← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

«والى القاهرة»، فهو الذى ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، ويتعقب المفسدين، ومثيرى الفتن، ومدمنى الخمر، ويعاقب كلا منهم على حسب جريمته، كما كانت عليه مراقبة أبواب «القاهرة»، والطواف بأحياء التجارة والمال فيها، لذا أُطلِق عليه أحيانًا: «صاحب العسس» أو «والى الطواف»، واقتصر نفوذه على العاصمة وضواحيها. - ولاة الأقاليم: كانت فئة من الموظفين هى التى تشرف على كل عمل من أعمال الوجهين البحرى والقبلى بمصر، وكان على رأس هذه الفئة «والى الإقليم»، الذى يمثل الإدارة المحلية، وكانت مهمته تتركز فى العمل على استتباب الأمن والنظام، والمحافظة على أموال الناس وأرواحهم فى الإقليم الذى أوكلت إليه إدارته. - أمير جاندار: هى وظيفة إدارية تطلبتها ظروف هذا العصر، وكان على «أميرجاندار» أن يقوم بتنظيم إدخال الناس على السلطان وهو جالس بإيوانه بقلعة الجبل. - الحاجب: كان على «الحاجب» أن يقوم بما يقوم به «أميرجاندار» على أن يراعى مقامات الناس، وأهمية أعمالهم، وقد عظمت أهمية الحاجب فى العصر المملوكى. - الدوادار: هو الرجل الذى يتولى أمر تبليغ الرسائل إلى السلطان، كما يقوم بتقديم المنشورات إليه للتوقيع عليها. لقد كان نظام الإدارة فى عهد المماليك نظامًا دقيقًا قويا، تطلَّب اختيار موظفين من أصحاب المواهب الفريدة والخبرات المتميزة فى تخصصاتهم، فنجحت سياسة الدولة المملوكية فى تسيير شئون البلاد، وتيسير مصالح الناس وحاجاتهم إلى حد كبير. النظام القضائى: تعهد «الظاهر بيبرس» النظام القضائى بالإصلاح والتعديل، ورأى فى تقسيم مناصب القضاء بين قضاة المذاهب الأربعة ما يضمن العدالة بين الناس، والتيسير عليهم، فقد عين فى سنة (٦٦٣هـ) أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، وكتب لكل منهم تقليدًا، وأجاز لهم أن يولوا نوابًا عنهم فى أنحاء البلاد. امتد اختصاص قاضى القضاة، وقضاة الأقاليم، وزاد نفوذهم، وامتد

стр. 3222

فتناول النظر فى الدعاوى التى تتضمن إثبات الحقوق والحكم بإيصالها إلى أصحابها، كما نظر فى الأموال التى ليس لها ولى معين، وكذلك تناول تعيين أوصياء لليتامى، وتفقد أحوال المحجور عليهم من المجانين والمفلسين وأهل السفه، ونظر -أيضًا - فى وصايا المسلمين، وكان القضاة ينظرون فى مصالح الأوقاف، ويعملون على حفظ أصولها وتثبيت فروعها، وقبض ريعها وإنفاقه فى مصاريفه، وكذلك كانوا يقبضون المال الموصى به لتنفيذ الوصية، وعهد إليهم بتسلم أموال المواريث المتنازع عليها، وأموال مَنْ يموتون غرباء وحفظها حتى يحضر ورثتهم. وانحصرت سلطة القضاة الأربعة ونوابهم على المدنيين، بينما كان للجيش المملوكى ثلاثة قضاة عُرف كل منهم باسم: «قاضى العسكر»، واختصوا بشئون العسكر للفصل فى القضايا الخاصة بهم، أو التى بينهم وبين المدنيين، وكانت جلسات القضاء فى دولة المماليك تعقد علانية ويحضرها مَنْ شاء من الناس، وكانت المساجد مكان انعقاد هذه الجلسات، كما كانت دور القضاء الخاصة مكانًا لها أحيانًا؛ إذا لم يكن هناك دور معينة لانعقادها، فإذا جلس القاضى للفصل فى الخصومات رتب القضايا بحسب حضور الخصوم؛ حتى لا يتقدم أحد على الآخر لمكانته أو ثرائه، وكان يستعين على تنظيم قاعة الجلسة بعدد من الموظفين منهم: «الجلواز»، و «الأعوان»، و «الأمناء»، و «العدول»، فكان الرجال يجلسون فى جانب والنساء فى الجانب الآخر. وقد بلغ راتب القاضى خمسين دينارًا شهريا، عدا ما كان يحصل عليه من الأوقاف التى كان يتولى إدارتها، بالإضافة إلى ما كان يجرى عليه من الغلال والشعير والخبز واللحم والكساء. كان تنظيم القضاء فى دولة المماليك تنظيمًا دقيقًا، وبرز فى هذه الدولة قضاة عرفوا بالنزاهة وطهارة الذمة وحسن السيرة، احترموا مركزهم القضائى، ولم يقبلوا تدخل أحد - مهما يعلُ مركزه - فى أعمالهم، وكثيرًا ما كانوا يطلبون إعفاءهم من مناصبهم - دون تردد - إذا ما حاول أحد تهديد

стр. 3223

كرامتهم، أو الاعتداء من قريب أو بعيد على استقلالهم، فقد كانوا لا يقبلون الرشوة ولا الهدية، لذا أصبحت لهم مكانتهم الكريمة ومقامهم المرموق فى الدولة، وفى نظر السلاطين والأمراء، وجميع طبقات الشعب، ولعل أبرز الأمثلة للتدليل عليهم: «القاضى عبدالعزيز»، المعروف بعز الدين بن عبدالسلام (سلطان العلماء)، و «القاضى تقى الدين عبدالرحمن الشافعى» ابن بنت «الأعز»، و «القاضى تقى الدين محمد بن دقيق العيد»، وغيرهم، فقد كانوا أمثلة عظيمة وواضحة لما يجب أن يكون عليه القاضى العادل والشريف. الإفتاء: يلى القضاة فى الأهمية «مفتو دار العدل»، وقد كانوا أربعة يمثلون المذاهب الإسلامية الأربعة، ولم تكن فى سلطتهم الفصل فى الخصومات سواء أكانت بين المدنيين أم بين العسكريين أم بين العسكريين والمدنيين، بل كانت مهمتهم شرح وتبيين حكم الشرع فيما يُسألون عنه من المسائل الفقهية، كل حسب مذهبه. المحتسب: كانت مهمة المحتسب النظر فيما يتعلق بالجنايات والنظام العام، وكان عليه الفصل فيها على وجه السرعة، وقد عهد إليه بالإشراف على نظام الأسواق، وكان له نواب يطوفون فيها ويفتشون أماكنها، ويشرفون على السَّقَّائين للتأكد من نظافتهم، وتغطيتهم القرب، ولبسهم السراويل، كما كان على المحتسب ونوابه الحيلولة دون بروز الحوانيت (الدكاكين) حتى لا تعوق نظام المرور بالشوارع، وكذلك عليهم الإشراف على نظافة الشوارع والأزقة، والحكم بهدم المبانى المتداعية للسقوط وإزالة أنقاضها، وكذلك الكشف على صحة الموازين والمكاييل، التى كانت لها دار خاصة تُعرف باسم: «دار العيار»، فكان المحتسب يطلب جميع الباعة إلى هذه الدار فى أوقات معينة ومعهم موازينهم ومكاييلهم ليتأكد بنفسه من ضبط عيارها، فإن وجد بها خللا صادرها وألزم صاحبها بإصلاحها أو شراء غيرها. وقد ارتقى نظام الحسبة وشمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. صاحب المظالم: كان «الظاهر

стр. 3224

بيبرس» أول من جلس للمظالم من سلاطين المماليك، وهو الذى أقام دار العدل فى سنة (٦٦١هـ)، وقد خصص يومى الاثنين والخميس من كل أسبوع ليجلس فيهما للفصل فى القضايا المهمة، ويحيط به قضاة المذاهب الأربعة، وكبار الموظفين الإداريين والماليين، وكاتب السر. وظلت دار العدل مقرا لمحكمة المظالم - التى كانت تعقد جلساتها برئاسة السلطان - حتى جاء السلطان «قلاوون» وبنى الإيوان الخاص، واتخذه مقرا لهذه المحكمة فى سنة (٦٧٩هـ)، ولم تكن محكمة المظالم تنظر فى قضايا الأفراد فحسب، بل كانت تنظر فى شكاوى الناس كافة، ويذكر «المقريزى» أن السلطان «بيبرس» عُرضَت عليه فى سنة (٦٦٢هـ) قضية رجل من عِلْية القوم وذكر فيها أن «المعز أيبك» قد اغتصب منه بستانًا، وقدم ما يثبت ملكيته لهذا البستان، فأمر «بيبرس» برد البستان إليه. وقد قام «بيبرس» بخفض ثمن الغلال فى سنة (٦٦٣هـ) بعد أن ارتفع ثمنها، ولذا تميز النظام القضائى فى عهد المماليك بالحيدة والنزاهة وتحقيق العدل بين الرعية. المنشآت الحضارية فى عهد المماليك: حفلت كتب التاريخ التى تناولت عهد المماليك بذكر الآثار التى خلَّفها هذا العصر، والتى مازال معظمها شاهد صدق على مدى عظمة هذه الدولة حتى الآن، فقد تقدمت فنون البناء والعمارة والزخرفة، وتوافرت الأموال اللازمة لها خلال هذا العهد المجيد من تاريخ العالم الإسلامى، فقد قام «الظاهر بيبرس» ببناء مسجده، المعروف باسمه بميدان الظاهر بالقاهرة فى عام (٦٦٥هـ)، وجلب لبنائه الرخام والأخشاب وأدوات البناء من سائر البلاد، وزيَّنه بزخارف الجص، فأصبح مثالا للمساجد الكبيرة الضخمة التى شُيدت فى عهد دولة المماليك البحرية. كما قام «بيبرس» ببناء برج لقلعة الجبل، وشيد «قناطر السباع» على «الخليج المصرى»، وقد عُرفت هذه القناطر بهذا الاسم؛ لأن «بيبرس» نصب عليها سباعًا من الحجارة، كما أصلح منارتى «رشيد» و «الإسكندرية». أما

