرواية لأنها تخالف الحقائق التاريخية الثابتة، فهى تتحدث
عن تحالف بين ملوك من النصارى ماتوا قبل هذه الموقعة، أضف
إلى ذلك أن المصادر الإسلامية لاتذكرشيئًا عن تلك الموقعة، مع
أنها لاتخفى هزائم المسلمين، فالصمت قرينة على أنه لم تكن
هناك هزيمة ولاحتى موقعة أصلا. ومهما يكن من أمر فقد سار
المنصور فى حملته هذه محمولا حتى وصل إلى «مدينة سالم»،
وهناك وافاه الأجل فى (٢٧ رمضان ٣٩٢هـ = ١١ أغسطس
١٠٠٢م) بعد حكم دام ٢٧ عامًا. المنصور وولاية العهد: اتخذ
المنصور فى سنة (٣٨١هـ= ٩٩١م) خطة غير مسبوقة بهدف دعم
سلطانه فرشح ابنه عبدالملك ليتولى الأمر من بعده، وتنازل له
عن الحجابة والقيادة وجميع ما كان يتولى من خطط مكتفيًا بلقب
«المنصور» ثم تلقب بالملك الكريم فى سنة (٣٨٦هـ = ٩٩٦م)
وبولغ فى تعظيمه وإجلاله، ولم يكن المنصور يقصد أن تجتمع
السلطات فى يده، فكل السلطات السياسية والعسكرية فى
стр. 3133
قبضة يديه بالفعل، لكنه أراد أن يصبغ حكمه بالصبغة الشرعية،
وأن تكون له رسوم الملك والخلافة، ويقوم بتأسيس دولة تحل
محل دولة بنى أمية، لكن الظروف لم تكن مهيأة فالناس لاتميل
كثيرًا إلى المنصور؛ بسبب الوسائل الدموية التى لجأ إليها
لتصفية خصومه. الجيش فى عهد المنصور: أعطى المنصور
اهتمامًا كبيرًا للجيش، فعنى بتنظيمه، واستقدم قوات تعد
بالألوف من المرتزقة من قبائل زناتة وصنهاجة وغيرهما من
البربر ومن الجند النصارى، وكون من هؤلاء جميعًا جيشًا ضخمًا
ضمن ولاءه له بجوده ووفرة عطاياه، كما غير من نظام الجيش،
فقدَّم رجالات البربر وأخَّر زعماء العرب وفرق جند القبيلة
الواحدة، وكان الخليفة الناصر من قبله قد مهد له الطريق عندما
سحق القبائل العربية وأضعف هيبتها حسبما أشرنا من قبل،
أى أن ابن أبى عامر وجد الطريق ممهدًا، فلم تلق سياسته كبير
معارضة. وقد نفر المحاربون القدماء والأندلسيون بشدة من ذلك
الجيش وسعِدَ «ابن أبى عامر» بهذا النفور لأنه يقف حائلا بين
عناصر الجيش القديم وبين اتحادها ضده، كما أنه يشعر البربر
بضرورة الاعتماد عليه. ومن أهم ما فعله فصل جيش الحضرة
(قرطبة) عن الجيش العام، وتعيين نفسه قائدًا له، فأصبح قوة
عسكرية، وفتحت له والدة الخليفة بيت المال ظنا منها أنه يعمل
لحسابها وحساب ابنها، فأكثر من الجند، وأصبح مستبدا
عسكريا، وتحوَّل من فقيه إلى رجل سياسة، وملك من القوة
العسكرية ما لم يملكه من سبقوه، فالناصر رغم ميله إلى
الاستبداد كان يقف عند حد معين، ويعلم أنه من المستحيل
القضاء على النصارى فيكتفى بإضعافهم وحملهم على أداء
الجزية، أما المنصور فتتوالى ضرباته دون أن يحاول ضم جزء
إلى أراضى الخلافة، أو إسكان بعض المسلمين فى الأراضى
التى يفتحها وإنما يضرب ويحوز الغنائم ويعود النصارى إلى ما
كانوا عليه، وكأنه لم يكن يهدف إلا إلى ذلك. وجدير بالذكر أن
стр. 3134
المنصور فى سنة (٣٨٨هـ = ٩٩٨م) أعفى الناس من إلزامهم
بالغزو؛ بسبب ما وصلت إليه أعداد الجيش وما توافر له من قوة،
واكتفى بالقوات المرابطة، وقد بلغ الجيش المرابط أى الثابت فى
زمن المنصور (١٢١٠٠) من الفرسان يصرف لهم جميعًا المرتبات
والسلاح والنفقة بخلاف (٦٠٠) فارس للحراسة الخاصة، أما الجيش
المرابط من الرجَّالة فقد بلغ ستة وعشرين ألفًا، وكان هذا العدد
يتضاعف بمن ينضم إليه من المتطوعة أثناء الصوائف ولا يدخل
فى هذا الخيل ومطايا الركوب ودواب الحمل وغيرها من العدد،
وكان المنصور يتولى قيادة قواته بنفسه غالبًا. وقد حققت
غزواته أهدافها من ردع النصارى ومنعهم من الهجوم على
أراضى المسلمين، وكان يعرف أبرز جنده جميعًا بأسمائهم
ويدعوهم إلى المآدب التى يقيمها عقب كل انتصار، ومع ذلك
فإن المحصلة النهائية لغزواته كانت ضعيفة فهو لم يقضِ على
كل قوى النصرانية أو يسحقها، وغزواته وإن أضعفت
النصارى، فإنها لم تغير أحوالهم، وبقيت حدود دولة الإسلام
على ما هى عليه، فهى غزوات دويها عظيم تجذب الناس إليها،
لكن نتائجها قليلة فقد أنهكت قوى الجيوش الإسلامية دون أن
تحقق هدفًا ثابتًا أو تقضى على خصم، إنها مثل الطبل الأجوف
صوت كبير وعمل قليل. إدارة المنصور: أظهر المنصور مقدرة
كافية ممتازة فى جميع المناصب التى تولاها وشهدت البلاد فى
زمنه أمنًا واستقرارًا وطمأنينة لم تعرفها قبله، وفى زمنه لم
تعرف البلاد الثورات مقارنًا بغيره، وازدهرت الصناعة والتجارة
والزراعة، وارتقت العلوم والآداب، وامتلأت خزائن قرطبة بالمال
حتى وصلت الإيرادات إلى نحو أربعة ملايين دينار، بخلاف
الموارد من المواريث ومال السبى والغنائم، وقد عاون المنصور
مجموعة من الكتاب والوزراء فى هذا العصر من أبرزهم: «أبو
مروان عبدالملك بن شهيد» و «محمد بن جهور» و «أحمد بن سعيد
بن حزم» والد الفيلسوف المشهور، و «خلف بن حسين بن حيان»
стр. 3135
والد أمير المؤرخين الأندلسيين «ابن حيان»، ومن الكتاب «سعيد
بن القطاع» وغيره من أبناء الأسر العريقة التى تعاقب أبناؤها
على الوزارة. العمارة فى عهد المنصور: لم يخل عهد المنصور
من الإنشاءات العظيمة على الرغم من الغزوات المستمرة وقد
أشرنا إلى بنائه مدينته الزاهرة بقصورها وحدائقها، وجعلها
قصرًا للحكم والإدارة، وقد بنى المنصور بجانبها منية جميلة
ازدانت بالحدائق والقصور أسماها «العامرية»، وكان يقصدها
عندما يريد الاستجمام. كذلك قام بزيادة المسجد الجامع فى
«قرطبة» بعد أن اتسعت المدينة، وضمت واحدًا وعشرين حيا،
