Полный текст (3 483 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
بكر»، بإذن من الخليفة «الراضى»، حتى أقعدته الشيخوخة،
فخلفه على الحكم ابنه «فضل الله أبو تغلب الغضنفر» سنة
(٣٥٣هـ= ٩٦٤م) .. وقد دخل «ناصر الدولة» وابنه «أبو تغلب
الغضنفر» فى صراع طويل مع البويهيين، أصحاب السلطة فى
«العراق» منذ سنة (٣٣٤هـ = ٩٤٥م)، وانتهى هذا الصراع بهزيمة
«أبى تغلب الغضنفر» أمام «عضد الدولة البويهى» سنة (٣٦٨هـ=
٩٧٩م)، وانتهت بذلك مملكة الحمدانيين فى «الموصل»
و «الجزيرة». أما «الدولة الحمدانية» فى «حلب»، فقد أسسها
«على بن أبى الهيجاء عبدالله بن حمدان»، الملقب بسيف الدولة؛
حيث استطاع بمعاونة أخيه الأكبر «ناصر الدولة» انتزاع «حلب»
من الإخشيديين سنة (٣٣٣هـ= ٩٤٤م)، ثم استطاع بعد ذلك أن
يبسط سلطانه على «حمص» و «قنسرين» و «العواصم» وبعض
بلاد «الجزيرة» سنة (٣٣٦هـ= ٩٤٧م) .. وقد قام «سيف الدولة
الحمدانى» بمهمة جليلة أثناء حكمه الذى استمر حتى سنة
(٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، وهى حماية حدود دولة الخلافة من غارات الروم
(البيزنطيين) المتواصلة، بعد أن ضعفت الخلافة المركزية عن
القيام بهذه المهمة المقدسة. وكان «سيف الدولة الحمدانى» أديبًا
شاعرًا، فجمع حوله العلماء والأدباء، مثل «أبى نصر الفارابى»،
و «ابن خالويه»، و «أبى الطيب المتنبى»، و «أبى فراس
الحمدانى» و «ابن نباتة» و «السَّرىّ الرَّفَّاء»، وغيرهم. وتُوفِّى
«سيف الدولة» سنة (٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، وخلفه فى الحكم ابنه «أبو
المعالى شريف» المعروف بسعد الدولة، وضعفت فى عهده
سلطة الحمدانيين فى «الشام»؛ لكثرة الضغوط التى تعرض لها
من البيزنطيين والبويهيين فى «العراق»، والفاطميين فى
«مصر» بغرض الاستيلاء على «الشام». وتُوفِّى «سعد الدولة»
سنة (٣٨١هـ= ٩٩١م)، وتولَّى بعده ابنه «أبو الفضائل سعيد
الدولة»، الذى تعرض لضغوط الفاطميين المتزايدة لضم «الشام»
إلى «مصر»، فتحالف مع البيزنطيين لصد هجمات الفاطميين
عليه، ثم انتهت إمارته بمقتله سنة (٣٩٢هـ= ١٠٠٢م) على يد وزيره
стр. 3082
«لؤلؤ الحاجب»، وانتهت بذلك «الدولة الحمدانية» فى «الشام»
الذى أصبح خاضعًا لسلطان الفاطميين. وقد كان الحمدانيون
يميلون إلى التشيع، وكانت علاقتهم بالخلافة العباسية تتأرجح
بين الرضا، والسخط، والتوجس.
стр. 3083
* السلاجقة (دولة)
السلاجقة أسرة تركية كبيرة، كانت تقيم فى بلاد «ما وراء
النهر»، وتنسب إلى زعيمها «سلجوق بن تُقاق»، الذى اشتهر
بكفاءته الحربية، وكثرة أتباعه. وقد أسلم «سلجوق» وأتباعه،
وخلَّف من الأولاد «أرسلان» و «ميكائيل» و «موسى»، وكان
أبرزهم «ميكائيل»، الذى أنجب «طغرل بك» (محمد) و «جغرى
بك» (داود)، اللذين قام عليهما مجد «السلاجقة». هاجر السلاجقة
بزعامة «طغرل بك» وأخيه «جغرى» فى الربع الأول من القرن
الخامس الهجرى إلى «خراسان» الخاضعة لنفوذ الغزنويين، وبعد
سلسلة من الصراع بين الغزنويين و «السلاجقة»، استطاع
«السلاجقة» السيطرة على «خراسان» بعد هزيمة الغزنويين
بقيادة السلطان «مسعود بن محمود بن سبكتكين» سنة (٤٣١هـ
= ١٠٤٠م) أمام «طغرل بك» وأخيه «جغرى». وقد ساعد
«السلاجقة» على توطيد سلطانهم انتماؤهم إلى المذهب السنى،
وإعلانهم الولاء والتبعية للخليفة العباسى «القائم بأمر الله»،
الذى عين «طغرل بك» نائبًا عنه فى «خراسان» وبلاد «ما وراء
النهر» وفى كل ما يتم فتحه من البلاد. وقد استطاع «السلاجقة»
توسيع حدود مملكتهم بسرعة هائلة، فاستولى زعيمهم «طغرل
بك» على «جرجان» و «طبرستان» سنة (٤٣٣هـ)، وعلى
«خوارزم» و «الرى» و «همدان» سنة (٤٣٤هـ = ١٠٤٣م) وعلى
«أصبهان» سنة (٤٤٣هـ = ١٠٥١م)، وعلى أذربيجان» سنة
(٤٤٦هـ = ١٠٥٤م)، وبدأ يتطلع للسيطرة على «بغداد»، وقد
هيأت له الأوضاع السائدة فى «العراق» تحقيق هذا الهدف. وقد
أصبح «طغرل بك» (ركن الدين أبو طالب محمد بن ميكائيل بن
سلجوق» أولَ سلاطين «السلاجقة» فى «بغداد»، ابتداءً من
(رمضان ٤٤٧هـ = نوفمبر ١٠٥٥م)، وقد استقبله الخليفة «القائم
بأمر الله» بكل مظاهر الحفاوة والترحاب، ولقبه «ملك المشرق
والمغرب». كان «طغرل بك» حريصًا على إبداء كل مظاهر
الإجلال والتوقير للخليفة، وقد اقتدى به خلفاؤه؛ فعاملوا
الخلفاء العباسيين بكل ما يليق بمكانتهم من احترام وتعظيم. وقد
стр. 3084
أوصى «طغرل بك» بأن يخلفه بعد موته ابن أخيه «سليمان بن
داود جغرى»؛ حيث إنه لم يخلف ولدًا، وفى (٨ من رمضان سنة
٤٥٥هـ = سبتمبر سنة ١٠٦٣م) توفى «طغرل بك» بمدينة «الرى»
ببلاد «الجبل»، وعمره نحو سبعين عامًا، وقد نفذ «عميد الملك
الكندرى» وصية «طغرل بك»، ولكن الناس كانوا أميل إلى «ألب
أرسلان»، فأمر «عميد الملك» بالخطبة له وتم الأمر له بمساعدة
وزيره «نظام الملك»، وأصبح سلطانَ «السلاجقة». وعقب تولِّى
«ألب أرسلان» سلطنة «السلاجقة»، أقر «عميد الملك الكندرى»
وزير عمه «طغرل» فى منصبه، ولكنه سرعان ما تغير عليه
فعزله فى شهر (المحرم سنة ٤٥٦هـ = ديسمبر سنة ١٠٦٣م)،
وسجنه، ثم دبر قتله فى شهر (ذى الحجة سنة ٤٥٦هـ = نوفمبر
سنة ١٠٦٤م)، ويبدو أن «نظام الملك» لعب دورًا فى ذلك. وبعد
عزل «عميد الملك»، عين «ألب أرسلان» «نظام الملك» وزيرًا له،
وكان وزيره أثناء إمارته على «خراسان» قبل توليه السلطنة،
ويُعدُّ «نظام الملك» أشهر وزراء «السلاجقة» كما يعد من أشهر
الوزراء فى التاريخ الإسلامى. استطاع «ألب أرسلان» أن يوسع
حدود مملكة «السلاجقة» التى ورثها عن عمه «طغرل»، وأن
يسجل انتصارات رائعة ضد أعدائه فى الداخل والخارج، فنجح
فى القضاء على حركات العصيان فى «خراسان» و «ما وراء
النهر» و «أذربيجان»، وتمكن من تعزيز الوجود الإسلامى فى
«أرمينيا» بعد انتصاره فى معركة ملاذكرد الشهيرة، واستولى
على «حلب» وقضى على النفوذ الفاطمى بها. وعقب وفاة «ألب
أرسلان» تولى السلطنة ابنه «ملكشاه» بعهد من أبيه، وتولى
«نظام الملك» أخذ البيعة له، وأقره الخليفة «القائم بأمر الله»
على السلطنة. لم يكتفِ «ملكشاه» بإقرار «نظام الملك» فى
الوزارة كما كان فى عهد أبيه، بل زاد على ذلك بأن فوض إليه
تدبير المملكة، وقال له: «قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها
إليك، فأنت الوالد»، ولقبه ألقابًا كثيرة، أشهرها لقب «أتابك»،
стр. 3085
ومعناه الأمير الوالد، وكان «نظام الملك» أول مَن أُطلق عليه هذا
اللقب. وسبب هذه المكانة الرفيعة التى حظى بها «نظام الملك»
عند السلطان «ملكشاه»، أنه هو الذى مهد له الأمور، وقمع
المعارضين، فرآه السلطان أهلاً لهذه المكانة. الخلفاء
العباسيون فى العهد السلجوقى: كان «المقتدى بأمر الله»،
أول خليفة يتقلد منصبه فى ظل «دولة السلاجقة»، وبذلك يكون
الخلفاء الذين تولوا الخلافة فى العهد السلجوقى - بعد «القائم
بأمر الله» - ثمانية هم: ١ - المقتدى بأمر الله (عبدالله بن محمد بن
القائم بأمر اللهـ) [٤٦٧ - ٤٨٧هـ = ١٠٧٥ - ١٠٩٤م]. ٢ - المستظهر
بالله (أبو العباس أحمد بن المقتدى بأمر اللهـ) [٤٨٧ - ٥١٢هـ =
١٠٩٤ - ١١١٨م]. ٣ - المسترشد بالله (أبو منصور الفضل بن
المستظهر) [٥١٢ - ٥٢٩هـ = ١١١٨ - ١١٣٥م]. ٤ - الراشد بالله
(أبوجعفر المنصور بن المسترشد) [٥٢٩ - ٥٣٠هـ = ١١٣٥ -
١١٣٦م]. ٥ - المقتفى لأمر الله (أبوعبدالله بن محمد بن المستظهر
باللهـ) [٥٣٢ - ٥٥٥هـ = ١١٣٨ - ١١٦٠م]. ٦ - المستنجد بالله
(أبوالمظفر يوسف بن المقتفى) [٥٥٥ - ٥٦٦هـ = ١١٦٠ - ١١٧٠م].