стр. 3225

السلطان «قلاوون» فقد أنشأ القبة التى دُفِن تحتها، كما أنشأ مسجده ومدرسته، ومارستانه الذى عُرف بمستشفى «قلاوون»، ثم يأتى ابنه «السلطان الناصر محمد ابن قلاوون»، وكان شغوفًا بسياسة أبيه فى الإنشاء والبناء، فشيد «المدرسة الناصرية» (بحى النحاسين)، وعين بها مدرسين للمذاهب الأربعة، وألحق بها مكتبة حافلة بنوادر الكتب وأمهاتها، ولاتزال هذه المدرسة باقية بحالة جيدة حتى اليوم، وكذلك بنى «الناصر محمد» «القصر الأبلق» بقلعة الجبل، وسُمى بذلك لأنه بنى من الحجر الأبيض والحجر الأسود، وفى سنة (٧١٨هـ) شيد «الناصر» مسجده بالقلعة، ثم هدمه فى سنة (٧٣٥هـ) ليعيد توسيعه وبناءه من جديد، وقام بتجديد بناء المارستان الكبير الذى أسسه والده «قلاوون»، وأنشأ «خانقاه» (بيت لفقراء الصوفية) فى «سرياقوس» من ضواحى «القاهرة» فى سنة (٧٢٣هـ)، (أصبحت «سرياقوس» اليوم تابعة لمركز «الخانكة» بمحافظة «القليوبية»)، وقد شيد «الناصر» سبيلا ألحقه بجوار مدرسته وجامع أبيه «قلاوون»؛ لأنهما متجاوران. ولعل أعظم إنشاءات دولة المماليك البحرية ما قام به السلطان «حسن بن الناصر محمد بن قلاوون» حين أنشأ مسجده ومدرسته بالقرب من القلعة. منشآت دولة المماليك البرجية: ازدادت المنشآت فى عصر دولة المماليك البرجية، ولعل أفضل مثال على منشآت ذلك العهد ماقام به «الأشرف برسباى» للعمارة الإسلامية، فقد قام بتأسيس عدة مبانٍ كان أهمها مدرسته الأشرفية التى عند «سوق الوراقين» بالقاهرة، إذ رسم حدودها فى سنة (٨٢٦هـ) وعين «الشيخ علاء الدين ابن الرومى الحنفى» أستاذًا لها، ثم أتم بناءها فى سنة (٨٢٩هـ)، وكذلك قام «برسباى» بإنشاء مدرسة بجوار «خانقاه سرياقوس» فى سنة (٨٤١هـ)، وكانت هذه المدرسة مجمعًا دينيا يشمل: مدرسة، وكُتَّابًا، وسبيلا، وخانقاه للصوفية، وكان القاضى «محب الدين بن رسول الكرادى» الحنفى، المعروف بابن الأشقرت، أحد الذين تولوا أمر

стр. 3226

المدرسة والخانقاه فى سنة (٨٦٣هـ). كذلك أقام «برسباى» مسجدًا وتربة وزاوية بالصحراء، ولم يكن وحده هو الذى فعل ذلك، فقد كان أغلب سلاطين المماليك يحرصون على بناء مسجد ومدفن لكل منهم فى الصحراء بشرق «القاهرة»، ذلك إضافة إلى ما يقومون به من منشآت فى أرجاء البلاد، مثلما فعل «بيبرس» حين أقام «قنطرة المجذوب» بأسيوط، وجدد «الحرم الشريف» بمكة، و «الجامع الأزهر» بمصر. ويُعدُّ «قايتباى» أشهر سلاطين المماليك البرجية شغفًا بالبناء والعمران، إذ أنفق مائة ألف دينار على إعادة تشييد «مسجد المدينة المنورة» بخلاف ما أنفقه على تشييد وبناء مسجده، وبناء «قلعة الإسكندرية» المعروفة باسمه، وكذلك أقام مبانى جديدة بقلعة الجبل، وقام «السلطان الغورى» من بعده بتحصين «الإسكندرية» و «رشيد». ويعد عصر المماليك- بحق - أحد العصور الذهبية فى تاريخ العمارة الإسلامية، فقد كان الإقبال غظيماً على تشييد المساجد والمدارس والأضرحة، والاهتمام بالمهارات الفنية والزخرفية، والعمل على إتقان بناء المنارات والقباب وواجهات المنشآت والإيوانات والأعمدة وزخرفتها، وزخرفة المدارس والمساجد من الداخل والخارج، وقد كانت العناية بزخرفة وتجميل كل ذلك إحدى سمات هذا العصر. النهضة فى مجال العلوم والآداب: لاشك أن المؤسسات العلمية التى أنشأها المماليك نهضت بمستوى العلم وتقدمه فى عهدهم، وأبرزت نخبة من ألمع العلماء فى مختلف مجالات الثقافة والعلوم، فكان منهم الفقهاء: شيخ الحنابلة «أحمد بن تيمية»، ومن المؤرخين: «أبو الفدا» صاحب «التاريخ والسير»، و «المقريزى المصرى» صاحب «الخطط» و «السلوك»، و «ابن خلكان» صاحب «وفيات الأعيان»، كما كان من كُتَّاب السير الطبيب الشهير «ابن أبى أصيبعة»، الذى درس بدمشق و «القاهرة»، ثم وضع تراجم للأطباء فى مؤلفه: «عيون الأنباء»، وكذلك كان «ابن إياس» صاحب «بدائع الزهور»، و «القلقشندى» صاحب «صبح الأعشى»، ومن الشاميين نجد

стр. 3227

المؤرخ «شمس الدين الدمشقى» صاحب «نخبة الدهر فى عجائب البر والبحر»، و «ابن فضل الله العمرى»، الذى شغل منصب «صاحب الخاتم» فى بلاط المماليك بالقاهرة، وهو صاحب كتاب: «مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار»، ولقد عاش «عبدالرحمن الجبرتى» أشهر علماء التاريخ فى بلاط المماليك، ويعد «ابن خلدون» واضع علم الاجتماع ومؤسس فلسفة التاريخ، وهو صاحب كتاب: «العبر وديوان المبتدأ والخبر»، وقد وضع فى مقدمته لهذا الكتاب أسس كتابة التاريخ التى اشتهرت شهرة واسعة النطاق فى أنحاء العالم. وهكذا برزت -خلال عهد المماليك - جماعة من أفضل علماء المسلمين فى التاريخ الإسلامى، وشجعهم على ذلك اهتمام سلاطين المماليك بالعلم والعلماء. وإن نظرة واحدة فى حُجة أحد سلاطين هذه الدولة لتظهر لنا مدى ما وصل إليه هؤلاء من حب وتقدير للعلم والعلماء والمتعلمين، وقد حرص «الأشرف برسباى» فى حُجته على تعيين المشايخ لمدرسته، وقام بوقف الأراضى لكى يُنفق من إيرادها على التعليم، وكذلك على المتعلمين الذين أنفق عليهم بسخاء، فخرج منهم العلماء والفقهاء والأئمة فى مختلف المجالات والتخصصات والمذاهب، وأصبح هذا العمل مفخرة لهذا العصر، وسببًا من أهم أسباب تقدم المسلمين وتفوقهم فى مجالات العلوم والحضارة. - الحالة الاقتصادية فى عهد سلاطين المماليك: مما لاشك فيه أن الحالة الاقتصادية لأية أمة من الأمم تمثل العمود الفقرى لها، فإذا كان الاقتصاد قويا وأحسن استغلاله فى تيسير حاجات البلاد، وبناء نهضتها، وتشييد حضارتها؛ كان ذلك مدعاة إلى التقدم والازدهار فى جميع المجالات، ووقوف البلاد فى صفوف الأمم المتقدمة ذات السيادة العالمية. أما إذا كان اقتصاد أى بلد عكس ذلك، فإنه يكون مدعاة للظلم والقهر والسلب، وخذلان البلاد ووقوفها فى ذيل قائمة البلاد المتقدمة، منتظرة قراراتها فى تسيير أمورها وشئونها الخاصة، ولا

стр. 3228

تتوافر لهذه الأمم الضعيفة القدرة على اتخاذ القرار فيما يخصها، وتصبح فريسة للتدخل الأجنبى، وطمع المستعمرين، ولقد كان المماليك من القوة الاقتصادية لدرجة أن دولتهم بلغت حدا من الثراء لم تؤثر عليه الحروب العديدة التى خاضوها، بالإضافة إلى الإنشاءات والإصلاحات التى قامت بها فى طول البلاد وعرضها؛ إذ تعددت مصادر الثروة التى زخرت بها خزائن المماليك، فبالإضافة إلى ضرائب الخراج، والتركات التى لا وارث لها كانت هناك مصادر أساسية وثابتة لزيادة موارد الدولة؛ إذ اهتم المماليك بالزراعة والصناعة والتجارة، وأقاموا مقاييس للنيل، وطهروا الترع، وأنشئوا الجسور ونظموا الرى وحسَّنوا وسائله، كما اعتنوا بصناعة المنسوجات، ونشطوا فى اكتشاف واستخراج المعادن، التى كان من أهمها: «الزمرد» و «الشب» و «النطرون»، فكان «الشب» يُستخرج من الوجه القبلى والواحات، ويُحمل إلى «قوص» أو إلى «أسيوط» و «أخميم» و «البهنسا»، ثم ينقل منها عن طريق النيل إلى «الإسكندرية» وفيها يباع للأوربيين، وخصصت الحكومة ثلث ثمنه لدفع رواتب الأمراء، ولتوفير بعض احتياجات الجيش الكثيرة؛ لكثرة حروبهم فى ذلك الوقت. وكانت التجارة - بحق - أعظم مصادر الثروة فى العهد المملوكى؛ إذ قاموا بتشجيعها، وعقدوا المحالفات والاتفاقات التجارية مع إمبراطور «القسطنطينية»، وملوك «إسبانيا»، وأمراء «نابلس»، و «جنوة»، و «البندقية» وسلاجقة «آسيا الصغرى»، وكاد المماليك أن يحتكروا تجارة «الهند» - خاصة التوابل - بالاتفاق مع أمراء الموانئ الإيطالية، فكان لذلك أكبر الأثر فى نمو ثروات البلاد وزيادتها، خاصة بعد أن بسط المماليك سلطانهم على «مكة» و «جدة»، وأصبحت «مكة» من أشهر الأسواق التجارية فى الشرق فانتعشت حالة البلاد الاقتصادية وازدهرت، ويدل على ذلك كثرة الإنشاءات المعمارية والتجهيزات الحربية فى ذلك الحين، إلا أن لحالة الركود - التى

стр. 3229

كانت تصيب الاقتصاد أحيانًا نتيجة لظروف القلق وما يصاحبها من السلب والنهب - أثراً على خزينة الدولة، ومع ذلك لم يكن تأثيرها خطيرًا؛ لأن الدولة سرعان ما كانت تتدارك الأخطاء وتعالج العيوب، وتعمل على سد النقص فى اقتصادها، ولعل أخطر الأحداث الاقتصادية التى كان لها أكبر الأثر فى سقوط دولة المماليك هو تحول طرق التجارة بين «أوربا» و «الشرق» عن طريق «مصر» إلى طريق «رأس الرجاء الصالح» الذى اكتشفه «فاسكو دى جاما» البرتغالى سنة (١٤٩٨م)، فأحدث هذا الاكتشاف انقلابًا خطيرًا فى عالم التجارة، وكارثة حقيقية على دولة المماليك التى كانت تعتمد بصورة كبيرة على التجارة التى تحولت من حوض «البحر الأبيض المتوسط» إلى «المحيط الأطلسى» ونضبت خزائن «مصر» من الأموال التى كانت تأتيها من تجار «البندقية» و «جنوة»، الذين كانوا ينقلون تجارتهم من «الشرق» إلى «أوربا» عن طريق «مصر» ويدفعون لها الضرائب عن دخول تجارتهم وخروجها منها، فكان لذلك أثره على كساد التجارة والزراعة، ولم تعد «مصر» تنتج للأسواق الخارجية كثيرًا، فقلت موارد البلاد، وتهددتها المجاعات، وانحط شأن «الإسكندرية»، وقل عدد الأجانب بها، وتأخرت الصناعات الحيوية، وتدهورت الحالة الفنية؛ لقلة الأموال اللازمة، فهيأ هذا الوضع الفرصة للسلب والنهب الذى قام به بعض أفراد المماليك، فدب الضعف فى أوصال الدولة، وبدأت تأخذ طريقها إلى الضعف والتلاشى؛ لأن موارد البلاد لم تعد كافية لسد احتياجاتها الضرورية، وزاد الأمر سوءًا فى نهاية عصر المماليك إذ كثرت الدسائس والمؤامرات، وحوادث السلب والنهب، وتعرضت «مصر» للمجاعة والاضطراب فى عهد «السلطان برقوق» و «السلطان شيخ المؤيد» و «السلطان قايتباى»، وزادت الاضطرابات فى أنحاء البلاد، ولا تكاد تستقر حتى تعود إليها الفوضى ثانية؛ بسبب الفتن التى زادت حدتها فى عهد المماليك البرجية على

стр. 3230

وجه الخصوص، لدرجة أن «فايربك» أحد أمراء المماليك البرجية هو الذى ساعد العثمانيين - بخيانته - على الدخول إلى «مصر» والشام، وهذا دليل قاطع على مدى التدهور والضعف اللذين وصلت إليهما الدولة فى آخر أيامها.

