Полный текст (3 483 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
ولكن الصليبيين لم يكفُّوا عن محاولة السيطرة على «مصر» وبلاد
الشام، وظل «صلاح الدين» وفيا بعهده؛ لما عرف عنه من
الشجاعة والمروءة والمحافظة على العهد، إلى أن نقض
«أرناط» حاكم «حصن الكرك» الهدنة معه فى سنة (٥٨٣هـ)،
وهاجم إحدى قوافل الحج، فكانت هذه الجريمة هى الشرارة
التى أشعلت نار الحرب بين الفريقين، فقد غضب «صلاح الدين»
من هذا العمل الوحشى، خاصة وأن القافلة كانت فى طريقها
إلى حج بيت الله الحرام، فهدد «صلاح الدين» «أرناط» وأنذره
بالقتل إذا تمكن منه، وأعد عدته لقتال الصليبيين، ووافته
الإمدادات من المدن الشامية والمصرية، وسار إلى «طبرية»
وحاصرها، فلما علم الصليبيون باستعداداته الحربية اجتمعوا
ببلدة تُدعى «صفورية»، وتناقشوا فى خطة الحرب الواجب
اتباعها إزاء «صلاح الدين»، واستقر رأيهم على هجوم
المسلمين، وتقدموا واحتلوا تلا على مقربة من «حِطِّين» فى
الوقت الذى تمكن فىه «صلاح الدين» من السيطرة على مدينة
«طبرية» باستثناء قلعتها التى استعصت عليه، فتركها ومضى
لملاقاة الصليبيين. وفى سنة (٥٨٣هـ = يولية ١١٨٧م) دارت
الموقعة الحاسمة بين جيش المسلمين بقيادة البطل الشجاع
«صلاح الدين» وبين الصليبيين، فشن جيش المسلمين حملة هزت
جنبات «حطين»، وكان نداء «الله أكبر» و «لا إله إلا الله محمد
رسول الله» حافزًا قويا ومؤثرًا فى دخول الجنود المعركة ولا هم
لهم إلا النصر أو الشهادة، فنصرهم الله نصرًا مؤزرًا، ونال
الصليبيون هزيمة ساحقة، وفر مَنْ بقى منهم هربًا، فسجد
«صلاح الدين» شكرًا لله على ما منحه من نصر، وكان هذا
الانتصار فاتحة خير على المسلمين، وبداية لسلسلة من
الانتصارات على الصليبيين، واستسلمت «قلعة طبرية» وسلمت
لصلاح الدين عقب هذا الانتصار، واتجه «صلاح الدين» صوب
الساحل وحاصر «عكا» حتى استسلمت بعهد وأمان، ثم تتابع
-بعد ذلك - استسلام باقى المدن الساحلية التى تقع جنوب
стр. 3187
«عكا» وهى: «نابلس» و «الرملة» و «قيسارية» و «أرسوف»
و «يافا» و «بيروت»، وكذا المدن الواقعة شمال «عكا» مثل:
«الإسكندرونة»، وكلها حصلت على العهد بالأمان من «صلاح
الدين» الذى لم يبق أمامه سوى أن يمضى فى طريقه إلى
«فلسطين»، فاستسلمت «عسقلان» له أثناء مروره بها، وحانت
المواجهة الحاسمة لتحرير «بيت المقدس». الفتح المبارك: شاءت
إرادة الله أن يكون تحرير «المسجد الأقصى» - أولى القبلتين
وثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - - على يدى البطل الشجاع «صلاح الدين الأيوبى»، الذى
حاصر مدينة «بيت المقدس» حتى اضطر مَنْ بداخلها إلى
الاستسلام وطلب الصلح، فأجابهم «صلاح الدين» إلى طلبهم
وأمهلهم مدة أربعين يومًا للجلاء عن المدينة ومعهم أمتعتهم،
وترك بسماحته زوجة «أرناط» تخرج من المدينة بسلام مع مَن
خرج، ولم يتعرض «صلاح الدين» لأحد بسوء، وسمح لبطريق
المدينة بالخروج مثل باقى الأهالى الذين حملوا معهم ثرواتهم
وكنوزهم وتحفهم، ودخل «بيت المقدس»، وبدأ على الفور فى
إصلاحها، ورمَّم «المسجد الأقصى»، وأقام فيه فترة بعد أن
حرره من المغتصبين المستعمرين، ليعلو صوت الحق والعدل من
جديد، ويصبح «صلاح الدين» ثانى القادة الفاتحين - الذين دخلوا
هذه المدينة - بعد «عمر بن الخطاب» - رضى الله عنه-الذى فتحها
الفتح الأول. صلح الرملة: أوشكت الأمور على الاستقرار بعد
الانتصارات العظيمة التى حققها «صلاح الدين الأيوبى»، ولكن
أوربا أرادت أن تحول دون تحقيق ذلك، وأرسلت حملة من أقوى
الحملات الصليبية وأكثرها عددًا وعدة وعتادًا؛ ضمت ملوك أوربا
بعد أن دعا البابا إلى حرب المسلمين، وأعلن قدسية هذه
الحرب، فتشكلت حملة من «ألمانيا» وأخرى من «فرنسا» وثالثة
من «إنجلترا»، وخرجت جميعها فى طريقها إلى العالم الإسلامى
لتخريبه، فوقف «صلاح الدين» صامدًا أمام هذه الحملات الكبيرة
стр. 3188
التى أتت من البر والبحر، واستطاعت السيطرة على المناطق
الساحلية، ومع ذلك عمد «صلاح الدين» إلى تقوية جيشه وتنظيم
جبهته الداخلية على الرغم من مرضه، فطلب الصليبيون الصلح
الذى عُرف بصلح الرملة، وبدأت المفاوضات بين «الملك العادل»
نائبًا عن «صلاح الدين»، و «ريتشارد» قائد حملة الصليبيين،
واتفق الطرفان على «صلح الرملة» الذى كان من أهم شروطه: أ
- تخريب «عسقلان»؛ لأنها مفتاح «بيت المقدس». ب - يحكم
الصليبيون الساحل من «صور» إلى «يافا»، ويكون جنوبى ذلك
الساحل لصلاح الدين، على أن يقع «بيت المقدس» فى حدوده
وتحت سيطرته. ج - يُسمَح للمسيحيين بالحج إلى «بيت المقدس»
فى أمن وأمان. وهكذا اتفق الطرفان على بنود هذا الصلح
التاريخى، ليكون بداية مرحلة جديدة لهذه البلاد، التى فقدت
قائدها «صلاح الدين» عقب هذا الصلح، ليأخذ الصراع مع
الصليبيين وضعًا آخر. وفاة صلاح الدين الأيوبى: خرج «صلاح
الدين» من «القاهرة» لآخر مرة فى طريقه إلى الشام سنة
(٥٧٨هـ)، لتوحيد صفوف المسلمين وإعدادهم لقتال الصليبيين،
وعلى الرغم من طول فترة حكمه التى بلغت أربعة وعشرين
عامًا فإنه لم يمكث فى مصر سوى ثمانى سنوات فقط، فلما
أراد مغادرة «القاهرة» فى المرة الأخيرة، خرج رجال القصر
لتوديعه عند بركة الجيش وأنشده أحد الشعراء شعرًا استاء منه،
وشعر أنه لن يرى «مصر» ثانية، وقد صح حدسه؛ إذ مرض أثناء
مفاوضاته مع الصليبيين فى «صلح الرملة» ولزم فراشه؛ ثم لقى
ربه فى سنة (٥٨٩هـ = ١١٩٣م)، وله من العمر خمسة وخمسون
عامًا، بعد أن أسر الناس بجليل أعماله، وقهر الصليبيين
بشجاعته، وخلَّص العالم الإسلامى بقوة إيمانه من كوارث داخلية
وخارجية كادت تودى به وتوقعه فى أيدى الأعداء. يُعدُّ «صلاح
الدين» من الشخصيات العظيمة النادرة فى التاريخ الإسلامى،
فقد كان سياسيا ماهرًا، وقائدًا محنكًا نبيلا، مخلصًا فى
стр. 3189
تصرفاته، ميالا إلا التسامح والعفو، محبا للعلم والأدب، وفيا مع
أصدقائه وأعدائه على السواء. خلفاء صلاح الدين [٥٨٩ - ٦٤٨هـ
= ١١٩٣ - ١٢٥٠م]: بعد وفاة «صلاح الدين» انقسمت السلطنة
الأيوبية بين أبنائه الثلاثة وأخيه وبعض أقاربه، فاستقل ابنه
«العزيز» بمصر، واستقل ابنه «الأفضل» بدمشق و «وسط
سوريا»، وابنه «الظاهر» بحلب، أما أخوه «العادل» فحكم
«العراق» و «ديار بكر» و «الرها»، وتولَّى أبناء عمومته «حماة»
و «حمص» و «بعلبك» و «اليمن»، وهكذا قضى أبناء «صلاح
الدين» وأقاربه على وحدة الدولة، ولم يفهموا الهدف الذى سعى
طيلة حياته من أجل تحقيقه. العزيز عماد الدين [٥٨٩ - ٥٩٥هـ =
١١٩٣ - ١١٩٩م]: خلف «صلاح الدين» على عرش «مصر» أصغر
أبنائه «الملك العزيز»، وكان شابا فى الحادية والعشرين من
عمره، يتصف بالشجاعة والرحمة والعفة والأخلاق الحميدة،
وحكم «مصر» فى حياة أبيه «صلاح الدين» نيابة عنه، ومكَّنه
ذلك من اعتلاء عرشها عقب وفاته، إلا أنه كان يفتقد إلى الدراية
السياسية فى تسيير أمور البلاد واستقرار أحوالها، فاستعان
بعمه «العادل» واستوزره ليقوم بهذه المهمة، ومات «العزيز»
فى سنة (٥٩٥هـ). المنصور ناصر الدين [٥٩٥ - ٥٩٦هـ = ١١٩٩ -
١٢٠٠م]: خلف «العزيز» ابنه «الملكُ المنصور» وهو طفل فى
التاسعة من عمره، فحكم «مصر» مدة سنة وتسعة أشهر، فرأى
«الملك العادل» أن الدولة أوشكت على الانهيار تحت حكم الملك
الطفل، فجمع العلماء والفقهاء فى مجلس للتشاور فيما يجب
فعله، فقرر الجميع وجوب خضوع الصغير للكبير، وتولى
«العادل» عرش «مصر»، فأصبحت تحت يده أهم أجزاء دولة
«صلاح الدين»، واعترفت الولايات بسيادته، وساهمت فى
حروبه، وضربت «السكة» باسمه، وخُطب له فوق كل المنابر
الإسلامية السلطان العادل سيف الدين [٥٩٦ - ٦١٥هـ = ١٢٠٠ -
١٢١٨م]: يعد «العادل» أعظم سلاطين الأيوبيين بعد «صلاح
الدين»، فقد اكتسب خبرة واسعة من اشتراكه مع أخيه «صلاح
стр. 3190
الدين» فى غزواته ومفاوضاته وإدارة الأقاليم، إذ وكل إليه
«صلاح الدين» معاونة «العزيز» فى حكم «مصر»، كما عهد إليه
بحكم «حلب»، ثم «العراق»، وذاع صيت «العادل» بين ملوك
«أوربا»، واشتهر بالكفاءة والدهاء والدراية بشئون الحكم، ولم
يتأخر فى حمل المسئولية حين رأى تدهور الأوضاع بمصر
وحاجتها إليه، فكان الرجل المناسب لتلك المرحلة. بعض
الصعوبات التى واجهت العادل: تأثر «العادل» تأثرًا بالغًا
بشخصية أخيه «صلاح الدين»، فسار على نهجه فى إدارة
البلاد، رغم الصعوبات التى واجهته، فقد ثارت ضده طائفة
الشيعة الإسماعيلية مثلما ثارت من قبل فى وجه أخيه «صلاح
الدين»، وحاولت هذه الطائفة زعزعة ملك «العادل» وتفريق البلاد
وتشتيت الصفوف، فعمل «العادل» على الحيلولة دون حدوث
ذلك، وتمكن من القبض على عناصرها وسجنهم سنة (٦٠٥هـ)،
فخرجت جماعة أخرى تنادى بتولية أحد أبناء «صلاح الدين»
أمور الدولة، وكان هذا الابن لايزال طفلا صغيرًا، فاستطاع
«العادل» التغلب عليهم وإعادة الاستقرار إلى بلاده، إلا أن
انخفاض مياه النيل كان إحدى العقبات الطبيعية التى واجهته،
فقد حدثت بسببه مجاعة وقحط شديدان؛ نتيجة قلة الزراعة، كما
أن الحملات الصليبية لم تهدأ فى عهده؛ إذ لم ترضَ «أوربا» عن
استقرار أحوال البلاد الإسلامية، فعملت على زعزعتها، وأرسلت
حملة صليبية هاجمت «مصر» ووصلت إلى «دمياط» وحاصرت
حصونها، ثم تمكنت منها، واستولت على برجها الحصين «برج
السلسلة»، يضاف إلى ذلك كله العقبات الداخلية التى واجهت
«العادل» أثناء حكمه لمصر. وفاة العادل: على الرغم مما واجهه
«العادل» من صعاب داخلية وخارجية فى الحكم، فقد اتسع ملكه
إلى حد كبير، وقلَّده الخليفة العباسى بمرسوم رسمى حكم
«مصر» والشام وأرض الجزيرة، وخلع عليه الخلع الثمينة، فوزع
«العادل» حكم مملكته الواسعة بين أبنائه التسعة عشر نيابة
عنه؛ ليضمن وحدتها وتماسكها، فأناب ابنه «الكامل» عنه فى
стр. 3191
«مصر»، وجعل «المعظَّم عيسى» على الشام، و «نجم الدين
أيوب» على «ميافارقين» ونواحيها، وأناب ابنه «الأشرف
مظفر» على «الولايات الشرقية». وقد ضمن «العادل» وحدة
دولته فى حياته، إلا أنه تركها إرثًا موزعًا بين أبنائه بعد
وفاته، فكان لذلك أثره الخطير فى قوة الدولة وتماسكها.