٧ - المستضىء بأمر الله (أبو محمد الحسن بن المستنجد باللهـ)
[٥٦٦ - ٥٧٥هـ = ١١٧٠ - ١١٧٩م]. ٨ - الناصر لدين الله (أبو العباس
أحمد بن المستضىء بأمر اللهـ) [٥٧٥ - ٦٢٢هـ = ١١٧٩ - ١٢٢٥م].
وقد شهدت خلافة «الناصر لدين الله» زوال ملك «السلاجقة» فى
سنة (٥٩٠هـ = ١١٩٤م) وبداية استقلال الخلفاء العباسيين
بالسلطة فى «بغداد» وما يحيط بها. بلغت «الدولة السلجوقية»
ذروة مجدها وعظمتها على يد «ملكشاه» الذى استمر فى
السلطنة عشرين عامًا تقريبًا؛ حيث استطاع أن يستثمر ما حققه
«طغرل بك» و «ألب أرسلان» على أحسن وجه، فحقق إنجازات
عظيمة بمعاونة وزيره «نظام الملك». وقد تزامنت سلطنة
«ملكشاه» -فى معظمها- مع خلافة «المقتدى بأمر الله»، الذى
تولى منصبه بعد ابتداء حكم «ملكشاه» بعامين، وتُوفِّى بعد
стр. 3086
وفاته بعامين. وقد اتسعت حدود «الدولة السلجوقية» فى عهد
«ملكشاه» اتساعًا غير مسبوق، من حدود الصين إلى آخر
«الشام»، ومن أقاصى بلاد الإسلام فى الشمال إلى آخر بلاد
«اليمن»، وحمل إليه ملوك الروم الجزية. وترجع عظمة «الدولة
السلجوقية» فى عهد «ملكشاه» إلى اتساع حدودها وازدهار
الحركة الثقافية فيها بصورة جديرة بالإعجاب. وكان لنظام الملك
أثر متميز وجهد خلاق فى ذلك، على المستوى الإدارى
والعسكرى، والثقافى. فاهتم بإنشاء العديد من المدارس التى
نسبت إليه فى أنحاء الدولة، فسميت بالمدارس النظامية، وكان
أشهرها: «نظامية بغداد» التى تخيَّر «نظام الملك» مشاهير الفكر
والثقافة فى العالم الإسلامى للتدريس فيها مثل: «حجة الإسلام
أبى حامد الغزالى» صاحب كتاب «إحياء علوم الدين»، الذى
فوض إليه «نظام الملك» مهمة التدريس فى «المدرسة النظامية»
ببغداد، ثم فى «المدرسة النظامية» بنيسابور، التى كان إمام
الحرمين أبو المعالى الجوينى يقوم بالتدريس فيها. وقد أسهمت
هذه المدارس النظامية فى تثبيت قواعد المذهب السنى والدفاع
عنه ضد مختلف البدع والأهواء والمذاهب المنحرفة التى انتشرت
فى ذلك الوقت. وقد كان «نظام الملك» مؤلفًا مرموقًا أيضًا، فهو
مؤلف كتاب «سياسة نامه» الذى تحدث فيه عن كيفية تدبير
شئون الملك، وفضح معتقدات الحشاشين وغيرهم من الخارجين
عن الدين. ثم بدأت مظاهر الضعف تنتشر فى جسم «الدولة
السلجوقية» عقب وفاة «ملكشاه»، فظهر الانقسام والتمزق
والفتن، باستثناء فترة حكم السلطان «معز الدين سنجر أحمد»؛
حيث شهدت الدولة قوة وصحوة مؤقتة.
стр. 3087
* الطاهرية (دولة)
إحدى الدول الإسلامية الصغيرة التى قامت فى العصر العباسى
الأول. تُنسَب إلى مؤسسها طاهر بن الحسين أحد القواد فى ظل
الخلافة العباسية. ظلت هذه الدولة نحو (٥٢) سنة حتى سقوطها
على يد الصفاريين. بدأ حكم الطاهريين سنة (٢٠٢ هـ) حين ولى
المأمون العباسى قائده طاهر بن الحسين إمارة المشرق، التى
كانت تمتد شرقى العراق، وتشمل فارس والرى وطبرستان
وجرجان وكرمان وخراسان، كما كانت تمتد شمالاً إلى إقليم ما
وراء النهر (تركستان). ووطد طاهر نفوذه فى خراسان، واتخذ
من نيسابور عاصمة لدولته، واستطاع بذلك أن يؤسس لنفسه
إمارة شبه مستقلة عن الدولة العباسية؛ إذ منحه الخليفة اسقلالاً
فى إدارتها، على أن يؤدى ما عليها من الخراج. لم يدم حكم
طاهر بن الحسين مؤسس الدولة سوى عامين؛ إذ تُوفِّى بمرو
سنة (٢٠٧ هـ)، وخلفه ابنه طلحة بن طاهر (٢٠٧ - ٢١٣ هـ)، ثم عبد
الله بن طاهر (٢١٣ - ٢٣٠ هـ) الذى اتسعت الدولة فى عهده،
وأقام صلات طيبة مع الخلفاء العباسيين، وخلفه طاهر الثانى بن
عبد الله بن طاهر (٢٣٠ - ٢٤٨ هـ)، وفى عهده بدأت مرحلة ضعف
الدولة الطاهرية، ثم خلفه محمد بن طاهر (٢٤٨ - ٢٥٩ هـ). وكان
محمد بن طاهر آخر حكام الدولة، فلم يكن محمد بن طاهر على
شاكلة أسلافه؛ فقد كان أميرًا ماجنًا يميل إلى اللهو والعبث؛
فعجز عن القضاء على الثورات التى قامت ضده، ولما ازدادت
الاضطرابات فى الدولة الطاهرية، استنجد أهل خراسان بالأمير
يعقوب بن الليث الصفارى مؤسس الدولة الصفارية؛ لإعادة الأمن
والاسقرار إلى بلادهم، فوجد الأمير الصفارى الفرصة مواتية
لتوسيع رقعة دولته على حساب الدولة الطاهرية المتداعية،
فزحف بجيشه إلى نيسابور سنة (٢٥٩ هـ)، وقبض على محمد بن
طاهر وعلى أهل بيته، وبذلك انتهت الدولة الطاهرية.
стр. 3088
* الصليحية (دولة)
دولة شيعية. قامت فى اليمن إبان القرن الخامس الهجرى، وكانت
تدين بالولاء للخلافة الفاطمية بمصر. تنسَب إلى مؤسسها على
بن محمد الصليحى الذى أحيا الدعوة الشيعية الإسماعيلية فى
اليمن، بعد أن كانت سرِّية نحو قرن من الزمان؛ على أثر النزاع
الذى دبَّ بين دعاة الإسماعيلية فى اليمن المتمثلين فى ابن
حوشب، وابن فضل، ثم برزت الدعوة على يد على بن محمد
الصليحى. استمرت هذه الدولة نحو (٦٠) عامًا، واتخذت من زبيد
ووصنعاء عاصمة لها، وامتد سلطانها إلى الحجاز، وعاصرت فترة
حكم الخليفة الفاطمى المستنصر بالله ومرت اليمن خلال حكم
الصليحيين بفترة ازدهار عمرانى؛ بما شيدوه من قصور ومعاقل
وحصون ومساجد وأضرحة، كما تميزت هذه الفترة بتأكيد سلطة
الحكومة المركزية فى صنعاء وإضعاف الزعامات القبلية. وكان
أول حكام هذه الدولة أبو كامل على بن محمد بن على الصليحى
الذى كان أبوه قاضيًا شافعيًّا، ولكن عليًّا مال إلى التشيع؛
فصحب داعى الشيعة باليمن عامر الزواحى، ثم خلفه فى الدعوة
للإسماعيلية، وجمع حوله الأنصار، ثم أرسل إلى الخليفة
الفاطمى المستنصر بالله يستأذنه فى الخطبة له وإظهار الدعوة،
فوافق المستنصر على ذلك، ومنح على بن محمد الصليحى عدة
ألقاب مثل: الأمير الأجل وتاج الدولة وسيف الإمام وعمدة
الخلافة. وظل على بن محمد فى الحكم حتى اغتيل سنة (٤٧٣
هـ). وخلف عليًّا ابنه احمد الذى منحه الخليفة لقب المكرم وألقابًا
أخرى، وتزوج من امرأة تدعى أروى بنت جعفر أو الحرة
الصغرى. وشهدت فترة حكمه نزاعًا مع القبائل اليمنية وحروبًا
مع بنى نجاح باليمن، ونجح فى القضاء على خصومه، ثم نقل
مقر حكمه إلى ذى جبلة بدلاً من صنعاء. وتُوفِّى المكرم سنة
(٤٨٤ هـ)، وخلفه سبأ الصليحى، وهو ابن عم على بن محمد
الصليحى. وقد بدأ حكمه بنزاع مع الحرة الصغرى التى كانت
تريد تولية ابنها خلفًا لأبيه، ولكن الخليفة المستنصر تدخل فى
стр. 3089
الأمر، وحسمه لصالح سبأ الصليحى الذى تزوج الحرة؛ تنفيذًا
لأمر الخليفة، ثم تُوفِّى سنة (٤٩٢ هـ)، وبوفاته انتهت الدولة
الصليحية، بالرغم من المحاولات التى قامت بها الحرة لرأب
الصدع حتى توفيت سنة (٥٣٢ هـ)، وخلف الصليحيين فى حكم
اليمن بنونجاح فى زبيد، والهمذانيون فى صنعاء.
стр. 3090
* الإسماعيلية (دولة)
دولة أسسها الحسن بن الصَّبَّاح، بعد أن استفحل أمر
الإسماعيلية فى عهد السلطان ملكشاه السلجوقى؛ إذ استولى
الحسن على حصن ألموت بأصبهان سنة (٤٨٣ هـ). وقد تعمق
الحسن فى المذهب الإسماعيلى الباطنى على يد الفاطميين فى
مصر، لكن ظهرت بينه وبينهم خلافات فى المذهب، فترك مصر،
وعمل على توسيع دولته، وخصوصًا بعد وفاة السلطان ملكشاه
فتمكن الحسن من إقامة دولة إسماعيلية قوية عرفت بعدة
أسماء، منها: النذارية والباطنية والحشيشية. وأقرَّ الحسن
الاغتيال كوسيلة للتخلص من الخصوم؛ فبذل السلاجقة محاولات
للتنكيل بالإسماعيلية، لكن الإسماعيلية قضوا على بعض الحملات
السلجوقية، واضطر السلطان السلجوقى سنجر إلى مهادنتهم؛
لما رأى من بأسهم. وفى سنة (٥٢٠ هـ) أمر الوزير السلجوقى
أحمد بن المفضل بغزو الإسماعيلية، وقتلهم أين ما كانوا؛
فاستمرت حملات السلاجقة عليهم، بعد أن اشتد خطرهم، وكثرت
اغتيالاتهم. وفى سنة (٥٤٩ هـ) سار جيش من الإسماعيلية إلى
خراسان منتهزًا فرصة انشغال جيشها بقتال الغز، فقاومهم أهل
خراسان، وهزموهم وقتلوا كثيرًا منهم. وكان الحسن بن محمد
أشد حكام الإسماعيلية انحرافًا؛ فهو الذى نسخ ظاهر الشريعة
تمامًا، وغيَّر القبلة، وأحلَّ شرب الخمر، إلى أن ولى الحسن
الثالث الحكم فدعا إلى الإسلام الصحيح، وارتبط مع جيران دولته
السنيين بروابط من المودة والثقة المتبادلة، وكذلك فعل حفيده
خورشاه؛ بحيث كان من الممكن إنهاء الفكر المغالى
للإسماعيلية النذارية، ولكن هولاكو قائد المغول سيطر على
الدولة الإسماعيلية فى الشرق وإيران فقضى بذلك على دولتهم
سنة (٦٥٤ هـ).