стр. 3231

* العثمانية (دولة) تنسب الدولة العثمانية إلى الأمير عثمان بن أرطغل ويتجاوز تاريخها ستة قرون، ويمتد عبر مساحة كبيرة من الأرض، شملت «العراق» و «الجزيرة العربية» و «مصر» و «الشام» وشمال إفريقيا و «الأناضول» وشرق أوربا. وقد مرَّ تاريخ الدولة العثمانية بمراحل عديدة، بدأت بمرحلة الإمارة، وهى فترة التأسيس والبناء، وتبدأ من إمارة «عثمان» الذى تنسب إليه الدولة العثمانية، وتنتهى بإمارة «مراد بن أورخان». وقد شهدت هذه الفترة المبكرة من تاريخ الدولة نشاطًا حربيا فى أوربا، ووَضْع التنظيمات الإدارية، وظهور فرقة الإنكشارية؛ وكانت أهم فرق جيش الإمارة. ثم انتقلت الدولة من مرحلة الإمارة إلى السلطنة على يد «بايزيد الأول» المشهور بالصاعقة، وامتدت هذه الفترة حتى عهد السلطان «سليم الأول» الذى فتح «مصر» و «الشام» سنة (٩٢٣هـ= ١٥١٧م)، وسقطت بذلك الخلافة العباسية فى «القاهرة»، وانتقلت إلى العثمانيين. وفى هذه الفترة - أيضًا - فتح السلطان «محمد الفاتح» مدينة «القسطنطينية» عاصمة الدولة البيزنطية واتخذها عاصمة لدولته، وأطلق عليها اسم «إستانبول»، وكان لهذا الفتح دوىٌّ كبير، فسُرَّ به العالم الإسلامى سرورًا عظيمًا، وكتب «البابا» إلى جميع الحكام الأوربيين طالبًا منهم قيام اتفاق صليبى جديد. وبعد أن انتقلت الدولة العثمانية إلى مرحلة الخلافة على يد «سليم الأول» انطلقت نحو الدولة العالمية، فاتسعت رقعتها وقويت شوكتها، وبخاصة فى عهد «سليمان القانونى» الذى حكم نحو ست وأربعين سنة، بلغت الدولة خلالها أوج عظمتها قوةً واتساعًا وحضارة. ثم توقفت الدولة العثمانية فى عهدها الثانى عن الفتح والتوسُّع، وولَّت العصور التى كان فيها نفوذها يعبر القارات ويوجِّه سياسة العالم، وعندئذٍ نظر العثمانيون إلى أنفسهم، وأيقنوا أن هناك خللا يستوجب الإصلاح. وقد قامت عدة محاولات للإصلاح، سواء التى سلكت طريق الإحياء الإسلامى، أو التى أخذت

стр. 3232

بالنموذج الغربى، وكانت حركة «التنظيمات» أشهر تلك المحاولات الإصلاحية، وكان لها آثارها البالغة فى شئون الحياة كافة فى الدولة العثمانية. وقد بذل السلطان «عبد الحميد الثانى» جهودًا مضنية من أجل الحفاظ على دولته التى أخذت طريقها نحو الانهيار، لكن ذلك لم يمنع من سقوطها الذى وقع سنة (١٣٤٣هـ= ١٩٢٤م) على يد «مصطفى كمال أتاتورك». بعض الجوانب الحضارية فى الدولة العثمانية: العناية باللغة العربية: منذ أن تولى الأمير «عثمان» مؤسس الدولة العثمانية الحكم سنة (٦٨٠هـ= ١٢٨١م) وحكم (٣٧) سنة أحاط نفسه بعلماء قبيلته ومشايخها الذين كانوا يعنون بحفظ القرآن الكريم وتحفيظه، ومع تولى «أورخان» الحكم خرج التعليم من المسجد إلى المدرسة، حيث فتح أول مدرسة فى مدينة «إزميد» التى فتحها سنة (٧٢٨هـ= ١٣٢٧م)، وكان أول مدرس بها هو «داود القيصرى»، ودرست بها كثير من الكتب، فدرّس فى مادة التفسير كتابى «تفسير الكشاف» للزمخشرى، و «تفسير البيضاوى» لناصر الدين «عبد الله بن عمر البيضاوى»، وفى الحديث كتب الصحاح الستة، وهى: «صحيح البخارى»، و «صحيح مسلم»، و «سنن الترمذى»، و «سنن أبى داود»، و «سنن النسائى»، و «سنن ابن ماجه»، وكتاب «مصابيح السنة» للبغوى. ودرس فى مادة الفقه كتاب «الهداية» لشيخ الإسلام «برهان الدين على بن أبى بكر المرغنانى»، وكتاب «العناية فى شرح الوقاية» لعلاء الدين «على بن عمر الأسود»، وفى أصول الفقه كتاب «التلويح» للتفتازانى، و «منار الأنوار» للنسفى، و «المغنى» لجلال الدين عمر، و «مختصر ابن الحاجب». وتقرر فى العقائد كتاب «القاضى الإيجى»، وكتاب «النسفى» و «الطحاوى»، وفى علم الكلام كتاب «تجريد الكلام» للطوسى، و «طوالع الأنوار» للبيضاوى، و «المواقف» للإيجى، وفى علم البلاغة كتاب «مفتاح العلوم» للسكاكى، و «تلخيص المفتاح فى المعانى والبيان» للقزوينى، وفى المنطق كتاب

стр. 3233

«الإيساغوجى»، و «مطالع الأنوار» لسراج الدين الأرموى، وفى الفلك كتاب «الملخص» لمحمود بن محسن الجغمينى. ومن الكتب المقررة فى النحو: «ألفية ابن مالك» و «العوامل» للشيخ «عبد القادر الجرجانى»، و «الكافية فى النحو» لابن الحاجب، وكتب «ابن هشام»: «شذور الذهب»، و «قطر الندى»، و «مغنى اللبيب»، ودرس فى الصرف كتاب «أساس التصريف» لشمس الدين الغنارى، و «الشافية» لابن الحاجب وغيرهما. وبرز كثير من علماء الدولة العثمانية فى مجال الثقافة الإسلامية المكتوبة باللغة العربية، مثل: «حاجى خليفة» صاحب كتاب «كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون»، وهو كتاب ببليوجرافى مهم، وله مكانته فى الدراسات العربية الإسلامية، جمع فيه أسماء (١٤٥٠٠) كتابًا لتسعة آلاف وخمسمائة مؤلف، وتناول فيه نحو (٣٠٠) فن أو علم، وقد حوى هذا الكتاب أمهات المصادر فى الفكر الإسلامى مما صنف باللغة العربية أو الفارسية أو التركية. ومن هؤلاء العلماء - أيضًا - «طاشكو برى زاده» وهو «عصام الدين أبو الخير أحمد بن مصطفى» صاحب كتاب «الشقائق النعمانية فى علماء الدولة العثمانية»، تناول فيه تراجم أكثر من (٥٠٠) عالم وشيخ من علماء الدولة العثمانية من عهد الأمير «عثمان» حتى السلطان سليمان القانونى، منهم: ابن كمال باشا «شمس الدين أحمد بن سليمان» الذى اشتهر بكثرة تآليفه ورسائله، وهو يشبه فى ذلك «السيوطى» و «ابن الجوزى» و «ابن حزم» ممن اشتهروا بكثرة مؤلفاتهم. يقول «اللكنوى» بأن لابن كمال باشا رسائل كثيرة فى فنون عديدة، لعلها تزيد على ثلاثمائة غير تصانيف له فى لغات إسلامية أخرى كالفارسية والتركية، وكان ذلك فى عهد السلطان «سليم الأول». وزخر عهد السلطان «محمد الفاتح» بالمصنفات العربية، وبخاصة أساتذته الذين قاموا بتعليمه وتثقيفه، مثل الشيخ «الكورانى»، والشيخ «خسرو»، كما ظهر فى عهد «سليمان القانونى» شيخ الإسلام

стр. 3234

«أبو السعود أفندى» صاحب التفسير المعروف «إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم». وكانت اللغة العربية هى السائدة فى جميع المدارس والجامعات العثمانية، على حين استخدمت اللغة التركية فى الأعمال الحكومية فقط. وعنى السلاطين العثمانيون بالأدب والشعر، فكان السلطان «مراد الثانى» (٨٠٥ - ٨٥٥هـ= ١٤٠٢ - ١٤٥١م) يعقد مجلسًا فى قصره، يدعو إليه الشعراء ليتسامروا ويقرضوا الشعر بين يديه، وكان يشجع حركة الترجمة من العربية إلى التركية، وجعل من قصره مكانًا للمترجمين، فأصبح كأنه أكاديمية علمية. ثم خلفه ابنه «محمد الفاتح» الذى وصفه المؤرخون بأنه راعٍ لنهضة أدبية، وشاعر مجيد، وكان يجيد عدة لغات، ويداوم على المطالعة وبخاصة الكتب العربية التى ملأت مكتبته، ويعنى بالأدب عامة والشعر خاصة، ويصاحب العلماء والشعراء ويصطفيهم، وقد استوزر منهم الكثير، مثل: «أحمد باشا» و «قاسم الجزرى باشا»، وعهد إلى الشاعر الأناضولى «شهدى» أن ينظم قصيدة تصور التاريخ العثمانى باللغة الفارسية على غرار «الشاهنامة» التى نظمها «الفردوسى». وكان «محمد الفاتح» إذا سمع بعالم متبحر فى فن من الفنون فى الهند أو فى السند استماله بالإكرام، وأمده بالمال، وأغراه بالمناصب، ومثال ذلك: أنه استقدم العالم الكبير «على قوشجى السمرقندى» وكانت له شهرته فى الفلك، كما كان يرسل كل عام مالاً كثيرًا إلى الشاعر الهندى «خواجه جهان» والشاعر الفارسى «جامى». وبرع «الفاتح» نفسه فى نظم الشعر، حتى اتخذ لنفسه اسمًا شعريا يستخدمه فى أشعاره التى تعكس رقة إحساسه، ورهافة مشاعره، وتبرز تكوينه الدينى. وخلفه ابنه «بايزيد الثانى» وكان عالمًا فى العلوم العربية، وفى الفلك، ومهتما بالأدب ومكرمًا للشعراء والعلماء. وكان السلطان «سليم الأول» شغوفًا بالشعر والشعراء والعلم والعلماء، حتى إنه صحب معه فى حملته على «فارس» الشاعر «جعفر ُلبى»، واصطحب فى