الواحد فيها أكبر من أية مدينة أندلسية، وقد حفر حولها خندقًا
بلغ ١٦ ميلاً وزاد سكانها كثيرًا لا سيما البربر، وضاق المسجد
الجامع بهؤلاء السكان فأدخل المنصور فى سنة (٣٨٧هـ = ٩٩٧م)
زيادة عليه من الناحية الشرقية، بلغت المساحة الأصلية نفسها
تقريبًا، وحرص المنصور على الاشتراك فى هذا المشروع بنفسه،
واشتغل فيه أسرى النصارى، وتم تعويض أصحاب الدور
والأماكن التى صودرت لهذا الغرض، ولا يزال هذا الجناح قائمًا
حتى اليوم، ويعرف بمسجد المنصور، وإن تحولت عقوده الجانبيه
إلى هياكل وكنائس. وبهذه الزيادة بلغت مساحة المسجد الجامع
ما يزيد على ستة أفدنة، كما انفرد بطرازه الرائع، وليس فى
العالم مسجد ولا كنيسة فى مثل حجمه اللهم إلا قصر «فرساى»
بفرنسا. كما جدد المنصور قنطرة قرطبة على نهر الوادى
الكبير، وكان «السمح بن مالك» قد جددها من قبل وأنفق
المنصور على تجديدها فى سنة (٣٧٨هـ = ٩٨٨م) مائة وأربعين
ألف دينار وبنى قنطرة «أستجة» على نهر «شنيل» أحد فروع
نهر الوادى الكبير. المنصور فى نظر المؤرخين: يشهد المؤرخون
القدماء للمنصور بالكرم، وبأنه كان يبذل الأموال للمتصلين به
والفقراء خاصة، ورغم سفكه للدماء فقد كان يتظاهر بالتقوى،
حريصًا فى كل غزواته على حمل مصحف خطه بيده، ويقال إنه
стр. 3136
كان منصفًا عادلا يزجر الظالم حتى لو كان من كبار حاشيته،
وكان صبورًا حليمًا، ولكنهم ينعون عليه شغفه بمعاقرة الخمر،
ولم يتخل عن ذلك إلا قبل وفاته بعامين. وتميز المنصور بأنه كان
شغوفًا بالعلم والأدب، محبا للعلماء والأدباء والشعراء ويناظرهم
ويشترك معهم فى نظم الشعر ويغدق عليهم، ساعده على ذلك
نشأته فى بيت علم وأدب، وبراعته فى علوم الشريعة وفنون
الأدب خلال فترة صباه. وحرص المنصور على نشر العلم والمعرفة
بين طبقات الشعب، فأنشأ كثيرًا من دور العلم فى قرطبة وأنفق
عليها، وكان يزور المساجد والمدارس، ويمنح المكافآت
للمتفوقين من الطلاب، كما حرص على جمع الكتب ومكافأة
أصحابها، وقد منح «صاعد البغدادى» (٥٠٠) دينار مكافأة له
على كتابه «الفصوص»، وكان يكره الفلسفة، ويرى أنها مخالفة
للدين كما كان يبغض التنجيم ويطارد المنجمين، وقد استخرج من
المكتبة الأموية جميع كتب الفلاسفة والدهريين وأحرقها بحضرة
كبار العلماء، وما فعله «المنصور» أمر خطير، تسبب فى ضياع
ثروة علمية عظيمة. ونظرًا للشهرة الواسعة التى حققها المنصور،
جاء إليه بعض ملوك النصارى واستعطفوه وتقربوا إليه وزوجوه
من بناتهم. ويرى بعض المؤرخين المعاصرين أن «ابن أبى عامر»
من أعظم الرجال وأنه قام بما لم يقم به أحد فى تاريخ الإسلام،
فقد استطاع الاستيلاء على الحكم فى دولة كبرى، وهى فى
أوج سلطانها ووجه أمورها بصورة مستبدة. ومع ذلك فإن هنا
أمورًا ثلاثة هى أكثر ما أضر به المنصور: ١ - إقامته ملكه على
جند مرتزقة تعالوا على الناس، واصطناعه لبيوت جديدة من
زعانف الأسر، وصغار الفقهاء والطامعين، وتوليتهم وظائف
القضاء والولايات، وقد أثقل هؤلاء على الناس، وأرهقوهم
بالمطالب، واستولوا على أموالهم، ومن هؤلاء بنو عباد فى
إشبيلية، ومن البربر الذين استعان بهم فى النواحى، بنو الأفطس
فى بطليوس، وبنو ذى النون جنوب غربى طليطلة - بالإضافة
стр. 3137
إلى الصقالبة الجدد الذين اشتراهم المنصور لحسابه ومن هؤلاء
جميعًا يتكون الحزب العامرى - وهم الذين قضوا على وحدة
الأندلس فيما بعد، ويتكون منهم ما يعرف بملوك الطوائف. ٢ -
انعدام المفهوم الأخلاقى عنده، وهذا جعل الناس يخافونه ولا
يحبونه، بل إن أنصاره ما كانوا يأمنونه؛ لأنه كان كثير التجسس
فكان يطلب من العبيد والجوارى أن يكونوا عيونًا فى بيوتهم
وأفسد أخلاق الناس بالرشوة ونحوها. ٣ - حجر المنصور على
الخليفة «هشام»، وتعيين ابنه «عبدالملك بن المنصور» وليا
لعهده، والتخلص من معارضيه بالتآمر والقتل. ولقى المنصور ربه
فى «مدينة سالم» فى (٢٧ من رمضان سنة ٣٩٢هـ = أغسطس
سنة ١٠٠٢م) كما أسلفنا وتولى الأمر من بعده ابنه عبدالملك
المظفر. عبدالملك المظفر بالله ابن المنصور [رمضان ٣٩٢ - صفر
٣٩٩هـ = أغسطس ١٠٠٢ - أكتوبر ١٠٠٨م]: صدر أمر الخليفة
«هشام» بتولية «عبدالملك» الحجابة بعد وفاة والده، وقضى
عبدالملك بسرعة على من أراد انتهاز الفرصة للعودة إلى حكم
الخليفة، وقد بدأ عهده بإسقاط سدس الجباية (الضرائب) عن
السكان بكل نواحى الأندلس فاستبشر الناس به خيرًا. سياسة
عبدالملك مع النصارى: ظن ملوك النصارى أن خطر الغزوات
الإسلامية عليهم سيقل بعد وفاة المنصور، لكنهم كانوا واهمين
لأن عبدالملك بدأ بعد أشهر قليلة من ولايته يستعد لغزوته
الأولى، ووفد إليه الزعماء والمتطوعة من المغرب وغيرها
للاشتراك معه، فرحَّب بهم وبذل لهم الأموال ووزع عليهم السلاح،
وخرج بالجيش من مدينة الزاهرة فى (شعبان ٣٩٣هـ = يونيو
١٠٠٣م)، وتوجه إلى مدينة «طليطلة»، ومنها إلى مدينة «سالم»،
حيث انضم إليه «الفتى واضح» فى قواته وقوات من النصارى
حسب اتفاقهم مع المنصور، ثم اتجه الجنود نحو الثغر الأعلى، ثم
من سرقسطة إلى «برشلونة»، حيث استولت القوات الإسلامية
على بعض الحصون المنيعة، واستولت على سبى ومغانم، ثم
стр. 3138
عاد المسلمون إلى قرطبة عن طريق مدينة «لاردة» فى شهر ذى
القعدة، وقد تلقى عبدالملك رسالة من أمير برشلونة تطلب
الصفح والمهادنة فاستقبل الرسل استقبالا يليق بمقام الخلافة.