стр. 3091
* الأويغوريون (دولة)
دولة تأسست سنة (٧٤٥ هـ)، على يد قطلغ بلكة قاغان. كانت
شرق تركستان وكانت عاصمتها قرة لغاغصون. وفى سنة (
٧٤٧ هـ) خلف موين جور أباه قطلغ فى الحكم، وأقام نقشًا على
شاطئ بحيرة شينة أوزو بشمال منغوليا، سجل فيه تاريخ
تأسيس دولة الأويغوريين وتوسعها وانتصاراته هو وأبيه. وفى
عهد ولده بوكوها تم الاعتراف بالمانوية كدين للدولة، وأقيم لها
كثير من المعابد. وبسبب اعتناقهم المانوية مالوا فى طعامهم
إلى الأطعمة النباتية؛ فهبطت عندهم الروح القتالية؛ ومن ثم
هُزموا أمام القرغير عام (٨٤٠ هـ)، وتم الاستيلاء على عاصمتهم
قرة بالغاصون، وانسحب فريق كبير منهم إلى إقليم تارم،
واستقر بجوار جبال تانر ومدن أويغورية أخرى، مثل: قوجا
وكشغر وهاجى. وفى سنة (٩٤٧ هـ) بدأت تظهر خوجو - تُعرف
الآن باسم قرة خوجو - كعاصمة للأويغوريين فى شرق
تركستان، وكان لهم عاصمة صيفية فى بشى باليك، وعُرِف
المتأخرون من الحكام الأويغوريين باسم إذق - قت، وأطلق على
العاصمة خوجو مدينة الأذق - قت أو أذق - قت شهرى. وأخذت
البوذية تنتشر فى دولة الأويغوريين بعد عام (٨٧٠ م) ففاقت
المانوية، كما ظهرت بها المسيحية، ثم دخلها الإسلام. ولغات
الأويغوريون المكتوب بها، هى: الصفدية والصينية
والكوكتورك. ولقد قام الأويغوريون بدور كبير فى انتشار
الطباعة، وكانت هجائيتهم الخاصة بهم هى ثانى أقدم
الألفبائيات التركية. والأويغوريون سلالة من قبائل الهون
الآسيوية، كانوا يقيمون على الشواطئ الشرقية لنهر سلنكة،
وكانوا - حتى قيام دولتهم - يتبعون الكوك الأتراك. واستمر
وجود الدولة الأويغورية حتى سنة (١٢٠٩ م)؛ أصبحت ولاية تتبع
جنكيز خان، وبعد ذلك استمر وجودها تحت الاسم القديم أدق -
قت إلى بداية أسرة منغ سنة (١٣٦٨ م)، حين انتهت أدق - قت
تمامًا.
стр. 3092
* جهور (بنو)
بيت من الوزراء ثم من ملوك الطوائف بالأندلس. كان جدهم جهور
من أوائل المسلمين الذين دخلوا الأ ندلس، والذى أسس دويلتهم
أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور الكلبى الذى كان وزيرًا
لهشام الثالث آخر خلفاء بنى أمية، وقد نجح فى خلع هشام
سنة (٤٢٢ هـ)، وبقيت قرطبة دون خلافة ودون حكومة سنتين،
بعدها تولى أبو الحزم جهور. وكانت سلطة بنى جهور على
رقعة متوسطة من الأندلس، تمتد شمالاً حتى جبل الشارات،
وشرقًا حتى منابع نهر الوادى الكبير، وجنوبًا حتى حدود ولاية
غرناطة. ولم يأخذ أبو حزم لقب الخلافة، وبقى فى الحكم (١٢)
سنة، نعمت فيها قرطبة بالهدوء والاستقرار، فلما توفى سنة (
١٠٤٣ هـ) خلفه ابنه أبو الوليد محمد بن جهور، ولم تختلفْ
سياسته عن سياسة أبيه، لكن الفساد دبَّ فى الحكم عندما عهد
بالحكم إلى ابنه عبد الملك الذى تنازع معه أخوه عبد الرحمن،
واستطاع عبد الملك الانفراد بالسلطة بعد أن اعتقل أخاه.
وتحالف بنو جهور مع بنى عباد (حكام إشبيلية) حتى استطاع
المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية دخول قرطبة سنة (٦٠٥ هـ)، بعد
ولاية يحيى بن إسماعيل بعامين، وكان قد سبق له دخولها على
عهد عبد الملك، لكنه فى هذه المرَّة أنهى بها دويلة بنى جهور
فى قرطبة التى اتصل تاريخها بعد ذلك الوقت بتاريخ إشبيلية.
стр. 3093
* رسول (بنو)
أسرة إسلامية. حكمت اليمن وحضر موت فى الفترة من عام (
١٢٢٩ م) إلى عام (١٥٥٤ م)، بعد أن تخلى الأيوبيون عن
المقاطعات الجنوبية من شبه جزيرة العرب. أسسها الملك
المنصور عمر بن على بن رسول الذى تولى الحكم من عام (١٢٢٩
م) حتى عام (١٢٥٠ م)، فجعل من صنعاء عاصمة ملكه، وبسط
سلطانه على مكة المكرمة. وخلال القرنين التاليين استطاع
الرسوليون جعل اليمن دولة إسلامية ذات شأن، وأقاموا علاقات
سياسية وتجارية مع الهند والصين وسيلان.
стр. 3094
* الروم
الروم أو البيزنطيون هم امتداد الإمبراطورية الرومانية، فى
الشرق، وهى التى عرفت باسم الإمبراطورية الرومانية الشرقية،
واتخذت من القسطنطينية عاصمة لها، منذ أن بناها الإمبراطور
قسطنطين سنة (٣٣٠ م)، وشملت هذه الإمبراطورية أجزاء كبيرة
من آسيا وأوربا وإفريقيا، وكان العرب يطلقون عليها اسم
الروم. وقد مرت هذه الإمبراطورية التى أسسها قسطنطين
بمرحلة قوة وازدهار، ومرحلة ضعف وانهيار، وقد حاربت الفرس
حروبًا كثيرة، كان النصر فيها سجالاً بينهما، كما ذكر القرآن
الكريم فى سورة الروم. وبعد ظهور الإسلام بدأ الاحتكاك بين
الروم والمسلمين؛ حيث خاض المسلمون حروبًا ضد الروم،
واستطاع المسلمون إجلاء الروم من بلاد الشام ومصر والساحل
الشمالى لإفريقية، واستمرت حملات المسلمين المتوالية على
عاصمتهم القسطنطينية حتى استطاع المسلمون العثمانيون
فتحها سنة (١٤٥٣ هـ)، واتخذوها عاصمة لهم عرفت باسم
إستانبول، وبذلك انهارت هذه الإمبراطورية.
стр. 3095
* الزبيريون
جماعة تنسب إلى عبد الله بن الزبير. كانت تهدف إلى استعادة
الخلافة من الأمويين بعدما أصبحت وراثية فى بنى أمية، فنادت
بأحقية عبد الله بن الزبير بالخلافة، وبويع ابن الزبير بالخلافة
سنة (٦٣هـ)، وحكم الحجاز واليمن ومصر والعراق وخراسان
وأكثر الشام. وقد ساعد على نجاح الزبيريين موقف المسلمين
الرافض لجعل الخلافة وراثية، كذلك قتل الأمويين للإمام الحسين،
والصراعات التى قامت بين الأمويين، حتى إن المسلمين قضوا
فترة بدون خليفة. وقد جعل ابن الزبير المدينة مقرًّا لخلافته التى
استمرت عشر سنوات حتى سنة (٧٣ هـ)؛ إذ انتصر الحجاج عليه،
وقتله فى البيت الحرام. ومن أسباب سقوط خلافته تحامل ابن
الزبير على الهاشميين، وإخراجه بنى أمية من المدينة، وظهور
دعوات الخوارج والشيعة، بالإضافة إلى عجز الزبيريين عن
تعميق الولاء لدعوتهم؛ مما جعل بعض ولاة الأمصار ينضمون إلى
الأمويين.
стр. 3096
* الزندية
أسرة إيرانية، حكمت إيران نيابة عن شاهات الدولة الصفوية فى
أواخر عهدها، واحتل تاريخها النصف الثانى من القرن الثانى
عشر الهجرى، وكانت شيراز عاصمة لها. والزنديون فرع من
قبيلة اللك الكردية، وينسب الزنديون إلى كريم خان الذى
استطاع أن يحكم هو وخلفاؤه إيران نيابة عن الصفويين لمدة
(٤٤) عامًا من سنة (١١٦٣ هـ) حتى سنة (١٢٠٩ هـ)، وتتابع على
الحكم خلال هذه الفترة سبعة حكام. وكان الزنديون يطلقون
على أنفسهم وكيل الملك. وقد استطاع كريم خان مؤسس هذه
الأسرة سلب السلطة من على مردان البختيارى. وتمتعت إيران
فى ظل حكم الزنديين بالاستقرار والأمان؛ وانتعشت التجارة،
وتم بناء سوق شيراز فيها، 'إلاَّ أنه بعد وفات كريم خان تنافس
خلفاؤه فى الحكم، حتى استطاع القاجاريون القضاء على
الزنديين، وقتل لطف على سنة (١٢٠٩ هـ).