وحين سمع «العادل» بسقوط «برج السلسلة» بدمياط حزن حزنًا
شديدًا، فمرض ومات سنة (٦١٥هـ)، وكتم أصحابه خبر موته
ونقلوه إلى «دمشق»، حيث تولى ابنه «الكامل» حكم «مصر».
كان «العادل» حاكمًا عادلا، ذكيا، حليمًا، حسن التدبير، محبًا
للعلماء والأدباء ومشجعًا لهم، كما كان سياسيا محنكًا، قام
برحلات عديدة جاب بها أطراف مملكته الشاسعة، كى يضمن
استتباب الأمن والنظام، كما كان متفقدًا لأحوال أبنائه فى
الأقاليم التى أنابهم عنه فى حكمها. الكامل ناصر الدين [٦١٥ -
٦٣٥هـ = ١٢١٨ - ١٢٣٧م]: حكم «الكامل» «مصر» نيابة عن أبيه
«العادل» فى حياته، فلما مات استقل الكامل بحكم «مصر» فى
ظروف حرجة، إذ كان الصليبيون منتصرين فى «دمياط»، وكان
عليه دحر هذا الانتصار الذى أدى إلى موت أبيه كمدًا، وخرج
عليه عدد من الأمراء لعزله فى الوقت الذى يتصدى فيه للصليبيين
بدمياط، فتمكن من التغلب عليهم، ولكن الصليبيين استغلوا حالة
التمرد والتفكك الداخلى واستولوا على «دمياط»، إلا أن
«الكامل» استطاع توحيد بلاد المسلمين، وتمكن من دخول
«نابلس»، وتحرير «بيت المقدس»، واتسع ملكه لدرجة جعلت أئمة
المساجد يدعون له من فوق المنابر بقولهم: «سلطان مكة
وعبيرها، واليمن وزبيرها، ومصر وصعيدها، والشام
وصناديدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، ورب
العلامتين، وخادم الحرمين الشريفين». ورث عن أبيه صفاته
الطيبة، فكان قائدًا قديرًا، وسياسيا بارعًا، وإداريا نشيطًا،
حازمًا يدير أمور دولته بنفسه، لدرجة أنه لم يعين وزيرًا بعد
وفاة وزير أبيه، وقام بالأمر بمفرده، وكان محبا للحديث،
стр. 3192
مشجعًا للعلماء والأدباء، فقد كان عالمًا، ينظم الشعر ويجيده.
ظل فى حكم البلاد التى تحت يديه حتى وفاته سنة (٦٣٥هـ)،
فأخذت الدولة فى الضعف والانحلال من بعده. العادل الثانى
[٦٣٥ - ٦٣٧هـ = ١٢٣٧ - ١٢٤٠م]: يُطلَق اسم «العادل الصغير» أو
«العادل الثانى» على هذا السلطان، تمييزًا له عن الملك
«العادل» أخى «صلاح الدين»، وقد كان «العادل الثانى» نائبًا
عن أبيه «الكامل» فى حكم «مصر»، فلما مات أبوه أصبح
سلطانًا على «مصر»، ولكن اضطراب الأوضاع، وضعف الدولة
جعلاه لا يستمر طويلا فى حكم البلاد، فتولى أخوه «الصالح
نجم الدين أيوب» الحكم من بعده. الصالح نجم الدين أيوب
(٦٣٧ - ٦٤٧هـ = ١٢٤٠ - ١٢٤٩]: ورث «الصالح نجم الدين أيوب»
عرشًا مضطربًا، مزعزع الأركان جلب عليه الكثير من المشاكل
والمتاعب، فدبر أموره، وأعد عدته وتمكن من القضاء على
أكثر هذه المصاعب التى واجهته رغم شدتها، فلما تم له ما أراد
تحول بقوته إلى مواجهة الصليبيين، ولم يألُ جهدًا فى جهاده
ضدهم، واستطاع استعادة «بيت المقدس» ثانية من قبضتهم،
فاستقرت له الأحوال، وحل السلام بينه وبين أمراء مملكته،
وتفرغ لمواصلة جهاده ضد الصليبيين؛ أملا منه فى تحرير البلاد
كافة من أطماعهم. بداية المماليك: أكثر «الصالح نجم الدين
أيوب» من استجلاب المماليك لمساعدته فى حروبه ضد
الصليبيين، فنبغ منهم عدة أشخاص كان لهم أكبر الأثر فى
تغيير مجرى السياسة المصرية، ومنهم «شجرة الدر» الأرمينية
الأصل، والتى كانت أم ولد للصالح نجم الدين أيوب، ولازمته فى
حياة أبيه «الكامل»، وظلت معه بذكائها حتى أنجبت من
«الصالح أيوب» ابنه «خليل» فتوطدت مكانتها، فلما أصبح
سلطانًا على «مصر» اتخذها إلى جواره ملكة غير متوَّجة، فقد
كانت تعمل على راحته، ووجد فيها ما يحبه. وفاة الصالح نجم
الدين أيوب: مات «الصالح أيوب» فى ليلة النصف من شعبان سنة
(٦٤٧هـ)، وكانت الحرب لاتزال دائرة بين المسلمين والصليبيين
стр. 3193
أمام «المنصورة»، فأعملت «شجرة الدر» عقلها وتجلى
ذكاؤها، وأخفت خبر وفاته عن الناس فى تلك الفترة العصيبة
من تاريخ «مصر» و «الشام»، وأمرت أحد أطبائه بغسل جثمانه
ووضعه فى تابوت، ثم حمله فى الظلام إلى «قلعة الروضة»، ثم
إلى «قبو» بجوار المدرسة الصالحية ودفنه هناك، وأخبرت
الأمراء أن «السلطان مريض لا يصل إليه أحد»، ولم تعلن خبر
وفاته إلا بعد انتصار المسلمين على الصليبيين، ورد حملتهم،
فاستمر العزاء ثلاثة أيام بلياليها بمدرسته، وبعثت «شجرة الدر»
بالسناجقة السلطانية، وأمرت بأن تُعلَّق داخل القاعة على ضريح
«الملك الصالح»، ليرى الزائر آلات الجهاد التى كان يحملها آخر
سلاطين «بنى أيوب» فى جهاده ضد الصليبيين فى معركة
«المنصورة»، فقد كان «الصالح أيوب» من أعظم سلاطين
«مصر» وأشجعهم. المعظم توران شاه [٦٤٧ - ٦٤٨ هـ = ١٢٤٩ -
١٢٥٠م]: قبل أن تعلن «شجرة الدر» عن وفاة الملك «الصالح
أيوب» أرسلت فى استدعاء ابنه «توران شاه» الذى كان غائبًا
عن «مصر»، فقد كان فى «حصن كيفا»، وقبل وصوله أصدرت
أوامرها للأمراء وأكابر رجال الدولة بأن يحلفوا يمين السلطنة
لتوران شاه، وأمرت خطباء المساجد بالدعاء له، وأدارت
«معركة المنصورة» حتى وصل «توران شاه»، فتسلم قيادة
الحرب وزمام الملك، ولم يمكث على عرش السلطنة أكثر من
شهرين، ثم خرج لملاقاة الصليبيين الذين دخلوا «المنصورة»،
وأخذوا يتقدَّمون نحو «القاهرة»، فتصدَّى لهم، وقاد المعركة
بمهارة فائقة حتى تم النصر للمسلمين، فأحبه الناس وقدروه، إلا
أن سيرته لم تكن حسنة، فقتل سنة (٦٤٨هـ). نهاية الدولة
الأيوبية: تولت «شجرة الدر» زمام سلطنة «الأيوبيين» فى «مصر»
لمدة ثمانين يومًا عقب مقتل «توران شاه»، ثم تزوجت «عز الدين
أيبك» التركمانى، وتنازلت له عن العرش بسبب المشاكل التى
واجهتها، وعدم رضى الخليفة العباسى عن توليها السلطنة،
ولكن «عز الدين» كان رجلا ضعيف الرأى، فأسدل الستار على
стр. 3194
الدولة الأيوبية، إحدى أعظم الدول الإسلامية فى العصور
الوسطى، بعد أن نالت مكانة عظيمة فى تاريخ المسلمين، وبدا
فى الأفق ظهور دولة جديدة فى تاريخ المسلمين هى دولة
المماليك. النظم والحضارة فى العصر الأيوبى النظام السياسى:
كان السلطان الأيوبى يطلب من الخليفة العباسى - بصفته الرئيس
الأعلى لبلاد المسلمين - تفويضًا يجعل حكمه فى «مصر» شرعيا،
رغم أن سلطان الأيوبيين على البلاد التى تحت أيديهم كان
سلطانًا مطلقًا، ولم تكن للخلافة العباسية عليه أية نفوذ، ولكن
سلاطين الدولة الأيوبية حرصوا على الحصول على هذا التفويض
دومًا، وكان «الناصر صلاح الدين» أول مَنْ اتشح بخلعة الخليفة
العباسى من سلاطين «مصر» الأيوبيين. ألقاب السلطان
وأعماله: يُعدُّ «صلاح الدين» أول مَنْ اتخذ لقب السلطنة من حكام
«مصر»، وقد حصل على لقب «سلطان»، ولقب: «محىى دولة
أمير المؤمنين» لأعماله الجليلة التى قام بها فى نشر المذهب
السنى والقضاء على المذهب الإسماعيلى الشيعى، ونجاحه فى
مناهضة الصليبيين وصدهم عن بلاد المسلمين، ومع ذلك فقد كان
«صلاح الدين» رجلا متواضعًا، واتخذ من لقب: «السلطان الملك
الناصر» لقبًا للتعامل، رغم حصوله على ألقاب عديدة تحمل فى
طياتها معانى العظمة والأبهة والجاه مثل: «السيد العالم العادل
المظفر المنصور، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين،
وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، إسكندر الزمان،
صاحب القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، سيد الملوك
والسلاطين»، ومما لاشك فيه أن هذه الألقاب تبين عظمة ما بلغه
سلاطين الدولة الأيوبية، خاصة أن لكل لقب من هذه الألقاب
موقفًا عظيمًا وحادثًا جللا خاضه السلطان فمُنح اللقب على إثره.