ولما اعتدى أمير قشتالة على أراضى المسلمين سنة (٣٩٤هـ =
١٠٠٤م) قصد إليه عبدالملك وأدبه، واضطره إلى التسليم وطلب
الصلح ثانية، وتعهد على التعاون مع عبدالملك فى حملاته ضد
مملكة ليون وضد خصومه جميعًا. وفى العام التالى خرج
«عبدالملك» وسار نحو طليطلة ولحق به «الفتى واضح» وملك
قشتالة، واتجهوا شمالا نحو أراضى ليون ومدينة سمورة وعاث
فى هذه النواحى ووصل إلى جليقية واستولى على كثير من
المغانم والسبى، ولكنه لم يحقق نتائج حربية ذات قيمة. خرج
عبدالملك فى أواخر سنة (٣٩٦هـ = ١٠٠٦م) إلى «بنبلونة»
عاصمة «نبرة» فقصد «سرقسطة» و «شقة» و «بريشتر» ومنها
اخترق المسلمون أراضى العدو وأخذوا يقتلون وينهبون، ثم
تعرض الجيش لبعض العواصف ورعد وبرق قاسٍ، واضطر إلى
العودة إلى العاصمة. حين وصل إلى مسامع عبدالملك أن أمير
قشتالة يفكر فى الاعتداء على أراضى المسلمين، خرج لغزوته
الخامسة المسماة «غزوة قلونية» فى (صيف ٣٩٧هـ = ١٠٠٧م)،
واخترق أراضى قشتالة ليحارب ملكها الذى تحالف معه ملك ليون
وملك نبرة، وعدد من زعماء النصارى الذين وحدوا صفوفهم،
ومع ذلك فقد تمكن عبدالملك من إلحاق هزيمة بهم جميعًا عند
مدينة «قلونية»، وحملهم على طلب الصلح ثم عاد إلى قرطبة
أواخر العام المذكور، فسر الناس بما حقق، واتخذ هو لقب
«المظفر بالله» إشادة بما أحرز من نصر عظيم. لكن ملك قشتالة
جدد عدوانه وغدر بالمسلمين فخرج إليه عبدالملك فى (صفر سنة
٣٩٨هـ = أكتوبر ١٠٠٧م)، واخترق أراضى قشتالة الوسطى،
وقصد إلى بعض الحصون المنيعة، وجرت معركة، اضطر النصارى
بعدها إلى دخول الحصن، وهجم عليهم المسلمون وضربوا الحصن
بالمجانيق والنيران حتى حملوا العدو على طلب التسليم، وهنا
стр. 3139
أمر عبدالملك بقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية، ثم رجع إلى
العاصمة فى شهر ربيع الثانى. وفى شوال من العام نفسه خرج
عبدالملك بغزوته السابعة والأخيرة وتعرف «بغزوة العلة»؛ إذ إنه
ما كاد يصل إلى مدينة سالم حتى اشتد به المرض وتفرق عنه
المتطوعة، واضطر إلى الرجوع إلى قرطبة فى (المحرم ٣٩٩هـ =
سبتمبر ١٠٠٨م) لكنه شعر بتحسن فى صحته فعمل على
استئناف الغزو بعد فترة وجيزة لكن حالته ساءت، وتعرض
لنكسة سببها التهاب رئوى، وعاد إلى العاصمة فى محفة حيث
مات فى (١٦ من صفر سنة ٣٩٩هـ = ٢١ من أكتوبر ١٠٠٨م) بعد
حكم دام نحو سبع سنوات. أسلوب عبدالملك فى الإدارة والحكم:
التزم عبدالملك الأسلوب الذى كان يحكم به والده الأندلس فجعل
الخليفة محجورًا عليه لاحول له ولاقوة. وجمع السلطات كلها فى
يديه، وحدَّ من نفوذ الوزراء والكتاب وراقبهم وحاسبهم، وجلس
للناس وهجر اللهو، وعمل على تنمية الموارد وترتب على هذا
تحسن فى الأحوال المالية التى كانت قد ساءت بسبب كثرة
النفقات. ولم يكن لعبدالملك نصيب كبير فى مجالات العلم والأدب
وكان مجلسه لايقوم إلا على الأعاجم من البربر وغيرهم، ومع
ذلك فقد استمر يجرى الرواتب التى كان أبوه يجريها على
العلماء والأدباء والندماء، كما استمع إلى الشعر ووصل
الشعراء. عبدالرحمن بن شنجول قلد الخليفة هشام الحجابة
لعبدالرحمن بن منصور، وأنعم عليه بالخلع السلطانية، وكانت
أمه ابنة لملك «نبرة» تزوجها «المنصور» وأنجب منها، وقد
أسلمت وتسمت باسم «عبدة» ولأنه أشبه جده لأمه المسمى
«شانجة» لقب بشنجول أو شانجة الصغير. ولم يكن الشعب يميل
إلى «عبدالرحمن» لما فيه من دماء نصرانية ولانحراف سلوكه،
ولأنه جرى على منهج أبيه وأخيه فى الحجر على الخليفة هشام
مع الاستبداد بالرأى وإن مال هو إلى التودد إلى الخليفة
ومخالطته، وقد منحه الخليفة لقب المأمون ناصر الدولة بعد
عشرة أيام من ولايته، ليس هذا فحسب، بل إن عبدالرحمن جرؤ
стр. 3140
على ما لم يجرؤ عليه أحد لا المنصور ولا عبدالملك، حين نجح بعد
محاولات فى استصدار مرسوم من الخليفة بتعيينه وليا للعهد من
بعده، لتنتقل رسوم الخلافة من أسرة بنى أمية إلى أسرة بنى
عامر، وأقر فقهاء قرطبة وعلماؤها هذا التحول وزكاه الوزراء
والقضاة والقادة، وكان ذلك فى ربيع الأول سنة (٣٩٩هـ=
١٠٠٨م)، ومضى «عبدالرحمن» أبعد من ذلك حين عين ابنه الطفل
فى خطة الحجابة ولقبه سيف الدولة، ثم اتخذ قرارًا جلب عليه
كثيرًا من السخط حين طلب من أكابر الموظفين ورجال الدولة خلع
القلانس الطويلة التى يتميزون بها لأنها لبس الأندلسيين، وتغطية
الرأس بالعمائم التى هى لباس البربر فأذعن هؤلاء كارهين. فكر
عبدالرحمن أن يشغل الناس بالغزو، فقرر أن يتوجه إلى جليقية
رغم تحذيره من سوء الأحوال الجوية، ومن انقلاب قد يقوم به
المروانية ضده، لكنه صمم وسار بالجيش نحو طليطلة، ومنها إلى
جليقية وسط أمطار وبرد شديدين وكان يمارس هوايته فى اللهو
والشراب، وقد اخترق مملكة ليون قبل أن يصل إلى جليقية،
فتحصن الأعداء برءوس الجبال، ولم يجد عبدالرحمن سبيلا إلى
مقاتلتهم بسبب كثرة الثلوج وفيضان الأنهار، فاضطر إلى أن
يعود دون أن يفعل شيئًا. وعند وصوله إلى طليطلة جاءته الأنباء
تفيد أن انقلابًا قد حدث فى قرطبة وأن الثوار استولوا على
مدينة الزاهرة فاضطربت صفوفهم، واضطر عبدالرحمن إلى أن
يعود عن طريق قلعة رباح، ولم يلتفت إلى نصح من طلب منه
البقاء فى طليطلة، لاعتقاده أن الناس سترحب به إذا رأوه يقترب
من قرطبة. وكان السبب الرئيسى للثورة هو استبداد بنى عامر
وقهرهم للناس استنادًا إلى قوة قوامها البربر والصقالبة، ثم
كانت ولاية عبدالرحمن للعهد واستئثاره برسوم الخلافة والحكم
هى الشرارة التى انتقلت منها نيران الثورة إلى كل العناصر
الناقمة، وعلى رأسهم بنو أمية، وكان المخطط للثورة والمتابع
لمراحل تنفيذها «الزلفاء» والدة عبدالملك -التى اعتقدت أن