стр. 3097
* الزنكية
إحدى الأسر الإسلامية الحاكمة. تنسَب إلى عماد الدين زنكى بن
آق سنقر الذى كان حاكمًا للموصل أيام السلاجقة، ثم استقل
بالموصل، وبدأ فى تكوين الدولة الزنكية سنة (٥٢١ هـ)؛ إذ
استطاع الاستيلاء على حلب فى العام التالى، وأقام جبهة قوية
لجهاد الصليبيين، واستطاع أن يسيطر على مملكة الرها الصليبية
سنة (٥٣٩ هـ)، واتسعت مملكته حتى شملت الشام وحلب
وشمال الجزيرة وسنجار، إلا أنه اغتيل سنة (٥٤١ هـ). وبوفاة
عماد الدين زنكى انقسمت مملكته الكبيرة إلى أربعة أقسام
،هى: الموصل: وحكمها سيف الدين غازى، واستمر هذا
الفرع يحكم حتى سنة (٦٣١ هـ)؛ إذ تولى الموصل بعد ذلك الوزير
بدر الدين لؤلؤ، الذى لقِّب بالملك الرحيم، وخلفه أبناؤه فى
الحكم حتى غزاها المغول سنة (٦٦٠ هـ). وحلب: حكمها نور
الدين محمود الذى امتد سلطانه إلى دمشق ومصر، وقام بتكوين
جبهة لقتال الصلبيين، واستمرت هذه الأتابكية حتى ضمها صلاح
الدين الأيوبى إلى دولته سنة (٥٧٩ هـ). وسنجار: استمرت
أسرة عماد الدين بن مودود تحكمها، حتى استولى عليها
الأشرف الأيوبى سنة (٦١٧ هـ). وأتابكية الجزيرة: تولى حكمها
سنجر بن نور الدين الذى قُتل سنة (٦٠٥هـ)، ثم خضعت لصلاح
الدين الأيوبى.
стр. 3098
* السعديون
اسم لدولة إسلامية، قامت فى المغرب. أسسها أبو عبد الله بن
محمد القائم بأمر الله؛ على أثر انهيار دولة بنى مرين فى أواخر
القرن التاسع الهجرى. وقد استمرت هذه الدولة من سنة (٩١٦ هـ)
حتى سنة (١٠٦٩هـ)، وحكمها (١٢) حاكمًا أطلقوا على أنفسهم
الشرفاء السعديين، وقد قام هؤلاء الأشراف بمواجهة الخطر
الصليبى المتمثل فى البرتغال، واستطاعوا الانتصار عليه سنة
(٩١٧ هـ)، وتمكنوا من طرد الصليبيين من المغرب تمامًا سنة (٩٤٨
هـ). وقد أدى تضافر الجهود لمحاربة المستعمر البرتغالى، إلى
وحدة بلاد المغرب، واستطاع السعديون ضم فاس ومراكش
ومكناسة وتلمسان، فلم يأتِ عام (٩٦٠ هـ) إلاَّ وكان توحيد
المغرب قد تم، ولكن الصراع على السلطة دب بين أفراد البيت
السعدى للاستيلاء على الحكم؛ مما جعلهم يستعينون بالإسبان
والبرتغال والعثمانيين. وحاول البرتغاليون السيطرة على المغرب
إلا أن المغربيين استطاعوا الانتصار عليهم فى معركة فاصلة
تسمى وادى المخازن سنة (٩٨٦ هـ) وقتل ملك البرتغال وأغلب
قادته. وقد امتد نفوذ السعديين حتى سنغاى وتمبكتو وكان
أبو العباس أحمد الثانى الذى قتل سنة (١٠٦٦ هـ) آخر حكام
السعديين.
стр. 3099
* سلاجقة الروم
سلاجقة الروم أو سلاجقة الأناضول هم أحد فروع دولة السلاجقة
المسلمين الذين حكموا مساحة كبيرة من العالم الإسلامى،
وأسدوا للإسلام خدمات جليلة. وينحدر سلاجقة الروم من قتلمش
بن إسرائيل أرسلان بيغو بن سلجوق. ومؤسس هذه الأسرة هو
سليمان الأول الذى تولى الحكم سنة (٤٧٠ هـ)، وجاء من بعده
سبعة عشر سلطانًا. وقد حكموا منطقة شاسعة من العالم
الإسلامى، وهى منطقة آسيا الصغرى التى ضمت قونية،
وسيواست، وقيصرية، وملطية، وأماسية، وأرخروم وغيرها من
بلاد آسيا الصغرى. وكان آخرهم فى الحكم السلطان غياث الدين
سعود الثانى الذى حكم من سنة (٧٠٢ هـ) 'إلى سنة (٧٠٨ هـ)،
ثم استولى المغول والعثمانيون على أملاك هذه الدولة. وتدل
الآثار المعمارية القائمة فى أماكن كثيرة، على أن عهد
السلاجقة الأتراك فى الأناضول كان مزدهرًا، كما اتسم برقى
الفنون الجميلة، خاصة فى حكم علاء الدين كيبقاد الأول. ومن
أهم آثارهم الموجودة تربة خداوند ابنة ركن الدين قلج أرسلان
الرابع، والتى أنشأئها فى نيكدة سنة (٧١٢ هـ).
стр. 3100
* الشهابيون
دامت إمارتهم نحو قرن ونصف سنة (١٦٩٧م) إلى سنة (١٨٤١م)،
وتولوا، فى هذه الفترة حكم جبل لبنان وأخذوا على عاتقهم
الحفاظ على وحدته، وأعادوا السواحل والسهول إلى منطقة
نفوذهم بعد أن استغلوا ضغف الحكومة المركزية فى إستانبول.
واستطاعوا أن يحتفظون بنوع من التوازن السياسى بين
الموازنة والدروز؛ مما جعلهم ينجحون فى تحقيق الأمن
الاستقلال الذاتى الذى كان لبنان الكبير يتمتع به.
стр. 3101
* الشيبانيون
اسم يُطلق على الدولة الأوزبكية التركية التى قامت بالتركستان (
بلاد وراء النهر) إبان القرن التاسع الهجرى. ورثت ملك
التيموريين، واتخذت سمرقند عاصمة لها، وعاشت نحو قرن من
الزمان، وتُنسب هذه الدولة إلى شيبان بن جوجى بن جنكيز
خان. وقد كان أول زعيم لهذه الدولة أبو الخير بن دولت شيخ
الذى تزعم قبائل الأوزبك فترة، فى منطقة السهوب، واستنجد
به الأمراء التيموريون فى خلافاتهم الأسرية، ودام حكمة نحو
أربعين سنة حتى عام (٨٧٢هـ)، وهى السنة التى تُوفِّى فيها
أخر حكام التيموريين. وخلف أبا الخير فى زعامة الأوزبك ابنه
حيدر سلطان إلا أن الزعامة الفعلية كانت لابن أخيه محمد
شيبانى بن شاه بوراق بن أبى الخير الذى نجح بعد سلسلة
حروب مع التيموريين والصفويين فى توسيع رقعة دولته، حتى
شملت من بلاد ما وراء النهر حتى خراسان جنوبًا. وبعد موت
محمد شيبانى واصل خلفاؤه جهوده وحروبه ضد الصفويين،
لاسيما فى عهد أبى الغازى عبيد الله بن محمود الذى قام وحده
بخمس غزوات لخراسان وإيران كان أخرها سنة (٩٣٨هـ)، إلا أن
عبد الله بن سكندر يعتبر أعظم الشيبانيين فقد ضم كشغر
وختن، واستعاد بخارى ومرو ومشهد. وقد شجعت حالة الفوضى
التى شهدتها دولة الأوزبك فى نهايتها الشاه عباس الأول
الصفوى على غزو الشيبانيين وآستعادة خراسان، كما استعاد
أمير القزاق فى الشمال إقليم طشقند وتقدم حتى تم الاستيلاء
على سمرقند نفسها. ولم يأت عام (١٠٠٧هـ) حتى طويت صفحة
دولة الشبانيين، وكان بير محمد الثانى بن سليمان أخر من تولى
الحكم منهم. وخلف الشيبانيين فى حكم بلاد ما وراء النهر
الاسترخانيون، وهم من أبناء عمومتهم من أحفاد جوجى بن
جنكيز خان.
стр. 3102
* غانية (بنو)
بنو غانية هم حكام الجزائر الشرقية. ويرجع نسبهم إلى جدهم
على المسوفى الصنهاجى الذى زوجة يوسف بن تاشفين من
قريبة له تُدعى غانية، وقد أنجبت له يحيى ومحمدًا، فكانا
مقربين من على بن يوسف بن تاشفين. فولى يحيى على بلنسية
ثم على قرطبة فظل عليها حتى تُوفِّى، وولى محمدًا على
الجزائر الشرقية سنة (٥٢٠هـ)، وكان يخطب لبنى العباسى فى
بلاده، مع هزيمة جيوش المرابطين أمام الموحدين، وجعل بلاده
مقرًّا للفارين من أمام الموحدين، وتُوفِّى سنة (٥٥٠هـ). وخلف
محمدًا ابنه عبد الله الذى حكم غرناطة، وابنه إسحاق الذى حكم
غرموته والجزائر الشرقية، فصانع الموحدين، وبعث إليهم
بالهدايا الثمينة، فطلبوا منه الدخول فى طاعتهم، والدعاء لهم
على المنابر، ولكنه تُوفِّى قبل أن يرد عليهم. وتولى بعده ابنه
على بن إسحاق فاستولى على بجاية سنة (٥٨٠هـ) ثم مازونة
ومليانة، وقطع الخطبة فى البلاد التى فتحها عن الموحدين،
وجعلها للعباسيين. ولما علم أبو يوسف المنصور الموحدى بذلك
أرسل جيشًا وأسطولاً كبيرًا قضى به على ولاة على بن
إسحاق، واسترد بلاده، فاضطر على بن إسحاق إلى الهرب
فىالصحراء، واتجه إلى رؤساء الواحات يستميلهم إليه وتقابل
مع بهاء الدين قراقوش، فتحالف معه سنة (٥٨١هـ)، وجمع فلول
لمتونة، ومسوفة، فهزم الموحدين سنة (٥٨١هـ) بالقرب من
قعصة ولكنه هزم سنة (٥٨٤هـ)، ثم قتل فى العام نفسه. وخلف
على بن إسحاق ابنه يحيى الذى هزم جيوش الموحدون فى عدة
معارك، استولى بعدها على عدة مدن إفريقية سنة (٦٠٠هـ)، ثم
قضى الموحدون على بنى غانية، واستولوا على جزيرة
ميورقة، ثم حاصروا مدينة المهدية حتى أجبروهم على التسليم.