دُوِّنت الألقاب فى الرسائل التى تُبودلت بين السلاطين وملوك
«أوربا» وفى الكتابات التاريخية، وعلى السكة والعمائر،
والتحف الفنية، وفهارس دار الآثار العربية. كان السلطان يقيم مع
стр. 3195
أسرته وحاشيته ورجال بلاطه فى «قلعة الجبل»، وهو رئيس
الدولة الأعلى الذى له الحق فى الهيمنة على شئون الأمراء
الخاصة والعامة، وفى تدرجهم الوظيفى، وفى توزيع الإقطاعات
والجنود عليهم وتحديد أنصبتهم، وكان على السلطان تعيين
موظفى الدولة وعزلهم، وتأديبهم والنظر فى المظالم وقيادة
الجيوش فى الحروب. وكان للدولة الأيوبية مجلس شورى تُقَرُّ من
خلاله مشروعات الدولة الحيوية كإعلان حرب أو إبرام صلح أو
إصلاح لهيكل من هياكل الدولة، وكان هذا المجلس يُسمَّى:
«مجلس السلطنة»، وكان أعضاؤه من كبار موظفى الدولة
للاستئناس بآرائهم ومشورتهم قبل الإقدام على تنفيذ
المشروعات والخطط، ويتولى «أمير مجلس» -الذى يشبه منصبه
منصب كبير الأمناء - الآن - الأمور الخاصة بمجلس السلطنة، وله
حق التصرف فى شئون البرتوكول، كما كان يتمتع بالجلوس فى
حضرة السلطان بحكم هذه الوظيفة. نائب السلطان: نيابة
السلطنة وظيفة استحدثها السلاطين الأيوبيون، فأصبح النائب
كأنه سلطان ثانٍ، ويشترك مع السلطان فى منح لقب الإمارة،
وتوزيع الإقطاعات، وتعيين الموظفين، وتوقيع المراسيم
والمنشورات، وتنفيذ القوانين، والخروج على رأس فرق الجيش
فى المواكب الرسمية، يحف به الأمراء عند دخوله أو خروجه من
قصر السلطان، وكان يُلقَّب بكامل المملكة الشريفة الإسلامية، لأن
من اختصاصاته تصريف أمور الدولة عامة سواء أكان السلطان
بالقاهرة أم كان متغيبًا عنها. وهناك نوع آخر من النيابة يقول
عنه «المقريزى»: «يقوم النائب فيها بمهام الدولة إذا خرج
السلطان إلى الصيد، أو سار على رأس الجيش فى حرب
خارجية». الوزير: اتخذ سلاطين الدولة الأيوبية فى «مصر» وزراء
لم يحددوا سلطتهم، ولم يجعلوها مقصورة على التنفيذ، بل
جعلوها سلطة مطلقة، فأصبحت الوزارة أعلى الوظائف
وأرفعها، وأصبح صاحبها باب الملك المقصود، ولسانه الناطق،
ويده المعطاءة. النظام القضائى فى عهد الأيوبيين: فى سنة
стр. 3196
(٥٦٤هـ) افتتح الناصر «صلاح الدين» مدرستين لتدريس الفقه،
وجعل إحداهما لتدريس الفقه الشافعى، وجعل الأخرى للفقه
المالكى، وفصل جميع القضاة الشيعة، وعين بدلا منهم قضاة من
الشافعية السنيين، فاقتصر القضاء على مذهب الإمام
«الشافعى»، كما أن قاضى الشافعية «صدر الدين درباس» لم
يُنب عنه فى أقاليم «مصر» إلا من كان شافعيا، ومن ثم انتشر
المذهب الشافعى فى «مصر» وما يتبعها من أقاليم. وكان الذى
يتولى منصب القضاء فى «القاهرة» وسائر أعمال الديار
المصرية، فى عهد الأيوبيين قاضٍ واحد هو بمثابة قاضى
القضاة، وله حق إنابة نواب عنه فى بعض الأقاليم. أعوان
القاضى: كان للقاضى فى عهد الأيوبيين أعوان يساعدونه على
العدل فى الحكم وإعادة الحقوق إلى أصحابها، فكان منهم
«الجلواز» الذى يستعين به القاضى على تنظيم قاعة الجلسة،
وحفظ النظام، وترتيب الخصوم وفق ترتيب حضورهم، ومنعهم من
التقدم إلى القاضى فى غير دورهم، ومراعاة الآداب فى مجلس
القضاء. ومنهم «الأعوان» ومهمتهم إحضار الخصوم إلى
المحكمة، والقيام بين يدى القاضى عند نظره فى الخصومات
إجلالا لمركزه .. ومنهم «الأمناء» ومهمتهم حفظ أموال اليتامى
والغائبين. ومنهم «العدول» ومهمتهم مراعاة دقة عبارات
السجلات والعقود ومطابقتها للشرع، وتزكية الشهود. وقد
استقرت النفوس وهدأت فى ظل هذا النظام القضائى المنضبط،
لأن القضاء العادل من شأنه أن يجعل الناس سواء، خاصة أن
مصادر القضاء الإسلامى المتمثلة فى القرآن والسنة وإجماع
العلماء والاجتهاد كانت هى الأسس التى سار عليها قضاة ذلك
العصر، فقلَّت المظالم، واستقرت أحوال البلاد. التطور
الاقتصادى فى العهد الأيوبى: تأخذ الأمم القوية بأسباب قوتها،
وتعمل على استثمار الإمكانات المتاحة لها لتنمية ثرواتها، لذا
فإن تقدم الأمم وقوتها مرتبط بنجاح اقتصادها وقوته واستمرار
روافده، وكانت الدولة الأيوبية إحدى الدول القوية ذات الاقتصاد
стр. 3197
القوى، فقد امتلكت ما تركه الفاطميون عقب سقوط دولتهم،
ونظمت الخراج والجزية، بالإضافة إلى غنائم حروبها وفدية
الأسرى، واستخدمت هذه الموارد لصالح البلاد الإسلامية كافة،
وأنفقت على تسليح الجيش وإعداده جزءًا كبيرًا منها، وبنت
القلاع والحصون، وقامت بالإصلاحات الداخلية فى البلاد. غَيَّر
«الناصر صلاح الدين» النظام الاقتصادى الذى كان سائدًا قبله،
وقلل من النظام الإقطاعى، فقضى بذلك على استقلال أمراء
الإقطاعات، وقوَّى الحكومة المركزية، فكان لهذا أثره الكبير
فى ازدهار حالة البلاد الاقتصادية. وقد أولى «الأيوبيون»
الزراعة عنايتهم؛ فهى عماد حياة البلاد، فطهَّروا الترع،
وأقاموا الجسور، ونظموا وسائل الرى، لدرجة أن السلطان
«الكامل» كان يراقب المهندسين بنفسه أثناء إقامتهم السدود
والخزانات، وغير ذلك من أعمال الرى الخاصة، فنشطت الزراعة
دون أن تؤثر الحروب عليها، فقد كانت حروب الأيوبيين تتوقف
فى «سوريا» شتاءً، وهو موسم الزراعة فى «مصر». ونشطت
التجارة كما ازدهرت الزراعة فى العصر الأيوبى، وأصبحت
«مصر» -آنذاك - همزة الوصل بين تجارة الشرق والغرب، وعقد
السلطان «العادل» معاهدة تجارية مع «البندقية» فى سنة
(٦٠٥هـ = ١٢٠٨م)، حصل البنادقة بمقتضاها على تسهيلات
تجارية فى الموانى المصرية، خاصة «الإسكندرية»، فى مقابل
أن يمنعوا الصليبيين، من التقدم نحو «مصر»، فلما ولى السلطان
«الكامل» حكم البلاد أقر ما اتفق عليه السلطان «العادل» مع
أهل «البندقية»، وسمح لهم بتأسيس سوق تجارية فى
الإسكندرية، سُمِّيت «سوق الأيك»، ومنح الامتيازات نفسها لأهل
«بيزة» الذين أرسلوا قنصلا لهم إلى «الإسكندرية»، فأدت هذه
الخطوات إلى ازدهار التجارة وانتعاش الاقتصاد، وزيادة دخل
الدولة. وجدير بالذكر أن «مصر» مرت بانتكاسة اقتصادية فى
عهد «العادل» نتيجة انخفاض مياه النيل الذى ترتب عليه قلة
الزراعة، فحدثت المجاعة واشتد القحط، وبذل «العادل» جهودًا
стр. 3198
كبيرة لمواجهة هذه الأزمة، فكان يخرج بنفسه أثناء الليل
ويوزع الأموال على الفقراء والمساكين والغرباء، ولكن الموقف
ازداد سوءًا وتفاقم خطره حين وقع زلزال مروِّع وقت المجاعة
هدم كثيرًا من المبانى، وأزهق أرواحًا لا تُحصَى فى «مصر»
والشام، ولكن الأوضاع سرعان ماعادت إلى طبيعتها بعد زيادة
مياه النيل سنة (٦٠١هـ = ١٢٠٤م)، فزادت الغلال وخفت المجاعة،
وانتهى أمر النكبة بعد أن تكاتف الجميع للقضاء عليها وإعادة
الاقتصاد إلى سابق عهده؛ ليتتابع الكفاح ضد الصليبيين من
جديد. وهكذا كان اقتصاد الدولة الأيوبية اقتصادًا منظمًا زادت
فيه موارد الدولة وشعر الجميع بانتعاش اقتصادى عَمَّ أرجاء
البلاد. النظام الحربى فى عهد الأيوبيين: كانت حياة الأيوبيين
سلسلة متتابعة من الجهاد والنضال والقتال، ولذا كان اهتمامهم
بالجيش وعنايتهم بأمره، لدرجة أن سلاطين «بنى أيوب» أنفقوا
معظم إيرادات الدولة على إصلاح الجيش، وبناء ما يلزمه من
الحصون والقلاع، فلعب الجيش دورًا خطيرًا خلال تلك الحقبة من
التاريخ الإسلامى. تألف معظم الجيش الأيوبى من الترك والأكراد،
وكان له «مجلس حرب» اعتاد السلطان أن يستشيره فى الخطط
التى يجب أن تُتبع، وكان يخضع لرأى المجلس مهما يكن. قسم
الأيوبيون الجيش إلى عدة فرق، تُنسَب كل منها إلى أحد القواد
العظماء، فكانت هناك فرقة «الأسدية» نسبة إلى «أسد الدين
شيركوه»، و «الصلاحية» نسبة إلى «صلاح الدين» .. إلخ، وكان
لأمراء هذه الفرق نفوذ كبير، وكان الجيش مكونًا من الفرسان
والمشاة، وكانت أسلحته من السهام والرماح والنبال والنار
اليونانية. ألَّف «الصالح أيوب» جيشه من الأتراك والمماليك الذين
استكثر من شرائهم، وبنى لهم قلعة بجزيرة الروضة جهزها
بالأسلحة والآلات الحربية والأقوات، وأسكنهم فيها، وعُرفوا منذ
ذلك الحين باسم المماليك البحرية، وقد أسسوا دولة -فيما بعد-
стр. 3199
عُرِفَت باسمهم. البحرية فى العهد الأيوبى: لم يقتصر إعداد
«صلاح الدين» على الجند فى البر وتحصين البلاد، بل وجه
اهتمامه إلى سلاح البحرية الذى بلغ درجة عظيمة من التقدم،
واهتم بتأسيس الأسطول اهتمامًا كبيرًا خاصة أن الصليبيين كانوا
يستخدمون البحر فى هجومهم على البلاد الإسلامية، ومن ثَمَّ
أصبح لزامًا على المسلمين الاستعداد لحملات الصليبيين البحرية،
فأعد «الناصر صلاح الدين» العدة لتأسيس وتكوين أسطول
إسلامى يستطيع مجابهة حملات الصليبيين المعتدين، وكانت
أولى خطواته فى ذلك: تخصيص ديوان كبير، عُرف باسم «ديوان
الأسطول». وأفرد له «صلاح الدين» ميزانية خاصة، وعهد به إلى
أخيه «العادل». واستطاع «صلاح الدين» تكوين أسطول قوى
تمكن بواسطته من مواجهة الصليبيين، وأصبح هذا الأسطول من
أكبر الأساطيل فى ذلك الوقت، ورابط فى البحر الأحمر، وفى
شرق البحر الأبيض، وتمكن من تحقيق انتصارات هائلة. لم يألُ
الأيوبيون جهدًا فى سبيل تنظيم الجيش والأسطول، وليس أدل
على اهتمام السلاطين بالأسطول البحرى من أنهم كانوا
يشركون معهم الأهالى عند عرض الجيوش والأساطيل، أو عند
توديعهم للغزو، فقد كان قدر هذه الدولة أن تقوم بمحاربة
الصليبيين وردهم عن البلاد الإسلامية، فأدت هذه الأسباب فى
النهاية إلى وجود دولة قوية ذات سيادة، فرضت احترامها على
أصدقائها وأعدائها، وحررت بلاد المسلمين من الأعداء، لأنها
عرفت الأسباب التى تؤدى إلى القوة والازدهار. المنشآت
الحضارية فى العهد الأيوبى: رغم كثرة حروب العهد الأيوبى إلا
أنه كان حافلا بالإنشاءات العظيمة، فقد بُنيت فيه المدارس
والمستشفيات، ونُسِّقت الحدائق، وأُقيمت المنشآت الحربية
للدفاع عن الدولة أو للهجوم على العدو طبقًا لظروف الدولة
الحربية، وكان من أهم هذه الإنشاءات الحربية وأولها: - قلعة
الجبل: وتُعدُّ من أبرز ما خلَّفه الأيوبيون من منشآت فى
стр. 3200
«القاهرة»، فمازالت شاهد صدق على عظمة هذه الدولة إلى
اليوم، وإن الناظر إليها ليدرك مدى عناية الأيوبيين بالمنشآت
والقلاع الحربية التى كانت منتشرة فى بلادهم، خاصة المدن
الشامية التى هى خط الدفاع والهجوم الأول للدولة، لم يكن بناء
«قلعة الجبل» مجرد تقليد أو مظهر أراده «صلاح الدين» ليظهر
به، وإنما بناها لتكون مقرا لحكومته، ومعقلا لجيشه الكبير،
وحصنًا يمكِّنه من الإشراف على حاضرة دولته. ويحميه من
القلاقل الداخلية، وكذلك لتكون نقطة دفاعية يصد منها غارات