стр. 3141
«شنجول» سم ابنها - ثم فتى أموى اسمه «محمد بن هشام بن
عبدالجبار بن عبدالرحمن الناصر» كان عبدالملك قد أعدم أباه. لم
يكن المروانية وحدهم يرغبون فى القضاء على العامريين، وإنما
كان معهم كل العناصر الناقمة من البيوت العربية مضرية أو
يمنية، يؤازرهم كل طبقات الشعب، وأحكم هؤلاء جميعًا خطتهم
وانتهزوا فرصة خروج عبدالرحمن للغزو ومعه معظم الجيش
ليقوموا بالتنفيذ، وفى يوم (١٦ من جمادى الأولى ٢٩٩هـ = ١٥
من يناير ١٠٠٩م) جاءت الأنباء بأن عبدالرحمن عبر بجيشه إلى
أرض النصارى، فقام محمد بن هشام بإنزال ضربته، وهجم على
قصر قرطبة وقتل صاحب المدينة، والتف حوله الساخطون، ثم
اقتحم سجن العامرية وأخرج من فيه، واجتمع حوله المروانية
وانضم إليه الناس من كل حدب وصوب، وبعد أن سيطر ابن
عبدالجبار على القصر واستولى على كل ما فيه من سلاح
وغيره، طلب من الخليفة هشام أن يخلع نفسه فوافق، وانتهت
بذلك خلافته الصورية التى دامت (٣٣) سنة وتولى الأمر «محمد بن
هشام بن عبدالجبار» وتلقب بالمهدى فى (١٧ من جمادى الآخرة
٣٩٩هـ = ١٦ من فبراير ١٠٠٩م) وجاءه الناس مهنئين، وما شعروا
أن تلك هى بداية الفتنة التى ستطيح ليس بالدولة العامرية
وحدها بل وبالخلافة بكل ما تمثله. وفى اليوم التالى قام
الثائرون بهدم مدينة الزاهرة وقصورها، وأحست الحامية المنوط
بها الدفاع عنها أن المقاومة غير مجدية ففتحوا أبواب المدينة
شريطة أن يؤمنهم المهدى، وتم نهب القصور والاستيلاء على
كل ما كان فيها من متاع وجواهر، ولم يكتف المهدى بذلك
وإنما قام بهدم كل مبانى مدينة الزاهرة وأسوارها بعد أن
استولى على كل ما فيها من خزائن وأموال وتحف حرصًا منه
على إزالة كل آثار بنى عامر، وأصبحت المدينة أطلالا، وتحولت
إلى أثر بعد عين. وقد حاول «عبدالرحمن» وهو فى «طليطلة»
بعد أن بلغته أخبار الثورة أن يتنازل عن ولاية العهد مكتفيًا
стр. 3142
بالحجابة، فلم يلتفت إليه أحد ثم سار إلى قرطبة، ولما اقترب
منها تركه جند البربر وفروا فى جنح الظلام، ثم تمكن الخليفة
الجديد من مطاردته وإلقاء القبض عليه وهو مختبئ فى أحد
الأديرة، وقتله فى (٣ من رجب ٣٩٩هـ = ٣ من مارس ١٠٠٩م).
وهكذا انتظر الشعب أول فرصة وأطاح بالطغيان المستبد الذى
فرضه العامريون، ولم يشفع لذلك النظام ما تحقق على يدى
المنصور من أمن واستقرار عم ربوع الأندلس وكانت تلك الثورة
بداية مرحلة من الفتن والفوضى الشاملة التى أنهت وجود
الحكومة المركزية، وقضت على الخلافة الإسلامية، ومزَّقت الأمة
وجعلتها أشلاء متناثرة. ولم يكن محمد بن هشام بن عبدالجبار
شخصًا مناسبًا لهذه الفترة، إذ كان قليل التفكير لا يعرف شيئًا
عن الدولة وشئونها أحاط نفسه بطائفة على شاكلته لا تحسن
غير النهب والسرقة ولم يكن يحركهم إلا شىء واحد هو الانتقام
من العامريين، وإهانة البربر، عقابًا لهم على تأييدهم بنى عامر.
стр. 3143
* حمود (بنو)
كان تمزق الأندلس فرصة يقتنصها من يريد، ولهذا كتب «على بن
حمود» صاحب سبتة إلى «خيران» يزعم أنه تلقى رسالة من
«هشام المؤيد» يوليه فيها عهده، ويطلب منه إنقاذه من البربر
ومن سليمان المستعين والتف حول «ابن حمود» بعض الأعوان،
وعبر بهم إلى الجزيرة الخضراء بناء على طلب خيران، واستوليا
معًا على بعض البلاد، وقرَّرا الزحف على قرطبة يعاونهما بربر
غرناطة، واستعد سليمان لقتالهم، ونشبت بينهما معركة فى
مكان قريب من قرطبة وانتهى الأمر بهزيمة سليمان ووقوعه فى
الأسر. بعد ذلك دخل على بن حمود قرطبة وبويع بالخلافة فى
(محرم ٤٠٧هـ= أول يوليو ١٠١٦م)، وأعلن وفاة هشام المؤيد،
وقتل سليمان وأباه وأخاه، وتلقب بالناصر لدين الله، وبموت
سليمان انتهت الخلافة الأموية بالأندلس بعد حكم دام (٢٦٨) سنة
منذ وصل إليها عبدالرحمن الداخل، وبدأت خلافة الحموديين
الأدارسة. قبض على بن حمود على الحكم واشتد فى معاملة
البربر وواجه أية محاولة للثورة بمنتهى الشدة سواء قام بها
العرب أو البربر، وفى الوقت نفسه أحسن معاملة القرطبيين،
يعاونه فى ذلك مجموعة من أعوان الخلافة السابقة من أمثال
أبى الحزم بن جهور وابن برد. لكن الأمور ما لبثت أن اتخذت خطا
جديدًا، ذلك أن خيران العامرى دخل قرطبة فلم يجد هشاماً
المؤيد حيا، وخشى سطوة على بن حمود فغادر قرطبة، وأعلن
العصيان واتجه ناحية شرق الأندلس، حيث يجتمع الزعماء
العامريون، وأعاد دعوة بنى أمية فى شخص رجل منهم اسمه
عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله من أحفاد عبدالرحمن الناصر،
وبايعه خيران بالخلافة ولقب بالمرتضى، وانضمت إليه ولايات
سرقسطة والثغر الأعلى وشاطبة وبلنسية وطرطوشة وغيرها،
وسارت قوات هؤلاء نحو غرناطة لمواجهة قوات صنهاجة، وجرت
معركة انتهت بهزيمة الأندلسيين ومقتل المرتضى، وكان «على
بن حمود» قد غيَّر سلوكه، مع أهل قرطبة بسبب علمه بميلهم
стр. 3144
إلى المرتضى فنزع سلاحهم وصادر أموالهم واعتقل زعماءهم
وعلى رأسهم «أبو الحزم بن جهور»، ثم تربص جماعة من
الصقالبة بعلى هذا، وقتلوه فى الحمام فى (الثانى من ذى
القعدة سنة ٤٠٨هـ = ٢٣من مارس ١٠١٨م) بعد خلافة دامت عامًا
وتسعة أشهر. بعث زعماء زناتة بخبر مقتل «على» لأخيه القاسم
الذى كان واليًا على إشبيلية، فخف مسرعًا، وبويع بالخلافة
فى الثامن من الشهر نفسه وتلقب بالمأمون، وقد مال فى
سياسته إلى اللين والإحسان إلى الناس وحاول التقرب إلى
الفتيان العامريين، فولَّى زهير العامرى على جيان وقلعة رباح
لكنه لم يستطع التخلص من سيطرة البربر عليه، فتآمر عليه أبناء
أخيه، وزحف يحيى بن على بن حمود على قرطبة، وبويع
بالخلافة فى جمادى الأولى سنة (٤١٢هـ = ١٠٢١م) وتلقب