стр. 3235

حملته على «مصر» و «الشام» الشاعر «ابن كمال باشا». وقد ازدهر الأدب التركى منذ القرن الثامن الهجرى، وبلغ أوجه فى القرن الحادى عشر، وتأثر بالأدب الفارسى، كما ازدهر نوع من الشعر الشعبى الموزون فى أوساط سكان «الأناضول» و «الروملى»، وساهمت الترنيمات الصوفية لشاعرهم «يونس إمره» المتوفى سنة (٧٢١هـ= ١٣٢١م) فى تجسيد هذا الأدب الذى حافظ على وجوده واستمراريته فى المراكز الصوفية، ومن هذا الشكل الشعبى من الأدب التركى انطلق الأدب التركى الحديث متأثرًا به وبالأدب الغربى. التاريخ والجغرافيا: قام العثمانيون بدور جيد فى مجال التاريخ، وبدأت المحاولات الأولى لتدوين التاريخ العثمانى تدوينًا منظمًا فى عهد السلطان «بايزيد الأول» على يد المتصوف «أحمد عاشق باشا»، ثم اهتم الباب العالى منذ القرن العاشر الهجرى بكتابة التاريخ، فعين المؤرخين الرسميين أمثال «سعد الدين» المتوفى سنة (١٠٠٧هـ= ١٥٩٨م). وتعد الجغرافيا أحد العلوم التى أجاد فيها العثمانيون نسبيا، وأشهر الأعمال الجغرافية ما كتبه الرحالة البحرى أو أمير البحر «بيرى رئيس» من كتب تتضمن رحلاته فى «البحر المتوسط»، واكتشافات الإسبان والبرتغال فى «إفريقيا»، كما ألف كتابًا عن الملاحة أطلق عليه اسم «بحريت»، وفى سنة (٩١٩هـ= ١٥١٣م) رسم خريطة للمحيط الأطلسى والشواطئ الغربية من «أوربا» وأهداها للسلطان «سليم الأول» بالقاهرة، ورسم خريطة أخرى تمثل اكتشافات البرتغاليين فى «أمريكا الجنوبية» و «الوسطى» و «نيوزيلاندا»، كما أسهمت كتب «حاجى خليفة» و «أوليا ُلبى» الجغرافية إسهامًا كبيرًا فى هذا المجال. الطب: وفى مجال الطب كانت تلقى المحاضرات العلمية الطبية نظريا، ويجرى تطبيقها عمليا فى مدرسة الطب، وزاول الطلبة تدريباتهم فى المستشفيات، وكانت الكتب المقررة تشمل كتاب «ابن سينا» المشهور «القانون» وكتب «ابن عباس المقوس». وقام بالتدريس فى المدارس الطبية العثمانية عدد من

стр. 3236

العلماء والأطباء الذين تلقوا تعليمهم فى البلاد العربية و «إيران» و «تركستان»، ومن أهم الأطباء فى ذلك العصر: «قطب الدين العجمى»، والطبيب «شكر الله الشروانى»، و «يعقوب الحكيم»، و «إلياس القرامانى». نظام القضاء: كان «القاضى عسكر» هو رئيس الهيئة القضائية، وهذا المنصب استحدثه السلطان «مراد الأول»، ثم أضاف إليه السلطان «محمد الفاتح»، والسلطان «سليم الأول» قاضيين آخرين، واحدًا لأوربا، والآخر لإفريقيا، ولم تكن سلطتهم تقتصر على الشئون العسكرية بل تعدتها إلى الشئون المدنية، فهم الذين يعينون القضاة ونوابهم، وكل الموظفين القضائيين الآخرين، ويشكلون محكمة الاستنئاف العليا. ويأتى العلماء الكبار بعد قضاة الجيش من حيث الترتيب، وهم يؤلفون قضاة العاصمة وعواصم الولايات، ثم يليهم العلماء الصغار الذين يزاولون القضاء فى المدن الثانوية، ويليهم قضاة الدرجة الثانية وما دونها. العلماء والفقهاء: كان مفتى «إستانبول» (شيخ الإسلام) هو الشخصية الثانية التى تخضع لها الهيئات القضائية الدينية. وخضع الموظفون الدينيون فى العاصمة لسلطة المفتى مباشرة، وكان ينوب عنه فى الولايات الكبرى قضاة العسكر. وكان ترتيب الموظفين الدينيين فى الجوامع الكبرى كما يلى: الخطيب - الإمام المقيم - المؤذن، ويقوم المرشحون لهذه المناصب بالتعلم فى المدارس الدينية الكثيرة التى شيدها السلاطين، وكان الطلاب فيها ينقسمون إلى ثلاث فئات: ١ - الصوفتا. ٢ - المعيدون، حيث يحمل الطالب عند التخرج منها لقب «دانشمند» أو «عالم». ٣ - فئة «المدرس». أما مشايخ الطرق الصوفية فقد تعلقت بهم قلوب كثير من الناس، وقد سادت هذه الطرق معظم أرجاء «آسيا الصغرى» كالنقشبندية والمولوية والبكتاشية، وكان لهم دور فى تهذيب العامة، وحضهم على التمسك بالفضيلة والأخلاق الإسلامية الحميدة. ومن أشهر الفقهاء العثمانيين: «أحمد بن إسماعيل الكورانى» المتوفى سنة

стр. 3237

(٨٩٣هـ= ١٤٨٧م)، والمولى «خسرو» الذى دعى بأبى حنيفة زمانه من قبل السلطان «محمد الثانى»، وتوفى سنة (٨٨٥هـ). ومن العارفين والمتصوفة الشيخ «محمد بن حمزة» الشهير بلقب «آق شمس الدين» و «عبد الرحمن جامى» الذى توفى سنة (٨٩٨هـ= ١٤٩٢م). ومن العلوم العقلية والنقلية، ظهر اسم: «شمس الدين الفتارى» الذى خلف مكتبة بها (١٠) آلاف مجلد. العمارة عند العثمانيين: بلغ فن العمارة عند العثمانيين درجة عالية وخلَّف العثمانيون العديد من الآثار العمرانية العظيمة أهمها: ١ - جامع آيا صوفيا: وهى الكنيسة السابقة التى حولها السلطان «محمد الثانى» إلى مسجد، يمثل الجامع الرئيسى فى العاصمة عقب فتح «القسطنطينية» مباشرة، وعُدِّلت لتلائم التقاليد الإسلامية، حيث غطيت الرسوم التى تمثل الفن البيزنطى، وشكل محراب وسط الجناح الجنوبى من الكنيسة، كما نصب المنبر على عمود الكنيسة الجنوبى الشرقى الكبير، وفى عهد السلطان «مراد الرابع» كتبت بعض الكلمات ذات الأحرف الكبيرة التى تحمل اسم الجلالة، واسم الرسول، والخلفاء الراشدين، وذلك على لوحات مستديرة شيدت على جدران المسجد، وهى بخط الخطاط «بيشكجى زاده مصطفى شلبى» الذى كتب حرف الألف وحده على سبيل المثال طوله عشرة أذرع، وكلها بخط متشابك بديع، وواصل باقى السلاطين إدخال تعديلاتهم وإصلاحاتهم بها. ٢ - جامع السلطان محمد: الذى شيده المهندس اليونانى «خريستو دولوس» بأمر من السلطان «محمد الثانى»، ويقع وسط العاصمة «إستانبول». ٣ - جامع السلطان أيوب: وكان السلاطين العثمانيون يتقلدون فيه مقاليد الحكم فى احتفال رسمى، وقد شيده السلطان «محمد الثانى» قرب ضريح الصحابى «أبى أيوب الأنصارى» رضى الله عنه. ٤ - مسجد بايزيد: وشيده السلطان «بايزيد»، ويعد من أبرز الآثار العمرانية التى تمتاز بنفاسة المواد البنائية الزخرفية التى جرت على الطريقة الفارسية. ٥ -

стр. 3238

جامع السليمانية، ويعد من أجمل آثار الفن المعمارى العثمانى، وشيده السلطان «سليمان»، وصممه المهندس المعمارى «سنان باشا»، على أعلى قمة جبلية فى «الأستانة». إلى جانب العديد من الجوامع العظيمة التى تزيد على الخمسمائة جامع، بخلاف المدافن والتكايا (الزوايا). أما القصور فأهمها قصر «سراى طوب قابو» التى تمتاز بفخامتها وامتدادها الواسع، ومبانيها، وحدائقها، وساحاتها الواسعة، و «سراى دولمة بهجة» على «البسفور» وتمتاز ببهوها الكبير، وكانت مسكنًا للسلطان «محمد رشاد». وسراى «جراغان» وسراى «يلدز» وسراى «بكر بك» التى توفى بها السلطان «عبد الحميد الثانى» بعد خلعه. وأشهر المهندسين المعماريين فى الدولة العثمانية هو «سنان باشا»، الذى كان نصرانيا ثم أسلم وعمره (٢٣) عامًا، واشترك فى الحملات العثمانية والفتوحات فى المشرق والمغرب، واطَّلع على كثير من الطرز والأعمال المعمارية التى جذبت انتباهه فى «تبريز» و «حلب» و «بغداد» ودول «أوربا». وعندما عاد إلى «إستانبول» تولى منصب كبير معمارى الخاصة السلطانية، وأصبح المسئول عن إقامة الأعمال المعمارية من قصور وجوامع ومدارس ومطاعم وحمامات وأضرحة، وبلغت أعماله المعمارية نحو (٤٤١) عملا موزعة فى مختلف أرجاء الدولة العثمانية، منها «جامع صقوللو محمد باشا»، و «جامع رستم باشا»، و «جامع شهر زاده»، و «جامع السليمانية»، و «جامع محمد باشا البوسنوى»، إلى جانب العديد من الأعمال فى البلدان العربية، وتشهد أعماله بالأصالة ويسودها المعرفة العميقة والتكنيك الهندسى، وفهمه الكبير للفن، ورقة ذوقه، وقد مكنه كل ذلك من إضافة أشكال جديدة للفن المعمارى. وتوفى «سنان باشا» سنة (٩٦٦هـ= ١٥٥٨م) وعمره يقارب المائة عام، بعدما عاصر خمسة من سلاطين العثمانيين. فن الرسم العثمانى: لم يظهر هذا الفن إلا فى عهد السلطان «محمد الفاتح» الذى دعا فنانين إيطاليين مشهورين إلى القصر السلطانى، وأوكل إليهم إنجاز

стр. 3239

بعض اللوحات للسلطان، وليقوموا بتدريب بعض العثمانيين على هذا الفن، وكان من أشهرهم «ماستورى بافلى» و «كونستانزى دافيرارى»،وظهرت كثير من المواهب الوطنية مثل «سنان» تلميذ «ماستورى بافلى» و «حسام زاده». ومن فنانى ذلك العهد «أحمد شبلى زاده» و «بابا مصطفى» و «تاج الدين بن «حسين بالى» و «حسن شلبى». ويبدو فى هذه الأعمال أثر المدارس الإيرانية، ويبرز اسم «المطرقى» الذى رسم لوحات تمثل حملات الجيش العثمانى ومناظر القلاع والموانئ والمدن؛ مما كان له أثر فى تطور فن الرسم الزيتى العثمانى. وفى عهد «سليمان الأول» وصل فن المنمنمات العثمانى إلى أوجه، وقدم «كاتب الشيرازى» - الذى اتخذ اسمًا مستعارًا هو «عارفى» - وثائق الحوادث السياسية والاجتماعية التى جرت خلال حياة «سليمان الأول»، وكتب ورسم «عارفى» عملا من مآثر السلاطين العثمانيين حتى عهده هو «شاهنامة آل عثمان» فى خمسة مجلدات. ومن فنانى المنمنمات فى ذلك العصر: «على شلبى»، و «مولى قاسم»، و «محمد البورحى» و «أوستان عثمان»، و «لطفى عبدالله» و «رئيس حيدر». وفى عهد السلطان «مراد الثالث» وصل فن المنمنمات إلى أوجه، ومن أبرز الأعمال فى عصره «خورنامه» و «شاهنشاه نامه» المؤلفة من أشعار مكتوبة بالتركية والفارسية معًا، وتحكى توضيحاتها قصة فتوحات الجيش العثمانى الظاهر، والنشاطات الاجتماعية المتعددة لذلك العصر. ووجدت فى ذلك العصر مدرسة الفن الزيتى فى «بغداد» فى نهاية القرن (١٦م)، ولكن هذا الفن سرعان ما ضعف وتدهور فى القرنين السابع عشر والثامن عشر.