المغيرين على «مصر» سواء أكانوا من الصليبيين أم غيرهم. وقد
استخدم «صلاح الدين» الأسرى فى تشييد قلعته، ومع ذلك لم
يتمكن من إتمام تشييدها فى عهده، فلم يتم منها سوى الهيكل
والبئر الحلزونى. وكانت بالقلعة - على الرغم من ارتفاعها - بئر
عمقها تسعون مترًا، مملوءة بالماء العذب، مثقوبة فى الحجر،
بأسفلها سواقٍ تدور فيها الأبقار، فتنقل الماء إلى وسطها الذى
توجد فيه أبقار تنقل بدورها الماء إلى أعلاها، ويُعدُّ هذا البئر
من أعجب الآبار، ويعرف باسم «بئر يوسف» نسبة إلى «صلاح
الدين يوسف بن أيوب». أتم السلطان «الكامل محمد» بناء
«القلعة» فى سنة (٦٠٤هـ)، ثم انتقل من دار الوزارة إليها. وكان
للقلعة سور، وأبراج، وثلاثة أبواب، أحدها من جهة «القرافة»
و «جبل المقطم»، والثانى من جهة جدارها البحرى ويُعرَف باسم
«باب السر»، والثالث يقع مدخله فى أول الجانب الشرقى من
القلعة، ويصل الداخل منه إلى فناء مستطيل به دواوين الحكومة،
وبهذا الفناء باب يُسمَّى: «باب القبلة»، وتمتد منه دهاليز
فسيحة، وعلى يسار الداخل منها باب يوصل إلى جامع الخطبة
وهو من أعظم الجوامع لاتساع أرجائه، وكثرة زخرفته، وفى
وسطه قبة تليها مقصورة ليصلى فيها السلطان صلاة الجمعة،
وبصدر الدهاليز مدخل يوصل إلى الإيوان الكبير الذى نُصب به
سرير الملك؛ وهو منبر من الرخام، وتمتد من هذا الإيوان مساحة
стр. 3201
كبيرة بها القصر الذى بناه «الظاهر بيبرس» فيما بعد. صارت
«قلعة الجبل» منذ تم بناؤها مقر الدواوين السلطانية ودور
الحكومة، فقد كانت حصينة جدا، وتشتمل على كثير من القصور،
والإيوانات، والطباق والأحواش، والميادين، والإصطبلات،
والمساجد، والمدارس، والأسواق، والحمامات، وكانت بها دار
الوزارة، وديوان الإنشاء، وديوان الجيش، ودار النيابة، وبيت
المال، وخزانة السلطان الخاصة، والدور السلطانية، وكذلك
الأبراج التى كان الخارجون على السلطان ونظام الدولة يُحبسون
بها. وكان نقش بابها: «بسم الله الرحمن الرحيم». أمر بإنشاء
هذه القلعة الباهرة، المجاورة لمحروسة القاهرة بالعرصة، التى
جمعت نفعًا وتحصينًا وسعة على من التجأ إلى ظل ملكه مولانا
الملك الناصر صلاح الدنيا والدين أبو المظفر يوسف بن أيوب
محىى الدولة أمير المؤمنين فى نظر أخيه وولى عهده الملك
العادل سيف الدين أبى بكر محمد خليل أمير المؤمنين، على يد
أمير مملكته ومعين دولته قراقوش عبدالله المكى الناصرى فى
سنة تسع وسبعين وخمسمائة». إنشاء المدارس: عُنى «صلاح
الدين» ببناء المدارس، فبنى مدرسة بالقرب من قبر الإمام
«الشافعى» بالقرافة، وبنى مدارس الناصرية والقمحية، وكذلك
نهج نهجه سلاطين «بنى أيوب»، فأسس الملك «الكامل» مدرسة
دار الحديث الكاملية؛ نسبة إليه، وكانت عبارة عن بناء متجه
إلى القبلة، وفى وسطه صحن كبير مربع، وفى كل جانب من
جوانبه الأربعة إيوان، وتعلوها قبة تحتها محراب، ومن ثَمََّ لم
تختلف المدارس عن المساجد من حيث الهيئة والشكل. وكان
الطلبة يذهبون إلى تلك المدارس بانتظام لتلقى العلم مجانًا،
وكان سلاطين الدولة الأيوبية يهتمون بالمدارس وإنشاء المزيد
منها، ويوقفون عليها الأوقاف الكثيرة، ويرتبون لها الفقهاء
والعلماء لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة، فكثرت بها المباحثات
والمناقشات بتشجيع من السلاطين الذين شُغفوا بالبحث العلمى،
стр. 3202
كما كان منهم مَنْ ينظم الشعر ويجيده كالملك الكامل. تأسيس
المنصورة: يُعدُّ إنشاء مدينة «المنصورة» من الأعمال العظيمة
التى خلدت ذكر دولة الأيوبيين، فقد أنشأها السلطان «الكامل»
سنة (٦١٦ هـ = ١٢١٨م)؛ إذ قام بإنشاء مدينة على الشاطىء
الشرقى لفرع «دمياط» عقب سقوط «دمياط» فى أيدى «لويس
التاسع»، واتخذ «الكامل» المدينة الجديدة مركز دفاع له يقاوم
به الصليبيين. وبعد أن تمكن «الكامل» من استرجاع مدينة
«دمياط» من أيدى الصليبيين أطلق اسم «المنصورة» على مدينته
الجديدة تيمنًا بالنصر، ثم ما لبثت هذه المدينة الجديدة أن
اتسعت، واشتهرت منذ إنشائها بأنها مدينة حصينة، وكانت
سجن «لويس التاسع» ومَنْ كانوا معه حين تم أسرهم ووضعهم
بدار الحكمة، التى مازالت معروفة لدى العامة حتى اليوم باسم
«دار ابن لقمان» نسبة إلى «القاضى فخر الدين بن لقمان» الذى
كان ينزل بها كلما جاء إلى «المنصورة». قلعة الروضة: بناها
السلطان «الصالح نجم الدين أيوب» فى جنوب «جزيرة الروضة»
سنة (٦٣٨هـ)، وهى تشغل مساحة كبيرة من الأرض، وقد عُمِّرت
بالأبنية والقصور، وجُهزت بالأسلحة والمعدات والآلات الحربية.
وأنشأ فيها «نجم الدين» جامعًا، وشيد برجًا، وبنى لمماليكه
البحرية ثكنات لسكناهم، فلما تم بناؤها وتجهيزها انتقل إليها
مع أفراد أسرته ومماليكه البحرية، واتخذها مقرا لحكمه. وظلت
«قلعة الروضة» عامرة حتى زالت الدولة الأيوبية، وتولى «أيبك»
السلطنة، فأمر بهدمها، ونقل جميع ما بها إلى «قلعة الجبل»
التى أسسها «صلاح الدين». عاصمة مصر فى العصر الأيوبى:
ربما يتبادر إلى الذهن سؤال حول عاصمة الأيوبيين، ولماذا لم
يعمد «صلاح الدين» إلى إنشاء عاصمة جديدة لدولته جريا على
سياسة مَنْ سبقوه من ولاة «مصر» وخلفائها؟ والإجابة: أن
«صلاح الدين» استن فى ذلك سنة جديدة، وضم «الفسطاط»
و «العسكر» و «أطلال القطائع» و «القاهرة» بعضها إلى بعضها
стр. 3203
الآخر بقصد توسيع مدينة «القاهرة» وجَعْلها فى ثوبها الجديد
عاصمة لدولته، بعد أن أحاطها بسور عظيم طوله خمسة عشر
كيلو متر (١٥كم)، ومتوسط عرضه ثلاثة أمتار، وبنى واجهة هذا
السور من الحجر المنحوت وتتخلله الأبراج، ولاتزال بقاياه قائمة
حتى اليوم فى جهات متفرقة، وأظهر هذه البقايا موجود
بالفسطاط، وقد اقتضى ضم تلك العواصم إلى بعضها وإحاطتها
بالسور وبناء القلعة هدمَ المبانى الموجودة فى ضواحى
«القاهرة» من «مصر القديمة» إلى «السيدة زينب»، وأقيمت
حدائق للفاكهة مكان هذه المبانى، كما أقيم سد من الحجارة
على حافة الصحراء بالجيزة؛ لحماية «القاهرة» من ناحية الغرب،
وأصبحت هذه العواصم مجتمعة - بعدما أُدخل عليها من تعديل -
عاصمة الدولة الأيوبية فى «مصر» آنذاك.
стр. 3204
* المماليك البحرية (دولة)
أصل المماليك: أكثر الأيوبيون من شراء المماليك الأتراك، وبنوا
لهم الثكنات بجزيرة الروضة، وأطلقوا عليهم اسم «المماليك
البحرية»، فقويت شوكتهم، وزادت سطوتهم، وسنحت لهم
الفرصة بعد ذلك، فتولوا حكم «مصر». كانت الغالبية العظمى من
جماعات المماليك الذين جلبهم الأيوبيون وسلاطين المماليك من
بعدهم تأتى من «شبه جزيرة القرم» و «بلاد القوقاز»،
و «القفجاق»، و «آسيا الصغرى»، و «فارس»، و «تركستان»،
و «بلاد ما وراء النهر»، فكانوا خليطًا من الأتراك، والشراكسة،
والروم، والروس، والأكراد، فضلا عن أقلية من مختلف البلاد
الأوربية. والمماليك طائفة من الأرقَّاء الذين اشتراهم سلاطين
«مصر» وأكثروا منهم، لاسيما فى العهد الفاطمى، ثم تهيأت لهم
الظروف ليحكموا «مصر» و «الشام»، وبلاد أخرى، ومع ذلك
احتفظوا أثناء حكمهم لمصر بشخصيتهم، ولم يختلطوا بأى عنصر
من عناصر السكان فى «مصر» وفى غيرها من البلاد التى
حكموها. وكان المماليك ينقسمون فيما بينهم إلى أحزاب
وطوائف متنافسة، ولكن هذا الانقسام لم يكن يؤثر على وحدتهم
أمام العالم الخارجى حين يواجهونه، فقد كانوا يظهرون كعصبة
واحدة متحدة، ويفسر ذلك سر قوتهم وأسباب تفوقهم
وانتصاراتهم الحربية. وكان باب الترقى فى حكومة المماليك
مفتوحًا على مصراعيه أمام كل مملوك يثبت كفاءته فى العمل،
فيترقى من مملوك إلى أمير حتى يصل إلى عرش المملكة
بكفاءته واجتهاده، فالسلطان لم يكن إلا واحدًا من أمراء
المماليك، قدموه على أنفسهم لقوة شخصيته، ووفرة أنصاره،
وكثرة جنوده، وقدرته على المنافسين الطامعين فى العرش،
ولقد سطرت دولة المماليك الأولى «المماليك البحرية» صفحة
مضيئة من تاريخ «مصر» خاصة، والتاريخ الإسلامى عامة، على
أيدى سلاطينها الأقوياء الذين عملوا على توحيد البلاد، ورفع
رايات الجهاد، وهم: ١ - العز أيبك: ٢ - على بن أيبك (المنصور نور
стр. 3205
الدين) [٦٥٥ - ٦٥٧هـ]: ٣ - سيف الدين قُطُز: ٤ - الظاهر ركن الدين
بيبرس البندقدارى (٦٥٨ - ٦٧٩هـ): ٥ - أولاد بيبرس فى السلطنة
(بركة خان، وسلامش): ٦ - السلطان قلاوون [٦٧٩ - ٦٨٩هـ = ١٢٨٠
- ١٢٩٠م]: ٧ - السلطان الأشرف خليل بن قلاوون [٦٨٩ - ٦٩٣هـ =
١٢٩٠ - ١٢٩٤م]: ٨ - السلطان الناصر محمد بن قلاوون [٦٩٣ -
٧٤١هـ = ١٢٩٤ - ١٣٤١م]: جلس على عرش «مصر» بعد «الناصر
محمد» أولاده وأحفاده فى الفترة من سنة (٧٤١هـ) إلى سنة
(٧٨٤هـ)، يتعاقبون عليه واحداً بعد الآخر حتى سقوط دولة
المماليك البحرية عام (٧٨٤هـ)، وفى مدة بلغت ثلاثًا وأربعين
سنة علا عرش «مصر» من البيت الناصرى ثمانية أولاد وأربعة
أحفاد، بلغ متوسط حكم الواحد منهم ثلاث سنوات ونصف السنة،
وتميز هذا العهد بصغر سن السلطان، وقصر مدة حكمه، لسهولة
خلعه على أيدى الأمراء، ولظهور نفوذ الأتابكة ظهورًا واضحًا،
وكذلك اشتداد تنافس الأمراء فى بسط نفوذهم للسيطرة على
الدولة، ولذا أصبح السلطان ألعوبة فى أيدى أمرائه، يعزلونه
أو يبقونه على العرش حسب هواهم، وما تقتضيه مصالحهم؛
فاضطربت أحوال البلاد، وكثرت فيها الفتن. بعد وفاة «الناصر
محمد» تولى العرش ابنه «سيف الدين أبو بكر» (٧٤١ - ٧٤٢هـ)،
وسرعان ما ساءت العلاقات بينه وبين أتابكه، لامتناعه عن
الاستجابة لمطالب هذا الأتابك، فحرض الأتابك عليه الأمراء
وعزلوه. وتولى من بعده أخوه «علاء الدين كجك» (٧٤٢هـ=
١٣٤١م)، وعمره إذ ذاك يتراوح بين خمس وسبع سنوات، وتم
عزله بعد فترة وجيزة. ثم تولى أخوه «أحمد» عرش السلطنة
ولقب نفسه بالناصر فى سنة (٧٤٢ - ٧٤٣هـ)، إلا أنه لم يستمر
طويلا فى الحكم كسابقيه، ووقع الاختيار على أخيه
«إسماعيل» سنة (٧٤٣هـ)، ولكنه مالبث أن مرض ومات سنة
(٧٤٦هـ)، فتولى ابنه «شعبان» من بعده سنة (٧٤٦ - ٧٤٧هـ)،
ولم يكن عهده خيرًا من سلفه، فخلفه أخوه «حاجى» سنة
(٧٤٧هـ)، ولم يستكمل عامًا واحدًا حتى اعتلى العرش «الناصر
стр. 3206
حسن» سنة (٧٤٨هـ)، وهو لايزال فى الحادية عشرة من عمره،
ولم يلبث أن عُزل، ثم عاد وتولى السلطنة ثانية فى سنة
(٧٥٥هـ)، وظل على العرش ست سنوات ونصف السنة، فعاد فى
عهده الاهتمام بالعمائر الإسلامية، وبنى مسجده الشهير
المعروف باسمه «مسجد السلطان حسن» بالقاهرة، ومع ذلك فقد
ظلت حالة عدم الاستقرار فى البلاد سائدة، فكانت فرصة سانحة
لظهور دولة المماليك الثانية المعروفة «بدولة المماليك البرجية».