بالمعتلى بالله، أما القاسم فقد استقر به المقام فى إشبيلية
وتلقب بالخلافة أيضًا. والعجيب أن كلا الرجلين اعترف لصاحبه
بالخلافة، ولم يسمع قبل ذلك بخليفتين تصالحا واعترف كل
منهما بصاحبه من قبل. ثم لم يلبث أن دعا البربر القاسم إلى
قرطبة، وولوه الخلافة فى (١٨ من ذى القعدة من العام نفسهـ)،
ولقب بأمير المؤمنين، ولكن الرجل لم يكن موفقًا فى سياسته،
فقد أعان البربر على أهل قرطبة فعاملوهم معاملة قاسية
وطاردوهم وأهانوهم، وجرت معارك متفرقة بين الطائفتين، ثم
جرت موقعة كبيرة فاصلة انتهت بانتصار القرطبيين وتمزيق
البرابرة، واضطر القاسم إلى الرجوع إلى إشبيلية، وجرت
تطورات عاد البربر بعدها وبايعوا يحيى بن على بن حمود
ولقبوه بالمعتلى بالله، أما القاسم فقد سجن وبقى فى محبسه
حتى قتل خنقًا بعد ذلك بفترة سنة (٤٣١هـ = ١٠٤٠م). كان أهل
قرطبة قد سئموا سلوك البربر وقتالهم، وقرروا رد الأمر لبنى
أمية، وعقدت جلسة لهذا الغرض فى المسجد الجامع تمت فيها
مبايعة عبدالرحمن بن هشام فى (١٦ من رمضان سنة ٤١٤هـ=
ديسمبر سنة ١٠٢٣م)، ولقب بالمستظهر بالله، وتولى وزارته
стр. 3145
بعض القدامى من وزراء بنى أمية، بيد أن الخليفة الجديد استفتح
عهده بإلقاء القبض على عدد من الزعماء والأكابر، واستقبل
فرسان البربر وأحسن وفادتهم، فهاجت العامة وامتلئوا غيظًا،
وهجموا على القصر وقتلوا كل من صادفهم، أما عبدالرحمن فقد
اختفى وظهر ابن عمه «محمد بن عبدالرحمن بن عبيدالله بن
الناصر» وبويع بالخلافة وتلقب بالمستكفى بالله، وأتى
بعبدالرحمن المستظهر وقتله فى (٣من ذى القعدة سنة ٤١٤هـ =
١٧ من يناير سنة ١٠٢٤م). كان المستكفى سيئ التدبير ميالا إلى
البطالة والمجون، وفى عهده تهدمت القصور الناصرية، وأتى
على مدينة الزاهرة من أساسها، واضطهد معظم البارزين من
الساسة والمفكرين، فنادى جميعهم بخلعه واضطر إلى مغادرة
قرطبة فى زى امرأة، وتمكن بعض مرافقيه من قتله فى ضاحية
قرطبية. وجدير بالذكر أن محمد المستكفى هذا هو والد «ولادة»
الشاعرة المعروفة. رجعت الفوضى التى لا ضابط لها إلى قرطبة
وجاء إليها «يحيى ابن على ابن حمود»، و «خيران» و «زهير»
العامريان، وتم الاتفاق بين الجميع يقودهم أبو الحزم بن جهور
على تولية أموى، ووقع اختيارهم على «هشام بن محمد» الذى
بويع ولقب بالمعتد بالله، بيد أنه ألقى بمقاليد الأمور كلها إلى
رجل من المستبدين تولى وزارته اسمه «سعيد القزاز» بالغ فى
اضطهاد زعماء البيوت وإهانتهم وشغل الخليفة نفسه عن أمور
الحكم بشرابه ومجونه، وضاعت هيبة الخلافة تمامًا. ثم اضطر
القرطبيون الناقمون إلى الفتك بالوزير «سعيد» فى (ذى القعدة
٤٢٢هـ = نوفمبر ١٠٣١م)، ثم ساروا إلى القصر يتزعمهم «أمية
بن عبدالرحمن العراقى» من أحفاد «الناصر» ونهبوا أجنحة
القصر. وانتهى الأمر باتفاق رأى الناس جميعًا بزعامة أبى الحزم
بن جهور على التخلص من بنى أمية، وإبطال رسوم الخلافة
كلها، وإجلاء كل الأمويين عن مدينة قرطبة، فليس هناك من
يستحق الخلافة، وينبغى أن يتحول الحكم إلى شورى بأيدى
стр. 3146
الوزراء وصفوة الزعماء أو من اسماهم «ابن حزم» «الجماعة».
تولى ابن جهور تنفيذ الأمر بمنتهى الحزم حتى أجلى الأمويين
عن المدينة ومحا رسومهم تمامًا، وبهذا انتهت معالم الخلافة
الأموية، وانقطع ذكرها فى كل من الأندلس والمغرب.
стр. 3147
* الفاطمية (دولة)
أصل الشيعة الفاطمية: قامت الدولة الفاطمية على المذهب
الإسماعيلى الشيعى القائل بالنص والتعيين، ويقصرون خلافة
الرسول ﷺ الروحية والزمنية على ذرية الإمام
«على» - رضى الله عنه - مستندين فى ذلك إلى حديث
«غديرخم» الشهير، وقد لجأت الإسماعيلية بعد وفاة إمامهم
«إسماعيل بن جعفر» إلى الاختفاء والعمل السرى، فقد افترق
أشياع «جعفر الصادق» بعد وفاته إلى فرقتين، ولت الأولى ابنه
«موسى الكاظم» إمامًا، وولت الثانية ابنه «إسماعيل» إمامًا،
فعُرِفَت الفرقة الأولى بالإمامية أو الاثنا عشرية؛ لأنها سلسلت
الإمامة حتى الإمام الثانى عشر «محمد» المُلقب بالمهدى المنتظر
ابن الحسن العسكرى ابن على الهادى ابن محمد الجواد بن على
الرضا بن موسى الكاظم، وعُرفت الفرقة الثانية بالإمامية
الإسماعيلية؛ لأنهم أبقوا الإمامة فى ذرية «إسماعيل بن جعفر»،
ثم من بعده ابنه «محمد»، فابنه «جعفر الصادق»، فابنه «محمد
الحبيب»، فابنه «عبيدالله المهدى» مؤسس الدولة الفاطمية. قامت
«الدولة الفاطمية» ببلاد «المغرب» - وفق خطة مرسومة من قِبل
دعاة الشيعة - على أكتاف قبيلة «كتامة»، التى تنتمى إلى
بربر «البرانس»، وتميزت عن غيرها من القبائل بكثرة عددها،
ومنعة منطقة سكناها بجبال «الأوراس» بين مدينتى «بجاية»
و «قسطنطينة»، فضلا عن عدم خضوعها لسلطة الولاة اعتزازًا
بمنعتها وقوة بأسها. وقد وقف زعماء الشيعة على ما اتصفت
به هذه القبيلة، واختار «ابن حوشب» رئيس مركز الدعوة الشيعية
باليمن «أبا عبدالله الحسين بن أحمد الشيعى» للاتصال بوفد
«كتامة» بموسم الحج، لنشر الدعوة الشيعية بالمغرب، وإقامة
الدولة المرتقبة هناك. وقد تم لقاء «أبى عبدالله» بوفد «كتامة»
بمكة، وجعله هذا الشيعى يبدو كأنه جاء مصادفة، وبدأ يتعرَّف
أحوالهم وميولهم المذهبية، ولم يفصح عما أضمره وما جاء من
أجله، ونجح فى استمالتهم والسيطرة على قلوبهم بمكره
стр. 3148
ودهائه وعلمه وجدله، ثم تظاهر بعد انقضاء موسم الحج برغبته
فى السفر معهم إلى «مصر»، للتدريس لأبنائها، فاصطحبوه
معهم، فلما وصلوها، ألحوا عليه بمصاحبتهم إلى بلادهم،
فوافقهم، وذهب معهم إلى المغرب فى سنة (٢٨٩هـ= ٩٠٢م)،
واتخذ من «إيكجان» مستقرا له، لأنها نقطة التقاء حجاج
«الأندلس» و «المغرب الأقصى»، والمتوجهين لأداء فريضة الحج.