стр. 3240

* الأموية (دولة فى الأندلس دولة أمويَّة نشأت فى (الأندلس (بعد سقوط خلافة بنى أمية (١٣٢هـ= ٧٤٩م) فى (الشام (، بعد مصرع آخر خلفائها (مَرْوان بن محمد (فى (أبى صير (بصعيد مصر، واستيلاء العباسيين على الخلافة، وتولِّى (أبى العبّاس (، الملقب بالسفاح، خلافة المسلمين، والذى نقل عاصمة الدولة الإسلامية من (دمشق (إلى (الكوفة (، وجعل همَّه الأول القضاء على أسرة بنى (أمية (، وتعقُّبهم قتلا وتشريدًا فى أى مكان وقعت يداه، أو أيدى ولاته عليهم. وكل ذلك لم يؤدِّ إلى اختفاء بنى أمية من صفحات التاريخ، أو القضاء عليهم قضاءً مبرمًا؛ لأن كثيرًا منهم قد تمكَّن من الاختفاء والهرب من أيدى بنى العباس، وقد تمكَّن الأمير (عبد الرحمن بن معاوية (حفيد الخليفة الأموى (هشام بن عبدالملك بن مروان (من الاختفاء عن أعين العباسيين، والهرب متنقلا من (الشام (إلى (العراق (، ثم إلى (مصر (، فالمغرب، ومنها إلى (الأندلس (؛ حيث تمكَّن بمساعدة أنصاره، وموالى بنى أمية، والظروف السائدة فى هذه المنطقة، من الوصول إلى سُدَّة الحكم فى (قرطبة (، عاصمة (الأندلس (، وذلك سنة (١٣٨ هـ=٧٥٥م)، معلنًا بذلك قيام إمارة أموية فى (الأندلس (، تحولت - بعد ذلك - إلى دوله قويَّة، تحكم (الأندلس (منذ ذلك التاريخ، إلى أن سقطت هذه الدولة سنة (٤٢٢هـ=١٠٣١م).وتعاقب فى حكم (الدولة الأموية الأندلسية (عدد من الأمراء والخلفاء، نجمل تاريخهم فيما يلى:١ - الأمير (عبد الرحمن بن معاوية ((١٣٨ - ١٧٢هـ=٧٥٥ - ٧٨٨م).وُلِد (عبد الرحمن بن معاوية (بقرية تُعرَف بدير خنان، من أعمال (قنَّسْرين (، فى بلاد الشام، سنة (١١٣هـ= ٧٣١م)، وتُوفِّى والده شابًّا، فكفل الأسرة الخليفة (هشام بن عبد الملك (، وحين سقطت الدولة الأموية، فرَّ (عبد الرحمن (بأهله إلى ناحية الفرات، حتى اكتشف مكانه جند العباسيين، وكادوا يُمسكون به، لولا أن ألقى بنفسه

стр. 3241

فى نهر الفرات، وظل مختفيًا خلال عبوره أراضى بلاد الشام، و (مصر (إلى أن ظهر فى (إفريقية (، وحاول حاكم (إفريقية ((عبد الرحمن بن حبيب (الإمساك به، ولكن (عبد الرحمن (نجح فى الهرب والفرار إلى (المغرب الأقصى (؛ حيث أخواله من البربر. وقد أفاد (عبد الرحمن (من الصراعات القبلية القائمة بين العرب فى (الأندلس (، واستمال إليه الجند اليمنية، والعرب الناقمين على الوالى (يوسف الفهرى (، وعبر إلى بلاد الأندلس، وتجمع حوله الأنصار، وسار زاحفًا إلى مدينة قرطبة؛ حيث التقى مع قوات (يوسف الفهرى (فى معركة (المصارة (، سنة (١٣٨هـ=٧٥٥م)، التى انتهت بانتصار (عبد الرحمن (ومن معه، وهروب كل من (الصميل بن حاتم (،و (يوسف الفهرى (، زعيمى الأندلس فى ذلك الوقت، ودخل (عبد الرحمن ((قرطبة (،وعُرِف منذ ذلك الحين بعبد الرحمن الداخل. حكم (عبد الرحمن ((الأندلس ((٣٤) عامًا. واجه خلالها كثيرًا من المصاعب، كان أوَّلها: القضاء على الزعامات المحليَّة القديمة التى دخلت معه فى حروب كثيرة، انتهت جميعها لصالحه. ومن أخطر المشاكل التى واجهت (الداخل (: محاولات (العباسيين (-بقيادة الخليفة (أبى جعفر المنصور (-القضاء عليه، واسترداد (الأندلس (إلى حوزة الخلافة الإسلامية التى غدت (بغداد (عاصمتها فى ذلك الحين. وتمثلت أولى محاولات العباسيين للقضاء عليه فى الدعوة التى تزعمها (العلاء بن مغيث اليحصبى (، الذى دعا لأبى جعفر المنصور، وحقَّق نجاحًا كبيرًا، ولكن (عبد الرحمن (تمكن من هزيمته، وقتله، وإرسال رءوس كبار جنده ليُلقى بها فى طريق أبى جعفر المنصور وهو يؤدِّى فريضة الحج، وبعد ذلك لقَّبه (المنصور (بصقر قريش (.وتمثَّلت الثورة الخطيرة الثانية فى التحالف الذى جمع بين (سليمان الأعرابى (،والى (برشلونة (،و (العباسيين (، و (شارلمان (، ملك الفرنجة، فى محاولة لخلع (عبدالرحمن الداخل (، الذى نجح

стр. 3242

فى الانفراد بأعدائه، والقضاء عليهم واحدًا تلو الأخر، أما (شارلمان (فقد تعرض جيشه للفشل أمام أسوار (سرقسطة (، ولإبادة مؤخرته عند عودته إلى (فرنسا (مارًّا بجبال البرنيه. ومن الأعمال المهمة لعبد الرحمن الداخل: بناؤه مسجد (قرطبة (الجامع، الذى غدا بعد ذلك أكبر وأشهر مسجد فى غربىِّ العالم الإسلامى، وكان ذلك فى عام (١٧٦هـ=٧٩٢م)، بلإضافة إلى تجميل (قرطبة (، وبناء (الرصافة (. وهكذا تمكَّن (عبد الرحمن (من تأسيس إمارة قويَّة وراثيَّة، تدين بالولاء له ولأولاده من بعده.٢ - (هشام الأول ((الرضا ((١٧٢ - ١٨٠ هـ = ٧٨٨ - ٧٩٦م).خَلَفَ الأمير (هشام بن عبد الرحمن الداخل (والده فى حكم إمارة مستقلة مستقرة،، ولم يواجه من المشاكل إلا ثورة أخويه (سليمان (،و (عبد الله (، اللذين رأيا أنَّهما أحقُّ من (هشام (بالإمارة، وتغلَّب عليهما (هشام (، وتفرَّغ - بعد ذلك - لمحاربة نصارى شمالىِّ الأندلس، الذين قوى ساعدهم؛ نتيجة فترة الفتنة والضعف التى أصابت (الأندلس (فى عصر الولاة، فأرسل حملة قوية بقيادة (عبيد الله بن عثمان (تمكنت من هزيمة (الجلالقة (، وأخرى بقيادة (يوسف بن بُخت (، حققت الكثير من الانتصارات. وفى سنة (١٧٦هـ=٧٩٢م) تأهب لغزو الفرنجة، ووقف هجماتهم على (شمالى الأندلس (، فأرسل جيشًا كثيفًا بقيادة حاجبه (عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث (، لغزو مناطق خلف جبال البرتات، وتمكن من تحقيق عدد من الانتصارات. وعُرِف الأمير (هشام (بالتقوى، والورع، ومحبَّة الفقهاء، وحضور مجالس العلم، وأنشأ الكثير من المساجد، وعلى أيّامه بدأ المذهب المالكى فى الانتشار على أيدى عدد من العلماء، منهم: (زياد بن عبد الرحمن (،و (عيسى بن دينار (،و (يحيى بن يحيى الليثى (وكانت ( الأندلس (- قبل ذلك - على مذهب الأوزاعى، كما أنَّه جدَّد بناء القنطرة الرومانية على نهر الوادى الكبير، ولم يطل العمر بالأمير

стр. 3243

(هشام (؛ حيث وافته منيته بعد أقل من ثمانية أعوام، وذلك فى عام (١٨٠هـ=٧٩٦م).٣ - (الحكم الأول ((الربضى) (١٨٠ - ٢٠٦هـ= ٧٩٦ - ٨٢١م).تولَّى (الحكم بن هشام (، بعد وفاة والده، وكان حازمًا محبا للسلطة والمظهر، شديدًا على أعدائه، حارب أعمامه وانتصر عليهم، ولم تكن علاقته بالفقهاء حسنة؛ مما دفعهم إلى عدم الرِّضا عنه، والإساءة إليه عند العامَّة، وتسببوا فى عدد من الثورات ضدَّه، أهمها: ثورة (الربض الغربى (، التى قضى عليها الحكم، حتى عرف بها، وسُمِّىَ بالربضى، نسبة إلى قسوته فى القضاء على ثورة هذا الربض الحزين. أرسل الحكم قواته لغزو ممالك النصارى فى شمالى الأندلس، وقام حاجبه عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث بغزو مناطق ألبة والقلاع (قشتالة القديمة)، كما استولى على قلهرة، وأنْحن فى بلاد البشكنس، وعاد محمَّلا بالغنائم. واجه الحكم مجموعةكبيرة من الثورات الداخلية التى حاول الفرنجة استغلالها فى التدخل فى شئون الأندلس، ونجح فى التغلب عليها جميعًا وأجبر الفرنجة على عقد الصلح، وصَرْفِ النظر عن التدخُّل المباشر فى شئون الأندلس. وقد تمكن الحكم من توطيد الحكم لبنى أمية، وترك الأمور لأبنائه هادئة إلى حدٍّ كبير، كما يُذكر له بعض الجوانب الأدبية، والإبداعات الشعرية التى تكشف عن الجانب الآخر من شخصيته، وتُوفِّىَ الحكم سنة (٢٠٦هـ = ٨٢١م) مخلِّفًا إمارة الأندلس لعبد الرحمن، أكبر أولاده.٤ - عبد الرحمن بن الحكم (٢٠٦ - ٢٣٨هـ = ٨٢١ - ٨٥٢م).ويُعرَف هذا الأمير بعبد الرحمن الأوسط، أو عبدالرحمن الثانى. وُلِد فى طُلَيْطِلة سنة (١٧٦هـ= ٧٩٢م)، وقد عُنى والده (الحكم) بتربيته، فنمَّى لديه الأدب والحكمة؛ فكان ذا كفاءة عالية وخلال حميدة، وافر الخبرة بشئون الحرب والإدارة، واجهته فى مطلع ولايته بعض الفتن الصغيرة، التى أتاحت له فرصة إرسال الصوائف إلى ممالك الشمال، وكان جده عبد الله