стр. 3103
* الفرس (دولة)
مملكة قديمة. تنسب إلى فارس بن علم بن سام بن نوح، عليه
السلام. وهى بلاد كثيرة الجبال يزرع بها القمح والأرز والشعير
والقطن والصمغ والتبغ والفاكهة. وبدأ نفوذ الفرس يزداد فيها
سنة (٥٥٩ ق. م) فى عهد الملك كيروش، عندما قام بضم أجزاء
كبيرة من بلاد العرب وسواحل آسيا واليونان، وحارب التتار
كثيرًا، إلا أنه قتل فى حربه معهم، وتولى بعده ابنه قمبيز الذى
ضم مصر إلى مملكته، وملك بعده دارا فحارب اليونان، وخرب
جزرها، ونهب أرضها. وفى عهد كسيرسيس سنة (٤٨٨ ق. م)
حارب اليونان فأخضع معظم بلادها، ولكن أسطوله هُزم سنة
(٤٧٠ ق. م)، وقتل فى العام نفسه. وفى سنة (٣٣٦ ق. م) هاجم
الإسكندر المقدونى آسيا الصغرى وفتحها، وفتح العراق
وسوريا، ومصر، وانتصر على دار الثالث فى موقعة إربل سنة
(٣٣١ ق. م)، وأخذ فارس التى ظلت تحت قبضة اليونان، بعد موت
الإسكندر حتى سنة (٢٣٠ م). وفى هذه السنة أسس أردشير دولة
الفرس الساسانية، ومن أشهر ملوكها: أنو شروان الذى ملكها
سنة (٥٨٠ م)، وانتصر على الرومان فى آسيا، وتوفى سنة (٦٢٠
م)؛ فتولى يزدجرد الحكم، ثم هزمه المسلمون وقتل فى خلافة
عثمان بن عفان، رضى الله عنه. وظل الولاة المسلمون يحكمون
فارس؛ مما ساعد على انتشار الإسلام بين أهلها. وساعد الفرس
فى قيام الدولة العباسية بعد أن دمروا الدولة الأموية؛ فظهر
أثرهم واضحًا فى حياة المسلمين السياسية والاجتماعية والعلمية
والأدبية. وبعد أن دب الضعف فى أوصال الدولة العباسية
استقلت بعض الدول الصغيرة عن الخلافة الإسلامية، ومن أشهر
هذه الدول: الدولة السامانية والدولة الغزنوية والدولة السلجوقية
والدولة الخوارزمية. كما استولى جنكيز خان على فارس سنة
(١٢٥١ م)، وتوارثها أبناؤه من بعده حتى استولى عليها
تيمورلنك سنة (١٣٧٤ م). وقام الشاه إسماعيل الصفوى بإنشاء
الدولة الصفوية بفارس، وتعرض خلال حكمه لفارس لعدة هجمات
стр. 3104
من الأتراك العثمانيين. وفى عهد الشاه عباس ضم جورجيا
وبغداد والموصل وديار بكر وأذربيجان، وجعل أصفهان عاصمة
دولته. وفى سنة (١٦٩٤ م) استولى الأفغان على فارس فى عهد
صافى ميرزا الذى انتهت الدولة الصفوية بوفاته، وظهر نادرشاه
سنة (١٧٣٦ م)، واستولى على قندهار وكابول، ودخل الهند
وبخارى وخوارزم، وبعد موته سنة (١٧٤٧ م) عاشت البلاد فى
حالة فوضى كبيرة حتى سنة (١٨٩٦ م). وفى سنة (١٩٠٧ م)
طالب الفرس بتطبيق الدستور، ولكن روسيا وانجلترا قسمتا
فارس بينهما؛ فأخذت روسيا المنطقة الشمالية، وأخذت انجلترا
المنطقة الجنوبية، ولكن فارس تخلصت من السيطرة الأوربية سنة
(١٩١٥ م).
стр. 3105
* طخارستان (مملكة)
اسم كان يطلق على المنطقة الشمالية من أفغانستان الحالية،
وهو نفسه الذى عرف فى التاريخ باسم بلاد بكتريا، وجاء
ذكرها فى فتوحات الملك الفارسى كيروش إبان القرن السادس
قبل الميلاد، ثم فى فتوحات الإسكندر الأكبر إبان القرن الثالث
قبل الميلاد. وكانت طخارستان تمتد من حدود نهر جيحون حتى
جبال هندكوش لمسافة (١٢٠) ميلاً، وكانت عاصمتها بلخ،
وكانت تُسمَّى بكترا. وصلت إلى طخارستان الجيوش الإسلامية
فى عهد عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ودارت معركة بين
المسلمين وجيش كان يتألف من أهل طخارستان والجوزجان
والطالقان والغارياب، وانتصر جيش المسلمين وعقد صلح بين
الطرفين، وفى خلافة عثمان بن عفان، رضى الله عنه، أرسل
والى البصرة عبد الله بن عامر قائده الأحنف بن قيس لغزو شمال
خراسان، وأقر الصلح الذى عقد فى خلافة عمر بن الخطاب،
ومن ثم أصبحت طخارستان ثغرًا إسلاميًّا، وقاعدة حربية حصينة
ضد الصفد وغيرهم من الأتراك على حدود الدولة الإسلامية، ثم
أصبحت مركزًا لانطلاق الجيوش الإسلامية عبر نهر جيحون. وفى
سنة (٤٥هـ) وَلى البصرة زياد بن أبيه، فقسم خراسان أربعة
أقسام بين قواده الأربعة، فكانت طخارستان من نصيب قيس بن
الهيثم. ولم يستقر العرب فى طخارستان إلا منذ سنة (٨٥هـ)
أثناء مرحلة فتوح بلاد ما وراء النهر. وشهدت طخارستان فى
أواخر حكم الدولة الأموية عدة ثورات، منها ثورة الحارث بن
سريج سنة (١١٧هـ)؛ إذ نجح فى بسط سلطانه على الإقليم حتى
عاد إلى الخلافة. وفى سنة (١٢٩هـ) أصبحت طخارستان مهدًا
لثورة أبى مسلم الخراسانى الذى نجح فى نشر الدعوة
العباسية، ومنها انتشرت إلى أنحاء خراسان، ثم توالى الحكم
الإسلامى على طخارستان، وهى الآن الإقليم الشمالى من
جمهورية أفغانستان الإسلامية.
стр. 3106
* السعودية (المملكة العربية)
دولة عربية إسلامية تقع غرب آسيا يحدها البحر الأحمر من
الغرب، والأردن والعراق من الشمال، واليمن وعمان من
الجنوب، والخليج العربى وقطر والإمارات من الشرق،
والكويت من الشمال الشرقى، وتبلغ مساحتها (٦٢٧) ألف ميل،
وتحتل الجزء الأكبر من شبه الجزيرة العربية وتشتهر المملكة
بكثرة الجبال، مثل: تهامة وعسير وطويق وشمر، كذلك تنتشر
الصحارى بها، مثل: صحراء النفود والربع الخالى والدهناء،
وتنعدم فيها الأنهار تمامًا، ولكن توجد بعض الأودية بها، مثل:
الرومة والدواسر والسرحان. ومناخ السعودية صحراوى شديد
الحرارة، وكمية المطر قليلة، وإن كانت الحرارة تعتدل فى بعض
المناطق. وتعتبر السعودية من البلاد الغنية لوجود البترول بها؛
فالسعودية أكبر مصدر للبترول فى العالم. وأهم مدن السعودية:
مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض وجدة. وتوجد
بالسعودية جنسيات من جميع دول العالم. أما السكان الأصليون
فينتمون إلى أصول عربية قبلية فى أغلبهم، والدين الإسلامى
هو الدين الرسمى للمملكة، والشريعة الإسلامية مطبقة فيها.
وتنقسم السعودية إداريًّا إلى (١٤) منطقة، ويوجد بها عدد من
الجامعات والكليات. ونظام الحكم فى المملكة ملكى وراثى. وقد
اقترن قيام المملكة بظهور الدعوة الوهابية على يد الشيخ محمد
بن عبد الوهاب، ومرت السعودية بثلاثة أطوار حتى أصبحت
مملكة، وهى: الدولة السعودية الأولى من سنة (١٧٤٤م) حتى
سنة (١٨١٧م). وسيطرت هذه الدولة على الحجاز ومسقط وعمان
ونجران وعسير وبعض أجزاء اليمن وانتهت على يد إبراهيم
باشا سنة (١٨١٧م). ثم الدولة السعودية الثانية من سنة (١٨٢٤م)
حتى سنة (١٨٩٠م)، وسيطرت على الرياض ونجد والأحساء
والقطيف وعسير والقصيم، واستمرت هذه الدولة حتى
سيطرعليها ابن رشيد، أمير حائل سنة (١٨٩٠م) ولجأ الإمام عبد
الرحمن بن فيصل إلى الكويت، ثم الدولة السعودية الثالثة من
стр. 3107
سنة (١٩٠٢ م) حتى الآن (١٩٩٧ م)، وقامت على يد عبد العزيز آل
سعود، الذى استولى على الرياض ونجد والأحساء والحجاز،
وأزال حكم الأتراك وآل رشيد والأشراف، وأعلن قيام المملكة
العربية السعودية سنة (١٩٣٢ م). وتعاقب فى حكم السعودية من
ذرية الملك عبد العزيز آل سعود الملوك: سعود وفيصل وخالد
وفهد.