стр. 3207
* المماليك البرجية (دولة)
كان «حاجى بن شعبان» آخر سلاطين المماليك من بيت الناصر،
وآخر سلاطين دولة المماليك البحرية فى الوقت نفسه، وكان
«حاجى» صغير السن حين اعتلى عرش السلطنة؛ إذ كانت سنُّه
عشر سنوات، فعُيِّن «برقوق» أتابكًا له، واستغل حداثة سِنِّه
وضعفه، واستدعى الخليفة، والقضاة الأربعة والأمراء، وخاطبهم
«القاضى بدر الدين بن فضل» بقوله: «يا أمير المؤمنين،
وياسادتى القضاة: إن أحوال المملكة قد فسدت، والوقت قد
ضاق، ونحن محتاجون إلى إقامة سلطان كبير تجتمع فيه
الكلمة، ويسكن الاضطراب»، فاستقر الرأى على خلع الملك
الصالح «حاجى»، وأن يتولى «برقوق» مسئولية البلاد، فاعتلى
عرش السلطنة رسميا، وانتهت بذلك دولة المماليك البحرية بعد أن
حكمت مائة وستا وثلاثين سنة. عُرفت الدولة الجديدة باسم:
«دولة المماليك البرجية»، لأن سلاطينها كانوا ينتمون إلى لواء
من الجند كان مقيمًا فى أبراج القلعة وأطلق على جنوده اسم
«المماليك البرجية» لتمييزهم عن «المماليك البحرية» الذين كانت
إقامتهم بجزيرة الروضة، وقد عُرف «البرجية» كذلك باسم:
«المماليك الجراكسة» أو الشراكسة، نسبة إلى موطنهم الأصلى
الذى أتوا منه وهو: «ُورُيا» و «بلاد الشركس» (القوقاز)، وفيما
يلىأهم سلاطين هذه الدولة السلطان برقوق [٧٨٤ - ٨٠١هـ =
١٣٨٢ - ١٣٩٩م]: السلطان فرج بن برقوق [٨٠١ - ٨١٥هـ = ١٣٩٩
- ١٤١٢م]: السلطان «شيخ المؤيد» [٨١٥ - ٨٢٤ هـ = ١٤١٢ -
١٤٢١م]: السلطان ططر [٨٢٤هـ]: السلطان برسباى [٨٢٥ - ٨٤١ هـ]:
السلطان جمقمق [٨٤١ - ٨٥٧هـ]: السلطان إينال [٨٥٧ - ٨٦٥ هـ =
١٤٥٣ - ١٤٦١م]: السلطان خشقدم [٨٦٥ - ٨٧٢هـ]: السلطان
قايتباى [٨٧٢ - ٩٠١هـ = ١٤٦٧ - ١٤٩٦م]: شهدت السنوات القليلة
التى تلت حكم «قايتباى» عددًا من السلاطين تميز جميعهم
بالضعف وسوء الإدارة، كما تميزت فترات حكمهم بالدسائس
والمؤامرات والفتن والاضطرابات، فقد تولى «السلطان الناصر
стр. 3208
محمد بن قلاوون» الحكم عقب وفاة أبيه، وكان صغير السن،
فتولى القائد «قانصوه الخمسمائة» الوصاية عليه فى بداية
عهده، ولكن «الناصر محمد» ترك العرش وتنازل عن السلطنة
حين رأى الدسائس والفتن والاضطرابات من حوله، فتولى من
بعده عدد من السلاطين، كانت مدة حكم كل منهم قصيرة،
فساعد ذلك على زيادة الاضطرابات واشتعالها، وظل الوضع
على ذلك حتى تمكن «قانصوه الغورى» من الوصول إلى
العرش، وهؤلاء السلاطين هم: «قانصوه الأشرفى»، و «جنبلاط»،
و «طومان باى الأول». السلطان قانصوه الغورى
[٩٠٦ - ٩٢٢هـ=١٥٠١ - ١٥١٦م]: السلطان طومان باى الثانى [٩٢٢ -
٩٢٣ هـ = ١٥١٦ - ١٥١٧م]: بعد مقتل «الغورى» بالشام استقر
الرأى على تعيين «طومان باى» ابن أخيه سلطانًا على «مصر»،
وجلس «طومان باى» على العرش فى فترة كانت شديدة الحرج
فى تاريخ «مصر»؛ إذ سيطر العثمانيون على الشام، وساءت
الأحوال بمصر بعد هزيمة «مرج دابق»، ولم يكتفِ العثمانيون بما
حققوا، بل يمموا شطر «مصر» فى محاولة منهم للسيطرة عليها.
حاول «طومان باى» السيطرة على الموقف، وقام بعدة أعمال
فى سبيل تحقيق ذلك، وفض الخصومة التى كانت قائمة بين
المماليك وصالح بينهم، وساعده فى ذلك حب الشعب له لإخلاصه
ووفائه وتفانيه فى خدمة المسلمين. باءت كل محاولات «طومان
باى» بالفشل فى إعادة المماليك إلى قوتهم الأولى التى كانوا
عليها فى عصور النهضة، فقد أنهكتهم الاضطرابات، وقضت
على وحدتهم الفتن، فانتهى الأمر بهزيمتهم على أيدى
العثمانيين فى موقعة «الريدانية» الشهيرة فى ظاهر
«القاهرة»، ودخل العثمانيون «مصر»، وحاول المصريون
مساندة «طومان باى» فى هذه الظروف لحبهم الشديد له، إلا
أنهم لم يستطيعوا إيقاف زحف العثمانيين على «مصر»، فخرج
«طومان باى» إلى «مديرية البحيرة» فى محاولة منه لاستجماع
قوته وجنوده، ولكن العثمانيين تمكنوا منه وقبضوا عليه، ثم
شنقوه على «باب زويلة» سنة (٩٢٣هـ)، بعدما بذل كل جهوده
стр. 3209
وأدى واجبه فى سبيل الدفاع عن دولته، إلا أن ظروف عصره لم
تمكنه من تحقيق ما أراد، فسقطت بذلك دولة المماليك ونظامهم،
ودخلت «مصر» مرحلة جديدة باتت فيها تحت حكم العثمانيين.
стр. 3210
* المماليك (دولة)
أصل المماليك: أكثر الأيوبيون من شراء المماليك الأتراك، وبنوا
لهم الثكنات بجزيرة الروضة، وأطلقوا عليهم اسم «المماليك
البحرية»، فقويت شوكتهم، وزادت سطوتهم، وسنحت لهم
الفرصة بعد ذلك، فتولوا حكم «مصر». كانت الغالبية العظمى من
جماعات المماليك الذين جلبهم الأيوبيون وسلاطين المماليك من
بعدهم تأتى من «شبه جزيرة القرم» و «بلاد القوقاز»،
و «القفجاق»، و «آسيا الصغرى»، و «فارس»، و «تركستان»،
و «بلاد ما وراء النهر»، فكانوا خليطًا من الأتراك، والشراكسة،
والروم، والروس، والأكراد، فضلا عن أقلية من مختلف البلاد
الأوربية. والمماليك طائفة من الأرقَّاء الذين اشتراهم سلاطين
«مصر» وأكثروا منهم، لاسيما فى العهد الفاطمى، ثم تهيأت لهم
الظروف ليحكموا «مصر» و «الشام»، وبلاد أخرى، ومع ذلك
احتفظوا أثناء حكمهم لمصر بشخصيتهم، ولم يختلطوا بأى عنصر
من عناصر السكان فى «مصر» وفى غيرها من البلاد التى
حكموها. وكان المماليك ينقسمون فيما بينهم إلى أحزاب
وطوائف متنافسة، ولكن هذا الانقسام لم يكن يؤثر على وحدتهم
أمام العالم الخارجى حين يواجهونه، فقد كانوا يظهرون كعصبة
واحدة متحدة، ويفسر ذلك سر قوتهم وأسباب تفوقهم
وانتصاراتهم الحربية. وكان باب الترقى فى حكومة المماليك
مفتوحًا على مصراعيه أمام كل مملوك يثبت كفاءته فى العمل،
فيترقى من مملوك إلى أمير حتى يصل إلى عرش المملكة
بكفاءته واجتهاده، فالسلطان لم يكن إلا واحدًا من أمراء
المماليك، قدموه على أنفسهم لقوة شخصيته، ووفرة أنصاره،
وكثرة جنوده، وقدرته على المنافسين الطامعين فى العرش،
ولقد سطرت دولة المماليك الأولى «المماليك البحرية» صفحة
مضيئة من تاريخ «مصر» خاصة، والتاريخ الإسلامى عامة، على
أيدى سلاطينها الأقوياء الذين عملوا على توحيد البلاد، ورفع
رايات الجهاد، وهم: ١ - العز أيبك: ٢ - على بن أيبك (المنصور نور
стр. 3211
الدين) [٦٥٥ - ٦٥٧هـ]: ٣ - سيف الدين قُطُز: ٤ - الظاهر ركن الدين
بيبرس البندقدارى (٦٥٨ - ٦٧٩هـ): ٥ - أولاد بيبرس فى السلطنة
(بركة خان، وسلامش): ٦ - السلطان قلاوون [٦٧٩ - ٦٨٩هـ = ١٢٨٠
- ١٢٩٠م]: ٧ - السلطان الأشرف خليل بن قلاوون [٦٨٩ - ٦٩٣هـ =
١٢٩٠ - ١٢٩٤م]: ٨ - السلطان الناصر محمد بن قلاوون [٦٩٣ -
٧٤١هـ = ١٢٩٤ - ١٣٤١م]: جلس على عرش «مصر» بعد «الناصر
محمد» أولاده وأحفاده فى الفترة من سنة (٧٤١هـ) إلى سنة
(٧٨٤هـ)، يتعاقبون عليه واحداً بعد الآخر حتى سقوط دولة
المماليك البحرية عام (٧٨٤هـ)، وفى مدة بلغت ثلاثًا وأربعين
سنة علا عرش «مصر» من البيت الناصرى ثمانية أولاد وأربعة
أحفاد، بلغ متوسط حكم الواحد منهم ثلاث سنوات ونصف السنة،
وتميز هذا العهد بصغر سن السلطان، وقصر مدة حكمه، لسهولة
خلعه على أيدى الأمراء، ولظهور نفوذ الأتابكة ظهورًا واضحًا،
وكذلك اشتداد تنافس الأمراء فى بسط نفوذهم للسيطرة على
الدولة، ولذا أصبح السلطان ألعوبة فى أيدى أمرائه، يعزلونه
أو يبقونه على العرش حسب هواهم، وما تقتضيه مصالحهم؛
فاضطربت أحوال البلاد، وكثرت فيها الفتن. بعد وفاة «الناصر
محمد» تولى العرش ابنه «سيف الدين أبو بكر» (٧٤١ - ٧٤٢هـ)،
وسرعان ما ساءت العلاقات بينه وبين أتابكه، لامتناعه عن
الاستجابة لمطالب هذا الأتابك، فحرض الأتابك عليه الأمراء
وعزلوه. وتولى من بعده أخوه «علاء الدين كجك» (٧٤٢هـ=
١٣٤١م)، وعمره إذ ذاك يتراوح بين خمس وسبع سنوات، وتم
عزله بعد فترة وجيزة. ثم تولى أخوه «أحمد» عرش السلطنة
ولقب نفسه بالناصر فى سنة (٧٤٢ - ٧٤٣هـ)، إلا أنه لم يستمر
طويلا فى الحكم كسابقيه، ووقع الاختيار على أخيه
«إسماعيل» سنة (٧٤٣هـ)، ولكنه مالبث أن مرض ومات سنة
(٧٤٦هـ)، فتولى ابنه «شعبان» من بعده سنة (٧٤٦ - ٧٤٧هـ)،
ولم يكن عهده خيرًا من سلفه، فخلفه أخوه «حاجى» سنة
(٧٤٧هـ)، ولم يستكمل عامًا واحدًا حتى اعتلى العرش «الناصر
стр. 3212
حسن» سنة (٧٤٨هـ)، وهو لايزال فى الحادية عشرة من عمره،
ولم يلبث أن عُزل، ثم عاد وتولى السلطنة ثانية فى سنة
(٧٥٥هـ)، وظل على العرش ست سنوات ونصف السنة، فعاد فى
عهده الاهتمام بالعمائر الإسلامية، وبنى مسجده الشهير
المعروف باسمه «مسجد السلطان حسن» بالقاهرة، ومع ذلك فقد
ظلت حالة عدم الاستقرار فى البلاد سائدة، فكانت فرصة سانحة
لظهور دولة المماليك الثانية المعروفة «بدولة المماليك البرجية».