стр. 3244

البلنسى هو قائد حملته علىمنطقة الثغر الأعلى؛ حيث تمكَّن من هزيمة الفرنجة، واجتياح ولاية قطلونيه ( Cata Luna)، وذلك سنة (٢١٢هـ= ٨٢٧م).وما لبثت حركات التمرد أن ظهرت فى الأندلس، فثار محمود بن عبد الجبار فى ماردة، وكلَّف الأمير عبد الرحمن جهودًا كبيرة، حتى تمكَّن من القضاء على ثورته، وإجباره على اللجوء إلى ملك أشتوريس (ألفونسو الثانى)،وطلب حمايته، لكنه قُتِل هناك بيد حماته النصارى، وثار (هاشم الضرَّاب) فى طليطلة، وكان شوكة كبيرة فى جنب عبد الرحمن الأوسط؛ وبالرغم من نجاح الأمير فى قتل هاشم سنة (٢١٦هـ= ٨٣١م)، فإن (طليطلة) ظلَّت معقلا للثائرين والمتمرِّدين، واضطر الأمير إلى حصارها، واقتحامها، وإيقاع العقاب بأهلها، وذلك سنة (٢٢٢هـ= ٨٣٧م).وبعد القضاء على تلك الثورات استأنف الأمير الجهاد فىشمالى الأندلس، وسيَّر الصوائف سنويا إلى هذه الجهات، ولكن لم تكن لهذه الغزوات نتائج كبرى، ولم يكن من ثمارها إلا منع النصارى من التوغُّل داخل بلاد المسلمين، وحملهم على التزام السكينة، وعدم إيقاع الأذى بالمسلمين. ويتميز عصر عبد الرحمن الأوسط بعدد من الأحداث الخطيرة، منها: - غارات النورمانديين: فقد تعرَّضت سواحل الأندلس لخطر شديد، لم تستعد له؛ حيث غزاها كثير من النورمانديين، الذين عرفتهم المصادر الإسلامية باسم (المجوس)، ولم يكونوا إلا جماعات من الفيكنج، القادمين من أقصى الشمال الغربى لأوربا، البارعين فى ركوب البحر، واستخدام السفن الخفيفة، وأمكنهم إيقاع الأذى الشديد بالشواطئ الغربية للأندلس، وذلك فى سنة (٢٣٠هـ= ٨٤٤م)، وتمكن المسلمون من التصدى لهم بصعوبة كبيرة.- وثورة المستعربين: وهم النصارى، المقيمون فى قرطبة، وكانوا يتمتعون بدرجة عالية جدا من تسامح المسلمين، حتى إنهم اندمجوا فى المجتمع القرطبى؛ يتحدثون لغته، ويرتدون ثيابه، لكن الدعايات المتعصبة من بعضهم تمكنت من إثارة نزعة

стр. 3245

الكراهية ضد المسلمين، وحاول بعضهم إيذاء المسلمين، والجهر بسب رسول الله ﷺ ، وتدخلت السلطة الأندلسية وأعدمت بعضهم، لكن الحركة تزايدت، وغذَّتها عوامل داخلية وخارجية، حتى انتهت بعد موت الأمير (عبد الرحمن الأوسط (. وشهد عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط عددًا من الشخصيات العلمية البارزة، من أهمِّها: (عبد الملك بن حبيب (، المعروف بعالم الأندلس، و (يحيى بن يحيى الليثى (، الذى لقَّبه الإمام (مالك بن أنس (بعاقل الأندلس، و (عبّاس ابن فرناس (، أوَّل من حاول الطيران، و (أبو الحسن على بن نافع (، الملقَّب بزرياب، وهو أشهر المغنِّين فى (الأندلس (.وعُنى (عبد الرحمن الأوسط (بالمنشآت العامَّة، فوسَّع فى مسجد قرطبة، وأنشأ مسجد إشبيلية، وبنى سورها، ووصلت (الأندلس (على أيَّامه إلى درجةٍ عالية من التقدُّم والازدهار، وأصبحت العاصمة (قرطبة (مدينة عامرة، لا ترقى إلى مكانتها أية مدينة أوربية أخرى، بل غدت تضارع العواصم الإسلامية الأخرى فى جمالها، وحسن تنسيقها، وعمران أسواقها. كما شهد عصر الأمير (عبد الرحمن الأوسط (نشاطًا دبلوماسيًّا رائعًا؛ فقد استقبل فى (قرطبة (سفراء (القسطنطينية (من قِبَل (القيصر تيوفوليس (، وذلك فى سنة (٢٢٥هـ= ٨٤٠م)،كما أوفد الأمير القرطبى سفيره (الحكم الغزال (إلىالعاصمة البيزنطية. وهناك سفارة أُخرى تشير إليها المصادر التاريخية، وهى قيام (الحكم الغزال (بردِّ الزيارة التى قام بها رسل ملك النورمانديين، وظل هناك حوالى (٢٠) شهرًا، ثم عاد إلى (قرطبة (فى حدود سنة (٢٣٢هـ= ٨٤٦م). وبموت الأمير (عبد الرحمن الأوسط (تنتهى الفترة الزاهرة من عصر الإمارة، وتبدأ فترة جديدة. ٥ - الأمير (محمد بن عبد الرحمن الأوسط (: (٢٣٨ - ٢٧٣هـ= ٨٥٢ - ٨٨٦م). تولَّى الأمير (محمد (العرش فى (قرطبة (وسط مؤامرات كانت تسعى لنقل الإمارة إلى أخيه الأمير (عبد الله (، وبعهده تبدأ (الأندلس (فترة من

стр. 3246

الضعف والانحلال جعلت بعض المؤرِّخين يُطْلِقون عليها اسم عصر الطوائف الأول. وُلِد الأمير (محمد (سنة (٢٠٧هـ= ٨٢٢م) وكان له نشاط جمٌّ على أيام والده؛ مما رشَّحه للإمارة من بعده، ولقد واجهته مع بداية حكمه ثورة مدينة طُلَيْطِلة، التى اضطرته إلى أن يخرج بنفسه على رأس قواته لتأديب المدينة وإلزامها بالطاعة والسكون، ولكن (طليطلة (لم تهدأ ولم تخمد، وأضحت موئلا للثائرين والمتمردين، وساعد على ذلك وجود جالية كبيرة من النصارى المستعربين، والقساوسة المتعصبين، كما أن المدينة كانت تتلقى المساعدات والتحريض من الممالك المسيحية شمالى الأندلس، وكان لثوراتها صدى لدى المستعربين فى (قرطبة ( والمدن الإسلامية الأخرى، وبذل الأمير جهدًا كبيرًا فى إخماد هذه الثورات. كما حاول الأمير (محمد (أن يقارع ممالك النصارى الشمالية؛ فخرج بنفسه على رأس قواته، سنة (٢٤١هـ= ٨٥٥م) إلى (ألبة (، و (القلاع (، وافتتح عددًا من الحصون، كما أرسل فى العام التالى حملة إلى أحواز برشلونة. ولقد عاود النورمانديون غزو بلاد الأندلس، والإغارة على شواطئها، وذلك فى سنة (٢٤٥هـ= ٨٥٩م)، ولم تتمكن الجيوش الإسلامية من التصدى لهم تمامًا؛ مما مكَّنهم من العبث بالشواطئ الغربية للأندلس، بل وصلوا إلى عدوة المغرب، ثم نزلوا بالشاطئ الجنوبى للأندلس. وقامت ثورة خطيرة ضد الأمير فى شمال الأندلس تزعَّمها (موسى بن موسى (، وأبناؤه من بعده، وشغلت هذه الثورة الأمير (محمدًا (سنوات طويلة. وقامت ثورة أخرى فى (ماردة (، و (بطليوس (، تزعَّمها (عبد الرحمن بن مَرْوان (، المعروف (بالجليقى (، استمرت سنوات طويلة، وأيدها (ألفونسو الثالث (، ملك ليون، وشغلت هذه الثورة الأمير سنوات طوالا، بل أحرزت عددًا من الانتصارات على قواته، وأسر فيها (هشام بن عبد العزيز (، وزير الأمير (محمد (. وخلال هذه الفترة العصيبة اندلعت ثورة أخرى فى جنوبى الأندلس تزعَّمها (عمر بن حفصون (، الذى

стр. 3247

شغلت ثورته باقى عصر الإمارة كله، ولم يُقْضَ عليها إلا على عهد الأمير (عبد الرحمن الناصر (، أول خلفاء الأندلس. ٦ - الأمير (المنذر بن محمد بن عبد الرحمن ((٢٧٣ - ٢٧٥هـ= ٨٨٦ - ٨٨٨م). وُلد الأمير (المنذر (فى (قرطبة (، سنة (٢٢٩هـ= ٨٤٣م)، وكان أثيرًا لدي والده من بين إخوته يختاره لجلائل الأمور، ويندبه لقيادة الجيش كلما ألمَّ بالإمارة خَطْبٌ. وقد أبلى المنذر بلاء حسنًا فى مقاتلة الثوار والخوارج، وحينما تولى العرش كانت الفتنة قد تفاقمت، وعمت الثورة أنحاء البلاد، فشمَّر عن ساعديه للقضاء عليها، وإعادة الأمن والنظام إلى الإمارة المضطربة، وحماية عرش الدولة من كيد الكائدين. سيَّر (المنذر (حملاته إلى (طليطلة (فى محاولة لإخضاعها، كما ركَّز جهوده فى القضاء على (عمر بن حفصون (، الذى استشرى أمره، وأصبح خطرًا حقيقيًّا على الإمارة الأندلسية، ولقد تمكن الأمير (المنذر (من ضرب حصار شديد على قلعة (ابن حفصون (، حتى كادت تسقط فى يده، وفىتلك اللحظات مات الأمير المنذر فجأة أمام أسوار القلعة وتجمع معظم الروايات التاريخية على موته مسمومًا. وكان الأمير (المنذر (ذا همَّة عظيمة، وجاء موته ضربة شديدة لقرطبة، التى اضطرت إلى رفع الحصار عن (ببشتر (وعودة الجيش إلى (قرطبة (، وازدياد الفتنة فى كل أنحاء الأندلس. ٧ - الأمير (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ((٢٧٥ - ٣٠٠هـ= ٨٨٨ - ٩١٢م). ولد الأمير (عبد الله (فى (قرطبة (عام (٢٢٩هـ= ٨٤٣م)، وهو نفس عام ميلاد أخيه (المنذر (، وكان معه فى حصاره لببشتر، وتتهمه بعض الروايات التاريخية بتدبير مؤامرة قتل أخيه (المنذر (؛ لكى يصل إلى عرش الإمارة فى (الأندلس (. بويع بالإمارة بعد أخيه، ورفع الحصار عن (ببشتر (، وعاد بالجيش إلى (قرطبة، وبدأ حكمه الطويل فى ظروف سيئة جدًّا؛ فالخلاف يمزِّق (الأندلس (، وعرش بنى أمية على وشك الانهيار، وامتدت الثورة إلى الحواضر الأندلسية