وبدأ «أبو عبدالله» فى تنفيذ خطته، وتظاهر بتعليم الصبية،
وإلقاء دروسه عليهم، فزاده ذلك مكانة ومنزلة بين أبناء
«كتامة»، وذاع صيته بين القبائل، وقصده البربر من أماكن
متفرقة، لينهلوا من علمه، ويستفيدوا من نصائحه، ثم عمد «أبو
عبدالله» إلى مصارحة بعضهم - بعد أن اطمأن إليهم- بحقيقة
أمره، ورغبته فى إقامة دولة لآل البيت تقوم على أكتاف قبيلة
«كتامة»، لأن الروايات - كما ادَّعى لهم - جاءت بذلك، وأخبرت
عما ينتظرهم من عز الدنيا وثواب الآخرة. وأخذ «أبو عبدالله»
على عاتقه تنظيم صفوف أبناء «كتامة» وبعض أبناء القبائل
الأخرى، وقسَّمهم إلى سبعة أقسام، وجعل على رأس كل قسم
منها داعية يطمئن إليه، فاستطاع بهذا الأسلوب العملى إقامة
مجتمع يدين بفكرة واحدة؛ هى إقامة الدولة المثالية التى
يحكمها إمام من آل البيت. وقد اتخذ «أبو عبدالله الشيعى» من
أبناء «كتامة» جندًا يدافعون عن الدعوة، ويهاجمون القوى
السياسية الموجودة بالمنطقة، وهى: «الأغالبة» بالمغرب
الأدنى، و «الرستميون» بالمغرب الأوسط، و «بنو مدرار»
بسجلماسة بجنوب «المغرب الأقصى» وبقايا «الأدارسة» بمدن
«المغرب الأقصى»، وترتَّب على ذلك دخول «أبى عبدالله
الشيعى» فى عدة معارك مع هذه القوى، كانت أشهرها معركة
«كنيونة»، التى انتصر فيها على «الأغالبة» فى سنة (٢٩٣هـ=
٩٠٦م)، ثم توالت انتصاراته بعد ذلك، ودخل مدينة «رقادة»
وقضى على نفوذ «الأغالبة»، ثم دعا «المهدى الفاطمى» إلى
«المغرب» لتسلم مقاليد الأمور؛ فلبى الدعوة، وتخفَّى فى زى
стр. 3149
التجار حتى لا يقع فى قبضة العباسيين، ودخل مدينة «رقادة»
فى سنة (٢٩٧هـ= ٩٠٩م)، ثم بويع بالإمامة. الخلفاء الفاطميون
بالمغرب: حكم أربعة خلفاء فاطميين بلاد «المغرب» فى الفترة
من سنة (٢٩٧هـ=٩٠٩م) إلى سنة (٣٦٥هـ= ٩٧٥م)، وكان «المعز
لدين الله الفاطمى» هو آخر هؤلاء الخلفاء، حيث انتقل بالخلافة
إلى «القاهرة» التى اتخذها عاصمة جديدة للفاطميين، بعد أن تم
له فتح «مصر» على يد قائده «جوهر الصقلى» فى سنة (٣٥٨هـ=
٩٦٩م)، والخلفاء الأربعة هم: ١ - المهدى: عبيد الله أبو محمد
[٢٩٧ - ٣٢٢هـ= ٩٠٩ - ٩٣٤م]. ٢ - القائم: محمد أبو القاسم [٣٢٢ -
٣٣٤ هـ = ٩٣٤ - ٩٤٥م]. ٣ - المنصور: إسماعيل أبو طاهر [٣٣٤ -
٣٤١هـ= ٩٤٥ - ٩٥٢م]. ٤ - المعز: معدّ أبو تميم [٣٤١ - ٣٦٥ هـ =
٩٥٢ - ٩٧٥م]. دخول الفاطميين مصر: جانب التوفيق الحملات
الثلاث التى أُرسلت من قبل الفاطميين لفتح «مصر» فى عهد
أسلاف «المعز»، ولكن الوضع العام فى المشرق كان ينبئ
بنجاح الحملة الرابعة، للضعف الذى حلّ بدار الخلافة فى
«بغداد»، وكذلك ما وصلت إليه حال «مصر» من ضعف وبؤس
وشقاء فى أواخر عهد «كافور»، كما كان لانخفاض النيل الذى
استمر تسع سنوات أثر كبير فى انتشار الوباء والقحط فيها،
فلم تستطع «مصر» مواجهة الغزاة، كما عجزت -بعد «كافور» -
عن صد هجوم ملك «النوبة» من الجنوب، وثار الجند لعدم دفع
رواتبهم، ونشط جواسيس «المعز»، وتوغلوا فى البلاد لنشر
المذهب الشيعى، فمال الكثيرون إلى مذهبهم، وبعث «المعز»
رسله إلى «كافور» مُرهِّبة مرة ومُرغِّبة أخرى للتأثير عليه،
وكان استقرار بلاد المغرب ورسوخ أقدام الفاطميين فيه،
وتنظيمهم الدقيق للأمن والإدارة، وحسن إعدادهم للجيوش
والقادة سبب نجاح حملتهم الرابعة على «مصر». سار «جوهر
الصقلِّى» قائد جيوش «المعز» إلى «مصر» فى ربيع الأول سنة
(٣٥٨هـ)، بعد أن خرج «المعز» لوداعه، وأمر أهله بالترجل أمام
стр. 3150
قائده وهو راكب، كما أمر واليه على «طرابلس» أن يسير فى
ركاب «جوهر» ويقبِّل يده، فكبر ذلك على والى «طرابلس»،
وأراد أن يعفى نفسه من ذلك مقابل مائة ألف دينار ذهبًا يعطيها
لجوهر، ولكن «جوهر» رفض هذه الأموال ومضى بجيشه الذى
كان يضم مائة ألف جندى حاملا معه أموالا طائلة قيل إنها بلغت
ألفًا ومائتى صندوق حملها على ظهور الجمال، وحين خرج
«المعز» لوداع «جوهر» والجيش بمنطقة «رقادة» قال لمن كانوا
معه: «والله لو خرج جوهر وحده لفتح مصر». فكان لهذه العبارة
أثرها الكبير فى نفس «جوهر»، وكانت له حافزًا على تحقيق ما
خرج من أجله. وصل «جوهر» إلى «مصر»، وحط رحاله
بالإسكندرية التى فتحت أبوابها من غير مقاومة، فعامل
«جوهر» أهلها بالحسنى ووسَّع لهم فى أرزاقهم، فكان لذلك
أثره الطيب فى نفوس الأهالى، كما كان للنظام الذى ظهر به
الجيش، وطاعته لقائده أثره الكبير فى نفوسهم، فرحبوا بالقائد
الجديد. سياسة جوهر فى مصر: عمل «جوهر» على نشر العدل
بين أهل «مصر»، وأمَّنهم على ممتلكاتهم، وجلس للبت فى
المظالم بنفسه رغم شواغله، فرد الحقوق إلى أصحابها، وضرب
بيد من حديد على أيدى العابثين بالنظام حتى إذا كانوا من
خاصته؛ لدرجة أنه عاقب بعض المغاربة بالقتل على إثم كبير
اقترفوه، كما برهن «جوهر» على حسن سياسته حين لجأ إلى
الوسائل السلمية لنشر المذهب الفاطمى، ولم يفرضه كرهًا،
واتخذ من المساجد مدارس يتلقى فيها الناس أصول مذهبه
الشيعى، وذكر اسم الخليفة الفاطمى فى خطبة الجمعة وأسقط
اسم الخليفة العباسى، فكان ذلك إيذانًا بزوال النفوذ العباسى،
وزوال ملك الإخشيديين. حكم «جوهر» «مصر» أربع سنوات هى
من أصعب الفترات وأخطرها، حيث تم فيها إقامة معالم دولة
وتشييدها على أنقاض دولة أخرى؛ فإلى «جوهر» يرجع الفضل
فى تأسيس وبناء «القاهرة» المعزِّية، التى جعل لها أربعة
أبواب منها: «باب النصر»، و «باب الفتوح»، و «بابا زويلة»، كما
стр. 3151
بنى بها «الجامع الأزهر» لينشر من داخله المذهب الشيعى.