стр. 3108
* نصر (بنو)
انفرط عقد الأندلس بعنف بعد هزيمة الموحدين فى معركة
«العقاب» أمام الجيوش الإسبانية والأوربية المتحالفة، وسارت
الأمور من سيئ إلى أسوأ، والقواعد تخرج من قبضة الموحدين
واحدة بعد الأخرى، ينتزع بعضها ابن هود الثائر وبعضها
النصارى وأتاحت هذه الظروف فرصة الظهور والمغامرة
للطامحين من القادة والزعماء. فى تلك الأثناء ظهر محمد بن
يوسف بن نصر أو ابن الأحمر الملقب بالغالب بالله فى وقت
اشتدت فيه المحن، وانعقدت عليه الآمال؛ لتميزه بالشجاعة
ومجاهدة العدو، والتف حوله الناس وبايعوه فى «أرجونة» وما
حولها على بعد ثلاثين كيلو مترًا من «جيان» فى (رمضان ٦٢٩هـ
= يوليو ١٢٣٢م) وتوافد عليه جنود الأندلس؛ فأعلن نفسه أميرًا
وانتقل إلى «جيان»، ودخلت فى طاعته بلاد الجنوب كلها، لكنه
أحس أنه فى حاجة إلى معقل يعتصم به؛ لأن «جيان» مدينة
مكشوفة، فوقع اختياره على غرناطة الواقعة عند سفح جبل
الثلج، وكان يوجد فى أعلى الجبل حصن منيع سبق تعميره
أول عصر ملوك الطوائف، فتوجه إليه وسكنه واستقر به، وشيئًا
فشيئًا أخذ يوسع نطاق سلطانه، حتى أصبحت دولته تضم بين
جنباتها ثلاث ولايات كبيرة هى: غرناطة وألمرية، ومالقة،
ووصلت حدودها إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل
طارق، واتخذ مدينة غرناطة عاصمة لدولته، وساعد على دعم
دولته استيلاؤه على ألمرية ومالقة لما لهما من أهمية عظيمة فى
المجالين التجارى والبحرى. وقد واجهت «ابن نصر» بعض
المشكلات الداخلية والخارجية، منها: علاقته بأصهاره «بنى
أشقيولة» الذين عاونوه ثم انقلبوا عليه، ونقص المال الذى كان
فى أشد الحاجة إليه لتثبيت قواعد سلطانه، ومشكلته مع ملوك
النصارى الذين أدركوا خطر دولته الناشئة وأرادوا القضاء
عليها، فاضطر إلى أن يعقد معهم معاهدة صلح سنة (٦٤٣هـ =
١٢٤٥م) لمدة عشرين عامًا، وبمقتضاها حكم ابن الأحمر مملكته
باسم ملك قشتالة «فرناندو الثالث» ودفع له جزية، ووافق على
стр. 3109
حضور البلاط القشتالى باعتباره واحدًا من أمراء الملك، وعلى
مده بالجنود كلما طلب منه ذلك، وبالفعل أمده ابن الأحمر بقوات
ساعدت على سقوط «إشبيلية» فى يد النصارى فى (٣ شعبان
٦٤٦هـ = نوفمبر ١٢٤٨م). وفى (جمادى الثانية ٦٧١هـ = ديسمبر
١٢٧٢م) توفى محمد بن يوسف بن نصير الملقب بالشيخ، وكان
قد أخذ البيعة لولده محمد، فأقر بذلك مبدأ الملكية الوراثية، وقد
اعتلى محمد الثانى العرش ولقب بالفقيه؛ لاشتغاله بالعلم أيام
أبيه، وقال عنه ابن الخطيب: «وهو الذى رتب رسوم الملك للدولة
ووضع ألقاب خدمتها، ونظم دواوينها وجبايتها، هذا إلى جانب
اعتنائه بالجيش وخاصة فرق الفرسان .. وكان سياسيا بارزًا .. ،
أديبًا عالمًا، يقرض الشعر ويجالس العلماء والأدباء والأطباء
والمنجمين والحكماء، والكتاب والشعراء». وقد واجه الأمير
الجديد ثلاث مشكلات هى، مشكلته مع الإسبان، وقد نجح فى
تحقيق انتصارات عليهم منتهزًا فرصة موت مليكهم، ومع
المرينيين الذين استنصر بهم ليعاونوه فى الجهاد ضد المسيحيين
فإذا بهم يطمعون فى الاستيلاء على الأندلس، الشىء الذى
دفعه إلى التحالف مع ملك أراجون تارة ومع ملك قشتالة تارة
أخرى لدرء خطر المرينيين، وعلى الرغم من تحسن العلاقات بين
غرناطة وفاس، فإن الفقيه لم يكن يطمئن إلى نياتهم، وقد
دفعهم ذلك إلى التحالف مع النصارى مرات، وأخيرًا كانت هناك
مشكلة مع أصهار أبيه «بنى أشقيلولة» التى اشتدت فى زمنه،
وانتهت بصدور أمر يقضى بتهجيرهم إلى مدينة القصر الكبير
بشمالى المغرب جنوب مدينة سبتة سنة (٦٨٧هـ = ١٢٨٨ م).
وعلى كل حال فقد توفى محمد الفقيه فى (شعبان ٧٠١هـ =
أبريل ١٣٠٢م) بعد أن نجح فى دعم دولته داخليا وخارجيا. تولى
الأمر بعد محمد الفقيه ابنه أبو عبدالله محمد، وفى عهده تحالف
ملكا قشتالة وأراجون على غزو مملكة غرناطة برا وبحرًا، ولكن
«ألمرية» تمكنت من الصمود فى مواجهة أقصى هجوم عرفته
стр. 3110
فى تاريخها وتمكن جيشها بقيادة شيخ الغزاة «عثمان بن أبى
العلاء» من هزيمة جيش أراجون، لكن العلاقة ساءت بين غرناطة
وفاس، وقام صاحب مالقة بثورة عارمة ضد الحكومة المركزية،
وكانت فتنة وقتال وحرب وهدنة استمرت أعوامًا ولم تنته إلا
بموت الأمير. ثم تولى أبو الوليد إسماعيل بن فرح (٧١٣هـ =
١٣١٣م) الذى اشتهر بإقامة الحدود وتطبيق الشرع، وفى عهده
قام القشتاليون بهجوم ضخم على غرناطة، انتهى بمقتل أميرى
الجيش النصرانى فى مروج غرناطة، وانتهز الأمير فرصة
منازعات بين أمراء قشتالة واستولى على بعض المدن القشتالية
ومنها مدينة «أشكر»، وقد استخدم الغرناطيون المدفع لأول مرة
عند منازلتهم لها. ثم تولى أبو عبدالله محمد الرابع بن إسماعيل
(٧٢٥هـ = ١٣٢٥م) الذى اشتهر بالشجاعة كما كان مغرمًا بالصيد
محبا للأدب والشعر، وفى عهده قامت بعض الفتن الداخلية التى
انتهزها النصارى واستولوا على عدد من الحصون، كما أحرز
أسطولهم نصرًا على الأسطول الإسلامى فى ألمرية ومالقة. وقد
دفع هذا السلطان أن يعبر بنفسه إلى المغرب ليستنجد ببنى
مرين الذين أجابوه إلى ما طلب، ونزلت قوات المرينيين على
جبل الفتح وأمكنها الاستيلاء عليه عام (٧٣٣هـ = ١٣٣٣م)، ولكن
السلطان قُتل فى طريق عودته إلى غرناطة وتولى من بعده
أخوه أبو الحجاج يوسف الأول. وشهدت مملكة غرناطة فى
عهده عصرها الذهبى، فأنشئت المدرسة اليوسفية والنصيرية،
وجرى الاهتمام بتحصين البلاد، وإنشاء المصانع، وإقامة
الحصون، وبناء السور العظيم حول ربض البيازين فى غرناطة،
وأضيفت منشآت كثيرة إلى قصر الحمراء منها باب الشريعة
وغيره، وكان السلطان حريصًا على تفقد أحوال شعبه بنفسه.
ومن الأحداث العظام فى عهده: الوباء الأسود الذى تفشى فى
حوض البحر الأبيض المتوسط عامى (٧٤٩ - ٧٥٠هـ = ١٣٤٨ -
١٣٤٩م)، وشمل المشرق والمغرب، وراح ضحيته عدد عظيم من
علماء الأندلس ورجال الدين والأدب والسياسة فيها. وعلى الرغم
стр. 3111
من قيام أبى الحجاج بعقد سلام مع ملك قشتالة عام (٧٣٤هـ =
١٣٣٤م) فإنه سرعان ما تحطم وبدأ صراع بين غرناطة والمغرب
من ناحية، وقشتالة تساندها أراجون والبرتغال من ناحية أخرى
حول السيطرة على جبل طارق، وبعد معارك انتهى الأمر بين كل
الأطراف بعقد معاهدة مدتها عشر سنوات، وتوفى يوسف الأول
قتيلاً فى (أول شوال ٧٥٥هـ = سبتمبر ١٣٥٧م)، وتولى ابنه
محمد الخامس الغنى بالله، وحدث صراع وتحالف بين هذا الطرف
أو ذاك وبين ملوك النصارى، وانتهت هذه المرحلة بعقد صلح
دائم بين قشتالة وأراجون وغرناطة والمغرب عام (٧٧٢هـ =
١٣٧٠م)، ثم توفى السلطان محمد الخامس الذى كان ملك البرتغال
وسلطان بنى مرين قد ساعداه على استرداد ملكه، وبعده
تعاقب على عرش غرناطة عدد من السلاطين الضعاف وتعرضت
المملكة لكثير من الفتن والدسائس والمؤامرات وجرت اتصالات
وتحالفات مع ملوك النصارى، وبلغ الاضطراب حدا تعاقب فيه
على مملكة غرناطة اثنا عشر سلطانًا خلال القرن (٩هـ = ١٥م)،
تولى بعضهم أكثر من مرة، فشهدت غرناطة اعتلاء عشرين
سلطانًا على عرشها. حدث هذا فى الوقت الذى شهدت إسبانيا
المسيحية نهضة حربية وسياسية توجت بزواج «فرناندو الثالث»
ملك أراجون من «إيزابيلا» ملكة قشتالة، واتحدت الدولتان فى
مملكة واحدة عام (٨٧٤هـ = ١٤٦٩م) بعد طول نزاع وحروب،
وكان ذلك بداية النهاية لمملكة غرناطة الإسلامية التى استمر
بقاؤها معتمدًا - على حد كبير - على استغلال النزاع بين هاتين
المملكتين، وبدأ الملكان الكاثوليكيان يعملان على إنهاء الوجود
الإسلامى فى شبه الجزيرة، وعرف ذلك سلطان غرناطة فامتنع
عن دفع الجزية لقشتالة وبدأ النزاع بين الجانبين، وتمكن
النصارى من الاستيلاء على حصن «الحمة» عام (٨٨٧هـ =
١٤٨٢م). وزاد من سوء الموقف اشتغال الحروب الأهلية بين أفراد
البيت الحاكم؛ فقد هجر السلطان أبا الحسن على ولداه «أبو
عبدالله محمد» و «يوسف» وأعلنا الثورة على والدهما بسبب
стр. 3112
خضوعه لسيطرة زوجته الرومية الأصل وإهماله أمهما، وقد قامت
حروب بين الفريقين، أسفرت عن طرد السلطان أبى الحسن الذى
لجأ إلى مدينة بسطة، كما قتل ابنه يوسف وتولى ابنه أبو
عبدالله على مملكة غرناطة، وقد تعرض السلطان الجديد لهزيمة
على يد النصارى وأسروه ثم أطلقوا سراحه بعد أن أملوا عليه
شروطهم، وواصل السلطان الجديد الحرب ضد والده الذى سرعان
ما توفى وخلفه أخوه أبو عبدالله محمد الملقب بالزغل. انتهز
النصارى فرصة هذه الفتن واستولوا على بعض المدن، وبعثوا
إلى الزغل يعرضون تسليم ما معه من أراضٍ مقابل مال كثير
فوافق ورحل إلى فاس، وهناك وضعه سلطان المغرب فى
السجن وصادر أمواله وسمل عينيه. وقد لجأت مملكة غرناطة فى
السنوات الأخيرة من عمرها إلى السلطات الحاكمة فى مصر تطلب
نجدتها، ولكن مصر المملوكية آنئذٍ لم يكن فى مقدورها أن تفعل
شيئًا بسبب ظروفها الداخلية، وكل ما استطاعته هو التهديد.