стр. 3248

الكبرى، حتى لم يعد لأمير الأندلس من سلطان إلا على مدينة قرطبة وحدها. واجه الأمير (عبد الله (هذه الخطوب جميعًا، وعمل على إخماد الفتن بما وسعه من جهد؛ فلم يهدأ ولم يتوانَ فى العمل، وظلَّ طيلة فترة إمارته يرسل الجيوش، ويجرِّد الحملات، ويخرج بنفسه تارة، ويرسل قواده أخرى، حتى أنهك الثائرين، وأنهك إمارته؛ مما أعطى الفرصة للممالك المسيحية فى التوسُّع على حساب الدولة الإسلامية. ومن أسوأ ما يُذكَر للأمير (عبد الله (غدره بولديه الأمير (محمد (أولا، ومن بعده الأمير (المطرف (، كما أنه قتل أخوين له، قتل أحدهما بالسيف والآخر بالسّمِّ. وبالرغم من كلِّ ما يقال عن الأمير (عبد الله (فإن الرواية التاريخية لا تحرمه من جانب مشرق، يتمثَّل فى محبته للعلم والعلماء، حتى كان مجلسه من أجلِّ ما عرفت (الأندلس (حتى عصره. ٨ - الأمير (عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله (، المعروف بالناصر لدين الله (٣٠٠ - ٣٥٠هـ= ٩١٢ - ٩٦١م). ومما يُذكَر من حسنات الأمير (عبد الله (أنَّه أومأ بالإمارة -من بعده- إلى حفيده (عبد الرحمن بن محمد (، وربما كان ذلك تكفيرًا عما ارتكبه فى حق والده الأمير (محمد (، فلقد أثبت هذا الفتى الشابُّ أنه الجدير بالإمارة، والكفء لمواجهة ما كان يعترضها من عقبات. وُلِد (عبد الرحمن الناصر (، سنة (٢٧٧هـ= ٨٩٠م)، قبل مقتل والده بأيام، وكَفَله جدُّه الأمير (عبد الله (، وأحسن تربيته، وهيّأه لتولى الإمارة من بعده. نهض (عبد الرحمن الناصر (بالمهمة خير نهوض؛ فعمد إلى الثوار يستنزلهم بالقوة، أو بالمسالمة، حتى تمكَّن خلال سنوات قليلة من القضاء على جميع الثورات، وإعادة (الأندلس (إلى وحدتها؛ حيث بدأت البلاد معه فترة من أحسن فترات تاريخها. وجَّه (الناصر (جهوده وحملاته إلى مواجهة عنفوان الممالك المسيحية فى شمالى الأندلس وتبادل معها النَّصر والهزيمة لكنه أكَّد تفوُّقه عليها عسكريًّا وسياسيًّا، حتى صار

стр. 3249

حَكَمًا يُرْجَع إليه فى المنازعات الداخلية فى هذه الممالك. اهتم الناصر بالعمران اهتمامًا كبيرًا، وأسس مدينة (الزهراء (، وأنشأ بعض القواعد الأندلسية، وغدت البلاد على أيامه أقوى قوة سياسية فى العالم الإسلامى، حتى هادنته ملوك شمالى الأندلس وملوك ألمانيا وإيطاليا وبيزنطة، وغَصَّ بلاطه بسفراء تلك الدول. ومن أبرز ما قام به (عبد الرحمن الناصر (، اتخاذه لقب (أمير المؤمنين (، سنة (٣١٧هـ= ٩٢٩م)، محوِّلا الإمارة الأندلسية إلى خلافة يهابها الأعداء، ويعتز بها الأصدقاء، وفَرْض سيطرة بلاده على عدوة المغرب، وتقليل نفوذ الفاطميين هناك، حتى غدا رجل العالم الإسلامى بلا منازع. أما من الناحية العِلْمية، فقد غدت (قرطبة (موئِلا للعلم والعلماء يؤمُّها طلاب العلم من كل أنحاء الدنيا، ولا تبالغ المصادر فى اعتبار عصر الخلافة فى (الأندلس (هو العصر الذَّهبى للمسلمين فيها. حكم (عبد الرحمن الناصر (الأندلس خمسين عامًا، وترك البلاد من بعده مستقرة آمنة، وأوصى بالخلافة من بعده لولى عهده (الحكم المستنصر بالله (. ٩ - الخليفة (الحكم المستنصر بالله ((٣٥٠ - ٣٦٦هـ= ٩٦١ - ٩٧٦م). وُلد (الحكم بن عبد الرحمن (بمدينة (قرطبة (سنة (٣٠٢هـ= ٩١٤م)، واعتنى والده بتربيته عناية فائقة، وقام بتدريبه على أعباء الحكم والقيادة، وأخذ له العهد بخلافته، وهو فى سِنٍّ مبكرة، وبويع له غداة وفاة (النَّاصر (، سنة (٣٥٠هـ= ٩٦١م)، وكانت سنُّه -حينذاك- (٤٨) سنة؛ ولذلك كان مكتمل الخبرة، جديرًا بالقيادة فى (الأندلس (. كان عهد (الحكم (عهد سلام واطمئنان، فقد ترك له والده الأمور موطَّدة، فصرف همَّه إلى العناية بالعلم والعلماء، وبلغ فى ذلك الغاية، وأربى على النهاية، كما اهتم بالكتب، حتى بلغ عددها فىمكتبته (٤٠٠) ألف مجلَّد، وتذكر المصادر أنه أرسل ألف دينارذهبًا إلى (أبى الفرج الأصفهانى (فى (بغداد (؛ لكى يرسل نسخة من كتابه (الأغانى (إلى (قرطبة (قبل ظهوره

стр. 3250

فى (بغداد (. واهتمَّ (الحكم (بالمسجد الجامع فى (قرطبة (، وقام بتجميله وتوسعته، ومازالت أعمال (الحكم (بالمسجد بارزة وعظيمة إلى يومنا هذا، كما استكمل بناء مدينة (الزهراء (، حتى غدت أعجوبة زمانها. ولقد كانت ميول (الحكم (العلمية سببًا فى تحرُّك ممالك الشمال الإسبانية ضد دولة الخلافة، معتقدين خطأً أنه ليس للخليفة العالم شأن بالحرب، لكن (الحكم (أثبت جدارته فى ميدان الحرب ولقَّن هذه الممالك دروسًا كبيرة أعادتها إلى الطاعة، والإذعان لهيبة الخلافة فى (الأندلس (. أما ما يُؤخَذ على (الحكم المستنصر (، فهو مبايعته لابنه (هشام (، وهو دون العاشرة؛ ليكون ولىَّ عهده من بعده، وأخذ له البيعة بذلك، ثم تُوفِّىَ (الحكم (سنة (٣٦٦هـ= ٩٧٦م). ١٠ - الخليفة (هشام الثانى ( (المؤيد بالله ((٣٦٦هـ- ٠٠٠= ٩٧٦م- ٠٠٠). تولَّى (هشام (الخلافة، وهو دون العاشرة؛ مما أعطى الفرصة للحاجب (محمد بن أبى عامر (ليسيطر على مقاليد الأمور فى (الأندلس (، ويتلقَّب بالمنصور، وقام الحاجب بالحجر -تقريبًا- على الخليفة الصغير، واستبدَّ بالأمور تمامًا، حتى أصبح عصره يُعرف -عند المؤرِّخين- بالدولة العامرية، إلى درجة أن (المنصور (قد ورَّث منصبه وسلطانه لولديه من بعده، وهما (عبد الملك المظفر (، و (عبد الرحمن شنجول (. ١١ - الأمويون فى عصر الفتنة (٣٩٩هـ= ٤٢٢هـ - ١٠٠٨م= ١٠٣١م).

стр. 3251

* النقشبندية إحدى الطرق الصوفية. تُنسب إلى مؤسسها بهاء الدين محمد شاه نقشبند، المتُوفَّى بدمشق سنة (٧٩١هـ). وفى تعريف الطريقة يقول النقشبندية: إنها دوام العبودية لله تعالى ظاهرًا وباطنًا بكمال الالتزام بالسنة، واجتناب البدع، والرخصة فى جميع الحركات والسكنات؛ سواء فى العبادات أو العادات أو المعاملات. وطرق الوصول إلى هذه الحالة من دوام العبودية لله تعالى فى النقشبندية، أربعة: أولها: صحبة الشيخ الكاملة، وثانيها: الارتباط به، وثالثها: الالتزام بما يتلقنه عنه، وآخرها: الذكر؛ بحيث يكون حاله هو حال الذاكر لله على الدوام. وقد ظهرت الطريقة وراجت فى أول الأمر بين المتحدثين باللغة الفارسية؛ ولذلك فقد كانت الكلمات الفارسية بها كثيرة قبل أن يهاجر الإمام الثالث خالد النقشبندى إلى دمشق مرسِلاً دعاته إلى البلاد العربية.

стр. 3252

* أبو حنيفة (مذهب) مذهب فقهى سنى، ينسب إلى الإمام أبى حنيفة النعمان المُتوفَّى سنة (١٥٠هـ)، وهو أول المذاهب الأربعة المشهورة فى الفقه الإسلامى ظهورًا. وقد نشأ هذا المذهب فى العراق، ثم انتشر فى مصر والشام وبلاد ماوراء النهر، والهند، والصين. وكان هو المذهب السائد فى عصر العباسيين، كذلك أصبح المذهب الرسمى للخلافة العثمانية، كما قام العثمانيون سنة ( ١٨٧٧م) بسن مجموعة من القوانين فى العقود والإجراءات المدنية طبقًا للمذهب الحنفى. ويقوم المذهب الحنفى على الكتاب والسنة والأثر الصحيح عن الصحابة، رضى الله عنهم. وقد كثرت المسائل الافتراضية فى فقه المذهب، ولم يُعرف لأبى حنيفة كتاب يشرح مذهبه ويجمع آراءه إلا أن تلامذته هم الذين تولوا كتابة فقهه وجمع آرائه، وأبرزهم: أبو يوسف صاحب كتاب الخراج، ومحمد بن الحسن الشيبانى. وأشهر كتب المذهب الحنفى الخراج، والمبسوط والجامع الصغير والجامع الكبير والآثار.