و «الأزهر» هو أول مسجد شُيِّدَ فى «القاهرة» المعزية، وأقيمت
فيه الصلاة لأول مرة فى (١٧ من رمضان سنة ٣٦٠هـ)، وقد
اختلف المؤرخون فى سبب تسميته بالأزهر، فقال فريق سُمِّى
بهذا الاسم نسبة وتكريمًا للسيدة فاطمة الزهراء. وقال فريق
آخر: تفاؤلا بما سيكون عليه أمر هذا المسجد من شأن عظيم.
وقال فريق ثالث: سُمى بذلك لأنه كان محاطًا بالقصور الزاهرة
التى بنيت عند إنشاء «القاهرة». وأيا كانت نسبة هذه التسمية
إلى الجامع الأزهر؛ فهو يُعد -الآن- أعظم جامعة إسلامية تُدَّرَسُ
فيها العلوم الدينية والعلوم العقلية، ويقصده آلاف الطلاب من
مختلف أرجاء العالم الإسلامى، وقد أدى خدمات عظيمة للعلم
فى مختلف العصور، ونشره فى شتى بقاع العالم. إبراز
المظاهر الشيعية فى مصر: لما رأى «جوهر» أن دعائم ملك
الفاطميين قد توطدت فى «مصر»، عمل على تحقيق ما جاء من
أجله، فزاد فى الأذان عبارة: «حى على خير العمل»، وجهر
بالبسملة فى قراءة القرآن فى الصلاة، وزاد فى خطبة الجمعة
ما يلى: «اللهم صلِّ على محمد المصطفى، وعلى علىّ المرتضَى،
وفاطمةَ البتول، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول؛ الذين
أذهبت عنهم الرجس، وطهرتهم تطهيرًا. الله صلِّ على الأئمة
الراشدين آباء أمير المؤمنين الهادين المهتدين»، ونقش على
جدران «مسجد الفسطاط» شعار العلويين باللون الأخضر، كما
أضاف فى أول خطبة بالجامع الأزهر عبارة: «السلام على الأئمة
آباء أمير المؤمنين المعز لدين الله»، وضرب العملة باسم الخليفة
«المعز»، وألغى السواد شعار العباسيين، وعمم الملابس
الخضراء شعار العلويين، ثم أرسل إلى «المعز» يستدعيه إلى
«مصر»، فوافقه «المعز»، وخرج من «المنصورية» بالمغرب فى
شوَّال سنة (٣٦١هـ)، ووصل إلى «القاهرة» فى رمضان سنة
(٣٦٢هـ)، واستقبله أهل «مصر» بالفوانيس، فأصبحت عادة فى
стр. 3152
استقبال شهر رمضان حتى الآن، وأعلن «المعز» «القاهرة»
عاصمة للخلافة الفاطمية، فأصبحت «مصر» دار خلافة بعد أن
كانت دار إمارة. النفوذ الفاطمى يمتد إلى بلاد الشام: حينما
استقرت الأمور لجوهر الصقلى فى «مصر»، اتجه ببصره تجاه
بلاد الشام، وبذل جهودًا مضنية من أجل مد نفوذ سيده إلى هذه
البلاد، وجهز حملة كبيرة جعل قيادتها للقائد الكبير «جعفر ابن
فلاح»، الذى عُرِف بعقليته العسكرية الفريدة، فخرجت الحملة
قاصدة «دمشق»، واستولت فى طريقها على «الرملة»
و «طبرية»، فلما علم أهل «دمشق» بذلك خرجوا عن بكرة أبيهم
حاملين السلاح مشاة وفرسانًا لمواجهة هذه الحملة، والتقى
الطرفان، وبذل أهالى «دمشق» كل ما فى وسعهم، إلا أنهم
هُزِموا فى النهاية، ودخل «جعفر» وجنوده المدينة، فاعتبرها
الجنود غنيمة ونهبوها، ولم يكبح «جعفر» - بطبيعته الحربية -
جماحهم، فقامت الثورة فى «دمشق»، وتمكن «جعفر» من
السيطرة عليها، وقبض على زعمائها، فهدأت الأحوال، وأُقيمت
الخطبة للمعز الفاطمى فى المحرم سنة (٣٥٩هـ)، وزال سلطان
العباسيين فى الشام. وقد توالى على حكم الدولة الفاطمية عدد
من الخلفاء هم: ١ - عبيد الله المهدى. ٢ - القائم. ٣ - المنصور. ٤ -
المعز. ٥ - العزيز. ٦ - الحاكم. ٧ - الظاهر. ٨ - المستنصر. ٩ -
المستعلى. ١٠ - الآمر. ١١ - الحافظ. ١٢ - الظافر. ١٣ - الفائز. ١٤ -
العاضد. انهيار الدولة الفاطمية: حين علا «صلاح الدين الأيوبى»
كرسى الوزارة فى الدولة الفاطمية، حدث الصدام المتوقع بين
المذهبين الشيعى والسنى، فسلب الوزير السنى من الخليفة
«العاضد» الشيعى كل سلطانه، وبات الخليفة كالمحجور عليه،
وصار حبيس قصره، فاستاء أتباع الخليفة وجنوده من هذا
الوضع وقاموا بثورة عارمة، نجح الوزير «صلاح الدين» فى
تشتيتها، فاضطر مشعلوها إلى الهرب نحو صعيد «مصر»، فعمل
«صلاح الدين» على تثبيت قدميه، وتوطيد علاقته بالناس،
стр. 3153
وحارب الصليبيين، وحقق انتصارات عظيمة عليهم، وعزل القضاة
الشيعة، وجعل السنيين بدلا منهم، ثم أرسل إلى «نور الدين»
يطلب منه أن يُلحق به أسرته فوافق، وألحقهم به، فقويت
شوكته، وأحبه الناس لسلوكه وسيرته بينهم، فلما اطمأن «نور
الدين» إلى استقرار الأوضاع أرسل إلى «صلاح الدين» يطلب منه
إزالة الخلافة الفاطمية، والدعاء للخليفة العباسى، فرفض «صلاح
الدين» أول الأمر خوفًا من عواقب هذا الصنيع، ثم عمد إلى
التجربة -بعد أن شاور خلصاءه- فقرر أن يصعد واحد من الناس
المنبر قبل الخطيب، ويدعو للخليفة العباسى «المستضىء» ليرى
ماذا سيفعل الناس، فلما تم له ما أراد، ولم يثر أحد أسقط الدعاء
للعاضد وجعله للمستضىء، فكانت نهاية الدولة الفاطمية التى
حكم ملوكها الأوائل رقعة شاسعة من العالم امتدت من «المحيط
الأطلسى» غربًا إلى «الخليج العربى» شرقًا، ودُعى لأحد
خلفائها على منابر «بغداد» -عاصمة الخلافة العباسية - عامًا
بأكمله. وكان «العاضد» مريضًا حين سقطت دولته فآثر أهله عدم