كان «حاجى بن شعبان» آخر سلاطين المماليك من بيت الناصر،
وآخر سلاطين دولة المماليك البحرية فى الوقت نفسه، وكان
«حاجى» صغير السن حين اعتلى عرش السلطنة؛ إذ كانت سنُّه
عشر سنوات، فعُيِّن «برقوق» أتابكًا له، واستغل حداثة سِنِّه
وضعفه، واستدعى الخليفة، والقضاة الأربعة والأمراء، وخاطبهم
«القاضى بدر الدين بن فضل» بقوله: «يا أمير المؤمنين،
وياسادتى القضاة: إن أحوال المملكة قد فسدت، والوقت قد
ضاق، ونحن محتاجون إلى إقامة سلطان كبير تجتمع فيه
الكلمة، ويسكن الاضطراب»، فاستقر الرأى على خلع الملك
الصالح «حاجى»، وأن يتولى «برقوق» مسئولية البلاد، فاعتلى
عرش السلطنة رسميا، وانتهت بذلك دولة المماليك البحرية بعد أن
حكمت مائة وستا وثلاثين سنة. عُرفت الدولة الجديدة باسم:
«دولة المماليك البرجية»، لأن سلاطينها كانوا ينتمون إلى لواء
من الجند كان مقيمًا فى أبراج القلعة وأطلق على جنوده اسم
«المماليك البرجية» لتمييزهم عن «المماليك البحرية» الذين كانت
إقامتهم بجزيرة الروضة، وقد عُرف «البرجية» كذلك باسم:
«المماليك الجراكسة» أو الشراكسة، نسبة إلى موطنهم الأصلى
الذى أتوا منه وهو: «ُورُيا» و «بلاد الشركس» (القوقاز)، وفيما
يلىأهم سلاطين هذه الدولة السلطان برقوق [٧٨٤ - ٨٠١هـ =
١٣٨٢ - ١٣٩٩م]: السلطان فرج بن برقوق [٨٠١ - ٨١٥هـ = ١٣٩٩ -
١٤١٢م]: السلطان «شيخ المؤيد» [٨١٥ - ٨٢٤ هـ = ١٤١٢ -
стр. 3213
١٤٢١م]: السلطان ططر [٨٢٤هـ]: السلطان برسباى [٨٢٥ - ٨٤١
هـ]: السلطان جمقمق [٨٤١ - ٨٥٧هـ]: السلطان إينال [٨٥٧ - ٨٦٥ هـ
= ١٤٥٣ - ١٤٦١م]: السلطان خشقدم [٨٦٥ - ٨٧٢هـ]: السلطان
قايتباى [٨٧٢ - ٩٠١هـ = ١٤٦٧ - ١٤٩٦م]: شهدت السنوات القليلة
التى تلت حكم «قايتباى» عددًا من السلاطين تميز جميعهم
بالضعف وسوء الإدارة، كما تميزت فترات حكمهم بالدسائس
والمؤامرات والفتن والاضطرابات، فقد تولى «السلطان الناصر
محمد بن قلاوون» الحكم عقب وفاة أبيه، وكان صغير السن،
فتولى القائد «قانصوه الخمسمائة» الوصاية عليه فى بداية
عهده، ولكن «الناصر محمد» ترك العرش وتنازل عن السلطنة
حين رأى الدسائس والفتن والاضطرابات من حوله، فتولى من
بعده عدد من السلاطين، كانت مدة حكم كل منهم قصيرة،
فساعد ذلك على زيادة الاضطرابات واشتعالها، وظل الوضع
على ذلك حتى تمكن «قانصوه الغورى» من الوصول إلى
العرش، وهؤلاء السلاطين هم: «قانصوه الأشرفى»، و «جنبلاط»،
و «طومان باى الأول». السلطان قانصوه الغورى
[٩٠٦ - ٩٢٢هـ=١٥٠١ - ١٥١٦م]: السلطان طومان باى الثانى [٩٢٢ -
٩٢٣ هـ = ١٥١٦ - ١٥١٧م]: بعد مقتل «الغورى» بالشام استقر
الرأى على تعيين «طومان باى» ابن أخيه سلطانًا على «مصر»،
وجلس «طومان باى» على العرش فى فترة كانت شديدة الحرج
فى تاريخ «مصر»؛ إذ سيطر العثمانيون على الشام، وساءت
الأحوال بمصر بعد هزيمة «مرج دابق»، ولم يكتفِ العثمانيون بما
حققوا، بل يمموا شطر «مصر» فى محاولة منهم للسيطرة عليها.
حاول «طومان باى» السيطرة على الموقف، وقام بعدة أعمال
فى سبيل تحقيق ذلك، وفض الخصومة التى كانت قائمة بين
المماليك وصالح بينهم، وساعده فى ذلك حب الشعب له لإخلاصه
ووفائه وتفانيه فى خدمة المسلمين. باءت كل محاولات «طومان
باى» بالفشل فى إعادة المماليك إلى قوتهم الأولى التى كانوا
عليها فى عصور النهضة، فقد أنهكتهم الاضطرابات، وقضت
стр. 3214
على وحدتهم الفتن، فانتهى الأمر بهزيمتهم على أيدى
العثمانيين فى موقعة «الريدانية» الشهيرة فى ظاهر
«القاهرة»، ودخل العثمانيون «مصر»، وحاول المصريون
مساندة «طومان باى» فى هذه الظروف لحبهم الشديد له، إلا
أنهم لم يستطيعوا إيقاف زحف العثمانيين على «مصر»، فخرج
«طومان باى» إلى «مديرية البحيرة» فى محاولة منه لاستجماع
قوته وجنوده، ولكن العثمانيين تمكنوا منه وقبضوا عليه، ثم
شنقوه على «باب زويلة» سنة (٩٢٣هـ)، بعدما بذل كل جهوده
وأدى واجبه فى سبيل الدفاع عن دولته، إلا أن ظروف عصره لم
تمكنه من تحقيق ما أراد، فسقطت بذلك دولة المماليك ونظامهم،
ودخلت «مصر» مرحلة جديدة باتت فيها تحت حكم العثمانيين.
النظم والحضارة فى عهد المماليك: النظام الحربى والبحرى:
لاشك أن الانتصارات الرائعة التى أحرزها المماليك تعود إلى
إعداد جيد للجيش وتنظيم دقيق له وللقائمين عليه، ولعل الفضل
فى ذلك يعود إلى «الظاهر بيبرس» الذى أولى الجيش عنايته
منذ ولى عرش «مصر»، فقد قام بنفسه بإعداده وتنظيمه
وتسليحه، ليكون سنده فى الحروب ووقت الشدة، فاستكثر من
شراء المماليك وعنى بتربيتهم تربية دينية وعسكرية، وعين لكل
فئة منهم فقيهًا يعلمهم القرآن، ومبادئ القراءة والكتابة، حتى
إذا وصلوا إلى سن البلوغ أوكلهم إلى من يدربهم ويمرنهم على
الأعمال الحربية، فإذا أتموا ذلك وأجادوه ألحقوا بجيش السلطان
لتبدأ حياتهم الجهادية فى سبيل الله. فلما ولى السلطان
«قلاوون» مقاليد الأمور فى سنة (٦٧٩هـ)، زادت عنايته بشئون
تدريب الجند المماليك، وأشرف على طعامهم بنفسه وكان
يتذوقه قبل تقديمه إليهم، وكان لا يسمح لهم بمغادرة «قلعة
الجبل» ليلا أو نهارًا، وظلوا على ذلك حتى ولى السلطان «خليل
بن قلاوون» فى سنة (٦٨٩هـ)، فسمح لهم بالخروج نهارًا فقط،
ومنعهم من المبيت خارجها، ثم بنى لهم «الناصر محمد بن
قلاوون» - فيما بعد - «الطباق» بساحة الإيوان بالقلعة وجعلها
стр. 3215
مقرا لهم. تكوين الجيش: كان جيش المماليك يتكون -عادة- من
المماليك السلطانية وجنود الحلقة، وكانت لكل فريق من هاتين
الطائفتين مرتبة لا يتجاوزها إلى غيرها، فالمماليك السلطانية
هم مماليك السلطان، وتنفق عليهم الخاصة السلطانية، لأنهم حرس
السلطان الخاص، وكان لهم نظام دقيق فى التدرج القيادى رتبة
بعد رتبة، فمنهم من أطلق عليه أمير خمسة، وأمير عشرة،
وأمير أربعين، وكذلك أمير مائتين، وكانت لكل صاحب لقب من
هذه الألقاب واجبات والتزامات معينة، فأمير خمسة يكون فى
خدمته خمسة مماليك، وأمير عشرة تكون عدته عشرة مماليك،
أما «أمير الأربعين» فكان يطلق عليه «أمير طبلخانة» لحقه فى
دق الطبول على قصره كما يحدث للسلطان، ولم يكن لطبقة
الأمراء هذه ضابط فى عدد أتباعها من المماليك، فقد يتفاوت
عدد مَنْ يكون فى خدمة كل أمير منهم ما بين أربعين وثمانين
مملوكًا، أما «أمير مائة» فكان فى خدمته «مائة» مملوك، ومقدم
فى الوقت نفسه على ألف جندى فى الحروب، فيقال: «أمير
مائة مقدم ألف». أما جنود الحلقة فكان لكل أربعين جنديا منهم
رئيس لا حكم له عليهم إلا إذا خرجوا إلى القتال، فيقوم بترتيبهم
فى أماكنهم، وليس له الحق فى أن يُبعد أحدهم من الخدمة إلا
بإذن من السلطان. كانت هناك طائفة أخرى من المماليك تضاف
إلى الطائفتين السابقتين، وهى طائفة مماليك الأمراء التى كان
ينفق عليها أمراؤها، فقد كان مماليك هذه الفئة يحرسون
أمراءهم ويساعدونهم على أعدائهم. ولم تكن مرتبات الجند
ثابتة، وقد استبدل نظام المرتبات بإقطاعات كان السلطان
يمنحها لهم ليتمتعوا بغلاتها وإيراداتها، فبات أمراؤهم - خاصة
أمراء المماليك السلطانية - ذوى ثروة كبيرة ونفوذ عظيم، ذلك
إذا وضعنا فى الاعتبار أن السلطان كان يمنحهم جزءًا من
الغنائم، ورواتب أخرى من اللحم والتوابل والعليق والزيت.
البحرية فى عهد المماليك: عندما آلت السلطة إلى سلاطين
стр. 3216
المماليك عمل «الظاهر بيبرس» منذ سنة (٦٥٨هـ) على إعداد قوة
بحرية قوية يستعين بها على صد الأعداء المتربصين بالبلاد من
جهة البحر، فاهتم بأمر الأسطول، ومنع الناس من التصرف فى
الأخشاب التى تصلح لصناعة السفن، وأمر بإنشاء الشوائى
(وهى السفن الحربية ذات الأبراج والقلاع العالية للدفاع والهجوم)
لكى تحمى «الإسكندرية» و «دمياط»، وكان السلطان يذهب
بنفسه إلى دار صناعة السفن بالجزيرة ويشرف على تجهيز هذه
الشوائى حتى تمكن فى النهاية من إعداد أسطول مكون من
أربعين قطعة حربية، سَيَّرها إلى «قبرص» فى سنة (٦٦٩هـ)، إلا
أن هذا الأسطول هلك، فقام «بيبرس» بإنشاء أسطول آخر مما
يدلل على المركز المالى القوى الذى تمتعت به دولة المماليك.