بمعاملة المسيحيين فى المشرق معاملة سيئة إذا ما تعرض
المسلمون فى الأندلس للإهانة، وقد أرسل الملكان المسيحيان
سفارة إلى السلطان «قانصوه الغورى» عام (٩٠٧هـ = ١٥٠١م)
طمأنته على وضع المسلمين وأزالت التوتر بين الجانبين. وقد
التقت قوات غرناطة والمرينيين من قبل وحاربوا قوات قشتالة
وليون عند «أسنجة» جنوبى قرطبة سنة (٦٤٧ هـ = ١٢٤٩م)،
وتحمس المسلمون حماسًا عظيمًا ومزقوا قوات قشتالة شر ممزق،
واضطر «ألفونسو العاشر» إلى طلب الصلح، وحدث لقاء مماثل
قرب غرناطة عام (٧١٨هـ = ١٣١٨م) اتحد فيه المسلمون فحققوا
نصرًا مؤزرًا، وهذا يعنى أن قوة المسلمين فى الأندلس كانت
لاتزال تستطيع الدفاع عن نفسها ودحر عدوها إذا وحدت
صفوفها وأدركت أهمية معاركها، ووعت جيدًا دورها فى
مواجهة الأعداء وتثبيت أقدام المسلمين فى أرض الأندلس، لكن
النفور بين المرينيين وبين بنى نصر كان أكثر أذىً وأشد وطأة
من خلافهم مع النصارى. وبقى عبدالله فى الميدان وحده وقد
стр. 3113
رفض تسليم غرناطة وصمم على القتال، وفى عام (٨٩٦هـ =
١٤٩١م) قام الملك «فرناندو» بحصار غرناطة وأفسد زراعتها
وأقام حولها القواعد، ثم توصل الطرفان إلى معاهدة التسليم،
ودخل الملكان الكاثوليكيان مدينة غرناطة فى (الثانى من ربيع
الأول ٨٩٧هـ = الثانى من يناير ١٤٩٢م). بعض مظاهر الحضارة
بغرناطة فى عصر بنى نصر: ازداد عدد السكان فى مملكة
غرناطة بسبب تدفق المهاجرين إليها من المدن الأخرى وبسبب
هجرة المدجنين الذين أفتاهم فقهاؤهم بضرورة مغادرة البلاد
التى سقطت فى يد النصارى، فلجأ إليها العلماء والأدباء وعامة
الناس، كذلك عاش البربر الذين جاءوا لمعاونة غرناطة فى
حروبها ضد المسيحيين، كما تحدثت بعض المصادر عن عناصر
سودانية خارج مالقة، وعن صوفية وفدوا من الهند وخراسان
وبلاد فارس للمرابطة فى سبيل الله، هذا بالإضافة إلى الأفارقة
السود الذين عبروا إلى الأندلس منذ حركة الفتوح الأولى، وقد
تغلغل حب الانتماء إلى القبائل العربية بين الأندلسيين، ويذكر
فى هذا أن بنى نصر ملوك غرناطة ينسبون أنفسهم إلى
الصحابى الجليل «سعد بن عبادة» سيد الخزرج وأحد زعماء
الأنصار. العمارة فى مملكة غرناطة: كان لغرناطة مسجد جامع
من أبدع الجوامع وأحسنها منظرًا. لا يلاصقه بناء، قد قام سقفه
على أعمدة حسان، والماء يجرى داخله. وإلى جانب المسجد
الجامع وجدت مساجد أخرى مهمة مثل: مسجد الحمراء وعدد من
المساجد فى الأحياء المختلفة. واشتهرت مساجد غرناطة
باستخدام الرخام، كما عرفت المساجد الأندلسية بتجميل صحونها
بحدائق الفاكهة وأقيمت المآذن منفصلة عن المساجد يفصل بينها
صحن المسجد، وكانت المئذنة عبارة عن أربعة أبراج مربعة
وتتكون من طابقين، ويحيط بها سور يزين أعلاه بكرات معدنية
مختلفة، وحتى الآن توجد مئذنتان ترجعان إلى عصر دولة بنى
نصر، الأولى مئذنة مسجد تحول إلى كنيسة هى كنيسة «سان
خوان دى لوس ريس»، والثانى ببلدة «رندة» التى تحول
стр. 3114
مسجدها إلى كنيسة باسم «سان سباستيان». الناحية العلمية:
أما فى الناحية العلمية، فقد حافظت تلك الفترة على ما خطه
السابقون وأضافت إليه، ونجد ثبتًا طويلا بأسماء اللامعين فى
كتاب الإحاطة لابن الخطيب، وفى نفح الطيب للمقرى، كما
أنشئت المدارس وتوافرت الاختراعات مثل: المدافع والبنادق التى
استعملها المسلمون فى دفاعهم عن غرناطة، ويحتفظ متحف
مدريد الحربى بنماذج منها حتى الآن. كذلك ازدهرت صناعات
عديدة منها: صناعة السفن، والمنسوجات، وقد أنتجت المصانع
القماش الموشى بالذهب فى ألمرية ومالقة وأقمشة أخرى فى
غرناطة وبسطة، وتم اتخاذ الفراء من بعض الحيوانات البحرية.
كما عرفت المملكة صناعة الأصباغ والجلود والحلى وغيرها؛
كذلك اهتم بنو نصر بالزراعة وما يتصل بها من وسائل الرى
وأنواع المزروعات، وكانت مدينة غرناطة أجمل مدن العالم
بشوارعها وميادينها وحدائقها ومرافقها وكانت تصدر صناعاتها
إلى عدد من البلدان بعضها أوربى، وهناك أسماء كثيرة من
أعلام الفكر ظهرت فى هذه الفترة منها: ابن البيطار وابن خاتمة
وابن الخطيب، وهناك عدد من سلاطين بنى نصر ألفوا كتبًا فى
الأدب، ورعوا العلم ورجاله ومعاهده.
стр. 3115
* الأحمر (بنو)
انفرط عقد الأندلس بعنف بعد هزيمة الموحدين فى معركة
«العقاب» أمام الجيوش الإسبانية والأوربية المتحالفة، وسارت
الأمور من سيئ إلى أسوأ، والقواعد تخرج من قبضة الموحدين
واحدة بعد الأخرى، ينتزع بعضها ابن هود الثائر وبعضها
النصارى وأتاحت هذه الظروف فرصة الظهور والمغامرة
للطامحين من القادة والزعماء. فى تلك الأثناء ظهر محمد بن
يوسف بن نصر أو ابن الأحمر الملقب بالغالب بالله فى وقت
اشتدت فيه المحن، وانعقدت عليه الآمال؛ لتميزه بالشجاعة
ومجاهدة العدو، والتف حوله الناس وبايعوه فى «أرجونة» وما
حولها على بعد ثلاثين كيلو مترًا من «جيان» فى (رمضان ٦٢٩هـ
= يوليو ١٢٣٢م) وتوافد عليه جنود الأندلس؛ فأعلن نفسه أميرًا
وانتقل إلى «جيان»، ودخلت فى طاعته بلاد الجنوب كلها، لكنه
أحس أنه فى حاجة إلى معقل يعتصم به؛ لأن «جيان» مدينة
مكشوفة، فوقع اختياره على غرناطة الواقعة عند سفح جبل
الثلج، وكان يوجد فى أعلى الجبل حصن منيع سبق تعميره
أول عصر ملوك الطوائف، فتوجه إليه وسكنه واستقر به، وشيئًا
فشيئًا أخذ يوسع نطاق سلطانه، حتى أصبحت دولته تضم بين
جنباتها ثلاث ولايات كبيرة هى: غرناطة وألمرية، ومالقة،
ووصلت حدودها إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل
طارق، واتخذ مدينة غرناطة عاصمة لدولته، وساعد على دعم
دولته استيلاؤه على ألمرية ومالقة لما لهما من أهمية عظيمة فى
المجالين التجارى والبحرى. وقد واجهت «ابن نصر» بعض
المشكلات الداخلية والخارجية، منها: علاقته بأصهاره «بنى
أشقيولة» الذين عاونوه ثم انقلبوا عليه، ونقص المال الذى كان
فى أشد الحاجة إليه لتثبيت قواعد سلطانه، ومشكلته مع ملوك
النصارى الذين أدركوا خطر دولته الناشئة وأرادوا القضاء
عليها، فاضطر إلى أن يعقد معهم معاهدة صلح سنة (٦٤٣هـ =
١٢٤٥م) لمدة عشرين عامًا، وبمقتضاها حكم ابن الأحمر مملكته
باسم ملك قشتالة «فرناندو الثالث» ودفع له جزية، ووافق على
стр. 3116
حضور البلاط القشتالى باعتباره واحدًا من أمراء الملك، وعلى
مده بالجنود كلما طلب منه ذلك، وبالفعل أمده ابن الأحمر بقوات
ساعدت على سقوط «إشبيلية» فى يد النصارى فى (٣ شعبان
٦٤٦هـ = نوفمبر ١٢٤٨م). وفى (جمادى الثانية ٦٧١هـ = ديسمبر
١٢٧٢م) توفى محمد بن يوسف بن نصير الملقب بالشيخ، وكان
قد أخذ البيعة لولده محمد، فأقر بذلك مبدأ الملكية الوراثية، وقد
اعتلى محمد الثانى العرش ولقب بالفقيه؛ لاشتغاله بالعلم أيام
أبيه، وقال عنه ابن الخطيب: «وهو الذى رتب رسوم الملك للدولة
ووضع ألقاب خدمتها، ونظم دواوينها وجبايتها، هذا إلى جانب
اعتنائه بالجيش وخاصة فرق الفرسان .. وكان سياسيا بارزًا .. ،
أديبًا عالمًا، يقرض الشعر ويجالس العلماء والأدباء والأطباء
والمنجمين والحكماء، والكتاب والشعراء». وقد واجه الأمير
الجديد ثلاث مشكلات هى، مشكلته مع الإسبان، وقد نجح فى
تحقيق انتصارات عليهم منتهزًا فرصة موت مليكهم، ومع
المرينيين الذين استنصر بهم ليعاونوه فى الجهاد ضد المسيحيين
فإذا بهم يطمعون فى الاستيلاء على الأندلس، الشىء الذى
دفعه إلى التحالف مع ملك أراجون تارة ومع ملك قشتالة تارة
أخرى لدرء خطر المرينيين، وعلى الرغم من تحسن العلاقات بين
غرناطة وفاس، فإن الفقيه لم يكن يطمئن إلى نياتهم، وقد
دفعهم ذلك إلى التحالف مع النصارى مرات، وأخيرًا كانت هناك
مشكلة مع أصهار أبيه «بنى أشقيلولة» التى اشتدت فى زمنه،
وانتهت بصدور أمر يقضى بتهجيرهم إلى مدينة القصر الكبير
بشمالى المغرب جنوب مدينة سبتة سنة (٦٨٧هـ = ١٢٨٨ م).