إخباره حتى لا يفجع ويزداد مرضه، ولكنه لم يلبث طويلا وتُوفِّى
سنة (٥٦٧هـ). الحضارة والنظم فى العصر الفاطمى نظام الحكم:
قام نظام الحكم على نظرية الإمامة التى اعتبرها الشيعة حقا
لهم. إرثًا عن النبى ﷺ ويختلفون فى ذلك عن
أهل السنة القائلين بحق الأمة فى اختيار إمامها، كما يختلفون
مع الإمامية الإثنا عشرية الذين ساقوا الإمامة فى اثنى عشر
رجلا من آل البيت، كان آخرهم «محمد بن الحسن العسكرى»،
بينما وقف بها الإسماعيلية بعد «جعفر الصادق» عند ابنه
«إسماعيل» الذى نُسِبَت الدولة إليه، وركزت كلتا الطائفتين على
حق آل البيت فى الإمامة، وأن مهمة الإمامة هى الحفاظ على
تراث النبوة. الوزارة: هى أرفع المناصب بعد الخلافة، وكانت
تنقسم إلى: ١ - وزارة قلم. ٢ - وزارة سيف. وكان يُطلَق عليها
رتبة الوساطة أو السفارة فى أول عهد الدولة، ولم تظهر كلمة
стр. 3154
وزير إلا فى عهد «العزيز» ثانى الخلفاء الفاطمىىن فى
«مصر»، وكان يتم اختيار الوزير -غالبًا - من بين أرباب الأقلام،
وتحول هذا المنصب إلى سلطة استبدادية أثناء الشدة
المستنصرية؛ فكان «بدر الجمالى» وزير سيف، وبه بدأ عهد
استبداد الوزراء، وتحولت الوزارة إلى وزارة تفويض، وأصبح
الوزير متحكمًا فى جميع أمور الدولة؛ بل أصبح الوزراء يتدخلون
فى تولية الإمام وولى عهده، فعظم أمرهم وقويت شوكتهم.
كان وزير التنفيذ يُلقَّب بالأجَلِّ، أما وزراء التفويض فكانت
ألقابهم تدل على السلطة الواسعة التى تمتعوا بها، مثل: أمير
الجيوش، وكافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين، وتلقَّب
الوزير «طلائع بن رزيك» بالملك المنصور، وتلقَّب ابنه «رزيك بن
طلائع» بالملك العادل، وكذلك تلقب «صلاح الدين الأيوبى» آخر
وزراء الفاطميين وأول سلاطين الدولة الأيوبية بالملك الناصر،
كما وُصِف بعض هؤلاء الوزراء بالسلطان. كانت للوزير فى العصر
الفاطمى علامات تميزه عن غيره من موظفى الدولة، وانفرد بلبس
زى خاص، وبلغ راتبه خمسة آلاف دينار شهريا، وكان له حق
الجلوس بجوار الخليفة، وكان مجلسه بدار الوزارة الكبرى - التى
بُنى لها قصر كبير بجوار باب النصر - لا يقل فى الأبهة والعظمة
عن مجلس الخليفة نفسه. واشتُرط فيمن يتولى منصب الوزارة أن
يكون مخلصًا لعقيدة الدولة، وأن تكون لديه المهارة فى تدبير
الأموال، ولذلك تولى وزارات التنفيذ وزراء من أهل الذمة ظلوا
على عقيدتهم. نظام الإدارة: ورث الفاطميون نظام العباسيين
فى الإدارة، فعملوا على تركيز السلطة فى أيديهم، وأصبح
نظامهم الإدارى شديد المركزية تُدار شئونه من داخل القصر،
باستثناء بعض الظروف النادرة التى نُقل فيها ديوان الوزارة إلى
دور الوزراء، وسرعان ما يعود إلى القصر ثانية. انقسمت الشئون
الإدارية فى عهد الفاطميين إلى: ١ - ديوان الإنشاء الذى يقوم
стр. 3155
بتنفيذ أوامر السلطة العليا. ٢ - ديوان المالية، ويقوم بجباية
الأموال وإنفاقها. ٣ - ديوان الإدارة المحلية التى تحكم الولايات.
وتفرع عن كل ديوان من هذه الدواوين أقسام عديدة، كان لكل
منها عمل معين، وعلى الرغم من محاولة «جوهر الصقلى» إحلال
المغاربة محل المصريين فى الوظائف الإدارية، فإنه فشل فى
ذلك، لجهل البربر بدقائق الإدارة، فبقى المصريون من المسلمين
وأهل الذمة فى مناصبهم الإدارية، وتشير المصادر التاريخية إلى
استخدام القبط واليهود - بكثرة - فى مختلف دواوين الدولة.
النظام الدينى: أطلِق لقب: «أصحاب الوظائف الدينية» على علماء
الدين فى العصر الفاطمى، وكانت هذه الوظائف تضم: ١ -
القضاء: ويعتمد على التشريع الإسماعيلى. ٢ - الدعوة: وتعتمد
على العقيدة الشيعية للدولة. ويتفق التشريع الشيعى مع
التشريع السنى فى أن كلا منهما يعتمد على القرآن الكريم
والسنة النبوية كأساس للتشريع، مع اختلاف جوهرى هو أن
الفاطميين وضعوا تأويلا باطنيا لنصوص القرآن والسنة؛ فالصلاة
- مثلا - هى الفرائض الخمس المعروفة، ولكن معناها الباطنى هو
الإخلاص للإمام الباطنى، ولذلك لا يقبلون من الأحاديث إلا ما رواه
آل البيت ونُقل عنهم، حتى وإن كانت هناك أحاديث مشتركة بين
الطرفين اختلف رواتها. لم يمنع المذهب الشيعى الاجتهاد، ولكنه
اشترط أن يكون هذا الاجتهاد قائمًا على الأصول التى وضعها
الفاطميون، ولذا أصبح اجتهاد الشيعة مقيدًا. تولى أصحاب
الوظائف الدينية الإشراف على القضاء فى أرجاء الخلافة، فكان
منهم: قاضى القضاة، وصاحب المظالم، والمحتسب، وصاحب
الشرطة. وقامت الدعوة على أسس العقيدة الشيعية؛ لأن الدولة
الفاطمية دولة قامت على أسس مذهبية، وكانت دعوتها تُسمَّى
رسميا: الدعوة الهادية، أو الدعوة العلوية، وكان الهدف من
هذه الدعوة تأييد حكم الفاطميين ليترسخ فى النفوس حق
الفاطميين فى حكم العالم الإسلامى، فأيدت حق الإمام المطلق
следующие страницы →