نسج الأشرف «خليل بن قلاوون» على منوال «الظاهر بيبرس»
فى عنايته بالأسطول، فقد أنشأ أسطولا مكونًا من ستين مركبًا
جُهِّزت بالآلات الحربية والرجال، وأقام احتفالا كبيرًا حضره الناس
من كل مكان حين ذهب إلى استعراض هذا الأسطول فى دار
صناعة السفن بجزيرة الروضة. عُنى السلطان «الناصر محمد»
بالأسطول مثلما فعل «بيبرس» و «خليل» من قبله، فأصبح لمصر
أسطول من أقوى أساطيل هذا العهد، فقد كان يجمع بين
«الشوائى»، و «الحراريق» (سفن حربية أقل من الشوائى)،
و «الطرادات» (سفن حربية سريعة الحركة صغيرة الحجم)،
و «الأغربة» (سفن حربية تشبه رءوسها رءوس الفرسان
والطيور)، و «البطش» (سفن تحمل المجانق)، و «القراقر» (سفن
تستخدم فى تموين السفن)، وليس أدل على مبلغ اهتمام المماليك
بالقوة البحرية مما ذكره «المقريزى» حين وصف الاحتفال بإنزال
الشوائى إلى البحر للسفر إلى «طرابلس» بقوله: «وفى المحرم
من سنة ٧٠٥هـ تبحرت عمارة الشوائى، وجهزت بالمقاتلة والآلات
مع الأمير «جمال الدين أقوش الفاوى العلائى» والى «البهن»،
واجتمع الناس لمشاهدة لعبهم فى البحر، فركب «أقوش» فى
стр. 3217
«الشيئى» الكبير، وانحدر تجاه المقياس، وكان قد نزل السلطان
والأمراء لمشاهدة ذلك، واجتمع من العالم ما لم يحصهم إلا الله
-تعالى- وبلغ كراء المركب الذى يحمل عشرة آلاف نفس مائة
درهم، وامتلأ البران من «بولاق» إلى دار الصناعة حتى لم يوجد
موضع قدم خالٍ، ووقف العسكر على بربستان الخشب، وركب
الأمراء الحراريق إلى «الروضة»، وبرزت الشوائى للعب كأنها
فى الحرب؛ فلعب الأول والثانى والثالث، وأعجب الناس بذلك
إعجابًا زائدًا لكثرة ما كان فيها من آلات الحرب، ثم تقدَّم الرابع
وفيه «أقوش» فما هو إلا أن خرج من منية الصناعة بمصر،
وتوسط النيل. وإذا بالريح حركة، فانقلبت، وأنقذ الناس
الشيئى، وأصلحوه، وسافروا بالشوائى لطرابلس، وليس أدل
على اهتمام المماليك بأمر الأساطيل من اشتراك الأهالى مع
الحكومة فى عرض الجيوش الحربية والأساطيل، والعمل على
تقويتها وبناء سفن كثيرة، وقد أطلق الشعب على رجال
الأسطول لقب: «المجاهدون فى سبيل الله والغزاة فى أعداء
الله» وكان الناس يتبركون بدعائهم تعظيمًا لهم». وهكذا كانت
عناية المماليك بالجيش، وكذلك كان اهتمامهم بالأسطول، وبذلك
وصلت الأمة الإسلامية إلى ماوصلت إليه من مكانة سامية وشأن
عظيم على أيديهم. النظم الإدارية فى عهد المماليك: أهم
الدواوين: تكون الجهاز الإدارى فى «مصر» والشام من عدة
دواوين حكومية، يشرف كل منها على ناحية معينة من نواحى
الإدارة العامة، وكانت أهم هذه الدواوين فى هذا العهد ما يلى:
«ديوان الأحباس»، و «ديوان النظر»، و «ديوان الخاص»، و «ديوان
الإنشاء». أما «ديوان الأحباس» فيشبه وزارة الأوقاف فى وقتنا
الحالى، ويتولى صاحب هذا الديوان الإشراف على المساجد
والربط، والزوايا، والمدارس، والأراضى، والعقارات المحبوسة
عليها، والإحسان إلى الفقراء والمعوزين. و «ديوان النظر» يشبه
وزارة المالية حاليًا، وترجع إليه سائر الدواوين فى كل ما يتعلق
стр. 3218
بالمسائل الخاصة بالمتحصل والمنصرف من أموال الدولة، وله
فوق ذلك الإشراف على حساب الدولة، وأرزاق الموظفين الدائمين
والمؤقتين، وكان هذا الديوان يتخذ من القلعة مقرا له. وفى سنة
(٧٢٧هـ) أنشأ السلطان «الناصر محمد» «الديوان الخاص» لإدارة
الشئون المالية التى تتعلق بالسلطان، ويتولى الإشراف عليه
«ناصر الخاص» الذى عُرف من قبل فى عهد الفاطميين
والأيوبيين، ولكنه لم يبلغ من الأهمية القدر الذى بلغه فى عصر
المماليك خاصة فى عهد «الناصر محمد». أما ديوان الإنشاء
فكانت أهم اختصاصاته تنظيم العلاقات الخارجية للدولة، وهو
أول ديوان وُضع فى الإسلام، وقد نُظِّم فى عهد المماليك
بأسلوب يتناسب مع مقتضيات العصر ومتطلباته، وكان مقره
«قاعة الصاحب» بقلعة الجبل، حيث ترد المكاتبات إليه من جميع
أنحاء الولايات والممالك التى بينها وبين بلاد المسلمين علاقات
سياسية، كما كانت تحرر فيه الكتب التى كان يرسلها السلطان
إلى الملوك والأمراء، وقد لُقب صاحب ديوان الإنشاء بألقاب
عديدة فى أوائل عهد المماليك، فلقبوه تارة باسم: «صاحب
الدست الشريف»، وأخرى باسم: «كاتب الدرج» وثالثة باسم:
«كاتب الدست» وبقيت هذه تسميته إلى أن تولى «القاضى فتح
الدين بن عبدالظاهر» هذا الديوان فى عهد السلطان «قلاوون»
فتلقب بلقب «كاتب السر»؛ لأنه كان يكتم سر السلطان، وكانت
وظيفته من أعظم الوظائف الديوانية وأجلِّها قدرًا، وكان له
معاونون يساعدونه فى أداء ما عليه من التزامات وواجبات. كان
من أبرزهم: «نائب كاتب السر»، ثم يليه فى المرتبة كُتَّاب الدست
المتصلون بديوان الإنشاء، وكانوا يجلسون مع كاتب السر بمجلس
السلطان بدار العدل. كانت هناك دواوين أخرى - فى العهد
المملوك - أقل شأنًا من تلك الدواوين السابق ذكرها، مثل
«ديوان الأهراء» (وهى شئون الغلال السلطانية)، و «ديوان
الطواحين»، ويتولى صاحبه الإشراف على طحن الغلال،
стр. 3219
و «ديوان المرتجعات»، ويشرف صاحبه على الأمور الخاصة
بتركات الأمراء، وكذلك كانت هناك دواوين أخرى ذكرها
«القلقشندى» على أنها دواوين مستقلة، ولكنها لم تكن - فى
حقيقة الأمر - سوى إدارات تتصل اتصالا مباشرًا بالقصر
السلطانى، أو بأحد الدواوين الرئيسية السابقة، وذكر
«القلقشندى» منها - مثلا - «ديوان الإصطبلات»، و «ديوان
المواريث»، و «ديوان الخزانة» و «ديوان العمائر»، و «ديوان
المستأجرات». سارت دواوين الحكومة فى عصر المماليك على
نسق واحد من حيث التنظيم الإدارى، فكان على رأس كل ديوان
موظف كبير هو «ناظر الديوان»، وكانت مهام عمله تشبه إلى
حد كبير ما يقوم به الوزير حاليا، ويليه فى المرتبة «مستوفى
الصحبة»، و «مستوفى الدولة» ومهمتهما الإشراف على موظفى
الدواوين المختلفة، ويلى هؤلاء طبقة الموظفين والكتاب وما
يليهم. البريد: كان البريد أحد أهم إدارات «ديوان الإنشاء»، إذ
كان واسطة الاتصال بين دولة المماليك فى «مصر» ونياباتها
فى الشام وغيرها من الأقاليم، ولم يقتصر المماليك على البريد
العادى فى إرسال رسائلهم، بل عمدوا إلى استخدام الحمام
الزاجل فى نقلها، وجعلوا القلعة مركزًا لأبراجه، كما أقاموا
مراكز معينة فى جهات مختلفة لتكون مراكز للبريد البرى،
وخصصوا لكل محطة منها عددًا من الحمام الزاجل، وجعلوا على
رعاية شئونه عددًا من الموظفين المتخصصين فى ذلك، وكان
فى كل محطة من هذه المحطات برج أو أكثر ليعيش فيه الحمام
الذى سيقوم بنقل الرسائل إلى المحطة التالية، وقد عنى
سلاطين المماليك عناية شديدة بما كانت تحمله هذه الحمائم من
رسائل، لدرجة أن بعضهم أمر بإدخالها عليه حال وصولها، كما
كان بعضهم يترك طعامه أو يستيقظ من نومه فى الحال عند
وصولها. وهكذا كان تنظيم الدواوين فى عهد الدولة المملوكية
غاية فى الدقة، ومظهرًا من مظاهر الرقى الحضارى الذى وصلت
إليه هذه الدولة بما صنعته وحققته، ومثلا من أمثلة المتابعة
стр. 3220
الدقيقة التى آل سلاطين هذه الدولة على أنفسهم أن يتخذوها
فى مراقبة شئون الدولة؛ لتحقيق الاستقرار الداخلى، الذى
ينعكس - بطبيعة الحال - على كل مناحى الحياة فى الدولة.