стр. 3253

* الرفاعية إحدى الطرق الصوفية التى تنسب إلى مؤسسها أحمد الرفاعى المتُوفَّى بالعراق سنة (٥١٢هـ = ١١١٨م). ويبدأ المُريد فى سلوك هذه الطريقة بأن يعطيه المرشد أول الأوراد الرفاعية، وهى الصلاة على النبى ﷺ ، بالعدد الذى يناسب استعداده، ويلحق به الاستغفار والتوبة بالعدد الذى يناسب استعداده أيضًا، فإذا طاب له الذكر يزيد له العدد، ويستحسن أن يقرأ مع أوراده حزب التحفة السنية الخاص بالرفاعية، وهو مكون من بعض آيات القرآن الكريم، ومجموعة من الأدعية فى نحو ثلاث صفحات. ومن قواعد الرفاعية: الخلوة سبعة أيام من كل سنة، تبدأ باليوم الثانى من عاشوراء. ولا يتقيد الرفاعية بزى مخصوص إلاّ العمامة السوداء. ومن مراسيمهم عدة النوبة، وهى عبارة عن الدفوف والطبول الأحمدية، يضربونها فى ليالى الجمع، ويجتمعون عليها لتنشيط المريدين، والترويح عن القلوب. ويشترط فى المرشد أن يكون كاملاً متشرعًا متدينًا عارفًا بأصول الطريقة وأركانها وآدابها وخلواتها وأذكارها وأورادها، ناصحًا لإخوانه، محبًّا لهم، لا يلتفت للشطحات والخرافات. ويشترط فى المُريد أن يكون صاحب أدب وخشوع وخضوع، عارفًا بمكانة شيخه، منقادًا له، حافظًا حرمته وحرمة أهله وأقاربه ومحبيه.

стр. 3254

* المالكى (مذهب) أحد مذاهب الفقه الإسلامى الأربعة عند أهل السنة. ترجع نسبته إلى مالك بن أنس المُتوفَّى بالمدينة سنة (١٧٩هـ = ٧٩٥م). ويستقى المذهب مبادئه من القرآن والسنة والإجماع، بالإضافة إلى القياس، وقد اعتبر الإمام مالك عمل أهل المدينة دليلاً شرعيًّا معترفًا به. وقد أخذ تلاميذ الإمام مالك على عاتقهم مهمة نشر المذهب فى ربوع العالم الإسلامى، فقد دخل المذهب الإسكندرية بمصر عن طريق عثمان بن عبد الحكم المُتوفَّى سنة (١٦٣هـ = ٧٧٩م)، وفى العراق انتشر المذهب على يد عبد الرحمن الكعنبى المُتوفَّى سنة (٢٢١هـ = ٨٣٥م)، وفى شمال إفريقيا دخل المذهب وانتشر على يد كل من أسد بن الفرات وسحنون، وفى الأندلس دخل المذهب فى نهاية القرن الثانى الهجرى، وحل محل مذهب الأوزاعى. وأهم مصادر المذهب المالكى: الموطَّأ للإمام مالك، وهو أقدم عمل فقهى عاش حتى يومنا هذا، ويعتبر دستورًا شرعيًّا مطابقًا لما جاءت به السُنَّة وأجمع عليه أهل المدينة، والمدونة الكبرى لسحنون، وهى عبارة عن مجموعة من آراء الإمام مالك، بالإضافة إلى تصحيحات وإجابات أرسلها ابن القاسم العتاقى تلميذ مالك إلى سحنون طبقًا لآراء مالك وآراء شيوخه ومعاصريه، وتعود أهميتها العلمية إلى أنها تصور العلاقة بين الدين والتجارة. ومازال المذهب المالكى معمولاً به فى كثير من الدول الإسلامية، وخاصة بلاد الشمال الإفريقى.

стр. 3255

* المهاجرون هم أصحاب رسول الله، الذين هاجروا فى سبيل الله تعالى؛ فرارًا بدينهم من مكة إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. وقد صارت هذه الهجرة صفة تكريم لأصحابها، فقيل: فلان ممن هاجر الهجرتين (أى: إلى الحبشة، والمدينة)، وقد تميز أصحاب هذه الهجرة فى الفئ دون غيرهم. وهذا النوع من الهجرة انتهى بعد مكة؛ فقد قال (: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا. ولكن ليس معنى ذلك أن كل أنواع الهجرة قد انتهى أمرها، فما دام هناك أعداء يتربصون بالإسلام وأهله، فسيظل باب الهجرة مفتوحًا، وقد قال (: من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرًا من الأرض، استوجبت له الجنة. وكل هجرة لغرض دينى من طلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه المرء طاعة أو قناعة وزهدًا فى الدنيا، أو ابتغاء رزق طيب فهى فى سبيل الله، وإن أدركه الموت فأجره على الله.

стр. 3256

* المزدكية مذهب ضال يُنسب إلى مزدك بن نامدان، المولود فى نيسابور سنة (٤٨٧ م)، الذى نادى بشيوعية النساء والأموال، وذلك لمنع الحروب والشقاء فى العالم. وكان مزدك فى أول أمره مانويًّا. ثم انشق عن المذهب المانوى وقال: إن الكون يرجع إلى ثلاثة أصول، هى: (الماء) و (النار) و (التراب)، امتزجت بنسب متساوية فكان الخير، وامتزجت بنسب متفاوتة فكان الشر. وكان يرى أن الإنسان ليكون ربانيًّا يجب أن يتمتع بأربع قوى، هى: (التمييز) و (الفهم) و (الحفظ) و (السرور)، لذا أمر أتباعه بالابتعاد عن البغضاء. وعندما علم ملك الفرس أنوشروان بفساد اعتقاد مزدك وأتباعه قتلهم سنة (٥٢٣ م). وقد انتشر هذا المذهب فى إيران وأذربيجان وأرمينيا، واهتم المسلمون بتاريخ المزدكية لفساد معتقدهم وخطورة مذهبهم، وأفردوا لها بابًا فى الفقه، يمنع الزواج منهم أو أكل ذبائحهم، ويحظر قبول الجزية منهم لاستباحتهم المحرمات.

стр. 3257

* الأرثوذكسية إحدى الطوائف المسيحية الثلاث الكبرى، وهى تعنى: الرأى المستقيم، وفى القرن الخامس الميلادى أصبحت هناك كنيستان أرثوذكسيتان، هما: (الأرثوذكسية المصرية)، ويؤمن معتنقوها بطبيعة واحدة فى المسيح من طبيعتين، ويغلِّبون الطبيعة الإلهية فى المسيح على الطبيعة البشرية، ويتزعم هذا الاتجاه (كنيسة الإسكندرية). و (الأرثوذكسية اليونانية)، ويؤمن أهلها بطبيعتين للمسيح، هما: الإلهية والبشرية. وهاتان الطبيعتان مستقلتان غير منفصلتين. ويتزعم هذا الاتجاه كنائس روسيا ومعظم أوربا الشرقية. وفى القرن الحادى عشر الميلادى حدث انشقاق بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية حول طبيعة المسيح، أدى إلى اختلاف فى الطقوس بينهما، لذلك فأغلب مسيحيى الشرق أرثوذكس، والتنظيم الكهنوتى للأرثوذكس يأتى على قمته البطريرك ثم المطارنة والأساقفة والقساوسة، وللكنيسة القبطية المصرية الأرثوذكسية دستور يتضمن جميع قوانينها ونظمها، يطلق عليه اسم دايدا سكاليا أى: تعاليم الرسل.

стр. 3258

* الراوندية هم جماعة من الروافض، أتباع عبد الله الراوندى، كانوا يرون أن عبد الله بن الحنفية أوصى إلى محمد بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بالإمامة، وأن الإمامة انتقلت من محمد إلى ابنه أبى جعفر المنصور. وقالوا: إن أبا جعفر المنصور هو الله، وهو العالم بكل شىء، ويعلم سرهم ونجواهم، ويحيى ويميت، وهو الذى يطعمهم ويسقيهم، واعتقدوا فى التناسخ. ولما بلغ المنصور قولهم أخذ جماعة منهم، فاعترفوا، فاستتابهم فلم يرجعوا، وقالوا: المنصور ربنا، فإذا شاء أحيانا، وإذا شاء قتلنا شهداء، وله أن يفعل ما يشاء بخلقه، ولا يُسأل عما يفعل. وخرجت جماعة منهم يطوفون بقصره، ويهتفون: أنت .. أنت .. ؛ أى: أنت الله، فكلف المنصور معن بن زائدة الشيبانى فخرج إليهم بعسكره وقتلهم، إلا أنه لم يستطع أن يقضى عليهم قضاءً تامًّا، إذ خرجوا بعد ذلك فى صورة ثورات مختلفة، مثل: ثورة المقنع الخراسانى وبابك الخرمى.

стр. 3259

* الاتحاد والترقى الاتحاد والترقى أول حزب سياسى ظهر فى الدولة العثمانية عام (١٣٠٨ هـ)، وكان فى الأصل جمعية سرية أنشأها بعض أعضاء جمعية تركيا الفتاة، وكانت أهدافهم المعلنة هي: إطلاق الحريات، وإقامة حياة نيابية، وإعلان الدستور، أمَّا الأهداف الخفية فهي: السعى للوصول إلى السلطة، وإسقاط الخلافة العثمانية، وتمزيق العالم الإسلامى، وتفتيت وحدته، والسيطرة عليه، وفتح الطريق أمام اليهود لإقامة دولة لهم فى فلسطين، ثم تمتد من النيل إلى الفرات. وكان معظم أعضاء هذه الجمعية منضمين إلى الجمعيات الماسونية، وكانوا خليطًا من أجناس وأديان وقوميَّات مختلفة، ولكن أغلبهم كانوا من الأتراك العثمانيين، وكان ضباط الجيش التركى هم أبرز العناصر فى جمعية الاتحاد والترقي. وقد أصبح هذا التنظيم السرى حزبًا علنيًّا فى سنة (١٣٢٧ هـ) بعد نجاحه فى الإطاحة بالسلطان العثمانى عبد الحميد الثانى، وأصبح هذا الحزب هو صاحب السلطة الحقيقية فى الدولة العثمانية فى الفترة من سنة (١٣٢٦ هـ) إلى سنة (١٣٣٧هـ). وبعزل السلطان عبد الحميد لم تعد للخلافة سيطرة على الدولة الإسلامية، فقد جاء من بعده سلاطين مستضعفون، وقعوا تحت سيطرة جمعية الاتحاد والترقي التى يقف من ورائها اليهود وكانت هذه الجمعية موضع شبهات منذ وقت مبكر. وقد استغل اليهود هذه الجمعية، ووفروا لها كل الإمكانات المادية، وكانت لهم الحظوة والمكانة فى الوزارات التى شكلتها، وكانت هذه الجمعية تعمل - بتوجيه من العناصر اليهودية - على إزالة كثير من القيود التى تقف فى وجه استيطانهم فى فلسطين، وكانت سياسة الاتحاد والترقى بعد أن أمسك أعضاؤه بزمام السلطة فى تركيا عنصرية متطرفة، فنادوا بتفوق العنصر التركى، وبضرورة سيادته على العناصر الأخرى، وبخاصة العنصر العربى. وقد أدت سياستهم هذه - فى النهاية - إلى سقوط الخلافة العثمانية، وتمزيق العالم الإسلامى،

стр. 3260

وضياع ثرواته، ووقوعه فى قبضة الاحتلال، واغتصاب فلسطين ، ثم إقامة دولة يهودية على أرضها.
следующие страницы →