وعلى كل حال فقد توفى محمد الفقيه فى (شعبان ٧٠١هـ =
أبريل ١٣٠٢م) بعد أن نجح فى دعم دولته داخليا وخارجيا. تولى
الأمر بعد محمد الفقيه ابنه أبو عبدالله محمد، وفى عهده تحالف
ملكا قشتالة وأراجون على غزو مملكة غرناطة برا وبحرًا، ولكن
«ألمرية» تمكنت من الصمود فى مواجهة أقصى هجوم عرفته
стр. 3117
فى تاريخها وتمكن جيشها بقيادة شيخ الغزاة «عثمان بن أبى
العلاء» من هزيمة جيش أراجون، لكن العلاقة ساءت بين غرناطة
وفاس، وقام صاحب مالقة بثورة عارمة ضد الحكومة المركزية،
وكانت فتنة وقتال وحرب وهدنة استمرت أعوامًا ولم تنته إلا
بموت الأمير. ثم تولى أبو الوليد إسماعيل بن فرح (٧١٣هـ =
١٣١٣م) الذى اشتهر بإقامة الحدود وتطبيق الشرع، وفى عهده
قام القشتاليون بهجوم ضخم على غرناطة، انتهى بمقتل أميرى
الجيش النصرانى فى مروج غرناطة، وانتهز الأمير فرصة
منازعات بين أمراء قشتالة واستولى على بعض المدن القشتالية
ومنها مدينة «أشكر»، وقد استخدم الغرناطيون المدفع لأول مرة
عند منازلتهم لها. ثم تولى أبو عبدالله محمد الرابع بن إسماعيل
(٧٢٥هـ = ١٣٢٥م) الذى اشتهر بالشجاعة كما كان مغرمًا بالصيد
محبا للأدب والشعر، وفى عهده قامت بعض الفتن الداخلية التى
انتهزها النصارى واستولوا على عدد من الحصون، كما أحرز
أسطولهم نصرًا على الأسطول الإسلامى فى ألمرية ومالقة. وقد
دفع هذا السلطان أن يعبر بنفسه إلى المغرب ليستنجد ببنى
مرين الذين أجابوه إلى ما طلب، ونزلت قوات المرينيين على
جبل الفتح وأمكنها الاستيلاء عليه عام (٧٣٣هـ = ١٣٣٣م)، ولكن
السلطان قُتل فى طريق عودته إلى غرناطة وتولى من بعده
أخوه أبو الحجاج يوسف الأول. وشهدت مملكة غرناطة فى
عهده عصرها الذهبى، فأنشئت المدرسة اليوسفية والنصيرية،
وجرى الاهتمام بتحصين البلاد، وإنشاء المصانع، وإقامة
الحصون، وبناء السور العظيم حول ربض البيازين فى غرناطة،
وأضيفت منشآت كثيرة إلى قصر الحمراء منها باب الشريعة
وغيره، وكان السلطان حريصًا على تفقد أحوال شعبه بنفسه.
ومن الأحداث العظام فى عهده: الوباء الأسود الذى تفشى فى
حوض البحر الأبيض المتوسط عامى (٧٤٩ - ٧٥٠هـ = ١٣٤٨ -
١٣٤٩م)، وشمل المشرق والمغرب، وراح ضحيته عدد عظيم من
علماء الأندلس ورجال الدين والأدب والسياسة فيها. وعلى الرغم
стр. 3118
من قيام أبى الحجاج بعقد سلام مع ملك قشتالة عام (٧٣٤هـ =
١٣٣٤م) فإنه سرعان ما تحطم وبدأ صراع بين غرناطة والمغرب
من ناحية، وقشتالة تساندها أراجون والبرتغال من ناحية أخرى
حول السيطرة على جبل طارق، وبعد معارك انتهى الأمر بين كل
الأطراف بعقد معاهدة مدتها عشر سنوات، وتوفى يوسف الأول
قتيلاً فى (أول شوال ٧٥٥هـ = سبتمبر ١٣٥٧م)، وتولى ابنه
محمد الخامس الغنى بالله، وحدث صراع وتحالف بين هذا الطرف
أو ذاك وبين ملوك النصارى، وانتهت هذه المرحلة بعقد صلح
دائم بين قشتالة وأراجون وغرناطة والمغرب عام (٧٧٢هـ =
١٣٧٠م)، ثم توفى السلطان محمد الخامس الذى كان ملك البرتغال
وسلطان بنى مرين قد ساعداه على استرداد ملكه، وبعده
تعاقب على عرش غرناطة عدد من السلاطين الضعاف وتعرضت
المملكة لكثير من الفتن والدسائس والمؤامرات وجرت اتصالات
وتحالفات مع ملوك النصارى، وبلغ الاضطراب حدا تعاقب فيه
على مملكة غرناطة اثنا عشر سلطانًا خلال القرن (٩هـ = ١٥م)،
تولى بعضهم أكثر من مرة، فشهدت غرناطة اعتلاء عشرين
سلطانًا على عرشها. حدث هذا فى الوقت الذى شهدت إسبانيا
المسيحية نهضة حربية وسياسية توجت بزواج «فرناندو الثالث»
ملك أراجون من «إيزابيلا» ملكة قشتالة، واتحدت الدولتان فى
مملكة واحدة عام (٨٧٤هـ = ١٤٦٩م) بعد طول نزاع وحروب،
وكان ذلك بداية النهاية لمملكة غرناطة الإسلامية التى استمر
بقاؤها معتمدًا - على حد كبير - على استغلال النزاع بين هاتين
المملكتين، وبدأ الملكان الكاثوليكيان يعملان على إنهاء الوجود
الإسلامى فى شبه الجزيرة، وعرف ذلك سلطان غرناطة فامتنع
عن دفع الجزية لقشتالة وبدأ النزاع بين الجانبين، وتمكن
النصارى من الاستيلاء على حصن «الحمة» عام (٨٨٧هـ =
١٤٨٢م). وزاد من سوء الموقف اشتغال الحروب الأهلية بين أفراد
البيت الحاكم؛ فقد هجر السلطان أبا الحسن على ولداه «أبو
عبدالله محمد» و «يوسف» وأعلنا الثورة على والدهما بسبب
стр. 3119
خضوعه لسيطرة زوجته الرومية الأصل وإهماله أمهما، وقد قامت
حروب بين الفريقين، أسفرت عن طرد السلطان أبى الحسن الذى
لجأ إلى مدينة بسطة، كما قتل ابنه يوسف وتولى ابنه أبو
عبدالله على مملكة غرناطة، وقد تعرض السلطان الجديد لهزيمة
على يد النصارى وأسروه ثم أطلقوا سراحه بعد أن أملوا عليه
شروطهم، وواصل السلطان الجديد الحرب ضد والده الذى سرعان
ما توفى وخلفه أخوه أبو عبدالله محمد الملقب بالزغل. انتهز
النصارى فرصة هذه الفتن واستولوا على بعض المدن، وبعثوا
إلى الزغل يعرضون تسليم ما معه من أراضٍ مقابل مال كثير
فوافق ورحل إلى فاس، وهناك وضعه سلطان المغرب فى
السجن وصادر أمواله وسمل عينيه. وقد لجأت مملكة غرناطة فى
السنوات الأخيرة من عمرها إلى السلطات الحاكمة فى مصر تطلب
نجدتها، ولكن مصر المملوكية آنئذٍ لم يكن فى مقدورها أن تفعل
شيئًا بسبب ظروفها الداخلية، وكل ما استطاعته هو التهديد.
بمعاملة المسيحيين فى المشرق معاملة سيئة إذا ما تعرض
المسلمون فى الأندلس للإهانة، وقد أرسل الملكان المسيحيان
سفارة إلى السلطان «قانصوه الغورى» عام (٩٠٧هـ = ١٥٠١م)
طمأنته على وضع المسلمين وأزالت التوتر بين الجانبين. وقد
التقت قوات غرناطة والمرينيين من قبل وحاربوا قوات قشتالة
وليون عند «أسنجة» جنوبى قرطبة سنة (٦٤٧ هـ = ١٢٤٩م)،
وتحمس المسلمون حماسًا عظيمًا ومزقوا قوات قشتالة شر ممزق،
واضطر «ألفونسو العاشر» إلى طلب الصلح، وحدث لقاء مماثل
قرب غرناطة عام (٧١٨هـ = ١٣١٨م) اتحد فيه المسلمون فحققوا
نصرًا مؤزرًا، وهذا يعنى أن قوة المسلمين فى الأندلس كانت
لاتزال تستطيع الدفاع عن نفسها ودحر عدوها إذا وحدت
صفوفها وأدركت أهمية معاركها، ووعت جيدًا دورها فى
مواجهة الأعداء وتثبيت أقدام المسلمين فى أرض الأندلس، لكن
النفور بين المرينيين وبين بنى نصر كان أكثر أذىً وأشد وطأة
من خلافهم مع النصارى. وبقى عبدالله فى الميدان وحده وقد
стр. 3120
رفض تسليم غرناطة وصمم على القتال، وفى عام (٨٩٦هـ =
١٤٩١م) قام الملك «فرناندو» بحصار غرناطة وأفسد زراعتها
وأقام حولها القواعد، ثم توصل الطرفان إلى معاهدة التسليم،
ودخل الملكان الكاثوليكيان مدينة غرناطة فى (الثانى من ربيع
الأول ٨٩٧هـ = الثانى من يناير ١٤٩٢م). بعض مظاهر الحضارة
بغرناطة فى عصر بنى نصر: ازداد عدد السكان فى مملكة
غرناطة بسبب تدفق المهاجرين إليها من المدن الأخرى وبسبب
هجرة المدجنين الذين أفتاهم فقهاؤهم بضرورة مغادرة البلاد
التى سقطت فى يد النصارى، فلجأ إليها العلماء والأدباء وعامة
الناس، كذلك عاش البربر الذين جاءوا لمعاونة غرناطة فى
حروبها ضد المسيحيين، كما تحدثت بعض المصادر عن عناصر
سودانية خارج مالقة، وعن صوفية وفدوا من الهند وخراسان
وبلاد فارس للمرابطة فى سبيل الله، هذا بالإضافة إلى الأفارقة
السود الذين عبروا إلى الأندلس منذ حركة الفتوح الأولى، وقد
تغلغل حب الانتماء إلى القبائل العربية بين الأندلسيين، ويذكر
فى هذا أن بنى نصر ملوك غرناطة ينسبون أنفسهم إلى
الصحابى الجليل «سعد بن عبادة» سيد الخزرج وأحد زعماء
الأنصار. العمارة فى مملكة غرناطة: كان لغرناطة مسجد جامع
من أبدع الجوامع وأحسنها منظرًا. لا يلاصقه بناء، قد قام سقفه
على أعمدة حسان، والماء يجرى داخله. وإلى جانب المسجد
الجامع وجدت مساجد أخرى مهمة مثل: مسجد الحمراء وعدد من
المساجد فى الأحياء المختلفة. واشتهرت مساجد غرناطة
باستخدام الرخام، كما عرفت المساجد الأندلسية بتجميل صحونها
بحدائق الفاكهة وأقيمت المآذن منفصلة عن المساجد يفصل بينها
صحن المسجد، وكانت المئذنة عبارة عن أربعة أبراج مربعة
وتتكون من طابقين، ويحيط بها سور يزين أعلاه بكرات معدنية
مختلفة، وحتى الآن توجد مئذنتان ترجعان إلى عصر دولة بنى
نصر، الأولى مئذنة مسجد تحول إلى كنيسة هى كنيسة «سان
خوان دى لوس ريس»، والثانى ببلدة «رندة» التى تحول
следующие страницы →