كبار الموظفين الإداريين: - الأتابك: «الأتابك» هو القائد العام
للجيوش، وكلمة «أتابك» لفظة تركية مركبة من «أطا»، (وتعنى:
أب) و «بك» (وتعنى: السيد أو الأمير) فيكون «الأتابك» هو:
السيد الأب، أو الأمير الأب، أى أنه أبو الأمراء أو كبيرهم، وقد
أُطلق هذا اللقب فى عهد المماليك على مقدم العساكر، أو
القائد؛ لأنه يعتبر أبًا للعساكر والأمراء جميعًا، وكثيرًا ما خلع
الأتابكة أبناء السلاطين من على العرش، واستولوا عليه وتولوه
بدلا منهم. - الوزير: تطور نظام الوزارة فى «مصر» فى عهد
المماليك، ولم يتمتع وزراء هذا العصر بنفوذ مطلق؛ لاستقرار
منصب «نائب السلطان» الذى استحدثه الأيوبيون وعمل به
المماليك، وقد حرص «الظاهر بيبرس» على اختيار وزرائه من
أرباب الأقلام والسيوف، فإذا كان الوزير من أرباب القلم أُطلق
عليه اسم: «الصاحب» مضافًا إليه صفة الوزير فيصبح لقبه:
«الصاحب الوزير» أو «وزير الصحبة»؛ وهو وزير متنقل يرافق
السلطان فى أسفاره وحروبه، وتكون مهام وظيفته مقصورة
على تسيير شئون الوزارة فى هذه الأثناء. أما إذا كان هذا
الوزير من أرباب السيف اكتفى بتلقيبه بالوزير دون الصاحب،
ويُعدُّ - بهذا - الوزير الأصلى الذى يحضر مجالس السلطان مع
أمراء المائتين، وله حق التصرف فى جميع أمور المملكة. كان
الوزير يتقاضى راتبًا شهريا قدره مائتان وخمسون دينارًا، عدا
ما خصص له كل يوم من مقادير وفيرة من الغلال واللحوم والخبز
وسائر ما يحتاج إليه، وقد ألغى السلطان «الناصر محمد»
منصبى «الوزير» و «نائب السلطان» فى آنٍ واحد فى سنة
(٧٢٧هـ). - والى القاهرة: استلزمت شئون الإدارة تعيين موظف
كبير يُعدُّ فى الواقع من أهم الموظفين الإداريين عرف باسم:
стр. 3221
«والى القاهرة»، فهو الذى ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، ويتعقب
المفسدين، ومثيرى الفتن، ومدمنى الخمر، ويعاقب كلا منهم
على حسب جريمته، كما كانت عليه مراقبة أبواب «القاهرة»،
والطواف بأحياء التجارة والمال فيها، لذا أُطلِق عليه أحيانًا:
«صاحب العسس» أو «والى الطواف»، واقتصر نفوذه على
العاصمة وضواحيها. - ولاة الأقاليم: كانت فئة من الموظفين هى
التى تشرف على كل عمل من أعمال الوجهين البحرى والقبلى
بمصر، وكان على رأس هذه الفئة «والى الإقليم»، الذى يمثل
الإدارة المحلية، وكانت مهمته تتركز فى العمل على استتباب
الأمن والنظام، والمحافظة على أموال الناس وأرواحهم فى
الإقليم الذى أوكلت إليه إدارته. - أمير جاندار: هى وظيفة إدارية
تطلبتها ظروف هذا العصر، وكان على «أميرجاندار» أن يقوم
بتنظيم إدخال الناس على السلطان وهو جالس بإيوانه بقلعة
الجبل. - الحاجب: كان على «الحاجب» أن يقوم بما يقوم به
«أميرجاندار» على أن يراعى مقامات الناس، وأهمية أعمالهم،
وقد عظمت أهمية الحاجب فى العصر المملوكى. - الدوادار: هو
الرجل الذى يتولى أمر تبليغ الرسائل إلى السلطان، كما يقوم
بتقديم المنشورات إليه للتوقيع عليها. لقد كان نظام الإدارة فى
عهد المماليك نظامًا دقيقًا قويا، تطلَّب اختيار موظفين من
أصحاب المواهب الفريدة والخبرات المتميزة فى تخصصاتهم،
فنجحت سياسة الدولة المملوكية فى تسيير شئون البلاد،
وتيسير مصالح الناس وحاجاتهم إلى حد كبير. النظام القضائى:
تعهد «الظاهر بيبرس» النظام القضائى بالإصلاح والتعديل،
ورأى فى تقسيم مناصب القضاء بين قضاة المذاهب الأربعة ما
يضمن العدالة بين الناس، والتيسير عليهم، فقد عين فى سنة
(٦٦٣هـ) أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، وكتب لكل منهم
تقليدًا، وأجاز لهم أن يولوا نوابًا عنهم فى أنحاء البلاد. امتد
اختصاص قاضى القضاة، وقضاة الأقاليم، وزاد نفوذهم، وامتد
стр. 3222
فتناول النظر فى الدعاوى التى تتضمن إثبات الحقوق والحكم
بإيصالها إلى أصحابها، كما نظر فى الأموال التى ليس لها ولى
معين، وكذلك تناول تعيين أوصياء لليتامى، وتفقد أحوال
المحجور عليهم من المجانين والمفلسين وأهل السفه، ونظر
-أيضًا - فى وصايا المسلمين، وكان القضاة ينظرون فى مصالح
الأوقاف، ويعملون على حفظ أصولها وتثبيت فروعها، وقبض
ريعها وإنفاقه فى مصاريفه، وكذلك كانوا يقبضون المال
الموصى به لتنفيذ الوصية، وعهد إليهم بتسلم أموال المواريث
المتنازع عليها، وأموال مَنْ يموتون غرباء وحفظها حتى يحضر
ورثتهم. وانحصرت سلطة القضاة الأربعة ونوابهم على المدنيين،
بينما كان للجيش المملوكى ثلاثة قضاة عُرف كل منهم باسم:
«قاضى العسكر»، واختصوا بشئون العسكر للفصل فى القضايا
الخاصة بهم، أو التى بينهم وبين المدنيين، وكانت جلسات
القضاء فى دولة المماليك تعقد علانية ويحضرها مَنْ شاء من
الناس، وكانت المساجد مكان انعقاد هذه الجلسات، كما كانت
دور القضاء الخاصة مكانًا لها أحيانًا؛ إذا لم يكن هناك دور
معينة لانعقادها، فإذا جلس القاضى للفصل فى الخصومات رتب
القضايا بحسب حضور الخصوم؛ حتى لا يتقدم أحد على الآخر
لمكانته أو ثرائه، وكان يستعين على تنظيم قاعة الجلسة بعدد
من الموظفين منهم: «الجلواز»، و «الأعوان»، و «الأمناء»،
و «العدول»، فكان الرجال يجلسون فى جانب والنساء فى
الجانب الآخر. وقد بلغ راتب القاضى خمسين دينارًا شهريا، عدا
ما كان يحصل عليه من الأوقاف التى كان يتولى إدارتها،
بالإضافة إلى ما كان يجرى عليه من الغلال والشعير والخبز
واللحم والكساء. كان تنظيم القضاء فى دولة المماليك تنظيمًا
دقيقًا، وبرز فى هذه الدولة قضاة عرفوا بالنزاهة وطهارة الذمة
وحسن السيرة، احترموا مركزهم القضائى، ولم يقبلوا تدخل أحد
- مهما يعلُ مركزه - فى أعمالهم، وكثيرًا ما كانوا يطلبون
إعفاءهم من مناصبهم - دون تردد - إذا ما حاول أحد تهديد
стр. 3223
كرامتهم، أو الاعتداء من قريب أو بعيد على استقلالهم، فقد
كانوا لا يقبلون الرشوة ولا الهدية، لذا أصبحت لهم مكانتهم
الكريمة ومقامهم المرموق فى الدولة، وفى نظر السلاطين
والأمراء، وجميع طبقات الشعب، ولعل أبرز الأمثلة للتدليل عليهم:
«القاضى عبدالعزيز»، المعروف بعز الدين بن عبدالسلام (سلطان
العلماء)، و «القاضى تقى الدين عبدالرحمن الشافعى» ابن بنت
«الأعز»، و «القاضى تقى الدين محمد بن دقيق العيد»، وغيرهم،
فقد كانوا أمثلة عظيمة وواضحة لما يجب أن يكون عليه القاضى
العادل والشريف. الإفتاء: يلى القضاة فى الأهمية «مفتو دار
العدل»، وقد كانوا أربعة يمثلون المذاهب الإسلامية الأربعة، ولم
تكن فى سلطتهم الفصل فى الخصومات سواء أكانت بين
المدنيين أم بين العسكريين أم بين العسكريين والمدنيين، بل
كانت مهمتهم شرح وتبيين حكم الشرع فيما يُسألون عنه من
المسائل الفقهية، كل حسب مذهبه. المحتسب: كانت مهمة
المحتسب النظر فيما يتعلق بالجنايات والنظام العام، وكان عليه
الفصل فيها على وجه السرعة، وقد عهد إليه بالإشراف على
نظام الأسواق، وكان له نواب يطوفون فيها ويفتشون أماكنها،
ويشرفون على السَّقَّائين للتأكد من نظافتهم، وتغطيتهم القرب،
ولبسهم السراويل، كما كان على المحتسب ونوابه الحيلولة دون
بروز الحوانيت (الدكاكين) حتى لا تعوق نظام المرور بالشوارع،
وكذلك عليهم الإشراف على نظافة الشوارع والأزقة، والحكم
بهدم المبانى المتداعية للسقوط وإزالة أنقاضها، وكذلك الكشف
على صحة الموازين والمكاييل، التى كانت لها دار خاصة تُعرف
باسم: «دار العيار»، فكان المحتسب يطلب جميع الباعة إلى هذه
الدار فى أوقات معينة ومعهم موازينهم ومكاييلهم ليتأكد بنفسه
من ضبط عيارها، فإن وجد بها خللا صادرها وألزم صاحبها
بإصلاحها أو شراء غيرها. وقد ارتقى نظام الحسبة وشمل الأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر. صاحب المظالم: كان «الظاهر
стр. 3224
بيبرس» أول من جلس للمظالم من سلاطين المماليك، وهو الذى
أقام دار العدل فى سنة (٦٦١هـ)، وقد خصص يومى الاثنين
والخميس من كل أسبوع ليجلس فيهما للفصل فى القضايا المهمة،
ويحيط به قضاة المذاهب الأربعة، وكبار الموظفين الإداريين
والماليين، وكاتب السر. وظلت دار العدل مقرا لمحكمة المظالم -
التى كانت تعقد جلساتها برئاسة السلطان - حتى جاء السلطان
«قلاوون» وبنى الإيوان الخاص، واتخذه مقرا لهذه المحكمة فى
سنة (٦٧٩هـ)، ولم تكن محكمة المظالم تنظر فى قضايا الأفراد
فحسب، بل كانت تنظر فى شكاوى الناس كافة، ويذكر
«المقريزى» أن السلطان «بيبرس» عُرضَت عليه فى سنة (٦٦٢هـ)
قضية رجل من عِلْية القوم وذكر فيها أن «المعز أيبك» قد
اغتصب منه بستانًا، وقدم ما يثبت ملكيته لهذا البستان، فأمر
«بيبرس» برد البستان إليه. وقد قام «بيبرس» بخفض ثمن الغلال
فى سنة (٦٦٣هـ) بعد أن ارتفع ثمنها، ولذا تميز النظام القضائى
فى عهد المماليك بالحيدة والنزاهة وتحقيق العدل بين الرعية.
المنشآت الحضارية فى عهد المماليك: حفلت كتب التاريخ التى
تناولت عهد المماليك بذكر الآثار التى خلَّفها هذا العصر، والتى
مازال معظمها شاهد صدق على مدى عظمة هذه الدولة حتى
الآن، فقد تقدمت فنون البناء والعمارة والزخرفة، وتوافرت
الأموال اللازمة لها خلال هذا العهد المجيد من تاريخ العالم
الإسلامى، فقد قام «الظاهر بيبرس» ببناء مسجده، المعروف
باسمه بميدان الظاهر بالقاهرة فى عام (٦٦٥هـ)، وجلب لبنائه
الرخام والأخشاب وأدوات البناء من سائر البلاد، وزيَّنه بزخارف
الجص، فأصبح مثالا للمساجد الكبيرة الضخمة التى شُيدت فى
عهد دولة المماليك البحرية. كما قام «بيبرس» ببناء برج لقلعة
الجبل، وشيد «قناطر السباع» على «الخليج المصرى»، وقد
عُرفت هذه القناطر بهذا الاسم؛ لأن «بيبرس» نصب عليها سباعًا
من الحجارة، كما أصلح منارتى «رشيد» و «الإسكندرية». أما
стр. 3225
السلطان «قلاوون» فقد أنشأ القبة التى دُفِن تحتها، كما أنشأ
مسجده ومدرسته، ومارستانه الذى عُرف بمستشفى «قلاوون»،
ثم يأتى ابنه «السلطان الناصر محمد ابن قلاوون»، وكان شغوفًا
بسياسة أبيه فى الإنشاء والبناء، فشيد «المدرسة الناصرية»
(بحى النحاسين)، وعين بها مدرسين للمذاهب الأربعة، وألحق
بها مكتبة حافلة بنوادر الكتب وأمهاتها، ولاتزال هذه المدرسة
باقية بحالة جيدة حتى اليوم، وكذلك بنى «الناصر محمد»
«القصر الأبلق» بقلعة الجبل، وسُمى بذلك لأنه بنى من الحجر
الأبيض والحجر الأسود، وفى سنة (٧١٨هـ) شيد «الناصر»
مسجده بالقلعة، ثم هدمه فى سنة (٧٣٥هـ) ليعيد توسيعه وبناءه
من جديد، وقام بتجديد بناء المارستان الكبير الذى أسسه والده
«قلاوون»، وأنشأ «خانقاه» (بيت لفقراء الصوفية) فى
«سرياقوس» من ضواحى «القاهرة» فى سنة (٧٢٣هـ)، (أصبحت
«سرياقوس» اليوم تابعة لمركز «الخانكة» بمحافظة
«القليوبية»)، وقد شيد «الناصر» سبيلا ألحقه بجوار مدرسته
وجامع أبيه «قلاوون»؛ لأنهما متجاوران. ولعل أعظم إنشاءات
دولة المماليك البحرية ما قام به السلطان «حسن بن الناصر محمد
بن قلاوون» حين أنشأ مسجده ومدرسته بالقرب من القلعة.
منشآت دولة المماليك البرجية: ازدادت المنشآت فى عصر دولة
المماليك البرجية، ولعل أفضل مثال على منشآت ذلك العهد
ماقام به «الأشرف برسباى» للعمارة الإسلامية، فقد قام بتأسيس
عدة مبانٍ كان أهمها مدرسته الأشرفية التى عند «سوق
الوراقين» بالقاهرة، إذ رسم حدودها فى سنة (٨٢٦هـ) وعين
«الشيخ علاء الدين ابن الرومى الحنفى» أستاذًا لها، ثم أتم
بناءها فى سنة (٨٢٩هـ)، وكذلك قام «برسباى» بإنشاء
مدرسة بجوار «خانقاه سرياقوس» فى سنة (٨٤١هـ)، وكانت
هذه المدرسة مجمعًا دينيا يشمل: مدرسة، وكُتَّابًا، وسبيلا،
وخانقاه للصوفية، وكان القاضى «محب الدين بن رسول
الكرادى» الحنفى، المعروف بابن الأشقرت، أحد الذين تولوا أمر
следующие страницы →